emamian

emamian

الأحد, 21 كانون1/ديسمبر 2025 05:00

خَوْفُ الأَبْرَارِ

قالَ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً كَسَرَتْ قُلُوبَهُمْ خَشْيَةُ اللَّهِ، فَاسْتَنْكَفُوا عَنِ الْمَنْطِقِ، وَإِنَّهُمْ لَفُصَحَاءُ بُلَغَاءُ أَلِبَّاءُ نُبَلَاءُ، يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، لَا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْكَثِيرَ، وَلَا يَرْضَوْنَ لَهُ الْقَلِيلَ، يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ شِرَارٌ، وَإِنَّهُمُ الْأَكْيَاسُ الْأَبْرَارُ»[1].

إنَّ الخوفَ مِنَ اللهِ تعالى خضوعٌ وخشيةٌ أمامَ عظمتِهِ جلَّ شأنُه، وينبغي للمؤمنِ في الدنيا أن يُوازِنَ بينَ خَوْفَيْنِ: خوفٍ ممّا مضى مِنْ حياتِهِ، فهوَ لا يَدري أكانَ على خيرٍ أم لا؛ وخوفٍ ممّا هوَ آتٍ، إذْ لا يَعرِفُ ما خبَّأَتْهُ لهُ الأيّامُ القادمة.

وقد قالَ رسولُ اللهِ محمّدٌ (صلّى الله عليه وآله): «أَلَا إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْمَلُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ؛ فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لآِخِرَتِهِ، وَفِي الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الْكِبَرِ، وَفِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَهَا مِنْ دَارٍ إِلَّا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ»[2].

وعنِ الإمامِ جعفرٍ الصادقِ (عليه السلام): «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا صَنَعَ اللَّهُ فِيهِ، وَعُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ الْمَهَالِكِ، فَهُوَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً، وَلَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْخَوْفُ»[3].

وللخوفِ مِنَ اللهِ علاماتٌ عدّة، منها: انكسارُ القلوبِ وخشيتُها الدائمةُ منَ اللهِ تعالى، واتّهامُ النفسِ بالتقصيرِ، وقلّةُ الكلامِ، والمسارعةُ إلى أفضلِ الأعمالِ الصالحةِ، وعدمُ الرضا بالأعمالِ العاديّة، كما في وصفِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) لعبادِ اللهِ الذينَ كسرَتِ الخشيةُ قلوبَهُم.

كما أنَّ للخوفِ ثمراتٍ عدّة، تتلخّصُ في أمرَين:

1. ثَمَرةٌ في الآخرةِ: وهيَ الأمنُ فيها، فعنْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[4].

2. ثَمَرةٌ في الدنيا: وأبرزُها الوصولُ إلى مقامِ التوحيدِ في الخوفِ، بحيثُ لا يكونُ الخوفُ إلّا مِنَ اللهِ تعالى، وهوَ ما يورثُ الشجاعةَ والإقدامَ في مواجهةِ أعداءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وقد وردَ عنْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ خَوْفِ النَّاسِ»[5].

وإذا دقَّقْنا النظرَ في سببِ شجاعتِهِم، نجدُهُ عائداً إلى العلمِ والمعرفةِ الحَقّةِ باللهِ تعالى؛ فالمعرفةُ بصفاتِهِ القدسيّةِ وعظمتِهِ تُشعرُهُم بصِغَرِ الخَلْقِ وضعفِهِم، فلا يهابونَ أحداً ما داموا خائفينَ منَ اللهِ وحدَهُ، قالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.[6]

 


[1] الكوفيّ الأهوازيّ، الزهد، ص5.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص70.

[3] المصدر نفسه، ج2، ص71.

[4] الشيخ الصدوق، الخصال، ج1، ص79.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج8، ص169.

[6] سورة آل عمران، الآية 173.

الأحد, 21 كانون1/ديسمبر 2025 04:58

شَهْرُ اَلاِسْتِغْفَارِ

عنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): رَجَبٌ شَهْرُ اَلاِسْتِغْفَارِ لِأُمَّتِي، أَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ اَلاِسْتِغْفَارِ، فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَشَعْبَانُ شَهْرِي. اِسْتَكْثِرُوا فِي رَجَبٍ مِنْ قَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ، وَسَلُوا اَللَّهَ اَلْإِقَالَةَ وَاَلتَّوْبَةَ فِي مَا مَضَى، وَاَلْعِصْمَةَ فِي مَا بَقِيَ مِنْ آجَالِكُمْ... وَسُمِّيَ شَهْرُ رَجَبٍ اَلْأَصَبَّ؛ لِأَنَّ اَلرَّحْمَةَ تُصَبُّ عَلَى أُمَّتِي فِيهِ صَبّاً»[1].

تُنبِئُ التسميةُ الخاصّةُ لهذا الشهرِ بـ«شهرِ الاستغفارِ» عن عظمةِ هذا العملِ فيهِ، ممّا يحثُّ الإنسانَ على أن يجعلَ من أهمِّ ما يعتني بهِ في هذا الشهرِ التخلّصَ منَ الذنوبِ، والتحلُّلَ من آثارِها. وليسَ الاستغفارُ مجرّدَ ذكرٍ لسانيٍّ، بل لا بدَّ من أن يقترنَ بالبحثِ عنِ الحقوقِ وأدائِها، سواءٌ أكانَت من حقوقِ اللهِ تعالى أم من حقوقِ الناسِ.

وأن يلهجَ لسانُ الإنسانِ بالاستغفارِ في هذا الشهرِ، فإنّما هوَ ليُقرِنَ القولَ بالعملِ، وليبقى في حالةِ يقظةٍ مستمرّةٍ، فلا يغفلَ، ولا يقعَ مرّةً أُخرى في أسبابِ العقوبةِ، وقد وردَ في المرويِّ عنِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «مَنْ قَالَ فِي رَجَبٍ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» مِئَةَ مَرَّةٍ، وَخَتَمَهَا بِالصَّدَقَةِ، خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَمَنْ قَالَهَا أَرْبَعَمِئَةِ مَرَّةٍ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ مِئَةِ شَهِيدٍ، فَإِذَا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُ: قَدْ أَقْرَرْتَ بِمُلْكِي، فَتَمَنَّ عَلَيَّ مَا شِئْتَ حَتَّى أُعْطِيَكَ، فَإِنَّهُ لَا مُقْتَدِرَ غَيْرِي»[2].

وإنَّ للاستغفارِ والتوبةِ آثاراً عظيمةً على الإنسانِ، منها:

1. الخيرُ والبركةُ: ثمّةَ ارتباطٌ وثيقٌ بينَ الاستغفارِ وصلاحِ المجتمعِ ونزولِ البركاتِ والحياةِ الطيّبةِ، قالَ تعالى حكايةً عن هودٍ (عليه السلام): ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾[3].

وعنِ الإمامِ الرضا (عليه السلام)، عن آبائِهِ (عليهم السلام): «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه واله): مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنِ اسْتَبْطَأَ الرِّزْقَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَمَنْ حَزَنَهُ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ«[4].

2. الأمانُ منَ العذابِ: من آثارِ الاستغفارِ الطيّبةِ رفعُ العذابِ عن هذهِ الأمّةِ، فعنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمُ الْآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ؛ أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله)، وَأَمَّا الْأَمَانُ الْبَاقِي فَالاسْتِغْفَارُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[5]»[6].

3ـ طردُ الشيطانِ: الاستغفار يُبعِدُ الشيطانَ ويُحبِطُ مؤامراتِهِ، فعن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) لأصحابِهِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ، إِنْ أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ، تَبَاعَدَ الشَّيْطَانُ عَنْكُمْ كَمَا تَبَاعَدَ الْمَشْرِقُ مِنَ الْمَغْرِبِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصَّوْمُ يُسَوِّدُ وَجْهَهُ، وَالصَّدَقَةُ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمُؤَازَرَةُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَقْطَعُ دَابِرَهُ، وَالِاسْتِغْفَارُ يَقْطَعُ وَتِينَهُ»[7].

4. طهارةُ القلوبِ: الاستغفارُ -كما وردَ في النصوصَ الشريفةَ- يُجلي القلوبَ ويُطهِّرُها من كلِّ خَبَثٍ ونَجَسٍ، قالَ رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه واله): «إِنَّ لِلْقُلُوبِ صَدَأً كَصَدَإِ النُّحَاسِ، فَاجْلُوهَا بِالاسْتِغْفَارِ»[8].


[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج10، ص512.
[2] المصدر نفسه، ج10، ص484.
[3] سورة هود، الآية 52.
[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج90، ص190.
[5] سورة الأنفال، الآية 33.
[6] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص483، الحكمة 88.
[7] الشيخ الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، ج2، ص75.
[8] الحلوانيّ، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص28.

الثورة بحاجة إلى أساس ترتكز عليه، وتنطلق منه، وتستمدّ دوافعها وحيويتها منه. وقد شهد التاريخ البشري - منذ أقدم العصور - استغلال أساسين مختلفين للثورة:

 الأساس الأوّل: ما تزخر به قلوب المستضعفين والمضطّهدين من المشاعر الشخصية المتّقدة بسبب ظلم الآخرين واستهتارهم بحقوق الجماعة ومصالحها، وهذا الشعور يمتدّ في المستضعفين تدريجاً كلّما ازدادت حالتهم سوءاً وازداد المستغلّون لهم عتوّاً واستهتاراً بهم. ولكي يتحوّل هذا الشعور إلى ثورة لا بدّ له من بؤرة تستقطبه، وتنبثق عن هذه البؤرة التي تستقطب هذا الشعور؛ القيادة التي تتزعّم المستضعفين في كفاحهم ضدّ المستغلين والثورة عليهم.

وإذا لاحظنا هذا الأساس بعمق، نجد أنّه يتعامل مع المشاعر الشخصية والمادّية نفسها التي خلقتها ظروف الاستغلال، فالاستغلال يكرّس في جميع أفراد المجتمع الشعور الشخصي بالمصلحة وينمّي فيهم الاهتمام الذاتي بالتملّك والسيطرة، غير أنّ هذا الشعور وهذا الاهتمام ينعكس إيجابياً في المستغلّين على صورة الاستيلاء المحموم على كلّ ما تمتدّ إليه أيديهم، وتسخير كلّ الإمكانات من أجل إشباع هذه المطامع، وينعكس الشعور والاهتمام نفسه سلبياً في المستضعفين، على صورة المقاومة الصامتة أوّلاً، والمتحرّكة ثانياً، والثائرة ثالثاً، على المستغلين، وهي مقاومة تحمل الخلفية النفسية نفسها التي يحملها المستغلّون، وتنطلق من المشاعر والأحاسيس عينها التي خلقتها ظروف الاستغلال. وهذا يؤدّي في الحقيقة إلى أنّ الثورة لن تكون ثورة على الاستغلال وعلى جذوره، ولن تعيد الجماعة إلى مسيرتها الرشيدة ودورها الخلافي الصالح، وإنّما هي ثورة على تجسيد معيّن للاستغلال من قبل المتضرّرين من ذلك التجسيد، ومن هنا كانت تغييراً لمواقع الاستغلال أكثر من كونها استئصالاً للاستغلال نفسه.

 الأساس الثاني: استئصال المشاعر التي خلقتها ظروف الاستغلال، واعتماد مشاعر أخرى أساساً للثورة، وبكلمة أخرى: تطوير تلك المشاعر على نحو تمثّل الإحساس بالقيم الموضوعية للعدل والحقّ والقسط والإيمان بعبودية الإنسان لله، التي تحرّره من كلّ عبودية، وبالكرامة الإنسانية، وهذه المشاعر تخلق القاعدة التي تتبنّى تصفية الاستغلال؛ لا لأنّه يمسّ مصالحها الشخصية فحسب، بل لأنّه أيضاً يمسّ المصالح الحقيقية للظالمين والمظلومين على السواء، وتنتزع وسائل السيطرة من المستغلّين، لا طمعاً فيها وحرصاً على احتكارها، بل إيماناً بأنّها من حقّ الجماعة كلّها، وتلغي العلاقات الاجتماعية التي نشأت على أساس الاستغلال، لا لتنشئ علاقات مماثلة لفئة أُخرى من المجتمع، بل لتعيد إلى الجماعة البشرية الشروط الضرورية لممارسة الخلافة العامّة على الأرض، وتحقيق أهدافها الرشيدة.

ويتّضح من خلال المقارنة أنّ الأساس الثاني وحده هو الذي يشكّل الخلفية الحقيقية للثورة، والرصيد الروحي القادر على جعلها ثورة بدلاً عن تجميدها في منتصف الطريق، بينما الأساس الأوّل لا يمكن أن ينجز سوى ثورة نسبية تتغيّر فيها مواقع الاستغلال.

 غير أنّ مجرّد ذلك لا يكفي وحده لاختيار الأساس الثاني واعتماد المستضعفين له في كفاحهم ذلك؛ لأنّ الأساس الثاني يتوقّف على تربية للمحتوى الداخلي للثائرين أنفسهم، وإعداد روحي ونفسي - من خلال التعبئة والممارسة الثوريتين - يطهّرهم من مشاعر الاستغلال، ويستأصل من نفوسهم الحرص المسعور على طيّبات هذه الحياة وثرواتها المادّية - سواء كان حرصاً مسعوراً في حالة هيجان كما في نفوس المستغلّين، أو في حالة كبت كما في نفوس المستضعفين. وهذه التربية لا يمكن أن تبدأ من داخل الجماعة التي انحرفت مسيرتها وتمزّقت وحدتها، بل لا بدّ من تربية تتلقّاها، ولا بدّ من هدىً ينفذ إلى قلوبها من خارج الظروف النفسية التي تعيشها.

 وهنا يأتي دور الوحي والنبوّة: ﴿فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾[1].

 وتتحقّق بذلك كلمة الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون﴾[2]، بعد أن تحقّقت نبوءة الملائكة؛ فالوحي وحده هو القادر على أن يؤمّن التربية الثورية والخلفيّة النفسية الصالحة التي تنشئ ثائرين لا يريدون في الأرض علوّاً ولا فساداً، وتجعل من المستضعفين أئمّة لكي يتحمّلوا أعباء الخلافة بحقّ، ويكونوا هم الوارثين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ﴾[3] ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[4]

 والنبي الرسول هو حامل الرسالة من السماء، والإنسان المبني ربّانياً لكي يبني للثورة قواعدها الصالحة ويعيد إلى الجماعة الشروط الحقيقية لاستعادة دورها الخلافي الصالح، وذلك باعتماد الأساس الثاني.

ومن هنا دعا الأنبياء إلى جهادين: أحدهما الجهاد الأكبر، من أجل أن يكون المستضعفون أئمّة وينتصروا على شهواتهم ويبنوا أنفسهم بناءً ثورياً صالحاً، والآخر الجهاد الأصغر، من أجل إزالة المستغلّين والظالمين عن مواقعهم.

وتسير العمليّتان في ثورة الأنبياء جنباً إلى جنب، فالنبي ينتقل بأصحابه دائماً من الجهاد الأكبر إلى الأصغر، ومن الجهاد الأصغر إلى الأكبر، بل إنّهم يمارسون الجهادَين في وقت واحد، وحتى عندما يخوضون ساحات القتال وفي أحرج لحظات الحرب، انظروا إلى الثائر النموذجي في الإسلام، الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، كيف أقدم بكلّ شجاعة وبطولة على مبارزة رجل الحرب الأوّل في العرب عمرو بن ودّ العامري، واعتبر الناس ذلك منه انتحاراً شبه محقّق، ثمّ كيف أمسك عن قتله بضع لحظات بعد أن تغلّب عليه؛ لأن عمرو أغضبه، فلم يشأ أن يقتله وفي نفسه مشاعر غضب شخصي، وحَرِص على أن ينجِز هذا الواجب الجهادي في لحظة لا غضب لديه فيها إلّا لله تعالى ولكرامة الإنسان على الأرض، وبهذا حقّق انتصاراً عظيماً في مقاييس كلا الجهادَين في موقف واحد فريد.

 وعلى هذا الأساس نؤمن بأنّ الثورة الحقيقية لا يمكن أن تنفصل بحال عن الوحي والنبوّة، وما لهما من امتدادات في حياة الإنسان، كما أنّ النبوّة والرسالة الربّانية لا تنفصل بحال عن الثورة الاجتماعية على الاستغلال والترف والطغيان، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴿ ﴾[5]، كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾[6].

فالنبوّة ظاهرة ربّانية تمثّل رسالة ثورية وعملاً تغييرياً وإعداداً ربّانياً للجماعة، لكي تستأنف دورها الصالح، وتفرض ضرورة هذه الثورة أن يتسلّم شخص النبي الرسول الخلافة العامّة، لكي يحقّق للثورة أهدافها في القضاء على الجاهلية والاستغلال، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾[7].

ويبني القاعدة الثورية الصالحة، لكي يمنّ الله عليهم ويجعلهم أئمّة ويجعلهم الوارثين، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[8].

وبذلك يندمج خطّ الشهادة وخطّ الخلافة في شخص واحد، وهو النبي، فالنبوّة تجمع كلا الخطّين. ومن هنا اشترط الإسلام في النبي العصمة، وفي كلّ حالة يقدّر للخطّين أن يجتمعا في واحد بحكم ضرورات التغيير الرشيد، نجد أنّ العصمة شرط أساس في المحور الذي يقدّر له أن يمارس الخطّين معاً؛ لأنّه سوف يكون هو الشهيد وهو المشهود عليه في وقت واحد.

وخلافة الجماعة البشرية في مرحلة التغيير الثوري الذي يمارسه النبي باسم السماء ثابتة مبدئياً من الناحية النظرية، إلّا أنّها من الناحية الفعلية ليست موجودة بالمعنى الكامل، والنبي هو الخليفة الحقيقي من الناحية الفعلية، وهو المسؤول عن الارتفاع بالجماعة إلى مستوى دورها في الخلافة.

وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على النبي - مع أنّه القائد المعصوم - أن يشاور الجماعة، ويشعرهم بمسؤوليتهم في الخلافة من خلال هذا التشاور، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾[9].
 ويُعتبر هذا التشاور من القائد المعصوم عملية إعداد للجماعة من أجل الخلافة، وتأكيد عمليّ عليها.

 كما أنّ التأكيد على البيعة للأنبياء وللرسول الأعظم وأوصيائه تأكيد من الرسول على شخصية الأمّة وإشعار لها بخلافتها العامّة، وبأنّها بالبيعة تحدّد مصيرها، وأنّ الإنسان حينما يبايع يساهم في البناء ويكون مسؤولاً عن الحفاظ عليه، ولا شكّ في أنّ البيعة للقائد المعصوم واجبة، لا يمكن التخلّف عنها شرعاً، ولكنّ الإسلام أصرّ عليها واتّخذها أُسلوباً من التعاقد بين القائد والأُمّة، لكي يركّز نفسياً ونظرياً مفهوم الخلافة العامّة للأمّة. وقد دأب القرآن الكريم على أن يتحدّث إلى الأُمّة في قضايا الحكم توعية منه للأمّة على دورها في خلافة الله على الأرض.

﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ﴾[10].

  ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ﴾[11].

  ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ﴾[12].

  ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾[13].

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾[14].

وإذا لاحظنا الجانب التطبيقي من دور النبوّة الذي مارسه خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله، نجد مدى إصرار الرسول على إشراك الأمّة في أعباء الحكم ومسؤوليات خلافة الله في الأرض، حتى أنّه في جملة من الأحيان كان يأخذ بوجهة نظر الأكثر أنصاراً، مع اقتناعه شخصياً بعدم صلاحيتها؛ وذلك لسبب واحد، وهو أن يُشعر الجماعة بدورها الإيجابي في التجربة والبناء.
 


[1]  القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 213.
[2]   القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 30.
[3] القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 83.
[4]  القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 5.
[5]  القرآن الكريم، سورة سبأ، الآية 34.
[6]  القرآن الكريم، سورة الزخرف، الآية 23.
[7] القرآن الكريم،  سورة الأعراف، الآية 157.
[8]  (م.ن).
[9] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 159.
[10]  القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 58.
[11]  القرآن الكريم، سورة النور، الآية 2.
[12]  القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 38.
[13]  القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية 13.
[14]   القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 71.

إنَّ تحصيل القرب من الله عزّ وجلّ يتمّ عبر مجاهدة النفس وتزكيتها، وهي أمر اختياريّ، يمارسه الإنسان بملء إرادته ووعيه، ومن دون جبر أو إكراه من أحد، ولا يحتاج من الإنسان إلّا قرارًا صريحًا وواضحًا، وثباتًا على الطريق.
 
وقد ثبت في الفلسفة، أنّ المعرفة والعلم هما من مبادئ صدور الفعل الاختياريّ من الإنسان، والفاعل المختار لا يقوم بفعل شيء ما لم يمتلك تصوّرًا وتصديقًا إزاء ذلك الشيء. ومن هنا فإنّ التزكية منوطة بالعلم والمعرفة، وإنّ أوّل خطوة في طريق المباشرة بهذا الفعل الاختياريّ هي أن تتوفّر لدى الإنسان المعرفة بنفسه والمعرفة بمبدأ التزكية ونهايتها ومسارها، ولن تحصل هذه التزكية ما لم يتبلور هذا التصوّر والتصديق. فقد ورد عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): "من عرف نفسه جاهدها، ومن جهل نفسه أهملها"[1].
 
وعنه (عليه السلام): "أفضل العقل معرفة الإنسان نفسَه، فمن عرف نفسه عقِل، ومن جهلها ضلّ"[2].
 
وبالتالي فإنّ أوّل شرط لانطلاق الإنسان في حركته التكامليّة باتّجاه القرب من الله، هي أن يعلم بهذه المسألة، ويخرج عن حالة الغفلة والجهل بها. فعن الإمام جعفر الصّادق (عليه السلام) أنّه قال: "من رعى قلبه عن الغفلة، ونفسه عن الشهوة، وعقله عن الجهل، فقد دخل في ديوان المُنَبَّهِينَ"[3].
 
فما دام الإنسان لم يُزحْ حجاب الغفلة جانبًا، فلن يحصل لديه تكامل وتقرّب من الذات المقدّسة، بل لن يعثر على موقعه في خارطة الوجود، وسوف يبقى حيرانَ تائهًا في هذا العالم. لذلك اعتُبرت الغفلة في بعض آيات القرآن سببًا في فقدان الهويَّة الإنسانيَّة واستحقاق العذاب الإلهيّ. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[4].
 
في هذه الآية يصرّح تعالى أنّ مصير الكثير من الجنّ والإنس سيكون عذاب جهنّم، وأنَّهم فقدوا هويّتهم الإنسانيَّة وانحدروا إلى منزلة أدنى من الأنعام، وذلك لأسباب ثلاث:
1- إنَّ لهم قلوبًا، لكنّهم لا يستعينون بها لإدراك الحقائق.
2- إنّ لهم أعينًا، لكنّهم لا يستخدمونها لرؤية مسار البصيرة.
3- إنّ لهم آذانًا، لكنّهم يفتقدون السمع.
 
إنّ القلب والعين والأذن تُعرَّف في قاموس القرآن الكريم كأدواتٍ للمعرفة بالنسبة إلى الإنسان، وبها يتميَّز عن سائر خلق الله تعالى، ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[5]. وما يؤدّي إلى شقاء الإنسان، أو ما يُعدُّ من أهمّ علل الشقاء وأسبابه على أقلّ تقدير، هو الاستخدام غير الصحيح لأدوات العلم والمعرفة، فالذين لا يستخدمون هذه الأدوات للوصول إلى الحقيقة إنّما هم كالأنعام، لأنّ الحيوانات تمتلك آذانًا وعيونًا وقلوبًا، لكنّها لا تستطيع أن تنال بها المعرفة الإنسانيّة. وإذا لم يستخدم الإنسان آلات المعرفة هذه، التي تمثّل مصدر الاختلاف الحقيقيّ بينه وبين الحيوانات، فإنّه يتدنّى إلى مستوًى أدنى من الحيوان، ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. فإذا لم يَنَل الحيوان معرفة الحقيقة، فعذره في ذلك أنّه لا يمتلك الأدوات الضروريّة لهذه المعرفة، بيْد أنّ الإنسان الضالّ، رغم امتلاكه لهذه الأدوات، فإنّه يتعمّد إغماض عينيه وسدّ أُذنيه وفهمه في وجه الحقيقة.

الأمر الجوهريّ في المقطع الأخير من الآية هو ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، فهؤلاء إنّما يقعون بهذا الابتلاء، وينحدرون، بحيث يصبحون أدنى من الحيوان بسبب تماديهم في الغفلة.
 
لذا ينبغي للعاقل الالتفاتُ إلى هويّته الإنسانيَّة، والحفاظ عليها، ووقايتها من الغفلة عن محضر الله عزّ وجلّ، حتّى لا ينحدر إلى ما دون البهائم، كما في حديث الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حيثُ سأله عبد الله بن سنان: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ قال (عليه السلام): "قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): "إنّ الله عزّ وجلّ ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما، فمن غَلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم"[6].
 


[1] عليّ بن محمّد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، دار الحديث، لا.ت، ط1، ص453.
[2] م.ن، ص116.
[3] ميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، بيروت - لبنان، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1408 - 1987م، ط1، ج12، ص111.
[4] القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 179.
[5] القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 78.
[6] الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث بقمّ المشرّفة، 1414هـ.ق، ط 2، ج 15، ص 209.

الأحد, 21 كانون1/ديسمبر 2025 04:54

الموت والهاجس الإنساني

إن وجهة نظر الإنسان نحو الموت وما بعده مهمة جداً في حياته، فكلما كانت نظرته واقعية وموضوعية وصحيحة، كلّما كانت حياته سعيدة ونشطة ومتحركة ومتفائلة، والعكس صحيح أيضاً.

فتركيبة الإنسان النفسية ومن ثم سلوكه وأخلاقه تتأثر جداً من خلال نظرته إلى الموت وما بعده.

فليس التفكير في الموت وما بعده أو بالأحرى ليس الاعتقاد بوجهة نظر معينة تجاه الموت وما بعده فكرة عابرة تمر بالخيال وترحل، ولو حاول الإنسان أن يخرجها من خياله وشعوره، فإنها ستنزل رغماً عنه إلى لا شعوره وعقله الباطني وكيانه النفسي وتطبعه بطابع معين إما سلباً أو إيجاباً.

فعلى هذا ليس التفكير في الموت وما بعده موتاً بل حياة، أي له دخالة في حياة الإنسان وبنائه الروحي والنفسي والعقلي.

وأنتم إذا دقَّقتم جيداً ستعرفون أن الإنسان إذا كانت نظرته إلى الموت على أنه فناء ستكون تركيبته النفسية معقّدة خائفة متشائمة مضطربة مستهترة متحلِّلة، أما إذا كانت نظرته على النقيض من ذلك واعتقد بأن الموت ليس انحلالاً تاماً ولا فناء محضاً، إنما حياة ثانية لها نكهتها الخاصة، فستكون حياته النفسية وتركيبته الروحية متفائلة مطمئنة ملتزمة.
 
التفكير بالحياة بعد الموت هاجس إنساني‏
إن التفكير بما بعد الموت هاجس إنساني، ليس له طائفة أو دين خاص، فكل الناس إلى أي دين انتموا، حتى الملحد منهم، لا بد وأن يأتيه تساءل، ماذا بعد الموت؟

وإذا استقرأتم التاريخ ترون أن هذا التساؤل، لا يخلو من أمَّة، أو من شخص. ولكن الناس يحاولون أن ينسوا هاجس ما بعد الموت، ليبعدوا الخوف عن أنفسهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

يقول أحد علماء النفس: "إن الخوف من الموت يقود الإنسان إلى طرح الأسئلة التالية: لمَ، وإلى أين؟ ومعنى ذلك أن فكر الإنسان أكثر ما يشغله المصير النهائي للحياة البشرية"[1].

ولقد اخترع الناس الكثير لنسيان الموت، يقول بعض المفكرين: "إن الناس قد اخترعوا شتّى ضروب اللهو أو التسلية حتى يتجنّبوا الخوف من الوحدة أو العزلة"[2].

ويقول أيضاً: "إنه لمّا كان الناس لم يهتدوا إلى علاج للموت والشقاء والجهل، فقد وجدوا أن خير الطرق للتنعم بالسعادة هي ألا يفكروا في هذه الأمور على الإطلاق"[3].

وفي الحقيقة إن نسيان الناس لمصيرهم النهائي، أو بالأحرى تناسيه، ما هو إلا كما تفعل النعامة، حيث تطمر رأسها في التراب، وتحسب أن الذئب الآتي لن يأكلها!
 
اكتشاف ما بعد الموت يحيي أمماً وأفراداً
يقول بعض المفكرين: "إن اكتشاف الموت هو الذي ينقل بالشعوب والأفراد إلى مرحلة النضج العقلي أو البلوغ الروحي"[4].

فعلاً إن قول هذا المفكر صحيح وتؤيده الوقائع التاريخية، للتدليل على هذه الفكرة نعطيكم مثالاً واحداً.

الأمة العربية قبل الإسلام أكثرها كان منكراً للحياة ما بعد الموت، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾[5].

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ * ﴿أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾[6].

فكيف كانت حياتهم؟ كانت حياتهم حياة جهلٍ وتخلّف وتبعيّة، ولكن عندما جاء الإسلام، وغيّر نظرتهم إلى الموت وما بعده، تغيَّر العرب تغيّراً جذرياً، فانطلقوا في الدّنيا بكل انشراح وقوّة وغيّروا مجرى التاريخ بعد أن كانوا هملاً لا يخافهم أحد.
 


[1] - تغلب على الخوف، مصطفى غالب، ص‏73.
[2] القول للفيلسوف باسكال نقلاً عن: ن.م، ص‏13.
[3] - ن.م.
[4] - القول للفيلسوف الإسباني أونامونو: ن.م، ص‏74.
[5] - القرآن الكريم، سورة الجاثية، الآية: 24
[6] - القرآن الكريم، سورة الصافات، الآيتان:17-16

استقبل سماحة الامام الخامنئي اليوم الخميس بمناسبة حلول الذكرى العطرة لميلاد السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها آلاف من محبي أهل البيت (عليهم السلام) و المنشدين الدينيين في حفل حماسي تضمن إنشاد المدائح وترديد الشعر وذكر مناقب سيدة نساء العالمين سلام الله عليها.

وخلال هذا الحفل الذي استمر قرابة ثلاث ساعات، هنأ سماحة الامام الخامنئي بالمولد المبارك للسيدة الصديقة الطاهرة (سلام الله عليها)، قائلاً: "بمقاومتهم الوطنية، أحبط الشعب الإيراني الجهود المتواصلة للعدو لتغيير «الهوية الدينية والتاريخية والثقافية» لهذه الأمة. واليوم، وفي الوقت الذي يجب أن يكون هناك استعداد دفاعي وهجومي صحيح لمواجهة النشاط الدعائي والإعلامي للعدو الذي يستهدف «العقول والقلوب والمعتقدات»، فإن إيران العزيزة تواصل مسيرتها إلى الأمام رغم المشاكل والنواقص الموجودة في أنحاء البلاد".

وبمناسبة تقارن ميلاد الإمام الخميني (رض) مع ميلاد السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، أشاد قائد الثورة بفضائل ومناقب سيدة نساء العالمين سلام الله عليها، واصفاً إياها بما يفوق إدراك البشر، وأضاف: "مع كل هذا، يجب أن نكون فاطميين ونقتدي بتلك السيدة القدوة في جميع الجوانب، بما في ذلك التدين والعدالة والجهاد في التبيين وحسن العشرة مع الزوج وتربية الأولاد وغيرها من المجالات".

وأشار سماحته إلى أن "الإنشاد الديني" ظاهرة مؤثرة للغاية، مضيفاً: "من الضروري من خلال البحث والدراسة التعمق في هذه الظاهرة المدهشة وتشخيص نقاط ضعفها وطرق تعزيز وتطوير أبعادها المختلفة".

وأكد آية الله العظمى الخامنئي على التقدم الذي أحرزه الإنشاد الديني مقارنة بالماضي، واصفاً إياه بأنه أحد روافد "أدب المقاومة"، قائلاً: "أي فكر أو أمر إذا لم يمتلك أدباً مناسباً، فسوف يضمحل تدريجياً. والإنشاد الديني والمجالس الحسينية، من خلال وضع وتوسيع ونقل أدب المقاومة، يعزز هذا المطلب الأساسي للغاية".

وعرّف سماحته "المقاومة الوطنية" بأنها "المرونة والصمود في مواجهة أنواع الضغوط المختلفة من قبل القوى المستبدة"، مضيفاً: "أحياناً يكون الضغط عسكرياً - كما رآه الشعب خلال الدفاع المقدس وكما شاهده المراهقون والشباب في الأشهر الماضية - وأحياناً أخرى يكون الضغط اقتصادياً أو إعلامياً أو ثقافياً أو سياسياً".

واعتبر قائد الثورة الضجة الإعلامية التي يثيرها العاملون الإعلاميون والمسؤولون السياسيون والعسكريون الغربيون مؤشراً على الضغط الدعائي للعدو، قائلاً: "الهدف من الضغوط المختلفة للنظام الاستكباري على الشعوب، وعلى رأسها الشعب الإيراني، هو أحياناً التوسع الإقليمي، كما تفعله اليوم حكومة الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية".
وأضاف سماحته: "وأحياناً يكون الهدف السيطرة على الموارد تحت الأرضية، وفي بعض الأحيان يكون تغيير نمط الحياة، والأهم من ذلك كله، «تغيير الهوية» هو الهدف الرئيسي للضغوط الاستكبارية".

وأشار الامام الخامنئي إلى أن جهود القوى العالمية المتغطرسة لتغيير الهوية "الدينية والتاريخية والثقافية" للأمة الإيرانية تعود لأكثر من مائة عام، قائلاً: "جعلت الثورة الإسلامية كل تلك الجهود بلا جدوى، وفي العقود الأخيرة، من خلال عدم الاستسلام والصمود والثبات في مواجهة استمرار الضغوط الواسعة من أعدائها، أحبطتهم الأمة".

واعتبر سماحته انتشار مفهوم وأدب المقاومة من إيران إلى دول المنطقة وبعض الدول الأخرى حقيقة واقعة، مضيفاً: "بعض الإجراءات التي اتخذها العدو ضد إيران والشعب الإيراني، لو اتخذها ضد أي دولة أخرى، لكانت تلك الأمة والدولة قد زالتا واندثرتا".

وأشار قائد الثورة إلى تأثير الإنشاد الديني الحسيني(ع) في ترسيخ ذكرى الشهداء وتعزيز وانتشار مفهوم المقاومة في البلاد، قائلاً: "اليوم، نحن نواجه، بما يتجاوز المواجهة العسكرية التي شهدناها، «بؤرة حرب دعائية وإعلامية» ضد جبهة العدو الواسعة؛ لأن العدو قد أدرك أن هذه البلاد والأرض والتربة الإلهية والمعنوية لا تستسلم ولا تُقهر بالضغط العسكري".

وأضاف سماحته: "بالطبع، هناك من يطرح باستمرار احتمال تكرار المواجهة العسكرية، والبعض الآخر يضخم عمداً في هذا الموضوع لإبقاء الناس في حالة شك وخلق القلق، ولن ينجحوا بإذن الله".

واعتبر الامام الخامنئي أن "خط وهدف وخطر العدو" هو محو "آثار وأهداف ومفاهيم الثورة ونسيان ذكرى الإمام الخميني (رض)"، مضيفاً: "الولايات المتحدة تقع في مركز هذه الجبهة الواسعة والنشطة، وتحيط بها بعض الدول الأوروبية، وفي أطراف هذه الجبهة يقف المرتزقة والخونة وعديمو الوطن الذين يسعون في أوروبا للوصول إلى لقمة العيش".

وشدد سماحته على ضرورة معرفة أهداف و"تشكيلات العدو"، قائلاً: "كما هو الحال في الجبهة العسكرية، في هذه المواجهة الدعائية والإعلامية أيضاً يجب أن نحدد تشكيلاتنا بما يتناسب مع نظام وخطة وهدف العدو، وأن نركز على النقاط التي يستهدفها، وهي «المعارف الإسلامية والشيعية والثورية»".

واعتبر قائد الثورة أن الصمود في وجه الحرب الدعائية والإعلامية الغربية صعب ولكنه ممكن تماماً، قائلاً: "في هذا المسار، على المنشدين الدينيين تحويل المجالس الحسينية إلى مراكز للالتزام بقيم الثورة، وأن يحموا هذا الجيل العزيز من أهداف العدو العنيد والخبيث ، مع تقدير إقبال الشباب على الإنشاد الديني والمجالس الحسينية".

واختتم سماحته كلمته بعدة توجيهات للمنشدين الدينيين، كان من أهمها: "تبيين المعارف الدينية والمعارف الجهادية بالاعتماد على حياة جميع أئمة الهدى (عليهم السلام)، ومهاجمة نقاط ضعف العدو بالتزامن مع الدفاع الفعال ضد شبهاته، وشرح المفاهيم القرآنية في مختلف المجالات «الشخصية والاجتماعية والسياسية وكيفية مواجهة العدو»".

واعتبر سماحته تأثير النوح المنسجم جيداً والمحتوى الجيد أحياناً أكثر من عدة خطب ومحاضرات، قائلاً: "على المنشدين الدينيين الحرص على عدم تسلل الألحان وثقافة عصر الطاغوت إلى مجالسهم ومحافلهم".

وفي ختام كلمته، أشار الامام الخامنئي إلى كلام أحد المنشدين الدينيين حول مشكلة الغبار في محافظة خوزستان، قائلاً: "هذه من أصغر المشاكل، والنواقص والمشاكل منتشرة في جميع أنحاء البلاد، لكن شعبنا يخلق يومياً من خلال صموده وصدقه وإخلاصه وحسن نيته وطلبه للعدالة، هيبة وقوة للإسلام وإيران، وبتوفيق الله تعالى، فإن البلاد في حالة حركة وكدّ وتقدم."

الجمعة, 12 كانون1/ديسمبر 2025 04:13

فاطمةُ الزهراءُ عابدةٌ شفيعةٌ

تعدّدتِ الصفاتُ العظيمةُ لمولاتِنا فاطمةَ الزهراءِ (عليها السلام)، والتي وردَتِ الرواياتُ ببيانِها، ومنْ أهمِّها صفةُ العبادةِ، التي كانَت سِمَةً ثابتةً لها في أبهى صُوَرِها. يُصوِّرُها الحديثُ المرويُّ عنِ الرسولِ الأكرمِ (صلّى الله عليه وآله) في عبادةِ ابنتِهِ فاطمةَ (عليها السلام)، حيثُ يُباهي اللهُ عزَّ وجلَّ بها أمامَ الملائكةِ: «وَأَمَّا ابْنَتِي فَاطِمَةُ، فَإِنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَهِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَهِيَ نُورُ عَيْنِي، وَهِيَ ثَمَرَةُ فُؤَادِي، وَهِيَ رُوحِيَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ، وَهِيَ الْحَوْرَاءُ الْإِنْسِيَّةُ، مَتَى قَامَتْ فِي مِحْرَابِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا جَلَّ جَلَالُهُ زَهَرَ نُورُهَا لِمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ كَمَا يَزْهَرُ نُورُ الْكَوَاكِبِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ: يَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى أَمَتِي فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ، قَائِمَةً بَيْنَ يَدَيَّ، تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهَا مِنْ خِيفَتِي، وَقَدْ أَقْبَلَتْ بِقَلْبِهَا عَلَى عِبَادَتِي، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ آمَنْتُ شِيعَتَهَا مِنَ النَّارِ»[1].

ومنْ أعظمِ مظاهرِ عبادتِها صفةُ الصبرِ التي تمثّلَتْها بعدَ وفاةِ أبيها رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، الصبرُ على البلاءِ، وشُكرُ اللهِ تعالى في السرّاءِ والضرّاءِ، والرضا بالقضاءِ، فعنْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) أنَّهُ قالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً ابْتَلَاهُ، فَإِنْ صَبَرَ اجْتَبَاهُ، فَإِنْ رَضِيَ اصْطَفَاهُ»[2].

كما تعدّدتِ المقاماتُ التي جعلَها اللهُ عزَّ وجلَّ لسيّدةِ نساءِ العالمينَ، ومنْ هذهِ المقاماتِ شفاعتُها الواسعةُ يومَ القيامةِ، ففي روايةٍ عنِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)، وهوَ يُخبِرُ السّيدةَ فاطمةَ (عليها السلام) عن أحداثِ القيامةِ، قالَ لها: «... ثُمَّ يَقُولُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): يَا فَاطِمَةُ، سَلِي حَاجَتَكِ، فَتَقُولِينَ: يَا رَبِّ‏ شِيعَتِي،‏ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَتَقُولِينَ: يَا رَبِّ شِيعَةَ وُلْدِي، فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَتَقُولِينَ: يَا رَبِّ شِيعَةَ شِيعَتِي، فَيَقُولُ اللَّهُ: انْطَلِقِي، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِكِ فَهُوَ مَعَكِ فِي الْجَنَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكِ يَوَدُّ الْخَلَائِقُ أَنَّهُمْ كَانُوا فَاطِمِيِّينَ، فَتَسِيرِينَ وَمَعَكِ شِيعَتُكِ وَشِيعَةُ وُلْدِكِ وَشِيعَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، آمِنَةً رَوْعَاتُهُمْ، مَسْتُورَةً عَوْرَاتُهُمْ، قَدْ ذَهَبَتْ عَنْهُمُ الشَّدَائِدُ، وَسَهُلَتْ لَهُمُ الْمَوَارِدُ، يَخَافُ النَّاسُ وَهُمْ لَا يَخَافُونَ، وَيَظْمَأُ النَّاسُ وَهُمْ لَا يَظْمَؤونَ»[3].

وبمناسبةِ ولادةِ السيّدةِ الزهراءِ (عليها السلام)، نوجِّهُ التهنئةَ على لسانِ الشهيدِ الأسمى السيّدِ حسن نصرِ اللهِ (قدَّسَ اللهُ سرَّه)، يقولُ: «في هذهِ المناسبةِ العظيمةِ، أتوجَّهُ بالتحيّةِ إلى كلِّ النساءِ اللّاتي يتحمَّلْنَ أعباءَ هذهِ المرحلةِ الحسّاسةِ منْ تاريخِ الأمّةِ والمنطقةِ والوطنِ، إلى أمّهاتِ وزوجاتِ وبناتِ وأخواتِ الشهداءِ والجرحى والأسرى والمعتقلينَ، وإلى أمّهات وزوجاتِ وبناتِ المقاومينَ والمجاهدينَ والمقاتلينَ والمدافعينَ في كلِّ الساحاتِ والميادينِ، إلى كلِّ النساءِ اللاتي يتحمَّلْنَ فَقْدَ الأعزّةِ وغيابَ الأحبّةِ وتبعاتِ الحربِ والمواجهةِ، منَ التهجيرِ إلى الغربةِ إلى شظفِ العيشِ، ويواجِهْنَ ذلكَ بثباتٍ وصلابةٍ واحتسابٍ، منْ لبنانَ وفلسطينَ، إلى سوريا والعراقِ واليمنِ والبحرينِ، إلى إيرانَ وأفغانستانَ وباكستانَ ونيجيريا، وإلى كلِّ بلدانِنا وساحاتِ التحدّي والصمودِ، وأسألُ اللهَ تعالى لَكُنَّ ولهُنَّ العونَ والقوّةَ والثباتَ والصبرَ الجميلَ والأجرَ العظيمَ والثوابَ الجزيلَ والنهاياتِ الطيبةَ في الدنيا والآخرةِ»[4].



[1] الطبريّ الآمليّ، بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، ص198.
[2] الشهيد الثاني، مسكّن الفؤاد، ص84.
[3]فرات بن إبراهيم‏ الكوفيّ، تفسير فرات الكوفيّ، ص446.
[4] من كلامٍ له (رضوان الله عليه) في ذكرى ولادة السيّدة الزهراء (عليها السلام)، بتاريخ 18/03/2017م.

أكد البيت الأبيض أنّ حرباً كاملة ضدّ فنزويلا ليست مطروحة على جدول الأعمال، مشيراً إلى أنّ الإدارة الأميركية ستواصل "الجهود" للحدّ من تدفّق المخدّرات وحماية الأميركيين، في ظلّ تصاعد التوتر مع كاراكاس عقب احتجاز ناقلة نفط تابعة لها هذا الأسبوع.

وفي مؤتمر صحفي، قالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب عازم على إنهاء الاتجار بالنفط بخلاف القوانين الأميركية، مؤكّدة أنّ الإدارة مستمرة في أولوياتها الأمنية وعلى رأسها مكافحة المخدّرات.

وجاء الموقف الأميركي فيما تستعدّ الولايات المتحدة لاعتراض مزيد من السفن التي تنقل النفط الفنزويلي، وفق ما أكّدته 6 مصادر مطلعة لوكالة "رويترز"، في إطار تشديد الضغوط على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وتمثّل عملية الاحتجاز الأخيرة التي أعلن عنها ترامب الأربعاء، أول مصادرة لشحنة نفط فنزويلي خاضعة للعقوبات الأميركية منذ عام 2019، بالتزامن مع تحشيد واشنطن قواتها في جنوب البحر الكاريبي ضمن سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب الرامية إلى الإطاحة بمادورو.

وقالت مصادر ملاحية إنّ عملية الاحتجاز دفعت عدداً من مالكي السفن والمشغّلين والوكالات البحرية إلى إعادة النظر في الإبحار من المياه الفنزويلية خلال الأيام المقبلة، فيما توقّعت المصادر المطلعة أن تنفّذ الولايات المتحدة مزيداً من التدخّلات المباشرة خلال الأسابيع المقبلة ضدّ السفن التي تحمل نفط فنزويلا أو نفطاً من دول خاضعة لعقوبات مشابهة، مثل إيران.

وتطرّقت ليفيت إلى ملفات أخرى، مشيرة إلى أنّ المرحلة الثانية بشأن غزة لا تزال في طور التخطيط المكثّف، وتتخلّلها مشاورات مع مختلف الأطراف، كما أشارت إلى أنّ الإدارة تتابع عن كثب تطوّرات النزاع بين تايلاند وكمبوديا.

وأضافت أنّ ترامب يتواصل مع الأوروبيين بشأن تطوّرات النزاع في أوكرانيا، وقد أعرب عن عدم رضاه لبطء الوتيرة التي تسير بها الأمور هناك.

كما أعلنت موافقة الرئيس على تصدير شرائح "H200" إلى الصين التزاماً بتعهّداته مع الرئيس شي جين بينغ.

ضمن فعاليات أسبوع العفاف الخاص باستذكار الولادة الميمونة لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، أقامت الأمانة العامة للعتبة العلوية المقدسة احتفالية كبرى تمثّلت بـمهرجان التكليف السنوي الثاني عشر بحضور كبير في صحن السيدة الزهراء (عليها السلام).

فقرات المهرجان

وافتتح المهرجان بقراءة آي من الذكر الحكيم تلاها أحد قراء العتبة العلوية المقدسة ومن ثم بادر عريف الحفل الدكتور مؤمل خليفة لتقديم فقرات المهرجان بكلمة اﻷﻣﺎﻧﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﻌﺗﺑﺔ اﻟﻌﻠوﯾﺔ اﻟﻣﻘدﺳﺔ وﻛﻠﻣﺔ أﺣد ﻓﺿﻼء اﻟﺣوزة اﻟﻌﻠﻣﯾﺔ وﻣﺳرﺣﯾﺔ اﻟﻌﻔﺎف وأﻧﺷودة اﻟﻌﻔﺎف.

كلمة الأمين العام

وألقى الأمين العام للعتبة العلوية المقدسة كلمة الافتتاح، قدّم خلالها التهاني إلى العالم الإسلامي بهذه المناسبة العطرة، مستذكراً السيرة الطاهرة للصديقة الكبرى فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

كلمة الحوزة العلمية

الأستاذ في الحوزة العلمية الشيخ مقداد الكعبي ألقى كلمة حملت رسالة إلى الفتيات تعد نهجاً من حياة وعفة الصديقة الطاهرة (عليها السلام ) والانتماء إليها والتحلي بالعفاف والابتعاد عن ما يدعون إليه أعداء فاطمة (عليها السلام ) من أجل الفوز بالحياة الآخرة.

تكريم الفتيات

وشهد المهرجان مشاركة ثلاثة آلاف فتاة بلغت سنّ التكليف الشرعي، برفقة ذويهن والكوادر التربوية من مختلف مدارس محافظة النجف الأشرف، إضافة إلى حضور فتيات من دول أوربية من بينها أوكرانيا والسويد، إذ عبّرن عن فرحتهن بشرف ارتداء الحجاب في رحاب المولى أمير المؤمنين (عليه السلام).

الأقسام المشاركة

وأسهمت أقسام العتبة العلوية في إنجاح فعاليات المهرجان، ومنها قسم الإعلام الذي كان له الدور الفاعل في نقل وقائع الاحتفالية و قسم الآليات ,مركز نَظْم للتخطيط والتطوير والعلاقات, مضيف الزائرين، الذي جهّز آلاف الوجبات من بركات المولى أمير المؤمنين (عليه السلام) للمشاركين في المهرجان بإسناد من 50 متشرفاً بالخدمة فضلاً عن مشاركة قسم الشؤون الخدمية و قسم شؤون حفظ النظام وهيئة الاستثمار .

وكان لشعبة تنظيم الأنشطة والفعاليات الدور المتميز بتنظيم كل الأنشطة والفعاليات النسوية بدءاً من توفير الاحتياجات الأساسية للفتيات، مروراً بتجهيز الهدايا الخاصّة بالفعالية، وانتهاءً بتهيئة أماكن الراحة وتأمين كل ما يتطلبه انسياب الحفل من دون أي ازدحام أو تأخير.

الهدف من الفعالية

ويهدف المهرجان إلى ترسيخ ﻣﻔﮭوم التكليف اﻟﺷرﻋﻲ ﻓﻲ ﻧﻔوس اﻟﻔﺗﯾﺎت ﺑﺄﺳﻠوب محبب وواﺿﺢ وﺗﻌزﯾز القيم اﻷﺧﻼﻗﯾﺔ ﻣﺛل الحياء واﻟﻌﻔﺎف واﻻﻟﺗزام اﻟذاﺗﻲ وﺗﻌرﯾف المكلفات ﺑﺄھم الأحكام الأساسية ﻛﺎﻟﺻﻼة والطهارة والحجاب ودعم ﺛﻘﺔ اﻟﻔﺗﺎة ﺑﻧﻔﺳﮭﺎ وتشجيعها ﻋﻠﻰ تحمل مسؤولياتها الجديدة وﺧﻠق ذﻛرى إيجابية وﻣؤﺛرة ﺗرﺑط اﻟﻔﺗﺎة بالتكليف واﻟﮭوﯾﺔ اﻹﯾﻣﺎﻧﯾﺔ .

وتأتي هذه الفعاليات من ضمن برنامج شامل أعدّته العتبة العلوية المقدّسة لإحياء المناسبة المباركة، وإضفاء أجواء روحانية تليق بمقام السيدة الزهراء (عليها السلام)، وترسيخ قيم العفة والولاء لآل البيت (عليهم السلام). ويشمل البرنامج أكثر من 40 فعالية منوعة داخل النجف الأشرف وخارجها.

المصدر: العتبة العلوية

الجمعة, 12 كانون1/ديسمبر 2025 04:03

مظاهر رأفة صاحب الزمان (عجل الله فرجه)

عند بحث فوائد الإمام الغائب (عليه السلام)، تناولنا الآثار الوجودية لذاته، وشرحنا أن بقاء العالَم واستمرار حياة جميع الخلق كلها مرتبط بوجوده. وفي هذا المقام، نسرد بعض مظاهر الرأفة اللامتناهية له التي تجلّت في صور متعددة؛ ليتبين للجميع أنّ إمام الخير والرحمة، رغم غيبته واختفائه، فإن شعاع رأفته يمتدّ في كل مكان، ويشمل الجميع على قدر استعدادهم وقابليتهم، ولطفه وعنايته جاريان كسريان نهر متدفق لا ينقطع.

وإنّ من أبرز تجليات هذه الرأفة مشاركتَه (عليه السلام) لأتباعه في أحوالهم، وهو سلوك يتحلى به عباد الله الصالحين. فكما أنّ التّوادّ والتراحم بين الإخوة في الدين يُعدّان من أجلّ صفات المؤمنين، فإن الإمام (عليه السلام) يجسّد المثال الأعلى في هذا السلوك الرفيع. فإن المؤمنين في المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تألم له سائر الجسد، كما أنّ راحة كلّ منهم وسعادته تبعثان السرور في قلوب الآخرين، فهم - كما صرّح القرآن – إخوة.

وفي العديد من الروايات، عبّر الأئمة المعصومون (عليهم السلام) عن مشاعر التعاطف والمواساة تجاه شيعتهم، وهذا الشعور النبيل يمثّل سلوى وطمأنينة لقلوب محبيهم، وقوة تدعمهم في مواجهة صعوبات الحياة، وتقوّي صبرهم وصمودهم.

قال الإمام الرضا (عليه السلام): «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ شِيعَتِنَا يَمْرَضُ إِلَّا مَرِضْنَا لِمَرَضِهِ وَلَا اغْتَمَّ إِلَّا اغْتَمَمْنَا لِغَمِّهِ وَلَا يَفْرَحُ إِلَّا فَرِحْنَا لِفَرَحِهِ» (بحار الأنوار، ج 65، ص 167).

وبالتالي، فإن الإمام المعصوم (عليه السلام) - بسبب شدة رأفته ومحبته لأتباعه - يكون في أعلى مراتب الاتصال بهم، وبحكم هذه المحبة يشاركهم أحزانهم وآلامهم؛ كالأم التي تمرض إذا مرض وليدها وتبتهج إذا فرح، لأن الولد عزيز عليها كروحها.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «وَاللَّهِ إِنِّي أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» (بصائر الدرجات، ص 265).

ومن هذا نستنتج أن محبة الإمام المعصوم (عليه السلام) تختلف في جوهرها عن سائر المحبات، فهي محبة خالصة غير مشروطة ولا محدودة، لا تقتصر على القول بل هي متأصلة في أعماق قلبه ووجدانه، ولهذا فهو مرتبط بشيعته ارتباطاً كاملاً يشمل كيانه وروحه.

ومن أبرز الأمثلة على هذه الرأفة الإلهية في شخص إمام الزمان (عجل الله فرجه) ما ورد في قوله الشريف: «إِنَّهُ أُنْهِي إِلَي ارْتِيَابُ جَمَاعَةٍ مِنْكُمْ فِي الدِّينِ وَمَا دَخَلَهُمْ مِنَ الشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ فِي وُلَاةِ أَمْرِهِمْ فَغَمَّنَا ذَلِكَ لَكُمْ لَا لَنَا وَسَاءَنَا فِيكُمْ لَا فِينَا لِأَنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَلَا فَاقَةَ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ» (بحار الأنوار، ج 53، ص 178)