emamian

emamian

أصدر قائد الثورة الإسلاميّة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي اليوم 30 أبريل 2026 رسالة بمناسبة اليوم الوطني للخليج الفارسي. وفيما يلي نص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم،

إنّ من النِّعم المنقطعة النظير التي أنعم الله المتعالي بها على شعوب منطقتنا الإسلامية، ولا سيّما الشعب الإيراني الكريم، عطيةَ «الخليج الفارسي». هي نعمةٌ تتجاوز كونها مجرد مسطّحٍ مائي، إذ شكّلت جزءًا من هويتنا وحضارتنا، وبالإضافة إلى كونها نقطة اتصال بين الشعوب، فقد أوجدت مسارًا حيويًا وفريدًا للاقتصاد العالمي في مضيق هرمز ومن خلفه بحر عُمان. إنّ هذه الثروة الاستراتيجية قد أثارت أطماع شياطينَ كثيرين على مدار القرون الماضية، ولم يكن تاريخ الاعتداءات المتكررة من قبل الأجانب الأوروبيين والأمريكيين، وما نتج عنها من زعزعةٍ للأمن وأضرار وتهديدات متعدّدة لدول المنطقة، إلّا غيضٌ من فيض المخططات الخبيثة لمستكبري العالم ضد سكان منطقة الخليج الفارسي، والتي كان أحدث نماذجها عربدات الشيطان الأكبر الأخيرة.

لقد قدّم الشعب الإيراني، الذي يمتلك أطول السواحل البريّة على الخليج الفارسي، أعظمَ التضحيات في سبيل استقلال هذا الخليج والتصدّي للأجانب والمعتدين؛ بدءًا من طرد البرتغاليين وتحرير مضيق هرمز - وهو ما اتُّخذ أساسًا لتسمية العاشر من شهر أرديبهشت يومًا وطنيًا للخليج الفارسي - وصولًا إلى مقاومة الاستعمار الهولندي، وكذلك ملاحم الصمود في مواجهة الاستعمار البريطاني وغيرها؛ بيد أنّ الثورة الإسلامية شكّلت نقطة التحوّل لهذه المقاومات في كف أيدي المستكبرين عن منطقة الخليج الفارسي. واليوم، وبعد مرور شهرين على أكبر حشد عسكري وعدوان على المنطقة من قبل قوى الغطرسة العالمية، وما أعقبه من هزيمة نكراء لأمريكا في مخططها، يخطُّ الخليج الفارسي ومضيق هرمز فصلًا جديدًا من تاريخهما. إنّ شعوب منطقة الخليج الفارسي، التي اعتادت لسنوات طويلة على صمت وخنوع الحكّام أمام المتغطرسين والمعتدين، قد شاهدت بأم عينها في الستين يومًا الماضية تجلّيات مشرقة من الصلابة واليقظة وجهاد أبطال القوات البحرية في الجيش والحرس، إلى جانب غيرة وبسالة أبناء وشباب جنوب إيران الأعزاء في رفض هيمنة الأجانب.

اليوم، بفضل ألطاف الله جلّ وعلا، وببركة دماء شهداء الحرب المفروضة الثالثة المظلومين، ولا سيما قائد الثورة الإسلامية عظيم الشأن وصاحب النظرة الثاقبة (أعلى الله مقامه الشريف)؛ لم يثبت فقط لدى الرأي العام العالمي وشعوب المنطقة، بل حتى لسلاطين وحكام الدول، أن وجود الأجانب الأمريكيين وتمركزهم واتخاذهم من أراضي الخليج الفارسي أوكارًا ومقرّات لهم هو العامل الأهم لزعزعة الأمن في المنطقة، وأنّ القواعد الأمريكية الواهية لا تملك القدرة حتى على تأمين سلامتها الشخصية، فضلاً عن أن يُرتجى منها تأمين أمن التابعين و"عبدة أمريكا" في المنطقة.

بحول الله وقوته، فإن المستقبل المشرق لمنطقة الخليج الفارسي سيكون مستقبلًا خاليًا من أمريكا، ومسخرًا لخدمة تقدم شعوبها وتوفير الاستقرار والرفاهية لهم. نحن وجيراننا في المدى المائي للخليج الفارسي وبحر عمان نتقاسم «مصيرًا مشتركًا»، أمّا الأجانب الطامعون الذين يمارسون الشرور من على بُعد آلاف الكيلومترات، فلا مكان لهم فيه إلا في قعر مياهه. وإنّ سلسلة هذا الظفر الذي تحقق بفضل الباري تبارك وتعالى في ظل تدابير وسياسات المقاومة واستراتيجية إيران القوية، ستكون طليعة لنظام جديد في المنطقة والعالم.

إنّ الانبعاث الإعجازي للشعب الإيراني لم يعد يقتصر على عشرات الملايين من الفدائيين المستعدّين لبذل أرواحهم في سوح مقارعة الصهيونية وأمريكا السافكة للدماء؛ بل إن تسعين مليونًا من المواطنين الإيرانيين الغيارى والشرفاء في داخل البلاد وخارجها، يتقدمون الصفوف المتراصّة للأمة الإسلامية المنبعثة، ويعدّون جميع الإمكانيّات الهوياتية، والروحانية، والإنسانية، والعلمية، والصناعية، والتقنيات الأساسية والحديثة - من النانو والبيولوجيا إلى النووي والصاروخي - رصيدًا وطنيًا لهم، وسيحرسونها كما يحرسون حدودهم البحرية والبرية والجوية.

إن إيران الإسلامية، ومن خلال الشكر العملي لنعمة إعمال الإدارة على مضيق هرمز، ستجعل منطقة الخليج الفارسي آمنة، وستطوي بساط استغلال العدو المعتدي لهذا الممر المائي. إن القواعد القانونية وإعمال الإدارة الجديدة لمضيق هرمز ستصنع الرخاء والتقدّم بما يخدم مصالح جميع شعوب المنطقة، وستبعث ثماره الاقتصادية الفرح في قلوب الأمة؛ بإذن الله ولو كره الكافرون.

السيد مجتبى الحسيني الخامنئي

10 أرديبهشت 1405 (الموافق 30/04/2026)

أن مرتضى عبدي كتب، بمناسبة اليوم الوطني للخليج الفارسي، أن هذا الخليج ليس مجرد مسطح مائي، بل هو تجسيد للهوية وللتواصل التاريخي والقانوني لأمة تمتد جذورها في أعماق التاريخ. وأشار إلى أن اسم "الخليج الفارسي" سُجل باستمرار على مدى آلاف السنين في المصادر التاريخية والجغرافية والقانونية الدولية الموثوقة، ويُعد من أكثر الأسماء الجغرافية توثيقاً في النظام الدولي.

١. السجلات التاريخية واستمرارية السيادة

منذ عصور الإمبراطوريات الإيرانية القديمة، مثل الأخمينيين والساسانيين، وحتى العصور الإسلامية والمعاصرة، كان الخليج الفارسي ضمن نطاق النفوذ والسيادة والإدارة الإيرانية. وأكدت النصوص المكتوبة لمؤرخين يونانيين مثل هيرودوت، والجغرافيين المسلمين مثل الاستخري وابن حوقل، ووثائق من عصور مختلفة، جميعها على تسمية هذا الخليج بـ"فارس".

٢. الوثائق والممارسات الدولية

في القانون الدولي، يُعتبر الاستخدام المستمر للاسم الجغرافي في الوثائق الرسمية والخرائط والمراسلات الدولية بمثابة "ممارسة ثابتة" (Established Usage). وفي هذا السياق:

- تؤكد الأمم المتحدة في وثائقها ومراسلاتها الرسمية، بما في ذلك مذكرات الأمانة العامة، بوضوح على استخدام تسمية "الخليج الفارسي" (Persian Gulf).

- خرائط وأطالس عالمية معتمدة، بما فيها الصادرة عن ناشيونال جيوغرافيك ومؤسسات رسم الخرائط الأخرى، سجلت جميعها هذا الاسم.

- استُخدم نفس الاسم في المراسلات الدبلوماسية والمعاهدات التاريخية ووثائق الملاحة البحرية.

٣. الخرائط التاريخية والشواهد الكارتوجرافية

أشار آلاف الخرائط التاريخية من العصور الوسطى حتى العصر الحديث، المحفوظة في الأرشيفات العالمية الموثوقة، جميعها إلى اسم "الخليج الفارسي". هذه الخرائط، التي رسمها جغرافيون أوروبيون وعرب وإيرانيون، لها مكانة خاصة من حيث القيمة الإثباتية في الحجج القانونية.

٤. الشواهد الميدانية والرمزية

حتى في بعض المعالم الميدانية، مثل شواهد قبور الجنود الأمريكيين في المنطقة التي دوّنت مكان خدمتهم في "الخليج الفارسي"، يمكن ملاحظة استمرارية هذا الاسم في الأدبيات الرسمية والعسكرية. وهذه الحالات، وإن لم تشكل بذاتها مصدراً للحق، إلا أنها تؤكد العرف الدولي الجاري.

٥. التحليل القانوني للادعاءات المعارضة

الادعاءات المطروحة من قبل بعض دول الخليج تفتقر إلى سند تاريخي وقانوني وعرفي. ففي القانون الدولي:

- تغيير الأسماء الجغرافية الثابتة، دون إجماع دولي، يفتقر إلى الشرعية.

- مبدأ "استقرار الأسماء الجغرافية" (Geographical Names Stability) كأحد المبادئ المقبولة يمنع التحريفات السياسية والمؤقتة.

- عدم وجود سجل تاريخي مستمر لهذه الادعاءات يجعلها ضمن الادعاءات غير الموثقة وغير القابلة للاستناد.

٦. الخليج الفارسي رمز الهوية والتضامن

بالنسبة للأمة الإيرانية، فإن الخليج الفارسي ليس مجرد قضية قانونية أو جغرافية، بل هو جزء من الهوية الوطنية والذاكرة التاريخية. هذا الاسم، على مر القرون، كان عاملاً للتماسك والتضامن والارتباط بين الإيرانيين، وأي محاولة لتحريفه ليست فقط منافية للحقائق التاريخية، بل تتعارض أيضاً مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي.

وبالاعتماد على استمرارية السيادة الإيرانية تاريخياً، والوثائق الرسمية الدولية، والخرائط التاريخية المعتمدة، والممارسة العالمية الثابتة، فإن اسم "الخليج الفارسي" أصبح حقيقة لا يمكن إنكارها في النظام القانوني الدولي. أي ادعاء يخالف ذلك لا يتمتع بشرعية قانونية، ولا يمكن تحليله إلا في إطار دوافع سياسية عابرة.

الخليج الفارسي، كما كان عبر التاريخ، لا يزال اليوم رمزاً للارتباط العميق بين ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها؛ رمزاً لصمود الحقيقة في وجه التحريف.

قرر رئيس الجمهورية في العراق نزار آميدي، مساء أمس الاثنين، تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، في مراسم جرت بقصر بغداد بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي.

وقال آميدي بعد التكليف: "أنجزنا المرحلة الثالثة من الاستحقاق الدستوري، ونتمنى لعلي الزيدي التوفيق في تشكيل حكومة وطنية قوية تمثّل جميع العراقيين وتلبّي تطلعاتهم"، داعياً القوى السياسية إلى دعمه والتعاون معه للإسراع في إنجاز الاستحقاق الدستوري والوطني بما يصبّ في مصلحة العراق وشعبه.

من هو علي الزيدي المرشّح لمنصب رئاسة الوزراء في العراق؟

وكان الإطار التنسيقي قد أعلن مساء الاثنين اختيار علي الزيدي خلفاً لمحمد شياع السوداني.

من هو علي الزيدي؟

يمثل علي فالح كاظم الزيدي نموذجاً قيادياً يجمع بين التخصص الأكاديمي والخبرة العملية في القانون والمال والإدارة، ويبرز كخيار توافقي للإصلاح المؤسسي وتعزيز الاستقرار.

المعلومات الشخصية

  • الجنسية: عراقي
  • التخصصات: قانونية، مالية، استثمارية، تعليمية
  • التوجه القيادي: بناء الدولة، الإصلاح المؤسسي، التنمية الاقتصادية، تمكين الشباب

التحصيل الدراسي

  • بكالوريوس قانون
  • بكالوريوس مالية ومصرفية
  • ماجستير مالية ومصرفية

الخبرات والمناصب

  • رئيس مجلس إدارة مصرف الجنوب سابقاً
  • رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة حالياً
  • رئيس مجلس إدارة جامعة الشعب
  • رئيس مجلس إدارة معهد عشتار الطبي
  • عضو نقابة المحامين العراقيين

أبرز القدرات القيادية

  • قيادة المؤسسات الكبرى وإدارة التحول المؤسسي
  • التخطيط الاستراتيجي وصياغة الرؤى الوطنية
  • الخبرة في القطاع المالي والمصرفي والاستثماري
  • الفهم القانوني والتعامل مع ملفات الدولة والتشريع
  • بناء الشراكات الوطنية والدولية، وإدارة الحوار والتفاوض
  • دعم التعليم والصحة والتنمية البشرية

في خضم اجتياح مذهبي ــ سياسي غزا الساحة الإسلامية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما رافق تلك الفترة من أحداث سياسية، كان من الصعب إعطاء أية فكرة أو انطباع عن الانحراف الكبير في الدين، والتشويه الذي لحق بالشريعة، والفوضى التي رافقت تأسيس تلك المذاهب، لأن تأسيسها كان بمباركة السلطتين الأموية والعباسية. فَعندما يحكم السيف لا يرى الإنسان إلا ما يراه الحاكم المتسلط، وتترسخ قناعاته بما يفرضه على الشعب من سياسة جائرة ومفاهيم منحرفة، حتى يصل الأمر إلى تنزيه الحاكم من كل الموبقات التي يرتكبها، كما أسس لذلك معاوية عندما ابتدع المذهب الجبري.

هذا المفهوم الذي طغى على الأمة الإسلامية على مدى قرون طويلة كان يعارضه على مدى مراحله مفهوم الدعوة إلى مفاهيم الإسلام الحقة وإصلاح الأَوَد ومقارعة المنحرفين، وقد حمل لواء هذه الجبهة الأئمة المعصومون (عليهم السلام) وأصحابهم المخلصون منذ وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).

ولسنا هنا بصدد الحديث عن نشأة هذه المذاهب وأصحابها ومعتقداتها وآرائها وأفكارها ومبانيها، والظروف والملابسات والأسباب التي رافقت تأسيسها وكيفية انتشارها وكل ما يتعلق بها، ولكن بصدد الحديث عما يتعلق بخط الإسلام الصحيح المتمثل بأهل البيت (عليهم السلام) الذين دلت عليهم علامات الإمامة الإلهية، ومنهم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) الوارث لعلومهم، والدليل إلى الله، والبرهان الحق، وخير أهل الأرض، وحجة الله على خلقه، والمؤدي أمانته، كما عبر عنه القائل:

ألا إنَّ خيرَ الناسِ نفساً ووالداً *** ورهطاً وأجداداً عليُّ المعظَّمُ

أتتنا به للعلم والحلم ثامناً *** إماماً يؤدي حجةَ اللهِ تكتمُ

وقد تظافرت الروايات والأدلة على إمامته بعد أبيه واجتماع صفاتها به، وقد جمع الشيخ المفيد من الأدلة على إمامته بما لا يقبل الشك أربعة أمور هي:

1 ــ النصوص عليه بالإمامة من قبل أبيه

2 ــ فضله على جميع إخوته وأهل بيته

3 ــ ظهور علمه وحلمه وتقواه وورعه

4 ــ اجتماع الخاصة والعامة على معرفة ذلك منه وفيه

النصوص على إمامته:

مما لا شك فيه أن الإمامة من حتميات الدين، فبها يكتمل التشريع وتوضح السنة الشريفة، وهي عدل القرآن، كما بين ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تتقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم".

وإضافة إلى النصوص الكثيرة على إمامة الأئمة الاثني عشر من النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد كان كل إمام يعين خليفته وينص عليه بحضور أهل بيته وخاصته وأصحابه حتى لا يدعيها أحد من بعده، وهو ما فعله الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) حيث أوضح مكانة ولده الإمام الرضا (عليه السلام) وأنه الإمام من بعده، وأكد على أنه وارثه ووصيه في الإمامة، وأوصى أهله وأصحابه بالرجوع إليه في عدة أحاديث، منها أنه (عليه السلام) كان يقول لبنيه:

"هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد، فاسألوه عن أديانكم، واحفظوا ما يقول لكم، فإني سمعت أبي جعفر بن محمد (عليهما السلام) غير مرة يقول لي: إن عالم آل محمد لفي صلبك، وليتني أدركته، فإنه سمي أمير المؤمنين علي (عليه السلام)."

ومنها قوله (عليه السلام): "إن ابني علياً أكبر ولدي وأبرهم عندي وأحبهم إلي، وهو ينظر معي في الجفر، ولم ينظر فيه إلا نبي أو وصي نبي."

ومنها قوله: "ابني هذا سيد ولدي، وقد نحلته كنيتي."

وقوله (عليه السلام): "ابني علي وصيي والقيم بأمري وخير بني."

وقوله (عليه السلام): "علي مني بمنزلتي من أبي." ثم تلا قوله تعالى: (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي رواها الثقات من خواص أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) حول هذا الموضوع.

علمه

اتفقت أقوال المعاصرين والمؤرخين على أنه (عليه السلام) كان أعلم أهل الأرض، ولعل أول ما يبرز في هذا الخصوص اعتراف المناوئين له بعلمه، ومنهم المأمون العباسي الذي قال: "إني نظرت في ولد العباس وعلي فلم أجد مثل علي الرضا في علمه ودينه ولا أحق وأفضل منه."

وقال إبراهيم بن العباس الصولي: "ما رأيت الرضا سُئل عن شيء إلا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب عنه، وكان جوابه كله انتزاعاً من القرآن المجيد."

وقال القائد العباسي رجاء بن أبي الضحاك الذي بعثه المأمون لاستدعاء الإمام الرضا من مدينة جده: "والله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله منه، ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته، ولا أشد خوفاً لله عز وجل... كان لا ينزل بلداً إلا قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم، فيجيبهم ويحدثهم الكثير عن آبائه عن علي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). فلما وردت على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرته بما شاهدته منه في ليله ونهاره وظعنه وإقامته، فقال: بلى يا ابن أبي الضحاك، هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم."

وقال ابن الجوزي في تذكرته والحاكم في تاريخه: "لقد أخذ العلم والحديث عن أبيه، وكان يجلس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيفتي الناس وهو ابن نيف وعشرين سنة."

وقال ابن تيمية: "علي بن موسى له من المحاسن والمكارم المعروفة والممادح المناسبة للحالة اللائقة به ما يعرفه بها أهل المعرفة."

وقال ابن الصباغ المالكي: "مناقب علي بن موسى الرضا من أجلّ المناقب، وإمداد فضائله وفواضله متوالية كتوالي الكتائب، وعجائب أوصافه من غرائب العجائب، وسؤدده ونبله قد حل من الشريف في الذروة والغالب."

كان المأمون العباسي يعقد مجالس المناظرة ويدعو المسلمين والمتكلمين وعلماء الأديان الأخرى وأصحاب الدعوات، ويدعو الإمام الرضا (عليه السلام) للمحاجة والحوار، فلا يخرج هؤلاء من المناظرة إلا وقد أقروا بعلم الإمام (عليه السلام) وفضله عليهم. ويعبر الإمام الرضا (عليه السلام) عن هذه الحقيقة بقوله: "كنت أجلس في الروضة والعلماء متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم مسألة أشاروا إلي أجمعهم، وبعثوا إلي بالمسائل فأجبت عنها."

وكان له (عليه السلام) كثير من المناظرات مع الزنادقة وأصحاب الأديان، منها قوله لمن سأله عن الدليل على حدوث العالم:

فقال (عليه السلام): "إنك لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكوّن نفسك ولا كوّنك من مثلك."

وجرت له (عليه السلام) مع أحد الزنادقة هذه المناظرة:

قال الزنديق: "أرأيت إن كان القول قولكم وليس هو كما تقولون، ألسنا وإياكم شرعاً سواء، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟"

فقال (عليه السلام): "وإن يكن القول قولنا وهو كما نقول، ألستم قد هلكتم ونجونا؟"

فقال الرجل: "فأوجدني كيف هو وأين هو؟"

فقال (عليه السلام): "إن الذي ذهبت إليه غلط، وهو أيّن الأين وكان ولا أين، وهو كيّف الكيف وكان ولا كيف، ولا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء."

فقال الرجل: "فإذاً إنه لا شيء إذ لم يدرك بحاسة من الحواس."

فقال (عليه السلام): "لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا وأنه شيء بخلاف الأشياء."

فقال الرجل: "فأخبرني متى كان؟"

فقال (عليه السلام): "أخبرني متى لم يكن؟ فأخبرك متى كان؟!"

فقال الرجل: "فما الدليل عليه؟"

فقال (عليه السلام): "إني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه وجر المنفعة إليه، علمت أن لهذا البنيان بانياً، فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب، وتصريف الرياح، ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أن لهذا مقدراً ومنشئاً."

فقال الرجل: "فلم لا تدركه حاسة البصر؟"

فقال (عليه السلام): "للفرق بينه وبين خلقه الذي تدركه حاسة الأبصار منهم ومن غيرهم، ثم هو أجل من أن يدركه بصر أو يحيط به وهم أو يضبطه عقل."

فقال الرجل: "فحده لي."

فقال الإمام: "لا حد له."

فقال الرجل: "ولم؟"

فقال الإمام: "لأن كل محدود متناهٍ، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزئ ولا متوهم."

فقال الرجل: "فأخبرني عن قولكم إنه لطيف وسميع وبصير وعليم وحكيم، أيكون السميع إلا بالأذن، والبصير إلا بالعين، واللطيف إلا بعمل اليدين، والحكيم إلا بالصنعة؟"

فقال الإمام: "إن اللطيف منا على حد اتخاذ الصنعة، أوَما رأيت أن الرجل اتخذ شيئاً فيلطف في اتخاذه فيقال: ما ألطف فلاناً؟ فكيف لا يقال للخالق الجليل لطيف، إذ خلق خلقاً لطيفاً وجليلاً، وركب في الحيوان منه أرواحها، وخلق كل جنس مبايناً من جنسه في الصورة ولا يشبه بعضه بعضاً، فكل به لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته. ثم نظر إلى الأشجار وحملها أطيابها المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا عند ذلك: إن خالقنا لطيف لا كلطف خلقه في صنعتهم، وقلنا إنه سميع لأنه لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى من الذرة إلى ما أكبر منها في برها وبحرها، ولا يشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك إنه سميع لا بأذن، وقلنا إنه بصير لا ببصر، لأنه يرى أثر الذرة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها وأثر سفادها وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك إنه بصير لا كبصر خلقه."

وبعد هذه المناظرة أقر الرجل بعلم الإمام وحججه القوية فأسلم.

هذا أنموذج واحد لآلاف المناظرات التي أفحم فيها الإمام المتشككين وهداهم إلى الإسلام، فقد كان مدرسة للعلوم الإلهية وباباً للمعارف النبوية، وقد أحصيت المسائل التي أجاب عنها الإمام الرضا (عليه السلام) في شتى العلوم فبلغت خمسة عشر ألف مسألة.

لقد كان (عليه السلام) إسلاماً يمشي على الأرض، وقرآناً يصدح بالحق، وسراطاً يهدي إلى النجاة.

الكاتب: محمد طاهر الصفار

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيمدد وقف إطلاق النار "إلى حين تقديم الإيرانيين مقترحهم وانتهاء المناقشات، سواء بالموافقة أو الرفض".

وقال ترامب إن "تمديد وقف إطلاق النار جاء بناءً على طلب من المشير عاصم منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف"، زاعماً أن القرار جاء أيضاً استناداً إلى "الانقسام الحاد داخل إيران".

وأشار إلى أنه "تلقى طلباً في واشنطن لتأجيل الهجوم على إيران إلى حين تمكّن قادتها وممثليها من تقديم مقترح موحد"، على حد تعبيره.

ويأتي ذلك على الرغم من أن ترامب قد أعلن في مقابلة مع شبكة "سي إن بي سي" أنه "لا يريد تمديد الهدنة مع إيران".

في المقابل، نقل التلفزيون الإيراني أن "إيران لن تعترف بوقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب، وقد لا تلتزم به، وستعمل وفق مصالحها الوطنية".

بدورها، أفادت وكالة "تسنيم" بأن طهران أبلغت الطرف الأميركي عبر الوسيط الباكستاني بأن وفدها لن يحضر إلى إسلام آباد يوم الأربعاء، مؤكدة أنه لا توجد حالياً أي آفاق للمشاركة في المفاوضات.

وأضافت الوكالة أن إيران وافقت على وقف إطلاق النار بناء على إطار عمل مكوّن من 10 بنود قدمته طهران وقبلت به الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن باكستان أعلنت صراحة قبول الأميركيين بهذا الإطار، لكن الأميركيين بدأوا في الأيام التالية بنقض العهد.

وذكرت "تسنيم" أن الأميركيين انتهكوا التزاماتهم ولم يفرضوا وقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما واجهت بسببه المفاوضات عقبات جادة.

وأوضحت أن الأميركيين طرحوا في الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد مطالب مفرطة، كانت عملياً انتهاكاً للإطار المكوّن من البنود العشرة، معتبرة أن الاقتراحات الأميركية هي التي تسببت بوصول هذه الجولة من المفاوضات إلى طريق مسدود تماماً.

وأضافت أن الأميركيين اعتقدوا أن بإمكانهم تعويض إخفاقهم في الحرب عبر المطالب المفرطة في المفاوضات، لافتة إلى أن الولايات المتحدة اضطرت، تحت وطأة تهديد إيران القطعي بشن هجوم صاروخي على إسرائيل، إلى تفعيل وقف إطلاق النار في لبنان.

وأشارت إلى أن فتح إيران لمضيق هرمز بعد وقف إطلاق النار في لبنان قوبل بإجراء عدائي أميركي عبر استمرار ما وصفته واشنطن بأنه حصار بحري.

وأكدت "تسنيم" أنه خلال الأيام القليلة الماضية لم يتراجع الأميركيون عن مطالبهم المفرطة ومطالباتهم المناقضة للحقوق القطعية للشعب الإيراني، كما لم يحدث أي تقدم ملموس في الرسائل المتبادلة.

وختمت بالإشارة إلى أن الوسيط الباكستاني أُبلغ اليوم بأن إيران ترى في الحضور إلى المفاوضات، في ظل هذا الوضع، نوعاً من إضاعة الوقت.

وأعرب القائد في رسالته عن شكره وتقديره لتعاطفهم ولطفهم إثر تعزيتهم باستشهاد القائد الشهيد آية الله السيد "علي الخامنئي"، فيما أعلن ممثل الولي الفقيه في محافظة هرمزجان جنوبي البلاد حجة الإسلام "محمد عبادي زادة"، عن تلقي هذه الرسالة، مؤكدا على المكانة الرفيعة للوحدة بين الأمة الإسلامية.

وصرح ممثل الولي الفقيه حجة الإسلام "عبادي زادة"،قائلا: إن رسالة قائد الثورة الإسلامية تحمل قيمة كبيرة، وقد صدرت في إطار تعزيز الانسجام الوطني، وترسيخ التعاطف، وتعميق الروابط بين مختلف أطياف الأمة الإسلامية.

وأشار حجة الإسلام عبادي زادة إلى البيانات التي أصدرها علماء أهل السنة في هذه المحافظة، والتي أدانت العمليات الإرهابية للكيان الصهيوني والولايات المتحدة في اغتيال قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد "علي الخامنئي" والقادة العسكريين المقتدرين، وكذلك إعلان مبايعتهم لخلفه الصالح سماحة آية الله السيد "مجتبى الخامنئي"؛ معتبرا هذا الإجراء دليلا على الوعي والوفاء والالتزام بقيم الثورة الإسلامية.

واعتبر الرد المكتوب من قائد الثورة الموجه إلى علماء أهل السنة في هرمزجان تأكيدا هاما على الدور الذي يقوم به النخبة وعلماء الدين في المجتمع من أجل السمو في طريق العزة والاقتدار والدفع بأهداف البلاد نحو القائد الشهيد.

الجمعة, 17 نيسان/أبريل 2026 16:10

الإمام الصادق عليه السلام سيرة ومسيرة

عاصر إمامنا الصادق (ع) عشرة من حكام بني أميّة وكان أولهم عبد الملك بن مروان حيث تزامنت ولادة الإمام عليه السلام أواخر حكمه، أما بقية من عاصرهم (ع) فهم الوليد بن عبد الملك، وسلمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وابراهيم بن الوليد، ومروان الحمار، كما عاصر (ع) اثنين من خلفاء بني العباس هما ابو العباس السفاح وأخوه أبو جعفر المنصور، وكانت مدة إمامة إمامنا الصادق (عليه السلام) أربع وثلاثين سنة وهي المدة التي عاشها بعد أبيه الإمام الباقر (ع).

عاش الصادق (عليه السلام) مع أبيه وجده إثنتي عشر سنة ومع أبيه بعد جدِّه تسع عشر سنة وبعد أبيه أربع وثلاثين سنة وحين توفي (ع) كان عمره الشريف خمسا وستين سنة.

شهد الإمام عليه السلام في العهد الأموي الظلم والقتل والتشريد والسجن والتعذيب الذي كان يمارسه الأمويون ضدّ خصومهم بصورة عامة وضدَّ العلويين بصورة خاصة، فضلا عن التعذيب النفسي الذي كان يقوم به الولاة والمتزلفون للحكام حيث كانوا يجمعون كل من يمت بصلة لأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام ويضعونهم قريباً من المنبر يوم الجمعة ويقوم الخطيب بسب الإمام علي عليه السلام, واستمر هذا الأمر إلى حكم عمر بن عبد العزيز الذي منع السب.

وقد عاصر إمامنا عليه السلام ثورة زيد بن علي بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك وما رافق هذه الثورة من قمع أدى إلى استشهاد زيد ومطاردة العلويين بأشد مما كان من ذي قبل.

كما شهد إمامنا الصادق (ع) في العهد الإنتقالي تحرّك أبي سلمة الخلال وأبي مسلم الخراساني والإطاحة بحكم بني أمية فكان موقفه (ع) تجاه هذه الحركة موقف الرافض؛ لعلمه بعاقبة الأمر.

وفي العهد العباسي قام السفاح بإشخاص إمامنا الصادق عليه السلام من المدينة إلى الهاشمية وإلزامه بالإقامة الجبرية في الكوفة لمدة قصيرة ثم أرجعه إلى المدينة، فالسفاح لم يعلن العداء لولد علي عليه السلام عند وصوله للسلطة، بل كان يتظاهر بالولاء لهم إذ أنه يعلم أن الثورة ضد الأمويين إنّما نجحت تحت لواء شعار الولاء لآل محمد وعليّ – صلوات الله عليهم أجمعين - وكان ذلك سبباً في إشخاصه الإمام الصادق عليه السلام وإلزامه بالأقامة الجبرية.

لم تدُم أيّام السفاح إلّا نحو أربع سنوات ثم جاء المنصور واشتدّ الأمر على العلويين فاُخذوا واُبعدوا عن الكوفة وسجنوا في سجن مظلم حتى مات بعضهم فيه وبقيت جثثهم في السجن حتى مرض بعضهم من ذلك فعمد المنصور إلى هدم السجن على باقيهم.

شهد الإمام ذلك كله ولاقى من المنصور أذىً كثيراً وكان الوشاة يحيطون به من كل جانب وينقلون إلى المنصور من التهم ما هو بريء منها، فيزداد الطاغي بذلك غيظاً على الإمام (ع) ومن نماذج ما لاقاه إمامنا الصادق عليه السلام من أنواع الظلم، ما رواه الشيخ المفيد وغيره: (من أن داود بن علي بن عبد الله بن عباس قتل المُعلّى بن خنيس مولى الإمام (ع) وأخذ ماله فدخل عليه (ع) وهو يجهر وراءه فقال له: قتلت مولاي وأخذت مالي، أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب، أما والله لأدعونَّ عليك الله، فقال له داود: أتهدِّدُنا بدعائك.. كالمستهزئ بقوله، فرجع أبو عبد الله إلى داره فلم يزل ليله كله قائماً وقاعداً حتى إذا كان السَّحر سُمِع وهو يقول بمناجاته: يا ذا القوة القوية، يا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي كل خلقك لها دليل، إكفني هذا الطاغية وانتقم لي منه، فما كان إلا ساعة حتى ارتفعت الأصوات بالصياح وقيل قد مات داود بن علي الساعة.

ومن ذلك - أيضا - ما رواه الكليني باسناده عن المفضّل بن عمر قال: وجّه أبو جعفر المنصور الحسين بن زيد وهو واليه على الحرمين: أن احرق على جعفر بن محمد داره فألقى النار في دار أبي عبد الله فأخذت النار في الباب والدهليز فخرج أبو عبد الله (ع) يتخطّى النار فيها ويقول: أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله.

هذا وقد اتسّعت الحركة العلمية في أيام الإمام الصادق عليه السلام حيث تزعّمَ الحركة الفكرية والعلمية مع ما لاقاه من الأذى وما شاهده من الظلم تجاه أهل بيته وسائر العلويين فكان (عليه السلام) الذروة العليا في علم الفقه حيث أتيحت له بعض الفرص لإظهار هذا العلم لم يقدر مثلها لغيره من الائمة (عليهم السلام) فتربّى على يديه جمع غفير من الفقهاء الإماميين فضلاً عن فقهاء المذاهب الإسلامية الأربعة أمثال أبي حنيفة، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج، وروح ابن القاسم، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جابر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن طهمان، وأشخاص آخرين لا يسعنا ذكرهم في هذه العجالة.

وتربّى على يدي إمامنا الصادق (ع) جماعة امتازوا وتميّزوا في علم الكلام وتفوّقوا على من سواهم أمثال: مؤمن الطاق، وهشام بن الحكم، وهشام بن سالم، وحمران بن أعين، والطيار، وغيره..

هذا ولم ينحصر الدور القيادي للأمام الصادق عليه السلام في علمي الفقه والكلام بل شمل مختلف العلوم أيضاً كالتفسير والسيرة وآداب اللغة والعلوم الغريبة، وكان له تلاميذ مختصون بهذه العلوم.

توفي إمامنا الصادق عليه السلام في الخامس والعشرين من شوال سنة مائة وثمان وأربعين ودفن بالبقيع بجوار أبيه وجده الحسن صلوات الله عليهم أجمعين. وروى المسعودي في مروج الذهب: أن الإمام عليه السلام قد دُسّ إليه سماً، كما ورد في الصواعق المحرقة ومناقب آل أبي طالب.

وختاماً نشير إلى فطنة الإمام عليه السلام وحكمته بما سيجري من بعده على وصيه الإمام موسى الكاظم عليه السلام، فقد روى ثقة الإسلام الشيخ الكليني رحمه الله وغيره عن أبي أيوب النحوي أنه قال: بعث إليَّ أبو جعفر المنصور في جوفِ الليل فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب فلما سلمت عليه رمى الكتاب إليّ وهو يبكي فقال لي: هذا كتاب محمد بن سلمان يخبرنا أنّ جعفر بن محمد مات، فاِنا لله وإنا إليه راجعون – ثلاثاً - وأين مثل جعفر؟ ثم قال: اكتب، قال: فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إنْ كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدّمه واضرب عنقه، قال: فرجع إليه الجواب: إنه قد أوصى إلى خمسةٍ وأحدهم أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبد الله، وموسى، وحميدة.

فسلام على الصادق جعفر يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.

الأربعاء, 15 نيسان/أبريل 2026 20:10

ما هي معاني النصر في القرآن الكريم؟

ما هي معاني النصر في القرآن الكريم؟

أهمّ هذه المعاني التي وردت في القرآن لكلمة نصر ما يأتي:

1- الحماية والدفع: استُخدِمت مادّة نصر في القرآن الكريم في هذا المعنى مرّاتٍ عدة، في أكثر من سياقٍ ربّما كان أكثرها في سياق تهديد الكافرين أو العاصين بعدم قدرة أحدٍ على حمايتهم من عذاب الله إذا نزل بهم. وأمثلة ذلك في القرآن كثير، منها:

أ- نفي الحماية من عذاب الآخرة: ورد هذا المعنى في عدد من آيات القرآن يخبرنا الله فيها عن حتميّة عذاب الآخرة لمستحقّيه، وعجز أيّ قدرة أو جهة عن التدخّل للتخفيف من هذا العذاب أو دفعه عمّن يستحقّه، ولا إمكان تبديله بغيره إن لم يرد الله تعالى ذلك، وهذا كما في قوله عزّ وجلّ في وصف يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾[1]. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾[2].
 
ب- نفي القدرة الذاتيّة على دفع العذاب: ورد في قصّة النبيّ نوح عليه السلام أنّ قومه طلبوا منه إبعاد بعض المقرّبين من المؤمنين به، بحجّة أنّهم أراذل القوم[3]، فردّ عليهم بمطالبتهم بحمايته من آثار هذا الطرد ودفع العذاب الإلهيّ عنه إن طرد هؤلاء المؤمنين المحيطين: ﴿وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾[4]. ومعنى هذه الآية هو نفي وبيان عجز أيّ قدرة على حماية النبيّ نوحٍ من عذاب الله ودفعه عنه إن هو خالف إرادة الله واستجاب طلب الكفّار الذين كانوا يأنفون من مجالسة فقراء القوم وضعفائهم، وبعبارة أخرى هو استفهام في معنى النفي[5]. والموقف النبويّ الحاسم نفسه يتكرّر من النبيّ صالح عليه السلام في الردّ على قومه عندما أعلنوا سأمهم من إصرارهم على دعوته وترغيبه في الميل إلى دينهم[6].
 
2- الانتقام: استُخدمت مادّة "نصر" في هذا المعنى في آيات عدّة من القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾[7]. وقد وردت هذه الآية في سياق الحديث عن الشعراء الذين كانوا يهجون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فواجههم المسلمون بالسلاح نفسه وانتصروا لرسولهم ولأنفسهم[8]. ومن أمثلة استعمال هذه المادّة في هذا المعنى أي الانتقام قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾[9].
 
3- العون والمساعدة: من المعاني الأساسيّة لمادّة "نصر" العون والمساعدة. وقد نصّ عدد من علماء اللغة على هذا المعنى عندما تعرّضوا لهذه الكلمة في معاجمهم. وقد تقدّم بعض ذلك. ونزيد الأمر وضوحًا هنا، فنشير إلى عدد من أقوال اللغويّين، منهم مثلًا، يقول ابن منظور: "النصر: إعانة المظلوم، نصره على عدوّه ينصره ونصره ينصر نصرًا... والاسم النُّصرة... والأنصار أنصار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غلبت عليهم الصفة فجرى مجرى الأسماء... وتناصروا: نصر بعضهم بعضًا"[10].
 
وتوقّف بعض علماء اللغة عند قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾[11] ويجعلها أحد الشواهد على استخدام هذه المادة في هذا المعنى فيقول: "قوله: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ﴾ ويعينه في الدنيا والآخرة ويغيظه أن يظفر بمطلوبه..."[12]. وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم لإحصاء المعاني التي تستخدم فيها هذه المادّة نجد أنّ القسم الأكبر من موارد استخدامها هو استخدامها في هذا المعنى، وهاك بعض النماذج التي تؤيّد هذه الدعوى:
 
قال الله تعالى:
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ﴾[13].
 
﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾[14].
 
﴿وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾[15].
 
﴿جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّه﴾[16].
 
وغير هذه الآيات كثير يكشف عن استخدام هذه الكلمة في هذا المعنى أي معنى المساعدة والعون. وفي إحصاء نتجنّب وصفه بالدقيق تبيّن أنّ هذه الكلمة استُخدمت ما يقرب من مئة وخمسين مرّة في القرآن الكريم ربّما كان أكثر من نصفها دالًّا على هذا المعنى الأخير. وفي عدد كبير من الموارد الباقية هو الاحتمال الأرجح. وقبل الانتقال إلى النقطة اللاحقة لا بأس من الإشارة إلى الفرق بين النصر ومشتقّاته وبين العون. ونستند في هذا التمييز إلى ما قاله أبو هلال العسكري: 

الفرق بين النصرة والإعانة: أن النصرة لا تكون إلا على المنازع المغالب والخصم المناوئ المشاغب، والإعانة تكون على ذلك وعلى غيره، تقول أعانه على من غالبه ونازعه ونصره عليه وأعانه على فقره إذا أعطاه ما يعينه وأعانه على الأحمال. ولا يقال نصره على ذلك فالإعانة عامة والنصرة خاصة. والفرق بين النصر والمعونة: "النصر: يختص بالمعونة على الأعداء. والمعونة: عامة في كل شيء. فكل نصر معونة ولا ينعكس..."[17].
 
4- الغلبة والظفر: رابع المعاني التي تُستخدم فيها كلمة "نصر" ومشتقّاتها التغلّب على العدوّ والظفر عليه. وهذا المعنى الأخير هو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عندما تُسمع كلمة "نصر" ومشتقّاتها في هذا العصر بين أهل العربية. وربّما يفهم هذا المعنى من بعض الآيات في القرآن الكريم التي وردت فيها كلمة نصر. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾[18]، ويكشف تتبّع كلمات المفسّرين عن أنّهم يرون أنّ هذه الكلمة تدلّ على هذا المعنى الأخير. يقول السيد الطباطبائي في شرح الآية المشار إليها أعلاه: "بيان انحصار حقيقة النصر فيه تعالى، وأنّه لو كان بكثرة العدد والقوّة والشوكة كانت الدائرة يومئذ للمشركين بما لهم من الكثرة والقوّة على المسلمين على ما بهم من القلّة والضعف"[19]. ويقول مفسّرٌ آخر: "ولمّا كان ذلك فهمنا أنّ النصر ليس إلا بيده، وأنّ شيئًا من الإمداد أو غيره لا يوجب النصر بذاته"[20].
 
المعنى الأساس لكلمة النصر
في ختام الحديث عن المعنى اللغوي لكلمة نصر ثمّة تساؤلٌ يستحقّ أن يطرح مع محاولة الجواب عنه وهو أنّه هل يمكن ردّ بعض هذه المعاني إلى بعضها الآخر؟ وهل يصحّ افتراض أنّ المعنى الأصليّ لمادّة "نصر" هو الإعانة على العدوّ بالحدّ الأدنى؟
 
يبدو من خلال التأمّل في موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن الكريم، بالحدّ الأدنى، أنّ الأصل فيها هو العون لتحقيق هدفٍ والوصول إلى غايةٍ ولو في حالة المغالبة والخصام، فإذا تحقّقت هذه الغاية وأثمرت النصرة والمساعدة ثمرتهما قيل عن هذه الحالة الجديدة التي تترتّب عليهما نصرًا بدل أن يُقال غلبة أو ظفرًا أو ما شابههما من الكلمات التي تفيد هذا المعنى.
 
يميّز بعض علماء اللغة بين مصطلحين هما: المصدر واسم المصدر. فيعرّفون الأوّل بأنّه ما دلّ على الحدث مجرّدًا عن الزمان. وتوضيح ذلك أنّ الفعل يدلّ على حصول الحدث في زمنٍ محدّدٍ كالماضي أو الحاضر أو المستقبل. ومثاله في ما نحن فيه: نَصَرَ (ماضٍ)، ينصرُ (حاضر)، انصرْ (مستقبل). هذا بحسب المعنى وأمّا بحسب اللفظ فيشترطون في المصدر أن تتوفّر فيه حروف الفعل ولا يُحذف منها شيءٌ دون التعويض عنه. وأمّا إذا حُذِفت بعض الحروف ودلّت الكلمة على الحديث فتكون اسم مصدرٍ. مثل: توضّأ ووضوء (اسم مصدر).
 
وعلى هذا يتّحد المصدر واسمه في المعنى ويختلفان في عدد الحروف فحسب[21]. هذا ولكن ثمّة من يميّز بين الأمرين بأنّ المصدر يدلّ على الحدث وأمّا اسم المصدر فإنّه يدلّ على نتيجة الحدث والفعل. وفي ما نحن فيه فإنّ الإعانة والمدد يؤدِّيان إلى نتيجة هي الفوز، فنفس عمليّة الإعانة تُسمّى نصرًا ونصرةً فهي مصدرٌ. وأما النتيجة التي تفضي إليها هذه الإعانة فهي النصر بما هو نتيجة وأثرٌ ويُسمّى اسم مصدرٍ[22].
 


[1]  سورة الدخان، الآية 41.
[2] سورة الطور، الآية 46.
[3] انظر: سورة هود، الآية 27.
[4] سورة هود، الآية 30.
[5] للاطلاع على كلام المفسّرين على هذه الآية انظر: السيد محمد حسن الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 10، ص 208، الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، ج 5، ص 266.
[6] ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (سورة هود: الآية 63).
[7] سورة الشعراء، الآية 227.
[8] انظر: مجمع البيان، ج 7، ص 360.
[9] سورة الشورى، الآية 41.
[10] لسان العرب، ج 5، ص 210، مادّة: "نصر". ويشبهه قول أبي بكر الرازي، مختصر الصحاح، ص 239.
[11] سورة الحجّ، الآية 15.
[12] فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، ج 3، ص 494.
[13] سورة التوبة، الآية 40.
[14] سورة الصافات، الآية 116.
[15] سورة الحشر، الآية 12.
[16] سورة آل عمران، الآية 81.
[17] أبو هلال العسكري، الفروق اللغويّة، ص 540.
[18] سورة الأنفال، الآية 10.
[19] الميزان في تفسير القرآن، ج 9، ص 21، وانظر أيضًا: المصدر نفسه، ج 4، ص 9.
[20] البقاعي، نظم الدرر في تفسير الآيات والسور، نقلًا عن برنامج المكتبة الشاملة الإلكتروني.
[21] انظر مثلًا: ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ج 2، ص 98.
[22] هذا وقد يخالف كثير من علماء النحو واللغة العربية في هذا الأمر. وزيادة التدقيق في هذا المبحث تحتاج إلى بحثٍ تخصّصيّ ليس هذا محلّه. للمزيد انظر: عباس حسن، النحو الوافي، ط 4، دار المعارف، مصر، لا تاريخ، ج 3، ص 208، مصطفى جمال الدين، البحث النحوي عند الأصوليّين، ط 2، دار الهجرة، قم، 1405 هـ.ق.، ص 98-114.

الأربعاء, 15 نيسان/أبريل 2026 20:08

أخلاقيات الإنسان العامل وروح التضحية

أخلاقيات الإنسان العامل وروح التضحية

الاتصال بالله تعالى يجعل الإنسان قادراً على أن يدعو ويترقّب من الله الاستجابة، أمّا إذا كان نسي الله تعالى أيّام رخائه، وقد ترك الله ودينه ومِحنته ومشاكل رسالته، وكان يفكّر في نفسه لا في الله... حينئذٍ كيف يمكن أن يرجو هذا الإنسان حينما يقع في مِحنةٍ أن يمدّ يده إلى السماء فيستجيب الله دعاءه؟ ولماذا يستجيب الله دعاءه؟! لماذا يستمع إلى لسان لم يلهج بذكر الله؟! وإلى يدين لم تتحرّكا في طاعة الله؟ وإلى قلبٍ لم ينبض بالحبّ لله تعالى؟

نحن لا يمكننا أن نترقّب استجابة الدعاء إلا إذا كنّا نعيش حالة الاتصال بالله وكنّا قد عبّأنا وجودنا وقِوانا بالله سبحانه وتعالى، وحينئذٍ يمكن أن نطلب من الله سبحانه وتعالى الإمداد والمعونة والتغلّب على كلّ المشاكل والمِحن.

ما هي أخلاقيّة الإنسان العامل؟

هناك مظاهر أساسيّة للأخلاقيّة التي كنّا نعيشها، وهذه المظاهر هي أبعد ما تكون عن أخلاقيّة الإنسان العامل الذي يريد أن يحمل رسالة الله. هذه الأخلاقيّة لا بدّ لنا من أن نطوّرها في نفوسنا، لا بدّ لنا من أن نغيّر هذه الأخلاقيّة ونفتح بالتدريج أخلاقيّة الإنسان العامل لكي نهيّئ الأرضيّة النفسيّة التي يقام على أساسها العمل الصحيح.

أ- روح التضحية والإيثار بالمصالح الخاصّة
الأخلاقيّة التي كنّا نعيشها من نقاطها الرئيسيّة الارتباط بالمصلحة الشخصيّة بدلاً عن الاستعداد للتضحية. نحن بحاجةٍ إلى أخلاقيّة التضحية بدلاً عن أخلاقيّة المصلحة الشخصيّة، بحاجةٍ إلى أن نكون على استعدادٍ لإيثار المصلحة العامّة للكيان على المصلحة الخاصّة لهذا الفرد أو لذاك الفرد، نحن لا بدّ لنا من أخلاقيّة التضحية بالمصالح الخاصّة في سبيل المصالح العامّة، أمّا ما كان موجوداً فهو على الغالب إيثار للمصلحة الخاصّة على المصلحة العامّة. كنّا نعيش لمصالحنا وكنّا لا نعيش للمصلحة العامّة حينما تتعارض مع مصالحنا الخاصّة.

وهذه النزعة الأخلاقيّة (النزعة الأخلاقيّة التي تتّجه نحو المصلحة الخاصّة لا نحو المصلحة العامّة) تجعل القدر الأكبر من طاقتنا وقِوانا وإمكانيّاتنا في سبيل تدعيم المصالح الخاصّة أو في سبيل الدفاع عنها.

حينما تتوجّه الاتجاهات من المصلحة العامّة إلى المصلحة الخاصّة، سوف يضطرّ كلّ إنسانٍ يعيش في جوٍّ عامرٍ بهذا الاتجاه، سوف يضطرّ كلّ إنسان منهم إلى التفكير في نفسه، وإلى الدفاع عن نفسه، وإلى تثبيت نفسه، وبذلك نصرف ثمانين بالمائة من قِوانا وطاقتنا بالمعارك داخل هذا الإطار، بينما هذه الثمانين بالمائة من القوى والطاقات التي تصرف في معارك داخل هذا الإطار كان بالإمكان ـ لو أنّنا نتحلّى بأخلاقيّة الإنسان العامل، أعني بأخلاقيّة التضحية بالمصلحة الخاصّة في سبيل المصلحة العامّة ـ أن نحوّل هذه الثمانين بالمائة للعمل في سبيل الله بتدعيم الإطار ككلّ، وترسيخه، وتكديسه وتوسيعه. وبذلك ـ لو كنّا نعقل ـ لكنّا نستفيد أيضاً حتّى بحساب المقاييس العاجلة أكثر مما نستفيد ونحن نتنازع ونختلف داخل إطارٍ معرّضٍ لخطر التمزّق، داخل إطارٍ مهدّدٍ بالفناء.

إلى متى نحن نعيش المعركة داخل إطارٍ يُحكم عليه بالفناء يوماً بعد يومٍ، ولا نفكّر في نفس الإطار، ولا نفكّر في أن نتناسى مصالحنا الصغيرة في سبيل المصلحة الكبيرة؟

أخلاقيّة الإنسان العامل أو شروطها هو أن يكون عند الإنسان شعورٌ واستعدادٌ للتضحية بالمصالح الصغيرة في سبيل المصلحة الكبيرة، وهذا ما لا بدّ لنا من ترويض أنفسنا عليه.

ب- نزعة التجديد في أساليب العمل
المظهر الثاني من مظاهر أخلاقيّة الإنسان العامل هو الاتجاه إلى التجديد في أساليب العمل (نزعة التجديد في أساليب العمل). نحن عندنا (نظريّة) وعندنا (عمل).

1ـ النظريّة: هي الإسلام ولا شكّ ولا ريب في أنّ ديننا ثابتٌ لا يتغيّر ولا يتجدّد، ولا شكّ أنّ هذا الدين هو أشرف رسالات السماء وخاتم تلك الأديان الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى للإنسان في كلّ مكانٍ وفي كلّ زمانٍ. ولهذا فالصيغة النظريّة للرسالة صيغةٌ ثابتةٌ لا تتغيّر ولا يمكن أن نؤمن فيها بالتجدّد. من الخطأ ألف مرّة أن نقول إنّ الإسلام يتكيّف وفق الزمان، الإسلام فوق الزمان والمكان لأنّه من وضع الواضع الذي خلق الزمان والمكان، فقد قدّر لهذه الرسالة القدرة على الامتداد مهما امتدّ المكان والزمان.
الصيغة النظريّة للإسلام صيغةٌ ثابتةٌ فوق التجدّد وفوق التغيّر. لا بدّ لها هي أن تحكم كلّ عوامل التغيّر وكلّ عوامل التجدّد لا أن تحكم عوامل التجدّد والتغيّر الرسالة وتحكم الإسلام، بل الإسلام يحكم كلّ عوامل التجدّد. هذا واضحٌ على مستوى النظريّة ولا بدّ أن يكون واضحاً عندنا جميعاً.

2ـ وأمّا العمل في سبيل هذه النظريّة: ففي أساليب العمل الخارجيّ كانت لدينا حالةٌ، أنا استطيع أن اسمّيها "حالة النزعة الاستصحابيّة" ، فكنّا نتّجه دائماً إلى ما كان ولا نفكّر أبداً في أنّه هل بالإمكان أن يكون أفضل ممّا كان؟ وهذه النزعة الاستصحابيّة إلى ما كان والحفاظ على ما كان يجعلنا غير صالحين لمواصلة مسؤوليّتن، وذلك لأنّ أساليب العمل ترتبط بالعالَم، ترتبط بمنطقة العمل، ترتبط بالبستان الذي تريد أن تزرع فيه، وهذا البستان هي الأمّة التي تريد أن تزرع فيها بذور الخير والتقوى والورع والإيمان... ليست لها حالةٌ واحدةٌ، الأمّة تتغيّر، نعم إسلامك لا يتغيّر، لكن الأمّة تتغيّر، الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس في مستواها الأخلاقيّ، في علائقها الاجتماعيّة، في أوضاعها الاقتصاديّة، في كلّ ظروفها، الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس، وحيث إنّ الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس، لا يجوز لك أن تتعامل مع الأمّة اليوم كما تعاملت مع الأمّة بالأمس، أنت اليوم حينما تريد أن تتصّل بإنسانٍ من أبناء الأمّة في بلدٍ آخر لا تمشي على رجليك، ولا تركب حيواناً، وإنّما تركب سيارةً لكي تصل إلى هناك، يعني أنّك غيّرت أساليب عملك مع أبناء الأمّة، لماذا؟ لأنّ الأمّة تغيّرت، فحيث إنّ منطقة العمل هي الأمّة، حيث إنّك تريد أن تزرع بذورك، (بذور التقوى والورع والإيمان) في الأمّة... لهذا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الظروف والتغيّرات والتصوّرات التي توجد في الأمّة، هذه التصوّرات والتغيّرات التي توجد في الأمّة، تحدّد لنا أساليب العمل، وليس بالإمكان أن يكون هناك أسلوبٌ واحدٌ يصدق على الأمّة اليوم، وعلى الأمّة بالأمس، وعلى الأمّة غداً.

مرتكزات الرؤية الإسلاميّة في بناء الدولة المعاصرة

تستند مرتكزات الدولة الإسلاميّة في عصر غيبة المعصوم عليه السلام إلى المنظومة التشريعيّة الشموليّة لكلِّ مناحي الحياة، والّتي قد وضع معالمها وقواعدها الله تعالى في القرآن الكريم، ثمّ قام رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام من بعده بتفصيلها وتبيانها للناس، لكي يسيروا على هديها نحو بناء الدولة الإسلاميّة.
 
وتُقسّم هذه المرتكزات إلى ثلاث ركائز أساس في الفقه الإسلاميّ، على النحو التالي:
 
1 - الله تعالى مصدر السلطات جميعاً.
 يقوم التشريع الإسلاميّ على ركيزة أساس وأوّليّة، ألا وهي الإيمان المطلق بأنّ الله تعالى هو مصدر السلطات جميعاً، و هو المصدر الّذي يستمدّ منه الدستور شرعيّته، وتُشرّع على ضوئه القوانين[1] في بناء الدولة.
 
وهذه الحقيقة الكبرى تُعتبر أعظم ثورة قام بها الأنبياء عليهم السلام، ومارسوها في معركتهم، من أجل تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، أي إنّ الإنسان حرٌّ ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأيّ مجموعة بشريّة عليه، وإنّما السيادة لله وحده، وبهذا يوضع حدّ نهائيّ لكلِّ ألوان التحكُّم وأشكال الاستغلال وسيطرة الإنسان على الإنسان.
 
طبعاً إنّ هذه السيادة لله تعالى والّتي دعا إليها الأنبياء والأولياء عليهم السلام على مرّ التأريخ، تختلف اختلافاً أساساً عن نظريّة الحقّ الإلهيّ، الّتي استغلّها الطغاة والملوك قروناً من الزمن للتحكُّم والسيطرة على الآخرين، فإنّ هؤلاء وضعوا السيادة اسميّاً لله لكي يحتكروها واقعيّاً، ويُنصّبوا أنفسهم خلفاء الله على الأرض.
 
أمّا الأنبياء والأولياء عليهم السلام وكلُّ من سار على خطاهم في طريق تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، فقد آمنوا بهذه السيادة الإلهيّة، وحرّروا بها أنفسهم الإنسانية وغيرهم من سلطة الإنسان المزوّرة على مرّ التأريخ. إنّهم أعطوا لهذه الحقيقة مدلولها الموضوعيّ المُتمثِّل في الشريعة النازلة بالوحي من السماء، فلم يعد بالإمكان أنْ تُستغلّ لتكريس سلطة فرد أو عائلة أو طبقة بوصفها سلطة إلهيّة، بل إنّما السيادة والسلطة لله وحده.
 
والنتيجة: ما دام الله تعالى مصدر السلطات، وكانت الشريعة هي التعبير الموضوعيّ المحدّد عن الله تعالى، فمن الطبيعيّ أنْ تحدّد الطريقة الّتي تُمارَس بها هذه السلطات عن طريق الشريعة الإسلاميّة.
 
2 - المرجعيّة الرشيدة (الوليّ الفقيه):
 تُعتبر المرجعيّة الدينيّة حقيقة اجتماعيّة موضوعيّة في الأمّة، وتقوم على أساس الموازين الشرعيّة العامّة، بمعنى أنّ المرجعية الرشيدة هي المُعبِّر الشرعيّ عن الإسلام، والمرجع هو النائب العامّ عن الإمام عليه السلام من الناحية الشرعيّة، وله الولاية والقيمومة على تطبيق الشريعة، وحقّ الإشراف الكامل من هذه الزاوية، وهذا ما نصَّ عليه إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف حينما قال: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله"[2].
 
لذا لا بُدَّ أن تتّصف هذه المرجعيّة الرشيدة بمجموعة صفات محدَّدة، منها:
 
1 ـ الاجتهاد الفقهيّ المطلق.
 
2 ـ العدالة والكفاءة.
 
3 ـ الإيمان بالدولة الإسلاميّة وضرورة حمايتها.
 
4 ـ أن تُرشّحه أكثرية أعضاء مجلس المرجعيّة (مجلس الخبراء).
 
ومن هذا المنطلق تتولّى المرجعيّة الرشيدة وظائف عدّة، منها:
 
1 ـ المرجع هو المُمثِّل الأعلى للدولة والقائد الأعلى للجيش.
 
2 ـ المرجع هو الّذي يُرشِّح أو يُمضي ترشيح الفرد الفائز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذيّة.
 
3 ـ على المرجعيّة البتّ في دستوريّة القوانين الّتي يُعيّنها مجلس أهل الحلّ والعقد (مجلس الشورى الإسلاميّ) وذلك لملء منطقة الفراغ التشريعيّ.
 
3 - دور الأمّة (الشعب):
 أُسندت السلطة التشريعيّة والسلطة التنفيذيّة ممارستها إلى الأمّة، فالأمّة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة الّتي يُعيِّنها الدستور الإسلاميّ.
 
وهذا الحقّ حقّ استخلاف ورعاية مستمدّ من مصدر السلطات الحقيقيّ وهو الله تعالى، وبهذا ترتفع الأمّة وهي تُمارس السلطة إلى قِمّة شعورها بالمسؤوليّة، لأنّها تُدرك أنّها تتصرّف بوصفها خليفة الله في الأرض.
 
 ولذا ليست الأمّة هي صاحبة السلطان، وإنّما هي المسؤولة أمام الله سبحانه عن حمل الأمانة وأدائها، قال تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ"[3].
 
طرق ممارسة حقّ الرعاية:
 
ويُمكن للأمّة (الشعب) أن تُحقِّق هذه الرعاية وتُمارِس حقّ الاستخلاف بالطرق التالية:
 
1 - يعود إلى الأمّة انتخاب رئيس السلطة التنفيذيّة بعد أن يتمَّ ترشيحه من قبل المرجعيّة ـ كما أشرنا سابقاً ـ ويتولّى الرئيس المُنتَخَب بعد ذلك بنفسه تكوين أعضاء الحكومة.
 
2 - ينبثق عن الأمّة بالانتخاب المباشر مجلس أهل الحلّ والعقد (مجلس الشورى الإسلاميّ)، ويقوم هذا المجلس بوظائف عدّة، منها:
 
أ - إقرار أعضاء الحكومة الّتي شكّلها رئيس السلطة التنفيذيّة.
 
ب - ملء منطقة الفراغ بتشريع قوانين مناسبة.
 
ج - الإشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين.
 
د - مراقبة أداء السلطة التنفيذيّة ومساءلتها.
  
* من كتاب: نظرية الدولة في الإسلام - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] - ملاحظة هامّة: تقسم قوانين الشريعة الإسلاميّة إلى قسمين:
أ ـ قوانين ثابتة، أي لا تتغيّر مع تغيّر الزمان أو المكان، وليس لأحد حقّ التصرُّف فيها (مثال: قوانين الإرث والنكاح وغيرها...).
ب ـ قوانين متغيّرة، أي تتغيّر مع تغيّر الزمان والمكان وتواكب المتغيّرات والمستجدّات، بحيث يستطيع الفقيه سنّ مثل هذه القوانين انطلاقاً من الالتزام بالأصول والثوابت الإسلاميّة العامّة وما تتطلبه ضرورات المجتمع الإسلامي. (مثال: تقديم الأهمّ على المهمّ في مسألة هدم منزل شخص ما بغية توسيع طريق لعموم الناس وتحقيقاً لمصلحتهم). وهذه القوانين يُطلق عليها (الأحكام الولائيّة) ضمن منطقة الفراغ كما يُسميّها الشهيد الصدر قدس سره.
[2] - المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية المصحَّحة، ج35، ص180.
[3] - سورة الأحزاب، الآية: 72 .