emamian

emamian

منذ قرون والعارفون من المسلمين وغير المسلمين بهذه الشخصيّة المقدّسة يتكلّمون ويكتبون حول أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، إلّا أنّ ما قيل ليس كافياً في بيان جميع أبعاد شخصيّة هذه الأعجوبة والنموذج للقدرة الإلهيّة الكاملة والكلمة التامّة لله.

وبديهيّ أنّنا سبب المشكلة غالباً، فنحن الّذين لا يمكننا تصوّر هذه الشخصيّة المعنويّة والروحيّة لضعف أذهاننا واستئناسنا بالمقاييس المادّية والأناس العاديّين. نعم بالإمكان رسم ملامح تلك الشخصيّة المعنويّة العظيمة في الذهن ببركة أقوال من هم بمستوى أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أعلى منه، وهو خاتم الأنبياء محمّد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).
 
فقد وردت رواية من طرق غير الشيعة أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجمع من أصحابه: "من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه [و إلى نوح في تقواه] وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى عليّ بن أبـي طـالب"[1].
 
أي إنّ علم آدم(عليه السلام) الّذي ورد عـنه فـي القرآن قـولـه تعـالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾[2]، وحلم إبراهيم(عليه السلام) الّذي قال تعالى عنه في القرآن: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾[3]، وهيبة موسى(عليه السلام) الّتي كانت سطوة فرعون وعظمته ضعيفة أمامها، وعبادة عيسى(عليه السلام) الّذي كان مظهراً للزهد والإخلاص والتعبّد لله، وفي بعض الروايات المنقولة من غير الشيعة أيضاً، أضيفت عبارة أخرى وهي: زهد يحيى بن زكريا(عليهما السلام)، كلّها جمعت في هذا الإنسان العظيم الّذي نعتبر أنفسنا من شيعته.

وهذا الكلام يمكنه أن يوضح لنا إلى حدٍّ ما صورة عن شخصيّة ذلك الرجل العظيم.
 
إنّ ما يهمّنا أيّها الإخوة والأخوات بعد المعرفة الإجماليّة أو مدى الدرجة الممكنة في معرفة هذا الإنسان العظيم وسائر أولياء الله هو أن نلتفت إلى أنّ الإمام هو ذلك المثل الأعلى الّذي يجعله الله على الأرض ويبيّنه للبشر ليعرف الناس ما هي القدوة والأسوة، وما هو الهدف الّذي يتحرّك نحوه.
 
فبمعرفة الإمام يهتدي الإنسان الطريق، وهذا هو المهم، ولذا فالإمام في مفهومه الإسلاميّ الصحيح هو: من يرشد الناس بسلوكه وشخصيّته وأفعاله إلى الطريق المستقيم بمقدار ما يرشدهم بلسانه وأوامره أو أكثر، وهذه مسألة مهمّة.
 
إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامنا وإمام جميع المسلمين، أي إنّ الجميع يعتقدون به كإمام، ولكن ما معنى (الإمام)؟ يعني أن نلحظ أبعاد هذه الشخصيّة كالنموذج الرفيع الّذي نضعه أمامنا، ثمّ نحاول بناء شيء شبيه به. يجب أن نروّض أنفسنا لتكون شخصيّتنا من حيث السلوك الفرديّ، والعلاقة مع الله، والتعامل مع الأخ المسلم في المجتمع، والتصرّف فيما لدينا من أموال وإمكانات ووسائل من بيت المال، ومن حيث التعامل مع الناس باعتبارهم مجموعة بشريّة نحن رعاتها وحكّامها في جزء من حياتها، وفي الإخلاص في العمل لأجل المحرومين مادّياً أو ذهنيّاً أو علميّاً أو عقائديّاً، ومن حيث تعاملنا مع دين الله، وكيف يجب أن ندافع عنه، وكيف يجب أن نكون دقيقين تجاهه، ومن حيث معاملة أعداء الله كشخصيّة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
 
ليكن أمير المؤمنين (عليه السلام) أسوتنا في جميع هذه، ولنسعَ لنكون مثل ذلك الإمام؛ إذ كيف يمكن لأحدٍ أن يدّعي أنّه من شيعة عليّ بن أبي طالب ويكون أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامه بينما تكون علاقته القلبيّة مع الله أقلّ أمرٍ يهتمّ به؟.
 
إنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) صرف كلّ عمره في العبادة والعمل لله، منذ أوّل لحظة أشرق نور الهداية الإلهيّة في وجود ذلك الإمام عن طريق الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحتّى تلك اللحظة الّتي نال فيها لقاء الله لم يغفل الإمام (عليه السلام) لحظة عن عبادة الله، وعن ذكر الله، وعن الارتباط بالله.
 
فقد كان في ارتباط دائم مع الله، في الفرح وفي الحزن، في الحرب وفي السلم، ليلاً ونهاراً، في المسجد وفي الحرب، في الحكم وفي القضاء.
 
كان ذلك الإنسان يحمل همّ ضعفاء المجتمع في جميع لحظات وآنات الحكم والسلطة، ويفكّر بهم، وكذلك يوصي من يرسلهم إلى أماكن مختلفة كولاة وحكّام وسفراء وغيرهم بذلك.
 
فقد عهد إلى مالك الأشتر بأن يبحث عن أولئك الّذين لا تقع عيون أمثاله عليهم، فبإمكان الأثرياء والأذكياء وأهل المناصب والألسن الوصول إلى أمثال مالك الأشتر، ولكن هناك من لا يقدر على ذلك، حيث لا يملك الجرأة ولا المال ولا من يعرّفه عنده، يطلب عليه السلام منه أن يبحث عنهم ويتفقّدهم.
 
فأمير المؤمني( عليه السلام) يأمر ولاته، وكان يباشر هذا العمل بنفسه، فيذهب إلى بيوت الفقراء ويطعم اليتامى بيده، حتّى أنّ شخصاً قال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أطعم اليتامى بيده إلى درجة أنّنا كنّا نتمنّى أن نكون يتامى.
 
فكيف يدّعي شخص أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامه في حين أنّه لا يتفقّد في فترة حكمه وسلطته ورئاسته ولو كانت رئاسة محدودة في منطقة من مناطق البلد المحرومين والفقراء والمستضعفين؟
 
وكيف يدّعي أنّ هذا الإمام هو إمامه، وهو غير قادر على تحمّل صفعة واحدة في سبيل الله، بينما كان ذلك الرجل يحارب أعداء الله ليل نهار لتبليغ الدين والعمل به، وشارك في جميع الحروب الّتي قادها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا في حالات نادرة، كمعركة تبوك حيث أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً (عليه السلام) أن يبقى في المدينة ويحافظ عليها، لأنّ المدينة كانت معرّضة للخطر، فأبقاه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها.
 
لكن في بقيّة الحروب أو أكثرها كـان مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). كان حاضراً إلى جانب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الوقت الّذي هرب الجميع وفي أخطر وأحلك المواقف.
 
 كيف يمكن لأحدٍ أن يدّعي أنّه من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام لكنّه لا يجرؤ على الاعتراض على أعداء الله خوفاً من سطوتهم وتجبّرهم؟
 
إنّ الذين حاربهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام خلافته وقبل ذلك كانوا أعداءً للدين وكانت لديهم سلطة سياسيّة وعسكريّة، وكان لدى بعضهم قاعدة شعبيّة ونفوذ ويدّعون الإيمان والقداسة.
 
كان بعضهم مثل الخوارج شبيهين ببعض المتطرّفين المتظاهرين بالثوريّة، والذين لم يعترفوا بأحدٍ غيرهم، كالذين لم يعترفوا في بداية الثورة بالإمام كشخصٍ ثوريّ.
 
فأمير المؤمنين (عليه السلام) قد واجه أولئك وشتّتهم وقال إنّه لو لم يحاربهم لما تجرّأ أحد على محاربتهم.
 
هناك من يدّعون أنّ الإمام (عليه السلام) هو إمامهم ولكنّهم غير مستعدّين لأن يقولوا كلمة واحدة تزعج الاستكبار وأمريكا، وتزعج الّذين يظلمون اليوم مئات أضعاف ظلم المقتدرين الفسدة في صدر الإسلام، ويرتكبون من الظلم في يوم واحد ما يعادل الظلم الّذي ارتكبه أولئك في عدّة أعوام.
 
يقول هؤلاء إنّهم شيعة عليّ، وإنّه (عليه السلام) إمامهم!! فماذا يعني الإمام؟ هذا هو أمير المؤمنين (عليه السلام) وهذه هي شموليّته، وطبعاً لا يمكن توضيح شموليّته بهذه الكلمات.
 
إنّنا مثل ذلك الرسّام الطفيليّ الّذي يريد أن يرسم وجهاً جميلاً لكنّه يرسم هيكلاً جامداً. إنّه (عليه السلام) أرفع كثيراً من هذا الكلام، إلّا أنّ هذه الصورة الناقصة الّتي نرسمها أيّها الإخوة والأخوات جميلة ورفيعة وشاخصة إلى درجة أنّها تُحيّر الناس.
 
يجب علينا التحرّك في هذا الاتّجاه. وطبعاً لا يتوقّع أحد أن يصل حتّى إلى بعد فرسخ من مستوى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذه حقيقة.
 
وقد قلت قبل عدّة أعوام في صلاة الجمعة: إنّنا لا نقدر أن نكون مثل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكتب أحدهم إليَّ قائلاً: نعم لقد أَرحتم أنفسكم بهذا الكلام لأنّكم ليس بإمكانكم أن تكونوا كأمير المؤمنين (عليه السلام). كلّا ليس الموضوع هذا، فقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام نفسه في حديث له: "أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ"[4]. فهو في القمّة، تصوّروا قمّة عالية، علينا أن نصعد إليها، ولا نقول إنّنا لا نصل إليها، بل يجب التحرّك.
 
إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أسوة للمسؤولين في المؤسّسات الحكوميّة، في أيِّ جهاز إداريّ وحكوميّ كانوا، سواء كانت مسؤوليّتهم صغيرة أم كبيرة.
 
لقد أراد منّا أن نؤدّي العمل بإخلاص، نؤدّيه للناس دون منّة، ونحترم مراجعينا ولا نحقّرهم، ونحن نتمتّع بسلامة اليد والبصر واللسان، بل ونملك قلباً سليماً.
 
لقد عمل أمير المؤمنين (عليه السلام) لإحياء الناس. ولا بأس أن أشير هنا إلى مسألة التعليم، حيث يحضر في هذا المجلس جمع من الأخوات العاملات في نهضة محو الأميّة.
 
إنّ تعلّم القراءة والكتابة هي حسنة في نهج ذلك الإمام، وكذلك خدمة الناس والعمل وتحمّل العناء من أجلهم وحفظ الأمانة وقول الحقّ[5].
  


[1] - الصراط المستقيم، علي بن يونس العاملي، ج1، ص 212.
[2] - القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية: 31.
[3] - القرآن الكريم،سورة هود، الآية: 75.
[4] - نهج البلاغة، كتاب: 45، من كتاب له  عليه السلام  إلى عثمان بن حنيف الأنصاري.
[5] - كلمة الإمام الخامنئي  دام ظله، في تاريخ: ?13/ رجب/ 1414ﻫ ـ ق.

أعرب رئيس هيئة الطيران المدني في جمهورية طاجيكستان عن تقديره لممثلي هيئة الطيران المدني بالجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ واصفا القدرات التخصصية والنهج المهني ومستوى التعاون الذي أبداه الفريق الإيراني بأنه متميز، ودعا إلى مواصلة وتوسيع التعاون بين الجانبين في مختلف المجالات ذات الصلة.

وبموجب مذكرة التفاهم الموقعة بين هيئتي الطيران المدني في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية طاجيكستان، وفي إطار تعزيز التفاعلات الدولية في مجال سلامة الطيران، أُوفد فريق من خبراء هيئة الطيران المدني الإيرانية إلى طاجيكستان لتدقيق وتقييم نظام الإشراف على السلامة في هيئة الطيران المدني الطاجيكية.

وأجرى الفريق الإيراني تقييما ومراجعة داخلية للوضع الراهن لنظام الإشراف على السلامة في طاجيكستان، شملت 8 مجالات تخصصية هي : التشريعات (LEG)، الهيكل التنظيمي وإدارة الطيران المدني (ORG)، إصدار التراخيص والكفاءات البشرية (PEL)، عمليات الطيران (OPS)، الصلاحية الجوية واستمرارية صلاحية الأسطول (AIR)، التحقيق في الحوادث والوقائع الجوية (AIG)، خدمات الملاحة الجوية (ANS)، والمطارات والتسهيلات الأرضية (AGA).

وعلى هامش تنفيذ هذا البرنامج، التقى المدير العام لمكتب السلامة وضمان الجودة في هيئة الطيران المدني للجمهورية الإسلامية الإيرانية مع رئيس هيئة الطيران المدني في جمهورية طاجيكستان، حيث جرى تبادل الآراء حول سبل تطوير التعاون الثنائي والإقليمي في مجال سلامة الطيران وآليات تنفيذ بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين.

في كلمة ألقاها خلال قمة "ميركوسور" يوم السبت، حذر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا من أن أي تدخل عسكري في فنزويلا سيكون كارثة إنسانية لنصف الكرة الأرضية، وسيؤسس لسابقة خطيرة عالمياً، مشيراً إلى الضغوط الأمريكية على حكومة نيكولاس مادورو تحت ذريعة مكافحة تهريب المخدرات.

أعاد لولا إحياء مخاوف تاريخية في أمريكا الجنوبية، مستذكراً حرب فوكلاند بعد أكثر من أربعة عقود، ومؤكداً أن القارة تعاني مجدداً من قلق وجود عسكري خارجي، خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حصار على ناقلات النفط الفنزويلية لتشديد الضغط على مصادر الدخل الرئيسية للحكومة.

ومن جانبه، أدان وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز تصنيف واشنطن لحكومة فنزويلا كـ"منظمة إرهابية أجنبية"، واصفاً الخطوة بأنها تعسفية وأحادية الجانب، تفتقر إلى الأساس القانوني والأخلاقي، وتستخدم مفهوم مكافحة الإرهاب كأداة للتدخل في الشؤون الداخلية.

وأكد رودريغيز أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الشرعية الأخلاقية لإصدار مثل هذه التصنيفات، مشيراً إلى إيوائها لمنظمات إرهابية ورفضها التعاون مع دول مثل كوبا، بالإضافة إلى عمليات سرية لوكالة الاستخبارات المركزية ضد البنى التحتية الفنزويلية.

وشدد الوزير الكوبي على أن الهدف هو عزل الثورة البوليفارية وزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية، محذراً من تداعياتها على السلام في أمريكا اللاتينية، ومؤكداً تضامن كوبا الكامل مع فنزويلا في مواجهة العدوان والدفاع عن سيادتها واستقلالها.

في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخ السودان، تتعرض ولاية جنوب كردفان، كما غيرها من مناطق بلادنا، لاعتداءاتٍ سافرةٍ لا تستهدف فقط سيادة الدولة السودانية وأمن مواطنيها، بل تطال كذلك القيم الإنسانية المشتركة، وفي مقدمتها حماية بعثات الأمم المتحدة والمنشآت الطبية التي يفترض أن تبقى بمنأى عن نيران الصراعات.

إننا في سفارة السودان ندين بأشد العبارات الهجوم الغادر نفذته قوات التمرد الارهابية والذي استهدف منشآت تابعة للأمم المتحدة في مدينة كادوقلي، وأسفر عن مقتل ستة من أفراد قوات حفظ السلام وإصابة آخرين. هذا الاعتداء الآثم، الذي أدانه أيضاً الأمين العام للأمم المتحدة، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويقوّض الجهود الرامية إلى حفظ الأمن والاستقرار وحماية المدنيين في مناطق النزاع.

ولا يمكن فصل هذا الهجوم عن السياق الأوسع للانتهاكات الجسيمة التي تشهدها ولاية جنوب كردفان وغيرها من الولايات، بما في ذلك الاعتداء على المستشفيات والمرافق الصحية، واستهداف المدنيين العزّل، في سلوكٍ ممنهج للمتمردين الارهابين يعكس استهتاراً كاملاً بحياة الإنسان وكرامته. إن استهداف المرافق الطبية والإنسانية جريمة مدانة أخلاقياً وقانونياً، ويجب ألا تمر دون محاسبة صارمة.

ومن هذا المنبر، نؤكد رفضنا القاطع لأي محاولات لفرض مقاربات مضللة تساوي بين الجيش الوطني السوداني، بوصفه مؤسسة الدولة الشرعية وحامي سيادتها، وبين مليشيا خارجة عن القانون ارتكبت، بشهادة تقارير دولية وحقوقية، جرائم حرب وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين. إن المساواة بين الجلاد والضحية، وبين الدولة والمليشيا، تمثل ظلماً فادحاً وتشويهاً للحقيقة، ولا تخدم مساعي السلام ولا العدالة.

لقد عبّر الشعب السوداني بوضوحٍ لا لبس فيه عن موقفه، من خلال المسيرات الحاشدة التي عمّت معظم ولايات البلاد، مؤكداً وقوفه خلف قواته المسلحة الوطنية، ورافضاً بشكل قاطع مشروع المليشيات والفوضى. هذه المسيرات لم تكن مجرد تحركات عابرة، بل هي بمثابة استفتاء شعبي صريح على وحدة السودان وسيادته، وعلى حقه في جيش وطني واحد يحمي الأرض والعرض.

وشكّلت مشاركة المرأة السودانية في هذه المسيرات رسالةً قويةً للمجتمع الدولي، إذ خرجت وهي تحمل في ذاكرتها جراح الانتهاكات التي تعرّضت لها على يد قوات الدعم السريع، من قتل وتعذيب واغتصاب، لتؤكد أن لا مستقبل في السودان لقوةٍ قامت على العنف والإجرام، ولا مكان لها في أي تسوية سياسية أو مبادرة مستقبلية.

إن السودان، وهو يواجه هذه التحديات الجسيمة، يدعو المجتمع الدولي إلى موقفٍ أخلاقي ومسؤول، يقوم على دعم الشرعية، واحترام إرادة الشعب السوداني، وإدانة الجرائم دون مواربة، والعمل الجاد على محاسبة مرتكبيها، أياً كانت الجهة التي تقف وراءهم.

ختاماً، نؤكد أن السودان سيظل متمسكاً بوحدته الوطنية، وبجيشه الذي يمثل صمام الأمان للدولة، وبحقه المشروع في الدفاع عن سيادته، مع انفتاحه في الوقت ذاته على أي جهدٍ دولي صادق يسهم في تحقيق السلام والاستقرار، بعيداً عن ازدواجية المعايير وتزييف الحقائق.

*بقلم: سفير جمهورية السودان لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية

الأحد, 21 كانون1/ديسمبر 2025 05:00

خَوْفُ الأَبْرَارِ

قالَ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً كَسَرَتْ قُلُوبَهُمْ خَشْيَةُ اللَّهِ، فَاسْتَنْكَفُوا عَنِ الْمَنْطِقِ، وَإِنَّهُمْ لَفُصَحَاءُ بُلَغَاءُ أَلِبَّاءُ نُبَلَاءُ، يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، لَا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْكَثِيرَ، وَلَا يَرْضَوْنَ لَهُ الْقَلِيلَ، يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ شِرَارٌ، وَإِنَّهُمُ الْأَكْيَاسُ الْأَبْرَارُ»[1].

إنَّ الخوفَ مِنَ اللهِ تعالى خضوعٌ وخشيةٌ أمامَ عظمتِهِ جلَّ شأنُه، وينبغي للمؤمنِ في الدنيا أن يُوازِنَ بينَ خَوْفَيْنِ: خوفٍ ممّا مضى مِنْ حياتِهِ، فهوَ لا يَدري أكانَ على خيرٍ أم لا؛ وخوفٍ ممّا هوَ آتٍ، إذْ لا يَعرِفُ ما خبَّأَتْهُ لهُ الأيّامُ القادمة.

وقد قالَ رسولُ اللهِ محمّدٌ (صلّى الله عليه وآله): «أَلَا إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْمَلُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ؛ فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لآِخِرَتِهِ، وَفِي الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الْكِبَرِ، وَفِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَهَا مِنْ دَارٍ إِلَّا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ»[2].

وعنِ الإمامِ جعفرٍ الصادقِ (عليه السلام): «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا صَنَعَ اللَّهُ فِيهِ، وَعُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ الْمَهَالِكِ، فَهُوَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً، وَلَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْخَوْفُ»[3].

وللخوفِ مِنَ اللهِ علاماتٌ عدّة، منها: انكسارُ القلوبِ وخشيتُها الدائمةُ منَ اللهِ تعالى، واتّهامُ النفسِ بالتقصيرِ، وقلّةُ الكلامِ، والمسارعةُ إلى أفضلِ الأعمالِ الصالحةِ، وعدمُ الرضا بالأعمالِ العاديّة، كما في وصفِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) لعبادِ اللهِ الذينَ كسرَتِ الخشيةُ قلوبَهُم.

كما أنَّ للخوفِ ثمراتٍ عدّة، تتلخّصُ في أمرَين:

1. ثَمَرةٌ في الآخرةِ: وهيَ الأمنُ فيها، فعنْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[4].

2. ثَمَرةٌ في الدنيا: وأبرزُها الوصولُ إلى مقامِ التوحيدِ في الخوفِ، بحيثُ لا يكونُ الخوفُ إلّا مِنَ اللهِ تعالى، وهوَ ما يورثُ الشجاعةَ والإقدامَ في مواجهةِ أعداءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وقد وردَ عنْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ خَوْفِ النَّاسِ»[5].

وإذا دقَّقْنا النظرَ في سببِ شجاعتِهِم، نجدُهُ عائداً إلى العلمِ والمعرفةِ الحَقّةِ باللهِ تعالى؛ فالمعرفةُ بصفاتِهِ القدسيّةِ وعظمتِهِ تُشعرُهُم بصِغَرِ الخَلْقِ وضعفِهِم، فلا يهابونَ أحداً ما داموا خائفينَ منَ اللهِ وحدَهُ، قالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.[6]

 


[1] الكوفيّ الأهوازيّ، الزهد، ص5.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص70.

[3] المصدر نفسه، ج2، ص71.

[4] الشيخ الصدوق، الخصال، ج1، ص79.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج8، ص169.

[6] سورة آل عمران، الآية 173.

الأحد, 21 كانون1/ديسمبر 2025 04:58

شَهْرُ اَلاِسْتِغْفَارِ

عنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): رَجَبٌ شَهْرُ اَلاِسْتِغْفَارِ لِأُمَّتِي، أَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ اَلاِسْتِغْفَارِ، فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَشَعْبَانُ شَهْرِي. اِسْتَكْثِرُوا فِي رَجَبٍ مِنْ قَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ، وَسَلُوا اَللَّهَ اَلْإِقَالَةَ وَاَلتَّوْبَةَ فِي مَا مَضَى، وَاَلْعِصْمَةَ فِي مَا بَقِيَ مِنْ آجَالِكُمْ... وَسُمِّيَ شَهْرُ رَجَبٍ اَلْأَصَبَّ؛ لِأَنَّ اَلرَّحْمَةَ تُصَبُّ عَلَى أُمَّتِي فِيهِ صَبّاً»[1].

تُنبِئُ التسميةُ الخاصّةُ لهذا الشهرِ بـ«شهرِ الاستغفارِ» عن عظمةِ هذا العملِ فيهِ، ممّا يحثُّ الإنسانَ على أن يجعلَ من أهمِّ ما يعتني بهِ في هذا الشهرِ التخلّصَ منَ الذنوبِ، والتحلُّلَ من آثارِها. وليسَ الاستغفارُ مجرّدَ ذكرٍ لسانيٍّ، بل لا بدَّ من أن يقترنَ بالبحثِ عنِ الحقوقِ وأدائِها، سواءٌ أكانَت من حقوقِ اللهِ تعالى أم من حقوقِ الناسِ.

وأن يلهجَ لسانُ الإنسانِ بالاستغفارِ في هذا الشهرِ، فإنّما هوَ ليُقرِنَ القولَ بالعملِ، وليبقى في حالةِ يقظةٍ مستمرّةٍ، فلا يغفلَ، ولا يقعَ مرّةً أُخرى في أسبابِ العقوبةِ، وقد وردَ في المرويِّ عنِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «مَنْ قَالَ فِي رَجَبٍ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» مِئَةَ مَرَّةٍ، وَخَتَمَهَا بِالصَّدَقَةِ، خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَمَنْ قَالَهَا أَرْبَعَمِئَةِ مَرَّةٍ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ مِئَةِ شَهِيدٍ، فَإِذَا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُ: قَدْ أَقْرَرْتَ بِمُلْكِي، فَتَمَنَّ عَلَيَّ مَا شِئْتَ حَتَّى أُعْطِيَكَ، فَإِنَّهُ لَا مُقْتَدِرَ غَيْرِي»[2].

وإنَّ للاستغفارِ والتوبةِ آثاراً عظيمةً على الإنسانِ، منها:

1. الخيرُ والبركةُ: ثمّةَ ارتباطٌ وثيقٌ بينَ الاستغفارِ وصلاحِ المجتمعِ ونزولِ البركاتِ والحياةِ الطيّبةِ، قالَ تعالى حكايةً عن هودٍ (عليه السلام): ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾[3].

وعنِ الإمامِ الرضا (عليه السلام)، عن آبائِهِ (عليهم السلام): «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه واله): مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنِ اسْتَبْطَأَ الرِّزْقَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَمَنْ حَزَنَهُ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ«[4].

2. الأمانُ منَ العذابِ: من آثارِ الاستغفارِ الطيّبةِ رفعُ العذابِ عن هذهِ الأمّةِ، فعنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمُ الْآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ؛ أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله)، وَأَمَّا الْأَمَانُ الْبَاقِي فَالاسْتِغْفَارُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[5]»[6].

3ـ طردُ الشيطانِ: الاستغفار يُبعِدُ الشيطانَ ويُحبِطُ مؤامراتِهِ، فعن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) لأصحابِهِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ، إِنْ أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ، تَبَاعَدَ الشَّيْطَانُ عَنْكُمْ كَمَا تَبَاعَدَ الْمَشْرِقُ مِنَ الْمَغْرِبِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصَّوْمُ يُسَوِّدُ وَجْهَهُ، وَالصَّدَقَةُ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمُؤَازَرَةُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَقْطَعُ دَابِرَهُ، وَالِاسْتِغْفَارُ يَقْطَعُ وَتِينَهُ»[7].

4. طهارةُ القلوبِ: الاستغفارُ -كما وردَ في النصوصَ الشريفةَ- يُجلي القلوبَ ويُطهِّرُها من كلِّ خَبَثٍ ونَجَسٍ، قالَ رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه واله): «إِنَّ لِلْقُلُوبِ صَدَأً كَصَدَإِ النُّحَاسِ، فَاجْلُوهَا بِالاسْتِغْفَارِ»[8].


[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج10، ص512.
[2] المصدر نفسه، ج10، ص484.
[3] سورة هود، الآية 52.
[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج90، ص190.
[5] سورة الأنفال، الآية 33.
[6] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص483، الحكمة 88.
[7] الشيخ الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، ج2، ص75.
[8] الحلوانيّ، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص28.

الثورة بحاجة إلى أساس ترتكز عليه، وتنطلق منه، وتستمدّ دوافعها وحيويتها منه. وقد شهد التاريخ البشري - منذ أقدم العصور - استغلال أساسين مختلفين للثورة:

 الأساس الأوّل: ما تزخر به قلوب المستضعفين والمضطّهدين من المشاعر الشخصية المتّقدة بسبب ظلم الآخرين واستهتارهم بحقوق الجماعة ومصالحها، وهذا الشعور يمتدّ في المستضعفين تدريجاً كلّما ازدادت حالتهم سوءاً وازداد المستغلّون لهم عتوّاً واستهتاراً بهم. ولكي يتحوّل هذا الشعور إلى ثورة لا بدّ له من بؤرة تستقطبه، وتنبثق عن هذه البؤرة التي تستقطب هذا الشعور؛ القيادة التي تتزعّم المستضعفين في كفاحهم ضدّ المستغلين والثورة عليهم.

وإذا لاحظنا هذا الأساس بعمق، نجد أنّه يتعامل مع المشاعر الشخصية والمادّية نفسها التي خلقتها ظروف الاستغلال، فالاستغلال يكرّس في جميع أفراد المجتمع الشعور الشخصي بالمصلحة وينمّي فيهم الاهتمام الذاتي بالتملّك والسيطرة، غير أنّ هذا الشعور وهذا الاهتمام ينعكس إيجابياً في المستغلّين على صورة الاستيلاء المحموم على كلّ ما تمتدّ إليه أيديهم، وتسخير كلّ الإمكانات من أجل إشباع هذه المطامع، وينعكس الشعور والاهتمام نفسه سلبياً في المستضعفين، على صورة المقاومة الصامتة أوّلاً، والمتحرّكة ثانياً، والثائرة ثالثاً، على المستغلين، وهي مقاومة تحمل الخلفية النفسية نفسها التي يحملها المستغلّون، وتنطلق من المشاعر والأحاسيس عينها التي خلقتها ظروف الاستغلال. وهذا يؤدّي في الحقيقة إلى أنّ الثورة لن تكون ثورة على الاستغلال وعلى جذوره، ولن تعيد الجماعة إلى مسيرتها الرشيدة ودورها الخلافي الصالح، وإنّما هي ثورة على تجسيد معيّن للاستغلال من قبل المتضرّرين من ذلك التجسيد، ومن هنا كانت تغييراً لمواقع الاستغلال أكثر من كونها استئصالاً للاستغلال نفسه.

 الأساس الثاني: استئصال المشاعر التي خلقتها ظروف الاستغلال، واعتماد مشاعر أخرى أساساً للثورة، وبكلمة أخرى: تطوير تلك المشاعر على نحو تمثّل الإحساس بالقيم الموضوعية للعدل والحقّ والقسط والإيمان بعبودية الإنسان لله، التي تحرّره من كلّ عبودية، وبالكرامة الإنسانية، وهذه المشاعر تخلق القاعدة التي تتبنّى تصفية الاستغلال؛ لا لأنّه يمسّ مصالحها الشخصية فحسب، بل لأنّه أيضاً يمسّ المصالح الحقيقية للظالمين والمظلومين على السواء، وتنتزع وسائل السيطرة من المستغلّين، لا طمعاً فيها وحرصاً على احتكارها، بل إيماناً بأنّها من حقّ الجماعة كلّها، وتلغي العلاقات الاجتماعية التي نشأت على أساس الاستغلال، لا لتنشئ علاقات مماثلة لفئة أُخرى من المجتمع، بل لتعيد إلى الجماعة البشرية الشروط الضرورية لممارسة الخلافة العامّة على الأرض، وتحقيق أهدافها الرشيدة.

ويتّضح من خلال المقارنة أنّ الأساس الثاني وحده هو الذي يشكّل الخلفية الحقيقية للثورة، والرصيد الروحي القادر على جعلها ثورة بدلاً عن تجميدها في منتصف الطريق، بينما الأساس الأوّل لا يمكن أن ينجز سوى ثورة نسبية تتغيّر فيها مواقع الاستغلال.

 غير أنّ مجرّد ذلك لا يكفي وحده لاختيار الأساس الثاني واعتماد المستضعفين له في كفاحهم ذلك؛ لأنّ الأساس الثاني يتوقّف على تربية للمحتوى الداخلي للثائرين أنفسهم، وإعداد روحي ونفسي - من خلال التعبئة والممارسة الثوريتين - يطهّرهم من مشاعر الاستغلال، ويستأصل من نفوسهم الحرص المسعور على طيّبات هذه الحياة وثرواتها المادّية - سواء كان حرصاً مسعوراً في حالة هيجان كما في نفوس المستغلّين، أو في حالة كبت كما في نفوس المستضعفين. وهذه التربية لا يمكن أن تبدأ من داخل الجماعة التي انحرفت مسيرتها وتمزّقت وحدتها، بل لا بدّ من تربية تتلقّاها، ولا بدّ من هدىً ينفذ إلى قلوبها من خارج الظروف النفسية التي تعيشها.

 وهنا يأتي دور الوحي والنبوّة: ﴿فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾[1].

 وتتحقّق بذلك كلمة الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون﴾[2]، بعد أن تحقّقت نبوءة الملائكة؛ فالوحي وحده هو القادر على أن يؤمّن التربية الثورية والخلفيّة النفسية الصالحة التي تنشئ ثائرين لا يريدون في الأرض علوّاً ولا فساداً، وتجعل من المستضعفين أئمّة لكي يتحمّلوا أعباء الخلافة بحقّ، ويكونوا هم الوارثين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ﴾[3] ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[4]

 والنبي الرسول هو حامل الرسالة من السماء، والإنسان المبني ربّانياً لكي يبني للثورة قواعدها الصالحة ويعيد إلى الجماعة الشروط الحقيقية لاستعادة دورها الخلافي الصالح، وذلك باعتماد الأساس الثاني.

ومن هنا دعا الأنبياء إلى جهادين: أحدهما الجهاد الأكبر، من أجل أن يكون المستضعفون أئمّة وينتصروا على شهواتهم ويبنوا أنفسهم بناءً ثورياً صالحاً، والآخر الجهاد الأصغر، من أجل إزالة المستغلّين والظالمين عن مواقعهم.

وتسير العمليّتان في ثورة الأنبياء جنباً إلى جنب، فالنبي ينتقل بأصحابه دائماً من الجهاد الأكبر إلى الأصغر، ومن الجهاد الأصغر إلى الأكبر، بل إنّهم يمارسون الجهادَين في وقت واحد، وحتى عندما يخوضون ساحات القتال وفي أحرج لحظات الحرب، انظروا إلى الثائر النموذجي في الإسلام، الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، كيف أقدم بكلّ شجاعة وبطولة على مبارزة رجل الحرب الأوّل في العرب عمرو بن ودّ العامري، واعتبر الناس ذلك منه انتحاراً شبه محقّق، ثمّ كيف أمسك عن قتله بضع لحظات بعد أن تغلّب عليه؛ لأن عمرو أغضبه، فلم يشأ أن يقتله وفي نفسه مشاعر غضب شخصي، وحَرِص على أن ينجِز هذا الواجب الجهادي في لحظة لا غضب لديه فيها إلّا لله تعالى ولكرامة الإنسان على الأرض، وبهذا حقّق انتصاراً عظيماً في مقاييس كلا الجهادَين في موقف واحد فريد.

 وعلى هذا الأساس نؤمن بأنّ الثورة الحقيقية لا يمكن أن تنفصل بحال عن الوحي والنبوّة، وما لهما من امتدادات في حياة الإنسان، كما أنّ النبوّة والرسالة الربّانية لا تنفصل بحال عن الثورة الاجتماعية على الاستغلال والترف والطغيان، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴿ ﴾[5]، كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾[6].

فالنبوّة ظاهرة ربّانية تمثّل رسالة ثورية وعملاً تغييرياً وإعداداً ربّانياً للجماعة، لكي تستأنف دورها الصالح، وتفرض ضرورة هذه الثورة أن يتسلّم شخص النبي الرسول الخلافة العامّة، لكي يحقّق للثورة أهدافها في القضاء على الجاهلية والاستغلال، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾[7].

ويبني القاعدة الثورية الصالحة، لكي يمنّ الله عليهم ويجعلهم أئمّة ويجعلهم الوارثين، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[8].

