Super User

Super User

الأربعاء, 04 أيلول/سبتمبر 2013 05:11

اميركا واكذوبة الكيمياوي في سوريا

اميركا واكذوبة الكيمياوي في سوريا

ليس غريبا على اميركا ان تمارس الكذب ولو بشكل فاضح تدعيما لاجراءات تريد اتخاذها بناء على الاكاذيب التي تختلقها ، ولعل اكثرها فضاحة مسالة اتهام الحكومة السورية باستعمال اسلحة كيمياوية بشكل محدود ، وتجاوزها الخطوط الحمراء بهذا الشان ، ومن ثم اتخاذ الامر ذريعة لاعلان انتقال اميركا الى الدعم العسكري للمعارضة المسلحة في سوريا في المرحلة الاولى من تسويق الاكذوبة هذه ، والاستعداد لضرب سوريا عسكريا كتوظيف جديد لمسالة السلاح الكيمياوي .

التقرير الاميركي الذي صدر بهذا الشان في المرة الاولى يفضح نفسه من خلال هشاشة المعلومات المعتمدة فيها والبناء عليها ، الامر الذي دفع روسيا الى تكذيب اميركا صراحة بهذا الخصوص ، وقالت ان التقرير صادر عن ذات الجهة التي اختلقت اكذوبة امتلاك العراق اسلحة دمار شامل في عهد صدام حسين ، مشيرة الى نقاط خلل عديدة في الادعاء الاميركي .

فقد قال المستشار الدبلوماسي في الكرملين يوري اوشاكوف ان مسؤولين اميركيين قدموا مؤخرا معلومات لروسيا حول استخدام اسلحة كيميائية ضد مقاتلي المعارضة من قبل نظام الرئيس بشار الاسد .

وقال اوشاكوف "نقول ذلك بوضوح: ما قدمه الاميركيون يبدو لنا غير مقنع"، مؤكدا في الوقت نفسه ان قرارا اميركيا بزيادة المساعدة للمسلحين "سيعقد" جهود السلام.

واضاف ان "طبيعة هذه المعلومات لا يمكن ان تكشف بالطبع. لكنني اكرر هذا ليس مقنعا".

وتابع اوشاكوف "لا اريد ان اقارن بين الحالتين لكن لا اريد ان اعتقد ان هذه المعلومات يمكن ان تكون مشابهة للقارورة التي عرضها وزير الخارجية الاميركي كولن باول خلال الاجتماع الشهير لمجلس الامن الدولي".

ويشير اوشاكوف الى اجتماع عقده مجلس الامن في 2003 وقدم فيه باول قارورة قال انها تحوي مادة الجمرة الخبيثة كدليل على وجود برامج التسلح العراقية.

وشن الرئيس الاميركي السابق جورج بوش حملته العسكرية على العراق في 2003 استنادا الى هذه الادلة لكن لم يعثر على اي اسلحة للدمار الشامل في العراق.

من جهته، رأى نائب في حزب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان ادعاءات الولايات المتحدة بان الاسد استخدم الاسلحة الكيميائية "مفبركة"، لكنه كان اكثر وضوحا في التشبيه بين الوضعين.

وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الدوما الروسي النائب اليكسي بوشكوف في تغريدة على حسابه على تويتر ان "المعلومات حول استخدام الاسد للاسلحة الكيميائية مختلقة في المكان نفسه الذي اختلقت فيه الاكاذيب حول اسلحة الدمار الشامل لدى (صدام) حسين".

وقال بوشكوف على تويتر "لماذا قد يستعمل الاسد (غاز) السارين + بكميات ضئيلة + ضد المقاتلين؟ اين المنطق؟ لوقف التدخل الخارجي؟ هذا غير منطقي".

ولا يعبر بوشكوف عن موقف روسيا الرسمي حول السياسة الخارجية الا انه غالبا ما يعكس وجهة نظر الكرملين حول القضايا الدولية الكبرى.

الخارجية السورية قالت من جانبها ان البيان الاميركي كان حافلا بالاكاذيب حول استخدام اسلحة كيميائية في سوريا، وذلك بالاستناد الى معلومات مفبركة سعت الى تحميل الحكومة السورية المسؤولية عن استخدام هذه الاسلحة .

واضافت ان هذا الاتهام يـأتي "بعد تواتر التقارير التي اكدت امتلاك المجموعات الارهابية المتطرفة الناشطة في سوريا مواد كيميائية قاتلة والتكنولوجيا اللازمة لانتاجها وتهريبها من بعض دول الجوار".

الملاحظ في هذه المسالة ان المعلومات الاولى التي صدرت عن فرنسا ابتداء قالت بان المعارضة السورية هي المتورطة في استخدام اسلحة كيمياوية ، وتم نقل المعلومات الى اميركا حيث تبدلت الى اتهام الحكومة السورية باستخدامها دون وجود ادلة دامغة عن الموضوع ، فضلا عن العينات ، وكذلك المبررات الموضوعية التي تدفع الى استخدام مثل هذه الاسلحة .

الاتهامات الاميركية الجديدة جاءت لاختلاق الاعذار والمبررات التي تسمح لها بالانتقال الى خطوة جديدة وهي التدخل المباشر في الصراع الدائر بسوريا ، وخلق الاعذار الواهية التي لاتستند على اصول دستورية ومرجعية قانونية ، وبالتالي فهي محاولة غربية واميركية من اجل تكثيف الدعم للمسلحين الذين تجمعوا من مختلف الاطراف والجهات لديمومة الصراع في هذا البلد وعدم جديتها في البحث عن حلول سياسية كما تدعي ، وكذلك ايجاد المبررات حتى الواهية منها لغرض تكريس التدخل المباشر والذي حالت دونه روسيا والصين باستخدامهما للفيتو ضد أي قرار يستهدف التدخل .

الأربعاء, 04 أيلول/سبتمبر 2013 05:07

مزايدة عربية على «تردد» أوباما: فلتكن حرباً !

مزايدة عربية على «تردد» أوباما: فلتكن حرباً !

إذا كانت عواصم غربية عدة، أبرزها واشنطن ولندن، قد ظللت تجميد حربها على سوريا، بذريعة التشاور مع شعوبها، فإن معظم وزراء الخارجية العرب الذين اجتمعوا في القاهرة، أمس، بدوا أقل وطنية وقومية، من الغرب نفسه.

وطلب منهم الأميركيون، ربطاً بالموعد الذي كان مقرراً للضربة العسكرية، وحدّه الأقصى يوم الأربعاء المقبل، أن يقرّبوا اجتماعهم من الثلاثاء إلى الأحد، طمعاً بتغطية عربية تعوض ما خسرته واشنطن بفعل ما جرى في مجلس العموم البريطاني، غير أن لجوء الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الكونغرس، للحصول على تغطية لضربة «قد تحصل غداً أو بعد أسبوع أو بعد شهر»، بدّل الحسابات العربية.

وبدت الصدمة واضحة على محيّا وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل منذ لحظة وصوله إلى مطار القاهرة. وبيّنت الخلوة الثنائية التي عقدها مع نظيره المصري نبيل فهمي أن هناك حاجة لتعديل وجهة الاجتماع. نصح المصريون الفيصل ب«التواضع» وبالاكتفاء بالصيغة التي كانت صدرت عن اجتماع المندوبين بتاريخ 27 آب الماضي.. مع تعديلات طفيفة جداً. وحمل وزراء الخارجية العرب السلطات السورية مسؤولية الهجوم «بالأسلحة الكيميائية» على غوطة دمشق في 21 آب الماضي، ودعوا «الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للاضطلاع بمسؤولياتهم وفقاً لميثاق المنظمة الدولية وقواعد القانون الدولي لاتخاذ الإجراءات الرادعة واللازمة ضد مرتكبي هذه الجريمة».

بدت نبرة المتحدثين منخفضة جداً، باستثناء سعود الفيصل ورئيس «الائتلاف السوري» أحمد الجربا اللذين تعمدا تسمية «حزب الله» وإيران (في آخر اجتماع عربي، تحدث هيثم المالح في جلسة مغلقة وليست علنية بعكس ما حصل في جلسة الأمس)، أما باقي وزراء الخارجية، فقد كانت نبرتهم ضمن السقف المعتاد، بينما قرر ممثلا دولة فلسطين وسلطنة عمان اعتماد لغة الصمت، وفي المقابل، ارتفعت النبرة الاعتراضية لكل من لبنان والعراق والجزائر ومصر.

وفيما كان وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور الأكثر جرأة بدعوته إلى عدم استباق التحقيق الدولي، سائلاً في الوقت ذاته عن سبب تقاعس العرب عن إرسال فريق محققين للغاية نفسها، قبل أن يصدروا أحكامهم ويحمّلوا النظام السوري مسؤولية استخدام السلاح الكيميائي، مشدداً على أهمية الحل السياسي للأزمة السورية، دعا وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري الحاضرين في الجلسة المغلقة إلى التكيف مع واقع أن الضربة العسكرية التي كانت منتظرة باتت مؤجلة وربما لن تحصل، ناصحاً بعدم الاستعجال وبالتالي عدم اتخاذ قرار يغطي ضربة عسكرية غير مضمونة.

ولم يكن وزيرا خارجية مصر والجزائر بعيدين عن مضمون مداخلة وزيري خارجية العراق ولبنان بالتركيز على أولوية الحل السياسي، فيما كان لافتاً للانتباه تراجع إدارة الأمين العام نبيل العربي «مسايرة» للموقف المصري الجديد. كما تراجع دور قطر في اجتماعات الجامعة العربية، إلى ما دون المألوف قبل «انتفاخ» الدور القطري في موسم «الربيع العربي»، ليتقدم الدور السعودي ويتحول الى «دينامو» الدورة ال140 للجامعة العربية، التي أقرت جدول الأعمال العربي كله في أقل من ساعة، واستحوذ الموضوع السوري على الساعات الأربع للاجتماع في ظل حالة الطوارئ التي تشهدها العاصمة المصرية.

وفي المحصلة، غابت عن الاجتماع العربي أية إشارة إلى موضوع الضربة العسكرية، حتى أن المندوب الجزائري خاطب الوزراء العرب بالقول «إذا كانت الدول العظمى، قد قررت استشارة شعوبها، أليس من البديهي لنا كدول عربية أن نتشاور بين بعضنا البعض أقله بدل أن تكون قراراتنا مسلوقة وغب الطلب»؟

الجدير ذكره أن لبنان تحفظ على كامل القرار بينما تحفظ العراق والجزائر على البند الرقم 2 في القرار لجهة تحميل النظام السوري المسؤولية التامة عن مجزرة الغوطة الشرقية.

ويبدو أن القرار العربي أصبح رهينة بيد السعودية، التي كان وزير خارجيتها سعود الفيصل دعا، في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، إلى دعم العدوان على سوريا. وبرغم أن وزير الخارجية المصري نبيل فهمي أكد رفض أي عدوان على سوريا، لكن بلاده لم تصوت ضد القرار.

وقال مصدر ديبلوماسي في القاهرة إنه «برغم الضغوط السعودية للموافقة على توجيه ضربة عسكرية غربية، إلا أن مصر والأمانة العامة للجامعة العربية تمسكتا بفحوى البيان الختامي لاجتماع المندوبين الدائمين الذي عقد الأسبوع الماضي، والذي يدين النظام السوري من دون إعطاء أي موافقة على ضربة غربية، على غرار موافقة الأمين العام السابق للجامعة عمرو موسى على تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا».

وكان الأزهر اصدر بياناً أعلن فيه رفضه لقرار الرئيس الأميركي باراك أوباما توجيه ضربة عسكرية لسوريا، محذراً من أن «الأمر يشكل اعتداءً وتهديداً للأمة العربية والإسلامية، واستهتاراً بالمجتمع الدولي، ويعرض السلم والأمن الدوليين للخطر».

ويأتي القرار العربي بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما، أنه سيطلب من الكونغرس تفويضاً باستخدام القوة ضد سوريا، وهي خطوة فاجأت كثيرين سواء في الولايات المتحدة نفسها، او بعض قوى المعارضة السورية، بالاضافة الى اسرائيل.

واعتبر اوباما أنه وإن كان يملك السلطة لاتخاذ قرار توجيه الضربة العسكرية، من دون الرجوع إلى الكونغرس، فإن الولايات المتحدة «ستكون أقوى» اذا لجأ الى الكونغرس.

ولم يتضح تماما الهدف من وراء رمي أوباما الكرة في ملعب الكونغرس الذي لن يجتمع قبل 9 أيلول الحالي، وما إذا كانت خطوة الرئيس الاميركي محاولة لكسب غطاء دستوري لتحركه المحتمل، او انها تمثل مناورة للتراجع عن قراره إذا رفض الكونغرس الضربة، كما حصل قبل ايام في البرلمان البريطاني الذي رفض قرار رئيس الحكومة ديفيد كاميرون باستهداف سوريا، أو انتظار رد فعل البرلمان الفرنسي الذي يجتمع الأربعاء المقبل، برغم أن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أكد جهوزية بلاده لشن العدوان من دون قرار من البرلمان. كما ان أوباما ربما يستهدف امتصاص غضب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يستضيف الخميس المقبل اجتماعاً لقادة مجموعة العشرين.

وبدأت الإدارة الأميركية القيام بجهود كبيرة لتسويق الضربة لدى الرأي العام الأميركي. وتحدث وزير الخارجية جون كيري إلى خمسة برامج سياسية في القنوات التلفزيونية الأميركية الكبرى، معلناً للمرة الأولى أن العينات التي تسلمتها وحللتها الولايات المتحدة «تثبت استخدام غاز السارين في هجوم 21 آب قرب دمشق» في الغوطة الشرقية.

وفي دمشق، أعلن الرئيس السوري بشار الأسد، خلال لقائه رئيس لجنة الأمن القومي والشؤون الخارجية في مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني علاء الدين بروجردي، أن «سوريا قادرة على مواجهة أي عدوان خارجي»، فيما اعتبر بروجردي ان «طبيعة القضايا الأمنية في المنطقة مترابطة بشكل كامل من الجانب الأمني، وعلى الأميركيين أن يتوقعوا تهديدات لمصالحهم حين يقومون بتهديد مصالح دول المنطقة».

الجمعة, 22 آب/أغسطس 2014 00:00

استشهاد الإمام الصادق (ع)

استشهاد الإمام الصادق (ع)

حين تولّى الحكم أبو جعفر المنصور بعد أخيه أبي العباس السفّاح سنة (136 هـ ) عبّر عن مكنون حقده على الإمام الصادق (ع) وصحبه من العلويين وغيرهم، وقال عنه المؤرّخون: وكان المنصور خدّاعاً لا يتردّد في سفك الدماء وكان سادراً في بطشه مستهتراً في فتكه(1).

ووصفه ابن هبيرة وهو أحد معاصريه بقوله: مارأيت رجلا في حرب أو سلم أمكر ولا أنكر ولا أشدّ تيقّظاً من المنصور(2).

لقد بادر المنصور إلى قتل أبي مسلم الخراساني الذي كان يبغضه، وأبو مسلم هو القائد الأوّل للإنقلاب العبّاسي، وذلك بعد أن أعدّ له المنصور مكيدة وأغراه بالمجيء إلى بغداد . وجرّده من جميع مناصبه العسكرية.

ولمّا دخل أبو مسلم الخراساني على المنصور قابله بقساوة بالغة وأخذ يعدّد عليه أعماله وأبو مسلم يعتذر عن ذلك .

ثمّ صفّق المنصور عالياً حسب الاتّفاق مع حرّاسه لتكون الصفقة بمثابة ساعة الصفر ، فدخل الحرّاس وبأيديهم السيوف فقال : أبو مسلم للمنصور متوسّلا استبقني لعدوّك. فصاح به: وأيّ عدو أعدى لي منك ؟!

وبمثل هذا الاُسلوب أيضاً قد غدر بعمّه عبد الله بن عليّ حيث أرسل عليه بعد أن أعطاه الأمان ثم قتله بعد ذلك(3) .

أما مخطّطه الخبيث ضدّ الإمام الصادق(ع) ونهضته الإسلاميّة بشكل عامٍّ فقد أخذ ثلاثة اتّجاهات:

 

الإتّجاه الأوّل :

اتّخذ المنصور في هذا الاتّجاه اُسلوباً مرناً محاولا فيه الاستفادة من جهد الإمام (ع) واحتوائه ضمن سياسة الخلافة العبّاسية فقد كتب إليه: «لِمَ لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟

فأجابه الإمام (ع): «ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة مانرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنّـئك بها ولا تراها نقمةً فنعزّيك بها ، فما نصنع عنك !؟»

فكتب إليه : تصحبنا لتنصحنا .

فأجابه (ع): «من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك».

قال : المنصور : والله لقد ميّز عندي منازل الناس ، من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة وإنه ممّن يريد الآخرة لا الدنيا(4).

ومن أساليب المنصور مع الإمام(ع) في هذا الاتّجاه ما جاء عن عبد الوهّاب عن أبيه حيث قال :

بعث أبو جعفر المنصور إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّد(ع) وأمر بفرش فطرحت له إلى جانبه ، فأجلسه عليها ثم قال عليَّ بمحمّد، عليَّ بالمهديّ. فأقبل المنصور على جعفر (ع) فقال : يا أبا عبد الله حديث حدّثتنيه في صلة الرحم ، اذكره، يسمعه المهدي .

قال : نعم ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه عن عليّ (ع) قال، قال رسول الله((صلى الله عليه وآله وسلم)) : «إنّ الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيرها الله عزّ وجّل ثلاثين سنة ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة ، فيصيرها الله ثلاث سنين» ثم تلا(ع): (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(5) .

قال : هذا حسن يا أبا عبد الله ، وليس إيّاه أردت، قال أبو عبد الله (ع): نعم حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّ(ع) قال : قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله)): «صلة الرحم تعمّر الديار وتزيد في الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار».

قال هذا حسن يا أبا عبد الله ، وليس هذا أردت .

فقال أبو عبد الله (ع): «نعم حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّ (ع) قال، قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله)): صلة الرحم تهوّن الحساب وتقي ميتة السوء ».

قال المنصور : نعم إيّاه أردت(6) .

إنّ السلاطين يخافون الموت ، فالإمام (ع) ركّز على هذه الناحية وربطها بصلة الرحم لتعالج الحقد والكيد الذي يشغل ذهن المنصور ضدّ الإمام والعلويين من أهل بيته ، لذا أكّد (ع) عن طريق الأحاديث بأن طول العمر يرتبط بصلة الرحم .

 

الإتّجاه الثاني:

كما تحرّك المنصور بقوة نحو الإمام (ع) عن طريق نشر عيونه وجواسيسه التي كانت تراقب حركة الإمام الصادق وترصد نشاطاته لتزوّده بآخر المعلومات، ليتّخذ منها مسوّغاً للنيل من الإمام(ع) والتضييق على حركته التي كان يرى فيها المنصور خطراً حقيقياً على سلطانه وبالتالي تمهّد له تلك التقارير أن يصوغ ما يريده من الإتّهامات لأجل أن يتخذها ذريعة في قتله. وقد تضمّن هذا الاتّجاه جملةً من الأساليب .

 

الأُسلوب الأوّل : عن رزّام بن مسلم مولى خالد القسري قال : بعثني أبو جعفر المنصور إلى المدينة ، وأمرني إذا دخلت المدينة أن أفضّ الكتاب الّذي دفعه إليّ وأعمل بما فيه ; قال : فما شعرت إلاّ بركب قد طلعوا عليَّ حين قربت من المدينة ، وإذا رجلٌ قد صار إلى جانبي ، فقال : يا رزّام اتقِ الله ، ولا تشرك في دم آل محمّد قال : فأنكرت ذلك فقال لي : دعاك صاحبك نصف الليل ، وخاط رقعةً في جانب قباك ، وأمرك إذا صرت إلى المدينة ، تفضّها وتعمل بما فيها .

قال : فرميت بنفسي من المحمل ، وقبّلت رجليه ، وقلت : ظننت أنّ ذلك صاحبي وأنت يا سيّدي صاحبي ، فما أصنع ؟ قال : ارجع إليه ، واذهب بين يديه وتعال ، فإنّه رجلٌ نسّاء ، وقد أُنسي ذلك ، فليس يسألك عنه، قال : فرجعت إليه ، فلم يسألني عن شيء، فقلت صدق مولاي(7) .

وعن مهاجر بن عمار الخزاعي ، قال : بعثني أبو الدوانيق إلى المدينة ، وبعث معي مالاً كثيراً، وأمرني أن أتضرّع لأهل هذا البيت ، وأتحفّظ مقالتهم،، قال : فلزمت الزاوية التي مما يلي القبلة ، فلم أكن أتنحّى منها في وقت الصلاة ، لا في ليل ولا في نهار.

قال : وأقبلت أطرح إلى السؤال ـ الذين حول القبر ـ الدراهم ـ ومن هو فوقهم ـ الشيء بعد الشيء حتى ناولت شباباً من بني الحسن ومشيخة ]منهم [حتى ألفوني وألفتهم في السّر .

قال : وكنت كلما دنوت من أبي عبد الله (ع) يُلاطفني ويكرمني حتى إذا كان يوماً من الأيّام ـ بعد ما نلت حاجتي ممن كنت أريد من بني الحسن وغيرهم ـ دنوت من أبي عبد الله(ع) وهو يُصلّي ، فلما قضى صلاته ، التفت إليّ وقال :

تعال يا مهاجر ! ـ ولم أكن أتسمّى ] با سمي [ ولا أتكنّى بكنيتي ـ فقال : قل لصاحبك : يقول لك جعفر : «كان أهل بيتك إلى غير هذا منك أحوج منهم إلى هذا ، تجيء إلى قوم شباب محتاجين فتدسّ إليهم ، فلعلّ أحدهم يتكلّم بكلمة تستحلُّ بها سفك دمه ، فلو بررتهم ووصلتهم ] وأنلتهم [ وأغنيتهم ، كانوا إلى هذا أحوج مما تريد منهم ».

قال : فلما أتيت أبا الدوانيق ، قلت له : جئتك من عند ساحر، كذّاب كاهن كان من أمره كذا وكذا فقال : صدق والله لقد كانوا إلى غير هذا أحوج ، وإيّاك أن يسمع هذا الكلام منك إنسان(8) .

ويذكر مهاجر أيضاً إنّي أتيت جعفر بن محمّد وهو يصلّي في مسجد الرسول((صلى الله عليه وآله)) فجلست خلفه وقلتُ ينصرف واذكر له فعجّل وانصرف فالتفت إليَّ فقال: «يا هذا! اتّقِ الله ولا تغرَّ أهل بيت محمّد وقل لصاحبك اتّقِ الله ولا تحز آل بيت محمّد فإنّهم قريبو العهد بدولةِ بني مروان وكلّهم محتاجٌ» فقلت: وماذاك أصلحك الله؟ فقال: «اُدنُ منّي فدنوتُ فأخبرني بجميع ما جرى بيني وبينك (يعني الدوانيقي) حتّى كأنّه ثالثنا، فقال له: يا مهاجر إنّه ليس من أهل بيت نبوّة إلاّ محدّثٌ وأن جعفر بن محمّد محدّثنا اليوم(9).

الاُسلوب الثاني: ومن أساليبه باتّجاه سياسة التضييق التي فرضها على الإمام (ع) محاولة تسليط الضوء على بعض الشخصيّات ليجعل منها بدائل علميّةً تغطّي على الإمام وتؤيّد سياسته وتساهم من جانب آخر في تضعيف القدسية والإنجذاب الجماهيريّ نحو الإمام وتؤدّي بالنتيجة إلى شق وحدة التيار الإسلامي الذي يقرّ بزعامة الإمام(ع) وأعلميته وإيجاد الفرقة والاختلاف .

وقد نجح المنصور بهذه الخطوة فكسب البعض من طلاّب الإمام(ع) حين أحاطهم بهالة من الاحترام والتقدير وخلق منهم وجوداً قبال مذهب الإمام ونهجه الإسلامي الاصيل .

ذكر أبو القاسم البغّار في مسند أبي حنيفة فقال: قال الحسن بن زياد سمعت أبا حنيفة وقد سئل : من أفقه من رأيت ؟ قال جعفر بن محمّد ، لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ ، فقال يا أبا حنيفة ! إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيّء له من مسائلك الشداد .

فهيّأت له أربعين مسألةً، ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته .

فدخلت عليه ، وجعفر جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر مالم يدخل لأبي جعفر ، فسلّمت عليه ، فأومأ إليّ فجلست ، ثم التفت إليه ، فقال :

يا أبا عبد الله : هذا أبو حنيفة ، قال: نعم أعرفه . ثم التفت إليّ فقال : يا أبا حنيفة ألقِ على أبي عبد الله (ع) من مسائلك .

فجعلت ألقي عليه فيجيبني ، فيقول : « أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا » فربما تابعنا ، وربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعاً . حتى أتيت على الأربعين مسألة ، فما أخلّ منها بشيء ثم قال أبو حنيفة : أليس إنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟!(10) .

الاُسلوب الثالث: لقد كانت سياسة الإمام (ع) أزاء حكومة المنصور ذات طابع غير ثوريٍّ، وإنما سلك الإمام نفس نهجه السابق في التغيير والإصلاح ، وقد أوحى للمنصور في وقت سابق بأنّه لم يكن بصدد التخطيط للثورة ضدّه بل صرّح له في أكثر من مرة بذلك، إلاّ أنّ المنصور لم يطمئن لعدم تحرك الإمام وثورته التغييرية وذلك بسبب ما كان يشاهده من كثرة مؤيديه.

يحدثنا الإمام الصادق(ع) عن الشكوك والتساؤلات التي أثارها المنصور بوجه الإمام عند لقائه به كما في النصّ التالي:

عن حمران قال : «قال أبو عبد الله (ع) وبعد ذكر هؤلاء عنده وسوء حال الشيعة عندهم فقال : «إنّي سرت مع أبي جعفر المنصور وهو في موكبه ، وهو على فرس وبين يديه خيلٌ ومن خلفه خيلٌ، وأنا على حمار إلى جانبه»، فقال لي :

يا أبا عبد الله ! قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوّة وفتح لنا من العزّ ، ولا تخبر الناس أنك أحقُّ بهذا الأمر منا وأهل بيتك ، فتغرينا بك وبهم .

قال : فقلت: «ومن رفع هذا إليك عنّي فقد كذب». فقال: أتحلف على ما تقول؟

قال : فقلت: «إنّ الناس سحرة يحبّون أن يفسدوا قلبك عليّ ، فلا تمكنّهم من سمعك، فأنا إليك أحوج منك إلينا».

فقال لي : تذكر يوم سألتك هل لنا ملك ؟ فقلت : «نعم طويلٌ عريضٌ شديدٌ ، فلا تزالون في مهلة من أمركم وفسحة في دنياكم حتى تصيبوا منّا دماً حراماً في شهر حرام في بلد حرام !

فعرفت أنه قد حفظ الحديث، فقلت: لعلّ الله ( عزّ وجّل ) أن يكفيك ، فإني لم أخصك بهذا ، وإنما هو حديثٌ رويته، ثم لعلّ غيرك من أهل بيتك يتولّى ذلك ، فسكت عنيّ»(11).

 

 

الإتّجاه الثالث:

واستخدم المنصور مع الإمام (ع) أيضاً سياسة الاستدعاء والمقابلة المصحوبة بالتهم والافتراءات ، أو الاستدعاءات الفارغة من أيّ سؤال، محاولا عن طريق هذه السياسة شلّ حركة الإمام وجعله تحت ضوء رقابة أجهزته ليطمئنّ المنصور من خطر الإمام ، كما استخدم بعض الأساليب التي من شأنها أن تنال من كرامة الإمام (ع)، فمن أساليبه بهذا الاتّجاه :

1 ـ ما جاء عن بشير النبّال أنه قال : كنت على الصفا وأبو عبد الله (ع) قائم عليها إذ انحدر وانحدرت معه ، وأقبل أبو الدوانيق على حمارته ، ومعه جنده على خيل وعلى إبل، فزاحموا أبا عبد الله (ع) حتى خفت عليه من خيلهم وأقبلت أقيه بنفسي وأكون بينهم وبينه ، قال : فقلت في نفسي : يا ربِّ عبدك وخير خلقك في أرضك ، وهؤلاء شرٌّ من الكلاب قد كانوا يفتنونه !

قال : فالتفت إليّ وقال: «يا بشير ! قلت : لبيك. قال : «ارفع طرفك لتنظر».

قال : فإذا ـ والله ـ واقيةٌ من الله أعظم مما عسيت أن أصفه .

قال فقال : «يا بشير ! إنا اُعطينا ما ترى ، ولكنّا اُمرنا أن نصبر ، فصبرنا»(12) .

2 ـ ما جاء عن المفضل بن عمر(13) أنه قال: إنّ المنصور قد كان هَمّ بقتل أبي عبد الله (ع) غير مرّة ، فكان إذا بعث إليه ودعاه ليقتله ، فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله، غير أنه منع الناس عنه ، ومنعه من القعود للناس ، واستقصى عليه أشدّ الاستقصاء حتى أنه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه ، في نكاح أو طلاق أو غير ذلك فلا يكون علم ذلك عندهم ، ولا يصلون إليه ، فيعتزل الرجل أهله .

فشقّ ذلك على شيعته وصعب عليهم ، حتى ألقى الله عزّ وجلّ في روع المنصور أن يسأل الصادق(ع) ليتحفه بشيء من عنده ، لا يكون لأحد مثله ، فبعث إليه بمخصرة(14) كانت للنبي(ع) طولها ذراع ، ففرح بها فرحاً شديداً ، وأمر أن تشق له أربعة أرباع، وقسّمها في أربعة مواضع.

ثم قال له: ماجزاؤك عندي إلاّ أن اُطلق لك ، وتفشي علمك لشيعتك ، ولا أتعرّض لك ، ولا لهم ، فاقعد غير مُحتشم، وافتِ الناس ، ولا تكن في بلد أنا فيه، ففشى العلم عن الصادق(ع) (15) .

3 ـ وعن عبد الله بن أبي ليلى ، قال : كنت بالربذة مع المنصور ، وكان قد وجّه إلى أبي عبد الله (ع) فاُتي به ، وبعث إليّ المنصور فدعاني ، فلما انتهيت إلى الباب سمعته يقول : عجلّوا عليّ به قتلني الله إن لم أقتله ، سقى الله الأرض من دمي إن لم أسقِ الأرض من دمه.

فسألت الحاجب من يعني ؟ قال : جعفر بن محمّد (ع). فإذا هو قد اُتي به مع عدّة جلاوزة(16)، فلما انتهى إلى باب ـ قبل أن يرفع الستر ـ رأيته قد تململت شفتاه عند رفع الستر ، فدخل.

فلما نظر إليه المنصور قال : مرحبا يابن عمّ ، مرحباً يابن رسول الله . فما زال يرفعه حتى أجلسه على وسادته ، ثم دعا بالطعام ، فرفعت رأسي ، وأقبلت أنظر إليه ، وجعل يلقمه جيّداً بارداً، وقضى حوائجه ، وأمره بالانصراف .

فلما خرج ، قلت له: قد عرفت موالاتي لك ، وما قد ابتليت به في دخولي عليهم ، وقد سمعت كلام الرجل وما كان يقول ، فلما صرت إلى الباب رأيتك قد تململت شفتاك ، وما أشك أنه شيء قلته ، ورأيت ما صنع بك ، فإن رأيت أن تعلّمني ذلك ، فأقوله إذا دخلت عليه .

قال : نعم، قلت : « ما شاء الله ، ما شاء الله ، لا يأتي بالخير إلاّ الله ، ما شاء الله ، ما شاء الله ، لا يصرف السوء إلاّ الله ...»(17).

 

تحرّك العلويين نحو الثورة

بعد أن تأكّد المنصور عن طريق المعلومات التي كانت تصله من جواسيسه بأنّ السادة الحسنيين يخططون للثورة عليه، انتظر المنصور موسم الحجّ فلمّا حان الموسم سافر هو وحاشيته إلى بيت الله الحرام، وبعد انتهائه من مناسك الحجّ رجع إلى يثرب وقد صحب معه عقبة بن مسلم الجاسوس الذي عيّنه المنصور لمراقبة تحرّك آل الحسن وكان قد أوصاه قبل سفره فقال له : إذا لقيني بنو الحسن وفيهم عبد الله فأنا مكرمه ورافع محمله وداع بالغذاء فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامتثل بين يديه فإنه سيصرف عنك بصره ، فاستدر حتى ترمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك .

ولمّا انتهى المنصور إلى يثرب استقبله السادة الحسنيّون وفيهم عبد الله ابن الحسن ، فأجلسه المنصور إلى جانبه ودعا بالغذاء فأصابوا منه فقام عقبة ، ونفّذ ما عهد إليه المنصور ، وجلس أمامه ففزع منه عبد الله وقال للمنصور: أقلني أقالك الله ...

فصاح به: لا، أقالني الله إن أقلتك(18).

وأمر أن يكبّل بالحديد ويزجّ في السجن فكبّل مع جماعة من العلويين وحبس في بيت مروان .

وأرادوا من عبد الله أن يخبر بمكان ولديه: محمّد ذي النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم وإن لم يخبر بمكانهما فسوف يتعرّض للانتقام والقتل.

وقد عبّر عبد الله عن عمق هذه المأساة للحسن بن زيد قائلا: يابن أخي، والله لبليّتي أعظم من بليّة إبراهيم (ع); إنّ الله عزّوجلّ أمر إبراهيم أن يذبّح ابنه ، وهو لله طاعةٌ ، فقال إبراهيم : (إِنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ)(19). وإنكم جئتموني في أن آتي بابني هذا الرجل فيقتلهما وهو لله جِّلٌ وعزٌّ معصية ...(20).

وبقي السادة الحسنيّون في السجن لمدة ثلاث سنين، وفي سنة (142 هـ) سافر المنصور مرّة أخرى إلى الحجّ لغرض تدارك الوضع في المدينة والوقوف أمام التصعيد الثوريّ هناك، وبعد أن أنهى مناسكه اتّجه نحو الربذة التي تبعد ثلاثة أميال عن المدينة وبعد وصوله إليها أمر بإشخاص السادة الحسنيين ومن معهم من العلويين إليه وقد تكفّل عقبة بن مسلم بعملية إخراجهم من السجن والسير بهم نحو الربذة.

وبعد إخراجهم من السجن وضع الحديد في أيديهم وجيء بهم إلى مسجد رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) حيث إزدحم الناس عليهم وهم بين باك ومتأسّف والشرطة تشتمهم وقد طلبت من الناس أن يشتموهم .

لكن الذي حدث كان على العكس من ذلك إذ أخذ الناس يسبّون عقبة ابن مسلم والمنصور ويترحمون على العلويين ...(21).

 

موقف الإمام (ع) من آل الحسن

وكتب الإمام الصادق (ع) إلى عبد الله بن الحسن رسالة يعزّيه فيها ويُصبّرهُ على المصاب الذي جرى عليه وعلى أصحابه .

عن إسحاق بن عمّار الصيرفي أنّه قال : إن أبا عبد الله جعفر بن محمّد(ع) كتب إلى عبد الله بن الحسن حين حمل هو وأهل بيته ، يعزّيه عمّا صار إليه : « بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى الخلف الصالح ، والذريّة الطيّبة من ولد أخيه وابن عمّه : أما بعد : فلئن كنت قد تفرّدت أنت وأهل بيتك ـ ممّن حُمل معك ـ بما أصابكم ، ما انفردت ـ بالحزن والغيظ والكآبة ، وأليم وجع القلب ـ دوني ولقد نالني من ذلك من الجزع والقلق ، وحرّ المصيبة مثل ما نالك ولكن رجعت الى ما أمر الله ـ جلّ جلاله ـ به المتقين من الصبر ، وحُسن العزاء ، حين يقول لنبيّه ((صلى الله عليه وآله)): (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)(22) . وحين يقول : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ)(23) إلى أن قال: (واعلم أي عمّ وابن عمّ إنّ الله ـ جل جلاله ـ لم يُبال بضرّ الدنيا لوليه ساعة قط ولا شيء أحبّ إليه من الضرر والجهد والأذى مع الصبر . وأنّه تعالى لم يُبال بنعم الدنيا لعدوّه ساعة قط ولو لا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخوفونهم ويمنعونهم وأعداؤه آمنون مطمئنّون عالون ظاهرون ولولا ذلك لما قتل زكريا واحتجب يحيى ظلماً وعدواناً في بغيّ من البغايا . ولو لا ذلك لما قتل جدّك عليّ بن أبي طالب (ع) لمّا قام بأمر الله ـ جلّ وعزّ ـ ظلماً ، وعمّك الحسين بن فاطمة اضطهاداً وعدواناً»(24) .

واعترف المنصور بسياسته الغاشمة ضد العلويين القائمة على القتل والإبادة لذريّة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) حيث يقول : قتلت من ذرية فاطمة ألفاً أو يزيدون وتركت سيّدهم ومولاهم جعفر بن محمّد(25) .

 

ثورة محمّد بن عبد الله ( ذي النفس الزكية )

إنّ محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ الملقّب بذي النفس الزكية قد رُشّح باتّفاق الهاشميين للخلافة، وكان المنصور يسير بخدمته ويسوّي عليه ثيابه ويمسك له دابته تقرّباً إليه، وقد بايعه مع أخيه السفّاح مرّتين. وبعد اختلاس العبّاسيين للحكم واستبدادهم وشياع ظلمهم تألّم محمّد فأخذ يدعو الناس إلى نفسه فاستجاب له الناس وظلّ مختفياً مع أخيه إبراهيم، وقد انتشرت دعاتهم في البلاد الإسلامية داعية المسلمين إلى بيعة محمّد هذا.

ولمّا انتهت الأنباء بشهادة عبد الله وسائر السادة الذين كانوا معه الى محمّد ; أعلن محمّدٌ ثورته في المدينة وبايعه الناس وحتى الفقهاء منهم وقد استبشروا ببيعته، وحينما انتشر الأمر سارع أهالي اليمن ومكة إلى بيعته وقام خطيباً فيهم فقال :

أما بعد : أيها الناس فإنّه كان من أمر هذا الطاغية عدوّ الله أبي جعفر مالم يخفَ عليكم من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معانداً لله في ملكه تصغيراً للكعبة الحرام ، وإنما اُخذ فرعون حين قال : أنا ربكم الأعلى ، وإنّ أحقّ الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين والأنصار المواسين .

 

اللّهم إنهم قد أحلّوا حرامك وحرّموا حلالك وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت ، اللّهم فاحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً(26).

ولمّا علم المنصور بالثورة وجّه جيشاً يقدّر بأربعة آلاف فارس بقيادة عيسى بن موسى، وبعد أن اندلعت الحرب بين الفريقين ـ خارج المدينة ـ رغبةً من محمّد وحفاظاً على سكّانها من عبث جيش المنصور واُصيب محمّد بن عبد الله بجراح خطيرة بسبب تفرّق جنده، وبرك إلى الأرض، فبادر الأثيم حميد بن قحطبة فاحتزّ رأسه الشريف(27) .

 

موقف الإمام (ع) من الثورة :

لقد حذّر الإمام الصادق (ع) عبد الله بن الحسن من الترويج لابنه محمّد على أساس أنه المهدي لهذه الاُمة، وأخبر (ع) بمستقبل الأحداث ونبّه على أنّها ستنتهي باستشهاد محمّد وأخيه إبراهيم، وأنّ الخلافة بعد أبي العباس السفّاح ستكون للمنصور العبّاسي.

وحينما سئل (ع) عن محمّد بن عبد الله ودعوته قبل أن يعلن محمّد ثورته أجاب (ع) : «إنّ عندي كتابين فيها اسم كلِّ نبي وكلِّ ملك يملك، لا والله ما محمّد بن عبد الله في أحدهما »(28) .

ولما ثار محمّد بن عبد الله ( ذي النفس الزكية ) ترك الإمام الصادق (ع) المدينة، وذهب إلى أرض له بالفُرع، فلم يزل هناك مقيماً حتى قتل محمّد فلما قتل واطمأنّ الناس وأمنوا رجع إلى المدينة(29).

 

الإمام الصادق يهيّء الخط الشيعي للمواصلة

لقد كانت الفترة الأخيرة من حياة الإمام الصادق (ع) مع حكومة المنصور فترة تشدّد ومراقبة لحركة الإمام، تخللتها محاولات اغتيال عديدةٌ، لكنّ الإمام(ع) علم أن المنصور قد صمّم على قتله، ولهذا مارس جملة من الأنشطة ليهيّء فيها الخط الشيعيّ لمواصلة الطريق من بعده.

النشاط الأوّل : حاول الإمام الصادق (ع) أن يجعل من الصفِّ الشيعيِّ صفّاً متماسكاً في عمله و نشاطه ، وركّز على قيادة الإمام الكاظم (ع) من بعده فيما لو تعرّض لعملية قتل من قبل المنصور. وقد قطع الطريق أمام المنتفعين والأدعياء الذين كانوا يتربّصون الفرص ; لأنّ إسماعيل ابن الإمام الصادق(ع) الذي كان قد توفّي في هذه الفترة كان يصلح كفكرة لتفتيت الصفّ الشيعي باعتباره الابن التقي الأكبر للإمام (ع) .

والغريب أنّا نجد ـ رغم التأكيدات المتكرّرة ـ والحزن الذي أبداه الإمام(ع) والتصريح الذي أبداه أمام حشد كبير من أعيان الشيعة بأنّ إسماعيل قد توفّي ودفن استغلال بعضهم لقضية إسماعيل وزعمهم بأنّ الإمامة تقع في إسماعيل وأنّه حيٌّ وقد خرج في البصرة وشاهده بعض الناس.

وهنا يقوم الإمام الصادق(ع) بجملة من الخطوات لمعالجة هذه المشكلة التي سوف تُفتّت الصفّ الشيعيَّ من بعده.

1 ـ قال زرارة بن أعين: دعا الإمام الصادق (ع) داود بن كثير الرقي وحمران بن أعين ، وأبا بصير ، ودخل عليه المفضّل بن عمر وأتى بجماعة حتى صاروا ثلاثين رجلا فقال: « يا داود اكشف عن وجه إسماعيل »، فكشف عن وجهه ، فقال : «تأمّله يا داود ، فانظره أحيٌّ هو أم ميّتٌ؟» فقال: بل هو ميّتٌ . فجعل يعرّضه على رجل رجل حتى أتى على أخرهم فقال : «اللّهم اشهد» . ثم أمر بغسله وتجهيزه .

ثم قال : «يا مفضّل احسر عن وجهه، فحسر عن وجهه»، فقال: «أحيّ هو أم ميّتٌ؟» انظروه أجمعكم» فقال : بل هو يا سيدنا ميّتٌ.

فقال : «شهدتم بذلك وتحققتموه»؟ قالوا : نعم، وقد تعجبوا من فعله .

فقال : «اللّهم أشهد عليهم». ثم حمل إلى قبره ، فلمّا وضع في لحده ، قال :

«يا مفضل ، اكشف عن وجهه» فكشف ، فقال للجماعة: «انظروا أحيٌّ هو أم ميتّ؟» فقالوا : بل ميّتٌ، يا وليّ الله .

فقال: «اللّهم اشهد فإنه سيرتاب المبطلون (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ) » ـ ثم أومى إلى موسى (ع) وقال: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(30) .

ثم حثّوا عليه التراب ، ثم أعاد علينا القول فقال: «الميّت المكفّن المدفون في هذا اللحد من هو ؟» قلنا : إسماعيل ولدك .

فقال: «اللّهم أشهد». ثم أخذ بيد موسى فقال : «هو حقّ، والحقُّ معه ومنه ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها »(31) .

2 ـ قال عنبسة العابد : لما مات إسماعيل بن جعفر بن محمّد ((عليهما السلام)) وفرغنا من جنازته ، جلس الصادق (ع) وجلسنا حوله وهو مطرقٌ، ثم رفع رأسه فقال :

«أيها الناس : إنّ هذه الدنيا دار فراق ، ودار التواء لا دار استواء ، على أنّ فراق المألوف حرقةٌ لا تدفع ، ولوعةٌ لا تردّ، وإنّما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحة الفكر ، فمن لم يشكل أخاه شكله أخوه ، ومن لم يقدم ولداً هو المقدم دون الولد» ، ثم تمثّل بقول أبي خراش الهذلي يرثي أخاه .

ولا تحسبي أني تناسَيتُ عهدَهُ *** ولكنّ صبري يا أُميمُ جميلُ(32)

3 ـ قال إسحاق بن عمار: وصف إسماعيل أخي لأبي عبد الله (ع) دينه واعتقاده فقال : إني أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله وانكم ـ ووصفهم يعني الأئمة ـ واحداً واحداً حتى انتهى إلى أبي عبد الله .ثم قال : وإسماعيل من بعدك ! قال : «أما إسماعيل فلا»(33) .

النشاط الثاني : رغم الحرب الباردة التي كانت بين المنصور والإمام الصادق(ع) نلاحظ أنّ الإمام قد مارس بعض الأدوار مع السلطة لغرض الحفاظ على الاُمة وسلامة مسيرتها وابقاء روح الرفض قائمةً في نفوسها ، مخافة أن تسبب ممارسات المنصور حالة من الانكسار للشيعة حين الاستجابة لمخططاته .

1 ـ قال أبو جعفر المنصور للإمام الصادق (ع) : إني قد عزمت على أن أخرب المدينة ولا أدعُ فيها نافخ ضرمة.

فقال: «يا أمير المؤمنين ! لا أجد بداً من النصاحة لك ، فاقبلها إن شئت أو لا» .

ثم قال (ع): «إنّه قد مضى لك ثلاثة أسلاف: أيوب (ع) ابتلي فصبر ، وسليمان(ع) اُعطي فشكر، ويوسف (ع) قدر فغفر . فاقتدِ بأيهم شئت». قال: قد عفوت(34) .

2 ـ قال عبد الله بن سليمان التميمي: لما قتل محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله ابن الحسن صار إلى المدينة رجلٌ يقال له شبّة عقال، ولاّه المنصور على أهلها، فلمّا قدمها وحضرت الجمعة صار الى المسجد فرقى المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أمّا بعد فإن عليّ بن أبي طالب شقّ عصا المسلمين ، وحارب المؤمنين ، وأراد الأمر لنفسه، ومنعه أهله فحرّمه الله عليه وأماته بغصّته . وهؤلاء ولده يتبعون أثره في الفساد وطلب الأمر بغير استحقاق له ، فهم في نواحي الأرض مقتولون ، وبالدماء مضرّجون.

قال: فعظم هذا الكلام منه على الناس ، ولم يجسر أحدٌ منهم أن ينطق بحرف . فقام إليه رجلٌ عليه إزارٌ قومسيٌّ سخينٌ فقال : «ونحن نحمد الله ونصلي على محمّد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى رسل الله وأنبيائه أجمعين. أمّا ما قلت من خير فنحن أهله ، وما قلت من سوء فأنت وصاحبك به أولى وأحرى. يا من ركب غير راحلته وأكل غير زاده ، ارجع مأزوراً .

ثم أقبل على الناس ، فقال : ألا آتينّكم بأخفّ الناس ميزاناً يوم القيامة ، وأبينهم خسراناً ؟ : من باع آخرته بدنيا غيره ، وهو هذا الفاسق».

فأسكت الناس ، وخرج الوالي من المسجد ولم ينطق بحرف.

فسألت عن الرجل: فقيل لي : هذا جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب ((عليهم السلام))(35) .

النشاط الثالث : وهو نشاط الإمام الصادق (ع) الخاص مع الشيعة في هذا الظرف العصيب وأساليب الاتّصال معهم.

وقد ذكرنا في البحوث السابقة أنّ الإمام قد ركّز على مبادئ إسلامية وممارسات إصلاحية في نفوس شيعته ، مثل التقيّة ، وكتمان السر ، والعلاقة بالثورة الحسينية لتحافظ هذه المبادئ والممارسات على الوجود الشيعي وتقيه من الضربات والمخططات الخارجية .

والرواية التالية تصوّر لنا نشاط الإمام السرّي مع صحبه في هذهِ الفترة .

روي أنّ الوليد بن صبيح قال : كنا عند أبي عبد الله (ع) في ليلة إذ طرق الباب طارقٌ، فقال للجارية : انظري من هذا ؟

فخرجت ثم دخلت فقالت : هذا عمّك عبد الله بن عليّ (ع) فقال : أدخليه . وقال لنا : ادخلوا البيت فدخلنا بيتاً ، فسمعنا منه حسّاً ، ظننّا أن الداخل بعض نسائه ، فلصق بعضنا ببعض ، فلما دخل أقبل على أبي عبدالله(ع) فلم يدع شيئاً من القبيح إلاّ قاله في أبي عبد الله (ع) ثم خرج وخرجنا ، فأقبل يحدّثنا من الموضع الذي قطع كلامه .

فقال بعضنا : لقد استقبلك هذا بشيء ما ظننّا أنّ أحداً يستقبل به أحداً، حتى لقد همّ بعضنا أن يخرج إليه فيوقع به .

فقال (ع): «مه، لا تدخلوا فيما بيننا».

فلمّا مضى من الليل ما مضى ، طرق الباب طارقٌ فقال للجارية : انظري من هذا ؟ فخرجت ، ثم عادت ، فقالت : هذا عمّك عبد الله بن عليّ (ع) فقال لنا : عودوا إلى مواضعكم، ثم أذن له.

فدخل بشهيق ونحيب وبكاء وهو يقول : يابن أخي ، اغفر لي غفر الله لك ، اصفح عني صفح الله عنك .

فقال : «غفر الله لك يا عمِّ ، ما الّذي أحوجك إلى هذا؟».

قال : إنّي لما آويتُ إلى فراشي أتاني رجلان أسودان فشدّا وثاقي ، ثم قال أحدهما للآخر : انطلق به إلى النار : فانطلق بي ، فمررت برسول الله فقلت : يا رسول الله ، لا أعود . فأمره فخلّى عنّي ، وأني لأجد ألم الوثاق .

فقال أبو عبد الله (ع): أوصِ.

قال : بِمَ أوصي ؟ ما لي مالٌ، وأنّ لي عيالاً كثيرةً وعليّ دينٌ.

فقال أبو عبد الله (ع) : «دينك عليّ ، وعيالك عيالي، فأوصِ».

فما خرجنا من المدينة حتى مات ، وضمّ أبو عبد الله (ع) عياله إليه ، وقضى دينه ، وزوّج ابنه ابنته(36) .

وأغلب الظن أنّ نشاط الإمام الصادق (ع) من هذا النوع قد تركّز أيام المنصور لكثرة الجواسيس والعيون التي كانت ترصد حركة الإمام(ع) ممّا دفع بالإمام الى أن يلجأ إلى عقد الاجتماعات في بيته سرّاً لغرض مواصلة دوره الإلهي مع الاُمة عن طريق توجيه النخبة الصالحة التي وفقت لهذا الدور.

 

محاصرة الإمام(ع) قبيل استشهاده

صعّد المنصور من تضييقه على الإمام الصادق(ع)، ومهّد لقتله.

فقد روى الفضل بن الربيع عن أبيه ، فقال : دعاني المنصور ، فقال : إنّ جعفر بن محمّد يلحد في سلطاني ، قتلني الله إن لم أقتله . فأتيته ، فقلت : أجب أمير المؤمنين . فتطهّر ولبس ثياباً جدداً .

فأقبلت به ، فاستأذنت له فقال : أدخله ، قتلني الله إن لم أقتله .

فلما نظر إليه مقبلا ، قام من مجلسه فتلقّاه وقال : مرحباً بالتقيّ الساحة البريء من الدغل والخيانة ، أخي وابن عمي .

فأقعده على سريره ، وأقبل عليه بوجهه ، وسأله عن حاله ، ثم قال :

سلني حاجتك ، فقال(ع): «أهل مكّة والمدينة قد تأخّر عطاؤهم، فتأمر لهم به».

قال : أفعل ، ثم قال : يا جارية ! إئتني بالتحفة فأتته بمدهن زجاج، فيه غاليةٌ ، فغلّفه بيده وانصرف فأتبعته ، فقلت:

يابن رسول الله ! أتيت بك ولا أشك أنه قاتلك ، فكان منه ما رأيت، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء عند الدخول ، فما هو ؟

قال قلت : «اللّهم احرسني بعينك التي لاتنام ، واكنفني بركنك الذي لا يرام ، واحفظني بقدرتك عليّ ، ولا تهلكني وانت رجائي ...»(37) .

ولم يكن هذا الاستدعاء للإمام من قبل المنصور هو الاستدعاء الأوّل من نوعه بل إنّه قد أرسل عليه عدّة مرات وفي كلّ منها أراد قتله(38) .

لقد صوَّر لنا الإمام الصادق (ع) عمق المأساة التي كان يعانيها في هذا الظرف بالذات والأذى الّذي كان المنصور يصبه عليه، حتى قال (ع) ـ كما ينقله لنا عنبسة ـ قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: «أشكو إلى الله وحدتي وتقلقلي من أهل المدينة حتى تقدموا(39) وأراكم أسرّ بكم، فليت هذا الطاغية أذن لي فاتّخذت قصراً في الطائف فسكنته ، وأسكنتكم معي ، وأضمن له أن لا يجيء من ناحيتنا مكروهٌ أبداً»(40) .

 

الإمام الصادق(ع) في ذمّة الخلود

وتتابعت المحن على سليل النبوّة وعملاق الفكر الإسلامي ـ الإمام الصادق(ع) ـ في عهد المنصور الدوانيقي ـ فقد رأى ما قاساه العلويون وشيعتهم من ضروب المحن والبلاء، وما كابده هو بالذات من صنوف الإرهاق والتنكيل، فقد كان الطاغية يستدعيه بين فترة وأخرى ، ويقابله بالشتم والتهديد ولم يحترم مركزه العلمي، وشيخوخته، وانصرافه عن الدنيا الى العبادة، وإشاعة العلم، ولم يحفل الطاغيه بذلك كلّه، فقد كان الإمام شبحاً مخيفاً له... ولما أيقن الإمام(ع) بدنوِ الأجل المحتوم منه وأنّ لقاءه بربّه لقريبٌ، أعلن الإمام الصادق(ع) للناس ذلك.

وسنعرض إليكم بأيجاز الشؤون الأخيرة من حياة الإمام ووفاته من خلال بعض ما أخبرَ به :

أـ قال شهاب بن عبد ربّه : قال لي أبو عبدالله(ع): «كيف بك إذا نعاني إليك محمّد بن سليمان؟» قال: فلا والله ما عرفت محمّد بن سليمان من هو. فكنت يوماً بالبصرة عند محمّد بن سليمان، وهو والي البصرة إذ ألقى إليّ كتاباً، وقال لي: يا شهاب، عظّم الله أجرك وأجرنا في إمامك جعفر بن محمّد. قال: فذكرت الكلام فخنقتني العبرة(41).

ب ـ أخبر الإمام(ع) المنصور بدنوّ أجله لمّا أراد الطاغية أن يقتله فقد قال له: «ارفق فوالله لقلّ ما أصحبك». ثم انصرف عنه، فقال المنصور لعيسى بن عليّ: قم اسأله، أبي أم به؟ ـ وكان يعني الوفاة ـ .

فلحقه عيسى ، وأخبره بمقالة المنصور، فقال(ع): لا بل بي(42).

وتحقّق ما تنبّأ به الإمام(ع) فلم تمضِ فترةٌ يسيرةٌ من الزمن حتى وافته المنية.

كان الإمام الصادق(ع) شجىً يعترض في حلق الطاغية الدوانيقي، فقد ضاق ذرعاً منه، وقد حكى ذلك لصديقه وصاحب سرّه محمّد بن عبدالله الإسكندريّ.

يقول محمّد: دخلت على المنصور فرأيته مغتمّاً، فقلت له: ما هذه الفكرة؟

فقال: يا محمّد لقد هلك من أولاد فاطمة((عليها السلام)) مقدار مائة ويزيدون ـ وهؤلاء كلهم كانوا قد قتلهم المنصور ـ وبقي سيّدهم وإمامهم.

فقلت: من ذلك؟

فقال: جعفر بن محمّد الصادق.

وحاول محمّد أن يصرفه عنه، فقال له: إنّه رجلٌ أنحلته العبادة، واشتغل بالله عن طلب الملاك والخلافة.

ولم يرتض المنصور مقالته فردّ عليه: يا محمّد قد علمتُ أنك تقول به، وبإمامته ولكنّ المُلْكَ عقيمٌ(43).

وأخذ الطاغية يضيّق على الإمام، وأحاط داره بالعيون وهم يسجّلون كلّ بادرة تصدر من الإمام، ويرفعونها له، وقد حكى الإمام(ع) ما كان يعانيه من الضيق، حتى قال: «عزّت السلامة، حتى لقد خفي مطلبها، فإن تكن في شيء فيوشك أن تكون في الخمول، فإن طَلبتْ في الخمول فلم توجد فيوشك أن تكون في الصمت، والسعيد من وجد في نفسه خلوةً يشتغل بها»(44).

لقد صمّم على اغتياله(45) غير حافل بالعار والنار، فدسّ إليه سمّاً فاتكاً على يد عامله فسقاه به، ولمّا تناوله الإمام(ع) تقطّعت أمعاؤه وأخذ يعاني آلاماً قاسيةً، وأيقن بأنّ النهاية الأخيرة من حياته قد دنت منه.

ولمّا شعر الإمام(ع) بدنوّ الأجل المحتوم منه أوصى بعدّة وصايا كان من بينها ما يلي:

أ ـ إنه أوصى للحسن بن عليّ المعروف بالأفطس بسبعين ديناراً، فقال له شخص: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة؟ فقال(ع) له: ويحك ما تقرأ القرآن؟! (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)(46)(47).

لقد أخلص الإمام(ع) كأعظم ما يكون الإخلاص للدين العظيم، وآمن بجميع قيمه وأهدافه، وابتعد عن العواطف والأهواء، فقد أوصى بالبرّ لهذا الرجل الذي رام قتله لأنّ في الإحسان إليه صلة للرحم التي أوصى الله بها.

ب ـ إنه أوصى بوصاياه الخاصّة، وعهد بأمره أمام الناس الى خمسة أشخاص: وهم المنصور الدوانيقي، ومحمّد بن سليمان، وعبدالله، وولده الإمام موسى، وحميدة زوجته.

وإنما أوصى بذلك خوفاً على ولده الإمام الكاظم(ع) من السلطة الجائرة، وقد تبيّن ذلك بوضوح بعد وفاته، فقد كتب المنصور الى عامله على يثرب، بقتل وصي الإمام ، فكتب إليه: إنه أوصى الى خمسة، وهو أحدهم ، فأجابه المنصور: ليس الى قتل هؤلاء من سبيل(48).

ج ـ إنّه أوصى بجميع وصاياه الى ولده الإمام الكاظم(ع) وأوصاه بتجهيزه وغسله وتكفينه، والصلاة عليه، كما نصبه إماماً من بعده، ووجّه خواصّ شيعته إليه وأمرهم بلزوم طاعته.

د ـ إنه دعا السيّدة حميدة زوجته، وأمرها باحضار جماعة من جيرانه، ومواليه، فلمّا حضروا عنده قال لهم: «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة...»(49).

وأخذ الموت يدنو سريعاً من سليل النبوة، ورائد النهضة الفكرية في الإسلام، وفي اللحظات الأخيرة من حياته أخذ يوصي أهل بيته بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، ويحذّرهم من مخالفة أوامر الله وأحكامه، كما أخذ يقرأ سوراً وآيات من القرآن الكريم، ثم ألقى النظرة الأخيرة على ولده الإمام موسى الكاظم(ع) ، وفاضت روحه الزكية الى بارئها.

لقد كان استشهاد الإمام من الأحداث الخطيرة التي مُني بها العالم الإسلاميُّ في ذلك العصر، فقد اهتزّت لهوله جميع أرجائه، وارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميين وغيرهم وهرعت الناس نحو دار الإمام وهم ما بين واجم ونائح على فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذاً ومفزعاً لجميع المسلمين.

وقام الإمام موسى الكاظم(ع)، وهو مكلوم القلب، فأخذ في تجهيز جثمان أبيه، فغسّل الجسد الطاهر، وكفّنه بثوبين شطويين(50) كان يحرم فيهما، وفي قميص وعمامة كانت لجدّه الإمام زين العابدين(ع)، ولفّه ببرد اشتراه الإمام موسى(ع) بأربعين ديناراً وبعد الفراغ من تجهيزه صلّى عليه الإمام موسى الكاظم(ع) وقد ائتمَّ به مئات المسلمين.

وحُمل الجثمان المقدّس على أطراف الأنامل تحت هالة من التكبير، وقد غرق الناس بالبكاء وهم يذكرون فضل الإمام وعائدته على هذه الاُمة بما بثّه من الطاقات العلمية التي شملت جميع أنواع العلم. وجيء بالجثمان العظيم الى البقيع المقدّس، فدفن في مقرّه الأخير بجوار جدّه الإمام زين العابدين وأبيه الإمام محمّد الباقر((عليهما السلام)) وقد وارَوا معه العلم والحلم، وكلّ ما يسمو به هذا الكائن الحيُّ من بني الإنسان(51).

ويناسب أن نختم الكلام عن الإمام الصادق(ع) برثائه على لسان أحد أصحابه وهو أبو هريرة العجلي بقوله:

أقولُ وقد راحوا به يَحملونَهُ *** على كاهل من حامليهِ وعاتقِ

أتدرونَ ماذا تحملونَ الى الثرى *** ثبيراً ثوى من رأسِ علياءَ شاهق

غداةً حثى الحاثونَ فوقَ ضريحِهِ *** تراباً، وأوّل كان فوق المفارق(52)

* * *

 

نماذج من فقه الإمام الصادق(ع):

1 ـ عن ابن اُذينة، عن أبي عبدالله(ع)، قال: قال: «ما تروى هذه الناصبة؟ فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم، فقلت: إنهم يقولون: إنّ اُبيّ بن كعب رآه في النوم، فقال: كذبوا، فإنّ دين الله أعزّ من أن يُرى في النوم»(53).

2 ـ عن عيص بن القاسم، عن أبي عبدالله(ع) قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر، وقال: إنّ رسول الله((صلى الله عليه وآله)) خرج من المدينة الى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلما انتهى الى كراع الغميم(54) دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر، فشربه وأفطر ثم أفطر الناس معه وتمّ ناس على صومهم، فسمّاهم العصاة وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول الله((صلى الله عليه وآله))»(55).

3 ـ قال الصادق(ع): «خلق الله الماء طهوراً لا ينجّسه شيءٌ إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه»(56).

4 ـ قال الصادق(ع): «إذا كان الماء قدر كرٍّ، لم ينجّسه شيءٌ».(57)

5 ـ قال(ع): «اغسل ثوبك من بول كلِّ ما لا يؤكل لحمه»(58).

6 ـ قال الصادق(ع): «إذا نامت العين والاُذن والقلب وجب الوضوء»، قيل: فإن حُرِّكَ الى جنبه شيءٌ ولم يعلم به، قال: «لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشك وإنّما تنقضه بيقين آخر»(59).

7 ـ وقال(ع): «لا ينقض الوضوء إلاّ حَدَثٌ والنوم حَدَثٌ»(60).

8 ـ قال أبو عبدالله(ع): «إن سمعت الأذان وأنت على الخلا، فقل مثل ما يقول المؤذّن ولا تَدَع ذكر الله في تلك الحال، لأنّ ذكر الله حسنٌ على كلِّ حال»(61).

9 ـ وقال(ع): «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء، إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه»(62).

10 ـ وسُئل أبو عبدالله(ع) عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: «لا ، ولكن يمرّ فيها كلّها، إلاّ المسجد الحرام ومسجد النبي((صلى الله عليه وآله))»(63).

11 ـ قال الصادق(ع): «صلِّ على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله»(64).

12 ـ قال الصّادق(ع): «كلّ ما جعل على القبر من غير تراب القبر(65) فهو ثقل على الميّت»(66).

13 ـ قال رجلٌ للصادق(ع) : إنّي اُعير الذمي ثوبيَّ وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير، فيردّه عليّ فاغسله قبل أن اُصلّي فيه؟ فقال أبو عبدالله(ع): «صلّ فيه ولا تغسله، من أجل انّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه قد نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه»(67).

14 ـ وقال الصادق(ع): «لكلّ صلاة وقتان وأوّل الوقت أفضلهما»(68).

15 ـ قال الصادق(ع): «إنّما النافلة بمنزلة الهدية، متى ما أتا بها قُبلتْ»(69).

16 ـ قال(ع): «السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أُكل أو لُبس»(70).

17 ـ وقال(ع): «من صلّى الصلوات الخمس جماعة، فظُنوا به كلّ خير»(71).

18 ـ سئل الصادق(ع) عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: «لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه إنّما يضمن القراءة»(72).

19 ـ وقال الصادق(ع): «ما فرض الله على هذه الاُمّة شيئاً أشدّ عليهم من الزكاة وفيها تهلك عامّتهم»(73).

20 ـ وقال الصادق(ع): «ما ضاع مال في برّ ولا بحر إلاّ بتضييع الزكاة ولا يصاد من الطير إلاّ ما ضيّع تسبيحه»(74).

21 ـ وقال(ع): «إنّما فرض الله الصيام ليستوي به الغنيُّ والفقير»(75).

22 ـ قال(ع): «لا صيام فى السفر إلاّ الثلاثة أيام التي قال الله في الحجّ»(76).

23 ـ وقال الصادق(ع): «إذا جئت بصوم شهر رمضان لم تسئل عن صوم»(77).

24 ـ وقال(ع): «إنّ صوم شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الاُمم قبلنا»(78).

25 ـ وسئل عن قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)(79)؟ قال: «إنّما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الاُمم ففضّل به هذه الاُمّة فجعل صيامه فرضاً على رسول الله((صلى الله عليه وآله)) وعلى اُمّته»(80).

26 ـ وقيل للصادق(ع): ليلة القدر كانت أو تكون في كلّ عام؟ فقال: «لو رفعت ليلة القدر، لرفع القرآن»(81).

27 ـ قال الصادق(ع): «لو ترك الناس الحجّ لما نوظروا العذاب»(82).

28 ـ وقال(ع): «لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة»(83).

29 ـ وقال الصادق(ع): «لو أنّ الناس تركوا الحجّ لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي((صلى الله عليه وآله)) كان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين»(84).

30 ـ وقال الصادق(ع): «المعتمر يعتمر في أيّ شهور السنة، وأفضل العمرة عمرة رجب»(85).

31 ـ قال الصادق(ع): «كان رسول الله((صلى الله عليه وآله)) يستلم الحجر في كلّ طواف فريضة، ونافلة»(86).

 

نماذج من مواعظ الإمام الصادق(ع):

1 ـ قال(ع): «ليس منّا ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وفيهم من هو أورع منه»(87).

2 ـ قال الصادق(ع): «أيّما أهلُ بيت أعطوا حظّهم من الرفق فقد وسّع الله عليهم في الرزق، والرفق في تقدير المعيشة خيرٌ من السعة في المال، والرفق لا يعجز عنه شيء، والتبذير لا يبقى معه شيء، إنّ الله عزّ وجل رفيقٌ يحب الرفق»(88).

3 ـ قال الصادق(ع) لرجل: «أوصيك إذا أنت هممت بأمر فتدبّر عاقبته، فإن يك رشداً فأمضه وإن يك غيّاً فانته عنه»(89).

4 ـ وقال الصادق(ع): «ليس من عِرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر»(90).

5 ـ وقال(ع): «إنّ الذنب يحرم العبد الرزق»(91).

وقال الصادق(ع): «لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرةٌ مع الاستغفار»(92).

6 ـ قال الصادق(ع): «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على من أمكنه ذلك ولم يخف

 

الهوامش:

(1) الكامل في التاريخ : 4 / 355 .

(2) تاريخ اليعقوبي : 2 / 399، تاريخ الطبري: 6/321، والكامل في التاريخ، ابن الأثير: 6/31 .

(3) تاريخ اليعقوبي: 2/369 وتاريخ الاُمم والملوك، الطبري : 6 / 266 .

(4) كشف الغمّة، الإربلي: 2/420 عن تذكرة ابن حمدون، وعنه في بحار الأنوار : 47 / 184 .

(5) الرعد (13): 39 .

(6) أمالي الشيخ الطوسي: 480 ح1049 وعنه في بحار الأنوار : 47 / 163 ، والبرهان : 2 / 299 .

(7) دلائل الإمامة : 129 ، ومدينة المعاجز : 364 ، وإثبات الهُداة : 5 / 456 .

(8) الخرائج والجرائح : 2 / 646 ، وبحار الأنوار : 47 / 172 .

(9) المناقب لابن شهر آشوب: 2/302 .

(10) سير اعلام النبلاء، الذهبي : 6 / 258 ومناقب آل أبي طالب: 3/379 طبعة (1375 هـ / 1956 م) المطبعة الحيدرية، النجف، عن مسند أبي حنيفة لأبي القاسم البغار .

(11) الكافي، الكليني: 8/37 حديث الصادق مع المنصور في موكبه، وعنه في بحار الأنوار : 52 / 255 ، وإثبات الهُداة : 5 / 351 .

(12) الاُصول الستة عشر، لعدّة من المحدّثين : 100 ، وإثبات الهداة : 5 / 465 .

(13) هو أبو عبدالله المفضل بن عمر الجعفي الكوفي ولد نهاية القرن الأوّل الهجري أيّام الإمام الباقر وتوفي في نهاية القرن الثاني عن عمر يناهز الـ 80 سنة، أدرك أربعة من أئمة أهل البيت وهم: الباقر، الصادق، الكاظم والرضا((عليهم السلام))، ولم يروِ عن الباقر لأنّه كان صغيراً في أيّامه، واتصل بالإمام الصادق اتّصالاً وثيقاً وكان من ثقات أصحابه وكان وكيلاً على أمواله بعد موت عبدالله ابن أبي يعفور.

(14) المخصرة : شيء كالسوط ما يتوكأ عليه كالعصا .

(15) المناقب لابن شهر آشوب : 4/259 وعنه في بحار الأنوار : 47 / 180 .

(16) الجلاوزة : جمع الجلواز معرّب من الفارسية: گلوبازاى المفتوح الجيب كناية عن الشرطيّ المستعد لتنفيذ الأوامر .

(17) كشف الغمّة : 2/407 عن الدلائل للحميري، وعنه في بحار الأنوار : 47 / 183 .

(18) الكامل في التاريخ، ابن الأثير : 4/371.

(19) الصافات (37): 106 .

(20) مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الإصفهاني : 191 ـ 194 تحقيق السيد أحمد صقر .

(21) المصدر السابق : 219 ـ 220 .

(22) الطور (52): 48 .

(23) القلم (68): 48 .

(24) إقبال الأعمال: 578، بحار الأنوار: 47/298 .

(25) الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي: 208 .

(26) تاريخ الاُمم والملوك، الطبري : 6 / 188 ـ 189 .

(27) اليعقوبي: 2/376 والمسعودي: 3/294 ـ 296 وعن الطبري في الكامل في التاريخ: 5/549 .

(28) بحار الأنوار : 26 / 115 عن بصائر الدرجات : 169 .

(29) كشف الغمّة، الإربلي: 2 / 162 ، عنه في بحار الأنوار : 47 / 5 .

(30) الصف (61) : 8 .

(31) المناقب لابن شهر آشوب : 1/327 عن الصدوق وعنه في بحار الأنوار : 47 / 253

(32) كمال الدين: 72، 73 وأمالي الصدوق : 197 وعنهما في بحار الأنوار : 47 / 245 .

(33) الغيبة للنعماني : 224 ، وعنه في بحار الأنوار : 47 / 261 .

(34) أمالي الطوسي: 50 ح 66 وعنه في بحار الأنوار: 47/184 وانظر مناقب آل أبي طالب: 4/251، كشف الغمّة: 2/420 .

(35) أمالي الشيخ الطوسي : 66 ، وبحار الأنوار : 47 / 165 وحلية الأبرار : 2 / 215 .

(36) الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي: 2 / 619 وعنه في بحار الأنوار: 47 / 96 ، وإثبات الهُداة : 5 / 410 ح 143.

(37) سير أعلام النبلاء، الذهبي : 6 / 266 ، ملحقات إحقاق الحقّ : 19 / 513 ، والفرج بعد الشدة : 70 عن التذكرة لابن الجوزي : 308، 309 مسنداً .

(38) الكافي : 2/559 و 6/445 وعنه في الخرائج والجرائح : 2 / 195 وتاريخ مدينة دمشق : 19 / 516.

(39) الموالون لأهل البيت أو خاصة الإمام .

(40) الكافي : 8 / 215 ورجال الكشي : 365 وبحار الأنوار : 47 / 85 .

(41) اختيار معرفة الرجال، الطوسي: 414 ح781 ودلائل الإمامة: 138 وإعلام الورى: 1/522، 523 ومناقب آل أبي طالب: 4/242 .

(42) مهج الدعوات، لابن طاووس: 231.

(43) مهج الدعوات، ابن طاووس: 247.

(44) كشف الغمّة، الإربلي: 2/371 .

(45) نور الأبصار: 133، الإتحاف بحب الاشراف: 54، سبائك الذهب: 72.

(46) الرعد (13): 21 .

(47) الغيبة للطوسي : 197، بحار الأنوار: 47/276.

(48) الكافي: 1 / 310 وانظر مناقب آل أبي طالب: 4/345 .

(49) بحار الأنوار: 47/2 عن عقاب الأعمال للصدوق : 272 ط طهران ـ الصدوق .

(50) شطويين: مفرده شطا إحدى قرى مصر.

(51) عصر الإمام الصادق ، باقر شريف القرشي: 167 ـ 170.

(52) مقتضب الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر، ابن عيّاش الجوهري: 52 .

(53) الكافي: 3/482، كتاب الصلاة، باب النوادر.

(54) وهي على ثلاثة أميال من المدينة.

(55) الكافي: 4/127، كتاب الصيام، باب كراهية الصوم في السفر، ح 5.

(56) الوسائل، الحر العاملي: 1/135 .

(57) الكافي، الكليني: 3/2 .

(58) المصدر السابق: 3/406 .

(59) تهذيب الأحكام، الطوسي: 1/8 .

(60) المصدر السابق: 1/6 .

(61) علل الشرائع، الصدوق: 1/284 .

(62) تهذيب الأحكام، الطوسي: 1/101 .

(63) المصدر السابق: 1/125 .

(64) المصدر السابق: 3/328 .

(65) وسائل الشيعة: ج2 أبواب الدفن، الباب 36 «باب انّه يكره أن يوضع على القبر من غير ترابه».

(66) من لا يحضره الفقيه، الصدوق: 1/189 .

(67) تهذيب الأحكام، الطوسي: 2/361 .

(68) الكافي، الكليني: 3/274 .

(69) المصدر السابق: 4/454 .

(70) من لا يحضره الفقيه، الصدوق: 1/268 .

(71) المصدر السابق: 1/376 .

(72) المصدر السابق: 1/378 .

(73) الكافي، الكليني: 3/497 .

(74) الكافي، الكليني: 3/505 .

(75) من لا يحضره الفقيه: 2/73 .

(76) تهذيب الأحكام: 4/231 .

(77) من لا يحضره الفقيه: 1/205 .

(78) فضائل الأشهر الثلاثة، الصدوق: 124 .

(79) البقرة (2): 183 .

(80) فضائل الأشهر الثلاثة: 124.

(81) الكافي، الكليني: 4/158.

(82) المصدر السابق: 4/271 .

(83) المصدر السابق .

(84) الكافي، الكليني: 4/272 .

(85) المصدر السابق: 4/536 .

(86) المصدر السابق: 4/405 .

(87) المصدر السابق: 2/78 .

(88) المصدر السابق: 2/119 .

(89) الكافي، الكليني: 8/150 .

(90) المصدر السابق: 2/269 .

(91) الكافي، الكليني: 2/271 .

(92) المصدر السابق: 2/288 .

الأحد, 01 أيلول/سبتمبر 2013 10:03

ما الذي دفع أوباما الى إعادة حساباته؟

ما الذي دفع أوباما الى إعادة حساباته؟

في الساعات المتأخرة من مساء السبت الحادي والثلاثين من شهر آب/ اغسطس كانت وكالات الأنباء العالمية تنقل خبر تراجع الرئيس الأمريكي باراك اوباما عن تنفيذ ضربة عسكرية كانت ستنفذ في غضون ساعات حسب الوكالات ذاتها.

اوباما برر تراجعه عن الضربة الوشيكة بضرورة الحصول علي تفويض من الكونغرس قبل تنفيذ اي عمل عسكري ضد سوريا ، وهو مايعني ان الضربة ستؤجل عشرة ايام على الاقل نظرا الي ان الكونغرس الامريكي في عطلة حاليا ولن يلتئم قبل التاسع من سبتمبر/ أيلول.

قرار أوباما هذا جاء بعد اجتماعه يوم السبت مع فريق الأمن القومي في البيت الأبيض، وبعد لقاء كبار مستشاريه مع أعضاء مجلس الشيوخ، وهو ما يعكس حالة التردد داخل الادارة الامريكية ، التي كانت تتحدث قبل ايام بلغة حازمة عن عملية عسكرية ضد سوريا قد تنفذ في أية لحظة ، فإذا بأوباما يتذكر ان عليه ان يستشير الكونغرس قبل أي تحرك.

اما رئيس مجلس النواب الأمريكي جون بينر فقد أعلن أن المجلس سيدرس مشروع قانون العمل العسكري في سوريا في الأسبوع الذي يبدأ في التاسع من سبتمبر أيلول لاعطاء اوباما فسحة من الوقت لعرض مبرراته على الكونغرس والشعب الأمريكي. تصريحات بينر هذه تأتي في الوقت الذي أعلن فيه 60 بالمائة من الشعب الامريكي رفضه لأي إجراء عسكري ضد سوريا وفقا لمراكز استطلاع امريكية مرموقة.

التراجع التكتيكي !! للادارة الامريكية عن قرار الضربة العسكرية الوشيكة، تزامن مع إعلان منظمة حظر الأسلحة الكيميائية انها بحاجة الى ثلاثة اسابيع لتقييم الأدلة التي جمعها مفتشو الأمم المتحدة في سوريا ، لانها ستخضع للتحليل المعملي والتقييم الفني طبقا للاجراءات والمعايير المحددة والمعترف بها ، وهو ما قد يمهد الأرضية أمام تأجيلات أخرى محتملة للضربة التي لم تعد وشيكة !.

يرى الكثير من المراقبين أن تهافت الأدلة الأمريكية في اتهام الحكومة السورية بأنها وراء مجزرة الغوطة الدمشقية التي اُرتكبت بالسلاح الكيميائي، وفشل أوباما في إقناع أقرب حلفائه من الأوروبيين ولا حتى شعبه، بأدلته المتهافتة، التي زودته بها أجهزة استخبارات عربية واسرائيلية، وما قد يسفر من نتائج عن تقرير مفتشي الامم المتحدة، والرفض الدولي والشعبي لاصرار اوباما على إشعال حرب في منطقة مشتعلة اصلا، وذهاب امريكا الى حرب سوريا منفردة عارية عن أي غطاء شرعي دولي.

وقبل كل هذا وذاك الخوف على إسرائيل من ردة الفعل السورية التي ستكون قاسية جدا على ضوء تصريحات كبار المسؤولين السوريين الذين هددوا أن رد سوريا سيفاجىء الجميع هذه المرة، والموقف الداعم لمحور المقاومة ومن ورائها الشعوب العربية والاسلامية لسوريا في نزاعها مع امريكا واسرائيل والرجعية العربية، هذه الأسباب وغيرها هي التي أجبرت الرئيس الامريكي اوباما، وليس الايمان بمباديء الديمقراطية، أن يرمي الكرة في ملعب الكونغرس، كما رماها من قبل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في ملعب مجلس العموم البريطاني ولم ترتد اليه ثانية.

بقلم: ماجد حاتمي

الأحد, 01 أيلول/سبتمبر 2013 07:38

حَقّ الْغَرِيمِ الطّالِبِ لَكَ

35. وَ أَمّا حَقّ الْغَرِيمِ الطّالِبِ لَكَ فَإِنْ كُنْتَ مُوسِراً أَوْفَيْتَهُ وَ كَفَيْتَهُ وَ أَغْنَيْتَهُ وَ لَمْ تَرْدُدْهُ وَ تَمْطُلْهُ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ (ص) قَالَ مَطْلُ الْغَنِيّ ظُلْمٌ وَ إِنْ كُنْتَ مُعْسِراً أَرْضَيْتَهُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ وَ طَلَبْتَ إِلَيْهِ طَلَباً جَمِيلًا وَ رَدَدْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ رَدّاً لَطِيفاً وَ لَمْ تَجْمَعْ عَلَيْهِ ذَهَابَ مَالِهِ وَ سُوءَ مُعَامَلَتِهِ فَإِنّ ذَلِكَ لُؤْمٌ وَ لا قُوّةَ إِلّا بِاللّهِ

الأحد, 01 أيلول/سبتمبر 2013 05:01

متطلبات عصر الإمام الصادق (ع)

بعد الوقوف على مظاهر الفساد والانحراف التي عمّت ميادين الحياة في عصر الإمام الصادق(ع)، نستطيع أن ندرك عمق المأساة التي كان الإمام (ع) قد واكبها منذُ نشأته حتى هذا التاريخ .

وفي هذا الظرف الذي خفّت فيه المراقبة بسبب ضعف الدولة الاُموية، وجد الإمام (ع) إنّ جانباً كبيراً من الإسلام قد أُقصي عن واقع الحياة، وأنّ قيم الجاهلية قد عادت تظهر للوجود ، وأنّ الصيغ الغريبة عن الدين أخذت تدخل في فهم القرآن والسنة الشريفة، وتسبّبت في تغيير مضمون الرسالة وجوهرها ، لاحظ أنّ الأمر أخذ يزداد تفاقماً في أواخر العهد الاُموي، الذي نمت فيه مدارسٌ فكريةٌ وتياراتٌ سياسيةٌ بعيدةٌ عن الإسلام ، وكان يرى(ع) أنّ الأكثرية الساحقة من الاُمة قد ركنت الى الطمع، بسبب ما شاهدته من صور الظلم والتعسف، الذي قد ارتكب بحقِّ كلِّ من كان يعترض على سياسة الحكّام المنحرفين عن الدين، كلّ هذه الاُمور قد لاحظها الإمام(ع) بدقّة، وبدأ يعالجها بكلِّ أناة. لنقرأ معاً حوار سدير الصيرفي مع الإمام (ع) :

قال سدير الصيرفيُّ: دخلت على أبي عبدالله (ع) فقلت له : والله ما يسعك القعود . فقال ولِمَ يا سدير ؟ قلت : لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك ، والله لو كان لأمير المؤمنين (ع) مالك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيمٌ ولا عديٌّ.

فقال يا سدير : وكم عسى أن يكونوا ؟ قلت: مائة ألف . قال : مائة الف! قلت: نعم، ومائتي ألف فقال: ومائتي ألف ؟ قلت: نعم، ونصف الدنيا . قال : فسكت عني ثم قال : يخفُّ عليك أن تبلغ معنا الى ينبع(1)؟ قلت : نعم. فأمر بحمار وبغل أن يُسرَجا، فبادرت ، فركبت الحمار فقال : يا سدير ، أترى ، إنزل بنا نصلّي، ثم قال : هذه أرضٌ سبخةٌ لا تجوز الصلاة فيها فسرنا حتى صرنا الى أرض حمراءَ، ونظر الى غلام يرعى جداء(2).

فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعةٌ بعدد هذه الجداءَ ما وسعني القعود. ونزلنا وصلّينا فلما فرغنا من الصلاةَ عطفتُ على الجداء، فعددتها فاذا هي سبعة عشر!(3).

فالإمام(ع) إزاء هذا الواقع المملوء بالفساد والضياع، قد وجد أنّ الأمر أحوج ما يكون الى إيجاد تيّار إسلامي أصيل يحمل قيم الرسالة التي جاء بها الرسول ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ، ولابدّ أيضاً أن يتمَّ عزل الأمة عن الحكومات الظالمة، لئلا تكون مرتعاً لمظالمها ، فعن طريق غرس القيم الإسلامية، وإيجاد تيار فاعل يساهم في إجتثاث المظالم أو تقليلها يمكن التحرّك لإصلاح الواقع الفاسد، حيث إنّه قد يرغم الولاة على العدل استجابةً لإرادة قطّاع كبير من الاُمة حينما يرفض هذا القطّاع الكبير الاستبداد، ويدعو الى العدل بوعيٍّ إسلاميٍّ عميق.

لقد تخلّى الإمام الصادق (ع) عن ممارسة العمل المسلح ضد الحكّام المنحرفين بشكل مباشر، وكان موقفه هذا تعبيراً واقعياً عن اختلاف صِيَغِ العمل السياسيّ التي تحددها الظروف الموضوعية، وإدراكاً عميقاً منه لطبيعة العمل التغييريّ.

فالإمام (ع) حاول أن ينشر قيمه ومفاهيمه ودعوته بعيداً عن التصريحات السياسية الثورية، واتّجه نحو بناء تيار شعبيٍّ عامٍّ في الاُمة، كما ركّز على بناء الجماعة الصالحة الممثلة لخط أهل البيت ((عليهم السلام))، والإشراف عليها، وتنظيم أساليب عملها في مواجهة الانحراف المستشري في الأُمّة أيضاً، بحيث يجعلها كتلة مترابطةً في العمل والتغيير وإعداد أرضية صالحة تؤدي الى قلب الواقع الفاسد، على المدى القريب أو البعيد.

وقد استهدف الإمام (ع) في نشاطه الرساليِّ لونين من الانحراف.

اللون الأوّل: الانحراف السياسي المتمثل في زعامة الدولة (السلطة الحاكمة).

اللون الثاني: الانحراف العقائدي والفكري والأخلاقي ثم الانحراف السياسي عند الاُمة.

كما إتّجه الإمام(ع) في حركته التغييرية الشاملة الى حقلين مهمين:

أحدهما: الانفتاح العام والشامل على طوائف الاُمة واتجاهاتها السياسية والفكرية.

ثانيهما: مواصلة بناء جامعة أهل البيت ((عليهم السلام)) العلمية .

وكلا الحقلين يُعتبران من حقول النشاط العامَ وسنبحثهما في هذا الفصل من هذا الباب.

وأما حقل النشاط الخاص بمحاوره المتعددة، فيتلخّص في إكمال بناء الجماعة الصالحة. وهذا ما سنبحثه في الفصف الثالث من هذا الباب بإذن الله تعالى.

 

الانفتاح على الاتجاهات الفكرية والسياسية

ويقع البحث في هذا الحقل ضمن عدّة محاور:

1 ـ المحور العقائدي السياسي :

وفي هذا المحور ركّز الإمام على نشاطين هامّين:

النشاط الأوّل : التثقيف على عدم شرعيّة الحكومات الجائرة، ورتّب على ذلك تحريم الرجوع إليها لحل النزاع والخصومات كما ورد عنه : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً الى أهل الجّور، ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»(4).

وقال أيضاً: «إيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة الى قاض أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم»(5).

وعن أبي بصير عنه (ع) قال: « أيّما رجل كان بينه وبين أخ له مماراتٌ في حقّ فدعاه الى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه الى هؤلاء ، كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُروا بِهِ)(6).

وعن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبدالله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعةٌ في دَين أو ميراث فتحاكما الى السلطان أو الى القضاءَ أيحل ذلك ؟ فقال: «من تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطل فإنّما تحاكم الى طاغوت وما يحكم له فانما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى: ( يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُروا بِهِ)»(7).

وفي توجيه آخر، حرّم أيضاً التعاون مع الأنظمة الجائرة، فمن توصياته بهذا الخصوص ، قوله (ع): «إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد»(8).

وقال (ع) : «لا تُعِنْهم ـ أي حكّام الجّور ـ على بناء مسجد»(9).

وقال (ع) لبعض أصحابه: «يا عذافر نُبئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟ ! ! »(10).

وعن عليّ بن حمزة، قال كان لي صديقٌ من كتّاب بني اُمية فقال لي: استأذن لي على أبي عبدالله (ع) فاستأذنت له، فلما دخل سلّم وجلس، ثم قال: جُعلت فداك إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم، فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت في مطالبه.

فقال أبو عبدالله (ع): «لو أنّ بني اُمية لم يجدوا من يكتب لهم، ويجبي لهم الفيء(11) ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم ، لما سلبونا حقّنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم، ما وجدوا شيئاً إلاّ وقع في أيديهم». فقال الفتى : جُعلت فداك فهل لي من مخرج منه ؟

قال: إن قلت لك تفعل ؟ قال: أفعل، قال: «اخرج من جميع ما كسبت في دواوينهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومَن لم تعرف تصدّقت به»(12).

النشاط الثاني: مارس فيه التثقيف على الصيغة السياسية السليمة، من خلال تبيان موقع الولاية المغتصب واستخدم الخطاب القرآنيّ في هذا المجال، الذي حاولت فيه المدارس الفكرية الأُخرى، تجميد النصّ بحدود الظاهر. فقد علّق(ع) على قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(13).

بأنّ الله عزّ وجلّ اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبيّاً، وأنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وأنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً وأنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماماً، فلما جمع له الأشياء قال: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً).

قال (ع): «فَمِنْ عِظَمِها ـ أي الإمامة ـ في عين إبراهيم (ع) قال: ومن ذرّيتي ؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين، قال: لا يكون السفيه إمام التقي»(14).

كما فسّر (ع) قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)(15) بأنّ الصبغة هي الإسلام(16)، وفي قول آخر عنه (ع) بأنّ الصبغة هي صبغ المؤمنين بالولاية ـ يعني الولاية لإمام الحقِّ. أمير المؤمنين(ع) ـ في الميثاق(17).

وعلّق العلاّمة الطباطبائي على ذلك بقوله: وهو من باطن الآية(18).

كما نجده(ع) يتحدث عن الإمام امير المؤمنين، ويذكّر الناس بحديث الغدير، ذلك الحدث السياسيُّ الخطير في حياه الاُمّة، ويذكّرهم به لئلا يتعرّض هذا الحدث للنسيان والإلغاء . قال في حقِّ عليٍّ (ع): «المدعو له بالولاية المثبت له الإمامة يوم غديم خم، بقول الرسول((صلى الله عليه وآله)) عن الله عزّ وجلّ: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى قال: فمن كنت مولاه فعلىٌّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأعن من أعانه(19).

وعندما التقى وفدٌ من المعتزلة في مستوىً رفيع، ضمّ أعلامهم ورؤوسهم فكان من بينهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وحفص بن سالم، وذلك بعد قتل الوليد واختلاف أهل الشام، وقد أجمع رأي المعتزلة على محمّد ابن الحسن للخلافة الإسلامية، وبعد أن أسندوا أمرهم في الرأي الى زعيمهم الروحي عمرو بن عبيد، ودار حوار طويل بينه وبين الإمام خاطبه الإمام قائلاً: «يا عمرو لو أنّ الاُمة قلّدتك أمرها فملكته بغير قتال، ولا مؤنة فقيل لك: ولِّها من شئت، من كنت تولّي؟»

وبادر عمرو فقال: أجعلها شورى بين المسلمين.

قال: «بين كلهم؟» قال: نعم. قال: «بين فقهائهم وخيارهم؟» قال نعم... قال: «قريش وغيرهم؟» قال: قال له: العرب والعجم؟

قال (ع): أخبرني يا عمرو أتتولّى أبا بكر وعمر؟ أو تتبرّأ منهما؟ قال: أتولاّهما.

فقال له الإمام (ع): «يا عمرو إن كنت رجلاً تتبرّأ منهما فانه يجوز لك الخلاف عليهما، وإنت كنت تتولاّهما فقد خالفتهما . فقد عهد عمر الى أبي بكر فبايعه ، ولم يشاور أحداً، ثم ردّها أبو بكر عليه ولم يشاور احداً، ثم جعلها عمر شورى بين ستة، فأخرج منها الأنصار غير اُولئك الستة من قريش، ثم أوصى الناس فيهم ـ أي في الستة الذين انتخبهم ـ بشيء ما أراك ترضى أنت ولا أصحابك به.

وسأل عمرو الإمام (ع) عما صنع عمر قائلاً: ما صنع ؟

قال الإمام (ع): «أمر صهيباً أن يصلي بالناس ثلاثة أيام، وأن يتشاور أُولئك الستّة ليس فيهم أحد سواهم إلاّ ابن عمر، ويشاورونه ، وليس له من الأمر شيءٌ، وأوصى من كان بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيّام ولم يفرغوا ويبايعوا ، أن تضرب أعناق الستة جميعاً وإن اجتمع أربعةٌ قبل أن يمضي ثلاثة أيّام وخالف اثنان أن يضرب أعناق الاثنين.. أفترضون بذا فيما تجعلون من الشورى بين المسلمين؟»(20).

 

2 ـ المحور الثقافي والفكري:

أـ مواجهة التيارات الإلحادية :

ومن الخطوات التي خطاها الإمام (ع) هي مواجهة الأفكار الإلحادية سابقة الذكر، حيث ناقشها بعدة أساليب حتى استفرغ محتواها ووقف أمام تحقيقها لأهدافها .

نختار نماذج من تحرّك الإمام ونشاطه في هذا المجال .

1 ـ جرت بين الإمام وأحد أقطاب حركة الكفر والإلحاد (أبو شاكر الديصاني ) عدة مناظرات أفحمه الإمام فيها، وأبطل مزاعمه الواهية وكان من بينها المناظرة التي وجّه فيها أبو شاكر السؤال التالي للإمام (ع) : قائلاً: ما الدليل على أنّ لك صانعاً ؟

فأجابه الإمام (ع) : « وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين : إما أن أكون صنعتها أنا أو صنعها غيري. فإن كنت صنعتها فلا أخلو من أحد معنيين : إمّا أن أكون صنعتها وكانت موجودةً فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومةً فإنك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئاً ، فقد ثبت المعنى الثالث: أنّ لي صانعاً وهو ربّ العالمين»(21).

2 ـ دخل الديصاني على الإمام الصادق (ع) فقال له : يا جعفر بن محمّد دُلّني على معبودي . . . وكان الى جانب الإمام غلام بيده بيضة فأخذها منه ، وقال له : « يا ديصاني هذا حصنٌ مكنونٌ له جلدٌ غليظٌ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق ، وتحت الجلد الرقيق ذهبةٌ مائعة وفضّةٌ ذائبةٌ فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة ، فهي على حالها لم يخرج منها خارجٌ مصلحٌ فيخبر عن صلاحها ، ولا دخل فيها داخلٌ مفسدٌ فيخبر عن فسادها ، لا يُدرى للذكر خُلقت أم للانثى ، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس ، أترى لها مدبّراً ؟ » .

وأطرق الديصاني مليّاً الى الأرض ، وأعلن التوبة والبراءة ممّا قاله(22).

3 ـ ووفد زنديقٌ آخرُ على الإمام (ع) وهو من الزنادقة البارزين في عصر الإمام الصادق (ع) وقد قدّم للإمام عدة مسائل حسّاسة فأجاب عنها الإمام(ع) نذكر بعضاً منها :

1 ـ سأله : كيف يعبد اللهَ الخلقُ ولم يروه ؟

فأجابه (ع) : « رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف ، ثم الرسل وآياتها، والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته»(23).

ويتضمّن جواب الإمام (ع) بعض الأدلة الوجدانية على وجود الخالق من خلقه للمجرّات في الفضاء، والتي لا تعتمد على شيء سوى قدرة الله تعالى. ثمّ إنّ العقول الواعية والقلوب المطمئنّة بالإيمان هي التي ترى الله بما تبصره من بدائع مخلوقاته ، إذ الأثر يدلّ على المؤثّر والمعلول يدلّ على علّته.

2 ـ وسأله : من أين أثبت أنبياءَ ورسلاً ؟

فأجاب (ع) : « إنا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً ، صانعاً ، متعالياً عنّا، وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيماً ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا أن يلامسوه ولا أن يباشرهم ويباشروه، ويحاجّهم ويحاجّوه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه، وعبّاداً يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم ، وفي تركه فناؤهم. فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أنّ له معبّرين هم أنبياء الله وصفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة مبعوثين عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علمٌ يدلّ على صدق مقال الرسول ووجود عدالته.

وأضاف الإمام الصادق (ع) قائلاً : « نحن نزعم أنّ الأرض لا تخلو من حجّة ولا تكون الحجّة إلاّ من عقب الأنبياء وما بعث الله نبياً قطّ من غير نسل الأنبياء ، وذلك أن الله شرع لبني آدم طريقاً منيراً، وأخرج من آدم نسلاً طاهراً طيّباً، أخرج منه الأنبياء والرسل، هم صفوة الله وخلص الجوهر، طهروا في الأصلاب، وحفظوا في الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهلية ولا شاب أنسابهم، لأنّ الله عزّوجلّ جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة وشرفاً منه، فمن كان خازن علم الله ، وأمين غيبه، ومستودع سرّه، وحجّته على خلقه، وترجمانه ولسانه لا يكون إلاّ بهذه الصفة، فالحجّة لا تكون إلاّ من نسلهم، يقوم مقام النبي ((صلى الله عليه وآله)) في الخلق بالعلم الذي عنده وورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، وكان بقاء ما عليه الناس قليلاً ممّا في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا بينهم الرأي والقياس، وانّهم إن أقرّوا به وأطاعوه وأخذوا عنه ظهر العدل، وذهب الاختلاف والتشاجر، واستوى الأمر، وأبان الدين، وغلب على الشك اليقين، ولا يكاد أن يقرّ الناس به، ولا يطيعوا له، أو يحفظوا له بعد فقد الرسول، وما مضى رسولٌ ولا نبيٌّ قط لم تختلف اُمّته من بعده»(24).

3 ـ وسأله : ما يصنع بالحجة إذا كان بهذهِ الصفة؟

فأجابه (ع) : «يُقتدى به ، ويخرج عنه الشيء بعد الشيء، مكانه منفعة الخلق، وصلاحهم فإن أحدثوا في دين الله شيئاً أعلمهم، وإن زادوا فيه أخبرهم، وإن نقصوا منه شيئاً أفادهم»(25).

وبهذا المستوى من الحوار وعمقه، يستمرّ الإمام(ع) في أجوبته العملاقة حتى تصل الأسئلة والأجوبة الى خمسة وتسعين(26) ، ونظراً لسعتها اقتصرنا على الثلاثة الاُول منها .

 

ب ـ مواجهة تيار الغلوّ

لقد كان موقف الإمام الصادق(ع) من تيّار الغلوّ وحركة الغلاة حازماً وصارماً، فقال لسدير: «يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براءٌ، برئ الله منهم ورسوله ما هؤلاء على ديني ودين آبائي والله لا يجمعني وإيّاهم يومٌ إلاّ وهو عليهم ساخطٌ»(27).

وقال ميسرة : ذكرت أبا الخطّاب عند أبي عبدالله (ع) وكان متكأً فرفع إصبعه الى السماء ثم قال: «على أبي الخطّاب لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فأشهد بالله أنّه كافرٌ فاسقٌ مشركٌ، وأنه يحشر مع فرعون في أشدّ العذاب غدواً وعشيّاً، ثم قال : والله والله إنّي لأنفس على أجساد أصيبت معه النار»(28).

وقال عيسى بن أبي منصور : سمعت أبا عبدالله (ع) يقول ـ وقد ذكر

أبا الخطّاب ـ : «اللّهم العن أبا الخطّاب فإنه خوّفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي اللّهم

أذقه حر الحديد»(29).

وكان موقفه (ع) صلباً أمام هذه الطائفة الخطيرة على الإسلام ، وما كان ليستريح طرفة عين حتى أحبط مؤامرتها وما ضمّته من الحقد اليهودي ودسائسه التاريخية على الإسلام، ولو كان قد تراخى وفتر عنها لحظة لكانت تقصم ظهر التشيع .

ونلمس في الروايتين التاليتين حرقة الإمام وألمه الشديد ومخافته من تأثيرهذه الدعوة الضالّة على الاُمّة وشعارها المزيّف بحبّها لأهل البيت((عليهم السلام))، فعن عنبسةَ بن مصعب قال : قال لي أبو عبدالله (ع): «أي شيء سمعت من أبي الخطاب ؟» قلت: سمعته يقول : إنّك وضعت يدك على صدره وقلت له: عه ولا تنسَ. وأنت تعلم الغيب. وأنك قلت هو عيبة علمنا وموضع سرّنا أمين على أحيائنا وأمواتنا.

فقال الإمام الصادق : «لا والله ما مسّ شيءٌ من جسدي جسده، وأما قوله أني قلت : إني اعلم الغيب فوالله الذي لا إله إلا هو ما أعلم الغيب(30) ولا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحبّائي إن كنت قلت له ! وأمّا قوله إني قلت: هو عيبة علمنا وموضع سرّنا وأمين على أحيائنا وأمواتنا فلا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إن كنت قلت له من هذا شيئاً من هذا قط»(31).

وقال الإمام (ع) لمرازم : «قل للغالية توبوا الى الله فإنكم فسّاقٌ كفّارٌ مشركون».

وقال (ع) له: «إذا قدمت الكوفة فأتِ بشّار الشعيري وقل له: يقول لك جعفر بن محمّد : يا كافر يا فاسق أنا بريءٌ منك . قال : مرازم فلمّا دخلت الكوفة قلت له: يقول لك جعفر بن محمّد : يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا بريءٌ منك. قال بشار: وقد ذكرني سيدي؟! قلت: نعم ذكرك بهذا. قال: جزاك الله خيراً»(32).

لاحظ الخبث وطول الأناة وعمق التخطيط، حيث يذهب هذا الخبيث ليلتقي بالامام (ع) بعد كلِّ الذي سمعه. ولما دخل بشار الشعيري على لإمام (ع) قال له: «اُخرج عني لعنك الله والله لا يظلّني وإيّاك سقفٌ أبداً. فلمّا خرج، قال(ع) : ويله ما صغّر الله أحداً تصغير هذا الفاجر ، إنّه شيطانٌ خرج ليغوي أصحابي وشيعتي فاحذروه ، وليبلّغ الشاهدُ الغائب إني عبدالله وابن أمته ضمّتني الأصلاب والأرحام وإنّي لميّتٌ ومبعوثٌ ثم مسؤولٌ»(33).

 

ج ـ طرح المنهج الصحيح لفهم الشريعة:

إنّ الإمام الصادق(ع)، في الوقت الذي كان يواجه هذه التيارات الإلحادية الخطيرة على الاُمّة كان مشغولاً أيضاً بمواجهة التيّارات التي تتبنّى المناهج الفقهية التي تتنافى مع روح التشريع الإسلامي، والتي تكمن خطورتها في كونها تُعرّض الدين الى المحق الداخلي والتغيير في محتواه، من هنا كان الإمام(ع) ينهى أصحابه عن العمل بها حتّى قال لأبان: «يا أبان! إنّ السُنة إذا قيست محق الدين»(34).

وكان للإمام نشاطٌ واسعٌ لإثبات بطلان هذه المناهج وبيان عدم شرعيتها.

لقد كان أبو حنيفة يتبنّى مذهب القياس، ويعمل به كمصدر من مصادر التشريع في استنباط الأحكام ، لكنّ الإمام(ع) كان ينكر عليه ذلك ويبيّن له بطلان مذهبه.

وإليك بعض المحاورات التي جرت بينه وبين الإمام(ع) :

ذكروا أنه وفد ابن شبرمة مع أبي حنيفة على الإمام الصادق (ع) فقال لابن شبرمة: «مَن هذا الذي معك؟»

فأجابه قائلاً : رجلٌ له بصرٌ، ونفاذٌ في أمر الدين.

فقال له (ع) : « لعله الذي يقيس أمر الدين برأيه ؟» فأجابه: نعم.

والتفت الإمام (ع) الى أبي حنيفة قائلاً له: «ما اسمك ؟» فقال: النعمان.

فسأله (ع) : «يا نعمان ! هل قست رأسك ؟»

فأجابه : كيف أقيس رأسي؟.

فقال له (ع) : « ما أراك تحسن شيئاً. هل علمت ما الملوحة في العينين ؟ والمرارة في الاُذنين ، والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الشفتين؟» .

فبهر أبو حنيفة وأنكر معرفة ذلك ووجّه الإمام إليه السؤال التالي: « هل علمت كلمة أوّلها كفرٌ، وآخرها إيمانٌ؟» فقال: لا .

والتمس أبو حنيفة من الإمام أن يوضّح له هذه الاُمور فقال له (ع) : «أخبرني أبي عن جدّي رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أ نّه قال: إنّ الله تعالى بفضله ومنّه جعل لابن آدم الملوحة في العينين ليلتقطا ما يقع فيهما من القذى ، وجعل المرارة في الاُذنين حجاباً من الدوابّ فإذا دخلت الرأس دابّةٌ، والتمست الى الدماغ ، فإن ذاقت المرارة التمست الخروج، وجعل الله البرودة في المنخرين يستنشق بهما الريح ولولا ذلك لانتن الدماغ ، وجعل العذوبة في الشفتين ليجد لذة استطعام كلٌّ شيء»(35).

والتفت أبو حنيفة الى الإمام (ع) قائلاً : أخبرني عن الكلمة التي أوّلها كفرٌ وآخرها إيمانٌ؟

فقال له (ع) : «إن العبد إذا قال: لا إله فقد كفر فإذا قال إلاّ الله فهو الإيمان»(36).

وأقبل الإمام على أبي حنيفة ينهاه عن العمل بالقياس حيث قال له: « يا نعمان حدثني أبي عن جدي رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) إنه قال : أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال له الله تعالى : اسجد لآدم فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَار وَخَلَقْتَهُ مِن طِين) »(37).

والتقى أبو حنيفة مرّةً اُخرى بالإمام الصادق (ع) فقال له الإمام : « ما تقول في مُحرم كسر رباعية ظبيٍّ؟».

فأجابه أبو حنيفة: ياابن رسول الله ما أعلم ما فيه .

فقال له (ع) : « ألا تعلم أن الظبيَّ لا تكون له رباعيةٌ، وهو ثنيٌ أبداً ؟!»(38).

ثم التقى أبو حنيفة مرّة ثالثة بالإمام الصادق ، وسأله الإمام (ع) عن بعض المسائل ، فلم يجبه عنها.

وكان من بين ما سأله الإمام هو : « أيّهما أعظم عند الله القتل أو الزنا ؟» فأجاب: بل القتل.

فقال (ع) : « كيف رضي في القتل بشاهدين، ولم يرضَ في الزنا إلاّ بأربعة؟»

وهنا لم يمتلك أبو حنيفة جواباً حيث ردّ الإمام قياسه بشكل واضح.

ثم وجّه الإمام (ع) الى أبي حنيفة السؤال التالي : «الصلاة أفضل أم الصيام؟» فقال: بل الصلاة أفضل .

فقال الإمام (ع) : « فيجب ـ على قياس قولك ـ على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام ، وقد أوجب الله تعالى قضاء الصوم دون الصلاة؟!»(39).

وبهذا أراد الإمام أن يثبت لأبي حنيفة أنّ الدين لا يُدرك بالقياس والاستحسان. ثم أخذ الإمام يركّز على بطلان مسلكه القياسيّ فوجّه له سؤالاً آخر هو : « البول أقذر أم المني ؟» فقال له : البول أقذر .

فقال الإمام (ع) : « يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول; لأنه أقذر، دون المنيّ ، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول»(40).

ثم استأنف الإمام (ع) حديثه في الردّ عليه قائلاً: « ما ترى في رجل كان له عبد فتزوّج ، وزوّج عبده في ليلة واحدة فدخلا بأمرأتيهما في ليلة واحدة، ثم سافرا وجعلا إمرأتيهما في بيت واحد وولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتلت المرأتان ، وبقي الغلامان أيهما في رأيك المالك ؟ وأيّهما المملوك وأيّهما الوارث ؟ وأيّهما الموروث؟»(41).

وهنا أيضاً صرح أبو حنيفة بعجزه قائلاً : إنما أنا صاحب حدود .

وهنا وجّه اليه الإمام السؤال التالي : « ما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح، وقطع يد رجل كيف يقام عليهما الحدّ ؟».

واعترف مرةً اُخرى بعجزه فقال: أنا رجلٌ عالمٌ بمباعث الأنبياء...

وهنا وجّه له الإمام السؤال التالي: « أخبرني عن قول الله لموسى وهارون حين بعثهما الى فرعون (لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(42) ـ ولعلّ منك شكّ ؟) فقال: نعم. فقال له الإمام (ع) : « وكذلك من الله شكّ إذ قال : لعله ؟ ! » فقال : لا علم لي(43).

وأخذ الإمام باستفراغ كل ما في ذهن أبي حنيفة من القياس قائلاً له : « تزعم أنك تفتي بكتاب الله ، ولست ممّن ورثه ، وتزعم أنك صاحب قياس، وأوّل من قاس إبليس لعنه الله ولم يُبنَ دينُ الإسلام على القياس وتزعم أنك صاحب رأيٍّ، وكان الرأي من رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) صواباً ومن دونه خطأً، لأنّ الله تعالى قال: (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَرَاكَ اللّهُ)(44) ولم يقل ذلك لغيره ، وتزعم أنك صاحب حدود، ومن أُنزلت عليه أولى بعلمها منك وتزعم أنك عالم بمباعث الأنبياء، وخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك .

لولا أن يقال دخل على إبن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء. فقس إن كنت مقيساً.

وهنا قال أبو حنيفة للإمام (ع) : لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس.

وأجابه الإمام (ع) : كلاّ إنّ حبّ الرئاسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك »(45).

وهكذا وقف الإمام (ع) موقفاً لا هوادة فيه ضدّ هذه التوجّهات الخطيرة على الإسلام، فكثّف من نشاطه حولها، ولاحق العناصر التي كانت تتبنّى هذه الأفكار الدخيلة ليغيّر من قناعاتها .

ونجد للإمام (ع) موقفاً مع ابن أبي ليلى وهو القاضي الرسمي للحكومة الاُموية وكان يُفتي بالرأي قبل أبي حنيفة وقد قابل الإمام الصادق (ع) وكان معه سعيد بن أبي الخضيب فقال (ع) : « من هذا الذي معك ؟» قال سعيد : ابن أبي ليلى قاضي المسلمين(46).

فسأله الإمام (ع) قائلاً : «تأخذ مال هذا فتعطيه هذا وتفرّق بين المرء وزوجه ولا تخاف في هذا أحداً ؟!» قال: نعم .

قال : «بأيّ شيء تقضي ؟» قال: بما بلغني عن رسول الله((صلى الله عليه وآله)) وعن أبي بكر وعمر.

قال: فبلغك أنّ رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) قال: « أقضاكم عليّ بعدي؟» قال : نعم قال: « كيف تقضي بغير قضاء عليّ ، وقد بلغك هذا ؟»

وهكذا عرف ابن أبي ليلى أنه قد جانب الحقّ فيما حكم وأفتى به.

ثم قال له الإمام (ع) : « التمس مثلاً لنفسك ، فوالله لا اُكلّمك من رأسي كلمة أبداً»(47).

وقال نوح بن درّاج(48) لابن أبي ليلى : أكنت تاركاً قولاً قلته أو قضاء قضيته لقول أحد؟ قال: لا ، إلاّ رجلٌ واحدٌ، قلت : مَنْ هو ؟ قال: جعفر بن محمّد (ع)(49).

 

د ـ مواجهة التحريف والاستغلال السياسي للقرآن ومفاهيمه:

قام الإمام الصادق(ع) بحماية القرآن وصيانته من عملية التوظيف السياسيّ التي تجعل النصّ القرآنيّ خادماً لأغراض سياسيّة مشبوهة تحاول إسباغ طابع شرعيٍّ على الحكم الظالم، وشلِّ روح الثورة، وإطفاء روح المقاومة في نفوس الاُمّة، وبالتالي اسقاط شرعيّة القوى الرافضة لهذهِ النظم الظالمة، حتى قيل في تفسير قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)(50).

أنّها قد نزلت في عليّ بن أبي طالب(ع)(51).

كما زيّف الإمام(ع) النظرة الجامدة للنصّ القرآنيِّ والتي تحاول تعطيله عن المواكبة للواقع المتغيّر والمتطور وحبسه في حدود الظاهر، ولم يسمح بالتأويل الباطنيّ الفاسد . كما قاوم بعنف التفسير الذي يعتمد الرأي بعيداً عن الأحاديث الصحيحة الواردة عن الرسول ((صلى الله عليه وآله)) وأهل بيته المعصومين ((عليهم السلام)).

قال (ع) : « من فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر، وإن أخطأ كان إثمه عليه»(52).

قال(ع): « الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمة من بعده »(53). وقال أيضاً: «نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله »(54) وجاء عن زيد بن معاوية عن الإمام الصادق (ع) في تفسير قول الله عزّوجلّ : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)(55)، «فرسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أفضل الراسخين في العلم قد علّمه الله عزّوجلّ جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه»(56).

وجاء عنه (ع) في تفسير قوله تعالى : (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)(57)، «أ نّهم هم الأئمة »(58) .

ودخل عليه الحسن بن صالح بن حيّ فقال له : يابن رسول الله ! ما تقول في قوله تعالى : (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(59)؟ من اُولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ؟ قال: «العلماء».

فلما خرجوا قال الحسن : ما صنعنا ! ألا سألناه من هؤلاء العلماء ؟!

فرجعوا إليه، فسألوه فقال: « الأئمة منّا أهل البيت »(60).

لقد ثبّت (ع) بأن فهم القرآن لا يتمّ إلاّ بالرجوع الى ما جاء عن الرسول ((صلى الله عليه وآله)) وأهل بيته ((عليهم السلام)) لأنه يضمن الفهم الصحيح لنصوص القرآن الكريم.

كما أنّه فتح آفاقاً جديدةً لفهم القرآن وعلومه، وأحكامه، فحدّد المحكم والمتشابه، والتأويل والتفسير، والمطلق والمقيّد والجري والانطباق ... الى غيرها من شؤون القرآن الكريم.

 

3 ـ المحور الروحي والأخلاقي:

لاحظ الإمام الصادق (ع) تأثير موجات الانحراف الفكريّ والسياسيّ على الاُمّة ومدى إفسادها لعقول الناس، وما لعبته سياسة الاُمويين من خلق أجواء ملائمة لطغيان النزعات الإلحادية والقبلية حتى عمّ الانفلات الأخلاقي، كما كثر في زمانه (ع) رفع شعار الورع والتقوى. كل ذلك أفقد الاُمّة قيمها وأبعدها عن الأخلاق التي أمر بها الرسول ((صلى الله عليه وآله)) وأرادها لاُمّته .

من هنا كان دور الإمام (ع) وتوجّهه الروحي والأخلاقي مع الاُمة في عدّة أبعاد:

البعد الأوّل : كونه (ع) القدوة الصالحة والمثال الواقعيّ الذي تتجسّد في شخصه أخلاق الرسالة; مما يكون موقعاً لإشعاع الفضيلة ونموّها، ويكشف من جانب آخر زيف الأنانيّة ونزعات الذات.

البعد الثاني : تقديم مجموعة من الوصايا والرسائل والتوجيهات التربويّة والأخلاقيّة التي عالج من خلالها الخواء الروحيّ والانحراف الأخلاقيّ الذي نما في سنوات الانحراف .

أما في البعد الأوّل فنجد الإمام(ع) كان يدعو الناس الى الفضيلة برفق ولين، ويجادلهم بالتي هي أحسن، وكان يسمح للسائلين بطرح أسئلتهم مهما كانت، وكان يوضّح لهم ما كان غامضاً عليهم.

كما كان لا يقبل من مقرّبيه أن يتشدّدوا بدعوتهم، حيث كان يقول لهم: « لأحملنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم، ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون، وما يدخل به الأذى علينا، أن تأتوه فتؤنّبوه وتُعذلوه وتقولوا له قولاً بليغاً » فقال له بعض أصحابه إذاً لا يقبلون منّا، قال: «اهجروهم واجتنبوا مجالسهم»(61).

فالإمام هنا يوصي العالم من أصحابه أن لا يتخلى عن رسالته في إرشاد الإنسان الجاهل المنتمي الى مدرسة أهل البيت ((عليهم السلام)) بحجة تماديه وجرأته بارتكاب المخالفات، مما يعكس الوجه السلبيَّ لاتّباع الإمام فيؤذي دعاة الإصلاح.

ففي نظر الإمام (ع)، لا يجوز تركه وإهماله، إلاّ بعد اليأس من إصلاحه وازالة الشك من ذهنه .

البعد الثالث: وكان يحرص على شدّ أواصر المجتمع الإسلامي وإشاعة الفضيلة بين الناس، ليقضي على العداوة والبغضاء، فكان (ع) يدفع الى بعض أصحابه من ماله ليصلح بين المتخاصمين على شيء من حطام الدنيا من أجل القضاء على المقاطعة والهجران، لئلاّ يدفعهم التخاصم الى الترافع لحكّام الجور، والذي كان قد نهى (ع) عنه .

قال سعيد بن بيان: مرّ بنا المفضّل بن عمر وأنا وختني نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة ثم قال لنا: تعالوا الى المنزل ، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتّى اذا استوثق كل واحد منّا من صاحبه قال المفضّل: أما إنها ليست من مالي، ولكنّ أبا عبدالله (ع) أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن اُصلح بينهما وأفتديهما من ماله، فهذا من مال أبي عبدالله (ع)(62).

وهذا الاُسلوب يأتي كخطوة عمليّة ترفد ذاك التوجيه الذي تضمّن حرمة الترافع إلى حكّام الجور .

وكان (ع) يحثّهم على صلة الرحم، ومن حسن سيرته ومكارم أخلاقه أنّه كان يصل من قطعه ويعفو عمّن أساء إليه ، كما ورد أنه وقع بينه وبين عبدالله بن الحسن كلام ، فأغلظ عبدالله في القول ثم افترقا وذهبا الى المسجد فالتقيا على الباب فقال الصادق (ع) لعبد الله بن الحسن : كيف أمسيت يا أبامحمّد ؟ فقال عبدالله: ـ بخير ( كما يقول المغضب ) ـ . قال الصادق (ع): «يا أبا محمّد أما علمت أنّ صلة الرحم تخفّف الحساب؟» ! ثمّ تلى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)(63). فقال عبدالله : فلا تراني بعدها قاطعاً رحماً(64). فكان يصل رحمه ويبذل لهم النصح، كما كان يصل الفقراء في اللّيل سرّاً وهم لا يعرفونه.

قال هشام بن الحكم ((رحمه الله)) كان أبو عبدالله إذا أعتم وذهب الليل شطره ، أخذ جراباً فيه خبزٌ ولحمٌ ودراهمٌ فحمله على عنقه ثمّ ذهب الى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسّمه فيهم، وهم لا يعرفونه وما عرفوه حتى مضى الى الله تعالى(65).

وقال مصادف : كنت مع أبي عبدالله (ع) ما بين مكة والمدينة فمررنا على رجل في أصل شجرة، وقد ألقى بنفسه ، فقال (ع) : «مِلْ بنا الى هذا الرجل فإنّي أخاف أن يكون قد أصابه العطش». فملنا إليه فإذا هو رجلٌ من النصارى طويل الشعر، فسأله الإمام (ع): أعطشان أنت ؟ فقال: نعم، فقال الإمام (ع): «انزل يا مصادف فاسقه». فنزلت وسقيته ثم ركبت وسرنا . فقلت له : هذا نصرانيٌّ، أفنتصدق على نصرانيٍّ؟ فقال : «نعم إذا كانوا بمثل هذه الحالة»(66).

وكان يرى (ع) أن الإعراض عن المؤمن المحتاج للمساعدة استخفاف به، والاستخفاف بالمؤمن استخفافٌ بهم ((عليهم السلام))، فقد كان عنده جماعةٌ من أصحابه فقال لهم : «ما لكم تستخفّون بنا؟!» فقام إليه رجلٌ من أهل خراسان فقال : معاذ الله أن نستخفّ بك أو شيء من أمرك ! فقال (ع) : «إنّك أحد من استخفّ بي».

فقال الرجل : معاذ الله أن أستخفّ بك!! فقال له (ع) : «ويحك ألم تسمع فلاناً ونحن بقرب الجحفة وهو يقول لك : إحملني قدر ميل فقد والله أعييت . فوالله ما رفعتَ له رأساً ، لقد إستخففت به ومن استخفّ بمؤمن فينا استخفّ وضيّع حرمة الله عزّوجلّ»(67).

أما البعد الثاني: فكما قلنا كان يتمثّل في مجموعة الوصايا والرسائل والمناظرات والتوجيهات التي عالج الإمام(ع) من خلالها الإخفاق الروحيَّ الذي كانت الاُمّة قد تعرّضت لإيصالها الى المستوى الإيمانيِّ الذي كانت تريده الرسالة.

فقد خاطب(ع) شيعته وأصحابه قائلاً: «فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق الحديث، وأدّى الأمانة وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفريٌّ، فيسرّني ذلك، ويدخل عليّ منه السرور وقيل: هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه، وعاره وقيل: هذا أدب جعفر...»(68).

وأراد الإمام(ع) أن يعزّز في نفوسهم صحة مذهبهم باعتباره يمثّل الخطَّ الإلهيَّ، فانتقد من جانب الاتّجاهات المنحرفة عن خطّ الرسالة وفتح أمامَ شيعته آفاقاً توجيهيّةً قائلاً: «أما والله ما أحدٌ من الناس أحبّ اليّ منكم وأن الناس قد سلكوا سُبلاً شتّى فمنهم من أخذ برأيه، ومنهم من اتّبع هواه، ومنهم من اتّبع الرواية، وأنكم أخذتم بأمر له أصلٌ فعليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز، وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة، أما يستحي الرجل أن يعرف جاره حقه، ولا يعرف حقّ جاره»(69).

كما أوصى أحد أصحابه بأن لا ينتقدوا من هو ضعيف الإيمان من بينهم، بل يجب شدّ أزره، وتقويم ضعفه، مادام قد اختار طريق الحقّ وذلك كما في قوله(ع) : «يا ابن جندب لا تقل في المذنبين من أهل دعوتكم إلاّ خيراً، واستكينوا الى الله في توفيقهم، وسلوا التوبة لهم، فكلُّ من قصدنا ووالانا، ولم يوال عدوّنا، وقال ما يعلم وسكت عما لا يعلم أو أشكل عليه فهو في الجنة»(70) وتجد الإمام يغرس في أصحابه صفة التواضع التي من علاماتها السلام على كل من يلقاه، فإنّ ذلك يَنِّمُ عن سلامة النفس، واعتبر من التواضع ترك المناقشة العقيمة خصوصاً في المسائل العلمية، فيما إذا كانت تنطلق من الشعور بالتفوّق، واعتبر أيضاً من علامات التواضع أن لا يحب الشخص بأن يمتدح على ما يتمتع به من علم وأدب وتقوى، فإنّ حبّه لذلك حبٌّ للظهور والعظمة وليس من التواضع في شيء.

قال(ع): «من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس وأن تسلّم على من تلقى وأن تترك المراء وإن كنت محقّاً، ولا تحبُّ أن تحمد على التقوى»(71).

وكان (ع) يوصي أصحابه بالتسليم للحق في الحوار أو النقد وعدم التأثر بالعصبية للقوم أو العشيرة أو المذهب، فيكون الإنحياز حائلاً دون سماع الحقيقة التي هي شعار أهل البيت((عليهم السلام)) فقال: «المُسلّمُ للحقّ أوّلُ ما يصل الى الله...»(72).

البعد الرابع: ومن الاُمور التربوية التي أكّدها الإمام (ع) في نفوس أصحابه ـ ليكونوا بالمستوى المطلوب من النضج والسلامة في التفكير

ولئلاّ تكون مشاريعهم وتخطيطاتهم عرضةً للفساد ـ هي الدعوة الى

التثبّت في الاُمور.

قال (ع) : « مع التثبّت تكون السلامة ومع العجلة تكون الندامة، ومن ابتدأ بعمل في غير وقته كان بلوغه في غير حينه»(73).

 

مواصلة بناء جامعة أهل البيت الإسلامية

لقد واصل الإمام الصادق (ع) تطويره للمدرسة التي أسّسها الأئمة ((عليهم السلام)) من قبله، وانتقل بها إلى آفاق أرحب، فاستقطبت الجماهير من مختلف البلاد الإسلامية ، لأنّها قد لبّت الرغبة في نفوسهم وسعت لملء الفراغ الذي كانت تعانيه الاُمّة آنذاك.

خصائص جامعة أهل البيت((عليهم السلام))

ومن خصائص ومميزات مدرسة الإمام الصادق(ع) واختلافها عن باقي المدارس ما يلي:

1 ـ أنّها لم تنغلق في المعرفة على خصوص العناصر الموالية فحسب، وإنّما انفتحت لتضمّ طلاّب العلم من مختلف الاتّجاهات.

فهذا أبو حنيفة الذي كان يخالف منهج الإمام (ع) حيث سلك في القياس مسلكاً استوجب شدّة الإنكار عليه(74) وعلى أصحابه وهو الذي أطلق على مؤمن الطاق اسم شيطان الطاق كان ممّن يختلف إلى الإمام الصادق(ع)، ويسأله عن كثير من المسائل، وقد روى عن الإمام الصادق(ع) وحدّث عنه واتّصل به في المدينة مدّة من الزمن، وناصر زيد ابن عليّ وساهم في الدعوة الى الخروج معه وكان يقول ضاهى خروج زيد خروج رسول الله((صلى الله عليه وآله)) يوم بدر(75).

2 ـ انفتحت مدرسة الإمام (ع) على مختلف فروع المعرفة الإسلامية والإنسانية، فاهتمّت بالقرآن والسنة والفقه والتاريخ والاُصول والعقيدة والكلام والفلسفة الإسلامية، كما اهتمّت بعلوم اُخرى مثل علم الفلك، والطبّ، والحيوان، والنبات، والكيمياء ، والفيزياء .

3 ـ لم تتّخذ مدرسة الإمام سلام الله عليه طابع الإنتماء الى الدولة الاُموية أو العبّاسية، ولم تتلوّث بسياسة الحاكمين، ولم تكن أداة لخدمة الحكّام، بل رأت الاُمة أنّ هذه المدرسة هي التي تحقّق لها تطلّعاتها; إذ كانت ترى على رأسها وريث النبوة وعملاق الفكر المحمّديّ الإمام أباعبدالله الصادق (ع) المعروف بمواقفه واستقامته، حتى لُقّب بالصادق لسموّ أخلاقه وعدم مساومته وخضوعه لسياسة الحكّام المنحرفين .

من هنا شكّلت مدرسته حصناً سياسياً وفكريّاً يلوذ به طلاّب الحقيقة ومَن كان يشعر بالمسؤولية ويريد التخلّص من التّيه الذي خلّفته التيارات الفكرية والسياسية المتضاربة في أهدافها ومساراتها .

4 ـ وتميّزت أيضاً جامعة الإمام الصادق (ع) بمنهجها السليم وعمقها الفكريّ ولم تكن اُطروحتها في الإعداد العلميّ مبتنيةً على حشو الذهن ، وإنّما كانت تعتمد الفكر والتعمّق والأصالة، ونموّ الكفاءات العلمية، وتعتبرها اُسساً مهمّة في المنهج العلمي والتربوي .

5 ـ انتجت هذه الجامعة رموزاً للعلم والتقوى والاستقامة، وعرفت بالعطاء العلميّ والدينيّ للاُمة، وبما أبدعته في تخصّصاتها العلمية، وما حققته من إنجازات على صعيد الدعوة والإصلاح بين الناس ، وأصبح الانتساب الى مدرسة الإمام (ع) مفخرةً للمنتسب، كما ناهز عدد طلاّبها الأربعة آلاف طالب.

6 ـ واتّسعت هذه المدرسة فيما بعد، وشكّلت عدّة فروع لها في الكوفة والبصرة، وقم، ومصر.

7 ـ إنّ الإمام (ع) لم يجعل من جامعته العلمية والجهد المبذول فيها نشاطاً منفصلاً عن حركته التغييرية وأنشطته الاُخرى، بل كانت جزءاً من برنامجه الإصلاحي ، لأنها كانت تساهم بحقٍّ في خلق المُناخ المناسب لبناء الفرد الصالح، وكانت إمتداداً واعياً ومؤثّراً في المسيرة العامّة للاُمّة فضلاً عن النتائج السياسية الإيجابية الخاصّة حيث نجد الكادر العلميّ الحاضر في مدرسة الإمام (ع) هو نفسه الذي يحضر في نشاطات الإمام الخاصّة .

8 ـ تميّزت مدرسة الإمام الصادق (ع) بالارتباط المباشر بمصدَرَي التشريع والمعرفة وهما (الكتاب الكريم والسنّة النبوية الشريفة) بنحو

لا مثيل له.

ومن هنا حرص الإمام الصادق (ع) على أن يحقّق من خلال مدرسته إنجازاً بخصوص تدوين الحديث والحفاظ على مضمونه، بعد أن كان الحديث قد تعرّض في وقت سابق للضّياع والتحريف والتوظيف السياسيّ المنحرف ، بسبب المنع من تدوينه. ولم يستجب الأئمّة المعصومون((عليهم السلام)) لقرار المنع بالرُّغم من كلّ الشعارات التي رفعت لتجعل الهدف من حظر تدوين الحديث هو الحفاظ على القرآن وسلامته من التحريف .

بينما كان الهدف البعيد من منع تدوين الحديث هو تغييب الحديث النبوي الذي كان يؤكّد ربط الاُمّة بأهل البيت ((عليهم السلام))، فاستهدف الحكّام صرف الناس عن أهل البيت ((عليهم السلام)); لأنّ الحديث حين كان يؤكّد الارتباط بهم، كان يحول بينهم وبين الإنسياق وراء كلّ ناعق سياسيٍّ أو حاكم جائر.

يقول الإمام الصادق (ع) : «... أما والله إنّ عندنا ما لا نحتاج الى أحد والناس يحتاجون إلينا . إن عندنا الكتاب بإملاء رسول الله ((صلى الله عليه وآله))، وخطَّه عليٌّ بيده صحيفةً طولها سبعون ذراعاً فيها كلّ حلال وحرام»(76).

وجاء عنه (ع) أنه قال : « علمنا غابرٌ، ومزبورٌ ونكت في القلوب ونقر في الأسماع وأن عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة ((عليها السلام)) وأنّ عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه»(77).

9 ـ وتميزت أيضاً مدرسة الإمام (ع) بالاهتمام بالتدوين بشكل عامٍّ بل ومدارسة العلم لإنمائه وإثرائه .

فكان (ع) يأمر طلاّبه بالكتابة ويؤكد لهم ضرورة التدوين والكتابة، كما تجد ذلك في قوله (ع) : « إحتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها»(78).

وكان يَشيدُ بنشاط زرارة الحديثيّ إذ كان يقول : «رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي»(79).

وقال فيه وفي جماعة من أصحابه منهم أبو بصير، ومحمّد بن مسلم، وبُريد العجلي: «لولا هؤلاء ما كان أحدٌ يستنبط هذا الفقه، هؤلاء حفّاظ الدين واُمناء أبي(ع) على حلاله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والآخرة»(80).

وكان يأمر طلاّبه أيضاً بالتدارس والمباحثة، فقد قال للمفضّل بن عمر : «أكتب وبث علمك في إخوانك ، فإنْ متّ فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لايأنسون فيه إلاّ بكتبهم»(81).

وعلى هذا الأساس اهتمّ أصحابه بكتابة الأحاديث وتدوينها حتى تألّفت واجتمعت الاُصول الأربعمائة المعروفة(82)، والتي شكّلت المجاميع الحديثية الاُولى عند الشيعة الإمامية .

10 ـ وممّا تميزّت به مدرسة الإمام الصادق(ع)، هو إنماء الفكر الإسلامي وتطويره من خلال التخصص العلميّ في مختلف فروع المعرفة الإسلامية، وسوف نشير الى هذه الميزة بالتفصيل .

 

التخصّص العلمي في مدرسة الإمام (ع)

والتفت الإمام في تلك المرحلة لأهمّية الاختصاص ودوره في إنماء الفكر الإسلامي وتطويره ، وقدرته في استيعاب الطاقات الكثيرة الوافدة على مدرسته ، وبالتخصّص تتنوّع عطاءاته ، فيكون الإبداعُ أعمقَ نتاج وأكثر احتواء، لذا وجّه الإمام (ع) طلاّبه نحو التخصّصات العلمية، وتصدى بنفسه للإشراف فكان يعالج الإشكالات التي تُستجدُّ ، ويدفع مسيرة الحركة العلمية الى الأمام . ولا يمكن في هذا البحث أن نستوعب كلَّ هذه التخصّصات وإنّما نقتصر على ذكر بعض النماذج فيما يأتي :

أ ـ في الطب : سئل الإمام عن جسم الإنسان فقال (ع) : « إنّ الله خلق الإنسان على إثني عشر وصلاً وعلى مائتين وثمانية وأربعين عظماً، وعلى ثلاثمائة وستين عرقاً، فالعروق هي التي تسقي الجسد كلّه، والعظام تمسكه واللحم يمسك العظام والعصب تمسك اللحم، وجعل في يديه اثنين وثمانين عظماً في كل يد أحد وأربعون عظماً، منها في كفه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساعده إثنان، وفي عضده واحد، وفي كتفه ثلاثة، فذلك أحد وأربعون، وكذلك في الاُخرى، وفي رجله ثلاثة وأربعون عظماً، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساقه إثنان، وفي ركبتيه ثلاثة، وفي فخذه واحد وفي وركه إثنان وكذلك في الاُخرى، وفي صلبه ثماني عشرة فقارة وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع وفي وقصته ثمانية وفي رأسه ستة وثلاثون عظماً وفي فيه ثمانية وعشرون عظماً أو اثنان وثلاثون عظماً »(83).

يقول الشيخ ميرزا محمّد الخليلي : ولعمري إنّ هذا الحصر والتعداد هو عين ما ذكره المشرّحون في هذا العصر، لم يُزيدوا ولم يُنقصوا(84).

وشرح الإمام الصادق (ع) كيفية دوران الدم في الجسم ولأوّل مرة في حديثه مع المفضّل بن عمر، وقد سبق بذلك العالم ( هارفي ) الذي عُرِفَ بأنه مكتشف الدورة الدموية .

قال (ع) : « فكّر يا مفضّل في وصول الغذاء الى البدن وما فيه من التدبير ، فإنّ الطعام يصير الى المعدة فتطبخه ، وتبعث بصفوه الى الكبد في عروق رقاق واشجة بينها، قد جُعلتْ كالمصفى للغذاء ، لكيلا يصل الى الكبد منه شيءٌ فينكأها وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثم إنّ الكبد تقبله فيستحيل فيها بلطف التدبير دماً، فينفذ في البدن كله، في مجار مهيّأة لذلك بمنزلة المجاري التي تُهيّأ للماء حتى يطّرد في الأرض كلّها وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول الى مغايض أعدّت لذلك فما كان منه من جنس المرّة الصفراء جرى الى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى الى الطحال وما كان من جنس البلّة والرطوبة جرى الى المثانة فتأمّل حكمة التدبير في تركيب البدن، ووضع هذه الأعضاء منه موضعها، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلاّ تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير»(85).

ب ـ في الوقاية الصحية: حذّر الإمام من الأمراض المعدية وأوصى بعدم الاختلاط بالمصابين بمثل مرض الجذامَ حيث قال فيه: « لا يكلّم الرجل مجذوماً إلاّ أن يكون بينهما قدر ذراع»(86)، وقد جاء في الطب الحديث أنّ ميكروب الجذام ينتشر في الهواء حول المصاب أكثر من مسافة متر.

وقال (ع) أيضاً : « كُلّ داء من التخمة »(87).

وقال (ع) : « اغسلوا أيديكم قبل الطعام وبعده »(88) فإنّ غسل اليدين قبل الطعام، تعقيمٌ من الجراثيم المحتملة، والغسل بعد الطعام يُعدّ من النظافة .

ج ـ علم الحيوان: قال (ع) في مملكة النمل : « انظر الى النمل واحتشاده في جمع القوت وإعداده فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحبّ الى زُبيتها(89) بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره، بل للنمل في ذلك من الجدِّ والتشمير ما ليس للناس مثله. أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل، ثم يعمدون الى الحَبِّ فيقطعونه لكيلا ينبت فيفسد عليهم(90) فإن أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف ثم لا يتخذ النمل الزُبية إلاّ في نشر من الأرض كيلا يفيض السيل فيغرقها، وكلّ هذا منه بلا عقل، ولا روّية بل خَلقة خلق عليها لمصلحة من الله عزّوجلّ(91).

