أیکون دعاء غیر الله عبادةً لغیرالله؟

قيم هذا المقال
(0 صوت)
أیکون دعاء غیر الله عبادةً لغیرالله؟

یعتقد محمد بن عبدالوهاب في کتابه کشف الشبهات استناداً بالآیة الشریفة «ادعوا ربّکم تضرعاً وخفیةً إنّه لا یحبّ المعتدین»[1] أنّ الالتجاء بالصالحین ودعائهم عبادةٌ لغیرالله تعالی. ما مدی صحة هذه النظرة وقبولها؟

 

الجواب

إنّ أحد طرق الوهابیة في اتّهامهم سائر المسلمین بالشرک هو استنادهم بالآیات النافیة عن دعاء العبادة لإثبات شرکیة دعاء المسألة. بعبارة أخری إنّ الالتجاء بالصالحین ودعائهم یتصوّر بصورتین:

الأولی: الالتجاء والدعاء العبادي: وهو أن یدعو الشخص أحداً بقصد التعبّد وباعتقاد أنّه إلهٌ أو ربٌّ أو له بعض خصائص الألوهیة أو الربوبیة.

الثانیة: دعاء المسألة: وهو أن یدعو الشخص أحداً لا بقصد التعبّد ولا باعتقاد أنّه إله أو ربٌّ ولا أنّ له بعض خصائص الألوهیة أو الربوبیة. فالوهابیة لإثبات شرکیة القسم الثاني من الدعاء (دعاء المسألة) استندت بآیاتٍ تثبت شرکیة النوع الأول من الدعاء (دعاء العبادة).

فالوهابیة تستطیع استناداً بآیاتٍ کـ«ادعو ربکم تضرعاً و خفیةً إنّه لا یحبّ المعتدین»،[2] «وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً* وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ کادُوا يَکُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً* قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَ لا أُشْرِکُ بِهِ أَحَداً»،[3] «وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْکافِرُونَ»[4] أن تعرّف دعاء الصالحین والالتجاء بهم أنّه شرکٌ وعبادة لغیر الله بحالاتٍ ثلاثة: الأولی: لیس للدعاء إلا قسمٌ واحدٌ وهو دعاء العبادة وفي هذه الحالة یکون الالتجاء بالصالحین ودعاؤهم من أقسام دعاء العبادة؛ والآیات المذکورة أیضاً جعلت دعاء غیر الله بنحو دعاء العبادة من مصادیق الشرک.

الثانیة: وإن کان الدعاء مشتملاً علی دعاء العبادة والمسألة إلّا أنّ الآیات المذکورة جعلت الدعاء مطلقاً أعمّ من أن یکون مسألتیاً أو عبادیاً أنّه شرکٌ.

الثالثة: إنّ الآیات المذکورة جعلت دعاء غیر الله بنحو دعاء العبادة شرکاً والالتجاء بالصالحین ودعاؤهم إنّما هو من مصادیق دعاء العبادة لا المسألة.

بطلان الفرض الأول؛ اشتمال مفهوم الدعاء علی دعاء العبادة فقط.

إن لم یکن للدعاء إلا قسم واحد وکانت کلّ الأدعیة من مصادیق دعاء العبادة تکون استغاثة الأمّ بواسطة الولد واستغاثة الطبیب بواسطة السقیم واستغاثة المنقذ للحیاة بواسطة الغریق ودعاء الجیش بواسطة القائد و ....... عبادةً للأم والطبیب والمنقذ للحیاة والجیش وبتعبیر أدقَّ تکون هذه عبادةً لغیر الله، ولم یقل بهذا أحدٌ حتی الوهابیة.[5] فلامحیص من تقسیم الدعاء إلی قسمین دعاء العبادة (وهو أن یدعو الشخص أحداً بقصد التعبّد وباعتقاد أنّه إلهٌ أو ربٌّ أو له بعض خصائص الألوهیة أو الربوبیة) ودعاء مسألة (وهو أن یدعو الشخص أحداً لا بقصد التعبّد ولا باعتقاد أنّه إله أو ربٌّ ولا أنّ له بعض خصائص الألوهیة أو الربوبیة).[6]

جاء لفظ الدعاء في القرآن بمعان مختلفة کـالاستعانة والاستغاثة والقول والنداء والعذاب والهلاک والعبادة، وهذا حاکٍ عن أنّ مفهوم الدعاء بمنظر القرآن لیس مرادفاً للعبادة ، والدعاءُ لیس مشتملاً علی دعاء العبادة فقط، فمن باب المثال:

  1. ۱. «وَ إِنْ کُنْتُمْ في‏ رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلی عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَکُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ کُنْتُمْ صادِقينَ»،[7] «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ کُنْتُمْ صادِقينَ»[8]و «وَ قالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوني‏ أَقْتُلْ مُوسی‏ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دينَکُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ»[9]؛ والدعاء في الآیات الثلاثة بمعنی الاستعانة.[10]
  2. ۲. «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُکُمْ بِالْوَحْيِ وَ لا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ»،[11] «یوم یدع الداع إلی شیءٍ نکر»[12]و «إن تدعوهم لا یسمعوا دعاءکم»[13]؛ والدعاء في الآیات الثلاثة بمعنی النداء. وإن فُسِّر الدعاء بالعبادة لا یصحّ معنی الآیات المذکورة. فمثلاً یکون معنی الآیة الأولی: «ولایسمع الصمُّ العبادةَ» والآیة الثانیة: «یوم یعبد الداع إلی شیء نکر».[14]
  3. ۳. «تدعوا من أدبر وتولّی»[15]؛ المراد من الدعاء في هذه الآیة هي الدعوة للعذاب والهلاک وإن فُسِّر الدعاء فیها بمعنی العبادة یکون معناها: «تعبد من أدبر وتولّی».[16]
  4. ۴. «وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُکَ وَلا يَضُرُّکَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّکَ إِذاً مِنَ الظَّالِمينَ»،[17] «وَ الَّذينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتي‏ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِکَ يَلْقَ أَثاماً»،[18] «قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلی‏ أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ کَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَی الْهُدَی ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَی اللَّهِ هُوَ الْهُدی وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمينَ»[19]؛ في هذا القسم من الآیات یکون معنی الدعاء هو دعاء العبادة وفُسِّر الدعاء بالعبادة خلافاً للأقسام السابقة.[20]

بطلان الفرض الثاني: اشتمال مفهوم الآیات التي استندت بها الوهابیة، علی دعاء العبادة والمسألة

تستطیع الوهابیة بإثبات أنّ مطلق الدعاء قد نُهِی عنه في الآیات الناهیة عن دعاء غیر الله وأنّها تنهی عن الدعاء بقسمیه أي دعاء العبادة والمسألة وإن کان للدعاء قسم آخر وأنّه ینقسم بدعاء العبادة والمسألة أن تقول: إنّ الالتجاء بالصالحین ودعائهم بنحو دعاء المسألة یکون من مصادیق الشرک. ولکن لا یقبل هذا النحو من الکلام بوجهٍ من الوجوه ولا تستطیع الوهابیة أن تدّعي أنّ المراد من الدعاء في الآیات الناهیة عن دعاء غیر الله هو مطلق الدعاء أعمّ من أن یکون الدعاء مسألتياً أو عبادیّاً لأنّه:

أوّلاً یلزم أن یکون مطلق دعاء المسألة (دعاء الأمّ بواسطة الطفل ودعاء الطبیب بواسطة السقیم و....) ودعاء العبادة شرکاً. وقد أشیر سابقاً أنّه لا قائل بشرکیة هذه الموارد کـاستغاثة الأمّ واستغاثة الطبیب و...... ولم یقل به أحدٌ حتی الوهابیة.[21]

ثانیاً یعتقد کبار المفسّرین کالطبري الذي اهتمّ به ابن تیمیة وکبار السلفیة أنّ لفظ الدعاء في الآیات المذکورة غیر مشتملٍ علی دعاء المسألة وعرّفوا الآیات التي استندت بها الوهابیة أنّها آیاتٌ ناهیة عن دعاء العبادة. فنقول من باب المثال:

  1. ۱. «وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً * وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ کادُوا يَکُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً * قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِکُ بِهِ أَحَداً»[22]؛ کتب الطبري في تفسیر هذه الآیة: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَأله وسَلَّمَ:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا}أَيُّهَا النَّاسُ {مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ فِيهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ أَفْرِدُوا لَهُ التَّوْحِيدَ، وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ».[23] وکتب ابن الجوزي أیضاً: «والرابع: أن المساجد: السجود، فإنه جمع مسجد ....... والمعنى: أَخْلِصُوا له، ولا تسجدوا لغيره».[24]
  2. ۲. «وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْکافِرُونَ»[25]؛ کتب الطبري في تفسیر الآیة المبارکة: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ مَعْبُودًا آخَرَ، لَا حُجَّةَ لَهُ بِمَا يَقُولُ وَيَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بَيِّنَةَ».[26] وکتب ابن کثیر أیضاً: «يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره وعبد معه سواه ومخبراً أن من أشرك بالله لا برهان له أي لا دليل له على قوله».[27]
  3. ۳. «وَ قالَ رَبُّکُمُ ادْعُوني‏ أَسْتَجِبْ لَکُمْ إِنَّ الَّذينَ يَسْتَکْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي‏ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ»[28]؛ کتب الطبري حول هذه الآیة المبارکة: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ...... اعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَةَ دُونَ مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ».[29] وکتب البغوي أیضاً: «{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم».[30]

بطلان الفرض الثالث: کون الالتجاء بالصالحین ودعائهم دعاءاً عبادیّاً

إن لم یکن الدعاء مرادفاً لدعاء العبادة وکان مشتملاً علی دعاء المسألة أیضاً وکانت الآیات التي استندت بها الوهابیة مشتملةً علی دعاء العبادة فقط وعرّفت دعاء العبادة أنّه من الشرک، فإن استطاعت الوهابیة إثبات أنّ الالتجاء بالصالحین ودعائهم من مصادیق دعاء العبادة تستطیع تعریفَ الالتجاء بالصالحین ودعائهم أنّه من مصادیق الشرک وعبادة غیرالله.

صارت المسألة المذکورة مورد اهتمام علماء الوهابیة وأنّهم اعتماداً علی مسألتین صاروا بصدد بیان أنّ دعاء الصالحین والالتجاء بهم من مصادیق دعاء العبادة:

  1. ۱. إنّ دعاء الصالحین والالتجاء بهم من مصادیق طلب ما لا یقدر علیه إلا الله.

کتب محمد العثیمین في کتابه مجموع الفتاوی والرسائل ضمن بیان أنّ طلب ما لا یقدر علیه إلا الله إن کان لله فهو عبادة له سبحانه وأنّه حاکٍ عن اعتماد الطالب علی الله والتجائه به واعتقاده بقدرته وکرامته ورحمته تعالی: «فمن دعا غير الله- عز وجل -بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيّاً أو ميّتاً».[31] واعتقد عالمٌ آخرٌ من علماء الوهابیة وهو صالح بن فوزان کمحمد العثیمین أنّ طلب ما لا یقدر علیه إلا الله إن کان لغیرالله سبحانه فهو شرکٌ وعبادةٌ لغیر الله وکتب: «فالاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه- كالاستغاثة بالأموات والغائبين- شرك أكبر، لأنه يستغيث بمن لا يقدرون على شيء أبداً».[32] فالالتجاء بالصالحین ودعاؤهم وطلب أمورٍ کـشفاء السقیم و...... کل هذه عند الوهابیة تکون من مصادیق طلب ما لا یقدر علیه إلا الله وأنّها من مصادیق عبادة غیره تعالی ونظراً إلی آیاتٍ کـ «ادعو ربکم تضرعاً و خفیةً إنه لا یحب المعتدین»،[33] «وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً* وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ کادُوا يَکُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً* قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَ لا أُشْرِکُ بِهِ أَحَداً»،[34] «وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْکافِرُونَ»[35] عُرِّفت عبادة غیر الله أنّها من مصادیق الشرک والالتجاء بالصالحین ودعاؤهم یکون من مصادیق الشرک.

فنقول في الجواب: کما یستفاد من کلام محمد العثیمین أنّ علة کون طلب «ما لا یقدر علیه إلا الله» من غیره تعالی شرکاً هو أنّ هذا الطلب وأمثاله حاکٍ عن وجود بعض الخصائص في غیر الله تعالی ولایجوز اعتقاد وجودها إلا عند الله سبحانه. فهذا الطلب حاکٍ عن أنّ السائل یعتقد بأنّ المسئول له قدرة التصرّف في الکون والعالَم. فطلب « ما لا یقدر علیه إلا الله» من غیره تعالی الذي کان من مصادیقه هو الالتجاء بالصالحین ودعاؤهم إنّما یُعَدُّ عبادة غیر الله لأنّه حاکٍ عن اعتقاد السائل بوجود بعض خصائص الربوبیة في المسئول وواضحٌ أنّ دعاء أحدٍ باعتقاد وجود بعض خصائص الربوبیة فیه یکون من مصادیق دعاء العبادة ویُعَدُّ عبادة له. ولکن یُردُّ الاستدلال المذکور ولایُقبَل منهم بدلیلین:

الأول: صرّح علماء الوهابیة أنّ المشرکین کانوا موحدین بالربوبیّة وقالوا إنّهم کانوا معتقدین بخالقیة الله سبحانه ومدبّریّته ورازقیّته وإحیائه وإماتته و...... بنحوٍ کانوا یقولون إنّه هو مدبّر العالَم وإنّ کلّ السماوات والأرضین ومافیها تحت تصرّفه وقدرته.[36] فهنا سؤال وهو إن کان الالتجاء بالصالحین شرکاً وعبادة للصالحین لأنّه حاکٍ عن اعتقاد وجود بعض خصائص الربوبیة عند الصالحین، فلماذا صار الالتجاء بالأصنام أو أيِّ معبودٍ آخر بواسطة المشرکین عبادة للأصنام وشرکاً في العبادة، والحال أنّ کبار الوهابیة صرّحوا أنّ المشرکین کانوا موحدین بالربوبیة ومعتقدین بربوبیة الله سبحانه فقط. فالوهابیة إمّا أن تقول إنّ دعاء الغیر بنفسه شرکٌ وعبادة لغیرالله تعالی وإن لم یکن فیه اعتقادٌ بربوبیة الغیر أو ألوهیّته وثبت أنّ هذا النحو من الادّعاء غیر مقبول أبداً وإمّا أن تغیّر کلامها حول توحید المشرکین بالربوبیة وتعتقد أنّهم مشرکون بالربوبیة أیضاً مضافاً علی شرکهم بالألوهیّة والعبودیّة.

الثاني: إنّ الالتجاء بالصالحین ودعائهم لایکون من مصادیق عبادة غیر الله تعالی ولایکون شرکاً في العبادة کیفما فسّر علماء الوهابیة عبارة «ما لا یقدر علیه إلا الله». توضیحه:

اعتقد الوهابیة أن شفاء السقیم ونحوه من المسائل ، یکون من مصادیق « ما لا یقدر علیه إلا الله» فلابدّ من السؤال منهم أنّه لماذا صار شفاء السقیم من الأمور المختصّة بالله تعالی؟ إن أجابوا بأنّ الإنسان عادة لا یقدر علی الشفاء والشفاء وأيّ عمل آخر لایقدر علیه الإنسان عادةً وکان من الأمور المختصّة بالله نقول: إنّ هذه الضابطة ناشئة عن جهلکم بالقاعدة المعروفة «لا یقدر الإنسان علی شیءٍ بالاستقلال» لأنّ الإنسان في الأمور التي قادرٌ علی فعلها عادةً والأمور التي غیر قادر علیها عادةً لیس إلا سبباً وإن أذن له الله تعالی استطاع أن یرفع صخرة صغیرة أو یشافي السقیم أو یفعل أيَّ شیء آخر وإن لم یأذن له الله تعالی لایستطیع فعل أيِّ شیء أبداً. فالتعبیر الأدّقّ والمناسب لقاعدة «لا یقدر الإنسان علی شیء بالاستقلال» هو أن تقولوا: إنّ «ما یقدر علیه إلا الله» هو العمل الذي صار الإنسان سبباً ووسیلةً لفعله عادةً، کرفع صخرة صغیرة من الأرض و«ما لا یقدر علیه إلا الله» هو عملٌ لم یکن الإنسان سبباً ووسیلةً لفعله عادةً کشفاء السقیم.[37]

إن قبلت الوهابیة هذا الإشکال وفي الجواب عن سؤال «لماذا تجعلون الشفاء من الأمور المختصة بالله؟» أصلحوا جوابهم الأول وقالوا: إنّ شفاء السقیم من الأمور التي لم یکن الإنسان سبباً ووسیلةً لفعله عادةً وکل عملٍ لم یکن الإنسان سبباً لفعله عادةً کان من الأمور المختصة بالله تعالی قلنا: ما المراد من قولکم: «لم یکن الإنسان أو أيِّ شیءٍ آخر سبباً ووسیلةً لفعله عادةً» هل المراد أنّه لم یکن الإنسان أو أيِّ مخلوق آخر سبباً ووسیلةً لفعله عادةً؟ أم المراد أنّه بعض المخلوقات صار سبباً ووسیلةً لهذا الفعل ولکنّ الله لم یجعل سائر المخلوقات سبباً ووسیلةً؟ إن کان مرادکم أنّ الله جعل بعض المخلوقات سبباً ووسیلةً فطلب الشفاء من شخص لم یجعله الله سبباً ووسیلة للشفاء یوجب الخطأ في نسبة السببیة فقط لا الشرک. والسائلُ خطأً جعل شخصاً سبباً ووسیلةً للشفاء لم یکن هذا الشخص سبباً فيه، لا أنّه اعتقد فیه وجود بعض خصائص الربوبیة حتی یصبح مشرکاً في الألوهیة والعبودیة. فمثلاً إن تصوّر شخصٌ أنّ هذا الطفلَ سببٌ لرفع هذه الصخرة الکبیرة وطلب منه أن یرفع هذه الصخرة التي لم یکن الطفل عادةً سبباً لرفعها فإنّه أخطأ في نسبة السببیة لاأکثر.[38]

وإن کان مرادکم أنّ الإنسان وأيَّ مخلوق آخر لم یکن سببا ووسیلة لفعله نقول: وإن لم یجعل الله مخلوقاً سبباً ووسیلةً لفعله لکن ألایمکن أنّ الله یجعل مخلوقاً سبباً ووسیلةً لفعل هذا الفعل؟ إن کان الجواب مثبتاً فطلب هذا الفعل من شخصٍ لم یکن سبباً ووسیلةً لفعله موجبٌ للخطأ في نسبة السببیة فقط لاالشرک. وإن کان الجواب منفیاً ومراد الوهابیة من «لم یکن الإنسان أو أيِّ مخلوق آخر سبباً ووسیلةً لفعله عادةً» أنّه یستحیل أن یجعل الله سبحانه مخلوقاً سبباً لفعله، فطلب هذا الفعل من المخلوقات یوجب الشرک والخروج من الإسلام لأنّ هذا الفعل من أفعال الله المختصة به سبحانه وطلب الفعل من غیره تعالی کاشفٌ عن اعتقاد وجود بعض خصائص الربوبیة في غیره تعالی. ولکن یلاحَظ أنّ هذه المسألة فرضٌ فقط ولایوجد مسلمٌ یطلب من غیر الله فعلاً مختصاً به تعالی.[39]

للتوضیح نقول:  نظراً إلی آیاتٍ کـ«و رسولاً إلی‏ بني‏ إسرائيل أنّي قد جئتکم بآية من ربّکم أّني أخلق لکم من الطين کهيئه الطير فأنفخ فيه فيکون طيراً بإذن الله و أبرئ الأکمه و الأبرص و أحيي الموتی‏ بإذن الله و أنبّئکم بما تأکلون و ما تدّخرون في‏ بيوتکم إن في‏ ذلک لآية لکم إن کنتم مؤمنين»[40] وإلی بقیة الأدلة الموجودة في هذا الباب، هناک أمورٌ کالخلق وشفاء السقیم وحتی إحیاء الموتی و...... لیست من أفعال الله المختصة به، فأهل الاستغاثة والتوسّل والملتجئین بالصالحین ودعائهم لم یطلبوا منهم شیئاً یختصُّ به تعالی.

  1. ۱. إنّ دعاء الصالحین والالتجاء بهم من مصادیق الدعاء ونداء الغائب أو المیّت

یعتقد علماء الوهابیة أنّ دعاء الغائب أو المیّت یوجب الشرک والخروج عن الإسلام لأنّ هذا الدعاء کاشفٌ عن اعتقاد وجود قدرة التصرّف في العالَم عند مخاطبه.[41] فالوهابیة وإن لم یستطیعوا إثبات شرکیة الدعاء وطلب الصالحین من باب «طلب ما لا یقدر علیه إلا الله» إلا أنّهم یستطیعون أن یجعلوا الالتجاء بالصالحین من مصادیق دعاء العبادة لأنّ الالتجاء بالصالحین من مصادیق دعاء الغائب أو المیّت، لأنّه کما أشیر سابقاً أنّهم یجعلون الالتجاء بالغائب من مصادیق دعاء العبادة أي دعاء الشخص مع اعتقاد وجود بعض خصائص الألوهیة أو الربوبیة فیه.

ولکن لا یُقبَل هذا الادّعاء بوجهٍ لأنّه أوّلاً کما أشیر سابقاً صرّح علماء الوهابیة بتوحید المشرکین توحیداً ربوبیاً وقالوا إنّهم یعتقدون بخالقیة الله ومدبّریّته ورازقیّته وإحیائه وإماتته.[42] فکما بیّنّا في الجواب عن الاستدلال السابق نقول هنا أیضاً: إن کان الالتجاء بالصالحین شرکاً وعبادة للصالحین لحکایة هذا الالتجاء عن اعتقاد وجود بعض خصائص الربوبیة فیهم، فلماذا صار الالتجاء بالأصنام أو أيِّ معبودٍ آخر بواسطة المشرکین عبادة للأصنام وشرکاً في العبادة، والحال أنّ کبار الوهابیة صرّحوا أنّ المشرکین کانوا موحدین بالربوبیة ومعتقدین بربوبیة الله سبحانه فقط. فالوهابیة إمّا أن تقول إنّ دعاء الغیر بنفسه شرکٌ وعبادة لغیرالله تعالی وإن لم یکن فیه اعتقادٌ بربوبیة الغیر أو ألوهیّته وثبت أنّ هذا النحو من الادّعاء غیر مقبول أبداً وإمّا أن تغیّر کلامها حول توحید المشرکین بالربوبیة وتعتقد أنّهم مشرکون بالربوبیة أیضاً مضافاً علی شرکهم بالألوهیّة والعبودیّة.

