نُشر النص الكامل لرسالة الحرس الثوري الإسلامي إلى الشعب الأميركي، التي عُقد صباح اليوم مؤتمر صحفي لشرحها من قبل المتحدث باسم الحرس الثوري. وجاء نص هذه الرسالة كالتالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
"إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (القرآن الكريم 13:11)
إلى الشعب الشريف في الولايات المتحدة الأميركية، والعلماء، والطلاب، وأصحاب الإعلام
مع تقديم الاحترام وبتحية شاكرة إلى أرواح الأنبياء العظام، وخاصة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم
قبل سبعة أشهر، افتتح جيش الولايات المتحدة الأميركية المعتدي، في انتهاك للقوانين الدولية حربه على إيران بهجومه على مدرسة ميناب الابتدائية ومذبحة 168 طفلاً تلميذاً، وبالهجوم في الوقت نفسه على مكتب الإمام السيد علي الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية، واستشهاد سماحته وعائلته، ومنهم حفيدته البالغة 14 شهراً؛ حرب استُشهد فيها حتى الآن أكثر من 3600 شخص، معظمهم من المدنيين، بينهم 400 طفل، وقُصفت 8 جامعات و3 مستشفيات و8 مدارس. لكن رغم الأعمال الجبانة والجرائم غير المسبوقة في هذه الحرب، هُزمت أميركا وإسرائيل بجهد جهيد، وحققت الثورة الإسلامية نصراً حاسماً.
في تاريخ حروب أميركا التي لا تنتهي، كانت الحقيقة أول ضحية، وكان الشعب الأميركي الضحية الدائمة لهذه الحروب. فدافعو الضرائب الأميركيون هم من يدفعون تكاليف هذه الحروب، ولهم الحق في معرفة الحقائق التي تُخفى عنهم. لنبدأ ببعض الأسئلة.
لماذا انتصرت إيران، ولماذا هُزم الجيش الأميركي في الحرب مع الجمهورية الإسلامية، رغم أن ميزانيته السنوية تبلغ مئة ضعف القوات المسلحة الإيرانية، وأسلحته ومعداته تفوقها بمئات الأضعاف؟
هل الإيرانيون أعداء للشعب الأميركي؟ وإذا لم يكونوا كذلك، فلماذا يهتف الشعب الإيراني "الموت لأميركا"؟ هل ادعاء الحكومة الأميركية بأن الحرس الثوري إرهابي صحيح؟
لماذا تفشل دائماً المساعي الواسعة التي بذلها النظام الأميركي على مدى 48 عاماً لإعادة الهيمنة على الشعب الإيراني؟
لماذا يتجه النظام الأميركي، مع استمرار مساره الحالي، نحو الأفول بسرعة؟
ماذا ستكون نهاية هذه الحرب؟ وكيف يمكن للشعب الأميركي أن ينقذ نفسه من تبعات الاعتداءات الظالمة وأن يتحرر من الانهيار القادم؟
هذه مسائل نريد أن نطرحها معكم بصدق في هذه الرسالة. وإذا شككتم في صدقنا، يمكنكم بزيارة قصيرة إلى أي مكان في إيران تريدونه، حتى مضيق هرمز، أن تختبروا صحة أقوالنا بأنفسكم.
عوامل انتصار إيران في مواجهة الهجوم الأميركي
لماذا انتصرت إيران في الحرب رغم أن ميزانيتها الدفاعية السنوية تعادل واحداً من مئة من ميزانية الدفاع الأميركية؟
لمعرفة المنتصر في الحرب، يجب النظر إلى أي طرف حقق هدفه. قالت السلطات والمؤسسات الأميركية والإسرائيلية في البداية إن هدف الهجوم على إيران هو "تغيير نظام الجمهورية الإسلامية" و"تقسيم إيران". لكن بعد الفشل في هذين الهدفين في حرب بلا استراتيجية، طرحوا كل أسبوع هدفاً جديداً:
"استسلام إيران دون قيد أو شرط"، "احتلال جزيرة خارك والسيطرة على نفط إيران"، "هجوم بري واحتلال الأراضي الإيرانية"، "تدمير جميع البنى التحتية الصناعية"، "تدمير جميع البنى التحتية للطاقة وإعادة إيران إلى العصر الحجري"، "تدمير حضارة إيران"، "تنفيذ عملية الحرية والسيطرة على مضيق هرمز"، "منع الصادرات والواردات إلى إيران"، "تدمير الصناعة النووية"، "تدمير القدرة الصاروخية والمسيّرة"، "ضم مضيق هرمز إلى الأراضي الأميركية وفرض رسوم بنسبة 20%"، "تدمير الدفاع الجوي والسيطرة على سماء إيران"، و"إنهاء دعم إيران للمقاومة الإسلامية"؛ كانت 13 هدفاً جديداً طرحها الرئيس الأميركي بعد الفشل في الهدفين الأوليين خلال الحرب.
ألقت أميركا وإسرائيل آلاف القنابل والصواريخ على المباني الإدارية والسكنية، والأسلحة التقليدية القديمة، والبنى التحتية العسكرية والمدنية الفرعية، لكن لم تحققا أي تقدم في الأهداف المعلنة، سوى تدمير جزء من الصناعة النووية وعدد محدود من مواقع الدفاع الجوي.
والآن، بعد سبعة أشهر من الحرب الظالمة، لم يصل الجيش الأميركي، بميزانية سنوية تعادل مئة ضعف ميزانية إيران ومعدات تفوقها بمئات الأضعاف، رغم استعانته بالجيش الإسرائيلي (الذي يُدّعى أنه القوة التسليحية الرابعة في العالم)، إلى أي من أهدافه الخمسة عشر المعلنة، ولم يتحقق هدف الحرب الخفي، أي إدراج جرائم إسرائيل الفظيعة في فلسطين في طي النسيان، ولا يزال ملف الإبادة الجماعية في غزة في صدارة اهتمامات الرأي العام العالمي.
المصاديق الموضوعية لانتصار الجمهورية الإسلامية
لم يقتصر انتصار إيران على إفشال العدو في تحقيق أهدافه. فالانتصار الكبير كان كسر هيبة الجيش الأميركي، وإنزال أميركا من عرش القوة العظمى في هذه الحرب؛ وهذا الانتصار الكبير كان هزيمة لا يمكن جبرانها للاستكبار. فقد دُمّر أكثر من 200 طائرة مسيّرة استراتيجية باهظة الثمن، و12 طائرة للتزود بالوقود والنقل، و30 مقاتلة، وطائرة أواكس واحدة على الأقل، وعشرات المروحيات، وعشرات أنظمة الرادار والدفاع الجوي الباهظة جداً، وأكثر من 350 وحدة من منشآت وبنى تحتية لقواعد الجيش الأميركي، واقتربت القدرة العملياتية لـ18 قاعدة أميركية في المنطقة من الصفر. والأهم من كل ذلك كانت الانتصارات الاستراتيجية المذهلة:
1) تحوّل ما حققه حكام أميركا من عقود من الحرب المعرفية لتغريب الأجيال الجديدة في إيران وجعلها غريبة عن الثقافة والحضارة الإيرانية الإسلامية إلى رماد. فالخطأ الكبير لأميركا في التحالف مع الكيان الإسرائيلي المكروه، واستشهاد القيادة والأطفال الأبرياء في ميناب، جعل طبيعة حكام أميركا الإجرامية ملموسة للجيل الجديد، وبعزمهم على الجهاد، تُضمن استمرارية الثورة الإسلامية لجيلين قادمين.
2) خفت تأثير الحرب الإعلامية الرامية إلى جعل الشعب الأميركي متشائماً تجاه إيران، ومكانة إيران في الرأي العام الأميركي تتجه نحو الارتفاع بسرعة. كما أن معرفة الناس ونفورهم من العامل الأساسي للحرب، أي إسرائيل، يتزايدان بشكل ملموس.
3) تعمّق الاتحاد الوطني للإيرانيين، وتبددت نصف قرن من التمهيد الذي قام به العدو لتقسيم إيران، وأصبحت القوميات تفتخر بإيرانيتها أكثر من أي وقت مضى.
4) لأول مرة في التاريخ، فرضت إيران سيطرة عملياتية على مضيق هرمز، وهرب الأسطول الأميركي إلى أعماق المحيط الهندي، ولم يعد بإمكان أي سفينة حتى الرسو في رصيف الأسطول الخامس الأميركي.
5) لم تُدَمَّر مخزونات إيران الصاروخية والمسيّرة، بل زاد إنتاجها بتقنيات أكثر تطوراً وفي ظروف محصنة.
6) أصبح الدفاع الجوي الإيراني أكثر نضجاً وقوة كلما مضى يوم من الحرب، وفي النهاية أسقط المقاتلات لأول مرة بأداء أقوى بكثير.
