emamian
الحمية التي ستساعدك على التخلص من الكوليسترول
طوّر أستاذ علوم التغذية بجامعة تورنتو الكندية الدكتور ديفيد جينكينز حمية بورتفوليو في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بعد إدراكه أن تناول الأطعمة المختلفة التي تستطيع تقليل نسبة الكوليسترول في الدم يمكن أن تساعد في الحفاظ على صحة القلب.
وتشمل هذه الأطعمة البقوليات والمكسرات وزيت الزيتون البكر والفواكه والخضار، وقد تكون نتائج اتباع هذه الحمية مذهلة، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن اتباع هذا النظام الغذائي يمكن أن يخفّض مستويات الكوليسترول الضار بنحو 30%، ويقلّل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب التاجية والسكتة الدماغية.
نشر جينكينز وفريقه نتائج تجربة صغيرة عام 2003 كانت من أوائل التجارب التي اختبرت حمية بورتفوليو، إذ وجدت أنه يخفّض الكوليسترول بكفاءة تقارب أدوية الدهنيات المعروفة بالستاتينات.
خلال العقود اللاحقة أجريت دراسات أخرى لتجد نتائج مقاربة، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، فما هي هذه الحمية؟ وكيف يمكن اتباعها؟
مثل حمية البحر الأبيض المتوسط الصحية للقلب، تركّز حمية بورتفوليو على الألياف والدهون الصحية ومصادر البروتين النباتية والمكسرات والبذور والبقوليات (وخاصة المنتجات المصنوعة من فول الصويا مثل التوفو والتيمبيه وحليب الصويا) والمصادر الغنية بالدهون الأحادية غير المشبعة (مثل زيت الزيتون وزيت الكانولا والأفوكادو).
كيف تقلل حمية بورتفوليو من الكوليسترول؟
تعطي حمية بورتفوليو الأولوية للأطعمة الغنية بنوع من الألياف تسمى الألياف اللزجة، والتي توجد في بعض الأطعمة النباتية مثل الشوفان والشعير والبامية والباذنجان وبذور الشيا، ومكملات الألياف مثل السيليوم.
وقالت الأستاذة المساعدة في التغذية بجامعة نيويورك في الولايات المتحدة أندريا جلين إن الألياف اللزجة تتحول إلى مادة تشبه الهلام في الأمعاء، حيث ترتبط بالكوليسترول لتقليل امتصاصه.
وتعد مجموعة من المركبات النباتية الطبيعية تسمى فيتوستيرول (أو ستيرولات النبات)، أيضا مكونات أساسية في حمية بورتفوليو.
وأوضحت الأستاذة الفخرية في التغذية بجامعة ولاية بنسلفانيا الولايات المتحدة بيني كريس إيثرتون "نظرا لأن هذه المركبات لها بنية مشابهة للكوليسترول، فإنها تتنافس معه على الامتصاص، مما يساعد الجسم على امتصاص كمية أقل من الكوليسترول".
توجد الفيتوستيرولات في جميع الأطعمة النباتية، بما في ذلك المكسرات والفواكه والخضروات والزيوت النباتية والحبوب الكاملة مثل جنين القمح ونخالة الأرز.
وتُثبّط حمية بورتفوليو استهلاك المنتجات الحيوانية الغنية بالدهون المشبعة، مثل الزبدة واللحوم الحمراء والمصنعة.
فاطمةُ (عليها السلام) نورُ العبادة
عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) يصفُ ابنتَهُ فاطمةَ (عليها السلام): «وأمّا ابنتي فاطمةُ، فإنَّها سيّدةُ نساءِ العالمينَ منَ الأوّلينَ والآخِرينَ، وهيَ بضعةٌ منّي، وهيَ نورُ عيني، وهيَ ثمرةُ فؤادي، وهيَ روحي التي بينَ جنبيَّ، وهيَ الحوراءُ الإنسيّةُ، متى قامَتْ في محرابِها بينَ يدَي ربِّها جلَّ جلالُهُ، زهرَ نورُها لملائكةِ السماءِ كما يزهرُ نورُ الكواكبِ لأهلِ الأرضِ، ويقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لملائكتِهِ: يا ملائكتي، انظروا إلى أَمَتي فاطمةَ سيّدةَ إمائي، قائمةً بينَ يديَّ، ترتعدُ فرائصُها من خيفتي، وقد أقبلَتْ بقلبِها على عبادتي، أُشهدُكُم أنّي قد أمنتُ شيعتَها منَ النارِ»[1].
تمثّلُ العبوديّةُ للهِ عزَّ وجلَّ قمّةَ الكمالِ الذي يصلُ إليهِ الإنسانُ؛ لأنَّ معرفتَهُ بنفسِهِ ترتبطُ بمعرفتِهِ بالغايةِ التي خُلِقَ لأجلِها، قالَ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[2]؛ فمَنِ استطاعَ أنْ يصلَ إلى مقامِ العبوديّةِ، فقدِ استطاعَ أنْ يُحقّقَ الغايةَ التي خُلِقَ لأجلِها، ومنْ أظهرِ مصاديقِ مَنْ تجلَّتْ فيهم العبوديّةُ للهِ عزَّ وجلَّ مولاتُنا فاطمةُ الزهراءُ (عليها السلام)، يقولُ الإمامُ الخامنئيُّ (دامَ ظلُّه): «إنَّ قيمةَ فاطمةَ الزهراءِ (عليها السلام) تكمنُ في عبوديّتِها للهِ، ولولا عبوديّتُها لما اتّصفَتْ بالصدّيقةِ الكبرى، فالصدّيقُ هوَ الشخصُ الذي يُظهِرُ ما يعتقدُهُ ويقولُهُ على سلوكِهِ وفعلِهِ، وكلَّما كانَ هذا الصدّيقُ أكبرَ كانَت قيمةُ الإنسانِ أعظمَ، فيكونُ صدّيقاً، كما قالَ تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾[3]، حيثُ جاءَ ذكرُ الصدّيقينَ بعدَ النبيّينَ.
فكانَتْ هذهِ العظيمةُ صدّيقةً كبرى، أي أفضلَ صدّيقةٍ، وكانَتْ صدّيقيّتُها بعبادتِها للهِ، فالأصلُ هوَ عبادةُ اللهِ. وهذا لا يختصُّ بفاطمةَ الزهراءِ (عليها السلام)، فحتّى أبوها الذي يُعدُّ مصدرَ فضائلِ المعصومينَ جميعاً، والذي يُشكّلُ أميرُ المؤمنينَ وفاطمةُ الزهراءُ (عليها السلام) قطراتِ بحرِ وجودِهِ المتلاطمِ، إنّما كانتْ قيمتُهُ عندَ اللهِ بفضلِ عبوديّتِهِ: «أشهدُ أنّ محمّداً عبدُهُ ورسولُهُ»، فقد جاءَ ذكرُ العبوديّةِ قبلَ الرسالةِ، بل إنَّ الرسالةَ إنّما أُعطيَتْ لهُ لعبادتِهِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يعلمُ بمخلوقِهِ وما تصنعُ يداهُ، أفَلَسنا نقرأُ في زيارةِ الزهراءِ (عليها السلام): «امتحنَكِ اللهُ الذي خلقَكِ قبلَ أنْ يخلقَكِ»[4]؟»[5].
وعندما نتحدّثُ عن عظمةِ الإسلامِ وعظمةِ هذا الدينِ في الانقلابِ الذي أحدثَهُ في النفوسِ في بداياتِ البعثةِ، فإنَّنا نجدُ مشهداً منْ عظمةِ هذا الدينِ في تربيتِهِ لشخصيّةٍ عظيمةٍ كفاطمةَ (سلامُ اللهِ عليها)، يقولُ الإمامُ الخامنئيّ (دامَ ظلُّه): «إنّها لمعجزةُ الإسلامِ، وإنّها فاطمةُ الزهراءُ (عليها السلام) التي نالَتْ مقاماً رفيعاً، وباتَتْ سيّدةَ نساءِ العالمينَ برغمِ سنواتِ عمرِها القصيرةِ، وفاقَتْ جميعَ النساءِ عظمةً وقدسيّةً في تاريخِ الإنسانيّةِ. فما هيَ تلكَ الطاقةُ، وما هيَ تلكَ القوّةُ الباطنيّةُ العميقةُ التي استطاعَتْ خلالَ مدّةٍ قصيرةٍ أنْ تجعلَ منْ هذا الإنسانِ محيطاً لا حدودَ لهُ منَ المعرفةِ والعبوديّةِ والقداسةِ والكمالِ المعنويِّ؟ إنّ هذه بحدِّ ذاتِها هيَ معجزةُ الإسلامِ»[6].
ختاماً، نُعزّي صاحبَ العصرِ والزمانِ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريفَ) ووليَّ أمرِ المسلمينَ والمجاهدينَ جميعاً بذكرى شهادةِ الصدّيقةِ الطاهرةِ فاطمةَ الزهراءِ (سلامُ اللهِ عليها).
[1] الشيخ الصدوق، الآمالي، ص175.
[2] سورة الذاريات، الآية 56.
[3] سورة النساء، الآية 69.
[4] الشيخ الطوسيّ، تهذيب الأحكام، ج6، ص10.
[5] من كلامٍ له (دام ظلّه) في ذكرى ولادة سيّدة نساء العالمين، 1426هـ.
[6] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 05/07/2007م.
ما سبب انحراف المسلمين عن العدل الإسلامي؟
عندما يُطرح السؤال: لماذا لم تُطبّق العدالة، على الرغم من تشديد الإسلام على هذا الأصل من أصول الدين، بل لم تمض فترة حتى ابتُلي المجتمع الإسلامي بأقسى حالات الظلم وفقدان العدالة والتمييز؟ عندما يُطرح هذا السؤال يتبادر إلى الذهن، أول ما يُتبادر، أنّ المسؤولية في ذلك تقع على عدد من المسؤولين الذين حالوا دون تنفيذ هذا الدستور الإسلامي، وذلك لأنّ تطبيق هذا المبدأ يبدأ من زعماء المسلمين، حيث لم يكن بعضهم جديرين بذاك المقام الكبير، فوقفوا في وجه تنفيذ العدالة، فكانت النتيجة أن أُصيب المجتمع الإسلامي بأنواع من الظلم والإجحاف والتمييز بين الناس.
إنّ هذا الجواب صحيح، إنّ أحد الأسباب هو أنّ المسؤولين عن تطبيق العدالة لم يُطبّقوه، بل فعلوا النقيض، وتاريخ الخلفاء الأمويّين والعباسيّين خير دليل على ذلك.
سوء تفسير العدالة
إلّا أنّ ذاك لم يكن العلّة كلّها، فثمّة علّة كبيرة أخرى، إذا لم تكن أشدّ تأثيراً فهي لا تقلّ عن الأولى أثراً، وهذا ما أُريد بحثه في هذا الموضوع. وهذه العلّة الكبرى هي: أنّ عدداً من علماء الإسلام أساؤوا تفسير العدل في الإسلام، وعلى الرغم من أنّ عدداً آخر من العلماء قاوموا ووقفوا في وجه أولئك، إلّا أنّهم غُلبوا على أمرهم.
إنّ قانوناً رفيعاً كالعدل يجب أوّلاً أن يُفسّر تفسيراً جيداً، ويجب ثانياً أن يوضع التنفيذ بصورة جيّدة أيضاً، وذلك لأنّه إن لم يُفسّر تفسيراً جيداً، فإنّ الذين يريدون إجراءه إجراء جيداً لا يستطيعون تحقيق ذلك، لأنّ تحقيقه يعتمد على تفسيره، وإذا لم يكونوا يريدون حسب نيّات المنفّذين السيّئة، فإنّهم يكونون قد أعانوا أولئك وخدموهم وجنّبوهم وجع الرأس الحاصل من الاصطدام بالناس، سواء أكان قصد المفسّرين سيّئاً من التفسير بهدف خيانة الناس، أم لم يقصدوا شيئاً من ذلك، وإنّما فسّروا القانون بحسب فهمهم المعوج.
وهذا ما حصل في تفسير أصل العدل، إنّ أغلب الذين أنكروا أن يكون العدل من أصول الإسلام، أو لعلّهم جميعاً، لم يكونوا يحملون نيّة سيّئة في تفسيرهم الذي سأذكره، إنّما النظرة السطحية والتعبديّة التي كانوا يحملونها هي التي ألقت بالمسلمين في هذه الحالة، فأوجدت للإسلام مصيبتين:
الأولى: سوء النيّة في الإجراء والتنفيذ، وذلك لأنّ الخلافة منذ البدء لم توضع على المحور الصحيح، وجرى تفضيل العرب على غير العرب، وتفضيل قريش على القبائل الأخرى، وإطلاق يد بعضهم في الحقوق والأموال، وحرمان البعض الآخر من ذلك، حتى قام الإمام عليعليه السلام بالخلافة بهدف محاربة هذا الانحراف، الأمر الذي انتهى باستشهاده، ثمّ تفاقم الأمر على يد معاوية والذين جاؤوا من بعده من الخلفاء.
أمّا المصيبة الثانية: فقد جاءتنا على يد العلماء السطحيّين التعبديّين، الذين تمسّكوا بمجموعة من الأفكار الجافّة، فراحوا يشرحون ويُفسّرون العدالة تفسيراً معوجاً، ممّا بقيت آثاره حتى وقتنا الحاضر.
مقام السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لا يُدرك
ذلك المقام الأسمى والذي عبّر عنه الإمام بالعبودية المطلقة لا يمكن أن يصل إليه أحد حتّى إنّه لا يمكن أن يدرك، وهو مقام خاصّ بالنبيّ وأهل بيته (عليهم السلام). أمّا فيما خصّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فإنّ الإمام الخميني (قدس سره) يعترف بالعجز حتّى عن الكلام عنها فعندما طلبت منه زوجة ابنه أن يتحدّث عنها (عليها السلام)، كتب: "إنّك تطلبين منّي أن أتحدّث وأكتب عن هذه السيدة العظيمة، فكيف لي ولقلمي ولغة البشر الحديثُ عن سيدة كانت تستنزل جبرائيل، كمثل أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم)، بقدرة ما فوق الملكوت، من غيب عالم الملكوت إلى عالم الملك؟ وتجعل ما في الغيب ظاهراً في الشهادة! فدعيني إذاً أجتاز هذا الوادي المريع، وأقول إنّ فاطمة (عليها السلام)، التي هي هكذا في المراحل الإلهيّة الغيبيّة، قد ظهرت في عالم الشهادة وتجسّدت كما أبوها وبعلها في صورة بشر ظاهر، لتؤدّي دورها ورسالتها في شؤون عالم الملك من تعليم وتعلّم كافة، ونشر للثقافة الإسلامية، ومعارضة للطواغيت، وجد من أجل قيام حكومة العدل، وإحقاق حقوق البشرية، ودحض الدعاوى الشيطانية وتفنيدها"[1]. إذًا فالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد تجلّت وظهرت في الدنيا للقيام بدور يعجز عنه غيرها، كما هي حال المعصومين جميعًا، وليس ذلك الدور الذي أدّته في حياتها هو كلّ حقيقة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
ويقول الإمام الخميني (قدس سره) أيضاً في علوّ مقام السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) ورفعته: "وماذا يستطيع المرء أن يقول أو يدرك حول شخصيّة تتمتع بآلاف الأبعاد الإلهيّة يعجز عن تبيان كلّ منها القلم واللسان. إنّه ليس بوسع أحد أن يعرف شخصيّة الزهراء المرضيّة والصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) سوى الذين ارتقوا مدارج الأبعاد الإلهيّة حتّى ذروتها، وهو ما لم يبلغه سوى أولي العزم من الأنبياء والخلّص من الأولياء كالمعصومين (عليهم السلام)... ويخطئ من يدّعي معرفة مقامها المقدس من العرفاء أو الفلاسفة أو العلماء. وكيف يمكن إماطة اللثام عن منزلتها الرفيعة وقد كان رسول الإسلام يتعامل معها في حال حياته معاملة الكامل المطلق!"[2].
فالإمام (قدس سره) يبيّن كيفيّة كون مقامها الشامخ وعظمتها ليسا من الأمور التي يمكن إدراكها من قبل البشر، بل هي أمور خاصّة بها وبالكمّل من خلق الله عزّ وجلّ، أمّا أفعالهم في الدنيا فهي وإن كانت في أوج العظمة والجلال والكمال لكنّها لا تعبّر عن كامل حقيقتهم ومقامهم المعنويّ.
لكن ينبغي أن نشير إلى مسألة مهمّة في المقام، وهي أنّ العجز عن معرفة حقيقة المقام المعنويّ للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لا يعني أنّه لا يمكن للبشر الوصول إلى بعض درجات المقامات المعنويّة الرفيعة الخاصّة بالمعصومين (عليهم السلام) بل إنّه يمكن الوصول إلى مراتبهم ودرجاتهم السامية فيما لو اتبعناهم بإحسان وكانوا هم من أخذ بأيدينا نحوهم، يقول الإمام (قدس سره) في معرض حديثه عن مقام الإخلاص لله عزّ وجلّ: "التخلّص بهذه المرتبة الكاملة، وإن كان لا يتحقّق لغير الكُمّل من الأولياء والأصفياء... ولكن لا يجوز للمؤمنين والمخلصين أيضا أن يغضّوا النظر عن جميع مراتبه ويقنعوا بالإخلاص الصوريّ العمليّ والخلوص الظاهريّ الفقهيّ"[3]. إذًا، فجميع البشر قادرون بل هم مدعون للتكامل المعنويّ، إلّا أنّ المقامات المعنويّة للنبيّ وأهل بيته عليهم السلام هي من مختصّاتهم وتابعة لحقيقتهم، وتحقّق بعض مراتبها متوقّف على إذنهم وشفاعتهم وتبعيّتهم.
[1] رسالة الامام الخمينيّ(قدس سره) إلى السيدة فاطمة الطباطبائي.
[2] المصدر نفسه.
[3] الامام الخمينيّ، الآداب المعنوية للصلاة، مصدر سابق، فصل في بعض آداب الاستعاذة.
هل تحمل بعضاً من سمات أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله)؟
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿مُّحَمَّد رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّاءُ عَلَى ٱلكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم﴾[1].
هنا تتّضح معالم المجتمع الإسلامي، والقضيّة الأُولى المذكورة هي صحبة الرسول والإيمان به. والقضيّة الثانية هي الشدّة على الكفّار، أي القوّة أمام الأجنبي. وإذًا هؤلاء المتنسّكون الثاوون في المساجد، يكفي جندي واحد ليسوق ألفًا منهم بلا أن ينبس أحدٌ منهم ببنت شفة، هؤلاء ليسوا مسلمين.
الشدّة على العدوّ
إحدى الصفات التي يجب أن يتّصف بها المسلم، وهي الصفة الأولى التي يذكرها له القرآن هي الشدّة والقوّة والصلابة مع العدوّ؛ فالإسلام لا يحبّ المؤمن الضعيف.
﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلأَعلَونَ إِن كُنتُم مُّؤمِنِين﴾[2].
الإسلام دين لا ضعف فيه. يذكر ويل ديورانت في كتابه "قصَّة الحضارة": "لم يدعُ دين أتباعه إلى القوّة كالإسلام". فالمسكنة، وثني الرقبة، وإسالة اللّعاب من جانب الفم، وانهدال الثوب، والثياب القذرة، وخطّ الأرجل بالأرض، وأذيال العباءة تكنس الأرض، هذه مظاهر معادية للإسلام. والتأوّهُ والتوجّع منافٍ للإسلام: ﴿ وَأَمَّا بِنِعمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث ﴾[3]. إنّ الله منحك القوّة والقدرة والصحّة والسلامة، وجعلك قادرًا على أن تمشي منتصب القامة، فلماذا تحني ظهرك بلا سبب، وما دمت قادرًا على رفع رأسك فلماذا تلوي رقبتك، ولماذا تتأوّه؟
التأوّه يعني أنّك تعاني من ألم، وما دام الله قد عافاك من الألم، فلماذا تتأوّه؟ هذا كفر بالنعمة!
هل كان عليّ عليه السلام يمشي كما نمشي أنا وأنت، وهل كان يجرّ أذيال عباءته وراءه ويترنّح في مشيته؟ هذه الأفعال ليست من الإسلام في شيء.
المسلمون يجب أن يكونوا أشدّاء على الكفّار كالحديد، وكسَدِّ الإسكندر.
المودّة فيما بينهم
ولكن كيف تكون علاقتهم فيما بينهم وبين إخوانهم المسلمين؟ ﴿ رُحَمَاءُ بَينَهُم ﴾. ولكن حينما ننظر إلى هؤلاء المتنسّكين لا نجد فيهم شيئًا من هذه الصفة؛ فلا مودّة ولا رحمة تجاه الآخرين فوجوههم عابسة دائمًا، فلا يتفاعلون مع أحد، ولا يخالطون أحدًا، ولا يضحكون مع أحد، ولا يبتسمون مع أحد، وكأنّ لهم المنَّة على كلّ البشر. هؤلاء ليسوا مسلمين، هؤلاء لصقوا أنفسهم بالإسلام.
هذه هي الصفة الثانية، ألا تكفي هذه الشدّة على الكفّار والرحمة مع المسلمين، ألا تكفي هذه ليكون المرء مسلمًا؟ كلّا.
الركوع والسجود لله
﴿ تَرَىٰهُم رُكَّعا سُجَّدا يَبتَغُونَ فَضلا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٰنا ﴾[4].
في نفس الوقت الذي يكون فيه هذا الشخص شديدًا على الكفّار ورحيمًا مع المسلمين، تراه في محراب الصلاة راكعًا ساجدًا ﴿ يَبتَغُونَ فَضلا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٰنا ﴾، يدعو ربّه لينال رضاه. نحن طبعًا لا نريد القول بوجود فرق بين الدعاء والعبادة؛ فالدعاء عبادة، والعبادة دعاء، ولكن أحيانًا يكون العمل دعاءً صرفًا؛ أي أنّ العبادة تكون دعاءً فقط، وأحيانًا أخرى يمتزج في العبادة الدعاء وغيره. وهناك عبادة أخرى ليست دعاء أساسًا كالصلاة مثلًا.
﴿ سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِّن أَثَرِ ٱلسُّجُود﴾، أي أنّ المرء يعبد الله حتّى تتّضح آثار العبادة وآثار التقوى على وجناته وعلى وجهه، وكلّ من ينظر إليه يستشعر في وجهه معرفة الله وذكر الله، ومن يقع بصره عليه، يذكر الله.
جاء في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الحواريّين سألوا عيسى بن مريم (عليهما السلام): "يا روح الله من نجالس؟" فقال: "من يذكّركم الله رؤيتُه ويزيد في علمِكم منطقُه ويرغّبكم في الخير عملُه".
ثمّ جاءت تتمّة الآية: ﴿ ذَٰلِكَ مَثَلُهُم فِي ٱلتَّورَىٰةِ وَمَثَلُهُم فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرعٍ أَخرَجَ شَطَٔهُۥ فََٔازَرَهُۥ فَٱستَغلَظَ فَٱستَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلكُفَّارَ ﴾[5].
ورد ذكر هذه الصفة لهم في التوراة؛ فقالت عنهم أنّه ستأتي مثل هذه الأمّة، وفي الإنجيل مثل لهم بهذه الصفات. هذه الأمّة تنمو بهذه الصورة التي أدهشت المتخصّصين في دراسة الإنسان؛ يا لها من أمّة سامية، ويا لها من أمّة تسير نحو المجد والرفعة، أمّة أبناؤها أشدّاء على الكفّار ورحماء بينهم، وركّعًا وسجّدًا، ويبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، فمن الطبيعيّ جدًّا أن تكون أمّة سامية.
ولكن لماذا يا ترى نعيش نحن المسلمون في هذه الحالة من الانحطاط، ولماذا نعاني من هذه الرزايا والمصائب، وأيّ من هذه الصفات متوفّرة فينا، وما هي الغاية المنشودة منّا؟[6].
العبادة والتحرّر
جاء في نصّ القرآن الكريم أنّ أحد الأهداف التي بُعث من أجلها الأنبياء هو تحرير بني الإنسان اجتماعيًّا، واستنقاذهم من العبوديّة لأحدهم الآخر[7].
وإحدى الملاحم التي ينفرد بها القرآن الكريم هي قضيّة الحرّيّة الاجتماعيّة.
لا أتصوّر وجود جملة عميقة ونابضة بالفاعليّة أكثر من الجملة الواردة في القرآن الكريم في هذا الصدد، ولا يمكن العثور-لا في القرن الثامن عشر ولا في القرن التاسع عشر ولا في القرن العشرين، أي القرون التي رفع فيها الفلاسفة شعار تحرير الإنسان، وصارت هذه الكلمة متداولة على الألسن أكثر من اللازم، وغدت شعارًا يتغنّى به الجميع-على جملة أكثر بلاغًا ممّا ورد في القرآن، وهو قوله تعالى:
﴿ قُل يَٰأَهلَ ٱلكِتَٰبِ تَعَالَواْ إِلَىٰ كَلِمَة سَوَاءِ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلَّا نَعبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشرِكَ بِهِۦ شَيا وَلَا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾[8].
وفي ظلّ هذه الدعوة تنعدم جميع الفوارق وتزول أسباب التفاضل، ويُلغى نظام السادة والعبيد، ولا يحقّ لأحد استغلال الآخر ولا استعباده[9].
[1] القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 29.
[2] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 139.
[3] القرآن الكريم، سورة الضحى، الآية 11.
[4] القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 29.
[5] القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 29.
[6] مقالات إسلاميّة، ص60 – 64.
[7] مقالات إسلاميّة، ص12.
[8] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 64.
[9] مقالات إسلاميّة، ص13.
الحوارء زينب (عليها السلام) نموذج الصبر والاحتساب
إنّ الأحداث التي تبدو في الظاهر بلاءً وشقاءً، تحمل في الباطن آثاراً وفوائد، لذلك كان أولياء الله راضين بالبلاء يرددون نداء "رضاً برضاك"، لا بل لا يعتبرون البلاء بلاءً لأنهم ينظرون إليه بعين الجمال، ومن هنا نجد السيدة زينب عليها السلام وبعد تحمل المصائب والمشقات التي انهالت عليها وعلى أهل بيتها، تقول: "ما رأيت إلا جميلاً"[1]. لذلك من المناسب في هذا المقال التعرض لفوائد البلاء لنتمكن من خلال التأسي بالسيدة زينب عليها السلام، من مشاهدة الجمال المكنون في البلاء مما يساهم في الانجذاب نحو الجمال الإلهي المطلق.
1- جرس إنذار
بما أنّ الدنيا وزينتها الظاهرة قد تخدع الإنسان فينشغل بنفسه ويبتعد عن ذكر الله وطاعته، ومن هنا عندما يبتلي الله الإنسان فقد هيَّأَ له الأرضية لليقظة من الغفلة، عند ذلك يشاهد المرارات والآلام الموجودة في الدنيا وزينتها فيتجه نحو الحقّ تعالى.
في إحدى السنوات واجه المسلمون القحط وقلة الماء، فخرج الإمام علي عليه السلام لأداء صلاة الاستسقاء وفي الطريق خاطب المرافقين: "إنَّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات ليتوب ثائب مقلع ويتذكر متذكر"[2].
2- محو الذنوب
قد يخطئ بعض المؤمنين أحياناً فيرتكبون المعاصي. أما الله تعالى ـ الذي هو بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم ـ فيرسل البلاء لتطهيرهم من المعاصي وبالتالي لا يترك حسابهم إلى يوم القيامة. يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: "الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم لتسلم بها طاعاتهم ويستحقوا عليها ثوابها"[3].
3- أساس السعادة
إن البلاء والشقاء هما سبب وجود السعادة عند الإنسان، لأن السعادة مكنونة في باطن البلايا والمصايب، وكما يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾[4].
من جملة القوانين الموجودة في الطبيعة أنّ حجر المعدن ما لم يتعرض لحرارة قوية لا يخرج منه الذهب الخالص. ثم إن هذا القانون يصدق على الإنسان أيضاً، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾[5].
يقول الأستاذ الشهيد الشيخ مرتضى مطهري(رضوان الله عليه) في تفسير الآية الشريفة: "يجب أن يتحمل الإنسان المشقات ويقاسي الصعوبات ليحصل على وجوده الذي يليق به. إن التضاد والتعاند هما سبب التكامل، ومن خلالهما يقطع البشر الطريق نحو الكمال"[6].
كتب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف يوبخه لمشاركته في مجلس الأشراف. وقد خاطبه قائلاً: "ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً والروائع الخضرة أرق جلوداً والنباتات البدوية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً"[7].
من هنا وبما أنّ أولياء الله هم أحباب الله، لذلك هم في معرض البلاء أكثر من غيرهم، وكما يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إن الله إذا أحب عبداً غته بالبلاء غتاً"[8].
ثبات وشجاعة زينب من وجهة نظر الآخرين
عندما نتصفّح أوراق التاريخ يتضح لنا أنّ زينب عليه السلام قد تعرفت على البلاء والمشقات منذ صغرها وكانت في كل مصيبة وبلاء مثالاً للصبر والتواضع والحركة في الاتجاه الذي يرضاه الله تعالى. لذلك كان هذا الأمر سبباً في كونها نموذجاً للثبات والشجاعة، من هنا نجد علماء المسلمين أعم من السنة والشيعة قد دونوا عبارات المدح والثناء على هذه السيدة العظيمة. مثال ذلك، يقول ابن الأثير وهو من مؤرخي السنة الكبار: "وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جذلةً... وهو يدل على عقلٍ وقوة جنانٍ"[9]. وكذلك يقول جلال الدين السيوطي وهو من المفسرين: "وكانت لبيبة جذلة عاقلة لها قوة جنان"[10]. ويقول العلامة المامقاني وهو من علماء الشيعة: "وهي في الصبر والثبات وحيدة".
مصائب زينب (عليها السلام) على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام)
عن قدامة بن زائدة، عن أبيه قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله أحياناً؟ فقلت: إن ذلك لكما بلغك. فقال لي: فلماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا؟ فقلت: والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه، فقال: والله إن ذلك لكذلك فقلت: والله إن ذلك لكذلك يقولها: ثلاثاً وأقولها ثلاثاً فقال: أبشر ثم أبشر ثم أبشر فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتل أبي عليه السلام... وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرّجين بدمائهم مرمّلين، بالعراء مسلّبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر فقالت: لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً فقلت: وما هذا العهد؟ وما هذا الخبر؟ فقالت: حدثتني أم أيمن[11] أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زار منزل فاطمة (عليها السلام) في يوم من الأيام فعملت له حريرة (صلى الله عليها) وأتاه علي (عليه السلام) بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد، فأكل رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) من تلك الحريرة وشرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر بالزبد ثم غسل رسول الله يده وعلي يصب الماء فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا فيه السرور في وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء ملياً ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه يدعو، ثم خرَّ ساجداً، وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين وحزنت معهم، لما رأينا من رسول الله وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي وقالت له فاطمة: ما يبكيك يا رسول الله لا أبكى الله عينيك؟ وقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك؟...
ثم قال جبرئيل: يا محمد إنّ أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على أمتك، متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخلق والخليقة، وأشقى البرية نظير عاقر الناقة، ببلد تكون إليه هجرته، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه على كل حال يكثر بلواهم، ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا ـ وأومأ بيده إلى الحسين (عليه السلام) ـ مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك، وأخيار من أمتك بضفة الفرات، بأرض تدعى كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء، على أعدائك وأعداء ذريتك، في اليوم الذي لا ينقضي كربه، ولا تفنى حسرته، وهي أطهر بقاع الأرض، وأعظمها حرمة، وإنها لمن بطحاء الجنة.
فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت بهم كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها، ومادت الجبال، وكثر اضطرابها واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها، غضباً لك يا محمد ولذريتك واستعظاماً لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما يتكافى به في ذريتك وعترتك، ولا يبقي شيء من ذلك، إلا استأذن الله عزَّ وجلَّ في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك...
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فهذا أبكاني وأحزنني.
قالت زينب (عليها السلام): فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي (عليه السلام) ورأيت أثر الموت منه قلت له: يا أبه حدثتني أم أيمن بكذا وكذا، وقد أحببت أن أسمعه منك، فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن، وكأني بك وببنات أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبراً صبرا، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم...[12].
[1] بحار الأنوار، المجلسي، ج45، ص116 واللهوف على قتلى الطفوف، ابن طاووس، دار الأسوة، ص201.
[2] نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الخطبة 141
[3]. بحار الأنوار، ج67، ص232.
[4] القرآن الكريم، سورة الانشراح، الآية: 5.
[5] القرآن الكريم،سورة البلد، الآية: 4.
[6] مجموعة الآثار، مرتضى المطهري، صدرا، ج1، ص176.
[7] نهج البلاغة، الرسالة 45
[8]. أصول الكافي، الكليني، دار الأضواء، ج2، ص252، وبحار الأنوار، المجلسي، مؤسسة الوفاء، ج67، ص207.
[9] أسد الغابة، ابن الأثير، دار المعرفة، ج5، ص300 والاصابة، ابن حجر العسقلاني، دار الجيل، ج7، ص684.
[10] فاطمة الزهراء بهجة المصطفى، أحمد الرحماني الهمداني، ص640.
[11] كانت خادمة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن جملة الأوائل بالإسلام ثم رافقت السيدة الزهراء عليها السلام بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد شهدت لمصلحة الزهراء (عليها السلام) في حادثة فدك بعد أن طلب أبو بكر شاهداً من الزهراء، ومع ذلك لم يقبل شهادتها مع أنه يعرف أنها من أهل الجنة. راجع: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، اسماعيليان، ج13، ص272 وج16، ص214.
[12] بحار الأنوار، المجلسي، مؤسسة الوفاء، ج45، ص179 . 183، وكامل الزيارات، ابن قولويه، مكتبة الصدوق، الباب 88، ص277 . 278.
مسؤولية الممرض والأخلاق التمريضية
بدايةً أبارك لكم جميعاً إخواني وأخواتي الأعزاء والممرضات المحترمات يوم الممرضة وأيام ولادة زينب الكبرى، هذه المرأة التي هي أنموذج لتاريخ البشرية. وكلّنا رجاء من الله أن يثيبكم على هذه الخدمة الكبرى، وهذه المساعي الفائقة الأهمية فيشملكم برحمته وهدايته وفضله أنتم وجميع الممرضين في البلد وقطاع العاملين في ملف الصحة.
إنّ أساس كلامنا ولقائنا اليوم يتوجّه إلى تقديم الشكر على جهود الممرضين. وإنه لمن المناسب حقاً أن يقدّم الإنسان شكره لكل قطاع التمريض في البلاد، ويقدّر هذا العمل الكبير ذا العناء الكثير والمسؤولية الثقيلة التي تحمّلتموها.
إنّ قضية الصحة تُعدّ من أولى القضايا المهمّة في حياة المجتمعات. فالحديث المعروف: "نعمتان مجهولتان الصحة والأمان" يشير بحق إلى أمرٍ أساس وحياتيّ. فالصحة والأمان من النعم الكبرى التي ما لم يُحرم الإنسان منهما لن يدرك أهميتهما وقيمتهما، كالهواء والتنفّس، فما دام الإنسان متنفساً، لا يدرك أهمية هذه النعمة المجّانية المتوافرة، وإذا صعُب عليه التنفّس يدرك عندها أية نعمة كبرى قد أضاعها. وقطاع الطب والتمريض وسائر الأجهزة الصحية هو في الواقع سبب تأمين هذه النعمة الكبرى للمجتمع. وإن دور الممرضة في هذا المجال يُعدّ دوراً بارزاً جداً، فالممرّض يبقى في سعيٍ وتحدٍّ مستمرٍّ على المستوى الروحي والنفسي، فليست القضية منحصرة ببدنه. فالتعب الروحي للتعامل مع المريض والشعور بالمسؤولية بأن يقدّم لهذا المريض ـ بالإضافة إلى العلاج الجسماني ـ العلاج الروحي والمعنوي هو قضية مجهدة جداً وعملٌ ثقيل، فمثل هذه المسؤولية الثقيلة يتحمّلها الممرضون.
تأكّدوا أن كل لحظة، وثانية أو دقيقة تقضونها في مثل هذا العمل ـ ومع الالتفات إلى الشعور بالتكليف تجاه المريض، هذا الإنسان المبتلى ـ تُعدّ حسنة من الله تعالى ولها ثوابٌ وأجرٌ تنالونه من الرب المتعال. وفي الحسابات الإلهية لا تضيع أية ثانية. فلا يجوز أن نظن أنّ هذه اللحظات الصعبة التي يقضيها الممرّض إلى جنب المريض سيتمّ إغفالها في الحسابات الإلهية. كلا ليس الأمر كذلك. فكل لحظة تقضونها، وكل سعي تبذلونه، وكل نفَسٍ يصدر عنكم مقابل المشقّات التي تعانون منها هو حسنة وعملٌ يستحقّ أجراً، والله تعالى يسجّل كل هذه اللحظات. فيجب تقدير هذه الأعمال الشاقّة ذات الآثار الكبرى والمهمة.
لا شك بأن التكاليف ثقيلة أيضاً. فيجب الاعتناء بها. فالأخلاق التمريضية كالأخلاق الطبية، تُعد فريضة وتكليفاً. وإن أجركم عظيمٌ جداً مثلما أن تكليفكم أيضاً عظيم كذلك، لأن المريض إنسانٌ وليس سيارة، وهو ليس عبارة عن قطع من الحديد والفولاذ والبراغي، وليس مجرّد جسمٍ. إن روح الإنسان وأحاسيسه ومشاعره وخصوصاً إذا مرض تصبح متألّمة وتحتاج إلى الكثير من اللطف والكثير من المواساة، فابتسامة منكم أحياناً تكون أثمن من الدواء الذي يُعطى لهذا المريض ولها أثرٌ أكبر وقيمة أعلى، فالمريض يُبتلى بالاضطراب والانزعاج وخاصّة ذوو الأمراض الصعبة، وتقديم المساعدة له لا تكون مساعدة لجسمه فقط، إن البدن ينبغي أنّ يُعالج بالأدوية والحقن والعلاجات الطبية، أما الروح فتعالج بالمحبة والرأفة والملاطفة. وفي بعض الأحيان يحلّ هذا العلاج الروحي محلّ العلاج الجسماني، وهذا أمرٌ علميٌّ أثبتته التجربة حيث إنّ سرور روح الإنسان وأعصابه ومشاعره له تأثيرٌ إيجابي على بدنه. وهذا بأيديكم، بأيدي الممرّضين.
يقع على عاتق الممرّض عملٌ صعب وله أجرٌ عظيم، لكن عمله مسؤولية عظيمة كذلك. وهذا التقابل بين الوظيفة والأجر، وبين الحق والتكليف، من الأركان الكبرى للمفاهيم والمبادئ الإسلامية. وإعادة التأهيل التي تحدّث عنها الوزير المحترم ـ مما له أهميّة فائقة ـ من المناسب تحقيقه، ليس فقط في مجال القضايا العلميّة بل في مجال أخلاق التمريض. وفي الحقيقة ينبغي إعداد ميثاق للأخلاق التمريضية وميثاق للتمريض وعهد يتمّ تدريسه وتعليمه. الممرّض ينبغي أن يعرف عظمة عمله ــ والذي هو بالطبع متلازمٌ مع أهمية شخصيّته ـ فيؤدّي العمل كما يليق به.
وأقول لكم: عافاكم الله أيها الممرضون الأعزّاء في كل البلاد ـ وخصوصاً أنتنّ الممرّضات النموذجيات ـ، وأسأل الله تعالى أن يُعِينكم ويوفّقكم لحفظ هذه القيمة السامية التي اخترتموها لعملكم، وأن يكتب لكنّ ذلك في سِجلّ أعمالكم بواسطة الكرام الكاتبين، فتؤجرون، وتكون لكم عقبى الخير إن شاء الله.
ويتفق في الجمهورية الإسلامية يوم الممرضة مع ذكرى ولادة زينب الكبرى (عليها السلام)، ولهذا معنىً عظيمٌ، فزينب الكبرى أحد نماذج التاريخ البارزة التي تُظهر عظمة حضور امرأة في إحدى أهم قضايا التاريخ. عندما يُقال إنّ الدم انتصر على السيف في عاشوراء وفي واقعة كربلاء وهو كذلك، فإن عامل هذا الانتصار هو زينب (عليها السلام)، وإلا فإنّ الدم في كربلاء قد انتهى. واقعة عسكرية تنتهي بهزيمة ظاهرية لقوى الحق في ميدان عاشوراء، أما ذلك الشيء الذي أدّى إلى تبديل هذه الهزيمة العسكرية الظاهرية إلى انتصار قطعيٍّ دائم فهو زينب الكبرى (عليها السلام) بمفردها، الدور الذي قامت به زينب (عليها السلام)، أمرٌ في غاية الأهمية. وقد دلّت هذه الواقعة على أن المرأة ليست موجودة على هامش التاريخ، بل هي في صلب الأحداث التاريخية الهامة.
القرآن أيضاً نطق بهذه المسألة في موارد متعددة، لكن هذا متعلق بالتاريخ القريب وليس مرتبطاً بالأمم الماضية، فحادثة حيّة ومحسوسة يشاهد فيها الإنسان زينب الكبرى(عليها السلام) تظهر بهذه العظمة المحيّرة
والساطعة في الميدان، تقوم بعملٍ يذلّ ويحقّر العدوّ الذي بحسب الظاهر قد انتصر في المعركة العسكرية واقتلع المعارضين وقمعهم وجلس على عرش النصر في مقرّ قدرته وفي قصر رئاسته، فتسِم جبينه بوصمة عارٍ أبدية وتبدّل انتصاره إلى هزيمة، هذا هو عمل زينب الكبرى. أظهرت زينب عليها السلام أنها يمكنها أن تبدّل الحجاب وعفاف المرأة إلى العزة الجهادية إلى جهاد كبير.
العوامل المؤثرة في تكوين شخصية الطفل
هناك ثلاث مسائل يمكن لها أن تلعب الدور الكبير في تكوين وتركيب شخصية الطفل، إلا أن تأثير هذه المسائل الثلاث، لا يعني أبداً أنه يخرج عن كونه مختاراً، فلو فرضنا أن ولداً تأثر بجو معين وانحرف عن جادة الصواب، فإن ذلك لا يعني أنه مجبر على سلوك درب الانحراف، بل إن الظروف المحيطة به ساعدته على الوقوع بسوء الاختيار والإنحراف.
ولأجل أهمية هذه الظروف الثلاثة، ينبغي لنا أن نلتفت إليها نحن الأهل، لأن الأهل بالدرجة الأولى هم مسؤولون عن مراقبة وصيانة الظروف المحيطة بأولادهم وعن تربيتهم والإشراف عليهم. وأما الظروف الثلاثة فهي:
1- الأبوان
إن الأبوين في عيني الولد هما الأنموذج الكامل، وأول قدوة يحاول أن يقلدها، ولذا فإن الطفل ينظر إلى أفعالهما نظرة على أنها الأعمال الصحيحة، فلا يعتبر أن ما يقومان به هو أمر خاطئ بل إن معيار الصواب لديه هو نفس عمل الأبوين، ولذا فإن الأهل تقع عليهم المسؤولية تجاه الولد من عدة جهات:
أ- اتفاقهما واختلافهما:
فإن الولد حينما يفتح بصره على الحياة في ظروف مليئة بالتشنج والتوتر بين أبويه، ولا سيما حينما يتعاركان أمام عينيه، هذا السلوك الخاطئ من الأهل، يجعل نفسية الولد مضطربة ومتوترة على الدوام.
ب- عدم التجاهر بالعادات القبيحة:
لأن الولد سيحمل معه هذه العادات لكونه يعتبرها من الكمالات لا من السيئات، ولو تعوّد على فعلها منذ الصغر اقتداءً بذويه فإنه وإن علم بقبحها في مرحلة وعيه، فإن من الصعب اقتلاعها حينئذٍ، ويتحمل الأهل مسؤولية ذلك، ولا سيما إذا كانت العادات هذه من المحرمات الشرعية بناء على قاعدة الحديث الشريف المروي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "... إياك أن تسنّ سنَّة بدعةٍ فإنّ العبد إذا سن سنَّةً سيئةً، لحقه وزره ووزر من عمل بها"([1]).
2- المدرسة
المدرسة هي البيئة الثانية التي يأخذ منها الطفل علومه الأولى، ولذا فإن اختيار الأهل للمدرسة الملائمة للطفل له الدور الكبير في الحفاظ على سلامته الدينية بحيث يتربى على المبادئ الصالحة التي يرغب الأبوان في أن يحملها ولدهما عند كبره، فإن المدرسة الجيدة التي تبني الأولاد على مبادئ الإسلام، هي الموضع الصالح الذي أشارت إليه الروايات؛ ففي وصية النبي لعلي عليه السلام قال: "يا علي حق الولد على والده أن يحسن اسمه وأدبه ويضعه موضعاً صالحاً"([2]).
3- الأصدقاء
على الأهل أن يلتفتوا جيداً إلى خطورة الأصدقاء، وإلى كيفية اختيار الطفل لهم، فإن الصديق يوثر على الصديق، ولذا أكدت الروايات على اتخاذ الصديق الحسن ففي الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "ليس شيء أدعى لخيرٍ، وأنجى من شرٍ، من صحبة الأخيار"([3]). كما أن الصديق السيئ يفسد الجيد كما تفسد الفاكهة الفاسدة الفاكهة الجيدة، ومن هنا كان التحذير في الروايات من صحبة الأشرار، ففي الحديث عن الإمام علي عليه السلام: "صحبةُ الأشرار تُكسِبُ الشرَّ، كالريح إذا مرَّتْ بالنَتن حملت نتنا"([4]).
([1]) ميزان الحكمة، الريشهري، ج1، ص236.
([2]) وسائل الشيعة الإسلامية، الحر العاملي، ج15، ص123.
([3]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص 1568.
([4]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص 1568.
كيف تحقق العدل بين أولادك؟
لقد أكدت الأحاديث الكثيرة عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليه السلام) على العدل بين الأولاد فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " اتقوا الله واعدلوا في أولادكم"([1]).
وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك"([2]).
ولكن كيف يكون العدل بين الأولاد؟
أشارت الروايات إلى العديد من الأمور منها:
أ- في الهدايا:
فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:"اعدلوا بين أولادكم في النِحَل"([3])، والمقصود بالنِحَل العطايا والهبات، فليس من المناسب أن يعطي الإنسان ولداً هدية من دون أن يهدي ولده الآخر أيضا، فإن هذا يشعر الولد الآخر بقلة الاهتمام به، وأنه شخص غير محبوب في العائلة، وأن أخاه أفضل منه، وغير ذلك من المشاعر التي تولد الغيرة والحسد، أو الشعور بالمظلومية.
ب- في التقبيل:
فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله تعالى يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القبل"([4]) فالقبلة، وإن كانت تصرفاً صغيراً، إلا أنها تحمل مداليل عاطفية كبيرة، ومن هنا ورد في الحديث أنه "نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل له ابنان فقبل أحدهما وترك الآخر، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فهلا واسيت بينهما"([5])، وهذا يظهر مدى حرص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على مشاعر الأطفال.
ج- عدم التمييز بين الجنسين:
إن بعض المجتمعات تميز الذكر عن الأنثى فتعطيه الامتيازات، وتحرم الأنثى في المقابل، وقد حارب الإسلام هذا النوع من التربية، وأمر بالاهتمام بالإناث، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم "من كان له أنثى فلم يبدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله الجنة"([6]).
كما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "نعم الولد البنات المخدرات([7])، من كانت عنده واحدة جعلها الله سترا له من النار"([8]).
هـ- عدم الخلف بالوعد لهم
إن الوفاء بالوعد من الأمور التي أكد عليها الشرع المقدس على كل حال، وفي خصوص الولد هناك تأكيد خاص أيضاً بعدم الخلف بالوعود التي تعطى له، فروح الولد في أوَّل عمره حساسة للغاية، وقد أكدت الروايات على ترك الخلف بما وعد به الأهلُ أطفالهم، فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "... وارحموهم وإذا وعدتموهم شيئا ففوا لهم فإنهم لا يدرون إلا أنكم ترزقونهم"([9]).
([1]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص 3673.
([2]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص 3673.
([3]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص 3673.
([4]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص 3673.
([5]) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج3، ص 483.
([6]) مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج15، ص 118.
([7]) المخدرات: من الخدر، والخدر هو الستر.
([8]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص 3672.
([9]) الكافي، الشيخ الكليني، ج6، ص49.
ما هي أساليب التربية العقائدية للطفل؟
في الجواب عن هذا السؤال، يمكن طرح أساليب عدّة لاستفادة المربّي منها في التربية العقائدية للطفل، وهي على النحو التالي:
أولاً: أسلوب التلقين اللفظيّ
وعمدة هذا الأسلوب: تعويد الطفل على تكرار بعض الجمل والمقولات على المستوى اللفظيّ حتّى لو لم يفهم معانيها، مثل تكرار قول: لا إله إلّا الله، أو محمّد رسول الله...، فإنّ نفس هذا التكرار له دوره وتأثيره الخاصّ في تفتّح الحسّ الإيمانيّ بالله تعالى.
ويجب على المربّي اعتماد هذا الأسلوب في الطفولة المبكرة (3 سنوات)، وهو أسلوب اعتمدته روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فقد روى عبد الله بن فضالة، عن أبي عبد الله وأبي جعفر (عليهما السلام)، قال: سمعته يقول: "إذا بلغ الغلام ثلاث سنين، يقال له: قل: لا إله إلا الله سبع مرات..."[1].
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: "افتحوا على صبيانكم أوّل كلمة لا إله إلا الله"[2].
ثانياً: أسلوب معرفة قانون السببية
إنّ تربية العقل على التفكير بالأمور والربط بين الأشياء والتعرّف على أسبابها يلعب دوراً في تنمية الإحساس بالله تعالى.
والطفل يلتفت إلى الأصوات ويربطها بأسبابها، وهذا إنّ دلّ على شيء فإنّه يدّل على أنّ قانون السببية أمر فطريّ عنده، وعلى المربّي أن يعمل على تنمية هذا الشعور في نفس الطفل وتحويله شيئاً فشيئاً إلى شعور واعٍ.
في البداية على المربّي أن يُنمِّي لدى الطفل حسّ المعرفة والاكتشاف، ويجعله يدرك أنّ وراء كل ظاهرة يوجد سبب مؤثر في وجودها، فصوت النباح سببه الكلب،... إلخ، ثمّ يتدرّج معه في عملية الربط بين الأشياء لينتقل إلى عملية الربط بين خصوصيات الأشياء وأسبابها، بمعنى إذا رأى لوحة جميلة يدرك أنّ الرسّام ماهر، بعكس لو كانت غير جميلة فيدرك عندها عدم مهارة الرسّام، فيسعى إلى تنمية هذا الحسّ للطفل مع كل مرحلة عمرية، وبشكل تدريجيّ ستنمو معه هذه الحالة ويتعرّف لاحقاً أنّ لكلّ ظاهرة في الحياة إلهاً وخالقاً وهو سبب الأسباب كلّها، وهذا ما نلمسه في منهج أهل البيت عليهم السلام، فعندما سئل أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) عن إثبات الصانع، أجاب: "البعرة تدلّ على البعير، والروثة تدلّ على الحمير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، فهيكل علويّ بهذه اللطافة، ومركز سفليّ بهذه الكثافة، كيف لا يدلّان على اللطيف الخبير"[3].
ثالثاً: أسلوب تنمية النزعة الحسيّة التجريبية
إنّ الإنسان بشكل عام كائن حسيّ أكثر من كونه عقلياً، فكيف بالطفل الذي يكون عنصر الإحساس عنده بارزاً وحاضراً بشكل قويّ؟ فالحسّ أقدر على تربية الإنسان من النظر العقليّ المجرّد، ويحتلّ من جوانب وجوده وشخصيّته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر ممّا يحتلّ العقل[4].
ويأتي دور المربّي في العمل على تنمية هذه النزعة الحسية عند الطفل، والأخذ بيده لكي يتعرّف على الكائنات المحيطة به وربطها ببعضها البعض.. ثم التدّرج ومساعدته على التفكّر في عجائب المخلوقات ودقائق صنعها، وقد اعتمد القرآن الكريم والنبيّ وأهل البيت على هذا المنهج الذي يفيد بأنّ الملاحظة الحسية والمشاهدة ومن ثمّ التأمّل والتدبّر والنظر في عجائب صنع الله تعالى، كالتأمّل في اختلاف الليل والنهار والنجوم وإحياء النبات... يثمر في معرفة الله تعالى وصفاته والارتباط به. ويعبّر عن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له، حيث يقول: "كفى بإتقان الصنع لها (أي للأشياء والمخلوقات) آية"[5].
وقد دعانا الله تعالى إلى التفكّر بالآيات الآفاقية والأنفسية يقول تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[6].
وطريق معرفة الطفل بنفسه أيضاً من أهمّ الطرق في التربية العقائدية. ولا ينبغي للمربّي أن يغفل عن ذلك. وقد استخدم أهل البيت هذه المنهج في التعليم والتربية العقائدية، وكذلك تلامذة مدرستهم، فعن هشام بن الحكم قال: "إِن سَأَلَ سائِلٌ فَقالَ: بِمَ عَرَفتَ رَبَّكَ؟ قُلتَ: عَرَفتُ اللهَ - جَلَّ جَلالُهُ - بِنَفسي، لأَنَّها أَقرَبُ الأَشياءِ إِلَيَّ..... قالَ اللهُ عزّ وجلّ: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾[7]"[8].
فتنمية الحسّ التجريبيّ لدى الطفل في تعريفه على نظم الأشياء ودقائقها و... يعزّز في نفسه الإيمان بالله تعالى، وليس كما يظنه بعض الناس من أن تعزيز هذا الاتجاه يؤدّي إلى تغذية نزعة الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى.
رابعاً: أسلوب التمرين على العبادات
من أساليب تربية الطفل على الارتباط بالله تعالى وتنمية حسّ الإيمان الدينيّ لديه جعلُه في سنّ التمييز (7 سنوات) وما بعدها يقوم بالأفعال العبادية كالصلاة والصوم والصدقة وغيرها... و"قد لا يفهم الطفل العبارات التي يؤدّيها في أثناء الصلاة، ولكنّه يفهم معنى التوجّه نحو الله، ومناجاته..."[9]. فالصلاة والصوم وغيرهما من ألوان العبادات تجعل الطفل يعيش حالة الخضوع لعظمة الله تعالى.
خامساً: أسلوب التربية على حبّ النبيّ وأهل البيت (عليهم السلام)
عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيّكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن..."[10].
ومن أنفع أساليب هذا النوع من التربية العقائدية للطفل قراءة قصصهم وسيرتهم عليهم السلام المناسبة للأطفال، كتحبيب النبيّ إلى قلب الطفل بإبراز كيفية تعامله العطوف الرؤوف الودود الرحيم مع ابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام)... إلخ.
سادساً: أسلوب التربية على الإيمان بالمعاد
يكثر أن يسأل الطفل في المرحلة الثانية من طفولته أي منذ سن السادسة وما فوق عن الموت، وخاصّة إذا فَقَدَ أحداً من أقاربه فيسأل أين هو؟ وهل سيعود؟ وكيف نراه؟ ومن المهمّ أن نقدّم للطفل فكرة الموت بنحو يرتبط باستمرار مسيرة الحياة، ونصوّر له الأمر بأنّ الميّت يعيش في حياة ثانية وأّنّه يرانا ويسمعنا إذا دعونا له.. إلخ.
ويمكن الاستعانة على تفهيم الطفل فكرة الموت من خلال الأسلوب الحسيّ، فقد تناول القرآن الكريم هذا الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾[11], وغيرها من الآيات الكثيرة.
ومن المهمّ أيضاً تقديم يوم المعاد من خلال تصويره أنّه يوم حصاد للنتائج إمّا رسوب أو نجاح. ولكن ينبغي الالتفات إلى عدم تحويل الأمر إلى أسلوب تهديديّ للطفل بالعقاب الأخرويّ كأن تقول عبارة: "إذا فعلت كذا الله يخنقك"، "الله سوف يحرقك بالنار"... إلخ من العبارات، وهو كذب غير جائز حتّى في حقّ الطفل[12]، فإذا كان الله تعالى لم يوجّه إلى الطفل خطاب العقاب الأخرويّ فكيف للمربّي فعل ذلك؟.
[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص281، ح863.
[2] المبارك فوري، محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1410ه-1990م، ط1، ج4، ص46.
[3] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج3، ص55.
[4] السيد الصدر، موجز في أصول الدين، ص224-225. ويراجع: ص224-240، فإنه بحث لطيف حول الموضوع.
[5] الشيخ الصدوق، التوحيد، ص71.
[6] القرآن الكريم،سورة فصلت، الآية 53.
[7] القرآن الكريم،سورة الذاريات، الآية 21.
[8] الشيخ الصدوق، التوحيد، ص289.
[9] فلسفي، محمد تقي، الطفل بين الوراثة والتربية، ج2، ص150.
[10] السيوطي، الجامع الصغير، ج1، ص51.
[11] القرآن الكريم،سورة فاطر، الآية 9.
[12] السيد الخوئي، والشيخ التبريزي، صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات، ج3، ص298، س920.




























