أبعاد عظمة القرآن الكريم

قيم هذا المقال
(0 صوت)
أبعاد عظمة القرآن الكريم

إعلم أيها العزيز أن عظمة كل كلام وكل كتاب إما بعظمة متكلمة وكاتبه، وإما بعظمة مطالبه ومقاصده، وإما بعظمة نتائجه وثمراته، وإما بعظمة الرسول والواسطة، وإما بعظمة المرسل إليه وحامله، وإما بعظمة حافظه وحارسه، وإما بعظمة شارحه ومبيّنه، وإما بعظمة وقت إرساله وكيفية إرساله. وبعض هذه الأمور دخيل في العظمة ذاتاً وجوهراً([1]) وبعضها عرضاً وبالواسطة، وبعضها كاشف عن العظمة. وجميع هذه الأمور التي ذكرناها موجودة في هذه الصحيفة النورانية بالوجه الأعلى والأوفى؛ بل هي من مختصّاته بحيث أن أي كتاب آخر إما ألاَّ يشترك معه في شي‏ء منها أصلاً، أو لا يشترك معه في جميع المراتب.
 
أما عظمة متكلمه ومنشئه وصاحبه؛ فهو العظيم المطلق([2]) الذي جميع أنواع العظمة المتصورة في الملك والملكوت([3])، وجميع أنواع القدرة النازلة في الغيب([4]) والشهادة([5]) رشحة من تجليات([6]) عظمة فعل تلك الذات المقدسة، ولا يمكن أن يتجلّى الحق تعالى بالعظمة لأحدٍ وإنما يتجلى بها من وراء آلاف الحجب([7]) والسرادقات، كما في الحديث "إن لله تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه دونه"([8]).

وعند أهل المعرفة قد صدر هذا الكتاب الشريف من الحق تعإلى بمبدئيّة جميع الشؤون الذاتية والصفاتية والفعلية، وبجميع التجليات الجمالية([9]) والجلالية، وليست لسائر الكتب السماوية هذه المرتبة والمنزلة. وأما عظمته بواسطة محتوياته ومقاصده ومطالبه فيستدعي ذلك عقد فصل على حدة، بل فصول وأبواب، ورسالة مستقلة، وكتاب مستقل حتى يسلك نبذة منها في سلك البيان والتحرير، ونحن نشير بطريق الإجمال بفصل مستقل إلى كلياته، وفي ذلك الفصل نشير إلى عظمته من حيث النتائج والثمرات إن شاء الله.
 
وأما عظمة رسول الوحي وواسطة الإيصال فهو جبرائيل الأمين والروح الأعظم الذي يتصل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد خروجه عن الجلباب البشري، وتوجيه شطر قلبه إلى حضرة الجبروت([10]) بذاك الروح الأعظم، وهو أحد أركان دار التحقق الأربعة بل هو أعظم أركانها وأشرف أنواعها، لأن تلك الذات النورانية ملك موكل للعلم والحكمة وصاحب الأرزاق المعنوية والأطعمة الروحانية. ويستفاد من كتاب الله والأحاديث الشريفة تعظيم جبرائيل وتقدمه على سائر الملائكة.
 
وأما عظمة المرسل إليه ومتحمّله، فهو القلب التقي النقي الأحمدي الأحدي([11]) الجمعي([12]) المحمدي الذي تجلى له الحق تعالى بجميع الشؤون الذاتية([13]) والصفاتية([14]) والأسمائية والافعالية، وهو صاحب النبوة الختمية، والولاية المطلقة، وهو أكرم البرية، وأعظم الخليقة وخلاصة الكون، وجوهرة الوجود، وعصارة دار التحقق، واللبنة الأخيرة، وصاحب البرزخية الكبرى، والخلافة العظمى.
 
وأما حافظه وحارسه فهو ذات الحق جلّ جلاله، كما قال في الآية الكريمة المباركة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾([15]) وأما شارحه ومبيّنه فالذوات المطهرة المعصومون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حجة العصر عجل الله فرجه([16]) والذين هم مفاتيح الوجود، ومخازن الكبرياء، ومعادن الحكمة والوحي، وأصول المعارف والعوارف، وأصحاب مقام الجمع والتفصيل.
 
وأمّا وقت الوحي فليلة القدر([17]) أعظم الليالي و﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾([18]) وأنور الأزمنة، وهي في الحقيقة وقت وصول الوليّ المطلق والرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم.
 