وبذلك يندمج خطّ الشهادة وخطّ الخلافة في شخص واحد، وهو النبي، فالنبوّة تجمع كلا الخطّين. ومن هنا اشترط الإسلام في النبي العصمة، وفي كلّ حالة يقدّر للخطّين أن يجتمعا في واحد بحكم ضرورات التغيير الرشيد، نجد أنّ العصمة شرط أساس في المحور الذي يقدّر له أن يمارس الخطّين معاً؛ لأنّه سوف يكون هو الشهيد وهو المشهود عليه في وقت واحد.

وخلافة الجماعة البشرية في مرحلة التغيير الثوري الذي يمارسه النبي باسم السماء ثابتة مبدئياً من الناحية النظرية، إلّا أنّها من الناحية الفعلية ليست موجودة بالمعنى الكامل، والنبي هو الخليفة الحقيقي من الناحية الفعلية، وهو المسؤول عن الارتفاع بالجماعة إلى مستوى دورها في الخلافة.

وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على النبي - مع أنّه القائد المعصوم - أن يشاور الجماعة، ويشعرهم بمسؤوليتهم في الخلافة من خلال هذا التشاور، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾[9].
 ويُعتبر هذا التشاور من القائد المعصوم عملية إعداد للجماعة من أجل الخلافة، وتأكيد عمليّ عليها.

 كما أنّ التأكيد على البيعة للأنبياء وللرسول الأعظم وأوصيائه تأكيد من الرسول على شخصية الأمّة وإشعار لها بخلافتها العامّة، وبأنّها بالبيعة تحدّد مصيرها، وأنّ الإنسان حينما يبايع يساهم في البناء ويكون مسؤولاً عن الحفاظ عليه، ولا شكّ في أنّ البيعة للقائد المعصوم واجبة، لا يمكن التخلّف عنها شرعاً، ولكنّ الإسلام أصرّ عليها واتّخذها أُسلوباً من التعاقد بين القائد والأُمّة، لكي يركّز نفسياً ونظرياً مفهوم الخلافة العامّة للأمّة. وقد دأب القرآن الكريم على أن يتحدّث إلى الأُمّة في قضايا الحكم توعية منه للأمّة على دورها في خلافة الله على الأرض.

﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ﴾[10].

  ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ﴾[11].

  ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ﴾[12].

  ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾[13].

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾[14].

وإذا لاحظنا الجانب التطبيقي من دور النبوّة الذي مارسه خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله، نجد مدى إصرار الرسول على إشراك الأمّة في أعباء الحكم ومسؤوليات خلافة الله في الأرض، حتى أنّه في جملة من الأحيان كان يأخذ بوجهة نظر الأكثر أنصاراً، مع اقتناعه شخصياً بعدم صلاحيتها؛ وذلك لسبب واحد، وهو أن يُشعر الجماعة بدورها الإيجابي في التجربة والبناء.
 


[1]  القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 213.
[2]   القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 30.
[3] القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 83.
[4]  القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 5.
[5]  القرآن الكريم، سورة سبأ، الآية 34.
[6]  القرآن الكريم، سورة الزخرف، الآية 23.
[7] القرآن الكريم،  سورة الأعراف، الآية 157.
[8]  (م.ن).
[9] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 159.
[10]  القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 58.
[11]  القرآن الكريم، سورة النور، الآية 2.
[12]  القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 38.
[13]  القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية 13.
[14]   القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 71.

إنَّ تحصيل القرب من الله عزّ وجلّ يتمّ عبر مجاهدة النفس وتزكيتها، وهي أمر اختياريّ، يمارسه الإنسان بملء إرادته ووعيه، ومن دون جبر أو إكراه من أحد، ولا يحتاج من الإنسان إلّا قرارًا صريحًا وواضحًا، وثباتًا على الطريق.
 
وقد ثبت في الفلسفة، أنّ المعرفة والعلم هما من مبادئ صدور الفعل الاختياريّ من الإنسان، والفاعل المختار لا يقوم بفعل شيء ما لم يمتلك تصوّرًا وتصديقًا إزاء ذلك الشيء. ومن هنا فإنّ التزكية منوطة بالعلم والمعرفة، وإنّ أوّل خطوة في طريق المباشرة بهذا الفعل الاختياريّ هي أن تتوفّر لدى الإنسان المعرفة بنفسه والمعرفة بمبدأ التزكية ونهايتها ومسارها، ولن تحصل هذه التزكية ما لم يتبلور هذا التصوّر والتصديق. فقد ورد عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): "من عرف نفسه جاهدها، ومن جهل نفسه أهملها"[1].
 
وعنه (عليه السلام): "أفضل العقل معرفة الإنسان نفسَه، فمن عرف نفسه عقِل، ومن جهلها ضلّ"[2].
 
وبالتالي فإنّ أوّل شرط لانطلاق الإنسان في حركته التكامليّة باتّجاه القرب من الله، هي أن يعلم بهذه المسألة، ويخرج عن حالة الغفلة والجهل بها. فعن الإمام جعفر الصّادق (عليه السلام) أنّه قال: "من رعى قلبه عن الغفلة، ونفسه عن الشهوة، وعقله عن الجهل، فقد دخل في ديوان المُنَبَّهِينَ"[3].
 
فما دام الإنسان لم يُزحْ حجاب الغفلة جانبًا، فلن يحصل لديه تكامل وتقرّب من الذات المقدّسة، بل لن يعثر على موقعه في خارطة الوجود، وسوف يبقى حيرانَ تائهًا في هذا العالم. لذلك اعتُبرت الغفلة في بعض آيات القرآن سببًا في فقدان الهويَّة الإنسانيَّة واستحقاق العذاب الإلهيّ. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[4].
 
في هذه الآية يصرّح تعالى أنّ مصير الكثير من الجنّ والإنس سيكون عذاب جهنّم، وأنَّهم فقدوا هويّتهم الإنسانيَّة وانحدروا إلى منزلة أدنى من الأنعام، وذلك لأسباب ثلاث:
1- إنَّ لهم قلوبًا، لكنّهم لا يستعينون بها لإدراك الحقائق.
2- إنّ لهم أعينًا، لكنّهم لا يستخدمونها لرؤية مسار البصيرة.
3- إنّ لهم آذانًا، لكنّهم يفتقدون السمع.
 
إنّ القلب والعين والأذن تُعرَّف في قاموس القرآن الكريم كأدواتٍ للمعرفة بالنسبة إلى الإنسان، وبها يتميَّز عن سائر خلق الله تعالى، ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[5]. وما يؤدّي إلى شقاء الإنسان، أو ما يُعدُّ من أهمّ علل الشقاء وأسبابه على أقلّ تقدير، هو الاستخدام غير الصحيح لأدوات العلم والمعرفة، فالذين لا يستخدمون هذه الأدوات للوصول إلى الحقيقة إنّما هم كالأنعام، لأنّ الحيوانات تمتلك آذانًا وعيونًا وقلوبًا، لكنّها لا تستطيع أن تنال بها المعرفة الإنسانيّة. وإذا لم يستخدم الإنسان آلات المعرفة هذه، التي تمثّل مصدر الاختلاف الحقيقيّ بينه وبين الحيوانات، فإنّه يتدنّى إلى مستوًى أدنى من الحيوان، ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. فإذا لم يَنَل الحيوان معرفة الحقيقة، فعذره في ذلك أنّه لا يمتلك الأدوات الضروريّة لهذه المعرفة، بيْد أنّ الإنسان الضالّ، رغم امتلاكه لهذه الأدوات، فإنّه يتعمّد إغماض عينيه وسدّ أُذنيه وفهمه في وجه الحقيقة.

الأمر الجوهريّ في المقطع الأخير من الآية هو ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، فهؤلاء إنّما يقعون بهذا الابتلاء، وينحدرون، بحيث يصبحون أدنى من الحيوان بسبب تماديهم في الغفلة.
 
لذا ينبغي للعاقل الالتفاتُ إلى هويّته الإنسانيَّة، والحفاظ عليها، ووقايتها من الغفلة عن محضر الله عزّ وجلّ، حتّى لا ينحدر إلى ما دون البهائم، كما في حديث الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حيثُ سأله عبد الله بن سنان: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ قال (عليه السلام): "قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): "إنّ الله عزّ وجلّ ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما، فمن غَلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم"[6].
 


[1] عليّ بن محمّد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، دار الحديث، لا.ت، ط1، ص453.
[2] م.ن، ص116.
[3] ميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، بيروت - لبنان، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1408 - 1987م، ط1، ج12، ص111.
[4] القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 179.
[5] القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 78.
[6] الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث بقمّ المشرّفة، 1414هـ.ق، ط 2، ج 15، ص 209.

الأحد, 21 كانون1/ديسمبر 2025 04:54

الموت والهاجس الإنساني

إن وجهة نظر الإنسان نحو الموت وما بعده مهمة جداً في حياته، فكلما كانت نظرته واقعية وموضوعية وصحيحة، كلّما كانت حياته سعيدة ونشطة ومتحركة ومتفائلة، والعكس صحيح أيضاً.

فتركيبة الإنسان النفسية ومن ثم سلوكه وأخلاقه تتأثر جداً من خلال نظرته إلى الموت وما بعده.

فليس التفكير في الموت وما بعده أو بالأحرى ليس الاعتقاد بوجهة نظر معينة تجاه الموت وما بعده فكرة عابرة تمر بالخيال وترحل، ولو حاول الإنسان أن يخرجها من خياله وشعوره، فإنها ستنزل رغماً عنه إلى لا شعوره وعقله الباطني وكيانه النفسي وتطبعه بطابع معين إما سلباً أو إيجاباً.

فعلى هذا ليس التفكير في الموت وما بعده موتاً بل حياة، أي له دخالة في حياة الإنسان وبنائه الروحي والنفسي والعقلي.

وأنتم إذا دقَّقتم جيداً ستعرفون أن الإنسان إذا كانت نظرته إلى الموت على أنه فناء ستكون تركيبته النفسية معقّدة خائفة متشائمة مضطربة مستهترة متحلِّلة، أما إذا كانت نظرته على النقيض من ذلك واعتقد بأن الموت ليس انحلالاً تاماً ولا فناء محضاً، إنما حياة ثانية لها نكهتها الخاصة، فستكون حياته النفسية وتركيبته الروحية متفائلة مطمئنة ملتزمة.
 
التفكير بالحياة بعد الموت هاجس إنساني‏
إن التفكير بما بعد الموت هاجس إنساني، ليس له طائفة أو دين خاص، فكل الناس إلى أي دين انتموا، حتى الملحد منهم، لا بد وأن يأتيه تساءل، ماذا بعد الموت؟

وإذا استقرأتم التاريخ ترون أن هذا التساؤل، لا يخلو من أمَّة، أو من شخص. ولكن الناس يحاولون أن ينسوا هاجس ما بعد الموت، ليبعدوا الخوف عن أنفسهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

يقول أحد علماء النفس: "إن الخوف من الموت يقود الإنسان إلى طرح الأسئلة التالية: لمَ، وإلى أين؟ ومعنى ذلك أن فكر الإنسان أكثر ما يشغله المصير النهائي للحياة البشرية"[1].

ولقد اخترع الناس الكثير لنسيان الموت، يقول بعض المفكرين: "إن الناس قد اخترعوا شتّى ضروب اللهو أو التسلية حتى يتجنّبوا الخوف من الوحدة أو العزلة"[2].

ويقول أيضاً: "إنه لمّا كان الناس لم يهتدوا إلى علاج للموت والشقاء والجهل، فقد وجدوا أن خير الطرق للتنعم بالسعادة هي ألا يفكروا في هذه الأمور على الإطلاق"[3].

وفي الحقيقة إن نسيان الناس لمصيرهم النهائي، أو بالأحرى تناسيه، ما هو إلا كما تفعل النعامة، حيث تطمر رأسها في التراب، وتحسب أن الذئب الآتي لن يأكلها!
 
اكتشاف ما بعد الموت يحيي أمماً وأفراداً
يقول بعض المفكرين: "إن اكتشاف الموت هو الذي ينقل بالشعوب والأفراد إلى مرحلة النضج العقلي أو البلوغ الروحي"[4].

فعلاً إن قول هذا المفكر صحيح وتؤيده الوقائع التاريخية، للتدليل على هذه الفكرة نعطيكم مثالاً واحداً.

الأمة العربية قبل الإسلام أكثرها كان منكراً للحياة ما بعد الموت، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾[5].

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ * ﴿أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾[6].

فكيف كانت حياتهم؟ كانت حياتهم حياة جهلٍ وتخلّف وتبعيّة، ولكن عندما جاء الإسلام، وغيّر نظرتهم إلى الموت وما بعده، تغيَّر العرب تغيّراً جذرياً، فانطلقوا في الدّنيا بكل انشراح وقوّة وغيّروا مجرى التاريخ بعد أن كانوا هملاً لا يخافهم أحد.
 


[1] - تغلب على الخوف، مصطفى غالب، ص‏73.
[2] القول للفيلسوف باسكال نقلاً عن: ن.م، ص‏13.
[3] - ن.م.
[4] - القول للفيلسوف الإسباني أونامونو: ن.م، ص‏74.
[5] - القرآن الكريم، سورة الجاثية، الآية: 24
[6] - القرآن الكريم، سورة الصافات، الآيتان:17-16

استقبل سماحة الامام الخامنئي اليوم الخميس بمناسبة حلول الذكرى العطرة لميلاد السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها آلاف من محبي أهل البيت (عليهم السلام) و المنشدين الدينيين في حفل حماسي تضمن إنشاد المدائح وترديد الشعر وذكر مناقب سيدة نساء العالمين سلام الله عليها.

وخلال هذا الحفل الذي استمر قرابة ثلاث ساعات، هنأ سماحة الامام الخامنئي بالمولد المبارك للسيدة الصديقة الطاهرة (سلام الله عليها)، قائلاً: "بمقاومتهم الوطنية، أحبط الشعب الإيراني الجهود المتواصلة للعدو لتغيير «الهوية الدينية والتاريخية والثقافية» لهذه الأمة. واليوم، وفي الوقت الذي يجب أن يكون هناك استعداد دفاعي وهجومي صحيح لمواجهة النشاط الدعائي والإعلامي للعدو الذي يستهدف «العقول والقلوب والمعتقدات»، فإن إيران العزيزة تواصل مسيرتها إلى الأمام رغم المشاكل والنواقص الموجودة في أنحاء البلاد".

وبمناسبة تقارن ميلاد الإمام الخميني (رض) مع ميلاد السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، أشاد قائد الثورة بفضائل ومناقب سيدة نساء العالمين سلام الله عليها، واصفاً إياها بما يفوق إدراك البشر، وأضاف: "مع كل هذا، يجب أن نكون فاطميين ونقتدي بتلك السيدة القدوة في جميع الجوانب، بما في ذلك التدين والعدالة والجهاد في التبيين وحسن العشرة مع الزوج وتربية الأولاد وغيرها من المجالات".

وأشار سماحته إلى أن "الإنشاد الديني" ظاهرة مؤثرة للغاية، مضيفاً: "من الضروري من خلال البحث والدراسة التعمق في هذه الظاهرة المدهشة وتشخيص نقاط ضعفها وطرق تعزيز وتطوير أبعادها المختلفة".

وأكد آية الله العظمى الخامنئي على التقدم الذي أحرزه الإنشاد الديني مقارنة بالماضي، واصفاً إياه بأنه أحد روافد "أدب المقاومة"، قائلاً: "أي فكر أو أمر إذا لم يمتلك أدباً مناسباً، فسوف يضمحل تدريجياً. والإنشاد الديني والمجالس الحسينية، من خلال وضع وتوسيع ونقل أدب المقاومة، يعزز هذا المطلب الأساسي للغاية".

وعرّف سماحته "المقاومة الوطنية" بأنها "المرونة والصمود في مواجهة أنواع الضغوط المختلفة من قبل القوى المستبدة"، مضيفاً: "أحياناً يكون الضغط عسكرياً - كما رآه الشعب خلال الدفاع المقدس وكما شاهده المراهقون والشباب في الأشهر الماضية - وأحياناً أخرى يكون الضغط اقتصادياً أو إعلامياً أو ثقافياً أو سياسياً".

واعتبر قائد الثورة الضجة الإعلامية التي يثيرها العاملون الإعلاميون والمسؤولون السياسيون والعسكريون الغربيون مؤشراً على الضغط الدعائي للعدو، قائلاً: "الهدف من الضغوط المختلفة للنظام الاستكباري على الشعوب، وعلى رأسها الشعب الإيراني، هو أحياناً التوسع الإقليمي، كما تفعله اليوم حكومة الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية".
وأضاف سماحته: "وأحياناً يكون الهدف السيطرة على الموارد تحت الأرضية، وفي بعض الأحيان يكون تغيير نمط الحياة، والأهم من ذلك كله، «تغيير الهوية» هو الهدف الرئيسي للضغوط الاستكبارية".

وأشار الامام الخامنئي إلى أن جهود القوى العالمية المتغطرسة لتغيير الهوية "الدينية والتاريخية والثقافية" للأمة الإيرانية تعود لأكثر من مائة عام، قائلاً: "جعلت الثورة الإسلامية كل تلك الجهود بلا جدوى، وفي العقود الأخيرة، من خلال عدم الاستسلام والصمود والثبات في مواجهة استمرار الضغوط الواسعة من أعدائها، أحبطتهم الأمة".

واعتبر سماحته انتشار مفهوم وأدب المقاومة من إيران إلى دول المنطقة وبعض الدول الأخرى حقيقة واقعة، مضيفاً: "بعض الإجراءات التي اتخذها العدو ضد إيران والشعب الإيراني، لو اتخذها ضد أي دولة أخرى، لكانت تلك الأمة والدولة قد زالتا واندثرتا".

وأشار قائد الثورة إلى تأثير الإنشاد الديني الحسيني(ع) في ترسيخ ذكرى الشهداء وتعزيز وانتشار مفهوم المقاومة في البلاد، قائلاً: "اليوم، نحن نواجه، بما يتجاوز المواجهة العسكرية التي شهدناها، «بؤرة حرب دعائية وإعلامية» ضد جبهة العدو الواسعة؛ لأن العدو قد أدرك أن هذه البلاد والأرض والتربة الإلهية والمعنوية لا تستسلم ولا تُقهر بالضغط العسكري".

وأضاف سماحته: "بالطبع، هناك من يطرح باستمرار احتمال تكرار المواجهة العسكرية، والبعض الآخر يضخم عمداً في هذا الموضوع لإبقاء الناس في حالة شك وخلق القلق، ولن ينجحوا بإذن الله".

واعتبر الامام الخامنئي أن "خط وهدف وخطر العدو" هو محو "آثار وأهداف ومفاهيم الثورة ونسيان ذكرى الإمام الخميني (رض)"، مضيفاً: "الولايات المتحدة تقع في مركز هذه الجبهة الواسعة والنشطة، وتحيط بها بعض الدول الأوروبية، وفي أطراف هذه الجبهة يقف المرتزقة والخونة وعديمو الوطن الذين يسعون في أوروبا للوصول إلى لقمة العيش".

وشدد سماحته على ضرورة معرفة أهداف و"تشكيلات العدو"، قائلاً: "كما هو الحال في الجبهة العسكرية، في هذه المواجهة الدعائية والإعلامية أيضاً يجب أن نحدد تشكيلاتنا بما يتناسب مع نظام وخطة وهدف العدو، وأن نركز على النقاط التي يستهدفها، وهي «المعارف الإسلامية والشيعية والثورية»".

واعتبر قائد الثورة أن الصمود في وجه الحرب الدعائية والإعلامية الغربية صعب ولكنه ممكن تماماً، قائلاً: "في هذا المسار، على المنشدين الدينيين تحويل المجالس الحسينية إلى مراكز للالتزام بقيم الثورة، وأن يحموا هذا الجيل العزيز من أهداف العدو العنيد والخبيث ، مع تقدير إقبال الشباب على الإنشاد الديني والمجالس الحسينية".

واختتم سماحته كلمته بعدة توجيهات للمنشدين الدينيين، كان من أهمها: "تبيين المعارف الدينية والمعارف الجهادية بالاعتماد على حياة جميع أئمة الهدى (عليهم السلام)، ومهاجمة نقاط ضعف العدو بالتزامن مع الدفاع الفعال ضد شبهاته، وشرح المفاهيم القرآنية في مختلف المجالات «الشخصية والاجتماعية والسياسية وكيفية مواجهة العدو»".

واعتبر سماحته تأثير النوح المنسجم جيداً والمحتوى الجيد أحياناً أكثر من عدة خطب ومحاضرات، قائلاً: "على المنشدين الدينيين الحرص على عدم تسلل الألحان وثقافة عصر الطاغوت إلى مجالسهم ومحافلهم".

وفي ختام كلمته، أشار الامام الخامنئي إلى كلام أحد المنشدين الدينيين حول مشكلة الغبار في محافظة خوزستان، قائلاً: "هذه من أصغر المشاكل، والنواقص والمشاكل منتشرة في جميع أنحاء البلاد، لكن شعبنا يخلق يومياً من خلال صموده وصدقه وإخلاصه وحسن نيته وطلبه للعدالة، هيبة وقوة للإسلام وإيران، وبتوفيق الله تعالى، فإن البلاد في حالة حركة وكدّ وتقدم."