7) في بداية الحرب، شاهد الناس في شوارع المنامة والدوحة هروب العسكريين الأميركيين من القواعد وهم يبحثون بملابسهم الداخلية عن مكان يختبئون فيه. وفي الأيام التالية، كانت البيانات الرسمية للجيش الأميركي تعلن بانتظام إحصاءات خروج القوات الأميركية من المنطقة. وقد أصبحت القواعد الأميركية أشبه ببيوت الأشباح، وتُهّيأت مقدمات حلّها.
8) أصبح دعم إيران للمقاومة أعمق بكثير، حتى إن أميركا اعترفت في مذكرة التفاهم بوحدة ساحات المقاومة.
9) لم تدمّر حضارة إيران فحسب، بل اكتسبت إشراقاً أكبر، وحصلت إيران على مكانة أرفع بكثير في قلوب الأمم. فالمكانة السياسية والموقع العالمي المتميز لإيران لا يقارنان بما كان عليه قبل الحرب. يكفي أن تتظاهر بأنك إيراني أثناء سفرك إلى دول أخرى، وسترى في أي مكان من العالم غالباً ردود فعل إعجاب من الناس، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو بوذيين، وحتى كثير من اليهود وغير المتدينين.
10) خلق انتصار إيران وعياً ذاتياً وثقة بالنفس هائلة لدى أمم العالم، وهو ما سيكون مصدراً لأكبر التحولات التاريخية في إعمال إرادة الأمم وإنهاء التسلط.
11) الإجراء غير القانوني للجيش الأميركي بمنع التحرك الحر للسفن في المحيط الهندي، الذي أسمته الحكومة الأميركية حصاراً بحرياً لمضيق هرمز، أدى عملياً إلى ازدهار أكبر للإنتاج المحلي وزيادة حادة في قدرة التفاعل الاقتصادي بين إيران وجيرانها.
12) عرّف استشهاد الإمام الخامنئي نظام ولاية الفقيه للعالم. فقد بُطلت الأسطورة الكاذبة بأن ولاية الفقيه ديكتاتورية، من خلال تشييع عاشق بملايين المشاركين، وإدارة البلاد دون أدنى اضطراب في غياب القيادة، وأُثبتت حقانية هذا النظام وتفوقه وتأكدت للجميع:
-ولاية الفقيه تعني ذروة المحبة والحنان والثقة المتبادلة بين الشعب والحكام
-ولاية الفقيه تعني القدرة على الصمود في وجه القوى الشيطانية بتسليح يفوقها بمئات الأضعاف، والانتصار بأسلحة محلية مئة في المئة ودون أي مساعدة خارجية
-ولاية الفقيه تعني كسب قلوب أمم العالم في مواجهة العداء بوسائل إعلام تفوقها بآلاف الأضعاف
-ولاية الفقيه تعني عدم خلو رفّ أي متجر، حتى بعد 48 عاماً من الحصار والتدمير الاقتصادي
-ولاية الفقيه تعني أسرع تقدم علمي في العالم في ظل أشد العقوبات العلمية والتكنولوجية
-ولاية الفقيه تعني 37 عاماً من الحكم دون أدنى امتياز مادي لنفسه ولأبنائه، وعيشاً في مستوى الطبقات المحرومة
السبب الرئيسي لانتصار إيران
السبب الرئيسي لانتصار إيران ليس الطائرات المسيّرة والصواريخ. فأميركا وإسرائيل لديهما صواريخ وطائرات مسيّرة أكثر، ولهما أيضاً أسلحة متنوعة أخرى لا نمتلكها. السبب الرئيسي لانتصارنا هو ثلاثة أمور: المدرسة والرؤية الكونية التوحيدية المتميزة للقرآن، والإيمان والوحدة الشعبية حول مدرسة القرآن والقيادة الإلهية.
1. المدرسة
إيران هي مهد أشهر الثورات في العصر الحديث وأكثرها غموضاً في الوقت نفسه. ثورة تقوم على القرآن ودين الله وعلى امتداد الأنبياء والمصلحين الإلهيين الكبار؛ فالجذر الراسخ والفكر الأساسي لهذه الثورة هو الرؤية الكونية التوحيدية للقرآن.
الصدق، والحرية، ومساواة البشر، والعدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الآخرين، والوعي الذاتي لأفراد المجتمع، والإحسان، وتفضيل المثل الإنسانية على الأمنيات الشخصية، كلها من المبادئ الاجتماعية للنظام الإسلامي. وفي الفكر القرآني، البشر إخوة وأخوات لبعضهم وكلهم عباد الله. ولا فرق بين الأعراق والألوان وشعوب البلدان، وهذه ليست سبباً لتفوق شخص أو أمة. فالإنسانية متصلة، والاعتداء على إنسان واحد اعتداء على الإنسانية كلها.
أساس فكرنا يقوم على هدف بعثة الأنبياء، أي الإيمان بالله والقيام من أجل العدالة؛ وقد تعلمنا من القرآن "ألا نظلم ولا نقبل الظلم". ويجب أن نقوي أذرعنا لحماية هذه القيم، وأن نسد الطريق على شياطين الشر والفساد؛ وأن نحارب الجهل والظلم، وأن نحمي العلم والعدل والحرية. والاستسلام أمام أعداء الفضيلة والعدالة هو رضا بتدمير هذه القيم. وسر عدم استسلام الشعب الإيراني، رغم العداوات المستمرة للقوى العظمى، هو التزامه بهذه المبادئ.
2. شعب متماسك حول محور هذه المدرسة
هذه الأسس ليست مسائل نظرية فحسب، فشعبنا المتحمس والمضحي لديه نماذج عملية من القرآن تُعد أساطير بارزة في التاريخ، وأي أمة تقتدي بها ستكون غير قابلة للهزيمة.
إذا أردتم معرفة سر عدم قابلية الشعب الإيراني للهزيمة، فاقرأوا واقعة عاشوراء واعرفوا الإمام الحسين كنموذج للإيرانيين في الصمود حتى الموت من أجل العدالة والنقاء؛ لقد قُتل مظلوماً وعطشاناً، لكنه لم يستسلم أبداً للظلم.
هل تريدون معرفة لماذا لم يخاف الشعب الإيراني من قسوة الجيش الأميركي الشديدة في قتل أطفال ميناب ولم يتراجع؟ اقرأوا قصة العطش، واعرفوا علي الأصغر، رضيع الإمام الحسين، الذي استُشهد بسهم العدو على يدي والده وهو عطشان.
تسألون لماذا لا يُضلل الإيرانيون بالوعود الخادعة؟ ابحثوا عن ذلك في واقعة يدي العباس المقطوعتين؛ الذي رفض أمان العدو واستُشهد في سبيل إيصال الماء إلى الأطفال العطاشى.
يمكنكم اكتشاف سر نجاح الشعب الإيراني في مواجهة 48 عاماً من العقوبات الشديدة والمؤامرات التي لا تنتهي، بمراجعة ملحمة صبر وصمود السيدة زينب؛ التي وقفت أثناء الأسر بخطبها البليغة في وجه الحكام الظالمين، وهي السيدة التي تعد مثل السيدة مريم المقدسة سيدة نساء العالمين.
3. قائد كفؤ وصالح
السبب الرئيسي لانتصارنا بإمكانات ضئيلة أمام جيوش تمتلك أسلحة لا محدودة هو وجود قيادة تُحدد وفق مؤشرات هذه المدرسة وتجسّد هذه النماذج الفريدة في التاريخ؛ قيادة عادلة قادرة على تمهيد مسار تنفيذ العدالة. الإمام السيد مجتبى الخامنئي الذي أرعب بقدرته القيادية الفريدة قوتين تسليحيتين متفوقتين في العالم. قيادة تخشى الله وعادلة، وعالمة وحكيمة، وزاهدة ونقية وشجاعة؛ وهذا ما تفتقر إليه قواتكم المسلحة وبلدكم.
في دستور الجمهورية الإسلامية، القائد والقائد العام للقوات المسلحة هو الولي الفقيه الذي يحدده مجموعة من الخبراء والفقهاء، وهؤلاء الخبراء يُنتخبون أيضاً في انتخابات مباشرة من قبل الشعب. ويجب أن تتوفر في الولي الفقيه خمس صفات:
أولاً: عالم بارز، فقيه، وحكيم عاقل
ثانياً: عادل؛ لم يظلم أحداً ولا يظلم
ثالثاً: تقي؛ بعيد عن الذنوب وغير منشغل بالمصالح الشخصية
رابعاً: مطّلع على قضايا العصر
خامساً: شجاع
النموذج التاريخي لهذا الحكم هو النبي محمد والإمام علي، أبرز علماء التاريخ البشري وأكثر الحكام طهارة وعدالة فيه.