([1]) الجوهر: هو الوجود المستقل الذي لا يفتقر إلى محل ولا أنه تابع لشيء آخر.
([2]) المطلق: أي الوجود المطلق، يراد منه اللّه سبحانه وتعالى الذي لا يحد بحد ويقابله الوجود المقيد، مثل وجود الجماد والنبات والمعادن والعقول والنفوس و..
([3]) راجع صفحة 5 قد مر ذكره.
([4]) الغيب: ما يقابل عالم الشهود وهو مقام الجمع لدى العرفاء.
([5]) الشهادة: أي عالم الشهادة المحسوسة المادية.
([6]) قد مر ذكره في صفحة 5 راجع ذلك(التجلي).
([7]) الحجاب: يقصد العرفاء من الحجاب العوائق التي تتوسط بين العاشق والمعشوق.
([8]) بحار الأنوار ج‏58 ص‏45 الحديث 13 من الباب 5.
([9]) التجلي الجمالي: وهو التجلي بالرحمانية والرحيمية حيث يوجب الرعاية واللطف والرحمة، وأن كل ما هو تجلي جمالي يستلزم التجلي الجلالي لأن التجلي هو تجلي الحق على حقيقة لذاته عز اسمه أو هذا معناه احتجاب الحق سبحانه بحجاب العز والكبرياء عن غيره هذا هو التجلي بالجلال. كما أن كل تجلي بالجلال يستلزم التجلي بالجمال.
([10]) الجبروت: يطلق عالم الجبروت على عالم العقول المجردة وقال صدر المتألهين أن عالم الجبروت هو عالم العقول الكلية كما يطلق لدى بعض الفلاسفة على عالم البرزخ.
([11]) الأحد: هو كل شي‏ء لا يكون له مثيل من جنسه.
([12]) الجمع: هو مشاهدة الحق دون انتباه إلى الخلق حيث لا يكون الخلق حجايا للعارف وهذه مرتبة الفناء.
([13]) التجلي الذاتي: هو انكشاف الحقائق الغيبية من وراء الحجب.
([14]) التجلي الصفاتي: هو تجلي الصفات والأسماء والحجب النورانية.
([15]) سورة الحجر، الآية 9.
([16]) هو الإمام الثاني عشر من أئمة المسلمين من سلالة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وهو محمّد بن الحسن عليه السلام، ولد في الخامس عشر من شهر شعبان عام 255 ه.ق، أمّه نرجس، تولّى الإمامة في عامه الخامس،لكنه غاب عن أنظار الناس بأمر من الله وبسبب الأوضاع في ذلك الزمان، وقسمت غيبته إلى قسمين: فترة الغيبة الصغرى ودامت 69 عاماً، كان خلاله يتصل مع الناس بشكل غير مباشر بواسطة نوّاب أربعة. وبعد وفاة النائب الرابع بدأت فترة الغيبة الكبرى، وهي مستمرة إلى يومنا هذا، حتى يقضي الله سبحانه وتعالى بظهوره ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. الفكر الإسلامي يعتبر أن المواجهات المستمرة للإمام المهدي عليه السلام وظهوره هي آخر حلقة من حلقات مواجهة أهل الحق مع أهل الباطل، أي أن مواجهات أهل الحق على مرّ التاريخ تبقى متأججة، وأرضية انتصار الحق تتحقق يوماً بعد يوم إلى أن يتحقق ظهور المهدي الموعود عليه السلام عندها تصل هذه المواجهات إلى النتيجة النهائية وظهور شمس العدل والحق على البشرية. ذلك اليوم سيكون يوم البلوغ الفكري والمعنوي والاجتماعي للإنسانية.
([17]) حسب الروايات فإن ليلة القدر هي إحدى ليالٍ ثلاث من شهر رمضان 19 و21 و23. وحسب القرآن فإن ليلة القدر هي خيرٌ من ألف شهر، وأن الله سبحانه وتعالى يقدّر كلّ الأمور في هذه الليلة حتى العام التالي، الليلة التي نزلت على النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث نزلت الملائكة بأمر ربها على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لتدبير أمر ما. ليلة القدر، هي ليلة الرحمة، ليلة العناية الإلهية الخاصة، ومن أجل هذا يوصي أئمة الدين بإحياء هذه الليلة والاستفادة منها بالدعاء والمناجاة مع الله سبحانه وتعالى، وقد عيّنوا أعمالاً وصلوات وأدعية خاصة لهذه الليلة.
([18]) القدر: 3.

قراءة 13 مرة
المزيد في هذه الفئة: « ما هي خصائص ليلة القدر؟