ثانیاً کیف یُجعل الاعتقاد بوجود قدرة التصرّف في الکون والعالَم عند الصالحین شرکاً وخروجاً عن الإسلام؟ وقد أعطی الله سبحانه هذه القدرة لبعض مخلوقاته کما أشار إلیه القرآن الکریم. فکتب المفسّر المعروف لأهل السنة ابن کثیر حول تفسیره لهذه الآیة «فالمدبّرات أمراً»[43]: « قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي هي الملائكة زاد الحسن تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها عز وجل»[44] وکتب السیوطي أیضاً: « هي الملائكة تدبّر أمر العباد من السنة إلى السنة»[45]. فنقول: حتی لو قبلنا أنّ دعاء الغائب أو المیّت کاشفٌ عن الاعتقاد بوجود قدرة التصرّف في العالَم عند الغائب والمیت ولکن مادام الداعي لم یکن معتقداً باستقلال الغائب أو المیّت بالتصرّف لایصحّ رمیُهُ بالشرک حتی لو کان مخطئاً بدعاء شخصٍ لم یعطه الله تعالی قدرة التصرّف في الکون. وفي کلام واحد نقول: إنّ أهل الاستغاثة والالتجاء بالصالحین وإن کان عملهم من مصادیق الدعاء وطلب الفرد الغائب أو المیّت لکن لایصحّ رمیُهُم بالشرک واتّهامهم بالشرک العبودي لأنّهم لایعتقدون باستقلال الصالحین بالتصرّف.

ثالثا إنّ الدعاء وطلب الغائب أو المیت لیس شرکاً ولایصح جعله من مصادیق الشرک لأنّ هذا العمل صدر من سلف الأمّة وصحابة رسول الله صلی الله علیه وآله وحتی الأنبیاء. قال الله تعالی عن إبراهیم علیه السلام: «وَ إِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ أَرِني‏ کَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتی‏ قالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلی‏ وَ لکِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي‏ قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْکَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلی‏ کُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتينَکَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَکيمٌ»[46] کتب الهیتمي في کتابه الصواعق المحرقة: « أخرج البيهقي وأبو نعيم واللالكائي وابن الأعرابي والخطيب عن نافع عن ابن عمر بإسناد حسن قال وجه عمر جيشاً ورأس عليهم رجلاً يدعى سارية فبينا عمر يخطب جعل ينادي يا سارية الجبل ثلاثاً ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال يا أمير المؤمنين هزمنا فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتاً ينادي يا سارية الجبل ثلاثاً فأسندنا ظهرنا إلى الجبل فهزمهم الله قال قيل لعمر إنك كنت تصيح بذلك».[47] فدعاء المیت والطلب منه إن کان شرکاً ومن مصادیق دعاء العبادة للزم القول بأنّ الله آمرٌ بالشرک ولحکمنا علی أشخاص کإبراهیم علیه السلام وعمر بن الخطاب بأنّهم مشرکون.

 

 

[1] الأعراف: 55.

[2] السابق.

[3] الجن: 20 _ 18.

[4] المؤمنون: 117.

[5] العثیمین، محمد بن صالح، مجموع فتاوی و رسائل ابن عثیمین، تحقیق: فهد بن ناصر بن إبراهیم السلیمان، دار الوطن، 1413ق، ج 7، ص 27.

[6] للمزید من المطالعة راجع: السابق.

[7] البقرة: 23.

[8] یونس: 38.

[9] غافر: 26.

[10] للمزید من المطالعة راجع: النابلسي، عثمان مصطفی، الرویة الوهابیة للتوحید و أقسامه، عمان: دار النور المبین، الطبعة الأولی، 2017م، ص 192.

[11] فاطر: 14.

[12] قمر: 6.

[13] فاطر: 6 .

[14] للمزید من المطالعة راجع: النابلسي، عثمان مصطفی، الرویة الوهابیة للتوحید و أقسامه، ص 192.

[15] المعارج: 17.

[16] للمزید من المطالعة راجع: النابلسي، عثمان مصطفی، الرویة الوهابیة للتوحید و أقسامه، ص 192.

[17] یونس: 106.

[18] الفرقان: 68.

[19] الأنعام: 71.

[20] للمزید من المطالعة راجع: النابلسي، عثمان مصطفی، الرویة الوهابیة للتوحید و أقسامه، ص 192.

[21] العثیمین، محمد بن صالح، مجموع فتاوی و رسائل ابن عثیمین، تحقیق: فهد بن ناصر بن إبراهیم السلیمان، دار الوطن، 1413ق، ج 7، ص 27.

[22] الجن 18 _ 20.

[23] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان عن تأویل آی القرآن، تحقیق: عبدالله بن عبدالمحسن الترکي، دار هجر للطباعة و النشر و التوزیع و الإعلان، الطبعة الأولی، 1422ق _ 2001م، ج 23، ص 340.

[24] ابن محمد الجوزي، جمال الدین أبوالفرج، زاد المسیر في علم التفسیر، تحقیق: عبدالرزاق المهدي، بیروت: دار الکتاب العربي، الطبعة الأولی، 1422ق، ج 4، ص 349.

[25] المؤمنون: 117.

[26] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان عن تاویل آی القرآن، ج 17، ص 134.

[27] ابن کثیر الدمشقي، إسماعیل، تفسیر القرآن العظیم، تحقیق: محمد حسین شمس الدین، دار الکتب العلمیة، الطبعة الأولی، 1419ق، ج 5، ص 436.

[28] غافر: 60.

[29] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان فی تاویل آی القرآن، ج 20، ص 351.

[30] ابن علي الزید، عبدالله بن أحمد، مختصر تفسیر البغوي، ریاض: دار السلام للنشر و التوزیع، الطبعة الأولی، 1416ق، ج 6، ص 831.

[31] العثیمین، محمد بن صالح، مجموع فتاوی و رسائل، تحقیق: فهد بن ناصر بن إبراهیم سلیمان، دار الوطن، 1413ق، ج 7، ص 27.

[32] ابن فوزان، صالح، إعانة المستفید بشرح کتاب التوحید، موسسة الرسالة، الطبعة الثانیة، 1423ق، ج 1، ص 193.

[33] السابق.

[34] الجن: 20 _ 18.

[35] المؤمنون: 117.

[36] العثیمین، محمد بن صالح، شرح کشف الشبهات ویلیه شرح الأصول السنة، تحقیق: فهد بن ناصر بن إبراهیم، ریاض: دار الثریا للنشر و التوزیع، الطبعة الأولی، 1416ق _ 1996م، ص 22.

[37] للمزید من المطالعة راجع: النابلسي، عثمان مصطفی، الرویة الوهابیة للتوحید و أقسامه، ص 211.

[38] للمزید من المطالعة راجع: السابق، ص 214.

[39] السابق.

[40] آل عمران: 40.

[41] العثیمین، محمد بن صالح، مجموع فتاوی و رسائل، ج 7، ص 27.

[42] العثیمین، محمد بن صالح، شرح کشف الشبهات ویلیه شرح الأصول السنة، تحقیق: فهد بن ناصر بن إبراهیم، ریاض: دار الثریا للنشر و التوزیع، الطبعة الأولی، 1416ق _ 1996م، ص 22.

[43] النازعات: 5.

[44] ابن کثیر، إسماعیل، تفسیر القرآن العظیم، تحقیق: محمد حسین شمس الدین، دارالکتب العلمیة، الطبعة الأولی، 1419ق.

[45] السیوطي، عبد الرحمن، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بیروت: دار الفكر، ج 8، ص 403.

[46] البقرة: 260.

[47] الهیتمي، أحمد بن محمد، الصواعق المحرقة علی أهل الرفض و الضلال و الزندقة، تحقیق: عبدالرحمن بن عبدالله وبقیة من المحققین، لبنان: موسسة الرسالة، الطبعة الأولی، 1417م، ج 1، ص 293.

قراءة 55 مرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث