الإنحراف عن الصراط وقطع الطريق على السالكين

قيم هذا المقال
(0 صوت)
الإنحراف عن الصراط وقطع الطريق على السالكين

لقد عبّر القرآن الكريم عن الانزلاق عن الصراط بنحوين، فتارة صوّر الصراط عموديّاً ووصفَ الخروجَ عنه بـ (الهويّ) فقال: ﴿وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾[1] وفي هذه الآية الكريمة يتحدّث بصورة قياس منطقيّ فيقول: لاتطغوا ولا تعتدوا، لأنّ غضب الله علىٰ الطغاة ضروريّ وحتميّ، وكلّ من تحتّم نزول الغضب الإلٰهيّ عليه فإنّه يسقط ويهوي. (الهُوِيّ) (مصدر فعل هوىٰ) بمعنىٰ السقوط والهبوط وهو يدلّ علىٰ انّ طريق كمال الإنسان عمودي ويتّجه الىٰ الأعلىٰ، لأنّ السقوط يتحقّق في الحركة العموديّة، والتعبير بـ (الصعود) في الآية الكريمة: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾[2] يدلّ علىٰ هذا المعنىٰ أيضاً.

 

وتارة صوّر الصراط بالحركة الاُفقيّة ووَصفَ الخروج عنه بأنّه (نكوب) وانحراف: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٭ وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُون﴾.[3] إذن فالمتخلّفون عن الصراط امّا انّهم من أهل الهُوِيّ أو من أهل النكوب.

 

وإذا تعرّض الإنسان للانحراف أو السقوط وكانت لديه القدرة علىٰ التوبة فإنّه يعود ويواصل الطريق، لكنّه لو أفسد جميع قواه واستهلكها وانتزعت منه القدرة علىٰ الرجوع، فإنّه يقعد علىٰ الطريق ليقطعه علىٰ السالكين، وهكذا يتحوّل مَن خُلِق ليسير علىٰ الصراط الىٰ قطّاع طريق فيه. ومثل هؤلاء حتّىٰ لو وُفِّقوا للتوبة فإنّ من الصعوبة قبول توبتهم، لأنّ هناك شرطاً ثقيلاً في قبول توبتهم وهو هداية جميع الّذين تسبّب هؤلاء في انحرافهم وانزلاقهم، فالله سبحانه يقول: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾.[4] وهذا العمل صعب للغاية، لأنّه يجب عليهم قبل كلّ شيء الإعتراف بالخطأ وبعد ذلك اعادة المنحرفين بسببهم الىٰ الطريق.

 

واُولئك الّذين انقطع بهم الطريق وسُلبت منهم القوّة علىٰ الحركة وصاروا عقبةً أمام حركة الآخرين، هم (شياطين الإنس) الّذين نهاهم النبيّ شعيب (عليه السلام) عن أن يكمنوا في طريق هداية الناس ويمنعوهم من طريق الله بالوعود الفارغة والتهديدات الجوفاء: ﴿وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَج﴾[5]، لأنّ القعود في طريق هداية الناس هو عمل الشيطان: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم﴾.[6]

 

وخلاصة القول هي انّ من لم يسر علىٰ الصراط المستقيم وآل أمره من الحركة المستقيمة الىٰ الإنحراف أو السقوط، فإنّ مصيره سينتهي الىٰ قطّاع طريق، وكما انّ السالكين في طريق الله سيُحشرون مع أولياء الله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيق﴾[7] كذلك فإنّ قطّاعي الطرق سيُحشرون مع الشياطين: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطين﴾.[8]

 

تنويه: انّ السرّ في طلب الهداية الىٰ الصراط المستقيم للنفس وللآخرين (بهيئة المتكلّم مع الغير) اضافة الىٰ الوجوه الّتي ذكرت في سرّ التعبير بهيئة الجمع في كلمة (نعبد) و(نستعين) هو انّ القادة الّذين تؤثّر استقامة أتباعهم في نجاح نهضتهم يسألون الله هداية واستقامة أصحابهم ورفاق دربهم: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَك﴾.[9] كما يمكن أن يسألوا لأنفسهم هم ايّ أئمّة الدين (عليهم السلام) بقاء الهداية واستمرارها من جهة والمزيد من الهداية من جهة اُخرىٰ بلحاظ قوس الصعود.

 

آية الله الشيخ جوادي آملي

 

[1] . سورة طه، الآية 81.

[2] . سورة فاطر، الآية 10.

[3] . سورة المؤمنون، الآيتان 73 ـ 74.

[4] . سورة البقرة، الآية 160.

[5] . سورة الأعراف، الآية 86.

[6] . سورة الأعراف، الآية 16.

[7] . سورة النساء، الآية 69.

[8] . سورة مريم، الآية 68.

[9] . سورة هود، الآية 112.

قراءة 19 مرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث