الهاجس الثقافي في كلام الإمام الخامنئي (دام ظله)

قيم هذا المقال
(0 صوت)
الهاجس الثقافي في كلام الإمام الخامنئي (دام ظله)

ينبغي علينا إعادة تقييم مقولة الثقافة من جديد؛ وأظنّ أنّنا في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة قلّلنا من أهمّيّتها، وغفلنا عن تأثيرها، باعتبارها عاملًا أساسيًّا ومصيريًّا في تحديد السلوكيّات الفرديّة والاجتماعيّة لبلدنا وأمّتنا، وباعتبارها موجّهًا للتأثيرات والآثار السياسيّة – التوجّهات السياسيّة – ولا يتمّ التعاطي معها كما يجب. كلمات تُقال، أمور نحكيها، ومطالب كثيرة أكرّرها، لكنّا في مقام العمل لا نقدّم الجهد المطلوب23/9/78.

قد تكون الهواجس الثقافيّة والاهتمام بمسألة الثقافة حالة إحساس شخصيّ، وقد تكون ناشئةً من طبيعة النظر إلى الثقافة. إنّ الحساسيّة الشخصيّة والميول الفرديّة ليست ذات أهمّيّة، المهمّ هو أن نرى التأثير الذي تتركه الثقافة حقيقةً على مصير البلد، وأن ندرك أيّ دور يمكن أن يؤدّيه التعرّض لمسألة الثقافة، والتحسّس بشأنها، على المستقبل الذي نأمله جميعًا ونعمل لأجله.

يبدو، من وجهة نظرنا، أنّ القسم الأساس للثقافة هو نفس عقائد وأخلاقيّات فردٍ ما أو مجتمع. إنّ سلوكيّات المجتمع، والتي هي جزء من الثقافة العامّة وثقافة أمّة ما، تنبع من تلك العقائد.

في الحقيقة، إنّ العقائد أو الأخلاق هي التي تقوم بإيجاد وتشكيل سلوك الإنسان، وإنّ الأخلاق الاجتماعيّة تؤدّي إلى إيجاد السلوك الاجتماعيّ، والأخلاق الفرديّة تبعث على السلوكيّات الفرديّة. وعلى هذا، فإذا كان صحيحًا أنّ مقولة الثقافة تشتمل على السلوكيّات في أغلب الموارد، فإنّ أساس الثقافة وجذرها هو عبارة عن العقيدة، وعن استيعاب وتلقّي كلّ إنسان لحقائق العالم ووقائعه، وكذلك الأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة والوطنيّة19/9/79.

وأنا أعتقد أنّ سلوكنا الفرديّ والجمعيّ، باعتبارنا مسؤولين، وكذلك سلوك أمّتنا، يقع تحت تأثير مجموعتَين من العوامل؛ الأولى عبارة عن الاستعدادات والإمكانيّات وأمثالها، كالذكاء، والقدرات، والاستعدادات الموجودة عند الناس، فلو افترضنا شخصًا ما، فإنّ جزءًا من نشاطه في كلّ مجال من المجالات يعود إلى الاستعدادات، والقدرات، والقابليّات الوجوديّة التي يتحلّى بها، أو المحيط الذي يستفيد منه.

أمّا المجموعة الثانية، فعبارة عن العوامل المؤثّرة والموجّهة للذهنيّة. وإنّ مقصودنا من الثقافة هي هذه الذهنيّات، وفي كلّ مكان سأستخدم فيه عبارة الثقافة، فإنّ مرادي منها هو ذاك المعنى العامّ؛ أي الذهنيّات الحاكمة على وجود الإنسان، والتي تهدي سلوكه إلى جهة معيّنة – بسرعة أو ببطء – وهذه الأمور هي في حدّها الأدنى عبارة عن نصف العوامل المحدِّدة والمؤثّرة والموجّهة لجميع السلوكيّات. ولأجل جعل المسألة محسوسةً بالكامل، ويتّضح أكثر القلق الموجود في ذهني – حيث أتعرّض لهذه المسألة كثيرًا – تصوّروا مجموعةً من الجنود المضحّين الذين يحاربون انطلاقًا من عزمهم، وإرادتهم، وثباتهم، كالحرب التي خضناها لمدّة ثماني سنوات. في تلك المرحلة، كنتم تذهبون للجبهة فتجدون مجموعةً من الشباب المؤمن، الحزب اللهيّ، الفدائيّ، قد ثبتوا في ساحة الجهاد. ولو سألتم كلّ شخص منهم عن سبب وجوده في موقع الجهاد، لكان الجواب أنّه يقوم بتكليفه؛ فالإمام قال بأنّ هذا هو تكليفي الدينيّ، لقد اعتدى العدوّ على بلدي، وهدّد حدودي وناموسي، ونحن أمّة حيّة ويجب علينا الدفاع عن أنفسنا، وسيقدم كلّ واحد منهم مجموعةً من الاعتقادات الذهنيّة، منها الاعتقاد بالله، والاعتقاد بالقيامة وبالشهادة، وبأوامر الإمام ولزوم طاعته، والاعتقاد باعتداء هذا العدوّ، وبأنّنا أمّة يجب أن ندافع عن أنفسنا، وسيظهر أيضًا في أحاديثهم هذا النسيج من الاعتقادات الدينيّة. أنتم ترون أنّ هذه الاعتقادات قد أدّت إلى تخلّي هذا الشابّ عن هدوء المنزل، وعن العيش، والتحصيل، والجامعة، ودفعته للذهاب إلى الجبهة، ليضع روحه في مواضع الخطر؛ وقد يُقتل أحيانًا، أو يُجرح فيعيش حتّى نهاية عمره في هذه الحالة، ونحن نرى الآن على الكرسيّ المتحرّك العديد منهم.

