Super User
أوباما يقدّم مطالعة الحرب... في انتظار التوقيت

هي الحرب المنتظرة في المنطقة. الأصابع على الزناد وما عاد ينقص سوى إطلاق الرصاصة الأولى. أما التوقيت فدونه حسابات لا علاقة لها بأصل القرار. لعبة رأي عام دولي وتوازنات داخلية أميركية ليس أكثر. ألم يقدم باراك أوباما مطالعته الأخيرة أمس معلناً عودة البرابرة إلى بلاد العرب؟
الكلام صدر أمس، صحيح أن باراك أوباما قال إنه «لم يتخذ قراراً» بعد، لكنه قدم كل الأسباب الموجبة التي جعلته يستخلص أن دمشق يجب أن تدفع ثمن فعل تؤكد هي أن لا دليل على أنها ارتكبته. قالها بوضوح ان لديه من الأسباب ما يكفي لشن حرب من دون شرعية الأمم المتحدة.
بل حتى من دون مساعدة من بريطانيا التي أجبرها مشرعوها على الوقوف جانباً. وما أغفله الرئيس الأميركي، تولى وزير خارجيته جون كيري الإفصاح عنه. ملف كامل كان لا بد لموسكو أن تسارع في الرد عليه، معتبرة أن حجة واشنطن غير مقبولة، ولدمشق أن تقدم مرافعة تجدد فيها التأكيد على أن القضية مفبركة.
وكرر اوباما مقولة أن العملية الاميركية لمعاقبة النظام السوري ستكون «محدودة». ورأى أن الاسلحة الكيميائية تهدد الامن القومي الأميركي، ومعه الأردن وإسرائيل. وأعرب عن اعتقاده بأن مجلس الأمن الدولي عاجز عن اتخاذ الإجراءات المناسبة ردا على استخدام السلاح الكيميائي بسورية، مشيرا إلى أن عدم القيام بأي عمل في هذه الظروف سيعني أن القوانين الدولية غير مجدية. واعترف بأن الولايات المتحدة ترى أنه من الأفضل الآن «إيجاد حل متعدد الأطراف» للملف السوري.
أما كيري فأكد أن أي عمل عسكري ستقوم به بلاده وحلفاؤها لن يكون مثل الذي قاموا به في العراق وأفغانستان وليبيا، مشيراً إلى أن الحرب لن تكون طويلة بل ستكون الضربة محدودة ومؤثرة ولن تشارك فيها قوات على الارض. وأضاف أن «الصواريخ انطلقت من المناطق التي يسيطر عليها النظام، وسقطت في الأماكن التي تسيطر عليها قوات المعارضة، نعرف من أين انطلقت وأين سقطت ومتى وقع الهجوم بالأسلحة الكيميائية».
وأفاد الوزير الأميركي أن نظام الرئيس بشار الأسد لديه أكبر مخزون للأسلحة الكيميائية في المنطقة وأنه استخدمها ضد المدنيين العزل في ضواحي دمشق في 21 آب الحالي، مشيراً إلى أن النظام السوري قصف مكان «الجريمة» لمدة أربعة أيام لإخفاء الأدلة على استخدامه السلاح الكيميائي.
وللقيام بهذا التدخل العسكري المحتمل، سمى وزير الخارجية حلفاء لواشنطن مثل فرنسا والجامعة العربية واستراليا. واعتبر ايضا ان هذه العملية ستكون بمثابة رسالة الى ايران وحزب الله اللبناني، حليفي النظام السوري.
كذلك، اعلن مسؤول مقرّب من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أن الأخير واوباما اللذين تحدثا عبر الهاتف أمس «واثقان كلاهما بالطبيعة الكيميائية للهجوم وبالمسؤولية المؤكدة للنظام» السوري عنه.
تصريحات تزامنت مع تسريب تقرير للاستخبارات الأميركية حمّل «بقدر عال من الثقة» النظام السوري مسؤولية الهجوم الكيميائي، لافتاً إلى أنه اسفر عن 1429 قتيلاً على الاقل بينهم 426 طفلاً. وأفاد التقرير الذي نشره البيت الابيض واستند في معلوماته إلى «عدة» مصادر استخباراتية أن النظام السوري استخدم في هذا الهجوم غازات الاعصاب، مستبعداً «في شكل كبير» أن يكون المعارضون السوريون قد شنوا الهجوم.
وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما، أبلغ أعضاء الكونغرس الأميركي بتفاصيل رد الولايات المتحدة المحتمل على النظام السوري.
وكشف وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل أن الولايات المتحدة ما تزال تعمل على تشكيل «تحالف دولي» للرد على الهجوم المفترض بالسلاح الكيميائي في سوريا، وذلك بعد رفض مجلس العموم البريطاني المشاركة بالتدخل العسكري ضد سوريا.
هولاند استبعد من جهته احتمال أن توجه الولايات المتحدة وحلفاؤها ضربة إلى سوريا قبل الأربعاء المقبل الذي سيشهد انعقاد جلسة طارئة للجمعية الوطنية الفرنسية لمناقشة الموضوع السوري.
ورفض رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان «الاكتفاء بعملية عسكرية محدودة ضد سوريا المتهمة بشن هجوم كيميائي على مدنيين من سكانها»، معتبرا ان «اي تدخل ينبغي ان يهدف الى اسقاط النظام في هذا البلد».
ومن نيويورك، قال دبلوماسيون ان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ابلغ الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أن النتائج النهائية لتحليل العينات التي جمعها خبراء الأسلحة الكيميائية في سوريا الاسبوع الماضي قد لا تكون جاهزة قبل اسبوعين.
وسارع الناطق باسم الخارجية الروسية ألكسندر لوكاشيفيتش إلى التأكيد أن «التصريحات التي أطلقتها واشنطن والتي تهدد فيها باستخدام القوة ضد سوريا غير مقبولة». وأضاف أن «أي عملية عسكرية دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، مهما كانت محدودة، ستصبح خرقا مباشرا للقانون الدولي وستنسف آفاق الحل السياسي الدبلوماسي للنزاع في سوريا وستؤدي إلى تصعيد جديد للمواجهة وسقوط المزيد من الضحايا. ولذا لا يجوز السماح بذلك».
أما وزارة الخارجية السورية فوصفت تقرير الاستخبارات الاميركية بأنه مجرد ادعاءات «كاذبة» و»بلا دليل» بل «روايات قديمة نشرها الارهابيون منذ اكثر من اسبوع بكل ما تحمل من فبركة وكذب وتلفيق»، مؤكدة ان «كل نقاط الاتهام للحكومة السورية هو كذب وعار عن الصحة».
وفند البيان السوري بعضا من عناصر الاتهام التي وردت في التقرير الاميركي ومنها «قضية الاتصال لأحد الضباط السوريين بعد الهجوم المفترض وهي أسخف من أن تناقش»، في اشارة الى اتصالات قالت الاستخبارات الاميركية انها اعترضتها بين مسؤول سوري رفيع المستوى «على علم وثيق بالهجوم» يؤكد فيها استخدام اسلحة كيميائية من جانب النظام. وقد ابدى هذا المسؤول، بحسب التقرير الاميركي، قلقه من حصول مفتشي الامم المتحدة الموجودين في العاصمة على ادلة، بحسب التقرير.
وكان وزير الخارجية السوري وليد المعلم أكد لبان كي مون أن دمشق سترفض اي تقرير جزئي تصدره الأمم المتحدة قبل انتهاء فريق التحقيق في استخدام السلاح الكيميائي من عمله.
اللافت كان في ما نقله مراسل وكالة «اسوشيتد برس» دايل كفاليك ونشره موقع «infowars.com» أمس في شأن أن «استخدام الكيميائي في الغوطة الشرقية والتي أدت الى مقتل نحو 800 شخص، واتهمت القوى الغربية النظام باستخدامها، كانت ناتجة عن سوء استعمال المسلحين لمواد زودتهم بها السعودية». وأشار المراسل الى أن «بعض المسلحين استلموا أسلحة كيميائية عن طريق رئيس المخابرات السعودية الأمير بندر بن سلطان، وهم من قاموا بتنفيذ هذا الهجوم». ولفت المراسل نقلا عن المسلحين، الى «أنهم غير مدربين بشكل صحيح على كيفية التعامل مع الأسلحة الكيميائية وأنه على ما يبدو كان من المفترض أن تعطى الأسلحة إلى تنظيم القاعدة فرع جبهة النصرة في سوريا».
قدرنا...المقاومة!

إلى الجحيم كل نقاش حول ديموقراطية تدعمها أميركا وفرنسا وبريطانيا والسعودية وتركيا وإسرائيل...
إلى الجحيم كل مسعى إلى حرية بدعم من هؤلاء القَتَلة.
إلى الجحيم كل تافه، مجرم، خائف، مهما كان شكله أو اسمه أو عنوانه أو وظيفته.
الى الجحيم كل الذين يدعمون حرب التدخل العالمية لإسقاط سوريا.
الى الجحيم كل هذه الحفنة من العملاء الذين لا بد ان يحاكمهم الناس في يوم قريب، في حالة استقرار أو حالة فوضى.
الى الجحيم كل الخونة، وكل خطاباتهم، وكل دموعهم الكاذبة، وكل عويلهم وصراخهم، وكل منظماتهم الخاصة بحقوق الانسان، وكل منظمات مجتمعاتهم المدنية الخانعة.
قرار الحرب على سوريا، ليس سوى الخطوة الاخيرة، المقررة منذ سنتين ونصف، بحثاً عن تدمير المقاومة، مدنا وبشرا وفكرة ايضا.
لا مجال لأيّ نوع من المساومة، ولا مجال لأيّ نقاش أو سجال، ولا مجال للاستماع إلى أيّ عميل يعرض علينا لائحة الأسباب والمسبّبين، ومَن يتمسّك من هؤلاء برأيه أو موقعه، أو تصنيفه، فليذهب ويضع عصبة على جبينه بعدما وضع عصبة على عينيه، ولينضمّ إلى مجموعات العملاء والتكفيريين.
هؤلاء يعيشون أصلاً على فتات سارقي الثروات العربية، يعملون عندهم، ويتلقّون منهم الأموال وكل أشكال الدعم، ولم يعد ينقصهم سوى إعلان الاندماج كليّاً في عوالم هؤلاء القَتَلة الذين بات واجباً وفرض عين على كل قادر مقاتلتهم، حيث هم، حيث يتواجدون، حيث تتوافر فرصة الانتقام منهم، ومعاقبة كل الخونة، واحداً تلو الآخر، في أسرّتهم، أو خلف مكاتبهم، أو داخل دباباتهم، أو في قصورهم، لوحدهم، أو بين أفراد عائلاتهم...
ماذا تريدون منا اليوم؟
هل تريدون تكرار تجربة العراق؟
هل تريدون تكرار تجربة أفغانستان والصومال؟
هل تريدون تكرار تجربة ليبيا؟
هل تريدون تكرار تجربة حروب لبنان؟
او هل انتم تعتقدون انها الحرب التي تقضي على حق لن يزول اسمه الوحيد الدائم الى ابد الابدين: فلسطين!
لسنا مضطرّين إلى تكرار السجال، ولا إلى تكرار البحث والأجوبة والتعليقات والتحذيرات، ولسنا مضطرّين سوى إلى إعلان موقف واحد، وهو أنّ الحرب التي يُعَدُّ لها ضدّ سوريا هي حرب استعمارية، وكل مشارك فيها، كلياً، تأييداً، تمويلاً، ترويجاً، تبريراً، وقتالاً، هو عميل خائف، ولا عقوبة له سوى الموت، جهاراً نهاراً بدون خجل أو حياء!
إنّها الحرب!
سيستفردون دمشق، أم مدن العالم، ويريدون سحق الناس والجيش والقيادة هناك. يريدون تدمير التاريخ والموروث الوطني بوجه الغزاة. ويريدون تدمير كل روح تقاوم الاستعمار وتدعم المقاومين في كل المنطقة. ويريدون مدّ شريان حياة دائمة لإسرائيل، ولأنظمة القهر في بلادنا العربية، ويريدون إيصال العملاء، من كل الصنوف والأشكال، لتولّي بلدان وسرقة ثرواتها، وإبادة شعوبها.
عندما تقول اميركا انها لا تحتاج الى تغطية، ولا الى تبرير قانوني، ولا الى تحقيق علمي، ولا الى دعم سياسي، وانها تقدر على التحكم بمصير امة لمجرد انها قررت ان مصلحتها تفرض عليها ذلك، يعني ان علينا التصرف مثلها تماماً، بأن لا ننتظر تغطية ولا دعما ولا تبريرا ولا سؤالا عن معايير دولية وخلافه، وان نخوض بوجهها، ووجه مستعمراتها، كل انواع الحروب والقتال، وان نسعى، بكل جهد، الى نقل النار الى ارضها، في كل مكان من ارضها ومدنها، والى أن نصرخ بوجه السفاح، ان كل ذلك سنقوم به، من دون ان تقدروا على تجريدنا من انسانيتنا، تلك التي نحتفظ بها لاجل انفسنا ولاجل اولادنا ولاجل المقهورين في كل الارض.
امس، ظهر الغرب كله على حقيقته. غرب حاقد، قاتل، لا مكان فيه لحق إلا لمن يعرف الخنوع امامه، ولا امان فيه الا لمن يرفع الراية البيضاء.
امس بدت اوروبا كريهة. ليست عجوزا حمقاء فقط، بل قبيحة، السم يفحّ من كل ثناياها، وفيها العار يسكن صناع الرأي العام، ويسكن مصانعها ومدارسها وجامعاتها وناسها الذين لا يخرجون ويطردون القتلة من بينهم.
ليس لنا سوى مقاومتهم، بكل ما تملكه ايدينا وعقولنا ودمائنا، ولا شيء سيحجب عنا رؤية العدو الواحد، الذي له وجوه عدة، ولكن باسم واحد: انهم البرابرة، مصاصو الدماء... اما نحن، فقدرنا هو المقاومة!
ابراهيم الأمين
الإمام الخامنئي يستقبل رئيس الجمهورية و أعضاء هيئة الوزراء بمناسبة أسبوع الحكومة طباعة
28/08/2013
استقبل سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية صباح يوم الأربعاء 28/08/2013 م رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الجديد الشيخ حسن روحاني و أعضاء هيئة الوزراء في أول لقاء له بالحكومة الحادية عشرة الجديدة، و ثمّن التنسيق بين الحكومة و مجلس الشورى الإسلامي لبدء أعمال الحكومة الجديدة بسرعة، و وصف السيد روحاني بأنه رئيس جمهورية جيد و ثقة و ذو سوابق ثورية مشرقة، و عدّد المؤشرات المهمة للحكومة الجيدة بما في ذلك النزاهة العقيدية و الأخلاقية، و تقديم الخدمة للشعب، و العدالة، و النزاهة الاقتصادية و مكافحة الفساد، و النزعة القانونية، و الحكمة و العقلانية، و الاعتماد الإمكانيات الداخلية الذاتية للبلاد، مؤكداً: اجعلوا الاقتصاد و العلم على رأس أولوياتكم، و اعملوا على احتواء التضخم، و تأمين الاحتياجات الأساسية للشعب، و ازدهار الإنتاج، و خلق الحراك و الاستقرار في القطاع الاقتصادي، لتضاعفوا من آمال الشعب بمستقبل مشرق.
كما وصف سماحته تهديد أمريكا بالتدخل في سورية بأنه فاجعة أكيدة للمنطقة مؤكداً: أي نوع من أنواع التدخل و إثارة الحروب سينتهي يقيناً بضرر مؤجّجي الحروب.
و بارك آية الله العظمى السيد علي الخامنئي أسبوع الحكومة لكل المسؤولين و المدراء و المنتسبين الخدومين للسلطة التنفيذية منوّهاً: يتزين أسبوع الحكومة باسم الشهيدين الجليلين رجائي و باهنر، و مبادرة كل الحكومات إلى جعل أسماء و أهداف هذين الشهيدين نصب أعينهم ممارسة ذات مغزى.
و أثنى سماحته على سرعة رئيس الجمهورية و متابعته في تسميته الفورية للوزراء و تقديمهم إلى مجلس الشورى الإسلامي لإحراز الثقة، مضيفاً: الثقة الجيدة التي منحها مجلس الشورى الإسلامي للوزراء المقترحين مهّدت الأرضية لبدء الحكومة الجديدة بأعمالها سريعاً، و هذا ما يدل على تنسيق و تناغم قيّم بين السلطتين، و الاهتمام الجدير بالتقدير لرئيس الجمهورية و مجلس الشورى الإسلامي بالبدء السريع للحكومة بأنشطتها.
و أبدى قائد الثورة الإسلامية أمله بالبروز العيني لنقاط قوة الحكومة الحادية عشرة و استمرار و مضاعفة آمال الشعب مردفاً: وجود السيد روحاني بسوابقه الكفاحية و الثورية المشرقة و مواقفه الجيدة و الصحيحة طوال العقود الثلاثة الأخيرة، هو بلا شك من نقاط قوة الحكومة الجديدة.
و أشار سماحته إلى العزيمة الراسخة لرئيس الجمهورية على حلّ المشكلات مردفاً: ستستطيع الحكومة إن شاء الله و بالاعتماد على العزيمة القوية و السير في الطريق الصحيح النهوض بواجباتها الجسيمة.
و استمر حديث قائد الثورة الإسلامية في أول لقاء له بأعضاء هيئة الوزراء الجديدة بذكر المؤشرات المهمة للحكومة الإسلامية الجيدة.
فاعتبر الإمام الخامنئي النزاهة العقيدية و الأخلاقية من المؤشرات البارزة للحكومة الإسلامية المطلوبة مضيفاً: هذه العقائد و النظرات الصحيحة لحقائق المجتمع من شأنها أن تؤدّي إلى سلامة أداء الحكومة.
و في هذا الصدد، اعتبر سماحته كلمات الإمام الخميني (رض) و توجيهاته و مواقفه مؤشراً أساسياً، و أضاف مؤكداً: أصول الثورة الإسلامية و قيمها متجلية في كلمات الإمام الخميني و مواقفه، و إذا التزمنا بها و انشددنا إليها عملياً، و راجعناها في مواطن الغموض و الالتباس، فستكون عاقبة الأمور و مآلها بفضل من الله إلى خير، و سنتقدم إلى الأمام.
و في معرض إيضاحه لمؤشر النزاهة العقيدية و الأخلاقية أكثر، أكد قائد الثورة الإسلامية على ضرورة الثقة و الطمأنينة التامّة بالوعود الإلهية بالنصرة و العون، مردفاً: في تجارب مثل انتصار الثورة و الدفاع المقدس و الانتصار على حالات التمرّد القومية المتعددة في مستهل الثورة، لمس الشعب و المسؤولون في البلاد تماماً و بشكل واضح تحقق الوعود الإلهية، و هذه التجارب القيّمة أرضية ممهدة لثقة أتمّ و أكمل بوعود الباري سبحانه بالنصر و المعونة.
و ألمح آية الله العظمى السيد الخامنئي إلى كلام السيد روحاني قائلاً: الثقة بالله و النظرة الصحيحة و العقلانية هي التي تعالج المشكلات و القضايا.
و كان تقديم الخدمة للناس المؤشر الثاني الذي ذكره قائد الثورة الإسلامية في سرده لخصوصيات الحكومة الإسلامية المحبّذة.
و اعتبر سماحته تقديم الخدمة للناس الخطاب الأصلي للحكومة الإسلامية و فلسفة وجود المسؤولين مؤكداً: يجب أن لا تحول أية قضية بين المسؤولين و تقديم الخدمة للناس.
و لفت آية الله العظمى السيد الخامنئي: التصورات و الأذواق السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية المتنوعة أمور جانبية، و تقديم الخدمة للناس هو الأصل، فلا تسمحوا للهوامش و الأمور الجانبية أن تتغلب على الأصل.
و ذكّر الإمام الخامنئي الحكومة الجديدة بالمرور السريع لفرصة تقديم الخدمة للناس مضيفاً: قلت لكل الحكومات السابقة أيضاً إن فرصة أربعة أو ثمانية أعوام من المسؤولية تمرّ بسرعة، و لكن حتى هذه المدة المحدودة تنطوي على فرص لا نهائية لتقديم الخدمة للشعب، و يجب عدم تفويت أي من هذه الفرص.
و في إطار موضوع خدمة الناس، أكد سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي على أهمية و قيمة النظرة و الأعمال الجهادية مردفاً: لا يعني العمل الجهادي العمل من دون قانون، و أنا أعارض بشدة الممارسات اللاقانونية، و لكن يمكن في إطار القوانين العمل بعيداً عن النظرة الإدارية المرسومة، و بنظرة جهادية و شوق مبدئي، و تجاوز العقبات و الموانع في السير إلى الأمام.
و اعتبر آية الله العظمى السيد الخامنئي العدالة من المؤشرات المهمة الأخرى للحكومة الإسلامية المطلوبة مردفاً: كما جرى التأكيد في السابق أيضاً، فإننا نتحرّى التقدم أو «التنمية» حسب التعبير الدارج، و لكن يجب بالتأكيد أن يكون هذا التقدم مصحوباً بالعدالة، و إلّا سيصاب المجتمع كما في البلدان الغربية بانقسام و تمييز و حالات سخط.
و كانت النزاهة الاقتصادية و مكافحة الفساد المؤشر الرابع للحكومة المنشودة من وجهة نظر قائد الثورة الإسلامية.
و ذكّر سماحته أعضاء الحكومة الجديدة بأن المنصب الحكومي موقع ذو وساوس تتعلق بحبّ السلطة و الامتيازات المادية، فحاذروا دوماً بعين بصيرة و مثل البروجكتر القوي الدائمي لإبعاد المؤسسة التي تتولون إدارتها عن وساوس الفساد.
و أشار الإمام السيد علي الخامنئي إلى وجود أجهزة إشراف في كل واحدة من السلطات الثلاث، و قال مخاطباً هيئة الوزراء: الفساد كالأرضة، لذا عليكم أن تمنعوا دبيب الفساد و الشفاعات و الارتشاء و الإسراف بكل حسم، حتى لا تكون هناك حاجة أساساً لتدخل الأجهزة الإشرافية و التفتيشية إلى حيّز عملكم الإداري.
و وصف قائد الثورة الإسلامية العاملين و المسؤولين في الأجهزة التنفيذية بأنهم أناس شرفاء و نزيهون، مردفاً: وجود عدد قليل من الأفراد غير النزيهين هو للأسف كالميكروب الذي يبدد جهود و مساعي العاملين الخدومين في الأجهزة و المؤسسات المختلفة، و يجب الحيلولة دون ذلك.
و اعتبر الإمام الخامنئي النزعة القانونية المؤشر الآخر المهم جداً للحكومة المطلوبة قائلاً: القانون هو السكة التي تسير عليها قاطرة الحكومة، و إذا خرجتم لأي سبب من الأسباب عن هذه السكة تعرض البلد و الشعب للأضرار.
و أردف سماحته قائلاً: قد تكون بعض القوانين ناقصة أو فيها عيوب، لكن أضرار عدم العمل بها أكثر من تطبيقها، لذا حاولوا تكريس النزعة القانونية و الالتزام بالقانون في كل الأجهزة و المؤسسات.

و اعتبر قائد الثورة الإسلامية تطبيق الوثائق و القوانين الأساسية بما في ذلك السياسات العامة للنظام الإسلامي و ميثاق الأفق العشريني من لوازم النزعة القانونية مردفاً: قرارات المجالس العليا، بما في ذلك المجلس الأعلى للثورة الثقافية، و المجلس الأعلى للسايبري، و هو على جانب كبير من الأهمية، يجب أن تولى أهمية كبيرة و يجري العمل على أساسها.
و على الصعيد نفسه اعتبر قائد الثورة الإسلامية السياسات العامة لتطوير النظام الإداري مهمة جداً و أضاف قائلاً: للأسف حصل تأخير في تطبيق هذه السياسات، و يجب تنفيذها.
و كانت الحكمة و العقلانية الخصوصية السادسة التي أكد عليها قائد الثورة الإسلامية في لقائه بالسيد روحاني و حكومته.
و أكد سماحته على الحكومة بالاستفادة بشكل جيد من إمكانيات و قدرات الخبراء الداخليين في كل المجالات و الميادين مردفاً: يجب قبل أية خطوة، بل قبل أي تصريح و اتخاذ موقف، إجراء الدراسات الخبروية و التخصصية اللازمة، لأن تكاليف معالجة التبعات السلبية للأعمال غير الناضجة و الكلمات غير المدروسة تكاليف عالية.
الاعتماد على الإمكانيات الداخلية و الذاتية للبلاد كانت نقطة مهمة أخرى لفت قائد الثورة أنظار هيئة الوزراء إليها مؤكداً: مفتاح حل المشكلات يكمن في الإمكانيات و القدرات الداخلية للبلاد، و يجب الانتفاع منها بعقلانية.
و في معرض إيضاحه لضرورة الاعتماد على الإمكانيات الداخلية للبلاد أضاف قائلاً: هذا الكلام لا يعني عدم الاستفادة من الإمكانيات و الفرص الخارجية، إنما النقطة الأساسية هي أن لا نعقد الآمال على الخارج و لا نعتمد على الخارج.
و أشار قائد الثورة الإسلامية إلى جبهة أعداء الثورة مضيفاً: الواقع هو أنه لا يمكن و لا يجب توقع الصداقة و الصميمية من جبهة الخصوم.
و لفت سماحته قائلاً: نصيب كل بلد في العلاقات الدولية منوط باقتدار ذلك البلد، لذا ينبغي السعي بنحو مستمر لمضاعفة الاقتدار الداخلي للبلاد.
و تابع قائد الثورة الإسلامية حديثه بالإشارة إلى عدة نقاط بخصوص أولويات الحكومة الحادية عشرة.
فأشار آية الله العظمى إلى الجهوزية الجديدة لأعضاء الحكومة، و كذلك إلى محدودية الفرص و الهمم مؤكداً: القضايا الاقتصادية و التقدم العلمي أولويّتان أصليتان في البلاد يجب أن توليهما السلطة التنفيذية، و السلطات الأخرى أيضاً، اهتماماً خاصاً.
و أشار سماحته في إطار القضايا الاقتصادية إلى البنى التحتية الاقتصادية الجيدة التي أرسيت طوال العقد المنصرم في البلاد و أضاف: بالنظر لهذه البنى التحتية يجب أن توضع في جدول الأعمال الفوري للحكومة مهمّات توفير الاستقرار و الهدوء الذهني لدى الشعب و في السوق، و خفض التضخم، و تأمين الاحتياجات الأساسية للشعب، و تفعيل الإنتاج الوطني.
و لفت قائد الثورة الإسلامية: هذه الخطوات الفورية هي في الواقع بداية الملحمة الاقتصادية التي جرى التأكيد عليها في بداية العام.
و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: طبعاً تحقيق الملحمة الاقتصادية بحاجة إلى مسيرة طويلة الأمد، و ما من إنسان منصف يمكنه أن يتوقع من الحكومة حلاً سريعاً لكل المشكلات الاقتصادية، و لكن هناك توقع بالسير نحو معالجة المشكلات بنظرة حكيمة و مدبّرة.
و أشار سماحته إلى دراسة سياسات الاقتصاد المقاوم في مجمع تشخيص مصلحة النظام قائلاً: الاقتصاد المقاوم لا يعني اقتصاد التقشف و التقتير، بل هو اقتصاد يستطيع المقاومة مقابل الأزمات و حالات الجزر و المدّ الدولية.
كما أشار قائد الثورة الإسلامية إلى الحركة العلمية المتسارعة في البلاد و التي بدأت قبل نحو عشرة أعوام مؤكداً: هذه الحركة العلمية المتسارعة يجب أن لا تتوقف بأيّ حال من الأحوال.
و اعتبر قائد الثورة الإسلامية وزارة العلوم و التقنية و وزارة الصحة و العلاج و التعليم الطبي الوزارتين المسؤولتين بشكل أساسي عن الحركة العلمية في البلاد مردفاً: الوزارات و الأجهزة الخدمية نظير وزارة الصناعة و التجارة و الجهاد الزراعي يجب أن تتعاون تعاوناً قريباً مع هاتين المسؤولتين الأصليتين لتوفير مجالات الاستفادة من التقدم العلمي للجامعات و المراكز العلمية و العمل على مضاعفة الحراك العلمي للجامعات.
و أوصى سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي الحكومة توصية أكيدة بدعم الشركات العلمية المحورية منوّهاً: من الموضوعات المهمة في المسيرة العلمية للبلاد استكمال السلسلة العلمية و التقنية.
و في مقام إيضاحه لهذه السلسلة أضاف سماحته يقول: تبدأ هذه السلسلة من الأفكار، و تصل إلى العلم و التقنية، و تنتهي إلى الإنتاج و السوق، لذلك لا يكفي مجرد الوصول إلى التقنية المحضة، إنما يجب استكمال هذه السلسلة إلى النهاية.
و تطرق قائد الثورة الإسلامية في جانب آخر من حديثه إلى موضوع السياسة الخارجية مؤكداً: على هذا الصعيد إذا جرى فهم و تطبيق المبادئ الثلاثة: العزة و الحكمة و المصلحة بنحو صحيح، فإن السياسة الخارجية ستكون في المستوى اللائق بنظام الجمهورية الإسلامية.
و أشار آية الله العظمى السيد الخامنئي إلى الظروف الحساسة و المأزومة في المنطقة قائلاً: إننا لا نرغب أبداً بالتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، لكننا لا نستطيع غض أنظارنا عن المذابح التي ترتكب ضد الشعب المصري.
و أكد سماحته قائلاً: إننا ندين قتل أبناء الشعب المصري و الذين لم يكونوا مسلحين.
و أضاف قائد الثورة الإسلامية: أيّاً كان فاعل هذه المذابح فإنه مُدان من وجهة نظر الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
و استطرد الإمام الخامنئي يقول: يجب تحاشي الحرب الداخلية في مصر بكل إصرار، لأن الحرب الداخلية في مصر ستكون فاجعة على العالم الإسلامي و المنطقة.
و شدّد سماحته على ضرورة العودة للديمقراطية و أصوات الشعب في مصر، ملفتاً: بعد سنوات من الحكم الاستبدادي أقام الشعب المصري بفضل الصحوة الإسلامية انتخابات نزيهة، و سياق الديمقراطية هذا مما لا يتوقف.
و بخصوص التطورات في سورية، اعتبر قائد الثورة الإسلامية التهديدات و التدخلات الأمريكية فاجعة للمنطقة مؤكداً: إذا حصلت مثل هذه الخطوة فإن الأمريكان سيتضررون بلا شك كما تضرروا من تدخلهم في العراق و أفغانستان.
و استطرد آية الله العظمى السيد الخامنئي: تدخل القوى الأجنبية و من خارج المنطقة في بلد، لن تكون له من ثمار سوى تأجيج النيران و زيادة كراهية الشعوب لهم.
و أكد قائلاً: تأجيج النيران هذا سيكون بمثابة شرارة في مخزن بارود و لن تكون أبعاده و تبعاته معلومة.
و تحدث في هذا اللقاء أيضاً رئيس الجمهورية حجة الإسلام و المسلمين الشيخ روحاني فحيّى أسبوع الحكومة و ذكرى الشهيدين رجائي و باهنر، و استعرض التوجهات الداخلية و الخارجية للحكومة الحادية عشرة و الظروف الراهنة للبلاد و المنطقة و الساحة الدولية.
في ذكری ولادة الإمام جعفر الصادق (ع)

اسمه: جعفر.
لقبه: الصادق، الفاضل، الطاهر، الكافل، الصابر.
كنيته: أبو عبد الله، أبو إسماعيل، أبو موسى.
ولادته: ولد سنة83هـ في17 ربيع الأول في المدينة.
والده: الإمام الخامس من أئمة الهدى محمد الباقر (عليه السلام).
والدته: فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وتكنى (أم فروة).
جده: الإمام الرابع من أئمة المسلمين السجاد (عليه السلام).
ملوك عصره: منهم إبراهيم بن الوليد، ومروان الحمار آخر ملوك بني أمية، وعاصر الدولة العباسية منهم السفاح والمنصور الدوانيقي.
عمره: 65 سنة.
إمامته: استلم مهام الإمامة العظمى وله من العمر34 سنة. سنة117هـ.
إقامته: أقام مع جده12 سنة، وأقام مع أبيه19 سنة، وعاش بعدهما34 سنة أيام وسنين إمامته.
صفته: كان (عليه السلام) أزهر الوجه أشم الانف. أي فيه ارتفاع قليل من الاعلى. أنزع رقيق البشرة على خده خال أسود، أسود الشعر في صدره شعر إلى بطنه لا بالقصير ولا بالطويل.
فضائله: وهي كثيرة منها بالسند المتصل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق، فإنه سيكون في ولده سمي له، يدعي الإمامة بغير حقها ويسمى كذابا.
مكانته: لقد كان (عليه السلام) من الفضل بمكان يقر له العدو والصديق، التف حوله كافة العلماء والفقهاء والقراء كلهم كانوا يجلسون تحت منبر درسه وينهلون من رحيق أنفاسه علما وأدبا وحكمة، فكان أعلم الأمة في زمانه بلا منافس.
انطباعات عن شخصية الإمام الصادق (ع)
أشاد الإمام الباقر (ع) أمام أعلام شيعته بفضل ولده الصادق (ع) قائلا: هذا خير البريّة(1).
وأفصح عمّه الشهيد زيد ابن الإمام عليّ زين العابدين((رضي الله عنه)) عن عظيم شأنه فقال: «في كلِّ زمان رجلٌ منّا أهل البيت يحتج الله به على خلقه وحجة زماننا ابن أخي جعفر لا يضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه»(2).
وقال مالك بن أنس: «ما رأت عينٌ ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادةً وورعاً»(3).
وقال المنصور الدوانيقي مؤبّناً الإمام الصادق (ع): «إنّ جعفر بن محمّد كان ممّن قال الله فيه: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(4) وكان ممن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات»(5).
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ( ت 327 هـ ) : سمعت أبي يقول: جعفر بن محمّد ثقة لا يُسألُ عن مثله.
وقال: سمعت أبا زرعة وسئل عن جعفر بن محمّد عن أبيه وسهيل بن أبي صالح عن أبيه والعلاء عن أبيه أيّما أصحُّ؟ قال: لا يُقرنُ جعفر بن محمّد إلى هؤلاء(6).
وقال ابو حاتم محمّد بن حيّان ( ت 354 هـ ) عنه: كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلا(7).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي ( 325 ـ 412 هـ ) عنه: فاق جميع أقرانه من أهل البيت (ع) وهو ذو علم غزير وزهد بالغ في الدنيا وورع تام عن الشهوات وأدب كامل في الحكمة(8).
وعن صاحب حلية الأولياء ( ت 430 هـ ) : ومنهم الإمام الناطق ذو الزمام السابق أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق، أقبل على العبادة والخضوع وآثر العزلة والخشوع ونهى عن الرئاسة والجموع(9).
وأضاف الشهرستاني ( 479 ـ 548 هـ ) على ما قاله السلمي عنه: وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ثمَّ دخل العراق وأقام بها مدَّة، ما تعرّض للإمامة قط ، ولا نازع في الخلافة أحداً(10)، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطٍّ(11).
وذكر الخوارزمي ( ت 568 هـ ) في مناقب أبي حنيفة أ نَّه قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمَّد. وقال: لولا السنتان لهلك النعمان. مشيراً إلى السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق(12).
وقال محمّد بن طلحة الشافعي ( ت 652 هـ ) عنه: هو من عظماء أهل البيت ((عليهم السلام)) وساداتهم ذو علوم جمّة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجايبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر الآخرة، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا، والإقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنه من ذريّة الرسالة، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم .. وعدّوا أخذهم عنه منقبةً شُرِّفوا بها وفضيلةً اكتسبوها.
وأما مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدّ الحاصر ويُحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر حتَّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها، تضاف إليه وتروى عنه.
وقد قيل أنّ كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه (ع) وأنّ في هذه لمنقبةً سنيّةً، ودرجةً في مقام الفضائل عليّةً، وهي نبذةٌ يسيرةٌ مما نُقِلَ عنه(13).
وفي تهذيب الأسماء ( 631 ـ 676 هـ ) عن عمرو بن أبي المقدام قال: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أ نَّه من سلالة النبيين(14).
وقال ابن خلكان ( 608 ـ 681 هـ ) : جعفر الصادق ... أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية وكان من سادات أهل البيت، ولُقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر وله كلامٌ في صنعة الكيميا، والزجر والفال ... ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمّد الباقر وجدّه عليّ زين العابدين وعمّ جدّه الحسن بن عليّ(رضي الله عنهم أجمعين) فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه(15).
وقال البخاري في فصل الخطاب ( 756 ـ 822 هـ ) : اتّفَقوا على جلالة الصادق (ع) وسيادته(16) .
وقال ابن الصبّاغ المالكي (784 ـ 855 هـ ) : نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم يُنقل من العلماء عن أحد من أهل بيته ما نُقل عنه من الحديث.
وروى عنه جماعةٌ من أعيان الاُمة.. وصّى إليه أبو جعفر(ع) بالإمامة وغيرها وصيّةً ظاهرةً، ونصّ عليها نصّاً جليّاً (17).
من مظاهر شخصية الإمام الصادق (ع)
سعة علمه :
لقد شقَّق الإمام الصادق (ع) العلوم بفكره الثاقب وبصره الدقيق، حتَّى ملأ الدنيا بعلومه، وهو القائل: «سلوني قبل أن تفقدوني فإنه لا يحدثكم أحدٌ بعدي بمثل حديثي»(18). ولم يقلْ أحدٌ هذه الكلمة سوى جده الإمام أمير المؤمنين (ع).
وأدلى (ع) بحديث أعرب فيه عن سعة علومه فقال: «والله إني لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفي، فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان، وخبر ما هو كائن، قال الله عزَّ وجلَّ: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـبَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء)(19).
وقد كان من مظاهر سعة علمه أنه قد ارتوى من بحر علومه أربعة آلاف طالب وقد أشاعوا العلم والثقافة في جميع الحواضر الإسلامية ونشروا معالم الدين وأحكام الشريعة(20).
كرمه وجوده :
لقد كان الإمام الصادق (ع)، من أندى الناس كفاً، وكان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء والمحرومين، وقد نقل الرواة بوادر كثيرةً من كرمه، كان من بينها ما يلي:
1 ـ دخل عليه أشجع السلمي فوجده عليلا، وبادر أشجع فسأل عن سبب علته، فقال (ع): تعدّ عن العلة، واذكر ما جئت له فقال:
أَلبسك الله منه عافيةً *** في نومِكَ المعتري وفي أرقكْ
يُخرْج من جسمِكَ السقامَ *** كما أخرج ذلَّ السؤالِ من عنقك
وعرف الإمام حاجته فقال لغلامه: أي شيء معك؟ فقال: أربعمائة. فأمره بإعطائها له(21).
2 ـ ودخل عليه المفضل بن رمانة وكان من ثقاة أصحابه ورواته فشكا إليه ضعف حاله، وسأله الدعاء، فقال (ع) لجاريته: «هاتِ الكيس الذي وصلنا به أبو جعفر، فجاءته به، فقال له: هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به، فقال المفضل: لا والله جُعلت فداك ما أردت هذا، ولكن أردت الدعاء، فقال(ع): لا أَدَعُ الدعاء لك»(22).
3 ـ سأله فقيرٌ فأعطاه أربعمائة درهم، فأخذها الفقير، وذهب شاكراً، فقال (ع) لخادمه: ارجعه، فقال الخادم: سئلت فأعطيت، فماذا بعد العطاء؟ قال (ع): قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله)): «خير الصدقة ما أبقت غنى»، وإنّا لم نغنه، فخذ هذا الخاتم فاعطه فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم، فإذا احتاج فليبعه بهذه القيمة»(23).
4 ـ ومن بوادر جوده وسخائه وحبه للبرّ والمعروف أنه كانت له ضيعةٌ قرب المدينة تسمى (عين زياد)، فيها نخلٌ كثيرٌ، فإذا نضج التمر أمر الوكلاء أن يثلموا في حيطانها الثلم، ليدخل الناس ويأكلوا من التمر(24).
وكان يأمر لجيران الضيعة الذين لا يقدرون على المجي كالشيخ والعجوز والمريض لكل واحد منهم بمدٍّ من التمر، وما بقي منهم يأمر بحمله إلى المدينة فيفرّق أكثره على الضعفاء والمستحقين، وكانت قيمة التمر الذي تنتجه الضيعة أربعة آلاف دينار، فكان ينفق ثلاثة آلاف منها، ويبقى له ألف(25).
5 ـ ومن بوادر كرمه أنه كان يطعم ويكسو حتَّى لم يبق لعياله شيء من كسوة أو طعام(26).
ومن كرمه أنه مرّ به رجلٌ، وكان (ع) يتغدّى، فلم يسلّم الرجل فدعاه الإمام إلى تناول الطعام، فأنكر عليه بعض الحاضرين، وقال له: السنة أن يسلمَ ثم يُدعى، وقد ترك السلام على عمد ... فقابله الإمام (ع) ببسمات مليئة بالبِشر وقال له: «هذا فقه عراقي، فيه بخل...»(27).
صدقاته في السرّ :
أما الصدقات في السرِّ فإنها من أفضل الأعمال وأحبها لله لأنها من الأعمال الخالصة التي لا يشوبها أيُّ غرض من أغراض الدنيا، وقد ندب إليها أئمة أهل البيت ((عليهم السلام))، كما أنها كانت منهجاً لهم، فكل واحد منهم كان يعول جماعةً من الفقراء وهم لا يعرفونه. وكان الإمام الصادق يقوم في غَلَسِ الليل البهيم فيأخذ جراباً فيه الخبز واللّحم والدراهم فيحمله على عاتقه ويذهب به إلى أهل الحاجة من فقراء المدينة فيقسمه فيهم، وهم لا يعرفونه، وما عرفوه حتَّى مضى إلى الله تعالى فافتقدوا تلك الصلات فعلموا أنها منه (28).
ومن صلاته السرية ما رواه إسماعيل بن جابر قائلاً: أعطاني أبو عبد الله (ع) خمسين ديناراً في صرة، وقال لي: «ادفعها إلى شخص من بني هاشم، ولا تعلمه أني أعطيتك شيئاً»، فأتيته ودفعتها إليه فقال لي: من أين هذه؟
فأخبرته أنها من شخص لا يقبل أن تعرفه، فقال العلوي: ما يزال هذا الرجل كل حين يبعث بمثل هذا المال، فنعيش بها إلى قابل، ولكن لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله(29).
تكريمه للضيوف :
ومن بوادر كرمه وسخائه حبه للضيوف وتكريمه لهم، وقد كان يشرف على خدمة ضيوفه بنفسه، كما كان يأتيهم بأشهى الطعام وألذّه وأوفره، ويكرر عليهم القول وقت الأكل: «أشدكم حبّاً لنا أكثركم أكلا
عندنا...»(30).
وكان يأمر في كل يوم بوضع عشر ثبنات(31) من الطعام يتغدى على كل ثبنة عشرةٌ(32).
تواضعه :
ومن مظاهر شخصيته العظيمة نكرانه للذات وحبه للتواضع وهو سيّد المسلمين، وإمام الملايين، وكان من تواضعه أنه كان يجلس على الحصير(33)، ويرفض الجلوس على الفرش الفاخرة، وكان ينكر ويشجب المتكبرين حتّى قال ذات مرة لرجل من إحدى القبائل: «من سيّد هذه القبيلة؟ فبادر الرجل قائلا: أنا، فأنكر الإمام (ع) ذلك، وقال له: لو كنت سيّدهم ما قلت: أنا..»(34).
ومن مصاديق تواضعه ونكرانه للذات: أنّ رجلا من السواد كان يلازمه، فافتقده فسأل عنه، فبادر رجلٌ فقال مستهيناً بمن سأل عنه: إنه نبطيٌّ... فردّ عليه الإمام قائلا: «أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدمَ مستوون...» . فاستحيى القائل(35).
سموُّ أخلاقه :
كان الإمام الصادق (ع) على جانب كبير من سموِّ الأخلاق، فقد ملك القلوب، وجذب العواطف بهذه الظاهرة الكريمة التي كانت إمتداداً لأخلاق جدّه رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) الذي سما على سائر النبيين بمعالي أخلاقه.
وكان من مكارم أخلاق الإمام وسموِّ ذاته أنه كان يحسن إلى كل من أساء إليه، وقد روي أنّ رجلا من الحجاج توهم أنّ هميانه(36) قد ضاع منه، فخرج يفتش عنه فرأى الإمام الصادق (ع) يصلي في الجامع النبوي فتعلق به، ولم يعرفه، وقال له: أنت أخذت همياني..؟.
فقال له الإمام بعطف ورفق: ما كان فيه؟..
قال: ألف دينار، فأعطاه الإمام ألف دينار، ومضى الرجل إلى مكانه فوجد هميانه فعاد إلى الإمام معتذراً منه، ومعه المال فأبى الإمام قبوله وقال له: شيء خرج من يدي فلا يعود، إلي، فبهر الرجل وسأل عنه، فقيل له: هذا جعفر الصادق، وراح الرجل يقول بإعجاب: لا جَرَمَ هذا فعال أمثاله(37).
إنّ شرف الإمام (ع) الذي لا حدود له هو الذي دفعه إلى تصديق الرجل ودفع المال له.
وقال (ع): «إنا أهل بيت مروءتنا العفوُّ عمن ظلمنا»(38).
وكان يفيض بأخلاقه الندية على حضّار مجلسه حتَّى قال رجلٌ من العامة: والله ما رأيت مجلساً أنبل من مجالسته(39).
صبره :
ومن الصفات البارزة في الإمام (ع) الصبر وعدم الجزع على ما كان يلاقيه من عظيم المحن والخطوب، ومن مظاهر صبره أنه لما توفي ولده إسماعيل الذي كان ملأ العين في أدبه وعلمه وفضله ـ دعا (ع) جمعاً من أصحابه فقدّم لهم مائدةً جعل فيها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان، ولما فرغوا من تناول الطعام سأله بعض أصحابه، فقال له: يا سيدي لا أرى عليك أثراً من آثار الحزن على ولدك؟ فأجابه (ع): «وما لي لا أكون كما تَرون، وقد جاء في خبر أصدق الصادقين ـ يعني جده رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ـ إلى أصحابه إني ميتٌ وإياكم»(40).
إقباله على العبادة :
أما الإقبال على عبادة الله تعالى وطاعته فإنه من أبرز صفات الإمام، فقد كان من أعبد الناس لله في عصره، وقد أخلص في طاعته لله كأعظم ما يكون الإخلاص، وإليك صورةٌ موجزةٌ عن عباداته:
أ ـ صلاته : إنّ الصلاة من أفضل العبادات وأهمها في الإسلام، وقد أشاد بها الإمام الصادق (ع) في كثير من أحاديثه:
قائلاً (ع): «ما تقرب العبد إلى الله بعد المعرفة أفضل من الصلاة»(41).
وقال (ع): «إن أفضل الأعمال عند الله يوم القيامة الصلاة، وما أحسن من عبد توضأ فأحسن الوضوء»(42).
وقال (ع): «الصلاة قربان كلّ تقي»(43).
وقال (ع): «أحبّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ الصلاة، وهي آخر وصايا الأنبياء، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يتنحى حيث لا يراه أنسيٌّ فيشرف الله عليه وهو راكعٌ أو ساجدٌ إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس: يا ويله أطاعوا وعصيتُ، وسجدوا وأبيتُ»(44).
وقال أبو بصير: دخلت على اُمِّ حميدة ـ زوجة الإمام الصادق (ع) ـ اُعزّيها بأبي عبد الله (ع) فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمّد لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجباً فتح عينيه ثم قال: «اجمعوا كلَّ من بيني وبينه قرابة. قالت فما تركنا أحداً إلاَّ جمعناه، فنظر إليهم ثمَّ قال: إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة»(45).
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام (ع) لم يَدَعْ نافلةً من نوافل الصلاة إلاّ أتى بها بخشوع وإقبال نحو الله.
وكان (ع) إذا أراد التوجه إلى الصلاة اصْفَرَّ لونه، وارتعدت فرائصه خوفاً من الله تعالى ورهبةً وخشيةً منه. وقد أُثِرَتْ عنه مجموعة من الأدعية في حال وضوئه، وتوجهه إلى الصلاة وفي قنوته، وبعد الفراغ من صلاته(46).
ب ـ صومه : إنّ الصوم من العبادات المهمة في الإسلام، وذلك لما يترتب عليه من الفوائد الاجتماعية والصحية والأخلاقية، «وهو جُنّةٌ من النار» ـ كما قال الإمام الصادق (ع) ـ(47).
وقد حثَّ الإمام الصادق (ع) الصائم على التحلي بالأخلاق والآداب التالية، قال (ع): «وإذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك من القبيح والحرام، ودعِ المراءَ، وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، ولا تجعل يوم صومك مثل يوم فطرك سواء..»(48).
وكان (ع) صائماً في أغلب أيامه تقرباً إلى الله تعالى. أما شهر رمضان المبارك فكان يستقبله بشوق بالغ، وقد أُثرت عنه بعض الأدعية المهمة عند رؤيته لهلاله، كما أُثرت عنه بعض الأدعية في سائر أيامه وفي ليالي القدر المباركة وفي يوم عيد الأضحى الأغرّ (49).
ج ـ حجّه : أما الحجّ فهو بالإضافة إلى قدسيته فإنه من أهم المؤتمرات العبادية السياسية التي تعقد في العالم الإسلامي، حيث تُعرضُ فيه أهم المشاكل التي تواجه المسلمين سواء أكانت من الناحية الاقتصادية، أم الاجتماعية، أو المشاكل السياسية الداخلية والخارجية، مضافاً إلى أنه من أهم الروابط التي يعرف بها المسلمون بعضهم بعضاً.
وقد حجّ الإمام الصادق (ع) مرات متعددةً والتقى بكثير من الحجاج المسلمين، وقد كان المعلم والمرشد لهم على مسائل الحجّ، فقد جهد هو وأبوه الإمام محمّد الباقر ((عليهما السلام)) على بيان أحكام الحجّ بشكل تفصيليٍّ، وعنهما أخذ الرواة والفقهاء أحكام هذه الفريضة، ولولاهما لما عُرِفت مسائل الحج وأحكامه.
وكان الإمام الصادق (ع) يؤدي بخضوع وخشوع مراسيم الحجّ من الطواف، والوقوف في عرفات ومنى، وقد رَوى بكر بن محمّد الأزدي فقال: خرجت أطوف، وإلى جنبي الإمام أبو عبد الله الصادق (ع) حتَّى فرغ من طوافه ثم مال فصلى ركعتين بين ركن البيت والحجر، وسمعته يقول في أثناء سجوده: «سجد وجهي لك تعبداً ورقّـاً، لا إله إلاّ أنت حقاً حقاً، الأوّل قبل كلّ شيء، والآخر بعد كلّ شيء، وها أنا ذا بين يديك، ناصيتي بيدك فاغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم غيرك، فاغفر لي، فإني مقرٌّ بذنوبي على نفسي، ولا يدفع الذنب العظيم غيرك».
ثم رفع رأسه الشريف، ووجهه كأنما غُمّس في الماء من كثرة البكاء(50).
ورَوى حمّاد بن عثمان فقال: رأيت أبا عبد الله جعفر بن محمّد بالموقف رافعاً يده إلى السماء... وكان في موقف النبيّ ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وظاهر كفّيه إلى السماء(51).
وكان (ع) إذا خرج من الكعبة المقدسة يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم لا تجهد بلاءنا، ولا تشمت بنا أعداءنا، فإنك أنت الضار النافع»(52).
وروى حفص بن عمر ـ مؤذن عليّ بن يقطين ـ فقال: كنا نروي أنه يقف للناس في الحجّ سنة ( 140 هـ ) خير الناس، فحججت في تلك السنة، فإذا إسماعيل بن عبد الله بن العباس واقف فداخلنا من ذلك غمٌّ شديدٌ، فلم نلبث، وإذا بالإمام أبي عبد الله (ع) واقفٌ على بغلة له، فرجعت أبشّر أصحابي، وقلت: هذا خير الناس الذي كنا نرويه(53).
وكان من أعظم الخاشعين والداعين في مواقف الحجّ، فقد رُوي أنّ سفيان الثوري قال: والله رأيت جعفر بن محمّد (ع) ولم أرَ حاجّاً وقف بالمشاعر، واجتهد في التضرُّع والإبتهال منه، فلمّا وصل عرفات أخذ من الناس جانباً، واجتهد في الدعاء في الموقف(54).
الهوامش
(1) الكافي : 1 / 307 .
(2) المصدر السابق : 306 .
(3) تهذيب التهذيب : 2 / 104 .
(4) فاطر (35): 32.
(5) تاريخ اليعقوبي : 3 / 17 .
(6) الجرح والتعديل : 2 / 487.
(7) الثقات : 6 / 131 .
(8) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1/58.
(9) حلية الأولياء: 1/72.
ومن الجدير ذكره أنّ الإمام(ع) نهى عن الرئاسة والجموع وآثر العزلة والخشوع، كون الإمام لابدّ أن يتعرض للملاحقة العبّاسية وأنّ الوضع السياسي آنذاك يتطلب من الإمام(ع) بناء القاعدة الأساسية الأُولى ووضع حجر الزاوية في ذلك البناء ليرسّخ مبادئ الفكر الإسلامي السليم ويثبّت قواعد الفقه وستر العلوم خشية أن تتعرض هي الأُخرى الى الانحراف والتشويه، وإلاّ فهو يؤمن بأنّ الرئاسة حقٌّ إلهيٌّ له منصوصٌ عليها من قبل الله تبارك وتعالى باعتباره إمام معصوم مفترض الطاعة ورئيس للدولة الإسلامية المعصومة .
(10) إذا كان يقصد بذلك التعرض الظاهر للإمامة كما يُفهم من قوله «ولا نازع في الخلافة» فهذا صحيح وإلاّ فلا .
(11) الملل والنحل : 1 / 147 منشورات الشريف الرضي .
(12) مناقب أبي حنيفة : 1 / 172 ، والتحفة الاثني عشرية : 8 .
(13) مطالب السؤول: 2/56.
(14) تهذيب الاسماء: 1 / 149 .
(15) وفيات الأعيان : 1 / 327.
(16) ينابيع المودّة : 380 ط اسلامبول.
(17) الفصول المهمّة : 222.
(18) تأريخ الإسلام للذهبي: 6/45، تذكرة الحفاظ: 1/157، تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 5/79.
(19) أُصول الكافي : 1 / 229، والآية في سورة النحل(16) الآية 89 .
(20) الإرشاد: 2/179، عنه في إعلام الورى: 325، ومناقب آل أبي طالب: 4/247. المعتبر للمحقّق الحلّي : 5، حياة الإمام الصادق (ع)، باقر شريف القرشي: 1/62.
(21) أمالي الطوسي: 1/287، مناقب آل أبي طالب: 4/345.
(22) اختيار معرفة الرجال (للكشي) للطوسي: 2/422 رقم 322، ترجمة مفضل بن قيس بن رمانة .
(23) الإمام جعفر الصادق، أحمد مغنية: 47.
(24) الإمام جعفر الصادق: 47، انظر الكافي: 3/569 .
(25) المصدران السابقان .
(26) تاريخ الإسلام: 6/45، مرآة الزمان: 6/160، تهذيب الكمال: 5/87.
(27) حياة الإمام الصادق (ع): 1/64 عن نثر الدرر، بحار الأنوار: 75/205 .
(28) الإمام جعفر الصادق: 47، وانظر الكافي: 4/8 .
(29) مجموعة ورام: 2/82، الأمالي: 677 .
(30) الكافي، الكليني : 6/278 .
(31) الثبنات: مفردها ثبنة وهي الوعاء الذي يوضع فيها الطعام.
(32) الإمام جعفر الصادق: 46، انظر الكافي: 3/569 كما في الرواية السابقة.
(33) النجوم الزاهرة: 5/176.
(34) إحقاق الحقّ، المرعشي النجفي: 1/133.
(35) حياة الإمام الصادق (ع): 1/66 ، مطالب السؤول في مناقب الرسول، لمحمّد طلحة الشافعي: 440.
(36) الهميان: وهوكيس يجعل فيه ويشدّ على الوسط، وجمعه همايين، وهو معرّب عن الفارسية، كما نقله الطريحي عن الأزهري في مجمع البحرين: 6/330 .
(37) الإمام جعفر الصادق: 48، مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب: 3/394 .
(38) الخصال: 11.
(39) اُصول الكافي: 2/657.
(40) الإمام جعفر الصادق: 49، عيون أخبار الرضا(ع)، للصدوق: 1/5 .
(41) مجموعة ورام : 2 / 86. في المصادر الأصلية: «ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة» الكافي: 3/264 .
(42) وسائل الشيعة: 6/432 و8/129 .
(43) المصدر السابق: 4/43 ـ 44 و7/262 .
(44) وسائل الشيعة: 3/26.
(45) وسائل الشيعة : 3 / 17، الأمالي للصدوق: 572 .
(46) راجع الصحيفة الصادقية. وهي مجموعة الأدعية المأثورة عن الإمام الصادق(ع) .
(47) وسائل الشيعة : 3 / 290.
(48) وسائل الشيعة: 1/165 .
(49) راجع الصحيفة الصادقية، باقر شريف القرشي: 5/119 ـ 147، تهذيب الأحكام، للطوسي: 3/94 .
(50) قرب الإسناد، للحميري عبدالله بن جعفر: 28.
(51) المصدر السابق : 31.
(52) المصدر السابق : 3.
(53) قرب الإسناد: 98.
(54) حياة الإمام الصادق (ع): 1/71 نقلاً عن ضياء العالمين، كشف اليقين، العلاّمة الحلّي: 330 .
حَقّ الشّرِيكِ
33. وَ أَمّا حَقّ الشّرِيكِ فَإِنْ غَابَ كَفَيْتَهُ وَ إِنْ حَضَرَ سَاوَيْتَهُ وَ لَا تَعْزِمْ عَلَى حُكْمِكَ دُونَ حُكْمِهِ وَ لَا تَعْمَلْ بِرَأْيِكَ دُونَ مُنَاظَرَتِهِ وَ تَحْفَظُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَ تَنْفِي عَنْهُ خِيَانَتَهُ فِيمَا عَزّ أَوْ هَانَ فَإِنّهُ بَلَغَنَا أَنّ يَدَ اللّهِ عَلَى الشّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا وَ لا قُوّةَ إِلّا بِاللّهِ
اثر الوهابية في انحطاط الحضارة الاسلامية

الاسلام منذ اللحظات الأولى دعى إلى ارساء أسس المدينة و الثقافة في المجتمع الإسلامي، بل كان يدعو إلى كل أمر يحقق الحضارة العالمية لجميع ابناء البشر، إذ إنه يرى من وظائفه الأولية العمل على انتشال الواقع الإنسان من واقع جاهلي تسوده الأمية و تنتشر فيه مظاهر التخلف إلى واقع حضاري تسوده الثقافة و التنوير بالمعارف الدينية التي لا معرفة فوقها، لأن الهدف هو إيصال الإنسان إلى كماله المطلوب ، و تحقيق السعادة له في الدارين قال تعالى : ( يآيها الذين ءامنوا استجيبوا لله و لرسول إذا دعاكم لما يحييكم )(1) فهي دعوة إلى إحياء النفوس بالعلم و المعرة و قال تعالى: ( أقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ) (2) وقال تعالى ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ) (3)
وعلى هذا الأساس استطاع النبي الأكرم محمد (ص) أن يكون للمسلمين حضارة لا نظير لها، تقوم على اسس متينة و قواعد رصينة، كالعلم و التقوى و المحبة والنصرة و التعاون على البر و الخير، مع تأكيده على إحياء القيم و المبادئ الإنسانية والأخلاقية في المجتمع الإنسان، فالحضارة في الرؤية الإسلامية هي فكر و نتاج خاص، لا كما أريد لها ان تكون فكر بلا نتاج، كالحضارة القائمة على أسس فلسفية محضة، او نتاج بلاد فكر، كالحضارة القائمة على أسس مادية فقط.
• العوامل الحضارية و موقف الوهابية منها
هناك عدة عوامل إذا تحقق في الأمة تكشف عن تمتعها بمقومات الحضارة العالمية، نشير إليها هنا باختصار، ثم بعد ذلك نوضح كيف أن الوهابية قد عملت على منع تحقق مثل هذه العوامل في الأمة الإسلامية، حتى صارت سبباً في تحطيم الحضارة الإسلامية " فلم يكونوا ( أي: الوهابية و أهل الحديث ) (4) للعلم اولياء ولا للمدينة أحباء" (5)
وهذه العوامل ، هي:
أولاً : اولوية العلماء و الحكماء و تقدمهم على غيرهم ،
ثانياً: الدعوة إلى الحكومة العادلة،
ثالثاً: الحفاظ على الاستقرار السياسي و الأمني ،
رابعاً: مواكبة حالة التقدم والتطور في مختلف الميادين الحياتية،
خامساً: الثقة بالنفس، والعمل على كشف القدرات و الاستعدادات الكامنة في المجتمع
سادساً: العامل الاقتصادي و أثره في التقدم التكنولوجي و العلمي
سابعاً: العامل الثقافي و المعرفي و أثره في عرض وبيان مفاهيم الدينية الصحيحة.
فهذه و غيرها من العوامل إذا ما تحقق وجودها في أي أمة من الأمم الإنسانية فإنها تعمل على تقدم الأمة في ركبها الحضاري، ولكن المصيبة كل المصيبة ما لو أن أبناء هذه الأمة او زعماءها ممن بيدهم القرار أو ممن له التأثير في الأمة ان يقوم بنفسه مانعاً و حائلاً دون تحقق هذه العوامل الحضارية، كما في محاربة الوهابية لكل ما من شأنه ان يحقق المدينة و التقدمية للأمة الإسلامية ، وذلك بسبب ما يتمتع به هذا النهج الوهابي في التعاطي مع الواقع الخارجي على اساس الجهل المركب ، الجامع لمعاني التخلف و الجاهلية الجهلاء، لأنه نهج لا يعير للحياة أي اهتمام بقدر ما يسعى للوقوف بوجه الإنسان بما هو إنسان يريد لنفسه الحياة و البقاء و التقدم في ميادين الحياة العلمية المختلفة ، وقد كان من بين تلك المظاهر الحضارية التي قام بمواجهتها والوقوف بوجهها، مايلي :
*اولاً ، الحد من ظاهرة التعلم في الأوساط الإسلامية
قد يستغرب البعض عند قراءة هذا العنوان، إذ بعد هذا التقدم الهائل، و حاجة الإنسان لمواكبة المظاهر العصرية، كيف نجد أناساً يدعون إلى إفشاء حالة الأمية و انتشار الجهل في الأوساط الإسلامية ؟
نعم، وقد يعتذر لهؤلاء جماعة الخاصة من المسلمين ، بأنهم لا يريدون أن يقفوا بوجه العلم و التعلم بشكل مطلق ، بقدر ما يريدون أن يبينوا بموقفهم هذا ، ان هناك غزواً ثقافياً للمجتمع الإسلامي، يعمل تحت غطاء تعلم العلوم الحديثة، لأبعاد المسلمين عن تعلم معارفهم الإسلامية بالأنشغال بتعلم هذه العلوم الدنيوية و اللادينية، وبذلك تنحرف الأمة الإسلامية عن خط التوحيد و تميل إلى الشرك البغيض .
كما أن تعلم المرأة لهذه العلوم في المدارس و الجامعات الأكاديمية يدعو إلى خروجها من البيت و اختلاطها بالأجانب، ونحوها من اللوازم المخالفة للتعاليم الإسلامية ، فتحريمنا و منعنا للمرأة من تعلم هذه العلوم والحضور في هذه المدارس و الجامعات من باب الحفاظ على كرامتها و شخصيتها و صيانتها من جميع ما يلحق بها اثر خروجها من البيت إلى تلك المحافل و المدارس العلمية .
وقد يكون هذا التوجيه- كما جاء في ذيل فتاواهم و آرائهم إزاء هذه المسألة- مقبولاً في الوهلة الأولى، ولكن بلحاظ ما يرتبط عليه من نتائج و خيمة على الأمة الإسلامية في المستقبل ، قد يكون مرفوضاً من منطلق العقل و الدين، فالإسلام كما حرم على المرأة الاختلاط بالأجانب، وضع حلولاً مناسبة لا تمنع من تعلم المرأة لمختلف العلوم الإنسانية و الدينية، وبالخصوص المعارف الضورية التي يحتاج إليها المجتمع النسوي، كالطبابة، وسائر المهن الأخرى التي تحتاج إليها المرأة في مواكبة التقدم العلمي و التكنولوجي.
وقد أكد النبي (ص) على وجوب طلب العلم ، قال :" طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة " (6) لأن العلم وهو نقطة الإنطلاق في تحقق مظاهرر الحضارة و المدنية و معالمهما، وبدونه لا يمكن تحقق هذه المظاهر الحضارية في الواقع الخارجي، ولم يكن الإسلام في يوم من الأيام محارباً للعلم ابداً، بل شجع على ظاهرة الإبداع عند المسلمين، ولكن للأسف الشديد، نجد أن من بين زعماء الوهابية ، من يقف موقفاً سلبياً امام ظاهرة التعلم لمختلف المعارف و العلوم الإنسانية، و إليك أقوال بعضهم :
1- صالح اللحيدان ، رئيس المجلس الأعل للقضاء الذي قام بالربط بين ضعف الالتزام و انتشار المدارس! حيث يقول:ففي بلادنا تضعف روح الإسلام و يخف سلطانه على النفوس عند المتعلمين و يتسع هذا الضعف يخف ذلك السلطان بقدر ما يتسع التعليم و تنتشر المدارس . (7)
2- عبدالله بن حميد الذي كتب الى وزير المعارف عن رأيه حول أسباب الجهل بالدين و انه يعود إلى تعلم " هذه الفنون المعوقة كالرسوم والأشغال والرياضة البدنية والألعاب الأخرى "(8)
3- فتوى عبدالله سليمان بن حميد : كثيراً ما نسمع كلمات حول تعليم البنات، وفتح مدارس لهن، و كنا بين مصدق و مكذب حتى تحقق ذلك رسمياً ، فاستغربنا هذا، وأسفنا له غاية الأسف... وإني أنصح لكل مسلم: أن لا يدخل ابنته أو أخته في هذه المدارس التي ظاهرها الرحمة وباطنها البلاء و الفتنة، ونهايتها السفور والفجور الأخلاق و الفضيلة .
إلى أن قال:
فجانا خبر فادع ومصيبة عظيمة ، وطامة كبرى ، ألا وهي : فتح مدارس لتعليم البنات .... أيها المسلمون : يا أهل الغيرة والأنفة ، اسمعوا لهذا التصريح الشنيع الذي يقصد منه... مجاراة الأمم المنحلة في تعليم بناتكم لحساب والهندسة و الجغرافيا، ما للنساء وهذه العلوم، تضاف إلى ما يزيد عن أحد عشر درساً غالباً لا فائدة فيها، إنها لمصيبة و خطر على مجتمعنا .إن تعليم المرأة... خطرعظيم على المجتمع، ومصيبة لا تخبر، و عاقبته سيئة، إن تعليم المرأة سبب لتمردها، وهن ناقصات عقل و دين.(9)
4- الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله بن فريان، في تعلم بعض الحرف و الفنون المعاصرة، من قبيل تعلم فن التصوير، حيث يراه داءً عظيماً، ظهر و انتشر وحدث بسببه الشرك الأكبر في البشرية ، واعتبره " الداء القتّال " الذي لا يقتل الجسد بل " يقتل الدين " (10)
فقال وهو متألماً من ذلك محذّراً للأمة من التعاطي و الاهتمام بمثل هذه الامور: وأعظم من هذا و أطم إدخاله- أي التصوير – في التعليم، والنداء على المصورات بالبيع في المكاتب و الدور و الأسواق، بل بعض الناس يحمل معه آلة التصوير بجيبه ويصور كلما أراد. فقد سهلت يا عبادالله طرق الفساد فإنا لله وإنا إليه راجعون. (11)
• ثانياً ، موقفهم من مظاهر التقدم العلمي و التكنولوجي
لقد خالف الكثير من كبار الوهابين مظاهر التقدم العلمي و التكنولوجي الموجب للتقدم الحضاري في مختلف ميادين الحياة، مستغلون بذلك نقطة الفقر الثقافي عندالناس في الوصول إلى أهدافها المناهضة والمناقصة لمظاهر التقدم العلمي، وذلك من خلال نشر الدعايات و إطلاق الفتوى على أن مثل هذه الأمور مبتدعة، لأنها لم تكن موجودة في عصر النبي (ص) وأنّ الذي جاء بها هم الغرب بهدف أبعاد المسلمين و اشغالهم عن ممارسة طقوسهم و عباداتهم، وهم بذلك كما قال الشيخ آية الله لطف الله الصافي:
يسعون لأن يسدوا على المسلمين طريق التفكر و التعقل و يشجعون على الجمود الفكري، والوقوف وعدم الانطلاق إلى الأمام، حتى أن بعضهم ممن يعد عند طائفته من أكابر علماء المسلمين كفر في مقال نشرته جريدة البلاد كما نشرته جريدة الدعوة الإسلامية، كل من قال من المسلمين بأن الشمس ثابتة، والأرض جارية، فقال بكل جرأة وصراحة، إن كل من قال هذا القول، فقد قال كفراً وضلالاً ، فإنا لله و إنا اليه راجعون.(12)
وقال الورداني:
ولو كان القرآن والعقل قد أخذا دورهما في مسيرة الإسلام ما كانت قد وصلت الأمة إلى ما وصلت إليه من الخنوع و التشرذم و عبادة الرجال. ففي غيبة القرآن اخترعت الكثير من الروايات المضللة....(13)
وقال أيضاً:
إن تحكيم القرآن والعقل في دائرة الأطروحة الشيعية قد منحها القدرة على تجديد محتوياتها و مواكبة الواقع و المتغيرات. بينما بقيت الأطروحة السنية جامدة منغلقة لرفضها الخضوع لحكم القرآن و العق مما ولد قداسة غير مباشرة لجميع محتوياتها وفي مقدماتها كتب الأحاديث خاصة كتابا البخاري و مسلم اللذان حطيا بقداسة خاصة من دون الكتب الأخرى... (14)
حتى أنهم بعضهم يرى أن من يقول بتمجيد العقل و جعل مكانة له ، هو تمجيد إلى الوثنية و الصنمية، ولهذا رفضوا منطق العقل، تمسّكوا بالأسلوب الخشن، و التعصب الأعمى ، حتى أن بعضهم ذهب إلى تحريم وسائل العلم من قبيل : استخدام التلفزيون، النقال، الهاتف الأرضي ( الثابت ) ، الانترنت، الراديو و غيرها من الوسائل العلمية المتطورة، حتى وصفهم السيد الكثيري بقوله :
وبذلك تعمقت البداوة و ازدات قيمها السلبية رسوخاً في مجتمع يعاني سلفاً من التخلف الحضاري و تأخره عن ركب المدنية المعاصرة .(15)
• ثالثاً : تلفهم لكل مظاهر الحضارة والمدنية للأمة الإسلامية
إن المعالم الأثرية و التاريخية القديمة من جملة المظاهر الحضارية للأمة الإسلامية، و لكنها قد تعرضت إلى هجمة شعواء عملت على تحطيمها وخرابها و إندراسها على أيدي جهال الوهابية، بفتوى من يسمونهم بعلمائهم و فقهائهم، فقد هدموا معالم البقيع التي كانت تضم العديد من المعالم الأثرية للصحابة، وأهل بيت الوحي و النبوةص) فهذه فتوى ابن القيم، يأمر فيها جهالهم:" يجب هدم المشاهد التي ينيت على القبور ، ولا يجوز إبقاؤها- بعد القدرة على هدمها و إبطالها – يوماً واحد" (16)
اقول : وهل اكتف الوهابية بما قامت به سابقاً من أعمال تخريبية و تدميرية؟ كلا، فمازالت هي مستمرة في اتباع منهجها في تحطيم و طمس جميع المعالم و المظاهر الأثرية القيمة و ذلك بحجة أنها من بواعث الصنمية و الوثنية و الشرك بالله تعالى، وهي اليوم تمارس نفس الأعمال التخريبية في اغلب البلدان الإسلامية في المغرب الإسلامي، حيث قامت بدهم الكثير من أضرحة و مباني أثرية يعودبعضها إلى تاريخ الصحابة والأمة الإسلامية بنفس الحجة السابقة من أنها أحياء للوثنية و الصنمية و العبادات الشركية ، حتى أن جماعتها قامت بنبش القبور و استخراج الجثث و دفنها في أماكن مجهولة، وهو أسلوب لم يختلف عن أسلوبها السابق في التعامل مع هذه الآثار التاريخية، ففي صباح يوم الأثنين المصادف (12/8/202) قام بهدم مسجد السيد علي العريضي ( 766-825م) وقد واجهت تلك الحملة معارضة شديدة من قبل علماء المسلمين غير الوهابيين حيث قام البعض باتصالات مع كبار المسؤولين في الحكومة السعودية و المؤسسة الدينية بهدف إيقاف هدم هذا المعلم الأثري والديني الهام، إلا ان بعض المتشددين من رجال الدين قاموا في مساء ذات اليوم بهدم المسجد و تسويته بالأرض (17) وقد كان هذا المسجد و ملحقاته إلى ما قبل حوالي خمسين سنة مركزاً إسلامياً مهماً لتعليم الدروس الدينية، وكان يحتوي على مكتبة عامة كبرة تحوي عشرات الآلاف من الكتب والمصادر الرئيسية للدارسين و الباحثين في الدراسات الإسلامية و ذلك بحجة أن المسجد اصبح مقصوداً من قبل الكثير من المسلمين من أهالي المدينة المنورة و زائريها للصلاة فيه ، وهذا مخالف لما يعتقده الوهابي من ان ذلك تقديس غيرشرعي لمثل هذه الأماكن الدنيية وعلى الرغم من جهود الحكومة السعودية لتنشيط السياحة الدينية و الحفاظ على الآثار الإسلامية واستحداث لجنة عليا لذلك برئاسة الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، إلا ان النشاط الوهابي المتشدد يحول دون تطوير المعالم الدينية و تنشيط السياحة الدينية في البلاد، وقد سبق لهؤلاء أيضاً أن مارسوا ضغوطاً شديدة على الحكومة من أجل هدم قلعة أجياد في مكة المكرمة قبل بضعة أشهر و تحويلها إلى مراكز تجارية و سكنية حديثة بعد أن صو درت من متوليها، كما تم هدم العديد من المواقع الأثرية و الدينية في مناطق مختلفة من المملكة للغرض ذاته. قال صدقي الزهاوي :
ومن أعظم قبائح الوهابية اتباع ابن عبدالوهاب ... و نهبوا الأموال و النقود و الآثاث و طرحوا الكتب على البطاح وفي الأزقة والأسواق تعصف بها الرياح ، وكان فيها كثير من المصاحف ومن نسخ البخاري و مسلم و بقية كتب الحديث و الفقه و غير ذلك تبلغ الوفا مؤلفة فمكثت هذه الكتب أياماً وهو يطؤونها بأرجلهم ولا يستطيع أحد أن يرفع منها ورقة، ثم أخربوا البيوت وجعلوها قاعاً صفصفاً وكان ذلك سنة 1217 ق .(18)
وفيما عبر الدكتور محمد انور بن محمد علي البكري من كلية التربية بالمدينة المنورة عن دهشة الأهالي لهدم وإزالة مسجد و مدرسة و مقبرة الإمام ابو الحسن علي العريضي ، قائلاً:كان الاولى ... بالجهات المسؤولة عن المسجاد والاوقاف المحافظة عليه و صيانته، وتعيين إمام و مؤذن، و حراسة لإقامة الصلوات فيه بدلاً من هدمه و إزالته، وتحمل إثم ووزر هدم بيوت الله تعالى (19)
وفي رسالته إلى الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد جاء فيها :
إن هدم و نبيش قبور المسلمين بصفة عامة محرم في الإسلام ، فكيف ينبش قبر حفيد رسول الله(ص) وهو الإمام الورع الزاهد ، التقي، الجواد ، السخي ، قمر عترة رسول الله (ص) ومن معه ابنائه من أهل العلم و الفضل و الحسب والنسب المتصل بسيد الخلق(20)
وهكذا جاء بعد ذلك بأن الدكتور البكري قد شدد على أن مثل هذه الأعمال لا تخدم الصالح العام.
ثم إن من جملة المعالم الحضارية والأثرية القيمة التي تم تهديمها و خرابها على أيدي الوهابية (21) نذكر منها:
1- بيوتات بني هاشم ، التي من بينها البيت الذي ولد فيه الرسول (ص) و بيت النبي إبراهيم (ع) وبيت أبي طالب
2- قبور شهداء بدر وعريش تاريخي نصب للنبي محمد (ص) القائد الأعم وهو يشرف و يقود المعرك
3- دار الأرقم اول بيت تربت فيه طائع الرسالة المحمدية وكان يجتمع الرسول فيه سراً مع اصحاب
4- دار الخيزران : وهي الدار التي كان النبي (ص) يعبد الله فيها سراً مع الطائفة الكريمة المبادرة للإسلام من أصحابه
5- مولد الخليفة ابي بكر يقول بورخارت أنه ضمن مسجد يقع في مقابل الحجر الذي كان يحيي النبي (ص) عند مروره به
فهذه وغيرها من المعالم الأثرية والمظاهر الحضارية تهدم و تطمس و معالم آل سعود تحيا، فالأمر محزن و مخجل لمن يعقد مقارنة بين الاهتمام المفرط بآثار عبدالعزيز مصر فخر العائلة المالكة واعتزازها بمجدها الخاص و التفريط العابث بآثار المصطفى وآثار الإسلام الخالدة . فبينما يبالغ آل سعود في تكريم آبائهم و أجدادهم ببناء المتاحف وترميم القصور القديمة وبناء القرى التراثية لتخليد ماضيهم،فهناك تساهل يبلغ حد السفة في التعامل مع المعالم التاريخية و الآثار الإسلامية و النبوية في مكة والمدينة إلى حد بات المتشددون يعلنونها صراحة و تعنتاً بأنهم عازمون على هدم ما بقي من الآثار بما في ذلك غار حراء وقبور الصحابةن و آخرها إصدار قرار بإزالة قبر رافع بن رفاعة الزرقي، وهو من الأنصار البدريين واستشهد في أحد، كما سيزال مسجد الكاتبية الأثري بحجة تحسين المنطقة الأثرية بعد أن أزالوا كثيراً من الآثار عن الجدران الداخلية للكعبة المشرفة،وتمتد تلك الآثار و النقوشات إلى ما قبل تاريخ الإسلام، وقد ذكرت مصادر مطلعة بأن تلك الآثار المزالة وبعضها نقوشات مكتوبة بلغات قديمة تعود إلى أيام نبي الله إبراهيم حملت على متن قارب في جدة و رميت في أعماق البحر بحضور أحد المشايخ السلفيين المتشددين.
ولقد هانت على آل سعود عمليات الهدم المتواصلة لآثار المدينتين المقدستين فيما أفرطوا حد الإسفاف في رصد وصيانة كل أثر تركه آباؤهم و أجدادهم حتى صارت زيارة قصر الملك عبدالعزيز، جزءاً من بروتو كول الزائرين من رؤساء الدول إلى هذه البلاد، حيث تخبر مقتنيات القصر عن أن القائمين على تراث الآباء و الأجداد قد أجهدوا أنفسهم في جمع و عرض ما صغر وماكبر من مختصات الملك عبدالعزيز بما في ذلك فنجان القهوة و دلالها وحتى السفرة والتنور و الفرش و الوسادة و الخاتم و السيف و الدرع، بل لا يكاد المرء يصدق كيف أتقن القائمون على هذا القصر مهمة جمع أدق التفاصيل المادية و أصغرها شأناً وكان الزائر للمكان يشعر بأن عبدالعزيز ما زال حياً بفعل سطوة الحضور الرمزي لتلك الآثار.(22)
• رابعاً ، الاعتداءات المتكررة على الأماكن المقدسة و الأضرحة المباركة
قامت الجماعات الوهابية بعدة اعتداءات وجرائم بشعة بحق الأماكن المقدسة التي أوصى باحتراهمها الدين الإسلامي، باعتبارها من المعالم الثقافية و الحضارية للأمة الإسلامية، من جهة، و من جهة أخرى أنها محل لربط الإنسان المسلم بقادته و بربه تعالى، حتى أنّ الإسلام قد دعى إلى الانتهاء عن محاربة و سب غير المؤمنين به لئلا يقومون بالمثل في سب الله تعالى. قال تعالى: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغيرعلم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) (23) وفيها دلالة وعلى ان القرآن ينهى عن التجاوز على مقدسات المحترمة عند الناس بل لا يعد ذلك طريقاً وأسلوباً صحيحاً قائم على اساس الاستدلال و المنطق العقلي .
إلا أننا وجدنا الوهابية تجاوزت كل القيم والمبادئ الإنسانية و الأخلاقية والنصوص الشرعية في تعديها و تجاوزها على مقدسات المسلمين ، فضلاً عن غير المسلمين، غير أن الرزية كل الرزية، هي ان تقوم جماعة باسم الدين لهدم و طمس المعالم الإسلامية و التجاوز عليها بانتهاك حرمتها و قدسيتها، بحجة أن مثل ذلك يعد من معالم و مظاهر الوثينة والشرك بالله تعالى، وهم لا يعلمون بأنهم بعملهم هذا قاموا بطمس معالم الحضارية الإسلامية ، وهو في الواقع طمس للتراث والتاريخ الإسلامي .
ومنها قيام الوهابية بالهجوم الهمجي على قبر النبي ونهب ما فيه من الأشياء التاريخية النفيسة ، ثم القيام بحرق المكتبة الإسلامية التي تحتوي على الاف الكتب و الصحف والمخطوطات الثمينية لكبار الصحابة، وكذلك قيامهم بهدم قبور الصحابة و أئمة أهل البيت المتواجدة في مقبرة البقيع ( الغرقد) ، وهذا شاهد على وحشية و عنجهية و جاهلية هذه الجماعة .(24)
ويزيد في الطين بلّة ما أجاب به الوهابي سفر الحوالي عندما سئل عن ضريحي السيدة زينب و السيد البدوي، بقوله :" يجب القضاء على هذه الشركيات، و هذه الأصنام المعبودة من دون الله تبارك وتعالى " (25)
ولكن أعظم ما يتمونه هو هدم المرقد الشريف للإمام الحسين(ع) ليعيدوا بذلك جريمتهم في العشرين من نيسان عام (1802 م )عندما هاجموا كربلاء و قتلو أكثر من تسعة آلاف من الرجال و النساء و الأطفال، ونهبوا الضريح المقدس و ما حوته خزائنه من نفاش هدايا الملوك و السلاطين .(26)
وقد جاء في تقرير الباحث رايمون حول فاجعة كربلاء أنه قال فيه :
رأينا مؤخراً في المصير الرهيب الذي كان من نصيب ضريح الإمام الحسين مثالاً مرعباً على قساوة تعصب الوهابيين، فمن المعروف أنه قد تجمعت في هذه المدينة ثروات لا تعد و لا تحصى وربما لا يوجد لها مثيل... وها قد حل هذا السوم في الأخير وهو 20 نيسان – ابريل 1802 م فقد هجم 12 ألف وهابي فجأة على ضريح الامام الحسين و بعد ان استولوا على الغنائم الهائلة التي لم تحمل لهم مثلها اكبر الانتصارات تركوا ما تبقي للنار و السيف ، وهلك العجزة والأطفال و النساء جميعاً بسيوف هؤلاء البرابرة... وبنتيجة هذه الكارثة الدموية هلك أكثر من أربعة آلاف شخص.(27)
ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بحرق المرقد الطاهر بعدما عاثوا فيه فساداً. قال صاحب كشف الإرتياب عن بشاعة هذه الفاجعة:
وفي سنة 1216 جهز سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود الوهابي جيشاً عظيماً من أعراب نجد و غزا به العراق، وحاصر كربلاء ثم دخلها عنوة، و أعمل في أهلها السيف ولم ينج منهم إلا من فر هارباً أو اختفى في مخبأ او تحت حطب ونحوه ولم يعثروا عليه ، وهم جيران قبر ابن بنت رسول الله (ص) السبط الشهيد ونهبها وهدم قبر الحسين (ع) واقتلع الشباك الموضوع على القبر الشريف ونهب جميع ما في المشهد من الذخائر ، ولم يرع لرسول الله (ص) ولا لذريته حرمة و أعادبأعماله ذكرى فاجعة كربلاء ويوم الحرة ... وقال العلامة السيد جواد العاملي، صاحب مفتاح الكرامة ، وفي عصره كان غزوهم للعراق : " إنّ سعوداً الوهابي الخارج في أرض نجد اخترع ما اخترع في الدين و أباح دماء المسلمين و تخريب قبور الأئمة المعصومين، فأغار في السنة المذكورة على مشهد الحسين (ع) وقتل الرجال والأطفال وأخذ الأموال وعاث في الحضرة المقدسة فأفسد بنيانها وهدم أركانها ".(28)
فهذه وغيرها من التجاوزات والاعتداءات والجرائم البشعة تنم عن بغض وحقد هؤلاء للإنسانية والرسالة المحمدية ، ولما يرتبط بها من معالم الحضارة الإسلامية .
• خامساً : منهجهم الإرهابي في التكفير والتقتيل
إن استخدامهم لمنهج التكفير و التقتيل للمسلمين، سابقاً، وللشيعة و غير المسلمين في العصر الحاضر، سابقاً و حاضراً لأمر واضح وضح الشمس في رابعة النهار، إذ نجدهم لا يتعاملون بروح الإسلام مع جميع الطوائف الدينية كما لا حظنا ذلك جلياً في قتلهم للمسيحيين في العرا و العمل على تفجير كنائسهم، كفاجعة كنسية مريم في بغداد التي اودت بارواح عشرات المسيحيين الذين كانوا متواجدين فيها، فكانت جريمة بشعة تناقلتها وسائل الإعلام العالمية، واستنكرتها أشد الاستنكار، لانها جريمة بحق الإنسانية ، و اما بالنسبة لجرائمهم بحق الشيعة الإمامية في العراق فقد لا يخلو يوم من الأيام إلا لهم فيه شهداء من الرجال و النساء والأطفال و الشباب، حتى تجاوز عدد الشهداء في بعضها على الالف شهيد في حادثة واحدة من النساء والأطفال و الشباب والشيوخ كحادثة جسر الأئمة التي طالت زوار الإمام الكاظم(ع)!
فأصبحت هذه الجرائم البشعة أفضل ذريعة لاجتماع الغرب و أعداء المسلمين في الاصطفاف صفاً واحداً، وإعلان الحرب على المسلمين، باسم الحرب على الإرهاب ، بل كانت أفضل الأساليب المنفرة والمبعدة لمن يريد اعتناق الديانة الإسلامية، لأنهم يرون الإسلام من خلال افعال المسلمين وهذه الجماعات التكفيرية تقوم بجميع جرائم اللا إنسانية باسم الدين الإسلامي، وباسم الجهاد والمقاومة الإسلامية فمن الطبيعي أن يكون مثل هذا الأمر يوجب في قلب هؤلاء الراغبين في اعتناق الدين الإسلامي، النفرة والابتعاد عنه، لأنهم يعتبرون الدين الذين يقبل بوجود مثل هذه الجماعات التكفيرية لا يستحق الاعتناق ، ولكنهم غفلوا عن وجود علماء مسلمين مخلصين أتقياء قد وقفوا بوجهه هذه الجماعات منذ يومها الأول وكشفوا حقيقتها و أهدافها، وعملوا بكل ما أتيح لهم في الحد والتحذير من الانتماء إلى هذه الحركة المعادية للإسلام و الإنسان، ولكن دون جدوى قال الدكتور محمد عوض الخطيب :
انطلقت الوهابية من نظرة خاصة للإسلام احتوت على الحد الاقصى من التزمت و ضيق الافق ، مسيئة الظن بالمسلمين إلى درجة اعتبارهم بشكل مسبق مشركين و كافرين (29)
وقال محمد سليم الأسكندراني في وصفهم: " إني اجتمع بكثير من علمائهم فوجدتهم من الجهل بمكان ومن العلم بمعزل".(30)
كما أنها لا تقتنع بالدليل والبرهان القاطع والحجة و الدامغة كما قال الشيخ كاشف الغطاء:
لو كنا نعلم أنهم يقنعون بالحجة البالغة و يخضعون للأدلة القاطعة، لملأنا الطوامير من الحجج الباهرة التي تترك الحق أضحى من ذكاء و أجلى من صفحة السماء، ولكن سلطان نجد له حجتان قاطعتان عليهما يعتمد، و إليهما يستند، ولا فائدة إلا بمقابلتهما أو بأقوى منهما، وهما: الحسام البتار، والدرهم والدينار، السيف والسنان، والأحمر الرنان، هذا لقوم وذلك للآخرين... (31)
وقال الأستاذ حسين أحمد امين: " التكفير سلاح من لا حجة له " (32)
ثم إن التفاوى التي تصدر عن رجال الدين السعوديين ، تعد تدخلاً سافراً في الشأن الأمني الوطني لتلك البلدان التي يتواجد فيها الشيعة و غير المسلمين، بحسب القانون الدولي، ولذا فعلى أصحاب القرار في السعودية أن يصدروا قراراً بإلغاء كل هذه الفتاوى وإلا فهم يتحملون المسؤولية الشرعية و القانونية الكاملة لما يجري من تفجيرات وأعمال تخريب وقتل و إتلاف للأموال و الممتلكات و هتك الأعراض بشكل قبلي و جاهلي غير مسبوق. كما أننا ندعو زعماء الوهابية المتصدين للفتوى أن يختاروا المنهج الانساني و الحواري المتحضر، بعيداً عن أعمال العنف ودعوات التكفير و القتل واستباحة الدماء وهدر اموال المسلمين، بل و ما يترتب على ذلك من الضرر المعنوي فضلاً عن الضرر المادي.
• سادساً : العمل على تمزق وحدة الأمة الإسلامية
إن زرع الفتنة و الفرقة من اكبر العوامل الباعث على تخلف الأمة و المجتمع عن الركب الحضاري وقد حارب الإسلام كل من يدعو إلى ذلك وأمر بمقاتلته و مقاطعته لأن مثل ذلك يؤدي إلى إضعاف المسلمين و تمزق صفهم الواحد ، قال تعالى : " ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم و يلقوا إليكم السلم و يكفوا أيديهم فخذوهم و اقتلوهم حيث ثقفتموهم و أولئكم جعلنا لكم عليهم سطنا مبينا )(33) وقال تعالى : ( يبغونكم الفتنة و فيكم سمعون لهم والله عليم بالظلمين ) (34) وقال تعالى ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل و قلبوا لك الأمور )(35) وقال تعالى : ( ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سلموا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا)(36)
ولكننا نجد الوهابية قد كرست جهدها على رزع الفرقة بين المسلمين بشتى الوسائل و الطرق والأساليب الحديثة التي قد ساعدتها في أداء مهمتها هذه. قال السيد الكثيري: ففي مصر والسودان والمغرب على سبيل المثال يخوض السلفية صراعات مريرة مع الصوفية و أتباع الطرق يستخدمون فيها جل المصطلحات التي تزودهم بها ترسانتهم الدعوية: من ضال، و مبتدع، إلى كافر، وهلم جرا... (37)
ويقول الدكتور البوطي :
وانطلقوا يتصدون لكل متدين يخالفهم في اجتهادهم اويصر على تمسكه بمذهب إمام من الأئمة الأربعة، أو يعلن عن ضعفه عن الاجتهاد و حاجته إلى التقليد ، فيثيرون معهم جدالاً لا نهاية له و ينتهونبهم غلى شحناء لا مسوغ لها، و يتهمونهم بالضلال ويرمونهم بالجهل يصفون كتبهم بالصدأ و الانحراف... (38)
ويقول ايضاً:
" فلقد أخذت تقارع وحدة المسلمين وتسعى جاهدة إلى تبديد تآلفهم و تحويل تعاونهم إلى تناحر و تناكر... ولقد اشتدت هذه الخصوصات منذ بضع سنوات ، في مسجد واشنطن إلى درجة ألجأت السلطات الإمريكية إلى التدخل ثم إغلاق المسجد لبضعة شهور، و لقد اشتدت هذه الخصومات ذاتها وهاجت، في أحد مساجد باريس، منذ ثلاثة أعوام، حتى اضطرت الشرطة الفرنسية إلى اقتحام المسجد.... (39)
وقبل ذلك قد عاش المسلمين على مختلف مذاهبهم الفقهية و فرقهم الكلامية جنب إلى جنب، ولم يكن بين هؤلاء ما يدعو إلى وجوب المقاتلة و التكفير لبعضهم البعض، بل لم تكن هناك قيود خاصة او حظر معين من حضور و تتلمذ بعض أتباع هذه المذاهب في مدرسة وعلى يدي من لم يعتقد بمذهبه أو فكره من سائر المذاهب الإسلامية و المدارس الاخرى فالحنبلي يتتلمذ على يد الحنفي ، والحنفي على يد الشيعي، والشيعي على يد شافعي، وهكذا، والتاريخ زاخر باسماء هؤلاء التلاميذ، وكيف كانت المدارس حاضنة لمختلفة الطلاب من شتى المذاهب والفرق الإسلامي ، والجميع يعيش فيها بأمن واستقرار و محبة، ولا توجد فتاوى تحرم مثل هذا العمل الإسلامي والانساني.
• عوامل ساعدت الوهابية في زرع الفتنة والتفرقة
لقد قامت الوهابية بالعمل في عدة مجالات و اتخاذها لمجموعة من الطرق و الأساليب من شأنها ان تمزيق وحدة الأمة الإسلامية وزرع الفرقة و الاختلاف بين أبنائها وقد كانت من بين تلك الطرق و الوسائل التي استخدمتها لتحقيق مآربها ، هي :
1- نشر الكتب الداعية إلى تفريق الأمة والمتضمنة لعقائد الوهابية في التوحيد و نبد الشرك وفق الفكر الوهابي ، والعمل على توزيعها مجاناً على الزائرين و الحاجين لبيت الله تعالى في كل عام :
كما لا غرو ان يصدر كل ذلك في هذا العصر عصر العلم والتفتح العلمي ما دامت هناك حكومات و انظمة تجد بقاءها و استمرارها في إيجاد الفرقة بين طوائف المسلمين وإنقسام الأمة الواحدة إلى شعوب متنازعة بدل أن تكون متعارفة متعاطفة ... وقد كان كتاب الخطوط العريضة لمحب الدين هذا من جملة تلك الأوراق المسمومة والصحائف الصفراء التي قامت الحكومة السعودية الجائرة بطبعها ونشرها و ترويجها، وهو الكتاب الذي الصق فيه الخطيب الحاقد تهماً كثيرة بالشيعة وسعى في تشويه سمعتهم الناصعة بهدف ايجاد الشقاق والفرقة بين المسلمين فقد طبع هذا الكتاب على نفقة النظام السعودي و قامت سلطات السعودية بتوزيعه على الحجيج مجاناً تحقيقاً لأهداف الاستعمار البغيض الذي لا تروقه وحدة الصف الاسلامي و تماسكه .(40)
وقال السيد الكثيري:
وعليه فالأطنان من الكتيبات و الفتاوي التي وصلت الجزائر و وزعت مجاناً، كان الغرض منها خلق رأي عام ضد الشيعة و التشيع وسد الطريق على أبناء الصحوة الإسلامية هناك كي لا يعرفوا بعض الحقائق التاريخ، ومن ثم توجيههم مستقبلاً لضرب المذاهب المناهضة للاستعمار وعلى رأسها التشيع و الشيعة ، والعدو المهم للغرب و للملكة الوهابية في العصر الحاضر.(41)
وقد حذر المولى من استخدام هذه الاساليب العدائية، حيث قال تعالى : ( فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم ثم يقولون هذا من عندالله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتب أيديهم وويل لهم مما يكسبون) (42)
وقال الشيخ الصافي أيضاً في وصف هذه الكتب المؤلفة في السعودية وبالخصوص ما جاء في كتاب العواصم من القواصم:
فقرأته ، و عجبت من سعي كاتبه في تفريق كلمة المسلمين، ولعمر الحق ما كان يخطر ببالي أن أحداً من المسلمين يجعل مهمته الاحتفاظ باختلاف الكلمة، والتباعد، و تشديد المجادلات الطائفية، ويعارض دعوة المصلحين من الزعماء و الرؤساء والعلماء إلى التقريب إلى الوحدة الإسلامية ، و يخطئهم جميعاً، ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ويرد في هذه النداءات، و الصيحات التي رفعت من العلماء والرجال البارزين الغيارى على الإسلام من الشيعة و السنة في شرق الأرض وغربها ويتهم الجميع بالجهل والكذب ، والنفاق والخداع . وأعجب من ذلك و أعظ مصيبة على المسلمين أن يكون القائم بنشرها جامعة المدينة المنورة الإسلامية التي ( ينبغي ) أن تكرس كل جودها للدفاع عن وجودنا الإسلامي شيعة وسنة، وإرشاد المسلمين إلى ترك الجفوة و البغضاء. وان تساهم بما عندها من طاقات مع العلماء المصلحين من الفريقين لتحقيق التقريب والأخوة الإسلامية.(43)
2- إرسال الدعاء والمبلغين إلى مختلف مناطق العالم الإسلامي و تكلفهم بمهمة رزع الفرق و الاختلاف بين المسلمين، بل تجاوز الأمر حده، إذ لم تسلم المناهج الدراسية من التحريف و التحريض على الفتنة، فقد استخدم النظام السعودي للترويج للمذهب الوهابي وبث ثقافة الكراهية لدى طلاب المدارس ، حيث تعتبر المناهج الدراسية للنظام السعودي من أكثر المناهج خطراً على الأفكار وبث روح الحقد و الكراهية ، لأنها تغذي التلاميذ بالمفاهيم والمبادئ الهدامة والقيم العنصرية ، ويتم تلوينها بمقولات دينية حتى تكتسب قداسة في عقول التلاميذ:
وأن برامج تعاليمهم وسياساتهم ، وحكوماتهم بعيدة عن روح الإسلام ومبادئة السمحاء التي لا خلاف فيها بين الأمة شيعة و سنة ، لا أن يقول عن طوائف المسلمين ما يورث الشنآن و البغضاء وما لا يستقبله جيلنا الحاضر إلا بالنفور، ولا يزيد الأمة غلا جهلاً، وفي كليهما خدمة لأعداء الإسلام ، - الاستعمار و الصهيونية. (44)
وهذه طريقة لتوظيف المؤسسات التربوية لخدمة الأغراض السياسية و تحرف معتقدات التلاميذ و تغرس مفهوم حماية الدين من خلال قمع الآخر و القضاء عليه مادياً .
3- العمل على تبليغ الفرقة والاختلاف عن طريق منبر الجمعة والدرس ووسائل الإعلام الحديث المرثية والمسموعة بهدف الدفاع عن التوحيد ومحاربة المشركين الخارجين عن الدين الإسلامي، حتى قال الشيخ الصافي :
على الخطيب الذي يخطب في المسجدين لهذه الجموع الغفيرة القادمة لأداء فريضة الحج المقدسة من كل فج عميق أن يزودهم من تعاليم الإسلام بما يؤدي بهم إلى اتباع سبيل الاستقامة و التضحية في سبيل إعلاء كلمة الإسلام والجهاد ضد الإلحاد الذي أحاط بالعالم الاسلامي من كل جانب و يحثهم على مقاومة التيارات الخبيثة ، و يوجههم إلى الأساليب التي أدت إلى ابعاد الشيعة عن المناهج الإسلامية وجعلت مجتمعاتهم اشبه بالمجتمعات الغربية.(45)
في حين نجد فتوى الشيخ عبدالرحمن البراك بكفر الرافضة الإمامية قد نشرت على موقعه على الإنترنت ، يقول فيها إنّ:
الرافضة في جملتهم هم شر طوائف الأمة ، و اجتمع فيهم من موجبات الكفر، تكفير الصحابة، وتعطيل الصفات.. والشرك في العبادة بدعاء الأموات ... و الاستغاثة بهم ... هذا واقع الرافضة الإمامية الذين أشهرهم " الاثنى عشرية " فهم في الحقيقة كفار، مشركون، لكنهم يكتمون ذلك.. ان مذهب اهل السنة ومذهب الشيعة ضدان لا يجتمعان فلا يمكن التقريب إلا على أساس التنازل عن اصول مذهب السنة او بعضها او السكوت عن باطل الرافضة، وهذا مطلب لكل منحرف عن الصراط المستقيم(46)
4- القيام بالعمليات الإرهابية لقتل الإبرياء و العزل، بحجة خروجهم عن الدين وكفرهم بالإسلام وباسم الجهاد والمقاومة الإسلامية وخير مثال ما جرى ومازال في العراق من جرائم قتل و اعتداءات بغيضة للشيعة و مقدساتهم .
أقول : لم يتعرض الاسلام – كدين سماوي- من الداخل إلى حالة من التشوية و المحاربة مثلما تعرض إليه في الوقت الراهن على يدي هذه الجماعات الارهابية التكفيرية، وربما يرجع هذا في نتيجته لأسباب خارجية متمثلة بحملة منظمة تشنها دول الاستكبار العالمية ضد الاسلام والمسلمين.
بينما يتم اليوم تجاهل الاسباب الداخلية، التي لعبت دوراً خطيراً في الابتعاد عن روحية الاسلام، كنظرية حياتية متكاملة تجعل القيم الاخلاقية العليا واحترام الانسان وصيانة عرضه وماله من أهم خصائصه كما يعتبر نمو التيار الوهابي المتطرف واستلامه السلطة في أحد أغنى دول العالم، وتويف قسم من أموال النفط الهائلة من أجل نشر هذا الفكر اللاانساني وغرس ثقافة العنف و تصديره إلى أوربا و دول إسلامية اخرى، وهو من أهم الأخطار الداخلية التي واجهها الإسلام منذ نشوئه الى الآن إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ان جميع التيارات الإسلامية المتطرفة الاخرى التي مر بها التاريخ كانت لها تأثيرات محدود لا ترتقي إلى التيارات السلبية التي تركتها الحركة الوهابية على الدين الاسلامي الحنيف.
وقد يرجع ذلك إلى طبيعة العلاقات السياسية والمصالح الاقتصادية والعمالة لأمريكا، التي اسكتت الدول المتضررة من الإرهاب من التشخيص الواقعي لمسببات الإرهاب ومادام حال هذه الدول من غض الطرف عن حقيقة و مصدر الإرهاب لأسباب سياسية وحفاظاً على مصالحها الاقتصادية التي تعتقد أنها ستتضرر لو أنها صرحت بالحقيقة وحرمت الفكر الوهابي واعتبرته خطراً داهماً على الأفراد والمؤسسات و تياراً متخلفاً يحقد على الحضارة الإنسانية ويلغي العقل ويعود بالانسان الى عصر البداوة والتخلف.
وعليه فيجب على كل الشعوب المحبة للسلام وللإسلام ان تعمل على كافة المستويات شعبياً و سياسياً و إعلامياً من أجل إماطة اللثام عن هذا الفكر المتحجر ، وكشف من يقوم بتينية ورعايته و تبيان بشاعة جرائمه في العراق ولندن ومدريد و الجزائر و المغرب و في غيرها، كما انه اصبح من الضروري جداً ان يتحرك المجتمع الدولي لإصدار قراراً أممياً يعتبر الفكر الوهابي فكراً لا يقل خطراً عن الناية والفاشية و يجرم أي دولة تتبناه او ترعاه او تجعل اراضيها منطلقاً لنشاطه، كما يجب على كافة المثقفين من كتاب و مبدعين التصدي لهذه الظاهرة المتخلفة التي زرعت في قلب الامة الإسلامية ومهد حضارتها ومهبط وحيها و رسالتها.
5- استخدامهم لمنطق القوة و العنف في مواجهة المخالفين لهم في العقيدة والفكر، او كل من يقف يوجههم ومحاربة افكارهم وهذا هو من مهمة القاعدة الإرهابية التي انتشر افرادها في مختلف بقاع العالم المعاصر باسم المجاهدين و الفدائيين حيث قامت هذه القاعدة بتجنيد بعض الأفراد وتوطين انفسهم على القيام بعمليات إرهابية انتحارية متى ما لزم الأمر و الحاجة الى ذلك.
ولما تبثه من أفكار وسلوكيات تحض على العنف والإرهاب و الكراهية و سهولة التكفير ضد كل من يخالفهم في الرأي، وتشوه بسلوكها الشائن المقاومة الإسلامية في فلسطين والعراق، و أنه من الواجب شرعاً و قانوناً مقاومة هذا الفكر و اتباعه بكافة السبل المتاحة كما جاء ذلك في الندوة الإسلامية المتخصصة و الموسعة التي عقدت السبت في القاهرة تحت عنوان " الوهابية : خطر على الإسلام و العالم " (47) وشارك فيها بالأبحاث والنقاش كل من الشيخ الدكتور عبدالرحمن السبكي من علماء الأزهر الشريف، المفكر الدكتور احمد السايح استاذ العقيدة الفلسلفة الإسلامية بالأزهر الشريف، المستشار ، أحمد عبده ماهر من كبار العلماء المتخصصين في الحركات الإسلامية في مصر، عبدالفتاح عساكر المفكر الإسلامي المعروف ، عبدالله السعداوي المفكر والمعارض القومي الحجازي احمد شوقي الفنجري المفكرالاسلامي المعروف، علي عبدالجواد الخبير في دراسات الحركات الإسلامية ولفيف من العلماء والخبراء. هذا وقد خلصت الندوة إلى جملة من التوصيات والنتائج كان أبرزها :
1- أكدوا على ان الوهابية كدعوة وفكر تقوم على نفي الآخر وتكفيره، وأنها تهدد الأمن والسلم في كافة دول العالم الإسلامي لما تبثه من أفكار ارهابية و اجرامية شديدة الخطورة افكار تدفع الشباب الإسلامي إلى تكفير وارهاب المجتمع والحكام لأوهي الأسباب.
2- أكدوا على موقف الوهابية السلبي من المرأة والعلم ، والموسيقي وجميع الفنون، ومن المسيحيين،بل من أصحاب المذاهب الإسلامية الاخرى كالشيعة والأشاعرة وغيرهم وهي دعوة للجاهلية، و أغلب الموروث الوهابي قائم على الإرهاب الفكري والديني، ومخاصمة الواقع والعقل.
3- مطالبتهم بضرورة إعداد استراتيجية إسلامية وعالمية ثقافية وسياسية لمقاومة الوهابية وانه ينبغي ان يكون للأزهر الشريف دور في ذلك ، لأنّه مؤسسة الاعتدال الإسلامي قبل ان يتم اختراقه من الوهابية ومن يسموا بالدعاة الجدد من السلفيين المتشددين.
عدم رعاية حقوق الإنسان وحرمته
لم يكن في منهج وفكر الوهابية ما يسمى بحقوق الانسان لانها تسعى دائماً الى سحق هذه الحقوق باسم الخروج عن الدين، حتى تجاوز الأمر إلى قتل الأبرياء من النساء والأطفال، والشيوخ من كبار السن، هؤلاء الذين أولى الإسلام بعدم قتلهم والتعدي عليهم بأنواع التجاوزات اللاانسانية واللااخلاقية، غير أن ما يرتكبه هؤلاء الوهابيين في حق هؤلاء الأبرياء مما يندى له الجبين، كالجرائم التي ترتكبها في العراق و افغانستان وباكستان و غيرها، يقول الدكتور محمد الخطيب:
فهم يطبقون الأحكام الإسلامية بطريقة جائرة ظالمة مثيرة للأشمئزاز و الاستغراب وتعود على الدين الحنيف بأسواء الأثر، فقطع الأيدي والأرجل، بل قطع الرؤوس من الأمور السائدة و المتمادية ، وهي تجري بناء على أحكام قضاة جهلة وبعد تحقيقات يقوم بها شرطة أميون ، كما تصدر تشريعات احياناً مجانبة للإسلام نصاً و روحاً... ففي كل يوم جمعة تجري فيم مدن المملكة المختلفة عمليات تنفيذ العقوبات لمن لا سند له نت الأمرة أو من السفارات الهامة، بطريقة تدل على وحشية بالغة تسمح لأعداء الإسلام بوصفه بأشنع التنعوتز(48)
وقال الشيخ محمد مرعي الأنطاكي:
كنا نسمع عن الوهابية بأنهم يقيمون الحدود و يجرون الأحكام الشرعية تماماً، فهاجرنا إلى الحجاز، و تخللنا بينهم مدة فوجدنا الاخبار التي وصلتنا من القطر الحجازي كانت على خلاف الواقع. فإنهم أضر على الإسلام من كل شيء وقد شوهوا سمعة الإسلام بأعمالهم و أفعالهم وبسوء فتاوى علمائهم.(49)
• سابعاً : واعتمادها على الفقر الثقافي لدى عامة الناس
إن من يتابع مسيرة وتحرك الوهابية في نشر افكارها و تعاليمها ، فإنه سيقف على ظاهرة عامة، وهي أنها تعتمد دائماً على استغلال الفقر الثقافي عند عامة الناس في الوصول إلى اهدافها، وفي محاربة للتقدم الحضاري ، بتوجيه أن مثل هذه الامور مبتدعة لم تكن موجودة في عصر النبي (ص) وانها جاء بها الغرب بهدف أبعاد المسلمين عن اشتغالهم عن العبادة.
قال صالح الورداني:
إن تحكيم القرآن والعقل في دائرة الأطروحة الشيعية قد منحها القدرة على تجديد محتوياتها و مواكبة الواقع و المتغيرات بينما بقيت الأطروحة السنية جامدة منغلقة لرفضها الخضوع لحكم القرآن والعقل مما ولد قداسة غير مباشرة لجميع محتوياتها وفي مقدماتها كتب الأحاديث خاصة كتابا البخاري و مسلم اللذان حظيا بقداسة خاصة من الكتب الأخرى...(50)
حتى أنهم يرون من يقول بتمجيد العق وجعل مكانة له في الواقع هو تمجيد إلى الوثينة والصنمية ولهذا رفضوا منطق العقل، تمسكوا بالأسلوب الخشن ن و التعصب الأعمى.ومن ثم ذهب كبارهم إلى تحريم وسائل العلم من قبيل استخدام التلفزيون ، النقال، الهاتف الأرضي( الثابت ) ، الانترنت، الراديو و غيرها من الوسائل العلمية المتطورة.
* النتيجة
أنه إذا استمرت هذه الجماعة ( الوهابية ) على مواصلة نهجها في التعامل مع أسس و مقومات الحضارة الإسلامية ، بالإضافة إلى سائر تصرفاتها الأخرى في الجانب الفكري و الثقافي و السياسي، فإن الأمة الإسلامية ستكون هي المسؤولة أمام الله تعالى عن جميع النتائج و الآثار السلبية التي ستجنيها في المستقبل القريب، ولذا نحن نذكرها ببعض الأمور، وهي :
اولاً : أن تلتفت إلى خطورة هذا النهج المنحرف عن المنهج الإسلامي الصحيح، الذي إذا ما استمر فإنه سوف يقوض أسس و مقومات الحضارة الإسلامية، و يقضى على معالمها في البلدان الإسلامية ، و بالتالي يؤدي إلى تخلف الأمة الإسلامية عن ركبها الحضاري .
ثانياً، إن ممارسة الوهابية في المجال الفكري و التطبيق العملي يتناغم مع أفكار و أساليب القوى المعادية للإسلام، التي تسعى للقضاء على الإسلام بالعمل من الداخل، وذلك عن طريق من يشوه صورة الإسلام في الخارج ، لإدراكهم لخطورته على دياناتها و عقائدها الباطلة.
ثالثاً: الالتفات إلى خطورة ما ستؤول إليه ثمرات الصحوة الإسلامية في البلدان العربية ، وما تخطط إليه قوى الاستكبار العالمي المعادي للإسلام والمسلمين ، عن طريق الاستفادة من هذه الجماعات الإسلامية في المجال السياسي، والتي بدأت تستثمر الفرصة في الانقضاض على السلطة و الحكومة في البلدان العربية المنتفضة، وبالتالي تكون أداة كبيرة لضرب الإسلام و المسلمين و تشويه صورتهما أمام الرأي العام، و الجاه الأمة إلى اختيار القادة اللبراليين و العلمانيين بعد ذلك بديلاً عنهم .
رابعاً: الالتفات إلى خطورة ما تخطط و تسعى إليه قوى الاستكبارية العالمية من وراء توقعيها لمعاهدات السلم والتعاون مع هذه الجماعات الإسلامية الفائزة في الانتخابات، ومنها الجماعة الوهابية ذات الحظ الأوفر في بعض البلدان العربية المنتفضة .
خامساً: إن حالة الصمت المطبق لعلماء الإسلام إزاء ما يحصل في الأمة الإسلامية نتيجة التصرفات الهمجية لأتباع الوهابية، من قتل و إفساد و هدم للمعالم الحضارية و الآثار التاريخية ، سيؤدي بالتالي إلى نتيجة و خيمة لا تحمد عقباها، وعندها لا يفيد العلاج مع الداء، مع مافيه مخالفة صريحة لما روي عن الصادقين(عليهم السلام) : " إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه . فإن لم يفعل سلب منه نور الإيمان " (51)
سادساً : الالتفات إلى عدم اتخاذ مجلس الأمن الدولي قراراً بمعاقبة الدول الحاضنة لأفراد القاعدة ( الوهابية) مع تظلمة و تظلم الدول الاستكبارية لخطورة القاعدة و استنكارهم لجرائمها في المشرق و المغرب العالمي، لهو أكبر دليل مؤشر على طبيعة العلاقة الحسنة بينها وبين القاعدة، وإلا كيف يمكن الجمع بين القول بأن القاعدة ( الوهابية ) تهدد الأمن و السلام العالمي وبين التعاطي و الانفاق معها ومع الدول الحاضنة لها في إبرام الاتفاقيات و المعاهدات في التعاون و العمل المشترك؟!
سابعاً: يجب على علماؤ وفكري الأمة الإسلامية أن يضعوا خطة و استراتيجية جديدة في التعامل والتعاطي مع الوهابية و أساليبها اللاانسانية، انطلاقاً من حرصهم على حفظ المبادئ و القيم و التعاليم الإسلامية ، ومن باب أدائهم لرسالتهم الإنسانية و وظيفتهم الشرعية إزاء أبناء جلدتهم .
شاكر ساعدي
المصادر
1- سورة الانفال الآية 24
2- سورة العلق الآيات 1-5
3- سورة النمل الآية 80
4- كما بين ذلك رشيد رضا بتعليقة في الهامش كتاب الإسلام و النصرانية مع العلم و المدنية
5- الإسلام و النصرانية مع العلم و المدنية ص 128
6- مستدرك الوسائل ج 17 ص 249 مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق(ع) ص 13 عوالي اللئالي ج 4 ص 70 شرح مسند أبي حنيفة ص 537
7-انظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج 16 ص 50-51
8- انظر المصدر السابق ج 16 ص 15
9- المصدر السابق ج 16 ص 71-74-78-80-83
10- المصدر السابق ج 15 ص 319-320
11- المصدر السابق ص 323
12- صوت الحق و دعوة الصدق ص 24
13 الخدعة ( رحلتي من السنة إلى الشيعة ) ص 146
14- المصدر السابق
15- انظر السلفية بين أهل السنة و الإمامية ص 502
16- زاد المعاد في هدى خير العباد ص 661
17- راجع كتاب لا ذرائع لهدم آثار النبوة فقد ذكر فيه المقالات و البحوث التي نشرت والتي لم تنشر بما يرتبط بهذه المسألة و غيرها من المسائل الأخرى حيث قام مؤلفة بنقل المؤيدين و المخالفين لهدم المعالم الأثرية و ما يرتبط بآثار النبوة وقد جاء الكتاب في 239 صفحة
18- الفجر الصادق ص 22
19-فقد ناشد السيد واصف بن أحمد فاضل كابلي في رسالة لولي العهد السعودي في الرابع من جمادي الثانية لعام 1423 الموافق الثالث عشر من أغسطس 2002 بـ " تدارك أعمال الهدم ... لأثر من الآثار الأسلامية التاريخية يعود الى خير العصور عام 125 ق بالمدينة المنورة " . فيما عبر الدكتور محمد انور بن محمد علي البكري من كلية التربية بالمدينة المنورة عن دهشة الأهالي لهدم و ازالة مسجد و مدرسة ومقبرة الامام ابو الحسن علي العريضي، فيما جاء فيها: " كان الاولى ... بالجهات المسؤولة عن المساجد والاوقاف ... الخ ما نقلناه لك " . وقد تناقلتها العديد من المواقع تحت عنوان " متشدون يهدمون قبر و مدرسة السيد علي العريضي العلوي " .
20- الفجر الصادق ص 22
21- راجع موسوعة العتبات المقدسة جعفر الخياط ج 2 نجد و ملحقاته ص 256 و كذابحث بعنوان" تدمير السعوديين لتراث الإسلام و المقامات الإسلامية " مقدم للمعهد الإسلامي بلندن في مؤتمر متقبل الحرمين الشريفين المنعقد بتاريخ 906 يناير 1988 ملا عباس طاهر علي - الثورة الإسلامية عدد فبراير 1988 .
22- نقلاً عن مقالة بعنوان " نحو حملة دولية لحماية الإثار الإسلامية " تناقلتها أكثر المواقع الالكترونية
23-سورة الانعام الآية 108
24- انظر السلفية بين أهل السنة و الإمامية ص 320 -328
25- كيفية التعامل مع الشرك الشيخ محاضرة للدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي نشرت على موقعه
26- انظر السلفية بين اهل السنة و الإمامية ص 320 - 324
27- نقلاً عن تاريخ السعودية ص 116 - 117 و كذلك انظر أرشيف السياسة الخارجية لروسيا ( 1803 الإضبارة 2235 ص 38 -40 )
28- كشف الارتياب في اتباع محمد عبدالوهاب ص 20
29- صفحات من تاريخ الجزيرة العربية الحديث ص 130
30- المصدر السابق ص 156
31- مجلة ثراثنا العداد الرابع (13) لسنة الثالثة شوال 1408 ص 186
32- نقلاً عن السلفية بين اهل السنة و الإمامية ص 695
33- سورة النساء الآية 91
34- سورة التوبة الآية 47
35- سورة التوبة الآية 48
36- سورة الاحزاب الآية 14
37- السلفية أهل السنة و الإمامية ص 447
38- اللا مذهبية اخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية ص 90
39- السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي ص 244 -245
40- صوت الحق و دعوة الصدقة ص 17
41- السلفية بين أهل السنة و الإمامية ص 451
42 سورة البقرة الآية 79
43- السلفية بين اهل السنة و الإمامية ص 451
44- صوت الحق ودعوة الصدق ص 20
45- صوت الحق ودعوة الصدق ص 20
46- فتوى صدرها البراك ضد عوام الشيعة 17/12/2006 الموافق 26/11/1427 ق رقم الفتوى 18080
47- ذكر ذلك في ندوة عقدت في القاهرة حضرها علماء و خبراء تحت عنوان " الوهابية خطر على الإسلام "
48- صفحات من تاريخ الجزيرة العربية ص 154
49 - المستبصرون ص 374 -375
50- الخدعة ( رحلتي من السنة إلى الشيعة ) ص 146
51- عيون أخبار الرضا (ع) ج 2 ص 103
حرب يقررها الأميركيون.. فتنتهي إسرائيلياً بدفن «الشرق الجديد»

صحيح أن حرب تموز 2006 كانت معركة مصيرية بالنسبة لـ«حزب الله» وإسرائيل، إلا إنها كانت أيضاً «معركة أمم»، سياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً، ومعركة تثبيت الوجود الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، حيث فرضت هذه الحرب على الإدارة الأميركية، على مدى 33 يوماً تبديلاً في الاستراتيجيات والأولويات حماية لأمن إسرائيل، الحليف الأول لها في المنطقة.
بعد أحداث 11 أيلول 2001، قال الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إن «حربنا ضد الارهاب تبدأ مع القاعدة، ولكن لا تنتهي هناك، فهي لن تنتهي حتى العثور على كل إرهابي في العالم، إيقافه، وهزيمته».
وعلى الرغم من أن «حزب الله» في ذلك الوقت كان مدرجاً على «اللائحة الأميركية للإرهاب»، إلا إنه لم يكن أولوية أميركية، حتى أن السفير الأميركي في بيروت وقتها أكد لمسؤولين لبنانيين أن لا علاقة لـ«حزب الله» بالإرهاب الذي تلاحقه الولايات المتحدة، بحسب ما ينقل دايفيد هرست، وهو موفد صحيفة «الغارديان» البريطانية، في كتابه «احذر الدول الصغيرة: لبنان، أرض معركة الشرق الأوسط».
هذه الأولوية تغيرت لاحقاً، وفي وقت قصير جداً، حيث شهد الخطاب الأميركي تحولاً ليصبح «محور الشر» أساسه، قاصداً إيران و«حزب الله» وسوريا. وبحسب مساعد وزير الخارجية وقتها ريتشارد أرميتاج (2001-2005) فإن «حزب الله أسوأ من تنظيم بن لادن نفسه». والسبب ببساطة، بحسب قول الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات الأميركية روبرت باير، أن «الإسرائيليين أرادوا أن يلاحق الأميركيون حزب الله». والذي يريده الإسرائيليون يريده حلفاؤهم من «المحافظين الجدد» في الإدارة الأميركية، كما كتب هيرست.
خريطة جديدة للشرق الأوسط
هنا، تجدر الإشارة إلى أن «المحافظين الجدد»، وقبل أن يحصلوا على المناصب الواسعة في الإدارات الأميركية، وبعد حرب نيسان 1996، قدموا ورقة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية الجديد بنيامين نتنياهو وسلفه الخاسر شمعون بيريز، بعنوان «استراتيجية جديدة لحماية المملكة»، تضمنت توصيات دعوة تل ابيب للتخلي عن مبدأ «السلام في مقابل الأرض» ليحل مكانه «السلام عبر القوة». بالإضافة إلى ذلك، تطرح الورقة استراتيجية تعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل لوضع خريطة جديدة للشرق الأوسط، على أن تبدأ بالإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام، ودعم الملك حسين في الأردن على إعادة المملكة الهاشمية إلى العراق.
إلى ذلك، فإنه على «المحور الطبيعي»، بحسب الورقة، أي إسرائيل وتركيا والأردن والعراق، العمل على إضعاف سوريا وتهديد سيادتها كمقدمة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. وعلى إسرائيل للوصول إلى ذلك، استدراج سوريا وإيران و«حزب الله» إلى حرب في منطقة البقاع تحديداً في لبنان، حيث تواجد السوريون سابقاً. وبالتالي فإن وصول «المحافظين الجدد» إلى الحكم في الولايات المتحدة، وهم الذين وجدوا في جورج بوش الشخص الأفضل لتحقيق أهدافهم، جعل من «حزب الله» هدفاً من ضمن ما يسمى «محور الشر».
حرب ضد «محور الشر»
وبالعودة إلى حرب تموز، يمكن القول إن الصحافي الشهير سيمور هيرش قدم المقاربة الأقرب بين تلك الحرب ونظرة «المحافظين الجدد» التي يمثلها بوش. وقد كتب هيرش في مقال بعنوان «مراقبة لبنان... مصالح واشنطن في حرب إسرائيل» في مجلة «نيويوركر» في 21 آب 2006، أنه بعد أيام من اختطاف الجنديين الإسرائيليين في 12 تموز، وما لحقه من ردة فعل إسرائيلية، كانت إدارة بوش «سلبية».
ففي قمة «مجموعة الثماني» في سان بطرسبرغ، قال الرئيس الأميركي «إنها لحظة الصفو... لقد أصبح واضحاً الآن لماذا ليس هناك سلام في الشرق الأوسط»، محملاً محور «حزب الله» وإيران وسوريا مسؤولية «عدم الاستقرار».
لكن الولايات المتحدة كانت على علم بالحرب قبل عام على الأقل. وفي تموز 2006 توجه مسؤولون إسرائيليون إلى واشنطن للحصول على الضوء الأخضر، وقد عمل على ذلك اثنان من «المحافظين الجدد» في إدارة بوش، وفقاً لما ينقل هيرست في كتابه.
وفي حديث إلى مجلة «ويكلي ستاندرد» اختصر أحد قياديي «المحافظين الجدد» ويليام كريستول الأمر بالقول «هذه حربنا أيضاً» حتى أنه طلب من الإدارة الأميركية مواجهة هذا العداء الايراني باستهداف منشآت طهران النووية. ولتعزيز هذه الفكرة أكثر، نقل هيرست عن المتحدث السابق باسم البيت الأبيض نويت غينغريش قوله إن الوقت قد حان لخوض حرب عالمية ثالثة للدفاع عن الحضارة وعن أميركا، ونقل عن مسؤول آخر في الإدارة الأميركية أنه «عبر دمشق والضاحية الجنوبية لبيروت إلى حماس.. يوجد تهديد فارسي واحد يريد تغيير اللعبة الاستراتيجية في الشرق الأوسط».
سفير واشنطن في الأمم المتحدة جون بولتون كان أفضل من عبر عن نظرة «المحافظين الجدد»، وقد «كان يتشاطر مع إسرائيل، ومن دون إذن، مسودات إدارة بوش لقرارات الأمم المتحدة الرامية إلى وقف الحرب ضد حزب الله في تموز العام 2006»، كما أوردت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليسا رايس في مذكراتها. بولتون نفسه لم ينف ذلك، معتبراً أنها ليست خطيئة ولا ذنباً، «بالطبع أطلعت الإسرائيليين أولاً بأول بشأن المستجدات في المفاوضات. فهكذا نعامل الحلفاء الوثيقين».
درس لإيران في لبنان
وبحسب هيرش، فإن إدارة بوش كانت تريد من الاعتداء الإسرائيلي اختبار أي استهداف مستقبلي لإيران. وكانت الإدارة الأميركية متورطة جداً في التحضيرات الإسرائيلية للرد على «حزب الله»، حيث ان بوش ونائبه ديك تشيني كانا مقتنعين بأن الضربات الجوية الإسرائيلية ضد ترسانة «حزب الله» كفيلة بتهدئة القلق الإسرائيلي من جهة، لكن الأهم أن تكون مقدمة لضربة جوية أميركية ضد المنشآت النووية الإيرانية من جهة ثانية، بحسب ما نقل هيرش عن مسؤولين ديبلوماسيين واستخباراتيين أميركيين.
وكتب هيرش وقتها، «صب البيت الأبيض تركيزه على تعرية حزب الله من صواريخه، لأنه في حال اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران، كان من الضروري التخلص من سلاح حزب الله لتفادي أي انتقام ضد إسرائيل. بوش أراد أن يجمع الهدفين، أولاً ملاحقة إيران ومنشآتها النووية كجزء من محور الشر، كما كان مهتما بالتخلص من حزب الله في إطار نظرته للديموقراطية، وخصوصاً في لبنان».
ونقل هيرش أنه في ربيع 2006، وبحسب مسؤول سابق في الاستخبارات الأميركية، فإن ضباطا رفيعي المستوى في سلاح الجو الأميركي، وبضغط من البيت الأبيض، شاركوا في التخطيط لهجوم جوي ضد المنشآت الإيرانية بالتشاور مع نظرائهم في سلاح الجو الإسرائيلي.
ووفقاً للمسؤول الاستخباراتي نفسه، فإن «الجميع يعلم بأن مهندسين إيرانيين ساعدوا حزب الله على بناء الأنفاق وتموضع مدافعه تحت الأرض، ولذلك فإن سلاح الجو الأميركي توجه إلى الإسرائيليين، قائلا: «دعونا نتشارك في ما لدينا عن إيران وما لديكم عن لبنان». وبحسب المسؤول الأميركي، فان النقاشات وصلت إلى هيئة الأركان ووزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد.
«الظروف المؤاتية».. لم تأت
وكانت رايس الراعي لاستراتيجية تغيير الوضع في لبنان، وهي صاحبة مشروع «الشرق الأوسط الجديد». وعلى الرغم من الدعوات المتلاحقة إلى وقف إطلاق النار، بقيت رايس على موقفها الرافض تماماً بحجة انتظار «الظروف المؤاتية»، حتى أن الاسرائيليين أنفسهم، كانوا يفكرون جديا في بعض مراحل الحرب بوقف النار، غير أن الادارة الأميركية كانت ترفض ذلك لأسباب سياسية.
وفي 21 تموز، اليوم العاشر للحرب، جددت رايس رفضها وقف إطلاق النار، ووصفت الحرب الإسرائيلية بأنها «آلام مخاض لولادة شرق أوسط جديد». قبل ذلك، وفي قمة الدول الثماني في سان بطرسبرغ، قال المتحدث باسم البيت الأبيض إن بوش رفض أن يمارس ضغوطاً على إسرائيل لوقف عدوانها على لبنان، وأضاف أنه «من الواضح أن الدول العربية من السعودية إلى الأردنيين إلى المصريين، لا ينظرون إلى حزب الله على أنه كيان حكومي مشروع بل يعتبرونه تهديداً فعلياً للحكومة اللبنانية».
بالنسبة إلى واشنطن، فإن مهمة إسرائيل الأولى كانت «تكسير عظام حزب الله». وقد أمنت أميركا لإسرائيل الغطاء الديبلوماسي. وفي وقت كانت الأمم المتحدة وروسيا والصين وأوروبا ودول العالم الثالث تدعو إلى وقف إطلاق النار، كانت إدارة بوش وصديقها الحميم رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير يريدان استمرار الحرب. وفي 28 تموز 2006، وقف بوش وبلير كتفاً بكتف في مؤتمر صحافي ليؤكدا رفضهما وقف إطلاق النار، مشددين على أن «الهدف هو موجز الفصل السابع من النظام الداخلي لمجلس الأمن، ووضع حد للعنف، وإعطاء تفويض لقوة متعددة الجنسيات، وهذه لحظة أساسية وجوهرية في تاريخ الشرق الأوسط».
لكن ما هي «الظروف المؤاتية» التي كانت تنادي بها رايس؟
يبدو أن الأميركيين كانوا واثقين بقدرة السلاح الجوي الإسرائيلي على تدمير ترسانة «حزب الله» الصاروخية، ولذلك أصروا على هذا الانتظار الطويل، إلا ان الإسرائيليين خيبوا أمل الأميركيين. وقد عجلت إدارة بوش بإقامة جسر عسكري جوي لارسال صواريخ موجهة بالليزر إلى إسرائيل قادرة على «اختراق أهداف عميقة تحت الأرض»، وذلك بعدما طلبت إسرائيل منها شحنة عاجلة.
قانا الثانية تربك رايس
وفي 23 تموز، زارت رايس تل أبيب لتمنح إسرائيل مهلة لا تقل عن أسبوع لتركيز «إنجازات عسكرية» على الأرض تتيح تمرير «تسوية سياسية». وفي ذلك الوقت، كان الإسرائيليون تخلوا عن هدفهم بإطاحة «حزب الله»، حتى أن صحيفة «يديعوت» الإسرائيلية نقلت عن رئيس الأركان دان حالوتس «أننا لم نقل اننا سنقضي تماماً على صواريخ حزب الله ورجاله».
في 30 تموز 2006، وقعت مجزرة قانا الثانية، وانعكست ارتباكا في الموقف الأميركي. إثر المجزرة، قالت رايس في مؤتمر صحافي في القدس المحتلة، ان الوقت قد حان لوقف إطلاق النار، ثم استدركت قائلة «هناك حاجة إلى وقف إطلاق نار يضمن الاستقرار». أحدث موقفها خلافا في الإدارة الأميركية، ففي وقت أصرت رايس على منح إسرائيل ثلاثة أيام، أبدى بوش تفهماً لمطالبة إسرائيل بمهلة اضافية لثلاثة أسابيع.
في هذا السياق، تقول وزيرة الخارجية السابقة في كتاب مذكراتها إنها خلال اجتماع حضره بوش «قلت إن لبنان كان على وشك الانهيار وإن الأمم المتحدة ستصوّت قريباً على قرار دولي. لكن ديك تشيني (نائب الرئيس) كرر وجهة نظره بأن على الحرب أن تتواصل». وتشير الى أنها ردّت على تشيني «بصوت عالٍ بما يكفي ليسمعه الآخرون» متوجهة الى بوش، «افعل ذلك.. مدد الحرب، وسيُقضى عليك في الشرق الأوسط». عندها طلب بوش وقف الاجتماع، وقال إنه «سيراجع الجميع بالمسألة». ثم لحقته رايس الى غرفة الاجتماع المصوّر وسألت «كنتُ هناك أفاوض على قرار، والآن لا نريد قراراً؟».
هذا الارتباك الأميركي ولّد خوفاً لدى الإدارة. لم تجر رياح الحرب كما اشتهاها جورج بوش، فاقتنع بأن الشرق الأوسط الجديد الذي تحدث هو ورايس عنه، سيكون مستنقعاً لزجاً ربما ينهي طموحات بلاده ويتركه مع حليف إسرائيلي ضعيف.
لذا، في 31 تموز 2006، دعت رايس مجلس الأمن إلى التوصل لاتفاق سريع لوقف إطلاق النار، انتظر 14 يوماً ليتم إقراره على وقع الصواريخ التي كانت تمطر إسرائيل من جهة والمأزق البري الذي جعل الجيش الاسرائيلي عاجزا عن دخول عيتا الشعب وحدها من جهة ثانية.
ربى الحسيني وعلي شقير
آية الله خامنئي: التكفيريون يحاربون جميع الامة الاسلامية

اشار قائد الثورة الاسلامية آية الله السيد علي خامئني لدى استقباله اليوم الاثنين سلطان عمان السلطان قابوس بن سعيد والوفد المرافق له الى الظروف الحساسة التي تسود المنطقة وضرورة تعزيز التنسيق والتعاون بين طهران ومسقط مشددا على ان السبب الرئيسي للوضع الراهن في المنطقة هو التدخل الاجنبي .
واعتبر قائد الثورة الاسلامية ان احدى القضايا الخطيرة التي تواجهها المنطقة هي اقحام القضايا الدينية والطائفية والمذهبية في الخلافات السياسية واضاف : للاسف فانه وبدعم من بعض دول المنطقة تم تشكيل جماعات تكفيرية تحارب جميع الامة الاسلامية، لكن حماة هذه الجماعات يجب ان يدركوا بان نيران هذه الفتنة ستلتهمهم ايضا .
واكد آية الله خامنئي ان الكيان الصهيوني الذي يحظى بدعم مفتوح من امريكا هو ايضا تهديد دائمي للمنطقة وقال : ان الكيان الصهيوني الفاسد وبسبب امتلاكه لترسانة ضخمة من اسلحة الدمار الشامل يعد تهديدا خطيرا وجادا للمنطقة .
وشدد قائد الثورة على ان المنطقة بحاجة الى ارساء الامن الشامل مضيفا، ان هذا الهدف لن يتحقق الا في ضوء اعلام حظر حقيقي لاسلحة الدمار الشامل في المنطقة .
ولفت الى العلاقات الودية والصميمية القائمة بين ايران وسلطنة عمان والماضي الجيد العالق في اذهان الشعب الايراني حيال عمان حكومة وشعبا مؤكدا ان الارضيات متوفرة لتعزيز وتنمية العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات لاسيما قطاع الطاقة.
وفي هذا اللقاء الذي حظره الرئيس الايراني حسن روحاني اعرب السلطان قابوس عن ارتياحه للقاء قائد الثورة الاسلامية واصفا العلاقات بين ايران وعمان بانها ممتازة بناء على القواسم التأريخية والثقافية بين البلدين وقال : لقد ناقشنا خلال لقائنا مع الرئيس الايراني ارضيات تعزيز وتنمية التعاون بين البلدين في مختلف المجالات الاقتصادية والترانزيتية لاسيما قطاع الطاقة .
واعرب عن تأييده لتوجيهات قائد الثورة في خصوص ان المنطقة تواجه ظروفا حساسة وخطيرة لاسيما تهديدات الكيان الصهيوني مشددا بالقول: ان الخروج من الظروف الراهنة بحاجة الى الاخذ بنظر الاعتبار لمصلحة شعوب المنطقة وتعاون دولها فيما بينها .
تفاهم «كيميائي» أميركي ـ روسي

بعد مجلس الأمن الدولي، التفاهم الأميركي ــ الروسي على احتواء أزمة الكيميائي السوري يستمر، ويبدأ البحث عن وسيلة لإخراج فريق آكي سلستروم الأممي للتحقيق الكيميائي من فندق «فور سيزنز» إلى غوطة دمشق.
الأميركيون والروس كلفوا وزيري خارجيتيهما جون كيري وسيرغي لافروف بالعمل معاً، لإقناع حلفائهما تباعاً في المعارضة والنظام بتسهيل مهمة الفريق الأممي، ورعاية وقف إطلاق للنار في المناطق التي سيزورها مفتشو الكيميائي، وتأمين ممرات آمنة لهم، وسلامة الفريق الأممي.
وأظهرت المشاورات الهاتفية بين لافروف وكيري، أمس، قراراً أميركياً ــ روسياً واضحاً بعدم ترك المتشددين يستغلون الفرصة لنسف العملية السياسية التي يجري التحضير لها في لاهاي نهاية آب الحالي وفي جنيف منتصف تشرين الأول المقبل بحسب معلومات لـ«السفير».
وأعرب المبعوث العربي والدولي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي عن اعتقاده أن الهجوم الكيميائي يجب أن يسرّع مسألة الإعداد لعقد مؤتمر «جنيف 2 ويجب أن يثبت للعالم انه لا يوجد حل عسكري». وأعلن نقل مكتبه والموظفين معه إلى جنيف، موضحاً انه كان يخطط لهذا الأمر منذ زمن بعيد والآن حان الوقت لذلك.
وبدا أن الوزيرين يشرفان على إدارة أزمة الكيميائي السوري، لتبريد الأجواء، واستعادة الملف من المحاربين، والتأكد من الوقائع. وبرغم انه لم يصدر موقف رسمي سوري بالقبول بتوسيع مهمة الخبراء الدوليين إلى غوطة دمشق، فالأرجح أن لافروف حصل على موافقة حليفه الدمشقي، قبل الإعلان انه «يحث الحكومة السورية على التعاون معهم» ليطلب من كيري إقناع حلفائه في المقابل «بضمان ممر آمن للبعثة الكيميائية».
ويعكس التفاهم على التبريد المشترك ليس الحاجة إلى فرض العملية السياسية فحسب، وإنما ضرورتها كخيار لا بديل عنه يلتقي عنده الأميركيون والروس، في لحظة تتبلور فيها المواجهة التي أصبحت أكثر وضوحاً مع الرافضين داخل المعارضة السورية لأي مؤتمر في جنيف، وتصعد فيها قوة الجماعات «الجهادية» التي لن تسخر أي تغيير في ميزان القوى العسكري لمصلحة تحسين شروط التفاوض مع النظام السوري، كما كانت تأمل واشنطن التي دعمت قبل شهرين تأجيل «جنيف 2»، وإنما للقضاء عليها نهائياً.
وقاد هذا الأمر البيت الأبيض، على لسان ناطقة باسمه، إلى التملص من التزامات بالخط الكيميائي الأحمر، عندما قالت أمس الأول «إننا لا نستطيع التحدث عن خطوط حمر بشأن الكيميائي، ولم يحدد احد أي خطوط حمر».
ولا يبدو أن أزمة بحجم الكيميائي السوري، استطاعت إحداث شرخ في التفاهم الروسي ــ الأميركي، فضلا عن تقارب غير معلن في تبادل المعلومات وقراءة القرائن التي لا تشير بالضرورة إلى ما تشير إليه أصابع المعارضة.
وفضلا عن التمسك بطوق النجاة في جنيف، يظل «النأي بالنفس» الأميركي سارياً، بالإضافة إلى تجاهل اتهامات المعارضة السورية للنظام السوري بارتكاب «مجزرة الغوطة الكيميائية»، وترك أمر ضبط معالجة الأزمة إلى الأمم المتحدة وحدها التي بدت ملجأ الطرفين لتحديد المسؤوليات عن مجزرة الغوطة. إذ تملص الرئيس الأميركي باراك أوباما من أي نية في مواجهة النظام السوري، من دون تفويض أممي، يعرف مسبقاً انه لن يأتي بوجود روسيا والصين في مجلس الأمن، مشيراً للمرة الأولى إلى عدم وجود الحلفاء الموثوقين.
وقال أوباما، في مقابلة مع شبكة «سي ان ان» الأميركية، «إذا ذهبت الولايات المتحدة وهاجمت دولة أخرى من دون تفويض من الأمم المتحدة، ومن دون أدلة واضحة، فسيكون هناك تساؤلات هل يدعم القانون الدولي ذلك، وهل لدينا التحالف اللازم لذلك؟».
وبدت سوريا لأوباما مشكلة طائفية معقدة، أكثر منها مسرحاً لهجوم كيميائي محرم، مستنتجاً أن «فكرة أن الولايات المتحدة تستطيع التدخل لحل مشكلة طائفية معقدة، أمر مبالغ فيه». وأعلن انه أمر أجهزة الاستخبارات بجمع معلومات إضافية حول هذا الهجوم.
وأكد البيت الأبيض أن موقف أوباما هو أنه لا يتوقع إرسال قوات أميركية إلى سوريا وإن كان ما زال يدرس كيفية الرد على مزاعم حدوث هجوم كيميائي هناك. وقال مسؤول أميركي، لوكالة «فرانس برس» انه لم يتم خلال اجتماع في البيت الأبيض بين مسؤولين من الاستخبارات ووزارة الخارجية والبنتاغون بحث «إرسال قوات على الأرض أو إقامة منطقة حظر جوي».
ومن المنتظر، في الساعات المقبلة، أن تلتحق بمجموعة اكي سلستروم، مجموعة إضافية من المحققين الدوليين لتعزيز عمل الفريق الكيميائي، إذا ما توفرت لهم شروط الأمان على الأرض. وكان «لواء الإسلام» اصدر أمس بياناً تعهد فيه بتوفير شروط السلامة للبعثة الدولية. وأصدر «الائتلاف الوطني السوري» بياناً مماثلا تعهد فيه أيضاً بتوفير تلك الشروط، علماً أن «القيادة العسكرية الموحدة» لا تملك إمرة حقيقية على أكثر الكتائب المنتشرة في منطقة جوبر وزملكا، حيث ينبغي أن يعمل المحققون، وحيث تنتشر كتائب «جبهة فتح العاصمة» التي وضعت نفسها بإمرة «جبهة النصرة».
وتبرز تباينات جغرافية في الإحداثيات التي يقدمها «الائتلاف» وتلك التي قدمها «لواء الإسلام» لما يقولان انه المواقع التي أطلق منها الجيش السوري «الصواريخ الكيميائية» باتجاه زملكا وجوبر. ففي حين قال الأمين العام لـ«الائتلاف» بدر جاموس ان اللواء ١٥٥ المتمركز في القلمون، واللواء ١٢٧ المتمركز في السبينة هما من نفذا عمليات القصف، يتهم بيان «لواء الاسلام» اللواء ١٠٥ ومدفعيته المتمركزة في جبل قاسيون والمزة بقصف عربين وجوبر، على مشارف العاصمة نفسها بالصواريخ الكيميائية.
وتستطيع لجنة التحقيق الدولية البدء بتفحص جثث 16 جندياً وضابطاً سورياً، و41 جريحاً من العسكريين، الذين أصيبوا بحالات اختناق بالكيميائي في موجة الهجوم الميداني الأولى التي قام بها اللواء ١٠٥ نحو عربين وحدها، بعد تحرك ارتاله عند السادسة صباح الأربعاء، حيث نقلت ٣٩ سيارة إسعاف إصابات عسكرية بالكيميائي نحو مستشفى يوسف العظمة العسكري.
وكان الجيش السوري قد بدأ هجوم «درع المدينة» على مواقع المعارضة، بالتمهيد له بالقصف المدفعي الكثيف، قبل إطلاق ارتال المشاة والدبابات في جوبر وعربين وزملكا. وكان ناطق باسم الجيش السوري قد وصف الاتهامات باستخدام الجيش للكيميائي «بأنه عمل انتحاري»، إذ ليس منطقياً أن يمهد الجيش لهجوم بقصف كيميائي ثم يطلق جنوده نحو الأهداف التي تلوثت كيميائياً، من دون أن يعد ذلك من قبيل الانتحار.
ويستند الهجوم الروسي، على ضمانات عدة لإقناع الحكومة السورية بأنه لا مخاطر سياسية أو ديبلوماسية من ان تتحول بعثة التحقيق الكيميائية الى بعثة تفتيش تكرر السيناريو العراقي، أولها أن البعثة لن تتجاوز في الوقت الحاضر تحديد ما إذا كان الكيميائي قد استخدم أم لا. إذ أن تحديد حضور الكيميائي وتسببه بمقتل المئات من المدنيين كما تقول المعارضة، ليس عنصراً عدوانياً بحد ذاته، وان تحديد هوية من استخدم الكيميائي ومن قصف والمواقع التي خرج منها هي مهمة لن ينفرد بها فريق سلستروم، وإنما ستعمل تقارير الاستخبارات الغربية والعربية وغيرها، على تقديم المعلومات الضرورية إلى الأمم المتحدة، كما جرت العادة.
وتملك أجهزة الاستخبارات الروسية والغربية «لائحة بصمات الكيميائي» الذي تم تسليمه في التسعينيات إلى العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، والذي تحوم شبهات على نقل جزء منه في الأشهر الأخيرة إلى سوريا. ويمكن استكمال المعلومات بطلب البعثة صور الأقمار الاصطناعية من دول مجلس الأمن، التي تملك تلك الصور، لإنجاز عملها وتحديد هوية المسؤول عن عملية القصف بالكيميائي.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر أمنية أميركية وأوروبية قولها إن تقييماً مبدئياً لأجهزة الاستخبارات الأميركية وأخرى متحالفة معها «تشير إلى أن القوات السورية استخدمت أسلحة كيميائية لمهاجمة منطقة قرب دمشق وإن الهجوم حصل على الأرجح على موافقة من مسؤولين كبار في الحكومة».
حَقّ الصّاحِبِ
32. وَ أَمّا حَقّ الصّاحِبِ فَأَنْ تَصْحَبَهُ بِالْفَضْلِ مَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ إِلّا فَلَا أَقَلّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَ أَنْ تُكْرِمَهُ كَمَا يُكْرِمُكَ وَ تَحْفَظَهُ كَمَا يَحْفَظُكَ وَ لَا يَسْبِقَكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ إِلَى مَكْرُمَةٍ فَإِنْ سَبَقَكَ كَافَأْتَهُ وَ لَا تُقَصّرَ بِهِ عَمّا يَسْتَحِقّ مِنَ الْمَوَدّةِ تُلْزِمُ نَفْسَكَ نَصِيحَتَهُ وَ حِيَاطَتَهُ وَ مُعَاضَدَتَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبّهِ وَ مَعُونَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا لَا يَهُمّ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبّهِ ثُمّ تَكُونُ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَ لَا تَكُونُ عَلَيْهِ عَذَاباً وَ لا قُوّةَ إِلّا بِاللّهِ





























