emamian
عراقجي: القانون الدولي يتعرض لهجوم من واشنطن وحلفائها
شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على ضرورة تغليب خطاب دولي يقوم على القانون لا على خطاب الهيمنة والتفوق واستخدام القوة والعسكرة والحروب، أي قانون الغاب، فيما قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إن العدوان الأميركي والإسرائيلي على إيران جاء في وقت كانت طهران ملتزمة بكامل تعهداتها في الاتفاق النووي.
على الولايات المتحدة وغيرها أن تدرك أنه لا سبيل للتعامل مع إيران إلا من خلال الدبلوماسية ومنطق الكرامة والاحترام، فإن تتحدثوا بلغة الاحترام سيكون الرد بالمثل، وإن اختاروا لغة أخرى فسيرد الشعب الإيراني باللغة نفسها، وقد باتت إيران أقوى دفاعيا وأكثر تمسكا بحقوقها النووية.
بهذا التحذير افتتح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كلمته في مؤتمر "القانون الدولي تحت الهجوم، العدوان والدفاع" المنعقد بمشاركة 350 شخصية دولية في العاصمة الإيرانية طهران.
وصرح عراقجي بكلمته: "أعتقد أن الهجوم العسكري الأخير على إيران كان في الواقع هجوما على الدبلوماسية أيضا، هذه الحرب أثبتت أنه لا سبيل آخر سوى الدبلوماسية، النظامان الأميركي والإسرائيلي لم يحققا أيا من أهدافهما بل فشلا، لا يوجد حل عسكري للقضية النووية الإيرانية، لقد جربوه وأدركوا أنه الحل الصحيح، لقد بدات الآن من جديد الدعوات للتفاوض، الدبلوماسية ما زالت بإمكانها أن تبقى حية، ونحن أقوى دفاعيا مما كنا عليه قبل 13 من يونيو."
من جانبه أشار محمد إسلامي رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية خلال المؤتمر إلى أن العدوان الأميركي والإسرائيلي على إيران جاء في وقت كانت إيران ملتزمة بكامل تعهداتها في الاتفاق النووي، وأن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت هذا الالتزام.
وقال إسلامي: "لأول مرة في التاريخ تستهدف منشآت نووية لدولة تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولكن الوكالة الدولية ومجلس الأمن لم يدينا هذه الهجمات، وتشير دقة الهجوم إلى أن المعلومات المتاحة للوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أسيء استخدامها، لذا فإن سوء استخدام المعلومات السرية للوكالة يعد انتهاكا واضحا لنظام القانون الدولي وتهديدا لأمن جميع الدول."
كما صرح كاظم غريب آبادي نائب الشؤون القانونية والدولية بوزارة الخارجية الإيرانية على هامش المؤتمر بأن الدول الأوروبية الثلاث قد أبعدت نفسها عن الدبلوماسية مع إيران بسبب ما فعلته، فهم فشلوا ويريدون تعويض فشلهم في فيينا.
وقال غريب آبادي على هامش المؤتمر: "هذه رسالة واضحة تؤكد أنهم لا يريدون أي تعامل مع إيران، وسيكون وضعنا بعد صدور القرار في مجلس الحكام مختلفا، أما الاتفاق الذي تم في القاهرة فقد جرى تجاهله بالكامل، وإيران وتفكر بإعادة النظر في علاقتها مع الوكالة، وإذا صدر القرار فستجرى مراجعة أساسية."
من الحرب إلى التفاوض ومن الانتهاك إلى إعادة بناء القانون يؤكد هذا المؤتمر أن حماية القواعد الدولية باتت ضرورة عالمية وأن أمن المنطقة يبدأ باحترام الشرعية لا بخرقها.. فالقانون الدولي ليس مجرد دستور بل هو حماية للإنسانية والأمن العالمي وهذا المؤتمر خطوة نحو تذكير العالم بأهمية الالتزام بالقواعد الدولية.
الانتخابات العراقية.. رسائل الى من يهمه الامر
الجميع متفق على ان الشعب العراقي صنع ملحمة من خلال مشاركته الواسعة في الانتخابات التشريعية، وهي مشاركة اذهلت الاصدقاء قبل الاعداء، نظرا للضغوط التي مورست على العراقيين، من اكثر من جهة اقليمية ودولية، تختلف اساليبها الا انها تتفق على امرين، اول اهدافها، فصل العراق عن محور المقاومة، والثاني خلق حالة من الياس والاحباط والشك بين العراقيين ازاء نظامهم السياسي برمته، والمحصلة النهائية لهذين الامرين هو ادخال العراق في متاهات تنتهي بالتطبيع والسير في الفلك الامريكي.
من اجل تحقيق هذه الاهداف لم يدخر الاعداء والمبغضون والموتورون والطائفيون، وسيلة الا واستخدموها، مثل المال وشراء الذمم والحملات الاعلامية والضغوط السياسية وحتى التهديدات، بشكل غير مسبوق، الا ان نتائج الانتخابات جاءت مخيبة لامال تلك الجهات، فكان العراقيون اكبر من تلك الاغراءات والضغوطات والتهديدات، كما كانوا اذكى بكثير من الهجمة الاعلامية الشرسة والحرب النفسية، التي تعرضوا لها، وارسلوا بذلك رسائل الى كل من يهمه الامر، داخل العراق والاقليم والعالم، ومنها:
-ان العراقيين متمسكون بنظامهم السياسي، الذي يعتبر صمام الامان للعراق، للحفاظ على المكتسبات التي تحققت بعد عام2003 ، والحيلولة دون الوقوع في فخ الدكتاتوريات او الصراعات الطائفية والعرقية مرة اخرى، وسد الطريق امام الفاسدين والمنبطحين والتطبيعيين للوصول الى مجلس النواب والعمل كطابور خامس لاعداء العراق.
-ان العراقيين استشعروا الاخطار المحدقة بهم، فكان لابد من وادها قبل ان تستفحل، على ضوء التطورات التي شهدتها المنطقة منذ اكثر من عامين، وخاصة الاحداث التي شهدتها سوريا وغزة ولبنان واليمن والسودان، فكان لابد من ايصال رجال يملكون الحكمة والشجاعة،للتصدي لهذه الاخطار والجهات التي تقف وراءها.
-العديد من المراقبين توقعوا مشاركة شعبية ضعيفة في الانتخابات، لاسيما بعد وصول منسوب التهديدات الامريكية الى مستويات عالية، خاصة التصريحات التي ادلى بها وزير الدفاع العراقي، عندما كشف عن مضمون الاتصال الهاتفي الذي اجراه معه نظيره الامريكي هيغيسث، وتهديده العلني للعراق وفصائل الحشد الشعبي. وكذلك تصريحات مبعوث الرئيس الامريكي دونالد ترامب الى العراق مارك سافيا، والتي تضمنت اهداف مهمته في العراق، والتي كانت عبارة عن تهديدات صارخة ووقحة، لم تضع اي اعتبار للسيادة العراقية، فاذا بنتائج الانتخابات تنزل على هيغيسث وسافيا كالصاعقة، بعد ان ضرب العراقيون بتهديداتهما بعرض الحائط.
-اثبت العراقيون من خلال مشاركتهم بالانتخابات، ان العراق اكبر من المؤامرات، واقوى من ان يتحكم به سفير او مبعوث امريكي. بل واكثر من ذلك اثبتت نتائج الانتخابات ان العراقيين مازالوا متمسكين بخيار المقاومة امام التدخل الامريكي، وبرفض التبعية الامريكية.
-اسدل العراقيون الستار على مرحلة الفتن والحروب والتفجيرات والقتل على الهوية والاغتيالات للوصول الى الحكم، وأظهروا انهم شعب يحترم العملية السياسية القائمة على الانتخابات، وحكم الأغلبية، واحترام تطلعات الاقليات، وافساح المجال امام كل مكونات الشعب العراقي في المشاركة في الحكم، دون اقصاء، الامر الذي سيحمي الانزلاق في متاهات الجميع فيها خاسر.
اخيرا، لابد من التاكيد على حقيقة باتت بحكم البديهية، وهي انه لولا المرجعية الرشيدة العليا، المتمثلة بسماحة اية الله العظمى السيد علي السيستاني، الذي انقذ العراق اكثر من مرة، ما كانت هذه الانتخابات ان تنجح، وبذلك تمكنت المرجعية الحفاظ على بقاء العراق على السكة الصحيحة المتمثلة بالنظام الديمقراطي القائم على اصوات الشعب وارادته الحرة.
الحمية التي ستساعدك على التخلص من الكوليسترول
طوّر أستاذ علوم التغذية بجامعة تورنتو الكندية الدكتور ديفيد جينكينز حمية بورتفوليو في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بعد إدراكه أن تناول الأطعمة المختلفة التي تستطيع تقليل نسبة الكوليسترول في الدم يمكن أن تساعد في الحفاظ على صحة القلب.
وتشمل هذه الأطعمة البقوليات والمكسرات وزيت الزيتون البكر والفواكه والخضار، وقد تكون نتائج اتباع هذه الحمية مذهلة، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن اتباع هذا النظام الغذائي يمكن أن يخفّض مستويات الكوليسترول الضار بنحو 30%، ويقلّل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب التاجية والسكتة الدماغية.
نشر جينكينز وفريقه نتائج تجربة صغيرة عام 2003 كانت من أوائل التجارب التي اختبرت حمية بورتفوليو، إذ وجدت أنه يخفّض الكوليسترول بكفاءة تقارب أدوية الدهنيات المعروفة بالستاتينات.
خلال العقود اللاحقة أجريت دراسات أخرى لتجد نتائج مقاربة، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، فما هي هذه الحمية؟ وكيف يمكن اتباعها؟
مثل حمية البحر الأبيض المتوسط الصحية للقلب، تركّز حمية بورتفوليو على الألياف والدهون الصحية ومصادر البروتين النباتية والمكسرات والبذور والبقوليات (وخاصة المنتجات المصنوعة من فول الصويا مثل التوفو والتيمبيه وحليب الصويا) والمصادر الغنية بالدهون الأحادية غير المشبعة (مثل زيت الزيتون وزيت الكانولا والأفوكادو).
كيف تقلل حمية بورتفوليو من الكوليسترول؟
تعطي حمية بورتفوليو الأولوية للأطعمة الغنية بنوع من الألياف تسمى الألياف اللزجة، والتي توجد في بعض الأطعمة النباتية مثل الشوفان والشعير والبامية والباذنجان وبذور الشيا، ومكملات الألياف مثل السيليوم.
وقالت الأستاذة المساعدة في التغذية بجامعة نيويورك في الولايات المتحدة أندريا جلين إن الألياف اللزجة تتحول إلى مادة تشبه الهلام في الأمعاء، حيث ترتبط بالكوليسترول لتقليل امتصاصه.
وتعد مجموعة من المركبات النباتية الطبيعية تسمى فيتوستيرول (أو ستيرولات النبات)، أيضا مكونات أساسية في حمية بورتفوليو.
وأوضحت الأستاذة الفخرية في التغذية بجامعة ولاية بنسلفانيا الولايات المتحدة بيني كريس إيثرتون "نظرا لأن هذه المركبات لها بنية مشابهة للكوليسترول، فإنها تتنافس معه على الامتصاص، مما يساعد الجسم على امتصاص كمية أقل من الكوليسترول".
توجد الفيتوستيرولات في جميع الأطعمة النباتية، بما في ذلك المكسرات والفواكه والخضروات والزيوت النباتية والحبوب الكاملة مثل جنين القمح ونخالة الأرز.
وتُثبّط حمية بورتفوليو استهلاك المنتجات الحيوانية الغنية بالدهون المشبعة، مثل الزبدة واللحوم الحمراء والمصنعة.
فاطمةُ (عليها السلام) نورُ العبادة
عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) يصفُ ابنتَهُ فاطمةَ (عليها السلام): «وأمّا ابنتي فاطمةُ، فإنَّها سيّدةُ نساءِ العالمينَ منَ الأوّلينَ والآخِرينَ، وهيَ بضعةٌ منّي، وهيَ نورُ عيني، وهيَ ثمرةُ فؤادي، وهيَ روحي التي بينَ جنبيَّ، وهيَ الحوراءُ الإنسيّةُ، متى قامَتْ في محرابِها بينَ يدَي ربِّها جلَّ جلالُهُ، زهرَ نورُها لملائكةِ السماءِ كما يزهرُ نورُ الكواكبِ لأهلِ الأرضِ، ويقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لملائكتِهِ: يا ملائكتي، انظروا إلى أَمَتي فاطمةَ سيّدةَ إمائي، قائمةً بينَ يديَّ، ترتعدُ فرائصُها من خيفتي، وقد أقبلَتْ بقلبِها على عبادتي، أُشهدُكُم أنّي قد أمنتُ شيعتَها منَ النارِ»[1].
تمثّلُ العبوديّةُ للهِ عزَّ وجلَّ قمّةَ الكمالِ الذي يصلُ إليهِ الإنسانُ؛ لأنَّ معرفتَهُ بنفسِهِ ترتبطُ بمعرفتِهِ بالغايةِ التي خُلِقَ لأجلِها، قالَ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[2]؛ فمَنِ استطاعَ أنْ يصلَ إلى مقامِ العبوديّةِ، فقدِ استطاعَ أنْ يُحقّقَ الغايةَ التي خُلِقَ لأجلِها، ومنْ أظهرِ مصاديقِ مَنْ تجلَّتْ فيهم العبوديّةُ للهِ عزَّ وجلَّ مولاتُنا فاطمةُ الزهراءُ (عليها السلام)، يقولُ الإمامُ الخامنئيُّ (دامَ ظلُّه): «إنَّ قيمةَ فاطمةَ الزهراءِ (عليها السلام) تكمنُ في عبوديّتِها للهِ، ولولا عبوديّتُها لما اتّصفَتْ بالصدّيقةِ الكبرى، فالصدّيقُ هوَ الشخصُ الذي يُظهِرُ ما يعتقدُهُ ويقولُهُ على سلوكِهِ وفعلِهِ، وكلَّما كانَ هذا الصدّيقُ أكبرَ كانَت قيمةُ الإنسانِ أعظمَ، فيكونُ صدّيقاً، كما قالَ تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾[3]، حيثُ جاءَ ذكرُ الصدّيقينَ بعدَ النبيّينَ.
فكانَتْ هذهِ العظيمةُ صدّيقةً كبرى، أي أفضلَ صدّيقةٍ، وكانَتْ صدّيقيّتُها بعبادتِها للهِ، فالأصلُ هوَ عبادةُ اللهِ. وهذا لا يختصُّ بفاطمةَ الزهراءِ (عليها السلام)، فحتّى أبوها الذي يُعدُّ مصدرَ فضائلِ المعصومينَ جميعاً، والذي يُشكّلُ أميرُ المؤمنينَ وفاطمةُ الزهراءُ (عليها السلام) قطراتِ بحرِ وجودِهِ المتلاطمِ، إنّما كانتْ قيمتُهُ عندَ اللهِ بفضلِ عبوديّتِهِ: «أشهدُ أنّ محمّداً عبدُهُ ورسولُهُ»، فقد جاءَ ذكرُ العبوديّةِ قبلَ الرسالةِ، بل إنَّ الرسالةَ إنّما أُعطيَتْ لهُ لعبادتِهِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يعلمُ بمخلوقِهِ وما تصنعُ يداهُ، أفَلَسنا نقرأُ في زيارةِ الزهراءِ (عليها السلام): «امتحنَكِ اللهُ الذي خلقَكِ قبلَ أنْ يخلقَكِ»[4]؟»[5].
وعندما نتحدّثُ عن عظمةِ الإسلامِ وعظمةِ هذا الدينِ في الانقلابِ الذي أحدثَهُ في النفوسِ في بداياتِ البعثةِ، فإنَّنا نجدُ مشهداً منْ عظمةِ هذا الدينِ في تربيتِهِ لشخصيّةٍ عظيمةٍ كفاطمةَ (سلامُ اللهِ عليها)، يقولُ الإمامُ الخامنئيّ (دامَ ظلُّه): «إنّها لمعجزةُ الإسلامِ، وإنّها فاطمةُ الزهراءُ (عليها السلام) التي نالَتْ مقاماً رفيعاً، وباتَتْ سيّدةَ نساءِ العالمينَ برغمِ سنواتِ عمرِها القصيرةِ، وفاقَتْ جميعَ النساءِ عظمةً وقدسيّةً في تاريخِ الإنسانيّةِ. فما هيَ تلكَ الطاقةُ، وما هيَ تلكَ القوّةُ الباطنيّةُ العميقةُ التي استطاعَتْ خلالَ مدّةٍ قصيرةٍ أنْ تجعلَ منْ هذا الإنسانِ محيطاً لا حدودَ لهُ منَ المعرفةِ والعبوديّةِ والقداسةِ والكمالِ المعنويِّ؟ إنّ هذه بحدِّ ذاتِها هيَ معجزةُ الإسلامِ»[6].
ختاماً، نُعزّي صاحبَ العصرِ والزمانِ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريفَ) ووليَّ أمرِ المسلمينَ والمجاهدينَ جميعاً بذكرى شهادةِ الصدّيقةِ الطاهرةِ فاطمةَ الزهراءِ (سلامُ اللهِ عليها).
[1] الشيخ الصدوق، الآمالي، ص175.
[2] سورة الذاريات، الآية 56.
[3] سورة النساء، الآية 69.
[4] الشيخ الطوسيّ، تهذيب الأحكام، ج6، ص10.
[5] من كلامٍ له (دام ظلّه) في ذكرى ولادة سيّدة نساء العالمين، 1426هـ.
[6] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 05/07/2007م.
ما سبب انحراف المسلمين عن العدل الإسلامي؟
عندما يُطرح السؤال: لماذا لم تُطبّق العدالة، على الرغم من تشديد الإسلام على هذا الأصل من أصول الدين، بل لم تمض فترة حتى ابتُلي المجتمع الإسلامي بأقسى حالات الظلم وفقدان العدالة والتمييز؟ عندما يُطرح هذا السؤال يتبادر إلى الذهن، أول ما يُتبادر، أنّ المسؤولية في ذلك تقع على عدد من المسؤولين الذين حالوا دون تنفيذ هذا الدستور الإسلامي، وذلك لأنّ تطبيق هذا المبدأ يبدأ من زعماء المسلمين، حيث لم يكن بعضهم جديرين بذاك المقام الكبير، فوقفوا في وجه تنفيذ العدالة، فكانت النتيجة أن أُصيب المجتمع الإسلامي بأنواع من الظلم والإجحاف والتمييز بين الناس.
إنّ هذا الجواب صحيح، إنّ أحد الأسباب هو أنّ المسؤولين عن تطبيق العدالة لم يُطبّقوه، بل فعلوا النقيض، وتاريخ الخلفاء الأمويّين والعباسيّين خير دليل على ذلك.
سوء تفسير العدالة
إلّا أنّ ذاك لم يكن العلّة كلّها، فثمّة علّة كبيرة أخرى، إذا لم تكن أشدّ تأثيراً فهي لا تقلّ عن الأولى أثراً، وهذا ما أُريد بحثه في هذا الموضوع. وهذه العلّة الكبرى هي: أنّ عدداً من علماء الإسلام أساؤوا تفسير العدل في الإسلام، وعلى الرغم من أنّ عدداً آخر من العلماء قاوموا ووقفوا في وجه أولئك، إلّا أنّهم غُلبوا على أمرهم.
إنّ قانوناً رفيعاً كالعدل يجب أوّلاً أن يُفسّر تفسيراً جيداً، ويجب ثانياً أن يوضع التنفيذ بصورة جيّدة أيضاً، وذلك لأنّه إن لم يُفسّر تفسيراً جيداً، فإنّ الذين يريدون إجراءه إجراء جيداً لا يستطيعون تحقيق ذلك، لأنّ تحقيقه يعتمد على تفسيره، وإذا لم يكونوا يريدون حسب نيّات المنفّذين السيّئة، فإنّهم يكونون قد أعانوا أولئك وخدموهم وجنّبوهم وجع الرأس الحاصل من الاصطدام بالناس، سواء أكان قصد المفسّرين سيّئاً من التفسير بهدف خيانة الناس، أم لم يقصدوا شيئاً من ذلك، وإنّما فسّروا القانون بحسب فهمهم المعوج.
وهذا ما حصل في تفسير أصل العدل، إنّ أغلب الذين أنكروا أن يكون العدل من أصول الإسلام، أو لعلّهم جميعاً، لم يكونوا يحملون نيّة سيّئة في تفسيرهم الذي سأذكره، إنّما النظرة السطحية والتعبديّة التي كانوا يحملونها هي التي ألقت بالمسلمين في هذه الحالة، فأوجدت للإسلام مصيبتين:
الأولى: سوء النيّة في الإجراء والتنفيذ، وذلك لأنّ الخلافة منذ البدء لم توضع على المحور الصحيح، وجرى تفضيل العرب على غير العرب، وتفضيل قريش على القبائل الأخرى، وإطلاق يد بعضهم في الحقوق والأموال، وحرمان البعض الآخر من ذلك، حتى قام الإمام عليعليه السلام بالخلافة بهدف محاربة هذا الانحراف، الأمر الذي انتهى باستشهاده، ثمّ تفاقم الأمر على يد معاوية والذين جاؤوا من بعده من الخلفاء.
أمّا المصيبة الثانية: فقد جاءتنا على يد العلماء السطحيّين التعبديّين، الذين تمسّكوا بمجموعة من الأفكار الجافّة، فراحوا يشرحون ويُفسّرون العدالة تفسيراً معوجاً، ممّا بقيت آثاره حتى وقتنا الحاضر.
مقام السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لا يُدرك
ذلك المقام الأسمى والذي عبّر عنه الإمام بالعبودية المطلقة لا يمكن أن يصل إليه أحد حتّى إنّه لا يمكن أن يدرك، وهو مقام خاصّ بالنبيّ وأهل بيته (عليهم السلام). أمّا فيما خصّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فإنّ الإمام الخميني (قدس سره) يعترف بالعجز حتّى عن الكلام عنها فعندما طلبت منه زوجة ابنه أن يتحدّث عنها (عليها السلام)، كتب: "إنّك تطلبين منّي أن أتحدّث وأكتب عن هذه السيدة العظيمة، فكيف لي ولقلمي ولغة البشر الحديثُ عن سيدة كانت تستنزل جبرائيل، كمثل أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم)، بقدرة ما فوق الملكوت، من غيب عالم الملكوت إلى عالم الملك؟ وتجعل ما في الغيب ظاهراً في الشهادة! فدعيني إذاً أجتاز هذا الوادي المريع، وأقول إنّ فاطمة (عليها السلام)، التي هي هكذا في المراحل الإلهيّة الغيبيّة، قد ظهرت في عالم الشهادة وتجسّدت كما أبوها وبعلها في صورة بشر ظاهر، لتؤدّي دورها ورسالتها في شؤون عالم الملك من تعليم وتعلّم كافة، ونشر للثقافة الإسلامية، ومعارضة للطواغيت، وجد من أجل قيام حكومة العدل، وإحقاق حقوق البشرية، ودحض الدعاوى الشيطانية وتفنيدها"[1]. إذًا فالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد تجلّت وظهرت في الدنيا للقيام بدور يعجز عنه غيرها، كما هي حال المعصومين جميعًا، وليس ذلك الدور الذي أدّته في حياتها هو كلّ حقيقة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
ويقول الإمام الخميني (قدس سره) أيضاً في علوّ مقام السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) ورفعته: "وماذا يستطيع المرء أن يقول أو يدرك حول شخصيّة تتمتع بآلاف الأبعاد الإلهيّة يعجز عن تبيان كلّ منها القلم واللسان. إنّه ليس بوسع أحد أن يعرف شخصيّة الزهراء المرضيّة والصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) سوى الذين ارتقوا مدارج الأبعاد الإلهيّة حتّى ذروتها، وهو ما لم يبلغه سوى أولي العزم من الأنبياء والخلّص من الأولياء كالمعصومين (عليهم السلام)... ويخطئ من يدّعي معرفة مقامها المقدس من العرفاء أو الفلاسفة أو العلماء. وكيف يمكن إماطة اللثام عن منزلتها الرفيعة وقد كان رسول الإسلام يتعامل معها في حال حياته معاملة الكامل المطلق!"[2].
فالإمام (قدس سره) يبيّن كيفيّة كون مقامها الشامخ وعظمتها ليسا من الأمور التي يمكن إدراكها من قبل البشر، بل هي أمور خاصّة بها وبالكمّل من خلق الله عزّ وجلّ، أمّا أفعالهم في الدنيا فهي وإن كانت في أوج العظمة والجلال والكمال لكنّها لا تعبّر عن كامل حقيقتهم ومقامهم المعنويّ.
لكن ينبغي أن نشير إلى مسألة مهمّة في المقام، وهي أنّ العجز عن معرفة حقيقة المقام المعنويّ للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لا يعني أنّه لا يمكن للبشر الوصول إلى بعض درجات المقامات المعنويّة الرفيعة الخاصّة بالمعصومين (عليهم السلام) بل إنّه يمكن الوصول إلى مراتبهم ودرجاتهم السامية فيما لو اتبعناهم بإحسان وكانوا هم من أخذ بأيدينا نحوهم، يقول الإمام (قدس سره) في معرض حديثه عن مقام الإخلاص لله عزّ وجلّ: "التخلّص بهذه المرتبة الكاملة، وإن كان لا يتحقّق لغير الكُمّل من الأولياء والأصفياء... ولكن لا يجوز للمؤمنين والمخلصين أيضا أن يغضّوا النظر عن جميع مراتبه ويقنعوا بالإخلاص الصوريّ العمليّ والخلوص الظاهريّ الفقهيّ"[3]. إذًا، فجميع البشر قادرون بل هم مدعون للتكامل المعنويّ، إلّا أنّ المقامات المعنويّة للنبيّ وأهل بيته عليهم السلام هي من مختصّاتهم وتابعة لحقيقتهم، وتحقّق بعض مراتبها متوقّف على إذنهم وشفاعتهم وتبعيّتهم.
[1] رسالة الامام الخمينيّ(قدس سره) إلى السيدة فاطمة الطباطبائي.
[2] المصدر نفسه.
[3] الامام الخمينيّ، الآداب المعنوية للصلاة، مصدر سابق، فصل في بعض آداب الاستعاذة.
هل تحمل بعضاً من سمات أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله)؟
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿مُّحَمَّد رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّاءُ عَلَى ٱلكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم﴾[1].
هنا تتّضح معالم المجتمع الإسلامي، والقضيّة الأُولى المذكورة هي صحبة الرسول والإيمان به. والقضيّة الثانية هي الشدّة على الكفّار، أي القوّة أمام الأجنبي. وإذًا هؤلاء المتنسّكون الثاوون في المساجد، يكفي جندي واحد ليسوق ألفًا منهم بلا أن ينبس أحدٌ منهم ببنت شفة، هؤلاء ليسوا مسلمين.
الشدّة على العدوّ
إحدى الصفات التي يجب أن يتّصف بها المسلم، وهي الصفة الأولى التي يذكرها له القرآن هي الشدّة والقوّة والصلابة مع العدوّ؛ فالإسلام لا يحبّ المؤمن الضعيف.
﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلأَعلَونَ إِن كُنتُم مُّؤمِنِين﴾[2].
الإسلام دين لا ضعف فيه. يذكر ويل ديورانت في كتابه "قصَّة الحضارة": "لم يدعُ دين أتباعه إلى القوّة كالإسلام". فالمسكنة، وثني الرقبة، وإسالة اللّعاب من جانب الفم، وانهدال الثوب، والثياب القذرة، وخطّ الأرجل بالأرض، وأذيال العباءة تكنس الأرض، هذه مظاهر معادية للإسلام. والتأوّهُ والتوجّع منافٍ للإسلام: ﴿ وَأَمَّا بِنِعمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث ﴾[3]. إنّ الله منحك القوّة والقدرة والصحّة والسلامة، وجعلك قادرًا على أن تمشي منتصب القامة، فلماذا تحني ظهرك بلا سبب، وما دمت قادرًا على رفع رأسك فلماذا تلوي رقبتك، ولماذا تتأوّه؟
التأوّه يعني أنّك تعاني من ألم، وما دام الله قد عافاك من الألم، فلماذا تتأوّه؟ هذا كفر بالنعمة!
هل كان عليّ عليه السلام يمشي كما نمشي أنا وأنت، وهل كان يجرّ أذيال عباءته وراءه ويترنّح في مشيته؟ هذه الأفعال ليست من الإسلام في شيء.
المسلمون يجب أن يكونوا أشدّاء على الكفّار كالحديد، وكسَدِّ الإسكندر.
المودّة فيما بينهم
ولكن كيف تكون علاقتهم فيما بينهم وبين إخوانهم المسلمين؟ ﴿ رُحَمَاءُ بَينَهُم ﴾. ولكن حينما ننظر إلى هؤلاء المتنسّكين لا نجد فيهم شيئًا من هذه الصفة؛ فلا مودّة ولا رحمة تجاه الآخرين فوجوههم عابسة دائمًا، فلا يتفاعلون مع أحد، ولا يخالطون أحدًا، ولا يضحكون مع أحد، ولا يبتسمون مع أحد، وكأنّ لهم المنَّة على كلّ البشر. هؤلاء ليسوا مسلمين، هؤلاء لصقوا أنفسهم بالإسلام.
هذه هي الصفة الثانية، ألا تكفي هذه الشدّة على الكفّار والرحمة مع المسلمين، ألا تكفي هذه ليكون المرء مسلمًا؟ كلّا.
الركوع والسجود لله
﴿ تَرَىٰهُم رُكَّعا سُجَّدا يَبتَغُونَ فَضلا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٰنا ﴾[4].
في نفس الوقت الذي يكون فيه هذا الشخص شديدًا على الكفّار ورحيمًا مع المسلمين، تراه في محراب الصلاة راكعًا ساجدًا ﴿ يَبتَغُونَ فَضلا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٰنا ﴾، يدعو ربّه لينال رضاه. نحن طبعًا لا نريد القول بوجود فرق بين الدعاء والعبادة؛ فالدعاء عبادة، والعبادة دعاء، ولكن أحيانًا يكون العمل دعاءً صرفًا؛ أي أنّ العبادة تكون دعاءً فقط، وأحيانًا أخرى يمتزج في العبادة الدعاء وغيره. وهناك عبادة أخرى ليست دعاء أساسًا كالصلاة مثلًا.
﴿ سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِّن أَثَرِ ٱلسُّجُود﴾، أي أنّ المرء يعبد الله حتّى تتّضح آثار العبادة وآثار التقوى على وجناته وعلى وجهه، وكلّ من ينظر إليه يستشعر في وجهه معرفة الله وذكر الله، ومن يقع بصره عليه، يذكر الله.
جاء في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الحواريّين سألوا عيسى بن مريم (عليهما السلام): "يا روح الله من نجالس؟" فقال: "من يذكّركم الله رؤيتُه ويزيد في علمِكم منطقُه ويرغّبكم في الخير عملُه".
ثمّ جاءت تتمّة الآية: ﴿ ذَٰلِكَ مَثَلُهُم فِي ٱلتَّورَىٰةِ وَمَثَلُهُم فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرعٍ أَخرَجَ شَطَٔهُۥ فََٔازَرَهُۥ فَٱستَغلَظَ فَٱستَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلكُفَّارَ ﴾[5].
ورد ذكر هذه الصفة لهم في التوراة؛ فقالت عنهم أنّه ستأتي مثل هذه الأمّة، وفي الإنجيل مثل لهم بهذه الصفات. هذه الأمّة تنمو بهذه الصورة التي أدهشت المتخصّصين في دراسة الإنسان؛ يا لها من أمّة سامية، ويا لها من أمّة تسير نحو المجد والرفعة، أمّة أبناؤها أشدّاء على الكفّار ورحماء بينهم، وركّعًا وسجّدًا، ويبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، فمن الطبيعيّ جدًّا أن تكون أمّة سامية.
ولكن لماذا يا ترى نعيش نحن المسلمون في هذه الحالة من الانحطاط، ولماذا نعاني من هذه الرزايا والمصائب، وأيّ من هذه الصفات متوفّرة فينا، وما هي الغاية المنشودة منّا؟[6].
العبادة والتحرّر
جاء في نصّ القرآن الكريم أنّ أحد الأهداف التي بُعث من أجلها الأنبياء هو تحرير بني الإنسان اجتماعيًّا، واستنقاذهم من العبوديّة لأحدهم الآخر[7].
وإحدى الملاحم التي ينفرد بها القرآن الكريم هي قضيّة الحرّيّة الاجتماعيّة.
لا أتصوّر وجود جملة عميقة ونابضة بالفاعليّة أكثر من الجملة الواردة في القرآن الكريم في هذا الصدد، ولا يمكن العثور-لا في القرن الثامن عشر ولا في القرن التاسع عشر ولا في القرن العشرين، أي القرون التي رفع فيها الفلاسفة شعار تحرير الإنسان، وصارت هذه الكلمة متداولة على الألسن أكثر من اللازم، وغدت شعارًا يتغنّى به الجميع-على جملة أكثر بلاغًا ممّا ورد في القرآن، وهو قوله تعالى:
﴿ قُل يَٰأَهلَ ٱلكِتَٰبِ تَعَالَواْ إِلَىٰ كَلِمَة سَوَاءِ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلَّا نَعبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشرِكَ بِهِۦ شَيا وَلَا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾[8].
وفي ظلّ هذه الدعوة تنعدم جميع الفوارق وتزول أسباب التفاضل، ويُلغى نظام السادة والعبيد، ولا يحقّ لأحد استغلال الآخر ولا استعباده[9].
[1] القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 29.
[2] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 139.
[3] القرآن الكريم، سورة الضحى، الآية 11.
[4] القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 29.
[5] القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 29.
[6] مقالات إسلاميّة، ص60 – 64.
[7] مقالات إسلاميّة، ص12.
[8] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 64.
[9] مقالات إسلاميّة، ص13.
الحوارء زينب (عليها السلام) نموذج الصبر والاحتساب
إنّ الأحداث التي تبدو في الظاهر بلاءً وشقاءً، تحمل في الباطن آثاراً وفوائد، لذلك كان أولياء الله راضين بالبلاء يرددون نداء "رضاً برضاك"، لا بل لا يعتبرون البلاء بلاءً لأنهم ينظرون إليه بعين الجمال، ومن هنا نجد السيدة زينب عليها السلام وبعد تحمل المصائب والمشقات التي انهالت عليها وعلى أهل بيتها، تقول: "ما رأيت إلا جميلاً"[1]. لذلك من المناسب في هذا المقال التعرض لفوائد البلاء لنتمكن من خلال التأسي بالسيدة زينب عليها السلام، من مشاهدة الجمال المكنون في البلاء مما يساهم في الانجذاب نحو الجمال الإلهي المطلق.
1- جرس إنذار
بما أنّ الدنيا وزينتها الظاهرة قد تخدع الإنسان فينشغل بنفسه ويبتعد عن ذكر الله وطاعته، ومن هنا عندما يبتلي الله الإنسان فقد هيَّأَ له الأرضية لليقظة من الغفلة، عند ذلك يشاهد المرارات والآلام الموجودة في الدنيا وزينتها فيتجه نحو الحقّ تعالى.
في إحدى السنوات واجه المسلمون القحط وقلة الماء، فخرج الإمام علي عليه السلام لأداء صلاة الاستسقاء وفي الطريق خاطب المرافقين: "إنَّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات ليتوب ثائب مقلع ويتذكر متذكر"[2].
2- محو الذنوب
قد يخطئ بعض المؤمنين أحياناً فيرتكبون المعاصي. أما الله تعالى ـ الذي هو بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم ـ فيرسل البلاء لتطهيرهم من المعاصي وبالتالي لا يترك حسابهم إلى يوم القيامة. يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: "الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم لتسلم بها طاعاتهم ويستحقوا عليها ثوابها"[3].
3- أساس السعادة
إن البلاء والشقاء هما سبب وجود السعادة عند الإنسان، لأن السعادة مكنونة في باطن البلايا والمصايب، وكما يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾[4].
من جملة القوانين الموجودة في الطبيعة أنّ حجر المعدن ما لم يتعرض لحرارة قوية لا يخرج منه الذهب الخالص. ثم إن هذا القانون يصدق على الإنسان أيضاً، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾[5].
يقول الأستاذ الشهيد الشيخ مرتضى مطهري(رضوان الله عليه) في تفسير الآية الشريفة: "يجب أن يتحمل الإنسان المشقات ويقاسي الصعوبات ليحصل على وجوده الذي يليق به. إن التضاد والتعاند هما سبب التكامل، ومن خلالهما يقطع البشر الطريق نحو الكمال"[6].
كتب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف يوبخه لمشاركته في مجلس الأشراف. وقد خاطبه قائلاً: "ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً والروائع الخضرة أرق جلوداً والنباتات البدوية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً"[7].
من هنا وبما أنّ أولياء الله هم أحباب الله، لذلك هم في معرض البلاء أكثر من غيرهم، وكما يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إن الله إذا أحب عبداً غته بالبلاء غتاً"[8].
ثبات وشجاعة زينب من وجهة نظر الآخرين
عندما نتصفّح أوراق التاريخ يتضح لنا أنّ زينب عليه السلام قد تعرفت على البلاء والمشقات منذ صغرها وكانت في كل مصيبة وبلاء مثالاً للصبر والتواضع والحركة في الاتجاه الذي يرضاه الله تعالى. لذلك كان هذا الأمر سبباً في كونها نموذجاً للثبات والشجاعة، من هنا نجد علماء المسلمين أعم من السنة والشيعة قد دونوا عبارات المدح والثناء على هذه السيدة العظيمة. مثال ذلك، يقول ابن الأثير وهو من مؤرخي السنة الكبار: "وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جذلةً... وهو يدل على عقلٍ وقوة جنانٍ"[9]. وكذلك يقول جلال الدين السيوطي وهو من المفسرين: "وكانت لبيبة جذلة عاقلة لها قوة جنان"[10]. ويقول العلامة المامقاني وهو من علماء الشيعة: "وهي في الصبر والثبات وحيدة".
مصائب زينب (عليها السلام) على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام)
عن قدامة بن زائدة، عن أبيه قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله أحياناً؟ فقلت: إن ذلك لكما بلغك. فقال لي: فلماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا؟ فقلت: والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه، فقال: والله إن ذلك لكذلك فقلت: والله إن ذلك لكذلك يقولها: ثلاثاً وأقولها ثلاثاً فقال: أبشر ثم أبشر ثم أبشر فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتل أبي عليه السلام... وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرّجين بدمائهم مرمّلين، بالعراء مسلّبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر فقالت: لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً فقلت: وما هذا العهد؟ وما هذا الخبر؟ فقالت: حدثتني أم أيمن[11] أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زار منزل فاطمة (عليها السلام) في يوم من الأيام فعملت له حريرة (صلى الله عليها) وأتاه علي (عليه السلام) بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد، فأكل رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) من تلك الحريرة وشرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر بالزبد ثم غسل رسول الله يده وعلي يصب الماء فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا فيه السرور في وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء ملياً ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه يدعو، ثم خرَّ ساجداً، وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين وحزنت معهم، لما رأينا من رسول الله وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي وقالت له فاطمة: ما يبكيك يا رسول الله لا أبكى الله عينيك؟ وقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك؟...
ثم قال جبرئيل: يا محمد إنّ أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على أمتك، متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخلق والخليقة، وأشقى البرية نظير عاقر الناقة، ببلد تكون إليه هجرته، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه على كل حال يكثر بلواهم، ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا ـ وأومأ بيده إلى الحسين (عليه السلام) ـ مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك، وأخيار من أمتك بضفة الفرات، بأرض تدعى كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء، على أعدائك وأعداء ذريتك، في اليوم الذي لا ينقضي كربه، ولا تفنى حسرته، وهي أطهر بقاع الأرض، وأعظمها حرمة، وإنها لمن بطحاء الجنة.
فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت بهم كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها، ومادت الجبال، وكثر اضطرابها واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها، غضباً لك يا محمد ولذريتك واستعظاماً لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما يتكافى به في ذريتك وعترتك، ولا يبقي شيء من ذلك، إلا استأذن الله عزَّ وجلَّ في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك...
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فهذا أبكاني وأحزنني.
قالت زينب (عليها السلام): فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي (عليه السلام) ورأيت أثر الموت منه قلت له: يا أبه حدثتني أم أيمن بكذا وكذا، وقد أحببت أن أسمعه منك، فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن، وكأني بك وببنات أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبراً صبرا، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم...[12].
[1] بحار الأنوار، المجلسي، ج45، ص116 واللهوف على قتلى الطفوف، ابن طاووس، دار الأسوة، ص201.
[2] نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الخطبة 141
[3]. بحار الأنوار، ج67، ص232.
[4] القرآن الكريم، سورة الانشراح، الآية: 5.
[5] القرآن الكريم،سورة البلد، الآية: 4.
[6] مجموعة الآثار، مرتضى المطهري، صدرا، ج1، ص176.
[7] نهج البلاغة، الرسالة 45
[8]. أصول الكافي، الكليني، دار الأضواء، ج2، ص252، وبحار الأنوار، المجلسي، مؤسسة الوفاء، ج67، ص207.
[9] أسد الغابة، ابن الأثير، دار المعرفة، ج5، ص300 والاصابة، ابن حجر العسقلاني، دار الجيل، ج7، ص684.
[10] فاطمة الزهراء بهجة المصطفى، أحمد الرحماني الهمداني، ص640.
[11] كانت خادمة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن جملة الأوائل بالإسلام ثم رافقت السيدة الزهراء عليها السلام بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد شهدت لمصلحة الزهراء (عليها السلام) في حادثة فدك بعد أن طلب أبو بكر شاهداً من الزهراء، ومع ذلك لم يقبل شهادتها مع أنه يعرف أنها من أهل الجنة. راجع: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، اسماعيليان، ج13، ص272 وج16، ص214.
[12] بحار الأنوار، المجلسي، مؤسسة الوفاء، ج45، ص179 . 183، وكامل الزيارات، ابن قولويه، مكتبة الصدوق، الباب 88، ص277 . 278.
مسؤولية الممرض والأخلاق التمريضية
بدايةً أبارك لكم جميعاً إخواني وأخواتي الأعزاء والممرضات المحترمات يوم الممرضة وأيام ولادة زينب الكبرى، هذه المرأة التي هي أنموذج لتاريخ البشرية. وكلّنا رجاء من الله أن يثيبكم على هذه الخدمة الكبرى، وهذه المساعي الفائقة الأهمية فيشملكم برحمته وهدايته وفضله أنتم وجميع الممرضين في البلد وقطاع العاملين في ملف الصحة.
إنّ أساس كلامنا ولقائنا اليوم يتوجّه إلى تقديم الشكر على جهود الممرضين. وإنه لمن المناسب حقاً أن يقدّم الإنسان شكره لكل قطاع التمريض في البلاد، ويقدّر هذا العمل الكبير ذا العناء الكثير والمسؤولية الثقيلة التي تحمّلتموها.
إنّ قضية الصحة تُعدّ من أولى القضايا المهمّة في حياة المجتمعات. فالحديث المعروف: "نعمتان مجهولتان الصحة والأمان" يشير بحق إلى أمرٍ أساس وحياتيّ. فالصحة والأمان من النعم الكبرى التي ما لم يُحرم الإنسان منهما لن يدرك أهميتهما وقيمتهما، كالهواء والتنفّس، فما دام الإنسان متنفساً، لا يدرك أهمية هذه النعمة المجّانية المتوافرة، وإذا صعُب عليه التنفّس يدرك عندها أية نعمة كبرى قد أضاعها. وقطاع الطب والتمريض وسائر الأجهزة الصحية هو في الواقع سبب تأمين هذه النعمة الكبرى للمجتمع. وإن دور الممرضة في هذا المجال يُعدّ دوراً بارزاً جداً، فالممرّض يبقى في سعيٍ وتحدٍّ مستمرٍّ على المستوى الروحي والنفسي، فليست القضية منحصرة ببدنه. فالتعب الروحي للتعامل مع المريض والشعور بالمسؤولية بأن يقدّم لهذا المريض ـ بالإضافة إلى العلاج الجسماني ـ العلاج الروحي والمعنوي هو قضية مجهدة جداً وعملٌ ثقيل، فمثل هذه المسؤولية الثقيلة يتحمّلها الممرضون.
تأكّدوا أن كل لحظة، وثانية أو دقيقة تقضونها في مثل هذا العمل ـ ومع الالتفات إلى الشعور بالتكليف تجاه المريض، هذا الإنسان المبتلى ـ تُعدّ حسنة من الله تعالى ولها ثوابٌ وأجرٌ تنالونه من الرب المتعال. وفي الحسابات الإلهية لا تضيع أية ثانية. فلا يجوز أن نظن أنّ هذه اللحظات الصعبة التي يقضيها الممرّض إلى جنب المريض سيتمّ إغفالها في الحسابات الإلهية. كلا ليس الأمر كذلك. فكل لحظة تقضونها، وكل سعي تبذلونه، وكل نفَسٍ يصدر عنكم مقابل المشقّات التي تعانون منها هو حسنة وعملٌ يستحقّ أجراً، والله تعالى يسجّل كل هذه اللحظات. فيجب تقدير هذه الأعمال الشاقّة ذات الآثار الكبرى والمهمة.
لا شك بأن التكاليف ثقيلة أيضاً. فيجب الاعتناء بها. فالأخلاق التمريضية كالأخلاق الطبية، تُعد فريضة وتكليفاً. وإن أجركم عظيمٌ جداً مثلما أن تكليفكم أيضاً عظيم كذلك، لأن المريض إنسانٌ وليس سيارة، وهو ليس عبارة عن قطع من الحديد والفولاذ والبراغي، وليس مجرّد جسمٍ. إن روح الإنسان وأحاسيسه ومشاعره وخصوصاً إذا مرض تصبح متألّمة وتحتاج إلى الكثير من اللطف والكثير من المواساة، فابتسامة منكم أحياناً تكون أثمن من الدواء الذي يُعطى لهذا المريض ولها أثرٌ أكبر وقيمة أعلى، فالمريض يُبتلى بالاضطراب والانزعاج وخاصّة ذوو الأمراض الصعبة، وتقديم المساعدة له لا تكون مساعدة لجسمه فقط، إن البدن ينبغي أنّ يُعالج بالأدوية والحقن والعلاجات الطبية، أما الروح فتعالج بالمحبة والرأفة والملاطفة. وفي بعض الأحيان يحلّ هذا العلاج الروحي محلّ العلاج الجسماني، وهذا أمرٌ علميٌّ أثبتته التجربة حيث إنّ سرور روح الإنسان وأعصابه ومشاعره له تأثيرٌ إيجابي على بدنه. وهذا بأيديكم، بأيدي الممرّضين.
يقع على عاتق الممرّض عملٌ صعب وله أجرٌ عظيم، لكن عمله مسؤولية عظيمة كذلك. وهذا التقابل بين الوظيفة والأجر، وبين الحق والتكليف، من الأركان الكبرى للمفاهيم والمبادئ الإسلامية. وإعادة التأهيل التي تحدّث عنها الوزير المحترم ـ مما له أهميّة فائقة ـ من المناسب تحقيقه، ليس فقط في مجال القضايا العلميّة بل في مجال أخلاق التمريض. وفي الحقيقة ينبغي إعداد ميثاق للأخلاق التمريضية وميثاق للتمريض وعهد يتمّ تدريسه وتعليمه. الممرّض ينبغي أن يعرف عظمة عمله ــ والذي هو بالطبع متلازمٌ مع أهمية شخصيّته ـ فيؤدّي العمل كما يليق به.
وأقول لكم: عافاكم الله أيها الممرضون الأعزّاء في كل البلاد ـ وخصوصاً أنتنّ الممرّضات النموذجيات ـ، وأسأل الله تعالى أن يُعِينكم ويوفّقكم لحفظ هذه القيمة السامية التي اخترتموها لعملكم، وأن يكتب لكنّ ذلك في سِجلّ أعمالكم بواسطة الكرام الكاتبين، فتؤجرون، وتكون لكم عقبى الخير إن شاء الله.
ويتفق في الجمهورية الإسلامية يوم الممرضة مع ذكرى ولادة زينب الكبرى (عليها السلام)، ولهذا معنىً عظيمٌ، فزينب الكبرى أحد نماذج التاريخ البارزة التي تُظهر عظمة حضور امرأة في إحدى أهم قضايا التاريخ. عندما يُقال إنّ الدم انتصر على السيف في عاشوراء وفي واقعة كربلاء وهو كذلك، فإن عامل هذا الانتصار هو زينب (عليها السلام)، وإلا فإنّ الدم في كربلاء قد انتهى. واقعة عسكرية تنتهي بهزيمة ظاهرية لقوى الحق في ميدان عاشوراء، أما ذلك الشيء الذي أدّى إلى تبديل هذه الهزيمة العسكرية الظاهرية إلى انتصار قطعيٍّ دائم فهو زينب الكبرى (عليها السلام) بمفردها، الدور الذي قامت به زينب (عليها السلام)، أمرٌ في غاية الأهمية. وقد دلّت هذه الواقعة على أن المرأة ليست موجودة على هامش التاريخ، بل هي في صلب الأحداث التاريخية الهامة.
القرآن أيضاً نطق بهذه المسألة في موارد متعددة، لكن هذا متعلق بالتاريخ القريب وليس مرتبطاً بالأمم الماضية، فحادثة حيّة ومحسوسة يشاهد فيها الإنسان زينب الكبرى(عليها السلام) تظهر بهذه العظمة المحيّرة
والساطعة في الميدان، تقوم بعملٍ يذلّ ويحقّر العدوّ الذي بحسب الظاهر قد انتصر في المعركة العسكرية واقتلع المعارضين وقمعهم وجلس على عرش النصر في مقرّ قدرته وفي قصر رئاسته، فتسِم جبينه بوصمة عارٍ أبدية وتبدّل انتصاره إلى هزيمة، هذا هو عمل زينب الكبرى. أظهرت زينب عليها السلام أنها يمكنها أن تبدّل الحجاب وعفاف المرأة إلى العزة الجهادية إلى جهاد كبير.
العوامل المؤثرة في تكوين شخصية الطفل
هناك ثلاث مسائل يمكن لها أن تلعب الدور الكبير في تكوين وتركيب شخصية الطفل، إلا أن تأثير هذه المسائل الثلاث، لا يعني أبداً أنه يخرج عن كونه مختاراً، فلو فرضنا أن ولداً تأثر بجو معين وانحرف عن جادة الصواب، فإن ذلك لا يعني أنه مجبر على سلوك درب الانحراف، بل إن الظروف المحيطة به ساعدته على الوقوع بسوء الاختيار والإنحراف.
ولأجل أهمية هذه الظروف الثلاثة، ينبغي لنا أن نلتفت إليها نحن الأهل، لأن الأهل بالدرجة الأولى هم مسؤولون عن مراقبة وصيانة الظروف المحيطة بأولادهم وعن تربيتهم والإشراف عليهم. وأما الظروف الثلاثة فهي:
1- الأبوان
إن الأبوين في عيني الولد هما الأنموذج الكامل، وأول قدوة يحاول أن يقلدها، ولذا فإن الطفل ينظر إلى أفعالهما نظرة على أنها الأعمال الصحيحة، فلا يعتبر أن ما يقومان به هو أمر خاطئ بل إن معيار الصواب لديه هو نفس عمل الأبوين، ولذا فإن الأهل تقع عليهم المسؤولية تجاه الولد من عدة جهات:
أ- اتفاقهما واختلافهما:
فإن الولد حينما يفتح بصره على الحياة في ظروف مليئة بالتشنج والتوتر بين أبويه، ولا سيما حينما يتعاركان أمام عينيه، هذا السلوك الخاطئ من الأهل، يجعل نفسية الولد مضطربة ومتوترة على الدوام.
ب- عدم التجاهر بالعادات القبيحة:
لأن الولد سيحمل معه هذه العادات لكونه يعتبرها من الكمالات لا من السيئات، ولو تعوّد على فعلها منذ الصغر اقتداءً بذويه فإنه وإن علم بقبحها في مرحلة وعيه، فإن من الصعب اقتلاعها حينئذٍ، ويتحمل الأهل مسؤولية ذلك، ولا سيما إذا كانت العادات هذه من المحرمات الشرعية بناء على قاعدة الحديث الشريف المروي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "... إياك أن تسنّ سنَّة بدعةٍ فإنّ العبد إذا سن سنَّةً سيئةً، لحقه وزره ووزر من عمل بها"([1]).
2- المدرسة
المدرسة هي البيئة الثانية التي يأخذ منها الطفل علومه الأولى، ولذا فإن اختيار الأهل للمدرسة الملائمة للطفل له الدور الكبير في الحفاظ على سلامته الدينية بحيث يتربى على المبادئ الصالحة التي يرغب الأبوان في أن يحملها ولدهما عند كبره، فإن المدرسة الجيدة التي تبني الأولاد على مبادئ الإسلام، هي الموضع الصالح الذي أشارت إليه الروايات؛ ففي وصية النبي لعلي عليه السلام قال: "يا علي حق الولد على والده أن يحسن اسمه وأدبه ويضعه موضعاً صالحاً"([2]).
3- الأصدقاء
على الأهل أن يلتفتوا جيداً إلى خطورة الأصدقاء، وإلى كيفية اختيار الطفل لهم، فإن الصديق يوثر على الصديق، ولذا أكدت الروايات على اتخاذ الصديق الحسن ففي الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "ليس شيء أدعى لخيرٍ، وأنجى من شرٍ، من صحبة الأخيار"([3]). كما أن الصديق السيئ يفسد الجيد كما تفسد الفاكهة الفاسدة الفاكهة الجيدة، ومن هنا كان التحذير في الروايات من صحبة الأشرار، ففي الحديث عن الإمام علي عليه السلام: "صحبةُ الأشرار تُكسِبُ الشرَّ، كالريح إذا مرَّتْ بالنَتن حملت نتنا"([4]).
([1]) ميزان الحكمة، الريشهري، ج1، ص236.
([2]) وسائل الشيعة الإسلامية، الحر العاملي، ج15، ص123.
([3]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص 1568.
([4]) ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص 1568.




