فلو جاء الآن شخص آخر وخدش هذه الاعتقادات التي جعلت ذاك الشاب يذهب بحرارة إلى الحرب، وقال له على سبيل المثال: أنتم تقولون أنّ هذا عدوّ معتدٍ، أيّ اعتداء هو هذا؟ نحن الذين بدأنا الحرب! هذه الأسئلة تنفذ إلى ذهنيّة هذا الشخص ويضعف اعتقاده باعتداء هذا العدوّ وبفضيلة الشهادة، وباعتقاده بلزوم طاعة الإمام، وضرورة أن ينهض المرء للدفاع عن بلده ووطنه وحدوده عندما تتعرّض للخطر. فلننظر حينها إلى هذا الشابّ، الذي كان بمثابة الرصاصة الحارقة التي تخترق صدور الأعداء، إلى أي شيء سيتحوّل بعد تبديل اعتقاده؟ سيتحوّل إلى موجود نادم، متزلزل، متردّد، وقد يتحوّل إلى شخص مخالف للجبهة.

هذا يعني أنّ هذا الإنسان صاحب هذه الشخصيّة وهذه الاستعدادات، والقدرات البدنيّة والجسميّة والذهنيّة، وقوّة الإرادة والتصميم، قد تحوّل، بسبب تبديل محتواه الذهنيّ، من موجود فعّال مقدام مؤثّر، إلى موجود منفعل ومنهزم، وهذا الأمر واضح جدًّا. والعكس أيضًا صحيح، فمن الممكن أن يذهب شخص ليقوّي تلك الأحاسيس وذاك الإيمان والاعتقاد، أو أن يقوم بإيجاد الإيمان عند مَن هو فاقد له، فيجعل منه موجودًا رائدًا فعّالًا مؤثّرًا.

عندها، تنبّهت إلى معنى مقولة أنّ مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء[1]، ذلك العالِـم الذي يتمكّن من تبديل المحتوى الذهنيّ للإنسان؛ فيجعل من هذا الجسم – بالاصطلاح الرائج اليوم – وهذا الهيكل البشريّ، إنسانًا متعاليًا، رائدًا، إنسانًا فعّالا ومقاومًا. إنّ عالِـمًا واحدًا يمكنه أن يقوم بهذا العمل. لذا كان "مداد العلماء" أفضل حقيقةً من "دماء الشهداء".

وهذا ما يفسّر كيف أنّ شبابنا من طلبة العلوم الدينيّة في ميدان الحرب – أولئك المجموعة المقاتلة المبلِّغة الذين قد رأيتهم مرّات ومرّات هناك – كانوا يتوجّهون إلى ساحة القتال، ويبدّلون الأشخاص العاديّين إلى أناس مقاومين، والأشخاص الضعفاء إلى أناس أشدّاء، والأشخاص المتزلزلين إلى أناس ثابتين مقاومين23/9/78.

إنّ البحث عن الثقافة هو بحث ذهنيّ، بحث عن القوّة الإدراكيّة عند الإنسان، بحث عن بناء شخصيّة الإنسان، وفي النهاية، بحث عن القلب، وكما يقول ذاك العظيم:
دِه بوَد آن، نــه دل؛ كـه اندر وى   گاو وخــر بيــنى وضياع وعقار
قرية يكون لا قلبًا، ذاك الـــذي فيه
   التعلّق بالبقرة والحمار والضياع والعقار[2]

إذا كان القلب قلبًا فسيكون فيه متاع باب القلب، إلّا أن يكون قريةً وليس قلبًا. وحينها، سنجد فيه أخشابًا، وأحجارًا، وحديدًا، ومزارعًا، وحيوانات، وأبنيةً، وثروات، وأمورًا كثيرة من هذا القيبل. أنتم أمام المعنى الحقيقيّ والصحيح للقلب.

كان القلق والاضطراب والهواجس تعتريني منذ أوائل الثورة وحتّى الآن من جرّاء قضيّة الثقافة، وذلك بسبب الأهمّيّة الخاصّة التي أؤمن بوجودها في هذا المضمار، وفي النفوذ الثقافيّ والشخصيّة الثقافيّة والعمل الذي يمكن لكلّ من الأعداء والأصدقاء أن يقوموا به، والذي لا يمكن مقارنته بأيّ عملٍ أو بناءٍ آخر. وكانت هذه الهواجس تُدرَك من قبل البعض تارةً، ولا تُدرَك تارةً أخرى، وفي الموارد التي كانت تُدرَك، كان تتمّ الاستجابة لها تارةً ولا تتمّ تارةً أخرى31/2/75.

المصدر: الهواجس الثقافية

[1] عبد الله البحراني، عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار والأقوال (قم: مدرسة الإمام المهدي (عج) بالحوزة العلميّة، الطبعة 1، 1363هـ.ش.)، المجلّد 2، الجزء 3-كتاب العلم، "أبواب فضل العلم، وثواب العالم والمتعلّم، وما يتعلّق به، ويؤول إليه"، الباب 43-"فضلهم عند الميزان"، الخبر 1، الصفحة 185.
[2] سنائي غزنوي (473-545هـ.ق.)؛ واسمه الكامل أبو المجد بن مجدود بن آدم سنائي الغزنوي. يعتبر أوّل الشعراء المتصوّفين الثلاثة العظام ممّن كتبوا المثنويّات في إيران، وأمّا ثانيهم فهو الشيخ فريد الدين العطّار، وثالثهم جلال الدين الرومي.

قراءة 428 مرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث