emamian

emamian

ملايين الإيرانيين في مسيرات حاشدة في جميع أنحاء البلاد، إحياءً للذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، وذلك عبر مسارات محددة. ووفقًا لمجلس تنسيق الدعاية الإسلامية في طهران، سيتجمع المشاركون على الطرق المؤدية إلى ميدان آزادي بدءًا من الساعة 9:30 صباحًا، لتكريم هذا اليوم الوطني مجددًا.

وفي احتفالات هذا العام، ستُقام المسيرات في أكثر من 1400 موقع في جميع أنحاء البلاد، ووفقًا للإحصاءات الرسمية، سيغطي نحو 7200 صحفي محلي ونحو 200 صحفي أجنبي الفعاليات لإطلاع العالم على الحضور الجماهيري والبرامج.

وفي الأيام الأخيرة، أصدرت جهات ومنظمات مختلفة رسائل تدعو فيها الناس للمشاركة بأعداد غفيرة. بما في ذلك قائد الثورة الاسلامية الذي وصف في رسالته قبل بدء المراسم الحضور الكبير بأنه رمز للوحدة الوطنية ومصدر يأس للأعداء، كما اعتبر الرئيس هذا الحضور استجابةً للضغوط الخارجية.

لا تقتصر فعاليات الاحتفال بذكرى عشرة الفجر ١٤٠٤ على المسيرات؛ ففي الليلة الماضية، في محافظة طهران، ومع إضاءة الأنوار ودعوة التكبير، سادت أجواء من الاستعداد والحماس الثوري في المدن؛ وهو حدثٌ دأبت عليه فعاليات هذه المناسبة الوطنية لسنوات.

تشمل مسارات المسيرات في العاصمة عدة محاور من مساجد مختلفة إلى ميدان آزادي، حيث تتجه الحشود المشاركة من مختلف أنحاء المدينة إلى نقطة التجمع المركزية؛ من مسجد الإمام الحسين (عليه السلام) ومسجد أبو ذر إلى مسجد الإمام السجاد (عليه السلام) ومسجد نظام مافي.

وتترافق هذه المسيرات، في ظل الظروف الراهنة، مع العديد من الرسائل السياسية والثقافية التي تُمثل جهدًا لتعزيز التضامن الوطني وإظهار حضور الشعب في الساحات الاجتماعية والسياسية.

شعار مقارعة الاستكبار في كلام قائد الثورة الإمام الخامنئي (دام ظله)

الكلام في هذه المقالة هو عن مقارعة العدو المتربص بنا الدوائر، ونستقيه من منبع الولاية ومَعين ولي أمر المسلمين الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله).
 
 شعار مقارعة الاستكبار
قد يسأل البعض لمَ الشعار؟ وما الهدف من الشعارات التي ترفع في وجه الاستكبار، كشعار "الموت لأمريكا" أو "الموت لإسرائيل"؟ فهل أن هذه الشعارات ستحل المشكلة وستنهي أطماعهم التاريخية في بلادنا وثرواتنا، وهل من الممكن أن تكون السد المنيع في مقابل سيل الغزو المتعدد الوجوه؟ هذا السؤال يجيبنا عليه سماحة الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) حيث يقول: "للشعارات التي ترفع في أي بلد وفي أي نظام، أهمية فائقة، والتعامل مع الشعارات المختلفة في أي بلد يحظى بحساسية ورونق خاص. وإذا كان ذلك الشعب أو المسؤولون لا يتقنون كيفية التعامل مع الشعارات، فإنّهم سيتعرضون لأضرار جسيمة.
 
وبطبيعة الحال يتناهى إلى الأسماع أحياناً ما يردِّده البعض: أنّ اليوم ليس يوم شعارات وإنّما يوم عمل . وهذا الكلام غير صحيح، وإن كان بعض من يتلفظ به تحدوه نيّة مخلصة، ومراده أنّ البلد لا يمكن إدارته بالشعارات وحدها، وهو كلام صحيح، إذ إطلاق الشعارات لا يُصلح شأن البلد، بل ولا يصلح حتّى شأن قرية ولا يديرها ولا يبنيها، فلابدّ إلى جانب الشعار من العمل، إلاّ أنّ البعض يفسّر هذا الكلام ­ عن سذاجة ­ بشكل آخر، أو ربما فسّره البعض الآخر عن غرض، وكأنّهم يريدون الإيحاء إلى الشعب بوجوب التخلّي عن الشعارات. وهذا خطأ، فالشعار كالراية، مرشد ودليل، والعمل بلا شعار كالشعار بلا عمل.

ولأجل أن يعرف شعب مَساره، وما ينبغي له فعله، فلابدّ له من الحفاظ على شعاراته بصراحة ووضوح. وإذا فقدت الشعارات، يصبح الحال كحال جماعة من الناس تسير في الصحراء من غير دلالة. الخاصية المميّزة للشعار أنّه لا يدع شعباً أو بلداً يسير في الطريق المنحرف. إذن فليكن هذا شعاراً أيضاً: الشعار والعمل، الشعار إلى جانب العمل، والعمل في ظل الشعار "[1].

مقارعة الاستكبار أمر طبيعي
يظن بعض البسطاء من الناس أن الشعوب الإسلامية تختلق العداء مع الدول الاستكبارية كأمريكا وغيرها، وهذا التفكير ساذج للغاية فمن الواضح أن العداء مع دول الاستكبار إنما نشأ من معاداتهم لنا ومحاولتهم ضرب كل ما يمت إلى ثقافتنا ومحاولاتهم الدؤوبة للسطو على ثرواتنا الاقتصادية، يقول الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) لهؤلاء البسطاء: "... يقوم بعض البسطاء بالتفوّه ببعض الكلمات أو كتابة بعض الأشياء، أنْ لماذا أنتم هكذا مع أمريكا والى متى وكيف و….؟ إن هؤلاء لا يدركون ما يحدث في العالم، وما يتوقع هذا العدو المتغطرس الجاهل اللامنطقي الذي يطمع بأكثر من حقّه، ويتصورون أن مشاكلنا ستنتهي فور بدء المفاوضات مع أمريكا . كلا، إن القضية ليست هكذا، أجل إن القادة الأمريكان يصرّحون رسمياً ويعلنون استعدادهم للتفاوض مع إيران، لماذا التفاوض؟ معلوم أنهم يريدون بالمفاوضات العثور على منفذ لممارسة الضغط على النظام الإسلامي، إنهم يريدون المفاوضات لهذا الأمر، انه ليس لنا معكم شيء ولا حاجة لنا بكم. ولا نخشاكم، ولا نودكم إطلاقاً.

فإنكم الذين أسقطتم طائرتنا المدنية في وضح النهار وأمام أنظار العالم بذريعة كاذبة وواهية، وقتلتم العشرات من الأبرياء ولم تكلّفوا أنفسكم بالاعتذار أبداً .

فأي نظام هو هذا النظام؟ وأية ثقافة هذه؟ وكيف يمكن لإنسان أن يودّ مثل هذا النظام؟ لذا لا توجد أدنى علاقة محبة ومودّة وصداقة بيننا وبين الأمريكان، بل هي علاقة كراهية واشمئزاز من جانبنا وعلاقة عداء وخبث من جانبهم!!"[2].
 
  كيف نقارع الاستكبار؟
النقطة الأساسية تكمن في معرفة الأمور التي نقارع بها هذا الاستكبار، وسنشير فيما يلي إلى العديد منها، والتي أشار إليها سماحة الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) من خلال توجيهاته المستمرة لأبناء الأمة الإسلامية.
 
أ ـ الوحدة والتماسك:
فمن الطبيعي أن منعة القلعة من الداخل تمنع دخول المتسللين إليها، يقول (دام ظله): "حافظوا على وحدة الصف وأحيوا ذكرى الإمام والسابقين الأوائل من رجال الثورة، وكذا ذكرى الشهداء العظام، والذكريات الحماسية للثورة والحرب المفروضة في محيط الحوزات والجامعات وفي ساحات العمل والحياة العامة، فإن أصبح هكذا، فسيتّم بفضل الله في العقود المقبلة بناء صرح حضارة رفيعة في إيران وفي أماكن كثيرة أخرى، وستكون للإسلام والمسلمين عظمة ومكانة وقوة لا تبقى أمامها حقيقة وواقع للاستكبار بل لا يبقى للاستعمار وجود "[3].
 
ب ـ التحلي بالشجاعة:
فلو شعرنا بالهزيمة قبل أن تقوم المعركة، أو اعترانا الخجل في رفض الطلبات التي يطلبها الاستكبار فسنكون حينئذٍ مجرد أدوات تخدم مصالحه، وسيذكرنا التاريخ عند ذلك باللعنات، وهنا تبرز أهمية الشجاعة في قول كلمة لا بأعلى أصواتنا ليفهم العدو أننا من النوع الذي لا تغريه العروض ولا يُستدرج بأنصاف الحلول. يقول (دام ظله): "إن الأعداء ليضغطون، وهنالك مصاعب يتحتم تحملها من أجل الاستقلال والمحافظة على الهوية الوطنية وتفادي الخجل أمام التاريخ، تصوروا لو أن الشاه سلطان حسين الصفوي قد فكر مع نفسه قبل أن يفتح أبواب أصفهان أمام الغزاة ويضع تاج الملوكية على رؤوسهم بعد دخولهم لها، وقال: لو فكرت بنفسي بأنني لا أملك سوى روح واحدة وقد عشت هذا العمر بأكمله فكم سأعمر يا ترى؟ ولو أنني فكرت بالناس فإن البلاء الذي سيحل بهم في حالة تسليمي أصفهان للغزاة لا يقل عن البلاء الناجم عن مقابلة الغزاة، لم يكن ليسلم المدينة أبداً . طالعوا تاريخ أصفهان وانظروا أي بلاء أنزله الغزاة بعد دخولهم أصفهان وكاشان والمناطق الوسطى من إيران وفارس وغيرها من المناطق، وأي مذابح اقترفوها بحق الناس بعد الاستسلام؟ فلم يقل الغزاة: بما أنكم قد استسلمتم فإن جزاءكم أن تعيشوا جميعاً آمنين، وهكذا اليوم، فانظروا ماذا يفعلون بالشعب العراقي، إذ إن هذا هو فعلهم أينما فرضوا سيطرتهم .
 
لو كان الشاه سلطان حسين قد فكر هكذا: بأن النفس لا قيمة لها، وأن المرء ليفتدي حاكمية الإسلام ورضا الله ورفعة الشعب بألف من الأنفس، وأن البلاء الذي مقدر له أن يحل بالناس نتيجة الاستسلام لهو أشد وطأة، ومقروناً بالذلة، أما البلاء الذي يحل نتيجة المقاومة فهو خالٍ من الذلة على أقل تقدير، لاقتحم ساحة الحرب وقاتل.

إنني وبسبب ما يمتلكه الشعب من عزيمة للصمود أحتمل وبشدة عدم سقوط أصفهان على أيدي الغزاة، وإن كان هنالك الكثير من القادة والمسؤولين الخونة الضعفاء غير أن أفراد الشعب كانوا مستعدين، وكان عليه الانضمام إلى أوساط الناس وأن يقاتل . هذه هي قضية التاريخ وهذه هي المسؤولية التي تقع على عاتق المسؤولين في الحكومة والدولة سواء منها السلطة التشريعية أو القضائية أو التنفيذية، فالجميع جزء من هذه المنظومة .
 
إن مسؤوليتنا ـ أنا وأنتم ـ اليوم في غاية الخطورة، فيجب شق الطريق بعقل وتدبر إلى جانب التوكل على الله والتحلي بالشجاعة وليس الجبن، وأول المهام هو التماسك الداخلي، فلا تَدَعوا هذه الجدالات والسجالات تتحول إلى مواجهة ونزاع وخصام وهذه وصيتي الوحيدة لكم "[4].
 
ج ـ اليقظة والحذر:
وهذا ما يفوِّت على العدو أن يصل إلى أهدافه على حين غرة منا. ومن توجيهات الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) في هذا الإطار قوله: "إن اليقظة والحذر هما من أهم العوامل التي تؤدّي إلى إحباط مخططات الأعداء وفشلها .
 
يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ" ويعني: لابد لنا من الحذر واليقظة في مقابل المؤامرات التي يحيكها العدو الغادر والحاقد "[5].
 
د ـ الحفاظ على الالتزام الديني:
يقول الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) بعبارة مختصرة ولكنها تتضمن البعد المعنوي الكبير: "إننا إذا سرنا في صراط الله المستقيم والتزمنا طريق التقوى فإن الإمدادات الغيبية الإلهية سوف تتوالى بالنزول علينا لحظةً بعد أخرى، لأن الله سبحانه وتعالى يحب عباده الصالحين والمتقين ويعينهم على قضاء أمورهم "[6].
 


 [1] - المناسبة: (13 آبان) اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، الزمان والمكان:17 جمادى الثانية 1417هـ ـ طهران .
[2] - المناسبة: اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، الزمان والمكان:27 جمادى الأولى 1415هـ ـ طهران .
[3] - المناسبة: اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، الزمان والمكان: 27 جمادى الأولى 1415هـ ـ طهران .
[4] - المناسبة: لقاء قائد الثورة الإسلامية مع أعضاء مجلس الشورى الإسلامي، الزمان والمكان: 26 ربيع الأول 1424هـ ـ طهران .
[5] - المناسبة: الاحتفال بيوم الجيش، الزمان والمكان:2 ذي القعدة 1414هـ ـ طهران .
[6] - المناسبة: الاحتفال بيوم الجيش،الزمان والمكان: 2 ذي القعدة 1414هـ ـ طهران .

الثلاثاء, 10 شباط/فبراير 2026 04:35

العدلُ المنشودُ

العدلُ المنشودُ

عنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «إِذَا قَامَ الْقَائِمُ (عجّل الله تعالى فرجه) حَكَمَ بِالْعَدْلِ، وَارْتَفَعَ فِي أَيَّامِهِ الْجَوْرُ، وَأَمِنَتْ بِهِ السُّبُلُ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ بَرَكَاتِهَا، وَرَدَّ كُلَّ حَقٍّ إِلَى أَهْلِهِ»[1].

لقد عدَّ القرآنُ الكريمُ القيامَ بالقسطِ والعدلِ أحدَ الأهدافِ الأصليّةِ لبعثةِ الأنبياءِ (عليهم السلام)، قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[2]، وهذا الأمرُ من أهمِّ مميّزاتِ دولةِ الإمامِ المهديِّ (عجّل الله تعالى فرجه) العالميّةِ. وقد أكّدتِ العديدُ منَ الرواياتِ ذلكَ، وهيَ مئةٌ وثلاثونَ روايةً تقريباً؛ فعنِ الإمامِ الكاظمِ (عليه السلام) في تفسيرِ الآيةِ الكريمةِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾[3]، قالَ: «لَيْسَ يُحْيِيهَا بِالْقَطْرِ، وَلَكِنْ يَبْعَثُ اللَّهُ رِجَالاً فَيُحْيُونَ الْعَدْلَ، فَتُحْيَا الْأَرْضُ لِإِحْيَاءِ الْعَدْلِ»[4].

ومن تلكَ الرواياتِ التي أكّدتِ انتشارَ مظاهرِ العدلِ، أنَّ الإمامَ المهديَّ (عجّل الله تعالى فرجه) هوَ الحيلولةُ بينَ الناسِ وبينَ ممارسةِ التعدّي على عبادِ اللهِ عزَّ وجلَّ أو على حقوقِهِم، وسيقضي على الظاهرةِ التي كانَت تهيمنُ على الناسِ قبلَ ظهورِه، رُويَ عنِ الإمامِ الرضا (عليه السلام) أنَّهُ قالَ: «وَوَضَعَ مِيزَانَ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ أَحَداً»[5].

هذا العدلُ سوفَ يكونُ شاملاً، يجري ويُنفَّذُ في حقِّ الناسِ جميعِهِم، فقد رُويَ عن أبي جعفرٍ الباقر (عليه السلام) أنَّهُ قالَ: «وَيَعْدِلُ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ، الْبَرِّ مِنْهُمْ وَالْفَاجِرِ»[6]، بل إنَّ سعةَ انتشارِهِ كما يصفُها (عليه السلام): «… حتّى لا يُرى أثرٌ منَ الظلمِ»[7].

ومن أهمِّ مصاديقِ عدالةِ دولةِ الإمامِ المهديِّ (عجّل الله تعالى فرجه) العدلُ في الحياةِ الاقتصاديّةِ والماليّةِ؛ فالثروةُ تُقسَّمُ بصورةٍ عادلةٍ ومتساويةٍ بينَ الناسِ، وكلُّ فردٍ يتناولُ من نصيبِهِ المحدَّدِ لهُ ويتصرّفُ به، ففي روايةٍ عن أبي سعيدٍ الخدريّ، عنِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)، قالَ: «أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ، يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ وَزَلَازِلَ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، يَرْضَى بِهِ سَاكِنُ السَّمَاءِ، يَقْسِمُ الْمَالَ صِحَاحاً»، قُلْنا: وما الصحاحُ؟ قالَ: «بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ. فَيَمْلَأُ اللَّهُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ غِنًى، وَيَسَعُهُمْ عَدْلُهُ، حَتَّى يَأْمُرَ مُنَادِياً فَيُنَادِي: مَنْ لَهُ فِي مَالٍ حَاجَةٌ؟»، قالَ: «فَلَا يَقُومُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رَجُلٌ، فَيَقُولُ: أَنَا، فَيَقُولُ لَهُ: ائْتِ السادِنَ -يَعْنِي الْخَازِنَ- فَقُلْ لَهُ: إِنَّ الْمَهْدِيَّ يَأْمُرُكَ أَنْ تُعْطِيَنِي مَالاً، فَيَقُولُ لَهُ: احْثُ -يَعْنِي خُذْ- حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ، وَأبَرْزَهُ، نَدِمَ، فَيَقُولُ: كُنْتُ أَجْشَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ نَفْساً، أَوَعَجِزَ عَنِّي ما وَسِعَهُمْ؟»، قالَ: «فَيَرُدُّهُ، فَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّا لَا نَأْخُذُ شَيْئاً أَعْطَيْنَاهُ»، قالَ: «فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانيَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ»، أَوْ قَالَ: «ثُمَّ لَا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ بَعْدَهُ»[8]، وعنِ الإمامِ الباقرِ (عليه السلام): «… إِذَا قَامَ قَائِمُنَا، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَعْدِلُ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ، الْبَرِّ مِنْهُمْ وَالْفَاجِرِ... وَتُجْمَعُ إِلَيْهِ أَمْوَالُ الدُّنْيَا كُلُّهَا، مَا فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَهْرِهَا، فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: تَعَالَوْا إِلَى مَا قَطَعْتُمْ فِيهِ الْأَرْحَامَ، وَسَفَكْتُمْ فِيهِ الدِّمَاءَ، وَرَكِبْتُمْ فِيهِ مَحَارِمَ اللَّهِ، فَيُعْطَى شَيْئاً لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ»[9].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] النيسابوريّ، روضة الواعظين وبصيرة المتّعظين، ج2، ص265.
[2] سورة الحديد، الآية 25.
[3] سورة الحديد، الآية 17.
[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج7، ص174.
[5] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص372.
[6] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص161.
[7] السيّد عليّ الحسينيّ الأسترآباديّ، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، ج1، ص344.
[8] السيّد ابن طاووس، التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (الملاحم والفتن)، ص323.
[9] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص161.

الثلاثاء, 10 شباط/فبراير 2026 04:34

دَوْلَةُ الخَيْرِ العَمِيمِ

دَوْلَةُ الخَيْرِ العَمِيمِ

قالَ تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾[1].

تُنبِئُ هذهِ الآيةُ الكريمةُ عن إحدى السُّنَنِ الإلهيّةِ، وهيَ أنَّ السَّيرَ على هَدْيِ الصِّراطِ المستقيمِ، بالالتزامِ بما أمرَ اللهُ به، والاجتنابِ عمّا نهى عنه، يُوصِلُ الإنسانَ إلى الخيرِ العميمِ.

ومن خصائصِ الدَّولةِ المهدويّةِ أنَّ الأرضَ ستُعْمَرُ كلُّها، وستُخْرِجُ كنوزَها ومعادنَها وثرواتِها وزخرفَها، وتفتحُ السَّماءُ أبوابَها، وتفيضُ أمطارُها على الأرضِ، فتكثرُ النِّعَمُ والأرزاقُ، ولا تخلو بقعةٌ منَ الأرضِ ليسَ فيها زرعٌ وعِمرانٌ.

وهذا منَ التَّأييدِ الإلهيِّ للإمامِ المهديِّ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريفَ) ودولتِهِ المباركةِ، فقد رُويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «وتُخْرِجُ له الأرضُ أفلاذَ كَبِدِها»[2]؛ أي ما فيها من كنوزٍ ومعادنَ.

ورُويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «يُرْسِلُ السَّماءَ عليهِم مدراراً، ولا تحبسُ الأرضُ شيئاً من نباتِها، ويكونُ المالُ كَدُوساً، يأتيهِ الرَّجلُ فيسألُهُ، فيحثي لهُ في ثوبِهِ ما استطاعَ أن يحملَهُ»[3].

ثمّ تُخْرِجُ لهُ طيِّباتِها، ولا تبخلُ في دولتِهِ بشيءٍ، رُويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «وتزيدُ المياهُ في دولتِهِ، وتَمُدُّ الأنهارُ، وتُضَعِّفُ الأرضُ أُكُلَها، وتُستخرَجُ الكنوزُ كلُّها»[4].

فإذا ما قارَنّا بينَ ما نحنُ فيهِ الآنَ وما عليهِ عصرُ الإمامِ المهديِّ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريفَ)، نُدركُ عظمةَ ما سيحدثُ في عصرِهِ من إعمارٍ للبلادِ، وما سيعمُّها من نِعَمٍ ورزقٍ، حيثُ ستتضافرُ العواملُ والظروفُ جميعُها: الأرضُ، والسَّماءُ، وكلُّ ما على الأرضِ؛ لإعمارِ الكرةِ الأرضيّةِ، حتّى لا تبقى بقعةٌ منها بلا زرعٍ ولا حاصلٍ، فقد وردَ في الأثرِ: «فلا يبقى في الأرضِ خرابٌ إلّا عُمِّر»[5].

سيكونُ النّاسُ في دولةِ الإمامِ المهديِّ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريفَ) متنعِّمينَ في حياتِهِم الاقتصاديّةِ وفي رفاهيّةٍ، فلا أثرَ للبؤسِ والحرمانِ أوِ الجوعِ، ولا يستغلُّ النّاسُ بعضُهم بعضاً في سبيلِ كسبِ الأموالِ، وقد وردَت رواياتٌ كثيرةٌ في هذا الشأنِ، نذكرُ منها ما رُويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «تنعَمُ أمَّتي في زمانِهِ نعيماً لم يَنعَموا مثلَهُ قطُّ، البَرُّ والفاجرُ»[6]، وعنهُ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ) أيضاً: «ويجعلُ اللهُ الغنى في قلوبِ هذهِ الأمّةِ»[7].

فهم لا يستشعرونَ الحاجةَ، بل يعيشونَ جميعاً في غِنىً وسَعةٍ، عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «تَنعمُ أمَّتي في زمنِ المهديِّ نعمةً لم يَنعموا مثلَها قطُّ؛ يُرسِلُ السَّماءَ عليهم مدراراً، ولا تَدَعُ الأرضُ شيئاً من نباتِها إلّا أخرجَتْهُ، والمالُ يومَئذٍ كَدُوسٌ. يقومُ الرَّجلُ فيقولُ: يا مهديُّ، أعطِني، فيقولُ: خُذْ»[8].

وهذا الخيرُ مرتبطٌ بالسُّنَّةِ الإلهيّةِ الواردةِ في الآيةِ المباركةِ، وهيَ الاستقامةُ؛ فلأنَّها دولةُ العدلِ والصِّراطِ المستقيمِ، ستكونُ دولةَ الخيرِ العميمِ، وفي الروايةِ عن أبي بصيرٍ، قالَ: قالَ أبو عبدِ اللهِ [الإمامُ الصادقُ] (عليهِ السَّلامُ) في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[9]: «واللهِ، ما نزلَ تأويلُها بعدُ، ولا ينزلُ تأويلُها حتَّى يخرجَ القائمُ (عليه السلام)»[10].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] سورة الجنّ، الآية 17.
[2] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص513.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج36، ص369.
[4] المقدسيّ، عقد الدرر في أخبار المنتظر، ص84.
[5] الشيخ الطبرسيّ، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج2، ص292.
[6] الفتّال النيسابوريّ، روضة الواعظين، ص485.
[7] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج51، ص84.
[8] المقدسيّ، عقد الدرر في أخبار المنتظر، ص169.
[9] سورة التوبة، الآية 33.
[10] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص670.

الثلاثاء, 10 شباط/فبراير 2026 04:34

خيراتُ المساجدِ

خيراتُ المساجدِ

عن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) أنَّهُ قالَ: «مَنِ اخْتَلَفَ إِلَى الْمَسَاجِدِ أَصَابَ إِحْدَى الثَّمَانِ: أَخاً مُسْتَفَاداً فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ عِلْماً مُسْتَطْرَفاً، أَوْ آيَةً مُحْكَمَةً، أَوْ رَحْمَةً مُنْتَظَرَةً، أَوْ كَلِمَةً تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، أَوْ يَسْمَعُ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلَى هُدًى، أَوْ يَتْرُكُ ذَنْباً خَشْيَةً أَوْ حَيَاءً»[1].

ما جعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ من حكمٍ في أحكامِ شريعةِ سيّدِ المرسلينَ محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) إلّا لمصلحةٍ تعودُ إلى العبادِ، فهوَ اللهُ الغنيُّ عنِ العالمينَ، وهذا النفعُ يرتبطُ بخيرِ الدنيا والآخرةِ. وتشريعُ المساجدِ لإقامةِ الصلاةِ فيها، والحثُّ على التردُّدِ إليها، هوَ من أبوابِ الخيرِ والنفعِ الكثيرِ الذي أرادهُ اللهُ عزَّ وجلَّ لعبادِهِ.

إنَّها بيوتُ اللهِ في أرضِهِ، وهذا أوّلُ ما ينبغي أن يلتفتَ إليهِ مَن يرتادُ المساجدَ، فهوَ يذهبُ إلى بيتٍ يتعلَّقُ باللهِ، فعن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ: أَنَّ بُيُوتِي فِي الْأَرْضِ الْمَسَاجِدُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي. أَلَا إِنَّ عَلَى الْمَزُورِ كَرَامَةَ الزَّائِرِ، أَلَا بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلُمَاتِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ السَّاطِعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[2]. والنورُ المرافقُ لهذا العبدِ يومَ القيامةِ هوَ ثمرةُ ما يستفيدُهُ في المسجدِ منَ الأمورِ الثمانيةِ الواردةِ في حديثِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام).

ومن أهمِّها تركُ الذنبِ خشيةً أو حياءً، ويجمعُهُما المرويُّ عنِ الإمامِ زينِ العابدينَ (عليه السلام): «خَفِ اللَّهَ تَعَالَى لِقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، وَاسْتَحْيِ مِنْهُ لِقُرْبِهِ مِنْكَ»[3]. والمسجدُ مكانٌ يُقَرِّب العبدَ من اللهِ عزَّ وجلّ، والإحساسُ بهذا القربِ خيرُ رادعٍ عنِ المعاصي والآثامِ. ولذا، وردَ أنَّ منَ المستحبّاتِ عندَ الحضورِ إلى المسجدِ مراعاةَ الآدابِ العامّةِ للمساجدِ، والخروجَ لابِساً أفضلَ ثيابِهِ، لكي يكونَ لقاؤُهُ بربِّهِ وإخوانِهِ على أفضلِ صورة. ومن أهمِّ الآدابِ التي تحافظُ على الاستفادةِ الصحيحةِ منَ التردّدِ إلى المساجدِ، ما وردَ في الحديثِ عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله): «كُلُّ جُلُوسٍ فِي الْمَسْجِدِ لَغْوٌ إِلَّا ثَلَاثَةً: قِرَاءَةُ مُصَلٍّ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ، أَوْ سَائِلٌ عَنْ عِلْمٍ»[4].

وتجبُ معرفةُ الحدودِ في التعاملِ في المسجدِ، فعلى المؤمنِ المسجديِّ أن يحذرَ من رفعِ الأصواتِ في المساجدِ، أوِ الجدالِ فيها بالباطلِ، ففي وصيّةِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) إلى أبي ذرٍّ، قالَ لهُ:«يَا أَبَا ذَرٍّ، مَنْ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ وَأَحْسَنَ عِمَارَةَ مَسَاجِدِ اللَّهِ، كَانَ ثَوَابُهُ مِنَ اللَّهِ الْجَنَّةَ»، فَقُلْتُ: كَيْفَ يُعْمَرُ مَسَاجِدُ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا تُرْفَعُ فِيهَا الْأَصْوَاتُ، وَلَا يُخَاضُ فِيهَا بِالْبَاطِلِ، وَلَا يُشْتَرَى فِيهَا وَلَا يُبَاعُ، وَاتْرُكِ اللَّغْوَ مَا دُمْتَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُومَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا نَفْسَكَ»[5].

وفي الروايةِ عنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «إِذَا بَلَغْتَ بَابَ الْمَسْجِدِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَصَدْتَ بَابَ بَيْتِ مَلِكٍ عَظِيمٍ، لَا يَطَأُ بِسَاطَهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وَلَا يُؤْذَنُ بِمُجَالَسَةِ مَجْلِسِهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ... وَاعْتَرِفْ بِعَجْزِكَ وَتَقْصِيرِكَ وَفَقْرِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنَّكَ قَدْ تَوَجَّهْتَ لِلْعِبَادَةِ لَهُ وَالْمُؤَانَسَةِ، وَاعْرِضْ أَسْرَارَكَ عَلَيْهِ، وَلْتَعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَسْرَارُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ وَعَلَانِيَتُهُمْ، وَكُنْ كَأَفْقَرِ عِبَادِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخْلِ قَلْبَكَ عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ يَحْجُبُكَ عَنْ رَبِّكَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْأَطْهَرَ وَالْأَخْلَصَ، وَانْظُرْ مِنْ أَيِّ دِيوَانٍ يُخْرَجُ اسْمُكَ، فَإِنْ ذُقْتَ مِنْ حَلَاوَةِ مُنَاجَاتِهِ وَلَذِيذِ مُخَاطَبَاتِهِ، وَشَرِبْتَ بِكَأْسِ رَحْمَتِهِ وَكَرَامَاتِهِ مِنْ حُسْنِ إِقْبَالِهِ عَلَيْكَ وَإِجَابَتِهِ، فَقَدْ صَلَحْتَ لِخِدْمَتِهِ، فَادْخُلْ فَلَكَ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ»[6].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص237.
[2] الشيخ الصدوق، الهداية، ص132.
[3] الشهيد الأوّل، محمّد بن مكّي‏، الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة، ص25.
[4] الأمير ورّام، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، ج2، ص62.
[5] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج5، ص234.
[6] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج80، ص373.

الثلاثاء, 10 شباط/فبراير 2026 04:33

أحداث انتصار الثورة الإسلامية في إيران

أحداث انتصار الثورة الإسلامية في إيران

مثّلت شهادة آية الله السيد مصطفى الخميني (رضوان الله عليه) – الابن البكر للإمام (قدس سره) - في 23/10/1977 م، ومراسم العزاء التي أقيمت في إيران؛ نقطة الانطلاق لانتفاضة الحوزات العلمية ثانية وانتفاض المجتمع الايراني المؤمن. ومما يثير الحيرة والدهشة أن الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) وصف هذا الحادث المؤلم بأنه من الألطاف الإلهية الخفية.

وفي غضون ذلك بادر نظام الشاه إلى الانتقام من الإمام والشعب، بنشره مقالاً في إحدى الصحف اليومية الرسمية للبلاد، يسيء إلى الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره). فأثار المقال استنكاراً واسعاً بين صفوف أبناء الشعب، وقاد إلى اندلاع انتفاضة التاسع عشر من دي 19/01/1978 م في مدينة قم، والتي قتل فيها العديد من طلبة العلوم الدينية.

ومرّة أخرى تندلع الثورة من مدينة قيم وتعمّ مختلف أنحاء البلاد في فترة قياسية. وقد ساعدت مراسم إقامة مجالس التأبين في اليوم الثالث والسابع والأربعين من رحيلهم احياءً لذكرى شهداء الانتفاضة الأخيرة، في كل من مدينة تبريز ويزد وجهرم وشيراز واصفهان وظهران؛ ساعدت في بروز انتفاضات متتابعة أخرى. وطوال هذه الفترة كانت نداءات الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) المتتالية وأشرطة التسجيل المتضمّنة لخطابات سماحته، التي كان يدعو الناس فيها إلى الثبات والاستقامة ومواصلة النضال والثورة حتى تداعي أركان السلطة وتشكيل الحكومة الإسلامية، كانت تسجَّل وتوزّع على مساحة واسعة من إيران من قبل أنصار الإمام وأتباعه.

عجز الشاه رغم لجوئه إلى ارتكاب المجازر الجماعية، عن إخماد شرارة الثورة التي اندلعت. ولم يتمكّن الشاه رغم إعلانه الأحكام العرفية في إحدى عشرة مدينة، واستبدال رئيس الوزراء ومسؤولي المناصب العليا، أن يترك أي تأثير للحيلولة دون اتساع رقعة الثورة. إذ كانت البيانات الفاضحة لنظام والأوامر الجهادية التي كان يصدرها الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره)، تحبط كافة المناورات والدسائس السياسية والعسكرية التي كان يلجأ إليها الشاه.

وفي اللقاء الذي جمع وزيريّ خارجية إيران والعراق في نيويورك، قرّر الطرفان إخراج الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) من العراق. وفي 24/09/1978 م حاصرت القوات البعثية منزل الإمام في النجف الأشرف، وأبلغت الإمام بأن مواصلة إقامته في العراق منوطة بإيقاف نشاطاته السياسية والتخلّي عن النضال.

وأصرّ الإمام على مواصلة نضاله ولم يركن للضغوطات البعثية مما دفعه إلى ترك النجف الأشرف في 24/10/1978 م بعد ثلاثة عشر عاماً من النفي، متوجهاً إلى الكويت. إلا أن الحكومة الكويتية ـ وبطلب من نظام الشاه، منعت الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) من دخول أراضيها. وبعد أن تشاور الإمام مع ابنه المرحوم حجة الاسلام والمسلمين السيد أحمد الخميني (رضوان الله عليه) قرّر الهجرة إلى باريس.

وصل سماحته باريس في 06/10/1978 م، وفي اليوم التالي انتقل للإقامة في منزل أحد الإيرانيين بنوفل لوشاتو-ضواحي باريس- وفي غضون ذلك قام مبعوث قصر الأليزيه بإبلاغ الإمام طلب الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان، بضرورة اجتناب أي نوع من النشاط السياسي. فكان ردّ الإمام حازماً إذ صرّح بأنّ هذا النوع من المضايقات يتعارض مع ادعاءات الديمقراطية. وأنّه لن يتخلى عن أهدافه حتى ولو اضطره ذلك إلى التنقّل من مطار إلى آخر ومن بلد إلى آخر.

إن فترة الأربعة أشهر من إقامة الإمام في باريس، جعلت من "نوفل لوشاتو"[1] أهم منبع خبري عالمي. فقد أضحت حوارات الإمام ولقاءاته المختلفة مع حشود الزوّار الذين كانوا يتدفقون على نوفل لوشاتو من مختلف أنحاء العالم، سبباً في أن يتعرّف العالم أكثر فأكثر على أفكار الإمام وآرائه بشأن الحكومة الإسلامية والأهداف القادمة للثورة.

أما الشعب الإيراني فقد صعّد من حدّة تظاهراته مستلهماً توجيهات سماحة الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) وإرشاداته. ونتيجة لاتساع رقعة الاضطرابات شلّت حركة المراكز والمؤسسات الحكومية. ولم تجد نفعاً كل محاولات الشاه في تغيير رئاسة الوزراء وإعلان تأسفه عن أعماله السابقة، وإطلاق سراح السجناء السياسيين إلى غير ذلك، لم تجدِ نفعاً في إخماد الثورة والحيلولة دون تنامي أحداثها.

في هذه الأثناء أعلن قائد الثورة الإسلامية للشعب عن تشكيل مجلس قيادة الثورة وتعيين أعضائه. وقرّر الشاه بدوره الخروج من البلاد في 16/01/1979 م تحت ذريعة المرض والحاجة إلى الراحة.

أثار خبر فرار الشاه من البلاد موجة من البهجة والسرور بين صفوف أبناء الشعب، وزاد من عزيمتهم على مواصلة النضال حتى إسقاط النظام.

كما أوجد قرار الإمام(قدس سره) في العودة إلى البلاد موجة من الفرح والأمل في قلوب أبناء الشعب، مما قاد أعداء الثورة إلى ارتكاب حماقات ذليلة، حيث قام نظام الشاه –بعد التشاور والتنسيق مع الحكومة الأميركية- بإغلاق مطارات البلاد بوجه الرحلات الخارجية.

تدفّقت حشود أبناء الشعب إلى طهران من شتى أنحاء البلاد، لتلتحق بالتظاهرات المليونية التي قام بها أبناء مدينة طهران، والتي كانت تطالب بفتح المطارات.

وانصاع نظام الشاه لمطالب الشعب. وفتح مطار مهر آباد بطهران، ووصل قائد الثورة الإسلامية إلى أرض الوطن في الأول من شباط عام 1979 بعد أربعة عشر عاماً من النفي.

كان استقبال الشعب الإيراني المنقطع النظير للإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) بدرجة من العظمة أجبر وكالات الأنباء الغربية على الاعتراف به، حتى أن بعضها قدّر عدد المستقبلين ما بين أربعة ملايين إلى ستة ملايين شخص.

وأعلن قائد الثورة عن تشكيل الحكومة المؤقتة رغم وجود حكومة الشاه والتي ما زالت تمارس مهامها. وفي 05/02/1979 م وبتعيين رئيس الوزراء، كلّفت الحكومة المؤقتة بالتحضير لإجراء الاستفتاء العام وإقامة الانتخابات.

وفي الثامن من شباط 1979 بايع منتسبو القوّة الجوية الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) في محل إقامته بالمدرسة العلوية بطهران. وفي التاسع من شباط، وحيث توجّهت قوات الحرس الشاهنشاهي الخاص إلى قمع انتفاضة منتسبي أهم قاعدة جوية بطهران، أخذ أبناء الشعب ينزلون إلى الشوارع لحماية القوات الثورية. وفي العاشر من شباط عام 1979 راحت مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية تسقط الواحدة تلو الأخرى بأيدي أبناء الشعب.

ولكي يتسنّى لحكومة الشاه تنفيذ الانقلاب العسكري الذي تمّ التخطيط له بمساعدة المستشارين الأميركيين المقيمين بطهران، أصدر الحاكم العسكري لطهران بياناً أعلن فيه عن زيادة عدد ساعات منع التجوال حتى الساعة الرابعة عصراً.

في غضون ذلك دعا الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) أبناء مدينة طهران، خلال بيان أصدره، للنزول إلى الشوارع وإحباط المؤامرة الوشيكة الوقوع، وإلغاء الأحكام العرفية عملياً.

نزلت الجموع من النساء والرجال الصغار والكبار، إلى الشوارع وراحت تقيم الخنادق، وما أن أخذت تتحرّك أولى دبابات الشاه وحاملات الجنود من معسكراتها حتى بادر أبناء الشعب إلى إيقافها وتعطيل عملها. وبذلك تمّ القضاء على آخر جيوب القوات التابعة لنظام الشاه. وفي فجر الحادي عشر من شباط 1979 أشرقت شمس انتصار الثورة الإسلامية.
 


[1] (بالفرنسية: Neauphle-le-Château).

انتصار الثورة الإسلامية في إيران ويقظة الشعوب الإسلامية
 
مع تشكيل الحكومة الإسلامية، وتطبيق النظام الإسلامي، أصبحنا نقترب من الأحكام الإسلامية يوماً بعد يوم، وينبغي أن نقترب منها.
 
لقد استيقظت الشعوب الإسلامية، وبدأت الحركة باتجاه اتساع رقعة الإيمان الإسلامي واطراده.
 
هذا ما حصل حتى الآن.. ولعلماء الإسلام، وبالأخص علماء الشيعة دور كبير في ذلك. فمن مزايا هؤلاء وخصائصهم حبهم للعلم.. إخلاصهم لله.. شجاعتهم وعدم خوفهم من القوى المتجبرة الظالمة، وأخيراً استقلالهم وعدم ارتباطهم بسلطات الجور والظلم؛ وذخائرنا في الحقيقة هي هذه[1].
 
نشعر الآن أنَّ الضغوط تتزايد على المسلمين في جميع أرجاء العالم، كما نلحظ أن هناك عودة إلى الدين في البلدان الشيوعية. رغم أنها عاشت عمراً بعيداً عن الدين، وظلت في غربة عن الله.
 
والملاحظ أن هناك حساسية من المسلمين في هذه البلدان، وفي البلدان الأخرى.
 
لقد انتشرت الكنائس في بلدان أمضت خمسين سنة من حياتها أو أكثر من ذلك أو أقل لم تقرع فيها أجراس الكنائس، أو في بعض مناطقها على الأقل. كناية عن الرغبة بالدين .
 
والذي يحصل في هذه البلدان، وفي قلب أوروبا، وفي البلاد التي تتبجح بالحرية والديمقراطية، وفي الهند، ونقاط أُخرى من العالم، هو وجود ضغوط لا نظير لها ضدَّ المسلمين بالخصوص. ما هو سبب ذلك؟ أخضعوا هذه المسألة للتحليل، أفلا تجدون عندئذٍ أنَّ العلة وراء هذه الضغوطات القاسية، يعود إلى شعور الأجهزة المتجبرة، بأنَّ الإسلام يعيش في جميع أرجاء الدنيا، انبعاثاً آخر وحياةً جديدة؟ ألا يعود السبب إلى شعور العدو بأنَّ الهوية الإسلامية أخذت تنبض بين المجتمعات الإسلامية وهي تنبعث في طاقة وروح جديدة؟ ألا يعد ضرب المسلمين في فلسطين المحتلة بالرصاص الحي دليلاً على أنَّ وجود الإسلام أضحى جاداً في الأراضي المحتلة؟ وألا يعود ذلك إلى إحساسهم بأنَّ الحركة الإسلامية والرؤية الإسلامية أخذت تتجذر أكثر وتجذب لها الإتباع، في البلدان العربية، سواء تلك التي تجاور فلسطين المحتلة أم غير المجاورة، وأن أصحاب الفكر والشعور والفطرة النفطية التفوا حول الإسلام المناضل؟
 
لا يمكن الشك لحظة بأنَّ القضية تكمن في المسار المشار إليه[2].
 
 لقد قادت الصلابة الإسلامية وثبات الشعب الايراني المسلم، والصيحات المدوية التي أطلقها محطّم أصنام القرن، مع الفضل الإلهي والنصر الذي شمل ذلك العبد الصالح وأصحابه دائماً، قاد على أن تحقق عملية تصدير الفكر الإسلامي والثوري الذي يخشاه العدو ويخاف منه بشدّة من نفس الطرق التي حاول الأعداء أن يَحولوا من خلالها دون تصدير الثورة، أو يكيدوا عبرها لضربها.
 
لقد تحولت مظلومية الشعب الإيراني المسلم، والصيحات المدوية التي أطلقها محطّم أصنام القرن، مع الفضل الإلهي والنصر الذي شمل ذلك العبد الصالح وأصحابه دائماً، قاد إلى أن تحقق عملية تصدير الفكر الإسلامي الثوري الذي يخشاه العدو ويخاف منه بشدّة من نفس الطرق التي حاول الأعداء أن يَحولوا من خلالها دون تصدير الثورة، أو يكيدوا عبرها لضربها.
 
لقد تحولت مظلومية الشعب الإيراني وتحمله للشدائد، إلى باعث لإثبات أحقية هذا الشعب العظيم، ولامتداد الثورة إلى الكثير من البلدان، بحيث منح ذلك المسلمين عزماً أرسخ، ووطن فيهم الشعور بالهوية الإسلامية أكثر.
 
مواقف أيادي الاستكبار العالمي في مواجهته للإسلام في الوقت الراهن مواقف انفعالية.. وما يحملوه من حقد للإسلام وضغينة سواء عبَّر عن نفسه بوسائل ثقافية أم سياسية أم من خلال التوسل بالقوة، ينطلق من شعور الإحساس بالضعف والخوف في مقابل أمواج الإسلام الممتدة.
 
وهذا أيضاً من الألطاف الإلهية، حيث تحوّل كل مبادرة تنطلق من العدو للنيل من الإسلام، إلى عامل لإثارة غضب المسلمين، وتنقلب إلى باعث لرسوخ إرادتهم في الدفاع عن الإسلام.
 


[1] - حديث قائد الثورة إلى العلماء والوعاظ على مشارف شهر رمضان المبارك، 2/12/1369.
[2] - حديث قائد الثورة إلى مجموعة من الطلبة الجامعيين وعوائل الشهداء. 2/3/1369.

الثلاثاء, 10 شباط/فبراير 2026 04:29

انتصار الثورة الإسلامية بالعناية الإلهية

انتصار الثورة الإسلامية بالعناية الإلهية

يبدأ الإمام السيد روح الله الموسوي الخمينيّ (قدس سره) وصيّته الخالدة بالحديث عن الثورة الإسلاميّة لا على أساس أنّها ثمرة جهد قام به هو، وإنّما على أساس أنّها حصيلة جهود الملايين من الأشخاص الذين ساهموا في نصرة الإسلام في هذا العصر، ومن خلالهم وصلت الثورة إلى المرحلة التي أصبحت معها أمل شعوب العالم الإسلاميّ والمستضعف. وينطلق الإمام (قدس سره) ليتحدّث عن الثورة المباركة على أنّها عطاء ربّانيّ، فهو يقول في هذا الصدد: "نحن نعلم أنّ هذه الثورة العظيمة، التي قطعت أيدي ناهبي العالم والظالمين عن إيران الكبيرة، قد انتصرت بالتأييدات الإلهيّة الغيبيّة، ولولا يد الله القادرة لما أمكن - بالرغم من الإعلام المعادي للإسلام وعلمائه، خاصّة في القرن الأخير، وبالرغم من أساليب التفرقة التي لا تحصى، وبرغم... وبرغم... - لم يكن بالإمكان أن يثور هذا الشعب صفّاً واحداً ونهجاً واحداً في جميع أنحاء البلاد ويزيح بنداء "الله أكبر" وتضحياته المذهلة التي ضاهت المعجزات جميع القوى الداخلية والخارجية ويتسلم مقدرات البلد.

بناء عليه، لا ينبغي الشكّ أبداً في أنّ الثورة الإسلاميّة في إيران تختلف عن جميع الثورات من حيث النشأة وطريقة الصراع وفي هدف الثورة والنهضة.

ولا شكّ أبداً في أنّها تحفة إلهية وهدية غيبية من قبل الله المنّان تلطَّف بها على هذا الشعب المظلوم المنهوب".

إنّ هذه الكلمات من الإمام المقدّس، حيث توصلنا إلى مجموعة من الحقائق المهمّة:

• انتصرنا بعناية الله
إنّ ما حصل هو تثبيت لحقيقة عقائدية، فليست قضايا الاعتقاد ذات بعد فكريّ فحسب. إنّ من يعتقد أن الأصول والعقائد وما يتفرّع عنها من تصورات هي مجرّد مسائل فكريّة، هو بعيد كلّ البعد عن الفكر الإسلاميّ المحمّديّ الأصيل. إنّ القرآن الكريم يزخر بهذه الحقائق التي تنعكس في حياة الأمّة واقعاً ملموساً لا غبار عليه، وإنّ هذه التجربة الرائدة في هذا العصر خير دليل على العناية الإلهيّة، وهي تعتبر تثبيتاً للعقيدة الإسلاميّة التي انعقدت عليها قلوب أبناء الأمّة.

• لسنا سوى أدوات
إنّ هذه الهدية الإلهيّة ينبغي أنْ تزيد الشعب المسلم في إيران ارتباطاً باللّه تعالى وتواضعاً أمامه. ولا يمكن بحال أنْ تكون هذه الثورة دافعاً إلى حالة من العُجب، لأنّ الذين من خلالهم حصل الانتصار ليسوا فعلاً إلّا أدوات، وإلّا فإنّ الذي صنع النصر هو اللّه تبارك وتعالى، وهذا ما ينعكس في حياة الفرد والمجتمع شكراً عمليّاً لله تعالى، من خلال نهجٍ عباديٍّ سلوكيٍّ يصوِّب مسيرة الفرد والمجتمع نحو اللّه (عزّ وجلّ).

• ثورةُ حاكميّة الله
إنّ هناك اختلافاً جذريّاً بين الثورة الإسلاميّة وبين غيرها من "الثورات" أو أشباه الثورات. والاختلاف ليس اختلافاً ظاهراً وشكليّاً يرجع إلى الأداء فحسب، بل الاختلاف يرجع إلى كثير من النقاط، فهناك اختلاف في المنطلقات، واختلاف في الأداء، واختلاف في الغايات.

وكل نقاط الاختلاف هذه ترجع إلى النقطة الأساس، وهي أنّ هذه الثورة الإسلاميّة تستمدّ من عالم الغيب أصل وجودها، بينما كلّ ما يسمّى بثورات في هذه الأرض هو مادّيُّ الوجود، يكون انتصاره أو عدمه مرهونين بما تملكه هذه الثورة من مقوّمات مادّيّة، وبما يتخلّل ساحة الطرف الآخر من نقاط وهنٍ وضَعف.

إنّ أي ثورة تقوم في العالم يمكن للآخرين أنْ يناصروها من خلال حمل شعاراتها، فكأنّ الشعار يتحوّل بذاته إلى جامع يجمع كلّ القوى مهما كانت معتقداتها ومنطلقاتها، ولكن هذه الثورة الإسلاميّة لا تحمل شعاراً ينعكس في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة للأمّة من دون أنْ يكون له علاقة بالمبدأ والمعاد. ولا يعني هذا بحال، أنّ الآخرين لا دور لهم ولا علاقة معهم في أدوار الثورة الإسلاميّة أو في ما بعدها، بل يعني أنّ كلّ من يسير في فلك الثورة لا يمشي مع شعار مجرّد إذا تحقّق فقد تحقّق جزء من الثورة، لأنّ هذه الثورة ليست مجموعة من شعارات، بل تعني حاكميّة اللّه تعالى ورجوع الأمر إليه.

• حافظوا على طهارتكم
إنّ الإمام المقدَّس، حيث يشير إلى نقاط الضعف التي كانت موجودة في المجتمع الإيرانيّ قبل الثورة، والتي يمكن لنا أنْ نلخّصها بوجود ثغرة كبيرة في عالم التربية للأجيال الجديدة، فلا الحوزات تأخذ دورها جيّداً، ولا المدارس موضوعة في أيدٍ أمينة، ومضافاً إلى ذلك، فإنّ أماكن الفساد تضخ إلى المجتمع أجيالاً ضائعة وتافهة، فإنّه (قدس سره) من خلال هذه الإشارات يريد أنْ يعرفنا إلى أهمّيّة هذه النقاط، وكيف ينبغي أنْ تكون عليه حوزاتنا العلميّة ومعاهدنا التعليميّة، ومن هم الذين ينبغي أنْ يديروا هذه المؤسّسات، وكيف ينبغي أنْ نتعاطى مع مختلف الوسائل التي تدمّر الحياة الهادفة في المجتمع المسلم، فإنّ المحافظة على مكتسبات الثورة تكمن في الحفاظ على طهارة ونظافة المجتمع الإسلاميّ في ما يقوم به من أعمال، وفي ما عليه من معتقدات.

• إرادةُ الله أقوى
إنّ الثورة الإسلاميّة حيث إنّها هديّة إلهيّة، فإنّ شعوب العالم الإسلاميّ التي تسعى نحو الإسلام، ولكنّها تحسب حساباً للقوى الكافرة في هذا العالم، يجب عليها أنْ لا تلقي بالاً لهؤلاء، فإنّ حال شعوب العالم الإسلاميّ هي كحال الشعب الإيراني قبل انتصار الثورة، فإنّ نقاط القوة المادية كلّها كانت بيد الشاه ومع ذلك حصل الانتصار. وإذا كانت الأنظمة المرتبطة بالاستكبار العالميّ قوية، فإنّ إرادة اللّه تعالى أقوى، ولا سيّما أنّ شعوب العالم الإسلاميّ رأت بأمّ العين هذه التجربة الفريدة للثورة الإسلاميّة في إيران.

الثلاثاء, 10 شباط/فبراير 2026 04:28

الامام خامنئي : خيبوا آمال العدو في 22 بهمن

ووصف قائد الثورة الإسلامیة، يوم 11 فبراير ( 22 بهمن) بأنه يوم إظهار قوة وكرامة الشعب الإيراني، مؤكداً بأن مشاركة الشعب في المسيرات وإعلان ولائه ووفائه للجمهورية الإسلامية سيجبر العدو على التراجع عن جشعه تجاه إيران ومصالحها الوطنية.

وفيما يلي نص الرسالة المتلفزة لقائد الثورة الإسلامية بالمناسبة :-

- يُعد يوم 11 فبراير من كل عام يوم إظهار قوة وعزة الشعب الإيراني؛ شعبٌ بحمد الله يمتلك الدافع والإرادة، ثابت الخطى، ممتنّ، ومدرك لمصالحه وأضراره، في ذلك اليوم، حقق الشعب الإيراني نصرا عظيما، إذ تمكن من إنقاذ نفسه وبلاده من التدخل الأجنبي. وهؤلاء الأجانب سعوا طوال هذه السنوات دائماً إلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً.

-إن الشعب الإيراني صامد، وتجسيد هذا الصمود هو يوم 11 فبراير. وهذه المسيرة لا مثيل لها في العالم؛ إذ لا نعرف في أي مكان آخر من الدنيا أن تشهد ذكرى الاستقلال واليوم الوطني لبلد ما، وبعد مرور سنوات طويلة، مثل هذا الحضور الجماهيري الهائل في مختلف أنحاء البلاد، بحيث يتمكن الشعب من تقديم نفسه بهذه الصورة. واليوم يُظهر الشعب نفسه من خلال المسيرات في الشوارع، ويجبر أولئك الذين يطمعون في إيران الإسلامية والجمهورية الإسلامية ومصالح هذا الشعب على التراجع.

-إن القوة الوطنية ترتبط بإرادة الشعوب وصمودها أكثر مما ترتبط بالصواريخ والطائرات. وأنتم بحمد الله أظهرتم الصمود وأظهرتم إرادتكم، فاظهروها مجدداً في مختلف القضايا. خیبوا آمال العدو. وطالما لم يُصب العدو باليأس، يبقى شعب ما عرضة للأذى والاعتداء؛ ينبغي إحباط آمال العدو.

-يأس العدو يتحقق بوحدتكم، وبقوة فكركم وإرادتكم، وبحافزيتكم، وبالصمود في مواجهة إغراءات العدو؛ وهذه هي العناصر التي تشكل القوة الوطنية.

-بإذن الله، سيتمكن شبابنا في مختلف الميادين؛ العلمية، والعملية، وميدان التقوى والأخلاق، وميدان التقدم المادي والمعنوي، من المضي قدماً أكثر فأكثر، وسيحققون الإنجازات وسيصنعون الفخر للبلاد. ويوم 11 فبراير هو تجسيد لكل ذلك، حيث يخرج الجميع إلى الشوارع، يرددون الشعارات، ويعبّرون عن الحقائق، ويعلنون تضامنهم، ويؤكدون وفائهم للجمهورية الإسلامية الإیرانیة وشعب إيران.

نأمل إن شاء الله أن يزيد 11 فبراير هذا العام، كما في الأعوام الماضية، من عظمة الشعب الإيراني ويضاعفها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وفي كلمة ألقاها خلال حفل افتتاح مركز لبنان الطبي في الحدت، اعتبر الشيخ قاسم أن لبنان بلد مهم لأنه استطاع الحفاظ على استقلاله، وتحرير أرضه، وتقديم نموذج عظيم في التضحية والعطاء، لافتًا إلى أن العدو «الإسرائيلي» يعتمد على القوة والاحتلال والإجرام والإبادة لتحقيق مشروعه التوسعي على حساب لبنان ونهوضه وخياراته.

وأشار إلى أن العدوان الأميركي «الإسرائيلي» مستمر منذ نحو 15 شهرًا، وأن استمراره مرتبط بمحاولات إنهاء المقاومة، موضحًا أن الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مارست ضغوطًا متنوعة على لبنان وحكومته وجيشه لنزع سلاح المقاومة، وجرّ الحكومة إلى قرار 5 آب المتعلق بحصرية السلاح.

وأكد الشيخ قاسم أن هذه الضغوط لم تنجح لأنها تفتقد إلى الميثاقية وتخالف الدستور في حق الدفاع، لافتًا إلى أن وعي الجيش والمقاومة والشعب أدى إلى وأد الفتنة في مهدها ومنع تحقيق ما كان يُراد لتخريب البلد.
كما كشف أن إعادة الإعمار جرى تعطيلها بذريعة إنجاز حصرية السلاح أولًا، إلا أن هذا المسار فشل، مشددًا على أن المقاومة وأهلها يشكلون وحدة واحدة.

وأوضح أن محاولات إحداث خلاف بين حزب الله وحركة أمل باءت بالفشل، وأن التحالف بين الجانبين متجذر.
وفي السياق السياسي، أشار الشيخ قاسم إلى اللقاء القيادي الذي عُقد قبل أسبوع مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، موضحًا أنه لقاء دوري جرى خلاله بحث الانتخابات وسبل التعاون لإجرائها في موعدها، وتسريع إعادة الإعمار، ومواجهة العدوان، مؤكدًا أن هذه اللقاءات ستتكرر بشكل طبيعي لأن حزب الله وحركة أمل يعملان كجسد واحد.
واضاف أن العدو «الإسرائيلي» يستهدف المدنيين ويرتكب جرائم بحق البيئة والزراعة عبر رش المبيدات السامة، في محاولة لإعدام الحياة وإحداث شرخ داخل المجتمع.

وفي سياق متصل، شدّد الشيخ نعيم قاسم على أن الناس اليوم باتوا أقوى مما كانوا عليه قبل معركة «أولي البأس»، مؤكدًا أن هذا الجمهور متمسك بخيار المقاومة والاستمرار فيه، رغم كل الضغوط والتحديات.

وأشار إلى أن الاستهداف السياسي لا يتوقف، ولا سيما عبر الضرب على موقع رئاسة الجمهورية، في محاولة لإحداث شرخ بينه وبين المقاومة، مؤكّدًا أن الموقف الوطني واضح، إذ إن الطرفين متفقان على وقف العدوان، وتحرير لبنان، ورفض الفتنة، مضيفًا: «ما حدا يلعب بيننا وبين رئيس الجمهورية».

وأكد الشيخ قاسم أن الصمود ينفي الهزيمة، وأن الجهوزية والاستعداد للدفاع يمنعان العدو «الإسرائيلي» من تحقيق أهدافه، لافتًا إلى أن المرحلة الحالية هي التي ترسم مستقبل لبنان، وأن أي تراجع أو انهزام أو استسلام من شأنه إخراج لبنان من خارطة الدول المستقلة.

ودعا إلى التركيز على هدفين أساسيين في المرحلة المقبلة، أولهما وقف العدوان بكل مستلزماته، وثانيهما إخراج لبنان من أزمته المالية والاقتصادية والاجتماعية، مثمّنًا في هذا الإطار زيارة رئيس الحكومة إلى الجنوب اللبناني، واصفًا إياها بالخطوة المهمة على طريق بناء لبنان.

وأشار إلى أن أهمية الزيارة تكمن في التأكيد على أن إعادة الإعمار ستنطلق دون انتظار توقف العدوان، داعيًا الحكومة في الوقت نفسه إلى إيلاء مدينة طرابلس الاهتمام اللازم، وعدم السماح بانهيار المباني من دون إجراءات عملية، مؤكدًا ضرورة الوقوف إلى جانب طرابلس وأهلها، واعتبار ذلك مسؤولية وطنية جامعة.