emamian
مكانة الانتظار في الثقافة الشيعية (2)
في دراسة مختصرة، يتم تناول مفهوم "الانتظار" في المرويات الدينية من خلال محورين: الانتظار بالمعنى العام، والانتظار بالمعنى الخاص (المهدوي).
وفيما يلي بيان المحور الأول:
الانتظار بالمعنى العام
في هذا المعنى، تريد التعاليم الدينية أن تؤكد على فضيلة "انتظار الفرج العام"، وأن تُشيع الأمل في المستقبل بين الناس، وفي نفس الوقت تذم اليأس وتنهى عنه.
وقد أعطت التعاليم الإسلامية لهذا النوع من الانتظار (الانتظار العام) أهمية كبيرة، حتى أن بعض الأحاديث وصفت هذا الانتظار بأعلى الأوصاف، منها:
1. الانتظار هو عبادة
القرآن الكريم يحدّد الغاية من الخلق في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56). وتقوم سنة النبي وأهل بيته (عليهم السلام) بترجمة هذه الغاية إلى ممارسات عملية.
وفي هذا السياق، يرفع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) "انتظار الفرج" إلى مقام العبادة، بقوله: «اِنْتِظَارُ الْفَرَجِ عِبَادَةٌ» (الأمالي للشيخ الطوسي، ص 405).
وبما أن العبادة جوهرها عمل، فإن انتظار الفرج يعني منهج حياة وسلوكاً يُمارَس.
2. الانتظار هو أفضل العبادة
لا تقتصر مكانة الانتظار على كونه عبادة فحسب، بل إن النصوص الدينية ترفعه إلى درجة سابقة بين العبادات ذاتها. فبعد التأكيد على كونه عملاً عباديًا، يمنحه الحديث النبوي الصدارة والتفوّق، معلناً: «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ اِنْتِظَارُ الْفَرَجِ» (كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص 287). وهذا يعني أن له ثواباً أعظم وأثراً أعمق في تهذيب النفس وبنائها.
3. الانتظار هو أفضل الأعمال
ثمّ تأتي الخطوة التصاعدية الأكثر إثارة: فليس الانتظار أفضل العبادات وحسب، بل يتعدّاه ليصبح أفضل الأعمال مطلقاً التي يمكن أن تقوم بها أمة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا يشمل جميع أنواع الطاعات والعبادات والأخلاق الحسنة. يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان هذه المرتبة الفريدة: «أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي اِنْتِظَارُ الْفَرَجِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص 644).
4. الانتظار نفسه هو فرج
أثبت علم النفس الحديث أن للأمل دوراً بالغ الأهمية في السلوكيات الاجتماعية. وبعبارة أخرى، فإن انتظار مستقبل مشرق وزاهر يجعل حياة الإنسان الحالية مشرقة ونشيطة أيضاً.
وتُؤكّد بعض الأحاديث أنَّ مجرّد انتظار الفرج يُعَدُّ بحدِّ ذاته فرجاً وانفراجاً. وفي هذا السياق يقول الإمام السجاد (عليه السلام): «اِنْتِظَارُ الْفَرَجِ مِنْ أَعْظَمِ الْفَرَجِ» (كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص 319).
5. الانتظار هو أفضل الجهاد
في التعاليم الدينية، عُرف الجهاد في سبيل الله بأنه من أعظم الأعمال. وقد أولت النصوص الدينية لهذه الفضيلة اهتماماً بالغاً في آيات القرآن وأحاديث المعصومين (عليهم السلام).
وبخصوص أهمية انتظار الفرج - بالإضافة إلى ما سبق - نجد في بعض النصوص ما يلفت الانتباه، وهي التي عدّت الانتظار "جهاداً" بل "أفضل الجهاد". ومن هذه الأحاديث أيضاً يُستفاد بوضوح أن الانتظار هو نوع من العمل.
ومن ذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَفْضَلُ جِهَادِ أُمَّتِي اِنْتِظَارُ الْفَرَجِ» (تحف العقول، ص 37).
ذم اليأس (النَّقِيض)
في المقابل، نجد أن اليأس من رحمة الله مذموم جداً في الإسلام، بل إن القرآن يصف اليأس بأنه صفة الكافرين، كما في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف: 87).
أما المحور الثاني من البحث فهو "الانتظار بالمعنى الخاص" أو "انتظار الفرج المهدوي"، الذي يركز على انتظار تحقق المجتمع الإلهي على يد الإمام الموعود (عجل الله فرجه)...
مكانة الانتظار في الثقافة الشيعية (1)
النشاطُ والحيويةُ البشريّان عبر العصور - على المستويين الفردي والاجتماعي - مرهونان بنعمتي "الأمل" و"الانتظار". فبدون أملٍ في المستقبل، تفقد الحياةُ قيمتها ومعناها. وما يبعث الأملَ في الحياة ويضفي عليها جاذبية، ويُهوّن الهمومَ والمتاعب، هو انتظارُ مستقبلٍ مشرقٍ ومُزدهر، تُلبَّى فيه جميعُ الاحتياجات الروحية والمادية للإنسان على أكمل وجه. وفي ظلّ هذا الانتظار والأمل، يتحمّل الإنسانُ المشاقَّ ويواصل مسيرته.
ووفقاً لما تلقّاه معاشرُ الشيعة من تعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، قد جعلوا الأملَ وانتظارَ المستقبل منارةً يهتدون بها في دربهم.
المعنى اللغوي والاصطلاحي لـ"انتظار الفرج"
كلمةُ "انتظار" في اللغة تعني "الترقُّب" مطلقاً (1)، أما في الاصطلاح فتعني: ترقُّبَ ظهور الحجة الإلهية الأخيرة، والاستعدادَ لنصرته في إقامة حكم العدل في جميع أنحاء العالم.
وبعبارة أخرى، فإن "الانتظار" حالةٌ نفسية تخلق استعداداً لدى الإنسان لما يترقَّبه، ونقيضُها اليأسُ والقنوط. فكلما اشتدَّ الانتظار وتوهجت جذوته، زادت حركية الإنسان ونشاطه، وبالتالي تعمَّق استعدادُه (2).
أما "الفرج" فمعناه "انكشاف الضيق". وينبع "انتظار الفرج" من الفطرة البشرية الساعية نحو الكمال، وإن كانت ثمة عوامل أخرى قد تكون منشأً لهذا الانتظار.
انتظار الفرج في المذاهب الإسلامية
وخلافاً لما يظنّه البعضُ من أن فكرة المهدوية من ابتكار الشيعة، فإن الاعتقادَ بالمهدويّة ليس حِكراً على أتباع أهل البيت (عليهم السلام) فحسب، بل يشكّل جزءاً أصيلاً من العقيدة الإسلامية، وإحدى القضايا الجوهرية في الأصول الإسلامية، والتي تشارك فيها جميع الفرق والمذاهب الإسلامية استناداً إلى البشارات الواردة في القرآن الكريم وتعاليم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). فالرواياتُ المتعلقة بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) - كما وردت في مصادر الشيعة - موجودةٌ أيضاً في العديد من كتب أهل السنة المعتمدة.
ومن هنا، فإن الإيمانَ بالانتصار النهائي لقِوى الحق، وإرساءَ قيم الإنسانية كاملةً وشاملةً على يَدِ شخصيةٍ جليلةٍ جاء ذكرها في الروايات الإسلامية باسم "المهدي"؛ إنما هو إيمانٌ يستمدُّ أسسه من الوحي. وعليه، فإن انتظارَ فَجرِ ذلك العصر، فضلاً عن تجذُّره في منظومة اعتقادات أتباع الديانات السماوية كافة، يحظى بأهمية خاصة لدى المسلمين.
التقسيم الأساسي لمعنى الانتظار
وفي دراسة موجزة، يمكن تقسيم الروايات التي تناولت الحديث عن "الانتظار" إلى قسمين رئيسيين: "انتظار الفرج بالمعنى العام" و"انتظار الفرج بالمعنى الخاص"...
"شَعَّت.. فلا الشَّمسُ تَحكيها ولا القمرُ".. قصيدةٌ تَتَغنّى بنور السيدة الزّهراء (عليها السلام)
في إطار استعدادات المؤمنين لاستقبال الذكرى العطرة لولادة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) في العشرين من شهر جمادى الآخرة، تبرز قصيدة "شَعَّت.. فلا الشمسُ تحكيها ولا القمرُ.." للراحل السيد محمد جمال الهاشمي، كتحفة أدبية تعبر عن عظمة المولودة وعمق مكانتها.
تسبر الأبيات أغوار شخصية الزهراء (عليها السلام) من نورانيتها التي تزدهر بها الأكوان، إلى دورها المحوري في استمرار خط النبوة والإمامة، مروراً ببعض الملمات التي تعرضت لها، وفق مصادر تاريخية.
وإليكم نص القصيدة:
شَعَّت.. فلا الشمسُ تحكيها ولا القمرُ ** «زهراءُ» مِن نورِها الأكوانُ تَزدهرُ (1)
بـنـتُ الـخـلودِ لـهـا الأجـيـالُ خـاشـعةٌ ** أمُّ الــزمــان إلــيـهـا تـنـتـمي الـعُـصُـرُ
روحُ الـحـيـاة، فــلـولا لُـطـفُ عـنـصرِها ** لــم تـأتَـلِفْ بـيـننا الأرواحُ والـصُّـوَرُ (2)
سَـمَـت عــن الأفـق.. لا رُوحٌ ولا مَـلَكٌ ** وفــاقــت الأرض.. لا جِــــنٌّ ولا بَــشَـرُ
مـجـبـولـةٌ مِــــن جـــلالِ اللهِ طـيـنـتُها ** يَــرِفُّ لُـطفاً عـليها الـصَّونُ والـخَفَرُ (3)
مـــا عــابَ مَـفْـخرَها الـتـأنيثُ إنّ بـهـا ** عــلَـى الـرجـالِ نـسـاءُ الأرضِ تَـفـتخِرُ
خـصـالُـها الــغُـرُّ جَـلّـت أن تـلـوكَ بِـهـا ** مِــنّـا الـمَـقـاوِلُ أو تَــدنـو لــهـا الـفِـكَرُ
مَـعنى الـنبوّةِ سـرُّ الـوحيِ، قـد نَـزلَتْ ** فــي بـيـتِ عـصـمتِها الآيــاتُ والـسُّوَرُ
حَـــوَتْ خِـــلالَ رســـولِ اللهِ أجـمَـعَـها ** لـولاَ الـرسالةُ سـاوى أصـلَه الثَّمَرُ (4)
تَـدرّجَـت فــي مَـراقـي الـحقِّ عـارجةً ** لِـمَـشرِق الـنـورِ حـيث الـسِّرُّ مُـسْتَتِرُ
ثـــمّ انْـثَـنَـت تَــمـلأُ الـدنـيـا مـعـارفُـها ** تَـطـوي الـقُـرونَ عَـيـاءً وهــي تـنـتشرُ
قُـل لِـلّذي راحَ يُـخفي فـضلَها حَسَداً: ** وجــهُ الـحـقيقةِ عـنـا كـيف يَـنْسَتِرُ ؟!
أتَـقـرِنُ الـنـورَ بـالـظلماءِ مِـن سَـفَهٍ ؟! ** مـا أنـتَ فـي الـقولِ إلاّ كاذبٌ أشِرُ (5)
بــنـتُ الـنـبـيّ الـــذي لـــولا هـدايـتُهُ ** مــــا كـــان لـلـحـقِّ لا عــيـنٌ ولا أثَـــرُ
هـــيَ الــتـي وَرِثَـــت حــقّـاً مـفـاخِرَهُ ** والـعـطرُ فـيـه الـذي فـي الـوردِ مُـدَّخَرُ
فــي عـيـدِ مـيـلادِها الأمــلاكُ حـافـلةٌ ** والـحورُ فـي الجنّة العُليا لها سَمَرُ (6)
تـزوّجَت فـي الـسما بـالمرتضى شَرَفاً ** والـشـمسُ يَـقرنها فـي الـرتبة الـقَمَرُ
عــلـى الـنـبوّة أضْـفَـت فــي مـراتـبِها ** فَــضْــلَ الــولايــة لا تُــبـقـي ولا تَـــذَرُ
أمُّ الأئــمّــةِ مَــــن طَــوعـاً لـرغـبـتِهم ** يـعـلـو الـقـضـاءُ بــنـا أو يَــنـزِل الــقَـدَرُ
قـفْ يـا يَـراعيَ عـن مـدحِ البتولِ ففي ** مـديـحِـهـا تَــهـتِـفُ الألــــواح والــزُّبُــرُ
وارجِـــعْ لـتـستخبِرَ الـتـاريخَ عــن نـبـأً ** قــــد فـاجَـأَتْـنا بـــه الأنــبـاءُ والـسِّـيَـرُ
هـل أسـقَط الـقومُ ضـرباً حَملَها فَهَوَتْ ** تَــئِـنُّ مِـمّـا بـهـا والـضـلعُ مُـنـكسِرُ ؟!
وهــل كـمـا قـيـل قـادوا بَـعلَها فَـغَدَتْ ** وراه نــادبــةً والــدمـعُ مُـنـهـمِرُ ؟! (7)
إنْ كــان حـقّـاً فــإنّ الـقـومَ قـد مَـرَقوا ** عــنِ الـهـدى، وبِـدِيـن الله قـد كـفروا!
الهوامش:
1 ـ تحكيها: تشابهها وتناظرها.
2 ـ في الحديث القدسيّ يخاطب الله تعالى آدمَ (عليه السّلام): هؤلاء خمسةٌ مِن وُلْدِك (أي النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين)، لولاهم ما خلقتُك.. لولاهم ما خلقتُ الجنّة ولا النار، ولا العرشَ ولا الكرسيّ، ولا السماءَ ولا الأرض، ولا الملائكة والإنس ولا الجنّ.. ( فرائد السمطين للجوينيّ الشافعيّ 36:1 ).
3 ـ الخَفَر: شدّة الحياء.
4 ـ عن عائشة: ما رأيتُ أحداً أشبهَ سَمْتاً ولا دلاًّ ولا هَدْياً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوريّ 272:4، وذخائر العقبى للمحبّ الطبريّ، ص 40).
5 ـ الأشِر: البَطِر العابث.
6 ـ في ( كفاية الطالب، ص 300 / الباب 79) كتب الگنجيّ الشافعيّ: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: أيُّها الناس، هذا عليُّ بن أبي طالب، أنتم تَزعُمون أنّني أنا زوّجتُه ابنتي فاطمة، ولقد خَطبَها إليّ أشراف قريشٍ فلم أُجِب كلَّ ذلك، أتوقّع الخبرَ من السماء، حتّى جاءني جبرئيلُ (عليه السّلام) ليلةَ أربعٍ وعشرين من شهر رمضان فقال: يا محمّد، العليُّ الأعلى يقرأ عليك السّلام، وقد جمع الروحانيّين والكروبيّين في وادٍ يُقال له «الأفيح» تحت شجرة طُوبى، وزوّج فاطمةَ عليّاً، وأمرَني فكنتُ الخاطب، واللهُ تعالى الوليّ، وأمر شجرة طوبى فحمَلَت الحُليَّ والحُلل والدرّ والياقوت ثمّ نثَرَته، وأمرَ الحورَ العين اجتمعن فلقَطْن، فهُنّ يَتهادَينه إلى يوم القيامة ويَقُلن: هذا نِثارُ فاطمة.
7 ـ في (علم اليقين 686:2 ـ 688) كتب الفيض الكاشانيّ: ثمّ إنّهم تواثبوا على أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو جالسٌ، واجتمعوا عليه حتّى أخرجوه سحباً مِن داره مُلبَّباً بثوبه يجرّونه إلى المسجد، فحالت فاطمة بينهم وبين بعلها، وقالت: واللهِ لا أدَعُكم تجرّون ابن عمّي ظلماً، وَيْلكُم! ما أسرعَ ما خُنتمُ الله ورسولَه فينا أهلَ البيت! وقد أوصاكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) باتّباعنا ومودّتنا والتمسّك بنا فقال الله تعالى: « قُلْ لا أسألُكُم علَيهِ أجْراً إلاَّ المودّةَ في القُربى» (سورة الشورى:23).. ( ويراجع: إثبات الوصيّة للمسعوديّ ص 124، والكافي للكلينيّ 237:8/ ح 320، وتاريخ الطبريّ 619:2، وتفسير العيّاشيّ 67:2 ).
المصدر: موقع القصائد الولائية
إيرواني: يجب على العالم أن يتخذ إجراءات حاسمة لإنهاء الإبادة الجماعية
أمير سعيد إيرواني، السفير والممثل الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، أشار خلال اجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة بمناسبة الذكرى العاشرة لـ "اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا جرائم الإبادة الجماعية ومنع هذه الجرائم"، إلى أن العالم يجب أن يتحرك بحزم، بشكل جماعي وفوري، لوضع حد لهذه الجريمة ولحماية كرامة ضحايا الإبادة الجماعية.
نص الخطاب كان على النحو التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
كما اجتمعنا اليوم في الاجتماع الرفيع المستوى للجمعية العامة بمناسبة الذكرى العاشرة لـ "اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا جرائم الإبادة الجماعية"، نؤكد مرة أخرى على أعلى مستويات التزامنا بمكافحة جريمة الإبادة الجماعية ومنعها.
بصفتنا أحد المشاركين في قرار الجمعية العامة الذي أسس هذا اليوم، نُعبر عن احترامنا لجميع الضحايا الذين يعاني ألمهم المجتمع الدولي، مما يستدعي منه اتخاذ إجراءات حازمة وصريحة من الناحية الأخلاقية. إن منع الإبادة الجماعية ليس مجرد هدف مشترك؛ بل هو التزام قانوني ملزم، منصوص عليه في القانون الدولي، وواجب خطير تجاه الإنسانية. إنها مسؤوليتنا الجماعية أن نمنع حدوث الإبادة الجماعية في أي مكان وزمان تتعرض فيه الإنسانية لهذا التهديد، وأن نُعاقب مرتكبي هذه الجرائم.
يتحمل جميع الدول الأعضاء التزامًا شاملاً في منع ومعاقبة الإبادة الجماعية، وكذلك الامتناع عن تقديم أي شكل من أشكال الدعم أو المساعدة لارتكابها. إن منع الإبادة الجماعية هو قاعدة آمرة في القانون الدولي؛ قاعدة لا يحق لأي دولة تجاهلها أو تقويضها أو تطبيقها بشكل انتقائي. يجب السعي لتحقيق العدالة بلا هوادة، لأن الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى تفاقم الجرائم.
في هذا السياق، نُقدّر الدور المهني والأساسي لـ "اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الأراضي المحتلة الفلسطينية"، وهي لجنة توصلت إلى نتائج مثيرة للقلق حول الأفعال التي يُعتبر أنها تصل إلى حد الإبادة الجماعية من قبل الكيان الصهيوني في غزة.
لقد تحدى الكيان الصهيوني مرارًا وتكرارًا القانون الدولي وخرق حقوق الإنسان والقانون الإنساني بطرق وثقتها آليات الأمم المتحدة بشكل واسع. وقد أشار محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري إلى ما حدث ضد الشعب الفلسطيني في غزة كإبادة جماعية.
تؤدي العمليات العسكرية للكيان الصهيوني إلى قتل وإصابة عدد كبير من المدنيين، وفرض حصار كامل وتجويع، وتدمير منهجي لقطاعي الصحة والتعليم، وارتكاب أعمال عنف جنسي وتعذيب واسع النطاق، واستهداف مباشر للنساء والأطفال، وهجمات واسعة على المواقع الثقافية والدينية، وعرقلة المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة. إن مثل هذه الجرائم لا يمكن تبريرها أو التقليل من شأنها أو إخفاؤها.
يجب أن نقاوم دور بعض وسائل الإعلام الغربية؛ تلك التي ساهمت في تبرير هذه الأفعال الإبادية من خلال التحريف واستخدام لغة غير إنسانية.
كما أكدت المقررة الخاصة، السيدة ألبانيزه، فإن العديد من الدول الغربية، في حين تختبئ وراء الدبلوماسية، قد سهلت وشرعت وأخيرًا عادت إلى تطبيع هذه الحملة الإبادية، وأعادت إنتاج الروايات الاستعمارية وتحريفات الكيان الصهيوني للقانون الدولي.
السيدة الرئيسة،
لا يمكن محو الإبادة الجماعية بالصمت. إن صوتنا في سبيل العدالة له تأثير. يجب أن تتحول معاناة ضحايا الإبادة الجماعية إلى حزننا وإرادتنا الموحدة والحازمة لإنهاء هذه الجريمة بشكل قاطع. يجب على الأمم المتحدة، ليس فقط من خلال إقامة مثل هذه الفعاليات التذكارية، ولكن من خلال الإرادة الأخلاقية الحقيقية لجميع أعضائها، أن تتولى قيادة هذه الجهود. يجب على العالم أن يتخذ إجراءات حاسمة، جماعية وفورية، لإنهاء هذه الجريمة وحماية كرامة ضحايا الإبادة الجماعية.
لعبة الدومينو الأخيرة: لماذا أجهضت نيجيريا الانقلاب في دولة بينين؟
عندما اخترقت طائرات نيجيريا الحربية الأجواء البنينية الأحد الماضي، لم تكن تحمل قنابلها نحو مقارّ الانقلابيين فحسب، بل كانت تحمل في مسارها رسالة جيوسياسية مصيرية: "هنا ينتهي مسار التمرد على الاستعمار الغربي".
ما قامت به نيجيريا لم يكن مجرد عملية عسكرية لقمع انقلاب عسكري، بل كان إجهاضاً متعمداً لمسار تاريخي كاد أن يعيد رسم خريطة النفوذ في غرب أفريقيا. كانت سرعة تحرك نيجيريا التي عُرفت بترددها في التدخلات الخارجية لافتة، وتكشف عن حسابات تتخطى ادعاء المحافظة على الديمقراطية والاستقرار.
لماذا كانت بنين آخر حصن يجب أن يسقط؟
يظل اكتمال خريطة التمرد ضد النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا، رهيناً بتحرر بينين من ذلك النفوذ، ولو نجح الانقلاب العسكري فيها، لاكتمل بناء القوس الثوري بالتحاقها بمسيرة التحرر التي انتظمت، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ولتمكنت هذه الدول من كسر الحصار المضروب عليها بالوصول إلى ساحل أفريقيا على الأطلسي، لأن بنين مثلت الحلقة المفقودة في مسار نموذج الساحل الثوري، وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الانقلاب في سياق قلب معادلة القوة الإقليمية أكثر منه انقلاباً على نظام حكم.
الاتصال القاتل: كيف حولت مكالمة هاتفية اتجاهات الريح؟
يكشف التسلسل الزمني للأحداث عن طبيعة التحالف الذي حسم الموقف. فقبل ساعات فقط من الضربات الجوية، أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالاً بالرئيس النيجيري بولا تينوبو. عبارة ماكرون التي أعلنها علناً: "الحياد لم يعد خياراً"، لم تكن مجرد تعبير عن تضامن، بل كانت في سياقها الجيوسياسي أمراً تنفيذياً واضحاً. كانت الرسالة الموجهة لأبوجا: "المسؤولية عن حماية مصالحنا في هذه المنطقة تقع على عاتقكم الآن".
تجلّت ملامح هذه الشراكة الجديدة في عدة مؤشرات عملية. أولها، التنسيق الاستخباري الفوري الذي مكّن من تنفيذ عمليات دقيقة؛ حيث كانت طائرات الاستطلاع الفرنسية تجمع المعلومات وتحدد الأهداف، بينما نفذت المقاتلات النيجيرية الضربات. ثانيها، السرعة الاستثنائية في التحرك، ما يشير إلى خطط طوارئ جاهزة ومعلومات مسبقة مشتركة، وليس قراراً ارتجالياً. ثالثها، الإشراف السياسي المباشر الذي تجسد في تحليق طائرة نائب الرئيس النيجيري في أجواء بنين أثناء العملية، كإشارة على أن القيادة السياسية كانت تراقب تنفيذ المهمة على الأرض.
كان المشهد بذلك يعيد إنتاج نموذج التفويض الإمبراطوري في قالب حديث: تقدم القوة العظمى القديمة "فرنسا" الغطاء السياسي والمعلومات الاستخبارية الحاسمة، وتوفر القوة الإقليمية الناشئة "نيجيريا"القوة النارية والتكلفة السياسية الميدانية.
التناقض القاتل: لماذا اختلفت مواقف نيجيريا بين انقلابي النيجر وبنين؟
يُظهر الموقف النيجيري المتضارب من الانقلابات في النيجر ثم في بنين، جوهر التحول في الحسابات الجيوسياسية. ففي 2023، قاومت نيجيريا ضغوطا داخل تجمع "إيكواس" للتدخل عسكرياً في النيجر بعد انقلابها، وتبنّت خطاب السيادة والحلول الدبلوماسية. أما في 2025، فقادت بنفسها تدخلاً عسكرياً سريعاً وعنيفاً في بنين. الفارق الحاسم لم يكن في طبيعة فعل الانقلاب، بل في اتجاه بوصلته الجيوسياسية.