وقد كان مثال هذه القيادة في العصر الحاضر الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، الذي استُشهد على يد الجيش الأميركي الإرهابي. لقد تعامل مع الناس بعدالة ومحبة إلى حد أصبح الناس كل يوم أكثر عطشاً لتوجيهاته. وقد شاهد العالم أنه بعد 37 عاماً من القيادة، كان له هذا المكان في قلوب الناس، حتى شيّعه عشرات الملايين في محيط من الدموع. ولم يكن له احترام خاص في إيران فقط، بل عند شعوب العالم أيضاً. ففي العراق، الذي كان قد خاض معنا حرباً لثماني سنوات بتحريض أميركي وظلم صدام، شيّع 12 مليون شخص من الشعب العراقي الفهيم والكريم وصاحب الوفاء جثمانه في مسار طوله 80 كيلومتراً لمدة 23 ساعة، وبكوا على فراقه كأم فقدت ولدها. ونحن على ثقة أنه لو أُقيم هذا التشييع في لندن ونيويورك أيضاً، لتكررت نفس المشاهد المليئة بالحب والعاطفة.
السبب الرئيسي لهزيمة أميركا وإسرائيل
لم تكن هزيمة قادة مغرورين بأسلحة لا نظير لها ووفيرة العدد، مع جيش منهك ومستنزف يفتقر إلى هدف ومثال مشترك، قد خاض 70 عاماً دون توقف من حروب عبثية وعقيمة، أمراً غريباً وغير متوقع. فقد انهارت الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ جميعها في مثل هذه الظروف.
جيش لا يعرف لماذا يجب أن يقاتل باستمرار هنا وهناك في العالم؟ لماذا يجب أن يدخل حروباً لم يكن لعاقبة أي منها نتيجة سعيدة ومفيدة؟ لماذا يجب أن يخاطر بحياته من أجل هيئة حاكمة جامعة للمال لا تتخلى أبداً عن المصالح الشخصية من أجل أهداف وطنية وعقائدية؟ لماذا يجب أن يقاتل من أجل الكيان الوحشي الغاصب إسرائيل؟ لماذا يجب أن يتبع أيديولوجية لا تلتزم بأي حد إنساني أو قيمة أخلاقية؟ فكر لا يكون فيه الظلم قبيحاً، ويجلب على الجيش عار وصفه بقتل الأطفال والمجرم. جيش لا يمتلك أي نموذج مشرف، ويضطر إلى الاستلهام من أفلام الخيال وألعاب الكمبيوتر العنيفة. كل هذه المشكلات، التي تكفي كل واحدة منها وحدها لهزيمة جيش، تنبع من نقص أساسي واحد: "غياب القيادة الكفؤة".
لكن السبب الرئيسي لهزيمة أميركا بكميات أسلحتها الهائلة ليس فقط غياب القيادة الصالحة، بل إذا قستم القيادة العامة للقوات المسلحة الأميركية وفق المعايير التي تُقاس بها القيادة في إيران، أي العلم والحكمة والصدق والطهارة والتقوى والشجاعة والإلمام بالعصر، فستقرّون بأنها اختيرت على نحو مذهل وغير قابل للتصديق، وبشكل يخالف هذه المؤشرات الصحيحة بنسبة مئة في المئة.
لقد سُلم الأمن الوطني ودماء العسكريين الأميركيين إلى شخص ليس فقط شديد الكذب، بل شديد الحرص على الدنيا وجمع المال؛ ففي علاقاته مع الدول الغنية يأخذ منها الرشاوى ويتصرف معها على أساس مصالحه الشخصية. وفي العلاقات الدولية، يجعل أعضاء أسرته وشركاءه التجاريين ممثلين لأميركا بدلاً من الأجهزة الرسمية، بل إنه يضبط إيقاع الحرب ليس على أساس المصالح الوطنية الأميركية، بل على أساس ملء جيبه وبيع وشراء الأسهم لنفسه ولمن حوله.
من الواضح جداً في المواجهة بين هذين القائدين، أيّهما يدعمه الله؛ ومن الواضح أنه في معركة المؤمنين المظلومين المطالبين بالعدالة مع الحكومة الظالمة المعتدية الأميركية، لن يقف الله أبداً في جانب الجيوش الظالمة القاتلة للأطفال.
يقول رئيس الجمهورية الأميركي دائماً إننا نمتلك أكبر جيش في العالم بأسلحة لا تنتهي. وهذه الحقيقة نفسها هي أكبر دليل على عدم كفاءة القيادة العامة لهذه القوات، لأنه رغم امتلاكه مثل هذا الجيش الكبير، فهو خاسر دائماً وفي كل مكان. فقد ترك في فيتنام عاراً أبدياً، وهرب من أفغانستان، وطُرد من العراق، وفرّ في حرب اليمن، واليوم هُزم بجهد جهيد في إيران.
الانتصار لا يعتمد على الإمكانات، فالله أقوى من كل القوى، وأي طرف يساعده فهو منتصر. ذلك الإله نفسه الذي غلّب نوحاً بالطوفان العالمي على المستكبرين، وأنقذ إبراهيم من نار النمرود؛ الإله الذي أنقذ يوسف من قاع البئر وجعله حاكماً لمصر، وأعبر موسى وقومه البحر وأغرق فرعون وجيوشه؛ الإله الذي سمح لعيسى بأن يحيي الموتى، يريد اليوم أن يغرق فرعون العصر، وسيفعل.
هل الإيرانيون أعداء للشعب الأميركي؟ وإذا لم يكونوا كذلك، فلماذا يهتفون "الموت لأميركا"؟ وما علاقة الحرس الثوري بالإرهابيين؟
الألم المشترك لشعبي إيران وأميركا
الشعب الإيراني والشعب الأميركي، كلٌّ منهما واقع بطريقة ما تحت ظلم حكام البيت الأبيض. وجذر الآلام المشتركة بيننا وبينكم هو أن حكام البيت الأبيض الديكتاتوريين، الذين يجمعون أصوات الناس بالدعاية المضللة، ليسوا الممثل الحقيقي للشعب الأميركي، بل ممثلون لكبار الرأسماليين الصهاينة، ومن أجل إرضائهم يضيعون ليس فقط حقوق الشعوب الأخرى بل حقوقكم أيضاً، ويفضلون دائماً مصالح الصهاينة على مصالح الشعب الأميركي. والظلم الذي يمارسه زعماء البيت الأبيض ضد الشعب الأميركي ليس أقل من ظلمهم لسائر الشعوب، بل ربما أكثر. وهناك دلائل كثيرة لفهم هذه الحقيقة.
الولايات المتحدة لديها 4% من سكان العالم، لكن 20% من سجناء العالم موجودون في السجون الأميركية، في حين أن كثيراً من الأعمال التي تُعد جريمة في دول أخرى ليست جريمة في أميركا.
سنوياً يُقتل أكثر من 1300 شخص من الشعب الأميركي برصاص الشرطة في الشوارع دون أي محاكمة، وهو رقم لا سابقة له حتى في الصين والهند، وكل منهما يبلغ تعداده ملياراً ونصف المليار.
لقد استخدم حكام البيت الأبيض سياسة "فرّق تسد" ليس فقط للهيمنة القهرية ونهب موارد الشعوب الأخرى، بل حتى ضد الشعب الأميركي نفسه. وأنتم أنفسكم تشهدون إلى أي انقسام وخلافات عميقة أوقعوا الشعب الأميركي اليوم. انقسام حاد لم يكن له سابقة منذ الحروب الأهلية.
لطالما ضحى البيت الأبيض بمصالح الشعب الأميركي وكل الشعوب الأخرى في سبيل مطامع إسرائيل. حتى في أقسى الظروف الاقتصادية، وبينما عشرات الملايين من الأميركيين تحت خط الفقر، يتبرع سنوياً بمليارات الدولارات كمساعدات مجانية من أموال دافعي الضرائب الأميركيين لجيش إسرائيل ليواصل قتل الأطفال؛ وبفرض ضرائب إضافية لتأمين تريليونات الدولارات لتكاليف حروب لا تنتهي على بعد آلاف الكيلومترات، يجلبون على أميركا التضخم والبطالة والفقر ومقتل الجنود وسوء السمعة، ويفرضون على شعوب الدول الأخرى الموت والدمار والتشريد.
بلد يمتلك حشداً من العلماء والمفكرين والفنانين والأبطال الرياضيين، ويمكن أن يكون أكثر بلد محبوب في العالم، أصبح اليوم بسبب أداء ساسة فاسدين أكثر بلد منبوذ ومكروه.
هذه، ودلائل كثيرة أخرى، أسباب واضحة على أننا وأنتم نتشارك الألم.
معنى "الموت لأميركا"
إذن، لا يمكن أن يكون المقصود من "الموت لأميركا" الموت للشعب الأميركي الذي وقع هو نفسه ضحية للظلم. إن "الموت لأميركا" هو الموت لحكام البيت الأبيض الظالمين؛ إنها صرخة من ألم الظلم؛ فهل يجب أن يُحرم المظلوم من هذه الصرخة أيضاً؟
ملوك البيت الأبيض يظلموننا ويظلمونكم، مع فارق أننا اتخذنا قرارنا للتحرر من هذا الظلم، ونحن مستعدون لتقديم التضحيات في هذا الطريق، لأن الإسلام يرفض ويعتبر باطلة الأنظمة القائمة على القوة والتسلط، التي تولد الظلم والجهل والاختناق والاستبداد وتحقير الإنسان والتمييز بين الأعراق والشعوب والدماء واللغات، ويحارب بشدة وصمود كل نظام وكل من يشدّ حزامه لمحاربة النظام الإسلامي، ويأمر بالمحبة والمساعدة لجميع البشر، سواء كانوا من أبناء دينه أو من غير أبناء دينه.
لم تنجُ أي ثورة من عداء نظام الهيمنة في العالم؛ لكن تنوع وعمق واتساع وضراوة العداوات التي واجهتنا على مدى 48 عاماً هي حكاية استثنائية وجديرة بالسماع لا تتسع لها هذه الرسالة؛ لكن بمراجعة قائمة بجزء من المظالم التي مارسها حكام أميركا ضد الشعب الإيراني، لن تبرّئونا فقط إن هتفنا ليلاً ونهاراً بالموت لأميركا، بل ستكررون معنا هذا الهتاف أنفسكم.
قائمة قصيرة من 73 عاماً من الظلم والجريمة بحق الشعب الإيراني
الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026 ليست بداية عداء، بل هي الستار الأخير من 73 عاماً من ظلم وجريمة الحكومة الأميركية ضد الشعب الإيراني. ظلم بدأ عام 1953 بانقلاب على الحكومة الإيرانية القانونية، وتنصيب الشاه الديكتاتور الهارب، وتأسيس السافاك وغرف التعذيب المرعبة، وقتل الناس لتمهيد طريق نهب النفط واستخدام موقع إيران الجغرافي الخاص للهيمنة على دول أخرى من قبل أميركا، ولا يزال مستمراً حتى اليوم.
وفي عام 1979، غلب الشعب الإيراني الشاه وأنهى 25 عاماً من التعذيب والقتل التي جرت بمساعدة 50 ألف مستشار عسكري ومدني أميركي متمركزين في إيران. ولم يكن الشعب الإيراني يقصد ظلم أحد، بل أراد فقط أن يكون حراً ومالكاً لموارده وأن يصون قيمه الوطنية والدينية، لكن فور سقوط ديكتاتورية الشاه، حاولت السفارة الأميركية في طهران، التي لم تكن سفارة بل عشاً للجواسيس ومحطة رئيسية للـCIA في المنطقة، إسقاط الحكومة الشعبية الثورية عبر تسليح القوميات على الحدود، وتشجيعها على محاربة الحكومة الشعبية للثورة، وتنظيم أعمال الشغب في المدن، وتنفيذ انقلابات عسكرية متكررة. فاضطر الشعب الإيراني للتحرر من هذه الأزمات إلى احتلال عش الجواسيس الأميركي وإنهاء عمله.
وكان الإرهاب العنيف من بين العداوات الحاقدة الأخرى مع الثورة. فقد أنشأت جماعات بلا قاعدة شعبية، بدعم من الحكومة الأميركية وحلفائها، أكبر شبكة إرهابية. وكان الاغتيال الفردي والجماعي، والتفجيرات الهائلة، واختطاف الطائرات، والاختطاف، والتعذيب والمذابح المرعبة، من أعمال الجماعات الإرهابية المدعومة من أميركا. وقد بلغ ضحايا هذه الموجة من القسوة والعنف أكثر من 20 ألف شخص من جميع الشرائح؛ من الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس السلطة القضائية والنواب والعلماء إلى أفراد المجتمع العاديين؛ العمال والكادحين والنساء والأطفال والمارة الأبرياء.
وبعد فشل تلك المؤامرات، دفع حكام أميركا صدام، ديكتاتور العراق، إلى الحرب على إيران. وبعد سنوات من الحرب وظهور دلائل هزيمة صدام، أنشأ الجيش الأميركي غرفة عمليات مشتركة مع جيش البعث، وجلب بوارجه إلى المنطقة، وبدأ في إحداث أزمات لإنقاذ صدام بشن هجوم مباشر على السفن والمنصات النفطية، وتسليح نظام صدام بأسلحة كيميائية لقتل المواطنين في إيران والعراق، وهاجم طائرة الركاب الإيرانية فاستشهد 290 رجلاً وامرأة وطفلاً.
وبعد مرور 8 سنوات والهزيمة في الحرب المفروضة، لجأ البيت الأبيض، الذي كان قد بدأ منذ انتصار الثورة الإسلامية بسرقة مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية في البنوك الخاضعة لسيطرة الحكومة المركزية الأميركية وفرض عقوبات اقتصادية، إلى إجراء جديد ففرض أكثر العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة في التاريخ على إيران.
وفي الوقت نفسه، ومن أجل الحرب النفسية ضد الشعب الإيراني، أطلق نفس الإرهابيين المهزومين السابقين، الذين أعلن معظمهم مسؤوليتهم عن جرائمهم، العشرات من القنوات الفضائية في أميركا وأوروبا تحت إشراف الأجهزة الاستخباراتية، تعمل على شن حروب معرفية لزعزعة أمن إيران، وسلّحوا الجماعات الإرهابية والرعاع. لكن رغم عدة موجات من التحريض على الفوضى في إيران، لم تحقق الحكومة الأميركية نتيجتها المرجوة، وهي إسقاط نظام الثورة الإسلامية في إيران. وفي النهاية كشفت الحكومة الأميركية ورقتها الجديدة، وهي تأسيس داعش والقتل الوحشي للمدنيين في سوريا والعراق وإيران. وعندما هُزم داعش في حرب صعبة وطويلة على يد قوات المقاومة، اغتيل القائد سليماني، بطل الحرب على داعش، الذي فكك داعش بحرب مبتكرة، بأمر من ترامب، رئيس الجمهورية الأميركي، أثناء زيارة رسمية إلى العراق، بواسطة مروحيات أميركية.
هذه ليست سوى جزء من شرور الحكومة الأميركية ضد الشعب الإيراني. وفي الفواصل بين هذه الجرائم الكبيرة، كان هناك جريان مستمر لشرور أخرى ضدنا. احتلال أفغانستان وزيادة إنتاج المخدرات هناك وتوزيعها بأسعار رخيصة بين الشباب الإيراني، وترويج ثقافة العلاقات خارج الأسرة عبر الفضاء الافتراضي لتفكيك الأسر، وتأسيس جماعات إرهابية للتفجير في المراكز الدينية، وإحراق المساجد والمكتبات ومراكز العلوم الدينية، والعقوبات الدوائية التي أدت إلى وفاة مرضى انحلال البشرة الفقاعي، ومئات الإجراءات اللاإنسانية والتخريبية الأخرى التي تكفي قائمتها وحدها لكتاب مفصل.
وبعد فشل كل هذه الحروب والمؤامرات، وعدم جدوى الحروب والمؤامرات غير المباشرة ضد إيران، سلكت الحكومة الأميركية طريق الحرب المباشرة، فدخلت في يونيو 2025 الحرب مع إيران بمشاركة الكيان الصهيوني، لكن هذه الحرب أيضاً انتهت بهزيمة أميركا والكيان الصهيوني في غضون 12 يوماً، رغم استشهاد أكثر من ألف شخص من الشعب، بينهم عشرات العلماء في منازلهم مع أكثر من 120 طفلاً.
واعتبرت أميركا وإسرائيل الاستقرار الداخلي في إيران سبب هزيمتهما في حرب الـ12 يوماً، وتصورا أنهما لو أخلّا بالوضع الداخلي أولاً ثم هاجمتا فسيفوزان. لذا، بإرسال عناصر إرهابية وإرسال كميات هائلة من الأسلحة وشن حرب نفسية وإعلامية في يناير 2026، أثاروا فوضى، وباختراق عناصر من CIA والموساد بين المحتجين، استشهد أكثر من 2300 من أفراد الأمن والناس الأبرياء، ليضيفوا إحصاءات القتلى الذين كانوا هم أنفسهم سبب قتلهم، ويتهموا النظام الإسلامي بالقتل، وبتقسيم الإيرانيين إلى فريقين بسبب الشقاق بين الناس، يدخلوا الحرب بحجة دعم طرف واحد. وقد فشلت تلك المؤامرة الكبيرة أيضاً بيقظة الناس والحفاظ على وحدتهم ورد فعل قوات الأمن في الوقت المناسب، ولم تحقق شيئاً.
وبدلاً من الاعتبار والبحث عن جذور أسباب الفشل المستمر 48 عاماً أمام الثورة الإسلامية، بدأت الحكومة الأميركية الحمقاء في 28 فبراير 2026 حرباً جديدة علينا بالتحالف مع الصهاينة، لا تزال مستمرة حتى الآن. وكل يوم تظهر آثار أكثر لانتصار إيران في هذه الحرب، ونحن على يقين من أن أميركا ستتذوق قريباً طعم الهزيمة النهائية أيضاً.
هذه القائمة من الشرور التي اطلعتم عليها ليست عريضة اتهام ضد الشعب الأميركي، بل جزء من السجل الأسود لزعماء النظام الأميركي، وهتاف الموت لأميركا هو الموت لهذه الجرائم، وليس هتافاً ضد الشعب الأميركي، الذي سيوقع هو نفسه على هذه العريضة إذا علم بما فعلته حكومته بنا.
وليس رفض رؤساء أميركا خلال 48 عاماً مضت الوقوف أمام صحفي من الجمهورية الإسلامية والرد على أسئلته مصادفة. فهم يعلمون أنهم في مثل هذه المقابلة لن يتمكنوا حتى من إقناع الرأي العام لمعارضي الجمهورية الإسلامية في أميركا، ولن ينتج عن ذلك سوى إثبات حقانية إيران لهم.
علاقة الحرس الثوري بالإرهاب
كما هي العادة دائماً، يلعب نظام الهيمنة بالمفاهيم وفق هواه، ويغيرها بما يتوافق مع مصالحه، ويستخدم كل إمكاناته لترويجها. والإرهاب وحقوق الإنسان نموذجان من المفاهيم المُعدَّلة.
ومن أغرب ألاعيب السياسة أن يُتهم أشد ضحايا الإرهاب الأعمى والعنيف بالإرهاب!، ومن قبل أولئك الذين يلعبون الدور الرئيسي في تنظيم الإرهابيين وتشجيعهم. فيسمون من يثورون ضد الظلم والاحتلال إرهابيين، ثم يرفعونهم فوراً من القائمة الإرهابية بعد استسلامهم ومشاركتهم في جرائم المحتلين، ولا يوجد أي معيار في هذا المجال سوى خدمة مصالح الصهيونية.
وقد قيل عن ثورتنا والحرس الثوري، الذي تأسس لحمايتها، أكثر من المعتاد كلاماً متحيزاً أو جاهلاً. فثورتنا، حتى في بدايتها، كانت شعبية مئة في المئة؛ لم تكن جماعة حرب عصابات مسلحة، ولا حزباً سياسياً عسكرياً فاعلاً، ولا مجموعة من الضباط الثوريين والأحرار، ولا أي نوع آخر من الأنواع الشائعة والمعتادة التي تُحدث التحولات الثورية في البلدان، لم يكن لها وجود وحضور ونشاط في ثورتنا؛ لم يكن هناك سوى الشعب، الشعب فقط، أعزل تماماً وفارغ اليدين؛ كان سلاحهم إيمانهم وإرادتهم القوية ودمهم. في ثورتنا، انتصر الدم في الواقع على السيف.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية، تشكلت في إيران، وفقاً للدستور، مؤسسة شعبية بالكامل بملايين الأعضاء من الشعب لحماية الثورة. وقد سُميت هذه المؤسسة "الحرس الثوري الإسلامي"، لتقوم، بحشد الملايين من الشعب، بحماية استقلال وحرية ومنجزات ثورة الشعب في مواجهة المؤامرات. وإذا كنا نرى اليوم أن الحكومة الأميركية وبعض الدول الأوروبية الاستعمارية تسمي الحرس الثوري إرهابياً، فالسبب هو أن الحرس الثوري كان أهم سد في طريقهم أمام تنفيذ الانقلابات والاغتيالات والمؤامرات والحروب المفروضة وسائر الأهداف الاستعمارية التي اطلعتم على قائمة بجزء منها.
وجريمة الحرس الثوري هي أنه كان العامل الرئيسي في هزيمة العدو في هذه الحروب والإجراءات الإرهابية. ولدينا قائمة طويلة بمئات الشخصيات السياسية والدينية والعلمية البارزة من دول المنطقة الذين اغتيلوا على يد أميركا وإسرائيل وحلفائهم، لكن مدّعي إرهابية الحرس الثوري أيديهم فارغة من أي دليل.
وإذا درست أي مؤسسة علمية تاريخ الثورة الإسلامية الذي يمتد 48 عاماً، فستدرك أن الحرس الثوري ليس مؤسسة إرهابية، بل هو أكبر وأنجح مؤسسة لمكافحة الإرهاب في العالم.
لماذا يتجه النظام الأميركي نحو الأفول
إن الظلم والإفراط في الجور وسفك الدماء، وشيوع الكذب، وتقدم مكانة الأوغاد على الفضلاء والعلماء، والانشغال بالمسائل الفرعية والغفلة عن المسائل الرئيسية، هي أمور يعتبرها حكماء التاريخ البارزون من علامات نهاية الحكومات وأفولها، وكل هذه الخصائص تنطبق على وضع الحكم في أميركا اليوم.
ولو سُمّي "البيت الأبيض" بحسب جوهره، لا بحسب لون المبنى، فإن "بيت الظلم" هو الاسم الأجدر به.
تاريخ العدوان والعنف الأميركي في العالم
لم تكن إيران وحدها عرضة للجرائم الفظيعة للحكومة الأميركية. فمنذ منتصف القرن العشرين، حين ظهرت أميركا كقوة عظمى، تعرضت سبعون دولة على الأقل لعدوان عسكري أو انقلابات وتدخلات تخريبية مباشرة من أميركا. وقد عاشت شعوب دول عديدة مثل اليابان وكوريا وفيتنام وكمبوديا والفلبين وليبيا والسودان وأفغانستان والعراق وسوريا مذابح جماعية بمئات الآلاف، وأحياناً إبادات جماعية بالملايين على يد الولايات المتحدة، وعشرات الدول الأخرى مثل كوبا والمكسيك ونيكاراغوا وفنزويلا وبنما وتشيلي والبرازيل ولبنان وفلسطين وغيرها تحمل جراحاً ثقيلة من النظام الأميركي.
إن معظم الديكتاتوريات العنيفة، وحكومات الدول التي تفتقر إلى الديمقراطية، والممالك التي لا انتخابات فيها، هي حلفاء أميركا الرئيسيون. وعداء أميركا هو مع الدول التي تمتلك أقوى الديمقراطيات وأكثرها اعتماداً على آراء الشعب. وحيثما كان الحديث عن انقلاب وإسقاط حكومات شعبية، كان للـCIA أثر ظاهر. هذه الحقائق نفسها جعلت هيئة الحكم الأميركية اليوم من أكثر الشخصيات المكروهة عند شعوب العالم، ولهذه الأسباب يعتبر شعوب العالم أميركا الشيطان الأكبر، وفي جميع التجمعات التحررية والتظاهرات المطالبة بالعدالة في العالم يُحرق العلم الأميركي كرمز للظلم، ويعرف شعوب العالم اليوم جيشي أميركا وإسرائيل باسم جيشي قتل الأطفال.
وبدعم لا محدود ومساعدة بمئات مليارات الدولارات من البيت الأبيض، يعاني العالم منذ 80 عاماً من الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. وقد بلغت هذه المظالم ذروتها في السنوات الثلاث الأخيرة، ووصلت إلى إبادة جماعية لأكثر من 73900 شخص في غزة، وإلى الحادثة المؤلمة المتمثلة في قتل أكثر من 21700 طفل بريء وتدمير 315000 منزل. وقد دُمّرت جميع المراكز العلاجية في غزة بقنابل مهداة من أميركا، حتى قطعوا الأكسجين عن أطفال وُلدوا قبل يوم واحد، وقتلوا عشرات الرضّع أمام الكاميرات. ولا يزال عدد من الأطباء والممرضين معتقلين، وسوّوا إحدى عشرة جامعة و560 مدرسة بالأرض. ويعيش مليونا إنسان في أسوأ الظروف وتحت حظر الغذاء والماء والكهرباء والدواء والوقود. وقد تجاوزت شدة الجرائم الحد إلى درجة لا يمكن تحملها لإنسان يمتلك ذرة من الوجدان، حتى إننا شاهدنا عسكرياً أميركياً حراً وشريفاً، الراحل آرون بوشنل، يحرق نفسه بالبنزين أمام سفارة الكيان الصهيوني في واشنطن احتجاجاً على ذلك، ويفارق الحياة.
الكذب، أساس الحكم في أميركا
تُبنى أهم القرارات المصيرية للبيت الأبيض على الكذب. فهناك لا تنتهي الأكاذيب، أكاذيب أحدثت كل واحدة منها كارثة في العالم. وهم لا يخجلون من فضيحة هذه الأكاذيب؛ كذبة دور أفغانستان في الهجوم على البرجين التوأمين، وكذبة وجود أسلحة غير تقليدية في العراق... وكذبة القرن، أي ادعاء امتلاك إيران قنبلة نووية، التي يمكن حتى لشخص ساذج أن يكتشف كذبها.
• منذ 25 عاماً يدعي البيت الأبيض أن إيران لا تبعد سوى أشهر أو أسابيع عن صنع قنبلة ذرية. ولو لم يكن هذا الكلام كذباً وكانت لإيران مثل هذه النية، فلماذا لم تقطع هذه المسافة التي لا تتجاوز بضعة أسابيع بعد 25 عاماً؟
• وإذا لم يكن ادعاء البيت الأبيض بالقلق من تسلح إيران بقنبلة ذرية كذباً، فلماذا مزّق رئيس الجمهورية الأميركي الاتفاق النووي (2015) الذي وُقّع بين إيران وأميركا والصين وروسيا و3 دول أوروبية، والذي كان يضمن، بإشراف أميركي وأوروبي مستمر، عدم صنع إيران قنبلة نووية، وكان قد بدأ جريانه بتصديق مجلس الأمن الدولي؟
• وإذا لم تكن البيانات الرسمية والتصريحات المتكررة لرئيس الجمهورية الأميركي، التي أعلن فيها بعد العدوان في يونيو 2025 على إيران مراراً أننا دمّرنا كل قدرات إيران الذرية، كذباً، فلماذا هوجمت إيران في 28 فبراير 2026 بنفس الذريعة مجدداً؟ ولماذا بعد الهجوم للمرة الرابعة بادعاء التدمير الكامل لتكنولوجيا إيران النووية، لا يزال وجود قدرة نووية ذريعة لاستمرار الحرب على إيران؟
• وإذا لم يكن ادعاء الهجوم على إيران لمنع تسلحها بقنبلة ذرية كذباً، فلماذا في بداية الهجوم استُشهد أكبر مرجع ديني للشيعة في العالم، وهو الذي أصدر فتوى استثنائية بتحريم القنبلة الذرية؟
رحلة قصيرة إلى إيران ستثبت لكم أن البيت الأبيض يكذب على العالم باستمرار في كل ما يتعلق بإيران؛ من اتهامها بالديكتاتورية وقتل الناس، إلى وضعها العلمي والاقتصادي، وعلاقات الناس بالحكم، وكل الأشياء الأخرى التي قيلت لكم عن إيران.
ليت أكاذيب البيت الأبيض كانت عن إيران وسائر الدول فقط. فهم يكذبون عليكم أكثر من أي أحد بشأن أميركا نفسها. قال ترامب إنه سينهي جميع الحروب، وسينهي التدخل الأميركي في العالم، وسيجفف مستنقع واشنطن، وسيقف في وجه المليارديرات؛ لكننا رأينا جميعاً أنه عندما حصل على أصوات الناس، تصاعدت الحروب في أوكرانيا وغزة ولبنان واليمن بتدخله، بل اتضح بعد وصوله إلى السلطة أنه أكثر رؤساء أميركا إشعالاً للحروب، وبإضافته حرب إيران إلى الحروب القائمة أشعل أكثر حرب كارثية في تاريخ أميركا، حرب ستنهي الهيمنة الأميركية. وإلى جانب ذلك، بدأت حرب اليمن والسعودية مرة أخرى. وهم يكذبون عليكم بشدة في إحصاءات الضحايا البشرية وخسائر الجيش في هذه الحروب، وحتى في تكاليف الحرب، ويجعلونها تبدو أقل بعشرات الأضعاف من الواقع.
الوعد الكاذب بتجفيف مستنقع واشنطن لم يتحقق؛ وبدلاً من تحقيق وعد إنهاء الحروب والتدخلات، أُضيفت صراعات كثيرة مثل غرينلاند وكندا إلى مشكلات أميركا؛ والوعد الكاذب بالرخاء والوفرة واجه انصراف الدول عن شراء سندات أميركا، والفضيحة والغلاء في الوقود والأرزاق، ووقوف الاقتصاد الأميركي على حافة الانهيار.
وعندما يواصل المجتمع الأميركي، الذي يعتبر الصدق قيمة معتبرة في ما بينه، تسليم زمام أموره لمثل هؤلاء الكذابين، فأي مصير غير الأفول يجب أن ينتظره؟
تقدم الأوغاد على الفضلاء والعلماء
إن وضع قادة بلا عقل ولا حكمة على رأس البلاد، لا يرون أبعد من طرف أنوفهم، ويتبعون دون بعد نظر واستشراف للمستقبل أهدافاً وخططاً خاطئة، ويضطرون لدفع أضعاف تكاليفها لمعالجة تداعياتها، ويطلقون "حلقات مفرغة معيبة" تجرّ بلادكم إلى داخلها كالدوامة.
ينفقون مليارات الدولارات على قصف وقتل الأبرياء؛ وعندما ترتفع موجة الكراهية العالمية ضد حكومتي أميركا وإسرائيل، يدفعون مجدداً بضعة مليارات أخرى لوسائل الإعلام لتجميل وجههم المكروه. فهل يوجد بين سكان العالم الثمانية مليارات من يمتدح أداء الجيش الأميركي في فيتنام؟
ينفقون مليارات الدولارات على التدخل، وزعزعة الأمن، وتخريب أمن الدول الساعية للاستقلال، أو يبقون شعوبها في الفقر بنهب ثرواتها، فتتدفق نتيجة لذلك سيول الهجرة من شعوب الدول الفقيرة والمضطربة إلى الغرب؛ ثم ينفقون مجدداً مليارات الدولارات على ضبط المهاجرين وطردهم.
ومن طمعهم في السيطرة على اقتصاد العالم كله، وضعوا مشروع عولمة الاقتصاد، ونفخوا دون عاقبة النظر 20 عاماً في بوق التجارة الحرة وحظر الرسوم الجمركية. وعندما انتقل جزء كبير من الإنتاج من أميركا نتيجة لهذا العمل، لجأوا مجدداً دون بعد نظر وبعصبية إلى فرض رسوم جمركية ثقيلة وغريبة، فزادوا الأوضاع سوءاً.
ويخرجون من التزاماتهم البيئية لتحقيق أرباح أكثر، ثم يفرضون ضرائب إضافية لتأمين تكاليف معالجة التلوث.
الانشغال بالمسائل الفرعية والغفلة عن المسائل الرئيسية
يُشغل رئيس الجمهورية الأميركي البلاد بأمور فرعية مثل قاعة الرقص في البيت الأبيض، وتغيير اسم بحيرة أونتاريو وخليج المكسيك، وطلاء بركة الانعكاس، وكتابة اسمه على لوحات مركز كينيدي، في حين يبقى ملف المسائل الرئيسية مثل ضبط التضخم المتزايد، وصحة الأميركيين، وتكاليف السكن... معلقاً دون معالجة.
وبقرارات عاطفية وبناءً على معلومات خاطئة ومضللة من بقايا نظام الشاه الاستبدادي، لتشجيع الشعب الإيراني على التمرد ضد النظام، أطلقوا آلاف الصواريخ المتطورة التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات على وحدات شرطة وتعبئة صغيرة ونقاط تفتيش لا تتجاوز قيمة المباني المُخلاة فيها عشرة آلاف دولار، وأهدرا مخزوناتهما الصاروخية على أهداف منخفضة القيمة جداً. وقد جاء ذلك بنتيجة معاكسة تماماً، فشجّع الإيرانيين ليس على التمرد ضد الجمهورية الإسلامية، بل على الانتفاض ضد أميركا، بحيث إنه في واقعة تاريخية غير مسبوقة، مضت 210 ليالٍ دون توقف ليلة واحدة، يتظاهر فيها ملايين الناس في جميع أنحاء إيران في الشوارع ضد أميركا ويجتمعون.
ويكفي أن تراجعوا تقارير التقدم السريع للصين في الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الكم، وتخلف أميركا، خلال هذه الأشهر السبعة التي شغل فيها رئيسكم القدرات الوطنية الأميركية بمسألة فرعية وحرب بلا نتيجة، لتفهموا لماذا تتجه أميركا نحو السقوط.
ومن نماذج انشغال أميركا بالمسائل الفرعية، الحروب العبثية والمكلفة وغير المجدية في أفغانستان والعراق. فقد احتل الجيش الأميركي ظاهرياً هذين البلدين بحجة مساعدة شعبيهما، في وقت كانت فيه شعوب البلدين قد أخرجت أجزاءً من سيطرة الحكومة المركزية في صراع معها، لكنه بسلوكه الإجرامي، بإنشاء غرف التعذيب وتنفيذ مذابح جماعية ضد المدنيين، أثار الناس ضده وجعلهم مصممين على القتال وطرد أميركا.
في أفغانستان، بعد عشرين عاماً من الحرب بتكلفة 3 تريليونات دولار، وبحسب الإحصاءات الرسمية للحكومة الأميركية (والأرقام الحقيقية أكثر بكثير)، مع ما لا يقل عن 2354 قتيلاً من الجنود الأميركيين و168 ألف ضحية أفغاني، كان إنجاز الجيش الأميركي أنه هرب من هناك بفضيحة، تاركاً 85 مليار دولار من الأسلحة والمعدات. وأُغلقت السفارة الأميركية في كابل وطُرد جميع الأميركيين منها، ووصلت الحكومة إلى نفس التيار الذي هاجمت أميركا أفغانستان قبل عشرين عاماً لإزاحته.
ولو استخدمت القيادة الأميركية قليلاً من الحكمة، فبتكلفة أقل من 3% من تكاليف حرب أفغانستان، أي بمال أقل من تكلفة الأسلحة التي تركتها في أفغانستان، لكانت قادرة على بناء منزل لكل أسرة أفغانية، وبإغراء الناس، لكانت رفعت العلم الأميركي، الذي يُداس اليوم تحت أقدام الناس في كابل، في أفغانستان لأجيال عدة؛ لكن عندما يتولى قيادة القوات المسلحة الأميركية شخص تكون أولويته ملء جيوب شركائه في مصانع الأسلحة، فإنه لا يستخدم الطريقة الصحيحة حتى في الاستعمار. والنتيجة النهائية لهذه السلوكيات أن لا أحد يستطيع بعد الآن أن يفتخر بجنسيته الأميركية.
في العراق، بعد ثماني سنوات وثمانية أشهر من الحرب بتكلفة 4 تريليونات دولار، وبحسب الإحصاءات الرسمية للحكومة الأميركية 4800 قتيل من الجنود الأميركيين وما لا يقل عن 265 ألف ضحية عراقي، كان إنجاز الجيش الأميركي أن الحكومة الحليفة لأميركا في الحرب على إيران (صدام) سقطت، وجاءت حكومات متعاونة مع إيران واحدة تلو الأخرى، وأقرّ مجلس النواب العراقي مشروع إخراج أميركا، وتم تفكيك جميع قواعد الجيش الأميركي باستثناء واحدة، وتلك القاعدة المتبقية في أربيل، التي كانت تحت نيران الشعب العراقي باستمرار خلال الحرب، تشهد هذه الأيام خروجاً قسرياً لآخر القوات من العراق.
والحكومة الأميركية ليست شديدة الكراهية في هذين البلدين فحسب، بحيث لا يجرؤ أي مسؤول أميركي على السير في شوارع كابل أو بغداد حتى مع حماية حراس، بل إن أخبار غرف التعذيب في أبو غريب وبغرام وغوانتانامو ونشر صورها رفعت النفور من أميركا في العالم إلى الذروة.
النتائج الاقتصادية للانشغال بالأمور الفرعية والحروب العقيمة
لم تكن لهذه الحروب المكلفة والعقيمة في العقود الأخيرة سوى البؤس على اقتصاد أميركا وتنميتها. فقد تراجعت حصة أميركا من الناتج الإجمالي العالمي من 23.5% عام 2000 إلى نحو 14%، والنفقات التي لا تحقق مكسباً اقتصادياً، مثل مئات المليارات التي أُنفقت لمساعدة الإرهابيين وإطلاق مئات الوسائل الإعلامية المعادية لإيران وإحداث الفوضى، وخاصة 8 تريليونات دولار من تكاليف الحرب العقيمة في منطقة غرب آسيا، جعلت أميركا مثقلة بأكثر من 40 تريليون دولار من الديون، لتصبح أكثر دولة مديونية في تاريخ العالم، وهذا الدين المتزايد يبتلع اقتصادكم بسرعة كما هو حاله.
فأميركا، من بلد كان دخله الرئيسي من تصدير التقنيات المتقدمة، أصبحت شبيهة ببلد من العالم الثالث يضطر إلى العيش من بيع المواد الخام. وفي هذه السنوات أصبحت أميركا من أهم مصدري الفحم والنفط الخام في العالم. فقد ارتفعت صادرات النفط الخام الأميركية من 500 ألف برميل عام 2015 إلى أكثر من 4 ملايين برميل يومياً. ولإبقاء الاقتصاد الأميركي على قدميه، عليكم بيع المواد الخام لكي تنتج الدول الصناعية المتقدمة السلع الاستهلاكية وتصدرها إلى أميركا. هذه هي حقيقة اقتصادكم.
وإنقاذاً للاقتصاد المتجه نحو الانهيار، نبذت الحكومة الأميركية بعصبية عولمة الاقتصاد والتجارة الحرة والعالم بلا رسوم جمركية، التي كانت تُعد سابقاً تكامل الاقتصاد الليبرالي ويُفتخر بها، ولجأت بتحول 180 درجة إلى رسوم جمركية غير معقولة، وبسلوك غير متوازن حوّلت جميع حلفائها إلى أعداء من الدرجة الأولى لأميركا.
ويمكن رؤية آثار هذا الوضع المتدهور في 40 مليون شخص تحت خط الفقر، وملايين سكان الأحياء العشوائية والمشردين في المدن الكبرى في أميركا، وهذا مجرد بداية الطريق. فهل يمتلك هؤلاء صناع القرار حقاً الأهلية لتسليمهم اختيار الحرب والسلم في أكثر دولة مسلحة في العالم؟
يفضل حكام أميركا، من أجل مصالحهم الشخصية واستمالة الرأسماليين الكبار في الصهيونية الدولية، أن يوضعوا أميركا في مواجهة ملياري مسلم، لإرضاء أقل من عشرين مليون صهيوني في العالم. وهذا المسار يؤدي بنظام الحكم الأميركي إلى الدمار. فقد جاء عصر الأمم، ومثل هذه العلاقات القهرية غير قابلة للدوام.
وعلى مر التاريخ، حافظت كل دولة أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم على قوتها العالمية أكثر من مائة عام، باستثناء أميركا، التي انتهت فترة قوتها العظمى بلا منازع في أقل من ثلاثين عاماً بسبب سوء تدبير قادتها الفاسدين وغير الأكفاء.
سبيل خلاص الشعب الأميركي وإنقاذه من الانهيار وتداعيات الاعتداءات الظالمة
كيف يمكن وقف هذه المسارات المدمّرة لأميركا، وإنقاذ الشعب الأميركي من المصير المشؤوم الناتج عن الانهيار؟ لقد أجاب الله عن هذا السؤال في مختلف الكتب السماوية.
يقول الكتاب المقدس، العهد القديم، إرميا 18: 7-10: 7- تارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بأني أقتلعها وأهدمها وأبيدها 8- فإن رجعت تلك الأمة عن شرها الذي تكلمت عليه، أندم عن الشر الذي قصدت أن أصنعه بها 9- وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بأني أبنيهما وأغرسهما 10- فإن فعلت الشر في عيني ولم تسمع لصوتي، أندم عن الخير الذي قلت إني أحسنه إليها.
وقد ورد هذا المعنى نفسه بوضوح في القرآن، كتاب المسلمين السماوي:
إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. (القرآن الكريم 13:11)
فحتى لا تنطلق حركة من جانبكم، لن يغيّر الله مصيركم. وبفضل الله استيقظ وجدان الشعب الأميركي. فما شهدناه في إعلان الشعب الأميركي المتكرر عن نفوره في التظاهرات ضد الإبادة الجماعية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وما يمكن رؤيته في تظاهرات "لا للشاه" في إعلان النفور من انحدار بنية الحكم الأميركية في منحدر الديكتاتورية، يدل على استيقاظ وعيكم الجماعي.
إن احتجاجات الطلاب والأساتذة على الحكومة ورفضهم تنفيذ المشاريع البحثية المرتبطة بالأهداف العسكرية والحكومية والمؤسسات المشتبه في تعاونها مع القوات المسلحة في محلها تماماً. فالطالب والأستاذ الباحث عندما يرى أن حصيلة جهده العلمي لا تُستخدم للدفاع عن البلاد، بل لقتل الأطفال والنساء العزل ومهاجمة المستشفيات والجامعات والمنازل السكنية، يصاب بالاكتئاب ولا يستطيع أن يضع رأسه على الوسادة بسلام.
وتُظهر الإحصاءات أن أغلبية الشعب الأميركي، وخاصة الشباب، لم يعودوا يريدون المشاركة في الجرائم ضد الشعوب الأخرى، ولا سيما الشعب الفلسطيني المظلوم والمقاوم. وإلى جانب ذلك، فإن كثيرين ممن كانوا هم أنفسهم من ناخبي الحكومة الأميركية الحالية، لديهم أسئلة أساسية مهمة بعد رؤيتهم سياساتها الكارثية، ويطالبون بتغيير جذري في هذه السياسات، ومنها الحرب على إيران.
إن شعوب العالم تطلب منكم إنهاء الأمر. انهضوا وضعوا حداً لهذا الوضع البائس. لا تسمحوا لحكومتكم بمواصلة العادة الاستعمارية المخزية، وبفرض الديكتاتوريين على الدول بقوة حراب الجيش أو بمنافق أجهزة الاستخبارات، وبمساعدة هؤلاء بنهب موارد الدول وقمع كل دولة تريد أن تكون مستقلة وتدير مواردها بالقتل. فقتل وسرقة ثروات الدول الأخرى لا يضيفان سوى كراهيتها لأميركا؛ ولن تتمكنوا من التلذذ باقتصاد بُني على دماء المظلومين.
لإنعاش الاقتصاد الأميركي يكفي أن تجمعوا 800 قاعدة عسكرية مكلفة وغير مجدية ومسببة للمتاعب من جميع أنحاء العالم، وتعيدوا الجيش إلى أميركا، وتوقفوا المساعدات اللانهائية لإسرائيل، وألا تدخلوا في حروب عبثية وعدوانية، وتغلقوا مئات الوسائل الإعلامية وشبكات التجسس المكلفة للانقلابات ودعم الديكتاتوريين والتدخل وزعزعة أمن الدول، وتحوّلوا آلاف المليارات من تكاليف هذه الأعمال إلى مجال البحث والإنتاج والخدمات، لتعودوا إلى اقتصاد متقدم وتعيشوا حياة رغدة.
من المخزي أن يُدار اقتصاد بلد كبير مثل أميركا بسرقة ثروات الآخرين وبثمن إفقار دول أخرى. وبصرف النظر عن سلوك قادة أميركا المؤسسين مع السكان الأصليين لتلك الأرض، وتاريخ العبودية والعنصرية، فإن أرضاً غنية جداً بموارد لا نهائية تحت الأرض، واحتياطيات ضخمة من الطاقة والمياه والتربة الخصبة والسواحل والأنهار الطويلة، هي اليوم في متناولكم. وإذا اتخذتم في اختيار قيادتكم معايير العلم والحكمة والاستقامة والصدق والأخلاق الإنسانية، يمكنكم أن تؤمنوا حياة رغدة للشعب الأميركي دون مدّ اليد إلى ثروات الآخرين، وأن تأملوا في أن تعوّض الحكومة الأميركية جزءاً من تاريخها البائس.
لا يسمح الوجدان والشرف الإنساني بأن تضعوا على رأس أميركا مسؤولين يسمون مقاومة الشعبين الفلسطيني واللبناني المشروعة للدفاع عن أرضهما أمام المحتلين إرهاباً، ويعتبرونهم مستحقين للإبادة الجماعية، ويفسرون قتل أكثر من 21 ألف طفل في غزة وحتى الأطفال المولودين قبل يوم واحد بأنه حق الدفاع المشروع للكيان الصهيوني ويفتخرون به. لا تختاروا بأصواتكم كونغرساً لا يحاسب مجدداً الجيش الأميركي على مذبحة 400 تلميذ بريء إيراني، ولا يقدم حتى اعتذاراً لفظياً عن هذه الجريمة.
وفيما يتعلق بعلاقات البشر والمجتمعات بعضهم ببعض، فإن هذه القاعدة الذهبية المشتركة عالمية في جميع الأديان والمدارس الدينية وغير الدينية: "لا ترضَ لغيرك ما لا ترضاه لنفسك". وقد تكرر هذا الموضوع في تعاليم جميع قادة الإسلام. حتى في التلمود اليهودي ورد: "ما تكرهه لنفسك لا تفعله بقريبك"، كما تقول تعاليم الإنجيل "افعلوا بالآخرين كما تريدون أن يفعلوا بكم" (متى 7:12، لوقا 6:31). ارجعوا إلى وجدانكم؛ هل يرغب أي منكم في أن تُسوّى في مدن أميركا ثلاثمائة ألف منزل بالأرض كما في غزة وجنين؟ أو أن تُمحى قرى أميركا من على وجه الأرض بالتفجير كما في عشرات القرى في جنوب لبنان؟ هل ترضون أن يُفعل بمدارسكم ما فعل الجيش الأميركي بمدرسة ميناب؟
ولا شك أنه لولا المساعدات اللانهائية لأميركا للكيان الصهيوني والتبعية المطلقة للبيت الأبيض لإسرائيل، لما حدثت معظم هذه الجرائم. فالإبادة الجماعية في فلسطين ولبنان والحروب التي لا تنتهي تُشن بأموال ضرائبكم، وشعوب العالم تنتظر منكم منع هذه الجرائم.
نعلم أن جوابكم هو: "نحن أيضاً لا نقبل هذه الأعمال، لكن لا حيلة لنا"، لكن هذا الجواب غير مقبول، لأنكم أنتم من تشكلون بأصواتكم الحكومة والكونغرس الداعمين لهذه الجرائم. ورغم أنهم غالباً ما يحصلون على أصواتكم بالخداع والوعود بإنهاء هذه الحروب مثل ترامب؛ فإن مطابقة شخصية وسجل هؤلاء الأفراد مع معايير القيادة الكفؤة ليست بالأمر الصعب عليكم. أنتم شعب عظيم. ورياسة الأوغاد تهينكم وتقودكم إلى الانحطاط. ومن يقدمكم بهذا الشكل المهين إلى العالم، وكأن بإمكانه شراء معتقداتكم وآرائكم في الانتخابات بوعد خمسة آلاف دولار، لا يستحق رئاستكم.
إلى أين تتجه هذه الحرب؟
لقد حذّر قائدنا الشهيد من أنه إذا هاجم العدو، ستصبح الحرب إقليمية. لم يصدق البيت الأبيض، ففوجئ ووصل إلى طريق مسدود. وقال إنه "إذا حدث شيء، فسيُبعث الشعب الإيراني وسينهي الأمر"، وقد تحقق ذلك التوقع أيضاً، وملايين الإيرانيين منذ سبعة أشهر يخرجون كل ليلة إلى الشوارع للمطالبة بدم إمامهم الشهيد.
والآن يجب أخذ هذه التحذيرات على محمل الجد. فالإفراط في الظلم والجريمة ملأ المجتمع البشري غضباً وجعله كبرميل بارود جاهزاً للانفجار. واستمرار جرائم أميركا سيبعث شعوب العالم المطالبة بالعدالة، وسيحرق انفجار غضب الناس جميع مصالح أميركا وشركاتها في العالم. وسيواجه الاقتصاد الأميركي زلزالاً، وستتأثر حياة جميعكم.
إن الذين يمكنهم تغيير هذا المصير المشؤوم هم أنتم أنفسكم، أيها الشعب الأميركي. افصلوا حسابكم عن محتلي فلسطين الذين يجب عليهم، شاءوا أم أبوا، أن يتركوا تلك الأرض ويعودوا إلى بلدانهم. يمكننا أن نتعايش بسلام معاً. انبذوا الحكومة المتمردة القاتلة للأطفال والشهوانية وغير العاقلة، وأوكلوا أموركم إلى المفكرين بدلاً من الرعاع، وذكّروهم بأن العالم قد تغير، وأن شعوب العالم قد استيقظت، وأن عصر نهب ثروات الأمم بقوة الحراب قد انتهى. "هذا القرن هو قرن غلبة إرادة الأمم". واستمرار هذا المسار اللاإنساني سيرسم لأميركا مصيراً مؤلماً، إذ "سيكون يوم المظلوم على الظالم أشد بكثير من يوم الظالم على المظلوم".
ورغم كل الصعوبات وضغوط الأعداء، نواصل نضالنا كما في 48 عاماً مضت لتحرير البشر من القهر والاستكبار. وستتحرر فلسطين المحتلة قريباً. ونحن ننتظر عودة السيد المسيح مع الإمام المهدي، وصي آخر أنبياء الله محمد، ليقودا البشرية نحو التحرر من كل الظلم، ومن الواضح أن المهدي والمسيح سيقفان إلى جانب المظلومين الأطهار المطالبين بالعدالة، لا إلى جانب المتجبرين الفاسدين المستكبرين. ونحب أن نراكم في تلك الأيام، أيها الشعب الأميركي، إلى جانبنا وفي جبهة المستضعفين المطالبين بالعدالة، لا في جبهة الظالمين المجرمين الذين سيكون فشلهم وانهيارهم مؤكداً.
أملاً في انتهاء الظلم والعدوان، وتحرر جميع الأمم من أسر المستكبرين، والحياة في أخوة وسلام عالمي.
"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (القرآن الكريم 21:105)