وتكلّم الإمام أيضاً في كلٍّ من علوم: النبات ، والفلك ، والكيمياء ، والفيزياء والعلاجات النباتية(92) كما تكلّم في الفلسفة، والكلام، ومباحث الإمامة،والسياسة، والمعرفة، والفقه، واُصوله والحديث، والتفسير، والتاريخ .

وتخصص من طلاّب الإمام (ع) في مباحث الكلام كلٌّ من: هشام بن الحكم ، وهشام بن سالم ، ومؤمن الطاق ، ومحمّد بن عبدالله الطيّار، وقيس الماهر وغيرهم.

وتخصّص في الفقه واُصوله وتفسير القرآن الكريم : زرارة بن أعين ، ومحمّد بن مسلم، وجميل بن درّاج، وبريد بن معاوية، واسحاق بن عمّار وعبدالله الحلبي، وأبو بصير، وأبان بن تغلب ، والفضيل بن يسار، وأبو حنيفة، ومالك بن أنس، ومحمّد بن الحسن الشيباني، وسفيان بن عيينه، ويحيى بن سعيد، وسفيان الثوري. كما تخصّص في الكيمياء: جابر بن حيان الكوفي .

وتخصّص في حكمة الوجود: المفضّل بن عمر والذي أملى عليه الإمام الصادق (ع) كتابه الشهير المعروف ( بتوحيد المفضّل).

ونشط طلاب الإمام في نتاجاتهم كلاً حسب اختصاصه في التأليف والمناظرة، يدلُّ على ذلك ما جمعه السيد حسن الصدر عن مؤلّفات الشيعة في هذه الفترة وقد ذكر أنها وصلت الى ستة آلاف وستمائة كتاب(93).

وبرز في المناظرة: هشام بن الحكم وكان الإمام الصادق (ع) مسروراً بمناظرات هشامِ وحين استمع مناظراته مع زعيم المعتزلة ـ عمرو بن عبيد ـ وأخبره بانتصاره عليه قال له الإمام (ع): «يا هشام من علّمك هذا قال: يابن رسول الله جرى على لساني قال الإمام (ع): هذا والله مكتوبٌ في صحف إبراهيم وموسى»(94).

ومن الأهداف الكُبرى التي خطّط لها الإمام (ع) في مدرسته الى جانب الاختصاصات الاُخرى، هو تنشيط حركة الاجتهاد الفقهيّ الخاص، الى جانب التفقّه في الدين بشكل عام .

من هنا نجد تأصيل منهج الاجتهاد الفقهيّ، واستنباط أحكام الشريعة، قد تمثّل في الرسائل العلميّة التي دوّنها أصحابه في خصوص أُصول الفقه، وفي الفقه والحديث، والتي تميّزت بالاعتماد على مدرسة أهل بيت الوحي((عليهم السلام))، واتّخاذها أساساً للفقه والإفتاء دون الرأيِّ والاستحسان .

قال (ع) : « حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ((صلى الله عليه وآله))، وحديث رسول الله قول الله عزّوجلّ »(95).

وقال (ع) : « إنّا لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله ((صلى الله عليه وآله))، وأُصول علم عندنا نتوارثها كابرٌ عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم »(96).

وقد تكفّلت كتب اُصول الفقه بيان قواعد استنباط الأحكام ومناهجها وكيفية التعامل مع الأحاديث المدوّنة في عامة موسوعات الحديث واُصوله.

وعلّم طلاّبه كيفية استنباط الأحكام من مصادر التشريع كما علّمهم كيفية التعامل مع الأحاديث المتعارضة. قال(ع) فيما عارض القرآن: « ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرفٌ»(97) وقال أيضاً : « إنّ على كلِّ حقّ حقيقةً، وعلى كلِّ صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه »(98).

وفي حالة تعارض الأحاديث فيما بينها قال (ع) : « إذا ورد عليكم ديثٌ فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) وإلاّ فالّذي جاءكم به أولى به»(99).

وقال (ع) : « إنّما علينا أن نلقي إليكم الاُصول وعليكم أن تفرّعوا »(100).

وفعلاً كان ذاك وقد ألّف تلاميذه من جمع الأحاديث والدروس التي كانوا يتلونها في مجلسه مجموعة من الكتب تعدّ بمثابة دائرة معارف للمذهب الشيعي أو الجعفري ويبلغ عددها في أيّام الإمام الحسن العسكري(ع) أربعمائة كتاباً(101).

فهشام بن الحكم والطاقي وزرارة وأبو بصير ومحمّد بن مسلم من نوابغ تلاميذ الإمام جعفر الصادق(ع) وهم في الحقيقة المرجع الأصلي لفقه المذهب الجعفري أو مذهب الشيعة وحكمته كان خلفاء الإمام جعفر الصادق يُعدَون مورداً فيّاضاً للإستفادة المذهبية والعلمية للشيعة(102).

 

الهوامش

(1) يَنبع حصن له عيون ونخيل وزروع بطريق حاج مصر.

(2) الجدي : من أولاد المعز .

(3) الكافي : 2 / 242 ، وبحار الأنوار : 47/372 .

(4) وسائل الشيعة: 27/13 ح5 عن الكافي والفقيه والتهذيب.

(5) المصدر السابق: 27/11 ح 1 المصادر السابقة.

(6) وسائل الشيعة: 27/12 ح5، والآية (60) من سورة النساء.

(7) وسائل الشيعة: 27/13 ح4 عن الكافي والتهذيب. والآية: 60 من سورة النساء.

(8) وسائل الشيعة: 17/179 ح6 عن الكافيوالتهذيب.

(9) المصدر السابق: 17/180 ح8 عن التهذيب.

(10) المصدر السابق: 17/178 ح3 عن الكافي.

(11) الفيء : الخراج.

(12) الكافي: 5/106، والمناقب لابن شهر آشوب: 3/365، بحار الأنوار: 47/138 .

(13) البقرة (2): 124.

(14) الميزان في تفسير القرآن، محمّد حسين الطباطبائي: 1/276 .

(15) البقرة (2): 138.

(16) تفسير الصافي : 1/176.

(17) تفسير العياشي : 1/62.

(18) الميزان: 1/315.

(19) عوالم العلوم والمعارف : 15/3 ـ 270 ـ 271) و شواهد التنزيل : 1/187 والدر المنثور : 2/298 وفتح القدير : 3/57 وروح المعاني : 6/168.

وحديث الغدير حديث مروي بطرق شتى سنّية كانت أو شيعية وقد اعتمد المؤرخون على المصادر السنّية أكثر من غيرها. رواه البغوي في مصابيح السنّة 2: 204، وأخرجه الحاكم فى المستدرك 4: 109، وذكره العلاّمة السيد خير الدين أبي البركات نعمان الآلوسي في غالية المواعظ 2: 87 .

(20) بحار الأنوار: 47/213 ـ 216 عن الكافي: 3/554 والاحتجاج: 2/118 ـ 122.

(21) بحار الأنوار: 3/50 عن التوحيد للصدوق.

(22) اُصول الكافي : 1 / 80 ، والاحتجاج : 2 / 71 ـ 72 .

(23) الاحتجاج : 2/77 .

(24) الاحتجاج، الطبرسي: 2/78 .

(25) الاحتجاج للطبرسي : 2/77 ـ 78.

(26) الاحتجاج : 2/77 ـ 100 عن يونس بن ظبيان وعبدالدين سنان، ولم يسمّيا الزنديق ولم يرويا توبته!

(27) اُصول الكافي: 1 / 269 .

(28) اختيار معرفة الرجال، الطوسي: 2/585 .

(29) اختيار معرفة الرجال، الطوسي: 2/576 ح509 .

(30) والإمام(ع) هنا في مقام نفي العلم بالغيب الاستقلالي الذي يدّعيه الغلاة، لا العلم بالغيب الممنوح للنبي((صلى الله عليه وآله)) ولهم منه سبحانه .

(31) اختيار معرفة الرجال (المعروف برجال الكشي): 2/580 كما تقدم في المصدر الأوّل .

(32) اختيار معرفة الرجال، الطوسي: 2/701 ح744.

(33) اختيار معرفة الرجال، الطوسي: 2/702 ح746 .

(34) بحار الأنوار : 104/405 عن المحاسن للبرقي، اختيار معرفة الرجال، الطوسي: 2/702 .

(35) انظر علل الشرائع، الصدوق: 1/87 .

(36) في المصادر إنّ السائل هو الإمام(ع)، انظر علل الشرائع: 1/87، مناقب آل أبي طالب: 3/376، الاحتجاج، الطبرسي: 2/114 .

(37) اُصول الكافي: 1/58 ح 20 وعنه في بحار الأنوار : 47/226 ح 16 .

(38) مرآة الجنان : 1 / 304 ، ونزهة الجليس : 2 / 57، المصايد والمطارد لكشاجم: 202، ووفيات الأعيان 1: 212.

(39) الاحتجاج، الطبرسي: 2/116 .

(40) المصدر السابق .

(41) المصدر السابق.

(42) طه (20) : 44 .

(43) انظر الاحتجاج، الطبرسي: 2/117 .

(44) إشارة الى الآية 48 من سورة المائدة والآية (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ) .

(45) الاحتجاج للطبرسي : 2 / 110 ـ 117 .

(46) هو عبدالرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المتوفى سنة (148 هـ ) وليس هو عبدالرحمن بن أبي ليلى الأوسي الكوفي فإنّ الأخير من أصحاب الإمام عليّ(ع)، وهو من التابعين وقد ضربه الحجاج بن يوسف الثقفي بالسياط حتى أسودّت كتفاه حينما أمره بسبِّ عليٍّ وشتمه. راجع الإمام الصادق والمذاهب الأربعة حاشية رقم 1 / ص323 المجلد الثاني.

(47) الاحتجاج : 2 / 102 .

(48) نوح بن درّاج من أصحاب الإمام الصادق (ع) / تنقيح المقال : 3 / 275 وابن أبي ليلى هو محمّد بن عبدالرحمن مفتي الكوفة وقاضيها ، راجع سير اعلام النبلاء : 6 / 310 .

(49) حلية الاولياء : 3 / 193 .

(50) البقرة (2) : 204 ـ 205 .

(51) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 4 / 73 عن أبي جعفر الاسكافي : 240 .

(52) تفسير العياشي : 1 / 17 وعنه في تفسير الصافي : 1 / 21 .

(53) اُصول الكافي : 1 / 213 .

(54) المصدر السابق .

(55) آل عمران (3): 7 .

(56) اُصول الكافي لثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني : 1 / 213 .

(57) العنكبوت (29): 49 .

(58) تفسير الصافي : 1 / 12 .

(59) النساء (4) : 59 .

(60) بحار الأنوار : 47/29 .

(61) الكافي: 8/162 ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 3 / 291 .

(62) اُصول الكافي : 2 / 209، تهذيب الأحكام: 6/312 ح46.

(63) الرعد (13): 21 .

(64) كشف الغمّة: 2/375 عن الجنابذي ، وعنه في بحار الأنوار : 47/274 .

(65) بحار الأنوار : 47/38 عن فروع الكافي: 4/8 .

(66) وسائل الشيعة : 6 / 285 الحديث 3 .

(67) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 2 / 296، الكافي، الكليني: 8/102 .

(68) اُصول الكافي: 2/636 وعنه في وسائل الشيعة: 12/5 ح 2، نهج السعادة: 8/32 .

(69) اُصول الكافي: 8/146 ح 121 .

(70) تحف العقول: 302 من وصيته(ع) .

(71) الكافي، الكليني: 2/123 .

(72) لم نجده في المصادر الروائية وغيرها.

(73) الخصال، الصدوق: 100 .

(74) راجع الفقرة ج (طرح المنهج الصحيح لفهم الشريعة) التابعة للمحور الثقافي والفكري صفحة (117) .

(75) حياة الإمام محمّد الباقر : 1 / 75 .

(76) بصائر الدرجات: 149.

(77) الإرشاد: 2/186 وعنه في مناقب آل أبي طالب: 4/396، والاحتجاج : 2/134، وبحار الأنوار: 47/26 وزادوا فيه : فسئُل عن تفسير هذا الكلام فقال : أما الغابر فالعلم بما يكون .

(78) الكافي : 1 / 52 .

(79) انظر: اختيار معرفة الرجال، الطوسي: 1/348، والحديث هكذا: «رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي(ع)» .

(80) وسائل الشيعة : 8 / 57 ـ 59 .

(81) اُصول الكافي : 1 / 52 .

(82) وسائل الشيعة : 18 / 57 ـ 59 .

(83) المناقب : 4 / 256 ، وبحار الأنوار : 14 / 480 .

(84) طب الإمام الصادق (ع) : 3 .

(85) بحار الأنوار: 3/57 عن كتاب التوحيد للمفضل بن عمر الجعفي .

(86) وسائل الشيعة : 2 / 208 .

(87) بحار الأنوار : 63/336.

(88) المصدر السابق: 63/356

(89) الزبية ـ بضم فسكون ـ الزابية لا يعلوها ماء، جمعها زبى .

(90) اذا خشي النمل من الحبة المدخرة أن تنبت في الأرض فلقتها نصفين، وقد تفلق بعض الحبوب كحب الكزبرة الى أربعة أقسام لأن نصف الكزبرة أيضاً ينبت .

(91) التوحيد للمفضل : 66، وبحار الأنوار: 3/ 61 و 62 / 102 .

(92) راجع حياة الإمام الصادق للشيخ باقر شريف القرشي: 2/289 وما بعدها .

(93) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 288 .

(94) راجع الاحتجاج : 2 / 125 ـ 128 .

(95) أُصول الكافي : 1 / 53 ـ 58 .

(96) بصائر الدرجات : 300 .

(97) الوسائل : 18 / 78 .

(98) اصول الكافي : 1 / 69 .

(99) المصدر السابق .

(100) بحار الأنوار : 2/245 ح 53.

(101) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة المجلد الأوّل.

(102) رسالة الإسلام العدد 4 السنة السادسة من مقال الأُستاذ صادق نشأت الأُستاذ بكلية الآداب، القاهرة.

السبت, 31 آب/أغسطس 2013 07:56

حَقّ الْمَالِ

34. وَ أَمّا حَقّ الْمَالِ فَأَنْ لَا تَأْخُذَهُ إِلّا مِنْ حِلّهِ وَ لَا تُنْفِقَهُ إِلّا فِي حِلّهِ وَ لَا تُحَرّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لَا تَصْرِفَهُ عَنْ حَقَائِقِهِ وَ لَا تَجْعَلَهُ إِذَا كَانَ مِنَ اللّهِ إِلّا إِلَيْهِ وَ سَبَباً إِلَى اللّهِ وَ لَا تُؤْثِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ مَنْ لَعَلّهُ لَا يَحْمَدُكَ وَ بِالْحَرِيّ أَنْ لَا يُحْسِنَ خِلَافَتَهُ فِي تَرِكَتِكَ وَ لَا يَعْمَلَ فِيهِ بِطَاعَةِ رَبّكَ فَتَكُونَ مُعِيناً لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ بِمَا أَحْدَثَ فِي مَالِكَ أَحْسَنَ نَظَراً لِنَفْسِهِ فَيَعْمَلَ بِطَاعَةِ رَبّهِ فَيَذْهَبَ بِالْغَنِيمَةِ وَ تَبُوءَ بِالْإِثْمِ وَ الْحَسْرَةِ وَ النّدَامَةِ مَعَ التّبِعَةِ وَ لا قُوّةَ إِلّا بِاللّهِ

السبت, 31 آب/أغسطس 2013 07:15

نشأة الإمام جعفر الصادق (ع)

نشأة الإمام جعفر الصادق (ع)

الأُسرة الكريمة :

إنّ أُسرة الإمام الصادق (ع) ، هي أجلُّ وأسمى أسرة في دنيا العرب والإسلام، فإنّها تلك الأُسرة التي أنجبت خاتم النبيين وسيد المرسلين محمّد ((صلى الله عليه وآله وسلم))، وأنجبت أيضاً عظماء الأئمة وأعلام العلماء، وهي على امتداد التاريخ لا تزال مهوى أفئدة المسلمين، ومهبط الوحي والإلهام.

من هذه الأُسرة التي أغناها الله بفضله، والقائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم تفرّع عملاق هذه الاُمة، ومؤسس نهضتها الفكرية والعلمية الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع)، وقد ورث من عظماء أُسرته جميع خصالهم العظيمة فكان ملء فم الدنيا في صفاته وحركاته.

 

الأب الكريم :

هو الإمام محمّد بن عليّ الباقر (ع) سيد الناس لا في عصره، وإنما في جميع العصور على إمتداد التاريخ علماً وفضلا وتقوى، ولم يظهر من أحد في ولد الإمامين الحسن والحسين ((عليهما السلام)) من علم الدين والسنن وعلم القرآن والسير، وفنون الأدب والبلاغة مثل ما ظهر منه(1).

لقد فجّر هذا الإمام العظيم ينابيع العلم والحكمة في الأرض، وساهم مساهمةً إيجابيةً في تطوير العقل البشري، وذلك بما نشره من مختلف العلوم. لقد أزهرت الدينا بهذا المولود العظيم الذي تفرع من شجرة النبوة ودوحة الإمامة ومعدن الحكمة والعلم، ومن أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

 

الاُم الزكية :

هي السيدة المهذبة الزكية (اُم فروة) بنت الفقيه القاسم(2) بن محمّد بن أبي بكر(3) وكانت من سيدات النساء عفةً وشرفاً وفضلا، فقد تربت في بيت أبيها وهو من الفضلاء اللامعين في عصره، كما تلقت الفقه والمعارف الإسلامية من زوجها الإمام الأعظم محمّد الباقر (ع)، وكانت على جانب كبير من الفضل، حتى أصبحت مرجعاً للسيدات من نساء بلدها وغيره في مهام اُمورهنَّ الدينية وحسبها فخراً وشرفاً أنها صارت أُمّاً لأعظم إمام من أئمة المسلمين، وكانت تُعامَلُ في بيتها بإجلال واحترام من قبل زوجها، وباقي أفراد العائلة النبويّة.

 

ولادة النور :

ولم تمضِ فترةٌ طويلةٌ من زواج السيدة (أُمّ فروة) بالإمام محمّد الباقر (ع) حتَّى حملت، وعمت البشرى أفراد الأُسرة العلوية، وتطلعوا إلى المولود العظيم تطلعهم لمشرق الشمس، ولما أشرقت الأرض بولادة المولود المبارك سارعت القابلة لتزف البشرى إلى أبيه فلم تجده في البيت، وإنّما وجدت جده الإمام زين العابدين (ع)، فهنأته بالمولود الجديد، وغمرت الإمام موجات من الفرح والسرور لأنه عَلِمَ أنّ هذا الوليد سيجدد معالم الدين، ويحيي سنّة جدّه سيّد المرسلين ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأخبرته القابلة بأنَّ له عينينِ زرقاوينِ جميلتينِ، فتبسم الإمام (ع) وقال: إنه يشبه عيني والدتي(4).

وبادر الإمام زين العابدين (ع) إلى الحجرة فتناول حفيده فقبّله، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية، فأذّن في اُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى.

لقد كانت البداية المشرقة للإمام الصادق (ع) أن استقبله جدّه الذي هو خير أهل الأرض، وهَمَسَ في أذنه:

«الله أكبر..»

«لا إله إلاّ الله»

وقد غذّاه بهذه الكلمات التي هي سرّ الوجود لتكون أنشودته في مستقبل حياته.

 

تاريخ ولادته :

اختلف المؤرخون في السنة التي وُلد فيها الإمام الصادق (ع) فمن قائل إنّه وُلد بالمدينة المنورة سنة ( 80 هـ )(5).

وقال آخرون إنّه وُلد سنة ( 83 هـ ) يوم الجمعة أو يوم الاثنين لثلاثِ عشرةَ ليلةً بقيت من شهر ربيع الأوّل(6).

وقال ثالثٌ إنّه وُلد سنة ( 86 هـ )(7).

 

تسميته وألقابه :

أمّا اسمه الشريف فهو (جعفر) ونصّ كثيرٌ من المؤرخين على أنّ النبيّ ((صلى الله عليه وآله وسلم)) هو الذي سماه بهذا الاسم، ولقّبه بالصادق(8).

لقد لُقِّب الإمام (ع) بألقاب عديدة يمثلّ كلٌّ منها مظهراً من مظاهر شخصيّته وإليك بعض هذه الألقاب الكريمة :

1 ـ الصادق: لقبه بذلك جدّه الرسول ((صلى الله عليه وآله وسلم)) باعتباره أصدق إنسان في حديثه وكلامه(9) .

وقيل: إنّ المنصور الدوانيقي الذي هو من ألد أعدائه، هو الذي أضفى عليه هذا اللقب، والسبب في ذلك: أنّ أبا مسلم الخراساني طلب من الإمام الصادق(ع) أن يدله على قبر جده الإمام أمير المؤمنين (ع) فامتنع، وأخبره أنه إنّما يظهر القبر الشريف في أيّام رجل هاشميٍّ يقال له أبو جعفر المنصور، وأخبر أبو مسلم المنصور بذلك في أيام حكومته وهو في الرصافة ببغداد، ففرح بذلك، وقال: هذا هو الصادق(10).

2 ـ الصابر(11) : ولقب بذلك لأنه صبر على المحن الشاقة والخطوب المريرة التي تجرعها من خصومه الاُمويين والعباسيين.

3 ـ الفاضل(12): لقب بذلك لأنه كان أفضل أهل زمانه وأعلمهم لا في شؤون الشريعة فحسب وإنما في جميع العلوم، فهو الفاضل وغيره المفضول.

4 ـ الطاهر(13): لأنه أطهر إنسان في عمله وسلوكه واتجاهاته في عصره.

5 ـ عمود الشرف(14): لقد كان الإمام (ع) عمود الشرف، وعنوان الفخر والمجد لجميع المسلمين.

6 ـ القائم(15): لأنه كان قائماً بإحياء دين الله والذب عن شريعة سيد المرسلين.

7 ـ الكافل(16): لأنه كان كافلا للفقراء والأيتام والمحرومين، فقد قام بالإنفاق عليهم وإعالتهم.

8 ـ المنجي(17): من الضلالة، فقد هدى من إلتجأ إليه، وأنقذ من اتصل به.

وهذه بعض ألقابه الكريمة التي تحكي بعض صفاته، ومعالم شخصيته.

 

كُناه :

وكني الإمام الصادق (ع) بأبي عبد الله، وأبي إسماعيل، وأبي موسى(18).

 

ذكاؤه :

كان الإمام الصادق (ع) في سنه المبكر آيةً من آيات الذكاء، فلم يجاريه أحدٌ بمثل سنه على امتداد التاريخ بهذه الظاهرة التي تدعو إلى الإعجاب والإكبار، والتي كان منها أنه كان يحضر دروس أبيه وهو صبيٌّ يافعٌ لم يتجاوز عمره الثلاث سنين، وقد فاق بتلقيه لدروس أبيه جميع تلاميذه من كبار العلماء والرواة. ومن الجدير بالذكر أنّ دروس أبيه وبحوثه لم تقتصر على الفقه والحديث، وتفسير القرآن الكريم، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم، وقد ألمَّ بها الإمام الصادق (ع) أحسن إلمام. ويدل على ذلك ما نقله الرواة من أنّ الوليد بن عبد الملك أمر عامله على يثرب عمر بن عبد العزيز بتوسعة المسجد النبوي، فأنجز عمر قسماً كبيراً منه، وأعلمه بذلك، وسافر الوليد إلى المدينة ليطّلع بنفسه على ما أنجزه عمر من أعمال التعمير والتوسيع، وقد استقبله عمر من مسافة خمسين فرسخاً، وأعدَّ له استقبالا رسمياً، وخرجت أهالي يثرب بجميع طبقاتها لاستقباله والترحيب به، وبعدما انتهى إلى يثرب دخل إلى الجامع النبوي ليشاهد ما أنجر من أعمال التعمير، وقد رأى الإمام الباقر (ع) على المنبر، وهو يلقي محاضرة على تلاميذه فسلم عليه، فرد الإمام السلام عليه، وتوقف عن التدريس تكريماً له، فأصرّ عليه الوليد أن يستمرّ في تدريسه، فأجابه إلى ذلك، وكان موضوع الدرس (الجغرافيا) فاستمع الوليد، وبهر من ذلك، فسأل الإمام: ما هذا العلم؟.

فأجابه الإمام: «إنّه علمٌ يتحدث عن الأرض والسّماء، والشمس والنجوم».

ووقع نظر الوليد على الإمام الصادق، فسأل عمر بن عبد العزيز: من يكون هذا الصبيُّ بين الرجال؟

فبادر عمر قائلا: إنه جعفر بن محمّد الباقر...

وأسرع الوليد قائلا: هل هو قادرٌ على فهم الدرس واستيعابه؟.

فعرفه عمر بما يملكه الصبيُّ من قدرات علمية، قائلا: إنه أذكى من يحضر درس الإمام وأكثرهم سؤالا ونقاشاً.

وبهر الوليد، فاستدعاه، فلما مثل أمامه بادر قائلا: «ما اسمك؟».

وأجابه الصبيُّ بطلاقة قائلا: «اسمي جعفر..».

وأراد الوليد امتحانه، فقال له: «أتعلم من كان صاحب المنطق ـ أي مؤسسه ـ ؟».

فأجابه الصبيُّ: «كان أرسطو ملقَّباً بصاحب المنطق، لقّبه إياه تلامذته، وأتباعه».

ووجَّه الوليد إليه سؤالا ثانياً قائلا: «من صاحب المعز؟».

فأنكر عليه الإمام وقال: «ليس هذا اسماً لأحد، ولكنه اسمٌ لمجموعة من النجوم، وتسمى ذو الأعنة...»(19).

واستولت الحيرة والذهول على الوليد، فلم يدرِ ما يقول، وتأمّل كثيراً ليستحضر مسألةً اُخرى يسأل بها سليل النبوة، وحضر في ذهنه السؤال الآتي فقال له: «هل تعلم من صاحب السواك؟».

فأجابه الإمام فوراً: «هو لقب عبد الله بن مسعود صاحب جدّي رسول الله((صلى الله عليه وآله وسلم))».

ولم يستحضر الوليد مسألة يسأل بها الإمام، ووجد نفسه عاجزاً أمام هذا العملاق العظيم، فراح يبدي إكباره وإعجابه بالإمام، ويرحب به، وأمسك بيده، ودنا من الإمام الباقر (ع)، يهنئه بولده قائلا: إنّ ولدك هذا سيكون علاّمة عصره...(20).

وصدق توسم الوليد، فقد أصبح الإمام الصادق (ع) أعلم علماء عصره على الإطلاق، بل أعلم علماء الدنيا على إمتداد التاريخ، وليس هناك تعليلٌ مقنعٌ لهذه الظاهرة التي إتّصف بها سليل النبوة في حال طفولته، إلاَّ القول بما تذهب إليه الشيعة من أنّ الله تعالى منح أئمة أهل البيت ((عليهم السلام)) العلم والحكمة في جميع أدوار حياتهم كما منح أنبياءه ورسله.

 

معرفته بجميع اللغات :

وكان في سنه المبكر عارفاً بجميع لغات العالم إذ كان يتكلم مع كلِّ أهل لغة كأنه واحد منهم. وإليك نماذج تشير الى ذلك :

1 ـ روى يونس بن ظبيان النبطي أنّ الإمام الصادق (ع) تحدث معه باللغة النبطية فأخبره عن أول خارجة خرجت على موسى بن عمران، وعلى المسيح، وعلى الإمام أمير المؤمنين (ع) بالنهروان، وأعقب كلامه بقوله: «مالح ديربير ماكي مالح». ومعناه أن ذلك عند قريتك التي هي بالنبطية(21).

2 ـ روى عامر بن عليّ الجامعي، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): جُعلت فداك، إنا نأكل كلَّ ذبائح أهل الكتاب، ولا ندري أيسمون عليها أم لا ؟ فقال (ع): «إذا سمعتموهم قد سموا فكلوا، أتدري ما يقولون على ذبائحهم؟

فقلت: لا .

فقرأ شيئاً لم أعرفه ثم قال: بهذا اُمروا.

فقلت: جعلت فداك إن رأيت أن نكتبها.

قال (ع): اُكتب نوح أيوا ادينو بلهيز مالحوا عالم اشرسوا أورصوبنوا (يوسعه) موسق ذعال اسطحوا»(22).

وفي رواية اُخرى أنّ النص كالآتي «باروح أنا ادوناي إيلوهنوا ملخ عولام اشرفدشنوا عبسوتا وسينوانوا على هشخيطا» ومعناه تباركت أنت الله مالك العالمين، الذي قدسنا بأوامره، وأمرنا على الذبح(23).

3 ـ روى أبو بصير قال: كنت عند أبي عبد الله (ع) وعنده رجلٌ من أهل خراسان وهو يكلمه بلسان لا أفهمه(24) وكانت الفارسية.

ووفد عليه قوم من أهل خراسان، فقال (ع) لهم: «من جمع مالا يحرسه عذبه الله على مقداره» فقالوا له باللغة الفارسية: لا نفهم العربية، فقال (ع) لهم: «هركه درم اندوزد جزايش ذوزخ باشد»(25).

4 ـ روى أبان بن تغلب قال: غدوت من منزلي بالمدينة وأنا أريد أبا عبدالله فلما صرت بالباب وجدت قوماً عنده لم أعرفهم، ولم أرَ قوماً أحسن زيّاً منهم، ولا أحسن سيماءً منهم كأنَّ الطير على رؤوسهم، فجعل أبو عبدالله(ع) يحدّثنا بحديث فخرجنا من عنده، وقد فهَّم خمسة عشر نفراً، متفرقي الألسن، منهم العربيُّ، والفارسيُّ، والنبطيُّ، والحبشيُّ، والصقلبيُّ، فقال العربيُّ: حدثنا بالعربية، وقال الفارسيُّ: حدثنا بالفارسية، وقال الحبشيُّ: حدّثنا بالحبشية، وقال: الصقلبيُّ: حدثنا بالصقلبية وأخبر (ع) بعض أصحابه بأنّ الحديث واحد، وقد فسره لكل قوم بلغتهم(26).

5 ـ ودار الحديث بين الإمام (ع) وبين عمار الساباطي باللغة النبطية فبهر عمار وراح يقول: (ما رأيت نبطياً أفصح منك بالنبطية..).

فقال (ع) له: «يا عمار وبكلّ لسان»(27).

 

هيبته ووقاره :

كانت الوجوه تعنو لهيبة الإمام الصادق (ع) ووقاره، فقد حاكى هيبة الأنبياء، وجلالة الأوصياء، وما رآه أحدٌ إلاَّ هابه إذ كانت تعلوه روحانية الإمامة، وقداسة الأولياء . وكان ابن مسكان وهو من خيار الشيعة وثقاتها لا يدخل عليه شفقة أن لا يوافيه حقّ إجلاله وتعظيمه، فكان يسمع ما يحتاج إليه من اُمور دينه من أصحابه، ويأبى أن يدخل عليه(28) .

الهوامش

(1) الفصول المهمّة لابن الصباغ، : 2/878 .

(2) أُصول الكافي: 1/472، تاريخ أهل البيت: 122، الإرشاد: 2/180، تذكرة الخواص: 306 و307 .

(3) القاسم بن محمّد بن أبي بكر كان من الفقهاء الأجلاء، وكان عمر بن عبد العزيز يجله كثيراً وقد قال: لو كان لي من الأمر شيء لوليت القاسم بن محمّد الخلافة، وقد عمر طويلا وذهب بصره في آخر عمره، ولما احتضر قال لابنه: سن عليّ التراب سناً ـ أي ضعه علي سهلا ـ وسوّي على قبري، والحقّ بأهلك، وإياك أن تقول: كان أبي، وكانت وفاته بمكان يقال له قديد، وهو اسم موضع يقع ما بين مكة والمدينة، راجع ترجمته في صفة الصفوة: 2/51 ـ 52 والمعارف: 102، ومعجم البلدان: 3 / 313، ووفيات الأعيان: 4/ 59.

(4) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب: 72.

(5) تاريخ ابن الوردي: 1/266، الاتحاف بحب الإشراف: 54، سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري: 34، ينابيع المودة: 457، تذكرة الحفاظ: 1/157، نور الأبصار للشبلنجي: 132، وفيات الأعيان: 1/191.

(6) أُصول الكافي: 1/472، تاريخ أهل البيت: 81 ، والإرشاد 2/179، إعلام الورى: 1/514 .

(7) مناقب آل أبي طالب: 4/208.

(8) موسوعة الإمام الصادق(ع) القزويني: 1/162 .

(9) قال السمعاني في أنسابه : 3 / 507، الصادق لقب لجعفر الصادق لصدقه في مقاله.

(10) موسوعة الإمام الصادق، للقزويني : 1 / 22 .

(11) تذكرة الخواص: 307، مرآة الزمان: 5/ ورقة 166 من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين.

(12) تاريخ أهل البيت: 131، وتذكرة الخواص: 307 .

(13) مرآة الزمان: 5/ ورقة 166 .

(14) سر السلسلة العلوية: 34.

(15) مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب: 4/281.

(16) المصدر السابق.

(17) المصدر السابق.

(18) مناقب آل أبي طالب: 4/281. .

(19) هذه المجموعة من النجوم تسمى في اصطلاح العلم الحديث «أوريكا» أو «أريجا».

(20) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب: 108 ـ 112.

(21) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب: 48، انظر بحار الأنوار، المجلسي: 47/84 .

(22) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب: 47، بصائر الدرجات، الصفار: 354 .

(23) المصدر السابق : 48، بحار الأنوار، المجلسي: 63/27 ولم يرد ذلك في رواية ممّن يعرف باللغة العبرية .

(24) الاختصاص: 183.

(25) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب: 46.

(26) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب: 46 ـ 47 ، انظر بحار الأنوار، المجلسي: 47/99 وفي الرواية (متفرقوا الألسن) وما في متن الكتاب مضمون الرواية وليست نصّها .

(27) الاختصاص: 283.

(28) الاختصاص: 203.

طهران لواشنطن: كراهية البشرية لك ستتفاقم

تواصلت التصريحات الرافضة لأي تدخّل عسكري خارجي في سوريا، في طهران عاصمة الحليف الاستراتجي لدمشق، حيث كرّر وزیر الخارجیة محمد جواد ظریف، أمس، خلال اتصال هاتفي مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص الی سوریا الاخضر الابراهیمي، التعبير عن قلق الجمهوریة الاسلامیة من أي مغامرة جدیدة في المنطقة، محذّراً من تداعیاتها الخطیرة.

وتباحث ظریف خلال هذا الاتصال الهاتفي مع الابراهیمي بشأن المستجدات علی الساحة السوریة. وندد ظریف مرة أخری باستخدام الأسلحة الکیمیائیة.

وكتب ظریف أمس في صفحته علی أحد مواقع التواصل الاجتماعي، تحت عنوان «هل جمیع الخیارات مطروحة علی الطاولة؟» وجّه فیه نقداً لقرار عدد من الدول الغربیة بمهاجمة سوریا.

وتساءل ظریف: «هل یمكن في عالم الیوم تحقیق الأهداف الانسانیة أو السیاسیة من طریق الحرب والعملیات العسكریة؟».

وأضاف وزير الخارجية الإيرانية أن «استخدام السلاح الكیمیائي بغض النظر عمّن یستخدمه یُعتَبر جریمة یجب ادانتها، وهذا هو موقف إیران الثابت والشفاف. لكن الذین یقیمون الدنیا ولا یقعدونها هل اتخذوا الموقف ذاته عندما استهدف المدنیون في سردشت وحلبجة وكان المجرم معروفاً»، في اشارة الى نظام صدام حسين في العراق خلال الحرب العراقية الايرانية (1980-1988).

واستنتج قائلاً: «یجب النظر بشك وریبة الی أهدافهم، ولا سیما أن احتمال ارتكاب هذه الجریمة من قبل المجموعات المتطرفة كبیر جداً في ضوء الظروف المیدانیة والوثائق الموجودة».

في غضون ذلك، أكد وزير الدفاع الإيراني، العميد حسين دهقان، في اتصال هاتفي مع نظيره السوري، العماد جاسم الفريج، أن الخاسر الرئيسي في اي حرب في المنطقة هو من يبدأ بها.

وقال دهقان، للفريج، إن «ايران تتابع بدقة وحساسية التطورات الأمنية في المنطقة والأزمة الحاصلة في البلد الصديق والشقيق سوريا». وأكد «ضرورة الاستفادة من الوسائل السياسية والسلمية لحل المشكلات الأمنية»، معتبراً أن استخدام القوة والعنف سيؤدي إلى تصاعد الأزمة وتعميمها على الوحدات السياسية ولن يؤدي إلى الحد من التوتر.

وأعرب وزير الدفاع السوري عن شكره لاتصال وزير الدفاع الايراني، ونفى بشدة مزاعم الغربيين باستخدام الجيش السوري للسلاح الكيميائي، وقال: «ان الارهابيين الجناة عمدوا الى استخدام الأسلحة الكيميائية وقتل النساء والاطفال والأبرياء للحصول على المزيد من الدعم من الدول الإقليمية والكبرى للتعتيم على هزيمتهم ولحرف الرأي العام وتبرير استمرارهم في جرائمهم».

في هذه الاثناء، أكد خطيب جمعة طهران المؤقت، كاظم صديقي، أن أميركا اذا شنت هجوماً على سوريا، فإن النصر سيكون حليف المقاومة والشعب السوري الذي سيمرغ أنفها بالتراب.

وأشار صديقي الى الأحداث على الساحة السورية، قائلاً «إن الأميركيين بصدد الهجوم على سوريا بذريعة استخدام السلاح الكيميائي، وطبعاً يتذكر الجميع انهم (الاميركيين) قاموا بغزو أفغانستان تحت ذريعة غامضة، واجتاحوا العراق بنفس ذريعة السلاح الكيميائي. واضاف أن «الادارة الاميركية والمسؤولين وصلوا الى حضيض الذلة بحيث غرقوا في المستنقع الذي ورطتهم فيه اسرائيل، وهم قد دخلوه بأنفسهم لكن الخلاص منه خارج عن ارادتهم».

ووصف خطيب جمعة طهران المؤقت، الهجوم الاميركي المحتمل على سوريا بأنه عامل لإثارة الازمة في المنطقة، قائلاً إن «هذا الهجوم سيعرّض اسرائيل للخطر، وبالتالي لن يؤدي الى تحقيق أميركا للنصر، بل سيفاقم من كراهية بشرية جمعاء لأميركا».

السبت, 31 آب/أغسطس 2013 05:19

التموين والفكاهة في مواجهة الحرب

التموين والفكاهة في مواجهة الحرب

شكّلت التهديدات الأميركية ضغطاً إضافياً بالنسبة لحركة نزوح ولجوء السوريين إلى المدن والبلدان المجاورة. وزادت هذه التهديدات الطين بلّة بما يخص متطلبات الحياة اليومية وتأمين مستلزمات الاستمرار في ظل أصوات طبول الحرب التي تُقرَع بشدّة

أيام من الازدحام على الأفران في معظم المدن السورية؛ حيث انشغل الدمشقيون بتحضير «وسائل الصمود» في وجه التحديات الراهنة، فيما تسمّرت العيون أمام شاشات التلفزة تترقّب التطورات السياسية التالية.

الأفران الرئيسية الكبرى شهدت حالات تدافع بغرض الحصول على كميات أكبر من الخبز، خشية انقطاعه فيما لو حصلت الضربة الأميركية فعلاً. الأمر نفسه رصد في مدينة اللاذقية، التي خشي سكانها من ضربة بحرية متوقعة، إذ يقول محمد، خباز في إحدى القرى: «البعض يشتري كميات كبيرة من الخبز، وهو ما حاولنا ضبطه من خلال عدم إعطاء أي شخص كميات زائدة عن حاجة عائلته». يتابع الرجل حديثه عن وضع الأفران في المدينة بقوله: «الخبز متوافر كالمعتاد. يومان من الازدحام مرّا، وعندما اكتفى الناس من التمون بما يحتاجون إليه، عادت الأمور إلى طبيعتها. لم ينقطع الخبز يوماً واحداً من أفران المدينة».

محطات الوقود تشهد بدورها ازدحاماً دائماً، ولا سيما في العاصمة دمشق. وقد نالت حصتها من الضغط في طلب البنزين، إلا أنّ حسن، عامل في محطة وسط دمشق، يؤكد أن الوقود متوافر رغم الازدحام الشديد، وهو ما تفسّره الطوابير اللامتناهية من السيارات المتزاحمة على جميع محطات الوقود في المدينة. يسخر الشاب من الوضع بابتسامة متفائلة، ويقول: «الحمدلله ما فيه شي مقطوع بالبلد إلا نفَس العالم بانتظار الضربة العسكرية». إمكانية صمود الدمشقيين لن تحصل دون تأمين مستلزمات الأيام الصعبة المتوقعة، الأمر الذي تشرحه ملاحظة الوضع العام والتدقيق في ردود الأفعال الشعبية حيال احتمال الحرب القائم، حيث امتلأت البيوت بالمواد الغذائية المخزّنة التي تساعد الناس على التسمّر أمام شاشاتهم، وفي بيوتهم، أطول وقت ممكن، ريثما يظهر ما ستتمخض عنه الأحداث من حولهم.

وفي حين ارتفع سعر الدولار خلال يومين ليتجاوز 250 ليرة سورية، وليتراوح السعر حول هذا الرقم انخفاضاً أو ارتفاعاً، إلا أن إمكانية التصريف قليلة بسبب جمود الأسواق، والذي يترافق مع توتر الوضع الأمني والسياسي في المنطقة. يأتي ذلك في ظل تحفظ التجار على البيع والشراء، إلا لمن يرغب بالبيع بأسعار أقل من السعر الحقيقي، ولا سيّما في ظل الرقابة العالية للدولة السورية على الصرافة، وتشدّدها في القبض على المخالفين، والذي لم يتوقف في ظل الضجة الإعلامية المرافقة للتهديدات. فيما يلاحظ انخفاض سعر الدولار أو ارتفاعه عشرات الليرات بحسب حالة الخوف والترقب لدى السوريين.

شوارع دمشق تشهد حركة طبيعية خلال أوقات محددة من النهار، غير أنها تفرغ من سكانها وسياراتها بعد الظهر. إرادة الحياة لدى الدمشقيين تحاول أن تغلب أمزجتهم التي ساءت مع ظروفهم وأوضاع بلادهم، ما جعل التشاؤم يغلب على أيامهم. حركة النزوح داخل المدن ازدادت أيضاً، فيما شهدت الحدود عبور أكثر من 10 آلاف سوري نحو الأراضي اللبنانية، ضمن سياراتهم، ما يعطي انطباعاً واضحاً عن الأحوال المادية للاجئين. اللجوء الموقت إلى لبنان، يترافق مع نزوح بسيط بين المناطق السورية، ولا سيّما من دمشق والجنوب باتجاه الساحل. بالإضافة إلى تحرّك للمقيمين في مناطق قريبة من المواقع الاستراتيجية والمطارات باتجاه مراكز المدن. في وقت أصبحت استعدادات الجيش السوري حديث الشارع في الداخل، إذ إن تغيير المواقع ورفع حالة الاستنفار إلى أقصى درجاتها هي أبرز ما يسود الوضع العسكري الحالي. أحد العسكريين يؤكد لـ«الأخبار» أنّ لا خشية من مسلحي الداخل الذين لم يكونوا يوماً سوى أدوات بسيطة للعدو الخارجي، ولم يكن دورهم يتمثل إلا في التغلغل بين المدنيين وإرباك الجيش واستنزافه. ويشير الضابط إلى أنّ المعركة الإقليمية منتظرة منذ سنوات، تأخرت أو تقدمت، فلا ضير من أن يحين وقت إعلانها، ما دام الموت يخيّم على كل شيء في البلاد. يطيب للعسكري السوري الموت أمام عدو خارجي بدل «الموت بيد ابن البلاد وحلفائه التكفيريين».

وعلى الرغم من أن أثرياء دمشق هرّبوا عائلاتهم إلى العاصمة اللبنانية، خشيةً على حياتهم من الموت الذي يحاصر البلاد، يبقى السؤال عن أكثر ما يمكن أن يخيف سكان البلاد، وكيف يحصّنون أنفسهم؟ سؤال يجيب عنه سالم، طالب جامعي: «نتحصن في بيوتنا التي لا نملك إلا جدرانها. وأكثر ما نخشاه الفوضى ما بعد الضربة العسكرية». في حين تستهزئ سماح، مدرّسة، بما يُشاع عن أي ضربة محدودة لدمشق، معتبرة أنّ الأمر لا يتعدى التهويل الإعلامي لسحق معنويات الشعب السوري وفرض تنازلات على القيادة السياسية.

ليس أمر مواجهة التهديدات الأميركية لسوريا سهلاً على أبناء البلاد، الذين يحاولون مغالبة واقعهم بحس الفكاهة واختراع النكات، إلا أن احتمال قطع الاتصالات يشكّل رعباً آخر يخيّم على كوابيسهم. وفي الوقت الذي يسخر معظمهم مما ستؤول إليه الأوضاع، يرى كثيرون أن الأمور تسوء منذ أشهر طويلة، وهذا لم يضعف عزيمة الجيش، إذ بقي مؤيدوه يستمدون من قوته التفاؤل والاستمرار. وبينما ينتظر الجميع ما ستؤول إليه الأوضاع يواجه السوريون التهديدات بتموين ما يحتاجون إليه، وكتابة الوصايا الفايسبوكية، ومحاولة الابتسام، على أمل إيجاد حل سياسي يعفيهم من الحرب القادمة ونكباتها الإضافية.