عندما اتجه انقلاب النيجر بعيداً عن فرنسا ونحو تحالفات جديدة، رأت نيجيريا أن الحياد وعدم التدخل هما الموقف الأمثل. كان ذلك يحقق توازناً بين الضغوط الغربية والمشاعر الشعبية الأفريقية المناهضة للاستعمار داخل نيجيريا نفسها. أما عندما هدد الانقلاب في بنين بتغيير اتجاه البوصلة بعيداً عن فرنسا أيضاً، تحول الموقف فجأة إلى ضرورة عسكرية ملحة. كشف هذا التناقض أن المعيار الحاكم في أبوجا لم يُعِر مبادئ عدم التدخل أي اعتبار، بل غلّب مصلحة النظام على كل اعتبار، وهذا فقط ما بات يحمي النظام الإقليمي المتحالف مع الغرب.
واجهت نيجيريا خياراً صعباً لكنها حسمته لمصلحة التحالف التقليدي. من ناحية، كان قبول انقلاب بنين يعني احتمال ظهور تحالف روسي-ساحلي قوي ومعادٍ على حدودها الغربية مباشرة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر أمنية وفقدان للحظوة الغربية. من ناحية أخرى، ضمن التدخل الحاسم استمرار تدفق التجارة الحيوية عبر ميناء كوتونو، وعزز من صورة نيجيريا كفاعل إقليمي لا يتردد، وربما فتح أبواب مكاسب سياسية واقتصادية من الشركاء الغربيين.
ماذا كسبت نيجيريا وماذا خسرت في سماء كوتونو؟
من الناحية العسكرية المباشرة، سُجّل النصر للتحالف الذي قادته نيجيريا. تم احتواء المحاولة الانقلابية وعاد الهدوء إلى العاصمة الاقتصادية كوتونو. لكن هذا الانتصار التكتيكي يحمل في طياته ثمناً استراتيجياً باهظاً قد تدفعه نيجيريا على المديين المتوسط والطويل.
لقد كسبت نيجيريا تأكيداً لدورها كقوة إقليمية مفوّضة من قبل القوى الغربية، وقدرةً على حماية مصالحها الاقتصادية الحيوية في أحد أهم الموانئ المجاورة لها. كما أرسلت رسالة ردع واضحة لأي قوى داخلية أو إقليمية أخرى قد تفكر في زعزعة النظام القائم في الدول الحليفة.
إلا أن هذه المكاسب تقابلها خسائر عميقة. الخسارة الأكبر قد تكون في شرعيتها الأفريقية؛ فكيف يمكن لدولة تتزعم الدعوة إلى التضامن الأفريقي أن تقود قصفاً لجارتها دفاعاً عن مصالح تُعتبر في عيون الكثيرين استعمارية؟ كما أن هذا الموقف يخلق توتراً داخلياً في نيجيريا نفسها، حيث يتعاطف جزء لا يُستهان به من الشارع والنخبة مع نضال دول الساحل للتحرر من الهيمنة الفرنسية. والأخطر، أن هذا الفعل قد يزرع بذور كراهية مستقبلية ورواسب غضب على الحدود، قد تؤثر لاحقاً في الاستقرار.
باختصار، فضّلت نيجيريا دور حارس النظام الاستعماري القديم في لحظة تاريخية كان يمكن أن تختار فيها أن تكون قائدة للتغيير الإقليمي. لقد حافظت على الاستقرار قصير الأمد، لكن على حساب رصيدها الأخلاقي وعلاقاتها الطويلة مع جيرانها وشعوب القارة.
جيوش "وطنية" في حراسة مصالح خارجية
مع إخماد شرارة الانقلاب في بنين، يبقى السؤال الأعمق والأكثر إلحاحاً معلقاً في أجواء المنطقة: من المستفيد الحقيقي على المدى البعيد؟ لقد نجح التحالف الفرنسي-النيجيري في تأجيل حدوث زلزال جيوسياسي، لكنه فشل في معالجة الأسباب البنيوية العميقة التي تسبب هذه الزلازل، أي الغضب المتراكم من الهيمنة الخارجية والإحباط من أنظمة تُعتبر غير ممثلة لشعوبها.
المعضلة الحقيقية التي كشفت عنها أزمة بنين هي تحول أدوات الحل التقليدية نفسها إلى جزء من المشكلة. فالجيوش الوطنية، التي تجيء حماية سيادة البلاد في أعلى قائمة مهامها، أصبحت في بعض المشاهد أداة لحماية مصالح خارجية. والمنظمات الإقليمية التي أُنشئت لتعزيز التكامل، تحولت إلى أطراف فاعلة في عقاب الدول المتمردة على "الاستعمار" الجديد. والقادة الوطنيون، وجد بعضهم نفسه في موقع حرج بين مطالب الشعوب وضغوط الحلفاء الأجانب.
شكّلت بنين اختباراً مصغراً وكاشفاً للمعركة الكبرى التي يخوضها غرب أفريقيا: معركة بين قوى تريد الحفاظ على بقايا نظام عالمي قديم وآخذ في التآكل، وقوى طامحة لبناء نظام إقليمي جديد مهما كان ثمن الفوضى المؤقتة. لقد أوقفت الضربات الجوية هذا الاختبار، لكنها لم تُجب عن الأسئلة الجوهرية التي أطلقها. وتاريخ المنطقة يقول إن الأسئلة المعلقة حول الحرية والعدل والكرامة الإنسانية والاستقلال الحقيقي، تكون غالباً أقوى وأبقى من كل القنابل.
المشهد المقبل سيكشف إن كانت بنين هي المعركة الختامية لحرب "الاستعمار" القديم، أم أنها مجرد اشتباك افتتاحي لحرب إقليمية جديدة ستشتعل من المحيط إلى أعماق الصحراء. ويبقى اليقين الوحيد هو أن الشعوب التي تجد نفسها ساحة لمعارك تخوضها قوى كبرى وجيران أقوياء فوق أراضيها، هي من تدفع أغلى الأثمان. وفي سماء كوتونو التي ما زال دخان الانفجارات يتصاعد منها، بدأ العد التنازلي لدفع ذلك الثمن مرة أخرى.
الموت والفناء في كلام الإمام علي (عليه السلام)
الرفاهية والإسراف من منظور التعاليم الإسلامية
"من منظور التعاليم الدين الإسلامي، يمتلك البشر بُعدين جسدياً وروحياً، ويجب على الإنسان أن يهتم باحتياجات كلا البُعدين. لم يجز الإسلام الرهبانية والعزلة. إن تصور أن المتدينين يجب أن يهتموا فقط بالبُعد الروحي هو فهم خاطئ للتعاليم الدينية.
بناءً على ذلك، من الناحية الفردية، يجب على المسلمين والمؤمنين تلبية احتياجاتهم الجسدية والدنيوية والسعي لتحقيق مستوى معيشي مقبول. كما أنه من الناحية الاجتماعية، يجب على الحكومات توفير بيئة مناسبة للعيش لمواطنيها حتى لا يشعر أفراد المجتمع بالقلق بشأن تلبية احتياجاتهم.
إنّ الاهتمام بالمعيشة وإدارة الشؤون المادية للحياة، من وجهة نظر الدين، له أهمية كبيرة حتى أنه يُعتبر أحد أركان الوصول إلى النمو والكمال.
وفقاً لرواية عن الإمام الصادق (ع)، فإن تدبير المعيشة يعني إدارة الأمور المادية للحياة إلى جانب التفقه في الدين والصبر على المشاكل والصعوبات، وهذا يؤدي إلى تحقيق الكمال في الأفراد.
بالإضافة إلى ذلك، في الأدعية الواردة عن الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، تمّ تعليم الناس أن يطلبوا من الله تعالى الرفاهية في أمر المعيشة كما جاء "أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ الرَّفَاهِيَةَ فِي مَعِيشَتِي مَا أَبْقَيْتَنِي مَعِيشَةً أَقْوَى بِهَا عَلَى طَاعَتِكَ» (الكافي، ج٥، ص ٥٨٩).
الرفاهية تعني التمتع بالإمكانات الدنيوية بحيث لا يواجه الإنسان صعوبة أو مشقة في تلبية احتياجاته الأساسية للحياة الدنيوية مثل الطعام المناسب، والسكن، ووسائل النقل، وغيرها.
من منظور الدين الاسلامي فإن تلبية هذه الاحتياجات أمر ضروري، لأن الدين لا يركّز فقط على الجانب الروحي للإنسان، بل يأخذ في الاعتبار الجانب الجسدي أيضاً، لكن النقطة المهمة في تلبية الاحتياجات الأساسية للحياة الدنيوية من وجهة النظر الدينية هي أن الإنسان يجب أن يسعى لتلبية هذه الاحتياجات من خلال رؤية وتصور توحيدي صحيح، وفقط في هذه الحالة يمكن للإنسان أن يحدّد حدّاً معيناً ومعقولاً للسعي في سبيل تلبية إحتياجاته الأساسية.
تتفاعل مفاهيم الرفاهية وعدم الإسراف دائماً في التعاليم الأصيلة للإسلام وتتوازن فيها، ويمكن أن يساعد الالتزام بمبادئ القناعة، والتوفیر، والإدارة الصحیحة للموارد، ونشر الوعي في المجتمع في تحقيق الرفاهية المستدامة وتقليل الإسراف. هذه المناهج لا تؤدي فقط إلى تحسين جودة الحياة الفردية والجماعية، بل تلعب أيضاً دوراً فعالاً في الحفاظ على البيئة والعدالة الاجتماعية. لذلك، فإن تعزيز التعاليم الإسلامية والشيعية في مجال الرفاهية والإسراف هو وسيلة فعالة لبناء مجتمع عادل وصحي ومستدام، يتم فيه الحفاظ على كرامة الإنسان والاستفادة العادلة من النعم الإلهية".
رؤية الإمام الخميني (قدس سره) لمكانة المرأة في الإسلام
لقد اهتم الإمام (قدس سره) بشأن المرأة حتى جعل لها يوماً خاصاً يتجدد كل عام، لتبقى قضاياها وحقوقها وفعالياتها حاضرة على الدوام، يقول: "مبارك للشعب الإيراني العظيم، وخصوصاً النساء المحترمات، يوم المرأة المبارك، اليوم المجيد لتلك الجوهرة اللامعة التي كانت على الأساس للفضائل الإنسانية والقيم العالية "لخلافة الله" في العالم"[1].
لقد اختار لها يوماً من أشرف أيام الإنسانية وأعز الأيام على قلبه، يوم ولادة السيد فاطمة الزهراء )عليها السلام(. تلك الإنسان الكامل وقد عبر عنها أنها "الأساس للفضائل الإنسانية والقيم العالية" فاختيار هذا اليوم بالخصوص للمرأة ليس من قبيل الصدفة، وإنما يصيب أمرين في وقت واحد.
فهو يلفت إلى أهمية المرأة ودورها الأساسي في المجتمع، والذي تجسد بالسيدة الزهراء عليها السلام بأبهى صوره وأكمل شأنه وأرفع درجاته.
ومن جهة أخرى هو يوم القدوة الصالحة والكاملة للمرأة. فاليوم الذي ستنطلق منه المرأة كل عام هو يوم السيدة الزهراء )عليها السلام(، لتشكل القدوة التي يجب تقديمها للنساء، والتي يجب على النساء أن تسير على نهجها وبضيائها.
كل هذا يشير إلى أهمية المرأة ومكانتها السامية في نظر الإمام الخميني (قدس سره) الشريف وبالتالي بنظر الإسلام الأصيل.
ما قدمه الإسلام للمرأة
"خدم الإسلام المرأة بنحو لم يكن له سابقة في التاريخ، لقد انتشل المرأة من تلك الأوحال، وأكرمها وجعلها إنسانة ذات شخصية"[2].
"لم يخدم الإسلام الرجل بمثل ما خدم المرأة، إنكن لا تعلمن ماذا كانت عليه المرأة في الجاهلية، وما آلت إليه في الإسلام"[3].
لم يكن سهلاً ـ بالمعايير المادية ـ أن يقف ذلك الرجل العظيم بين أهل الجاهلية ليصرخ فيهم (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)[4].
وفي غضون سنوات قليلة استطاع هذا النبي الكريم بمعجزة وتسديد إلهي أن يقلب ذلك المجتمع المتحجر الذي هضم حق المرأة واحتقرها حتى وصل إلى الوأد المادي بعد وأد مكانتها معنوياً وتحويلها إلى عنصر فساد في المجتمع.
هذا المجتمع الذي استطاع أن يحوله الإسلام من مجتمع: "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ"[5]، إلى مجتمع "الجنة تحت أقدام الأمهات" ومجتمع "فاطمة أم أبيها" ومجتمع "خير الأولاد المخدرات من كانت عنده واحدة جعلها الله ستراً له من النار" كما في الحديث النبوي الشريف.
هذا بعض ما قدمه الإسلام للمرأة بمجرد ظهوره.
وهذه الخدمة للمرأة لا تتوقف آثارها على خصوص المرأة بل هي خدمة للإنسانية جمعاء وللمجتمع بشكل عام، يقول الإمام قدس سره: "لقد من الإسلام على الإنسان بإخراجه المرأة من تلك المظلومية التي كانت تغط فيها في الجاهلية. فلقد كانت في نظرهم أدنى من الحيوان وكانت مظلومة، والإسلام هو الذي أخرجها من مستنقع الجاهلية"[6].
ومع كل غياب للإسلام عن المجتمع عبر التاريخ، تنحط مكانة المرأة، ومع كل إشراقة جديدة له ترتفع مكانتها في المجتمع مجدداً لترجع إلى إنسانيتها.
"لقد استعادت اليوم المرأة ـ هذا العضو الفاعل في المجتمع ـ مكانتها ـ إلى حد ما ـ ببركة النهضة الإسلامية"[7].
[1] - الكلمات القصار صفحة 285.
[2] - من كلمة بتاريخ 9/11/1978.
[3] - من كلمة بتاريخ 9/11/1978.
[4] - سورة التكوير. الآيتان / 8ـ9.
[5] - القرآن الكريم، سورة النحل. الآيتان / 58ـ59.
[6] - من كلمة بمناسبة يوم المرأة بتاريخ 6/5/1979.
[7] - من كلمة بمناسبة يوم المرأة بتاريخ 5/5/1980.
التوازن بين العبادة والمسؤوليات في حياة الزهراء (عليها السلام)
كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد لاقت ما لاقته من مشقّة العمل في المنزل، فاقترح عليها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن تطلب خادمة من أبيها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لهما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "أفلا اُعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فكبّرا أربعاً وثلاثين تكبيرة، وسبّحا ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، واحمدا ثلاثاً وثلاثين تحميدةً... فقالت (عليها السلام): رضيت عن الله وعن رسوله، رضيت عن الله وعن رسوله"[1].
فما كان من الزهراء (عليها السلام) إلّا أن حوّلت تلك العطية الإلهيّة إلى سُنّة وسلوك يوميّ، فصنعت سبحة ليتسنّى لها التسبيح بها متى شاءت، فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: "إنّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت سبحتها من خيط صوف مفتّل معقود، عليه عدد التكبيرات، وكانت عليها السلام تديرها بيدها تكبر وتسبح حتّى قتل الحمزة بن عبد المطلب، فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس، فلمّا قتل الحسين عدل بالأمر إليه"[2].
ولم تقف بركات هذا التسبيح العظيم عند السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مع كونه هديّة لها بداية، فقد كثرت الأحاديث التي تروي فضله وأهمّيته وأجر من سبّح به، ككون التسبيح به عند الأئمة دبر كلّ صلاة أحبّ إليهم من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم[3]. ولعلّنا نستفيد من تعامل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مع هذا التسبيح، سلوكًا عمليًّا سهل المؤونة لإبقاء ذكر الله حاضرًا في حياتنا دومًا، فالمؤمن يستطيع أن يحمل سبحته أينما كان وأن يردّد فيها تسبيح السيدة الزهراء (عليها السلام) بكيفيته - التي لها أسرارها - متى استطاع ذلك، بل يمكنُه أن يسبح بأصابعه دون سبحة، فيشكّل ذلك تذكيرًا دائمًا له بالله عزّ وجلّ وعبادة دائمة فيستعين بذلك على أموره كافّة، كما كان التسبيح استعانة لها في شؤون منزلها (عليها السلام).
التوازن
إنّ التوازن والاعتدال أمران مطلوبان في كلّ شيء، فمن الخطأ أن ينزع الفرد نحو التفريط أو الإفراط في أيٍّ من شؤونه فينعكس ذلك سلبًا عليه، وفي المقام، لا بدّ من التوازن في موضوع العبادة، وهو ما نراه في حياة السيدة الزهراء (عليها السلام)، فمع أهمّية العبادة التي تبرز في حياة السيدة فاطمة (عليها السلام)، إلّا أنّنا لا نرى أنّها قصّرت في أداء أدوارها المُختلفة في حياتها، فلم تكن تمارس عبادتها على حساب أولادها وأهلها، بل كانت توازن بين الجميع. ففي رواية أنّ الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل عليها يوماً وهي تصلّي، فسمعت صوته، فتوقّفت عن الصلاة وخرجت من المُصلّى فسلَّمت عليه. فمسح يده على رأسها وقال: "يا بنية، كيف أمسيت رحمك الله؟ عشّينا غفر الله لك وقد فعل"[4]، فالرواية تشير إلى أنّها كانت منشغلة بتعبّدها لله عزّ وجلّ، إلّا أنّها لما سمعت رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أتى دارها ويريد الطعام، توقّفت عن أداء مُستحبّاتها وخرجت إليه لتقدّم له ما يحتاج إليه، وفي ذلك إشارة إلى كيفيّة ترتيب الأولويّات في حياة الفرد. ويبيّن الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) أهمّية التوازن بين أدوار المرأة في حياتها فيقول: "إنّ على المرأة المسلمة أن تسعى في طريق الحكمة والعلم وفي طريق بناء الذّات معنويًّا وأخلاقيًّا وأن تكون في الطّليعة في ميدان الجهاد والكفاح، وأن لا تهتمّ بزخارف الدّنيا ومظاهرها الرّخيصة، وأن تكون عفّتها وعصمتها وطهارتها بحيث تدفع بذاتها عين ونظرة الأجنبيّ المريبة تلقائيًّا، وفي البيت سكينة للزّوج والأولاد وراحة للحياة الزوجيّة، وتُربّي في حضنها الحنون والرّؤوف وبكلماتها اللطيفة والحنونة أولادًا مهذّبين بلا عُقد، وذوي روحيّة حسنة وسليمة، وتُربّي رجال المجتمع ونساءه وشخصيّاته. إنّ الأم أفضل من يبني، فقد يصنع أكبر العلماء آلة إلكترونيّة معقّدة جدًّا مثلًا، أو يصنعون أجهزة للصّعود إلى الفضاء، أو صواريخ عابرة للقارّات، ولكن كلّ هذا لا يُعادل أهميّة بناء إنسانٍ سامٍ، وهو عمل لا يتمكّن منه إلّا الأمّ، وهذه هي أسوة المرأة المسلمة"[5].
[1] المسعودي، الأسرار الفاطمية، مصدر سابق، ص 290-291.
[2] إسماعيل الأنصاري، الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء عليها السلام، مصدر سابق، ج21، ص 122.
[3] المسعودي، الأسرار الفاطمية، مصدر سابق، ص 309 - 310.
[4] إسماعيل الأنصاري، الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء عليها السلام، مصدر سابق، ج21، ص 113.
[5] الإمام الخامنئيّ، إنسان بعمر 250 سنة، مصدر سابق، ص155.
تقدّم العلم وازدهار الاقتصاد في ظل الإسلام
مع أنّ الإسلام كان نهضةً وحركةً معنويّةً وأخلاقيّةً، والهدف الأعلى له عبارة عن صناعة الإنسان المتكامل والمطابق للنمط الإسلاميّ، فلا شكّ في أنّ، التطوّر العلمي والازدهار الاقتصادي هما من الأهداف الإسلاميّة، لذا، تلاحظون في الحضارة الإسلاميّة، أنّ الإسلام ظهر في أفقر بقاع العالم وأكثرها تخلّفًا، لكن، لم تكد تمضي خمسون سنةً من عمره، حتّى سيطر على أكثر من خمسين بالمئة من العالم المتحضّر في ذلك الزمان، ولم يمضِ أكثر من قرنين من عمر هذه الحضارة، حتّى أصبح العالم الإسلاميّ الكبير قمّة الحضارة البشريّة، من حيث العلم وأنواع العلوم والتطوّرات المدنيّة والاقتصاديّة. وهذا لم يكن ليحدث لولا بركة تعاليم الإسلام. فالإسلام لم يدعُنا للاهتمام بالمعنويّات، وأن نبقى غافلين عن صلب حياة المجتمع الإنسانيّ. علينا أن نستخدم جميع التدابير اللازمة من أجل استقلال الأمّة الإسلاميّة وفي سبيل عزّتها، وأهمّها المسألة الاقتصاديّة. بناءً على هذا، فإنّ العمل على تنمية الجوانب الاقتصاديّة للعالم الإسلاميّ، وتطويرها وازدهارها، هو من الأعمال التي هي - بلا شكّ - من الأهداف الإسلاميّة[1].
والوظيفة الحتميّة الأساسيّة للدولة الإسلاميّة هي تطوير العلم والمعرفة، ذلك أنّ الدولة الإسلاميّة من دون العلم والمعرفة لن تصل إلى مكان. كما أنّ ترويج الفكر الحرّ هو-أيضًا- مهمّ. وينبغي للناس واقعًا أن يتمكّنوا من التفكير في جوّ حرّ، حرّية التعبير تابعة لحرّيّة الفكر، عندما تكون حرّيّة الفكر موجودة، تكون حرّيّة التعبير موجودة بنحوٍ طبيعيّ. وإنّ حرية الفكر -أساسًا - هي التي تمكّن الإنسان من التفكير بحريّة. وفي غير جوّ حريّة الفكر، ليس هناك إمكانيّة للتطوّر. أساسًا، لن يكون هناك مكان للفكر، والعلم، ولمجالات التطوّر الإنسانيّ العظيمة. إنّ كلّ تقدّم أحرزناه في الأبحاث الكلاميّة والفلسفيّة، إنّما كان في ظلّ المباحثة والجدل والبحث ووجود الرأي المخالف. الإشكال الذي كنّا دومًا نوجّهه إلى الأقسام الثقافيّة، هو أنّهم - كدولة إسلاميّة - لم يؤدّوا دورهم جيّدًا، في ميدان الصراع الفكريّ، ينبغي أن يكون هناك صراع فكريّ، في النهاية، لا أن ينتهي الصراع الفكري عمليًّا بهذا النحو، وكما نستشهد نحن بقول سعدي: نطلق الكلب ونربط الصخرة[2]، نأخذ السلاح من يد أهل الحقّ، ومن أهل الفكر الذي نؤمن بحقّانيّته، لكنّنا نبسط يد أهل الباطل، بحيث ينزلون على رؤوس شبابنا ما يريدون من أنواع البلاء، لا، فليتكلّم هو، ولتتكلّموا أنتم، وليجري تلقيح الفكر في المجتمع. لقد توصّلنا من خلال التجربة إلى أنّه حيثما يعرض الكلام الحقّ على الملأ بمنطقه وتناسقه المطلوب، لن يكون لأيّ كلام قدرة الوقوف في وجهه ومجابهته[3].
[1] خطاب القائد في لقاء المشاركين في اجتماع بنك التنمية الإسلاميّ (25/6/1383).
[2] ترجمة أحد أبيات شعر سعدي الشيرازي الشاعر الإيراني المعروف.
[3] خطاب القائد في لقاء وزراء الحكومة (8/6/1384).
* صحيفة الامام، ج6، ص343: جميعنا مكلّف بحفظ هذا الأمر. إنّنا وصلنا بهذه النهضة الإسلاميّة إلى هنا، ودحرنا القوى. علينا من خلال هذه النهضة الإسلاميّة أن نبني من الآن فصاعداً. أي نتقدّم إلى الأمام جميعاً ومعاً، أن نشكّل جميعاً ومعاً حضارةً صحيحةً، لا حضارة كحضارة محمّد رضا شاه، حضارة إلهيّة، حضارة كحضارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تلك التي لا تفرّق بين جميع طبقات البشر، أبيضهم وأسودهم، سوى بالتقوى، "إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم". الميزان هو التقوى، الميزان هو الإنسانيّة.




























