Super User

Super User

الثلاثاء, 24 أيلول/سبتمبر 2013 05:31

حَقّ الصّغِيرِ

44. وَ أَمّا حَقّ الصّغِيرِ فَرَحْمَتُهُ وَ تَثْقِيفُهُ وَ تَعْلِيمُهُ وَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَ السّتْرُ عَلَيْهِ وَ الرّفْقُ بِهِ وَ الْمَعُونَةُ لَهُ وَ السّتْرُ عَلَى جَرَائِرِ حَدَاثَتِهِ فَإِنّهُ سَبَبٌ لِلتّوْبَةِ وَ الْمُدَارَاةُ لَهُ وَ تَرْكُ مُمَاحَكَتِهِ فَإِنّ ذَلِكَ أَدْنَى لِرُشْدِهِ

الثلاثاء, 24 أيلول/سبتمبر 2013 04:58

سيرة سماحة السيد موسى الصدر

سيرة سماحة السيد موسى الصدر

الامام السيد موسى الصدر هو ابن السيد صدر الدين ابن السيد اسماعيل ابن السيد صدر الدين ابن السيد صالح شرف الدين، من جبل عامل في جنوب لبنان.

ولد السيد صالح شرف الدين في قرية شحور ( قضاء صور- جنوب لبنان) سنة 1122هـ. وأقام فيها ، وكان عالماً دينياً جليلاً، وكان يملك مزرعة اسمها (شدغيت) بالقرب من قرية معركة (قضاء صور)، وفي هذه المزرعة ولد ابنه السيد صدر الدين.

تعرض السيد صالح شرف الدين لاضطهاد أحمد الجزّار، في إطار حملة الجزار الشاملة باضطهاد العلماء المسلمين الشيعة في جبل عامل، فأقدم جنود الجزار على قتل ابنه الاكبر السيد هبة الدين، وكان في الحادية والعشرين من عمره، أمام بيت والده في قرية شحور وبحضوره، ثم اعتقلوا السيد صالح وبقي تسعة أشهر في معتقله في عكا إلى أن تمكن من الفرار إلى العراق حيث أقام في النجف الأشرف.

تبع السيد صالح إلى النجف الاشرف أخوه السيد محمد الذي ألحق به زوجته وولديه السيد صدر الدين والسيد محمد علي.

صار السيد صدر الدين ابن السيد صالح من جهابذة علماء الدين وتزوج ابنة المجتهد الاكبر الشيخ كاشف الغطاء، ثم نزح إلى أصفهان في ايران، وأنجب خمسة علماء دين أصغرهم السيد اسماعيل الذي ترك أصفهان وأقام في النجف الأشرف وعرف باسم السيد الصدر وانعقدت له المرجعية العامة للشيعة إلى أن توفي سنة 1338هـ. تاركاً أربعة أولاد صاروا علماء دين، أولهم السيد محمد مهدي الذي صار أحد مراجع الدين الكبار في الكاظمية قرب بغداد وشارك في الثورة العراقية ( ابن عمه السيد محمد الصدر تولى رئاسة الوزارة في العراق وكان أحد قادة الثورة العراقية الكبار وشملت قيادته منطقتي سامراء والدجيل)، وثانيهم السيد صدر الدين ( والد الامام السيد موسى الصدر) قاد في شبابه حركة دينية تقدمية وارتبط اسمه بالنهضة الادبية العراقية ثم هاجر إلى ايران واستوطن خراسان وتزوج من السيدة صفية ( والدة الامام السيد موسى الصدر) كريمة السيد حسين القمي المرجع الديني للشيعة ، واستدعاه المرجع العام الشيخ عبد الكريم اليزدى ليقيم معه في (قم) معاوناً له في إدارة الحوزة الدينية ، وصار أحد أركان هذه الحوزة الكبار ومرجعاً معروفاً، وأنشأ مؤسسات علمية ودينية واجتماعية وصحية ، وتوفي سنة 1954م.

ثانياً: نشأته وعلومه

ولد الامام السيد موسى الصدر في 15 نيسان 1928م في مدينة "قم" في ايران حيث تلقى في مدارسها الحديثه علومه الابتدائية والثانوية، كما تلقى دراسات دينية في كلية "قم" للفقه.

تابع دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة طهران ، وكانت عمّته أول عمامة تدخل حرم هذه الجامعة، وحاز الأجازة في الاقتصاد.

أتقن اللغتين العربية والفارسية، وألّم باللغتين الفرنسية والانكليزية.

صار أستاذاً محاضراً في الفقه والمنطق في جامعة "قم" الدينية.

أنشأ في "قم" مجلة باسم "مكتب إسلام" أي المدرسة الاسلامية، امتيازها باسمه، وأدارها سنوات، وصارت أكبر مجلة دينية في ايران.

انتقل في سنة 1954 إلى العراق ، وبقي في النجف الأشرف أربع سنوات يحضر فيها دروس المراجع الدينية الكبرى: السيد محسن الحكيم، الشيخ محمد رضا آل ياسين والسيد ابو القاسم الخوئي، في الفقه والأصول.

تزوج سنة 1955 ورزق أربعة أولاد: صبيان وبنتان.

ثالثاً: كتاباته ومحاضراته

1 - مؤلفات: جمعت بعض محاضراته وأبحاثه في كتابين

أ- منبر ومحراب..

ب- الاسلام عقيدة راسخة ومنهج حياة ..

وقد بدأ مركز الإمام الصدر للأبحاث والدراسات بجمع كتابات ومقالات الإمام ونشرها تباعاً منذ 1995 وقد صدر حتى الآن الكتب التالية:

- الاسلام وثقافة القرن العشرين

- الاسلام والتفاوت الطبقي

- حوارات صحفية (1) : تأسيساً لمجتمع مقاوم

- حوارات صحفية (2) : الوحدة والتحرير

- معالم التربية القرآنية "دراسات للحياة"

- معالم التربية القرآنية "احاديث السحر"

- المذهب الاقتصادي في الإسلام

- أبجدية الحوار

كما أصدر المركز عشرات المقالات المطبوعة في كتيبات منها:

- حوار تصادمي

- الاسلام وكرامة الانسان

- الدين وحركات التحرر

- العدالة الاقتصادية والاجتماعية في الاسلام

- القضية الفلسطينية وأطماع اسرائيل في لبنان

- تقرير الى المحرومين

- رعاية الاسلام للقيم والمعاني الانسانية

- الجانب الاجتماعي في الاسلام

- الاسلام، الاصالة- الروحية- التطور

2 - كتب الإمام مقدمات مطولة للمؤلفات التالية:

- كتاب "تاريخ الفلسفة الاسلامية" للبروفسور الفرنسي هنري كوربان،1966.

- كتاب "القرآن الكريم والعلوم الطبيعية" للمهندس يوسف مروة،1967 .

- كتاب "فاطمة الزهراء" للأديب الجزائري سليمان الكتاني. وهذا الكتاب نال جائزة أحسن كتاب عن فاطمة الزهراء، 1968.

- كتاب "ثمن الجنوب" لمؤلفة جان نانو.

-كتاب "حديث الغدير" لآية الله السيد مرتضى خسروشاهي 1978 .

- كتاب "تاريخ جباع" للاستاذ علي مروة.

3 - محاضرات:

ألقى مئات المحاضرات في الجامعات والمعاهد العلمية اللبنانية وفي الندوة اللبنانية وفي المؤسسات والمراكز الدينية والثقافية والاجتماعية الاسلامية والمسيحية وفي مؤتمرات البحوث الاسلامية في مصر (الازهر) مكة المكرمة،الجزائر والمغرب وفي اوروبا (المانيا وفرنسا) والاتحاد السوفياتي .

محاضراته في مواضيع مختلفة: دينية، تربوية، ثقافية، اجتماعية، وطنية، قومية وانسانية. ولا يزال معظمها غير منشور حتى الآن.

رابعاً: قدومه إلى لبنان

قدم الإمام السيد موسى الصدر إلى لبنان- أرض أجداده - أول مرة سنة 1955، فتعرف إلى أنسبائه في صور وشحور ، وحلّ ضيفاً في دار كبيرهم حجة الاسلام المرجع الديني السيد عبد الحسين شرف الدين الذي تعرف إلى مواهب الإمام الصدر ومزاياه ، وصار يتحدث عنه في مجالسه بما يوحي بجدارته لأن يخلفه في مركزه بعد وفاته.

فبعد أن توفي حجة الاسلام السيد عبد الحسين شرف الدين بتاريخ 30/12/1957، كتبت"صور" رسالة إلى الإمام الصدر في "قم" تدعوه إليها. ولفته المرجع السيد البروجردي إلى ضرورة تلبية الدعوة.

وهكذا قدم الإمام الصدر إلى لبنان في أواخر سنة 1959 وأقام في مدينة صور.

خامساً: نشاطاته قبل إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

بدأ الامام الصدر الرعاية الدينية والخدمة العامة في صور، موسعاً نطاق الدعوة والعمل الديني بالمحاضرات والندوات والاجتماعات والزيارات ، ومتجاوزاً سلوك الاكتفاء بالوعظ الديني إلى الاهتمام بشؤون المجتمع. وتحرّك في مختلف قرى جبل عامل ثم في قرى منطقة بعلبك- الهرمل، يعيش حياة سكانها ومعاناتهم من التخلف والحرمان. ثم تجوّل في باقي المناطق اللبنانية، متعرفاً على أحوالها ومحاضراً فيها ومنشئاً علاقات مع الناس من مختلف فئات المجتمع اللبناني وطوائفه، وداعياً إلى نبذ التفرقة الطائفية باعتبار أن وظيفة الدين هي الاستقامة الاخلاقية و"أن الأديان واحدة في البدء والهدف والمصير " (راجع خطبته في كنيسة الكبوشية، أبجدية الحوار) وداعياً أيضاً إلى نبذ المشاعر العنصرية وإلى تفاعل الحضارات الإنسانية وإلى مكافحة الآفات الاجتماعية والفساد والالحاد.

وفي مدينة صور، نجح في القضاء على التسوّل والتشرّد ، وفي شدّ أواصر الأخوة بين المواطنين من مختلف الطوائف.

وشارك في " الحركة الاجتماعية " مع المطران غريغوار حداد في عشرات المشاريع الاجتماعية. وساهم في العديد من الجمعيات الخيرية والثقافية. وأعاد تنظيم "جمعية البر والاحسان" في صور وتولى نظارتها العامة، وجمع لها تبرعات ومساعدات أنشأ بها مؤسسة اجتماعية لايواء وتعليم الايتام وذوي الحالات الاجتماعية الصعبة ثم أنشأ مدرسة فنية عالية باسم "مدرسة جبل عامل المهنية" وأنشأ مدرسة فنية عالية للتمريض وكذلك مدرسة داخلية خاصة للبنات باسم "بيت الفتاة" . كما أنشأ في صور "معهد الدراسات الاسلامية".

سافر الإمام الصدر إلى عدة بلدان عربية وإسلامية وإفريقية وأوروبية ، مساهماً في المؤتمرات الاسلامية ، ومحاضراً، ومتفقداً أحوال الجاليات اللبنانية والاسلامية ، ودارساً معالم الحياة الاوربية (راجع حول رحلاته كتاب" حوارات صحفية" الجزء الاول- تأسيساً لمجتمع مقاوم) ، ومتصلاً بذوي الفعاليات والنشاطات الإنسانية والاجتماعية والثقافية.

وبعد أن وقف على أحوال الطائفة الاسلامية الشيعية ومناطقها ومؤسساتها في لبنان ، ظهرت له الحاجة إلى تنظيم شؤون هذه الطائفة، باعتبار أن لبنان يعتمد نظام الطوائف الدينية وأن لكل من الطوائف الاخرى تنظيماً يختص بها، وكان قد أنشئ بالمرسوم الاشتراعي رقم 18 تاريخ 13/1/1955 تنظيم خاص بالطائفة الاسلامية السنية يعلن استقلالها، وأنشئ بعده بالقانون الصادر بتاريخ 7/12/62 تنظيم خاص بالطائفة الدرزية ، بحيث بقيت الطائفة الإسلامية الشيعية وحدها دون تنظيم.

فأخذ يدعو إلى إنشاء مجلس يرعى شؤون هذه الطائفة أسوة بالطوائف الأخرى ، ولقيت دعوته معارضة من بعض الزعماء السياسيين في الطائفة ومن بعض القوى خارجها. واستمر متابعاً هذه الدعوة سنوات، وفي مؤتمر صحفي عقده في بيروت بتاريخ 15/8/66 عرض آلام الطائفة ومظاهر حرمانها، بشكل علمي مدروس ومبني على إحصاءات، وبيّن الأسباب الموجبة للمطالبة بإنشاء هذا المجلس ، وأعلن أن هذا المطلب أصبح مطلباً جماهيرياً تتعلق به آمال الطائفة.

وأتت الدعوة نتائجها بإجماع نواب الطائفة الاسلامية الشيعية على تقديم اقتراح قانون بالتنظيم المنشود، أقره مجلس النواب بالاجماع في جلسة 16/5/67، وصدقه رئيس الجمهورية بتاريخ 19/12/1967، وبمقتضاه أُنشئ "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" ليتولى شؤون الطائفة ويدافع عن حقوقها ويحافظ على مصالحها ويسهر على مؤسساتها ويعمل على رفع مستواها. ونص القانون المذكور على أن يكون لهذا المجلس رئيس يمثله ويمثل الطائفة ويتمتع بذات الحرمة والحقوق والامتيازات التي يتمتع بها رؤساء الأديان.

سادساً: نشاطاته بعد توليه رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

1- انتخابه وولايته:

بتاريخ 69/5/23 انتخب الإمام السيد موسى الصدر أول رئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

وكانت ولاية الرئيس محددة في قانون إنشاء المجلس، بست سنوات.

ونظراً لكون ولاية رؤساء الطوائف الأخرى تمتد مدى الحياة، فلقد جرى تعديل مدة ولاية رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بحيث أصبحت لغاية إتمامه الخامسة والستين من العمر. وتم هذا التعديل وفقاً للأصول بعد موافقة الهيئة العام للمجلس بالاجماع بتاريخ 29/3/75

2- برنامجه

أعلن برنامج عمله لتحقيق أهداف المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ، في خطاب ألقاه يوم انتخابه، وفي كلمته الترحيبية برئيس الجمهورية اللبنانية عندما قدم لتهنئته بتاريخ 29/5/69، وفي البيان الأول الذي أصدره بتاريخ 10/6/69.

تضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية الآتية:

- تنظيم شؤون الطائفة وتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.

- القيام بدور إسلامي كامل، فكراً وعملاً وجهاداً.

- عدم التفرقة بين المسلمين، والسعي للتوحيد الكامل.

- التعاون مع الطوائف اللبنانية كافة، وحفظ وحدة لبنان.

- ممارسة المسؤوليات الوطنية والقومية، والحفاظ على استقلال لبنان وحريته وسلامة أراضيه.

- محاربة الجهل والفقر والتخلف والظلم الاجتماعي والفساد الخلقي.

- دعم المقاومة الفلسطينية والمشاركة الفعلية مع الدول العربية الشقيقة لتحرير الأراضي المغتصبة

3- سعيه لحماية جنوب لبنان وصمود أهله

صادفت الأشهر الأولى من بداية ولاية الإمام الصدر، اعتداءات اسرائيلية على منطقة الحدود الجنوبية ، فقاد حملة مطالبة السلطات اللبنانية بتحصين قرى الحدود وتسليح أبناء الجنوب وتدريبهم للدفاع ووضع قانون خدمة العلم وتنفيذ مشاريع إنمائية في المنطقة، وذلك إلى جانب قيامه بحملة توعية حول الأخطار التي تهدد الجنوب مع دعوة المواطنين لعدم النزوح من قراهم الحدودية ولمجابهة الاعتداءات الاسرائيلية.

وتحت ضغط هذه الحملة ، اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بتاريخ 12/1/70 بوضع خطة عامة لتعزيز أوضاع منطقة الحدود الجنوبية

4- تحركه الشعبي لانقاذ الجنوب: إنشاء مجلس الجنوب

تابع الإمام الصدر ، بمحاضراته في المناطق اللبنانية كافة، يطرح وضع جنوب لبنان على المستوى الوطني العام، معبئاً المجتمع اللبناني بأسره ليتحرك باتجاه إنقاذ الجنوب.

وعلى أثر العدوان الإسرائيلي بتاريخ 12/5/70 على القرى الحدودية الجنوبية الذي ألحق خسائر جسيمة بأرواح المواطنين الأبرياء وممتلكاتهم ، وتسبّب بنزوح أكثر من خمسين ألف مواطن من ثلاثين قرية حدودية، بادر الإمام الصدر بتاريخ 13/5/1970إلى دعوة الرؤساء الدينيين في الجنوب، من مختلف الطوائف، فأسس معهم "هيئة نصرة الجنوب" التي أولته رئاستها وأولت نيابة الرئاسة للمطران انطونيوس خريش ( الذي أصبح فيما بعد بطريركاً للطائفة المارونية)، وتبنت هذه الهيئة مطالب الإمام الصدر من أجل حماية الجنوب وتنميته.

ثم دعا الإمام الصدر إلى إضراب وطني سلمي شامل لمدة يوم واحد من أجل الجنوب، وتجاوب كل لبنان مع هذه الدعوة، ونُفذ الاضراب الشامل بتاريخ 26/5/1970، واعتبر حدثاً وطنياً كبيراً.

واجتمع مجلس النواب في مساء اليوم ذاته، فأقر تحت ضغط التعبئة العامة ، مشروع قانون وضع أفكاره الإمام الصدر يقضي بإنشاء مؤسسة عامة تختص بالجنوب، مهتمها "تلبية حاجات منطقة الجنوب وتوفير أسباب السلامة والطمأنينة لها". وصدر هذا القانون بتاريخ 2/6/1970، وسنداً له أنشئ "مجلس الجنوب" وربط برئاسة مجلس الوزراء، وتأمنت لهذا المجلس واردات بلغ مجموعها لغاية منتصف سنة 1980 أكثر من مائتي مليون ليرة لبنانية خصصت لتعزيز صمود الجنوبيين وللتعويض عن أضرار الاعتداءات الإسرائيلية وللإنفاق على مشاريع وخدمات عامة في الجنوب.

سيرة سماحة السيد موسى الصدر

5- حركته من أجل المحرومين:

مع استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على جنوب لبنان في سنة 1971وما يليها ، استمر الامام الصدر حاملاً لواء الدفاع عن هذه المنطقة ومعلناً أن انهيارها يعني انهيار لبنان ، ومؤكداً مطالبته بالتجنيد الاجباري وتعميم الملاجيء وتحصين القرى وتأمين وسائل الدفاع الحديثة.

إلى جانب مطالبته هذه ، قاد الامام الصدر حملة مطالبة السلطة اللبنانية بتنمية المناطق المحرومة وإلغاء التمييز الطائفي وإنصاف الطائفة الإسلامية الشيعية في المناصب الوزارية والوظائف العامة وموازنات المشاريع الانمائية.

أنكر العهد الجمهوري الجديد في لبنان ( عهد الرئيس فرنجية الذي بدأ في أيلول 1970) على المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ورئيسه حقهما القانوني في تعاطي الشؤون العامة ، فتجاهلت الدولة هذه الحملة.

أعلن الإمام الصدر بتاريخ 2/2/1974 معارضته للحكام المسؤولين في لبنان "لأنهم يتجاهلون حقوق المحرومين وواجب تعمير المناطق المتخلفة ويهددون بسلوكهم أمن الوطن وكيانه".

صعد الإمام الصدر حملته من أجل المحرومين ، بمهرجانات شعبية عارمة كان أضخمها مهرجان بعلبك بتاريخ 17/3/74 ومهرجان صور بتاريخ 5/5/74 اللذين ضم كل منهما أكثر من مائة ألف مواطن أقسموا مع الإمام "على أن يتابعوا الحملة، وأن لا يهدأوا إلى أن لا يبقى محروم في لبنان أو منطقة محرومة".

وهكذا ولدت " حركة المحرومين" التي رسم مبادئها الإمام الصدر بقوله: " إن حركة المحرومين تنطلق من الإيمان الحقيقي بالله وبالإنسان وحريته الكاملة وكرامته. وهي ترفض الظلم الاجتماعي ونظام الطائفية السياسية. وتحارب بلا هوادة الاستبداد والاقطاع والتسلط وتصنيف المواطنين. وهي حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وبسلامة أرض الوطن، وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان".

اثر المهرجانات اهتمت قيادة الجيش اللبناني بالمطالب، فشكلت بتاريخ 20/6/74 لجاناً مشتركة من اختصاصيين في الجيش واختصاصيين انتدبهم الإمام الصدر ، لدراسة المطالب وعددها عشرون مطلباً، ولتحديد وسائل تنفيذها. ووضعت هذه اللجان تقارير عن بعض المطالب ، بقيت دون نتيجة. فتابع الإمام الصدر الحملة بنداء وجهة علماء الدين المسلمون الشيعة إلى السلطة بتاريخ 4/8/74" بتأييد حركة المطالبة والتحذير من مغبة الاستمرار في إهمال المطالب أو تمييعها..."، وباجتماعات عقدها مع شخصيات البلاد ورؤساء الطوائف والأحزاب، وبحوار مع نخبة من المفكرين اللبنانيين من مختلف الطوائف انتهى بوثيقة وقعها /190/ مفكراً بإقرار هذه المطالب. ثم دعا الإمام الصدر إلى اجتماع عقدته الهيئة العامة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 13/9/74 وهي تضم أكثر من ألف شخص هم علماء الدين للطائفة ونوابها وكبار موظفيها في الدولة ونخبة من أبنائها المجلين في مختلف النشاطات والفعاليات السياسية والاجتماعية والمهنية والاقتصادية والفكرية . فأقرت هذه الهيئة بالاجماع "التأييد المطلق للإمام الصدر في جهاده الوطني من أجل المطالب، واستنكار موقف الدولة اللامبالي منها، وتفويضه باتخاذ كافة الخطوات في سبيل تحقيق هذه المطالب".

وحدث إثر ذلك أن استقالت الحكومة، وقامت حكومة جديدة تعهدت بموقف ايجابي من المطالب، إلا أنه لم ينقض على حكمها سوى أشهر قليلة، حتى قدمت استقالتها بتاريخ 15/5/57 تحت وطأة حادث مقتل النائب السابق معروف سعد وحادث اوتوبيس عين الرمانة اللذين كانا الشرارة لاندلاع الحرب اللبنانية فيما بعد، وأعلن رئيس تلك الحكومة (رشيد الصلح) في بيان تلاه بالتاريخ المذكور في مجلس النواب أسباب الاستقالة وهي تضمنت حسب نص البيان: "إن الامتيازات الطائفية التي تشكل أساس النظام السياسي اللبناني ... تحولت إلى عائق يمنع أي تقدم ... ويحول دون المساواة الحقيقية بين المواطنين بما يقضي على الحرمان ويرفع من مستوى المناطق المحرومة...

6- دوره في إنشاء أفواج المقاومة اللبنانية " أمل".

في خطاب ألقاه الإمام الصدر بتاريخ 20/1/1975، بمناسبة ذكرى عاشوراء، دعا المواطنين اللبنانيين إلى تشكيل مقاومة لبنانية تتصدى للاعتداءات الإسرائيلية وللمؤامرات التي تدبرها اسرائيل لتشريد اللبنانيين من أرضهم "لأن الدفاع عن الوطن ليس واجب السلطة وحدها، وإذا تخاذلت السلطة فهذا لا يلغي واجب الشعب في الدفاع".

وفي مؤتمر صحفي عقده الإمام الصدر بتاريخ 6/7/1975، أعلن ولادة أفواج المقاومة اللبنانية "أمل"، وقدمها بأنها " أزهار الفتوة والفداء ممن لبوا نداء الوطن الجريح الذي تستمر اسرائيل في الاعتداء عليه من كل جانب وبكل وسيلة". وأوضح أن شباب "أمل" هم الذين استجابوا لدعوته من أجل حماية الوطن وصيانة كرامة الأمة عندما وجه لهذه الغاية دعوته إلى اللبنانيين جميعاً بتاريخ 20/1/1975" في الايام التي بلغت الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب ذروتها ولم تقم السلطات المسؤولة بواجبها الدفاعي عن الوطن والمواطنين".

وبرهن شباب "أمل" على أرض جنوب لبنان، عن مواقف بطولية في عدة معارك مع العدو الإسرائيلي ( معركة الطيبة مثلاً) وسقط منهم شهداء في الهجمات الاسرائيلية المتكررة على الجنوب، وكان لهم فضل كبير في منع صهاينة القطاع الحدودي وفي تثبيت المواطنين في قراهم الجنوبية

7- إنجازاته في المشاريع وبتمليك عقارات للأوقاف:

في بدء ولايته، عمل الإمام الصدر علي تأمين مقر للمجلس الإسلامي الشيعي الاعلى في بناء لائق يتألف من أربعة طوابق ويقوم على عقار مساحته /6375/م مربع، ويحتوي على قاعات واسعة للاجتماعات العامة ، ويقع في محلة الحازمية بضاحية بيروت الشرقية الجنوبية، سجلت ملكية هذا العقار باسم أوقاف الطائفة الإسلامية الشيعية.

كما عمل على تمليك أوقاف الطائفة عقاراً ثانياً في ضاحية بيروت الغربية الجنوبية (محلة خلدة) مساحته /7904/م. مربع ويقوم عليه بناء مؤلف من سبع طوابق، أطلق عليه اسم "مدينة الزهراء الثقافية والمهنية" ، تستعمله مؤسسات الطائفة.

وأمن لمشاريع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الانتفاع من قطعة أرض مساحتها/15034/م مربع من مشاعات قرية الغبيري في ضاحية بيروت الغربية الجنوبية (محلة الجناح) ، أنشأ عليها " مستشفى الزهراء" التابع للمجلس.

وحقق شراء /190/ألف متر مربع من الأراضي في الوردانية ( طريق صيدا-بيروت) لتشييد مؤسسات اجتماعية وثقافية ومهنية عليه. وسجل ملكية هذه الأراضي باسم أوقاف الطائفة.

كما حقق لجمعية البر والاحسان في صور التي يتولى نظارتها العامة، وهي من مؤسسات الطائفة ذات المنفعة العامة، شراء /900/ ألف متر مربع في اللبوة -بعلبك، لإنشاء مدرسة فنية زراعية ومشاريع اخرى عليها.

وعمل على توسيع منشآت وتجهيزات جميعة البر والاحسان في صور، تحقيقا بتوسيع المؤسسات المهنية التابعة لها وإنشاء المدرسة الفنية العالية للتمريض التي استحدثها.

أقام مبرة الإمام الخوئي لرعاية أبناء الشهداء في برج البراجنة (ضاحية بيروت الجنوبية) وفي بعلبك والهرمل.

كما أقام مراكز صحية في برج البراجنة وحي السلم ( ضاحية بيروت الجنوبية) وفي صور، وأقام مدرسة للتعليم الديني في صور.

وقدرت قيمة هذه العقارات والمنشأت والتجهيزات آنذاك بأكثر من مائة مليون ليرة لبنانية.

سابعاً- موقفه من الحرب الداخلية في لبنان

فور انطلاق الشرارة الأولى لهذه الحرب بتاريخ 13/4/1975، بادر الإمام الصدر إلى بذل المساعي الحميدة والجهود لدى مختلف الفرقاء، لخنق الفتنة وتهدئة الوضع ، ووجه نداءاً عاماً نُشر بتاريخ 15/4/1975، حذر فيه من مؤامرات العدو ومخططات الفتنة، ودعا اللبنانيين " لحفظ وطنهم وفي قلبه مكان للثورة الفلسطينية" وناشد الثوار الفلسطينيين" لحفظ قضيتهم التي جعلت لها من قلب لبنان عرشها".

وبادر الإمام الصدر إلى دعوة عدد كبير من نخبة المفكرين وممثلي الفعاليات اللبنانية ، اجتمع منهم/77/شخصا في مركز المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 18/4/1975 وشكلوا من بينهم لجنة دعيت " لجنة التهدئة الوطنية" اجتمعت فوراً بممثل المقاومة الفلسطينية وباشرت مهمتها لتهدئة الاوضاع وتحديد أسباب المحنة ووضع الحلول الآنية والبعيدة المدى، مسترشدة بتوجيهات الإمام الصدر القاضية بوجوب المحافظة على تعايش الطوائف اللبنانية واعتماد الحوار والوسائل الديمقراطية سبيلا لتحقيق الاصلاحات السياسية والاجتماعية ورفض القهر الطائفي و وجوب المحافظة على التعايش اللبناني – الفلسطيني . وصيانة الثورة الفلسطيني.

ولما استمر القتال ، واستقالت الحكومة بتاريخ 26/5/75، وظهرت صعوبات في وجه قيام حكومة جديدة الأمر الذي هدد بخطر انقسام الوطن، أعتصم الإمام الصدر بتاريخ 27/6/75 في مسجد الصفا (الكلية العاملية) ببيروت، متعبدا وصائماً، وأعلن: "نعتصم لنفرض على المواطنين الاعتصام عن السلاح الذي يستعمل ضد اللبنانيين والأخوان ... إننا نريد أن نخنق صفحة العنف بصفحة العبادة والاعتصام والصيام ... فالسلاح لا يحل الأزمة بل يزيد في تمزيق الوطن. " وطالب بالاسراع في ايجاد حكومة وطنية تعيد السلام وتقيم المصالحة الوطنية على أسس واضحة يعاد بناء الوطن عليها وتلبي مطالب المحرومين. ولقيت خطوته تأييداً شاملاً في الاوساط الدينية لدى مختلف الطوائف والاوساط الشعبية والسياسية . وتألفت حكومة جديدة بتاريخ 1/7/1975 فأنهى اعتصامه بعد أن تلقى وعداً بتبني المطالب المطروحة والعمل على تنفيذها. وسارع إلى منطقة بعلبك -الهرمل ليعمل على فك الحصار عن قرية "القاع" المسيحية وتهدئة الاوضاع في المنطقة.

كانت نظرة الإمام الصدر إلى الحرب اللبنانية منذ بدايتها، حسب قوله في جلسة عقدها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 13/9/1975:"ان انفجار الوضع اليوم يؤدي إلى سقوط لبنان وتحجيم المقاومة الفلسطينية وإلحاق الضرر الكبير بسوريا وبالقضية العربية، وهو لمصلحة العدو الإسرائيلي ". ولذا ألح منذ البدء في الدعوة إلى المصالحة الوطنية على أسس جديدة للوطن تحقق العدالة الاجتماعية ومعالجة الحرمان، وتصون جنوب لبنان". وكانت مطالبته بالأسس الجديدة للوطن منطلقة من نظرة عبر عنها في الجلسة المشار اليها بقول:" لم يتفق اللبنانيون منذ الاستقلال وعند إقرار تأسيس لبنان الكبير، على المبادئ الوطنية الأساسية، فاجتنبوا البحث فيها خوفاً من الانقسام، وعرضوا عن ذلك بالمجاملات واستعمال الكلمات ذات المعاني المتعددة ، وباختيار الحلول لمشاكلهم، حتى كاد أن لا نحس بوحدة الشعب اللبناني".

دعا الإمام الصدر لاقامة حوار وطني مهد له بمبادرته التي حققت بتاريخ 4/10/75 عقد مؤتمر قمة للرؤساء الدينيين لمختلف الطوائف اللبنانية ، نتج عنه:

التأكيد على وجوب استمرار تعايش الطوائف في لبنان ،

والدعوة إلى الحوار ووقف القتال،

وتبنى مطلب تحقيق العدالة الاجتماعية،

إنصاف المحرومين

والتمسك بالسيادة الوطنية

ورفض التقسيم

ودعم القضية الفلسطينية.

بتاريخ 27/11/75 أعلن الإمام الصدر ورقة للحوار الوطني، متضمنة مقترحات محددة للاصلاحات المنشودة في شتى الحقول. وعندما نادى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بتاريخ 30/11/75 بالمصالحة الوطنية ، سارع إلى التأييد.

ولما وقعت مجزرة السبت الأسود بتاريخ 6/12/75 وقُتل فيها حوالي مائتي شخص من أبناء الطائفة الاسلامية الشيعية من العمال الأبرياء فيما كانوا بأعمالهم في منطقة مرفأ بيروت، وأُحرقت بتاريخ 11/12/75 وبعده مساكن المسلمين واعتدي عليهم وهجروا من حارة الغوارنة وسبنيه ورويسات الجديدة وعين بياقوت والزلقا الواقعة ضمن مناطق ذات أكثرية مسيحية، وظهرت بوادر للتدخل الاسرائيلي في لبنان مع إقدام اسرائيل على إزالة الشريط الحدودي في بعض المواقع ودخول جيشها الأراضي اللبنانية وقيام طيرانها بتاريخ 2/12/75 بالقصف الجوي الواسع الذي أدى إلى تقديم لبنان شكوى أمام مجلس الأمن، في هذه الظروف أعلن الإمام الصدر في خطبة له في صور بتاريخ 21/12/75 أن ملامح تقسيم الوطن قد برزت، وحذر من مخاطر إقامة اسرائيل جديدة في لبنان وتصفية القضية الفلسطينية والاعتداء الاسرائيلي على الجنوب، ودعا للتدريب وحمل السلاح دفاعاً عن النفوس والوطن ومنعاً للتقسيم، وشدد على وجوب حماية الأقليات من الطوائف الأخرى المقيمة في مناطق إسلامية ، محذراً من الاعتداء والانتقام من الأبرياء، إلى جانب ذلك استمر بوجه النداءات لوقف القتال وإعادة النظام والسيادة الوطنية وللعودة إلى الحوار والتلاقي.

شارك الإمام الصدر في اجتماعات القمة الإسلامية التي تكونت من رؤساء الطوائف الإسلامية ورئيس الوزراء وبعض كبار الشخصيات الاسلامية السياسية، والتي رفضت الحكومة العسكرية المعينة بتاريخ 23/5/75، ورحبت بالمبادرة السورية التي أدت إلى " الوثيقة الدستورية" التي أعلنها رئيس الجمهورية اللبنانية بتاريخ 14/2/1976.

اعتبر " الوثيقة الدستورية" مدخلا للسلام النهائي في لبنان وأرضية للوفاق الوطني، وأن كل تعديل لها يجب أن يتم بالطرق الديمقراطية والحوار الهادىء في المستقبل، وعلى هذا الأساس استمر بتأييد الوساطة السورية الرامية إلى إنهاء الحرب وإجراء مصالحة وطنية ، وشجب بشدة استئناف القتال في أواخر آذار 1976 وتوسيع رقعته في الجبال.

بذل جهوداً لإزالة سوء التفاهم بين المقاومة الفلسطينية وبين سورية ، وتحمل لهذه الغاية مخاطر الانتقال مراراً إبان المعارك بين بيروت ودمشق، وأمن اللقاء بين الرئيس الاسد ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ، بحضوره وإسهامه في إنجاح المحادثات، بتاريخ 6/5/76، الأمر الذي أسهم في تأمين انعقاد مجلس النواب اللبناني بتاريخ 8/5/76 حيث تم انتخاب رئيس الجمهورية الجديد وتحقق بذلك استمرار السلطة الشرعية اللبنانية. واستأنف هذه الجهود خلال شهري حزيران وتموز 1976 عندما اهتزت العلاقات مجددا بين الطرفين.

عارض الإمام الصدر بشدة أعمال الجبهتين المتحاربتين في لبنان، في إنشاء "إدارات محلية" تابعة لهما، بديلة عن الادارات الرسمية ، وندد بهذه الاعمال في بيانه بتاريخ 27/4/76، معتبراً هذه الاعمال أنها تمهيد لتقسيم الوطن وناعتاً القائمين بها أنهم انفصاليون . وانتقل إلى بعلبك بتاريخ 23/7/76 يعمل على إحياء الادارات الرسمية في محافظة البقاع، ولبى المحافظ دعوته ابتداء من تاريخ 7/8/76 حيث عاد إلى مزاولة وظيفته وأعيد سير دوائر المحافظة

ثامناً- سعيه لإنهاء الحرب الداخلية في لبنان

أدرك الإمام الصدر أن إنهاء الحرب في لبنان يتطلب قراراً عربياً مشتركا. وأن هذا القرار يجب أن يسبقه وفاق وطني.

فانتقل الإمام الصدر إلى دمشق بتاريخ 23/8/76 ومنها انتقل إلى القاهرة بتاريخ 2/9/76، عاملا على تنقية الاجواء بين البلدين وتوحيد موقفيهما من حرب لبنان من أجل إنهائها . واستمر لغاية 13/10/76 متنقلا بين هذين البلدين وبين السعودية والكويت ومتصلا برئيس الجمهورية اللبنانية الجديد وبالمقاومة الفلسطينية ، ساعياً مع الملوك والرؤساء والمسؤولين العرب لتحقيق تضامن عربي يُنهي حرب لبنان. وأثمرت هذه المساعي مع مساعي مسؤولين عرب وانتهت بانعقاد مؤتمر قمة الرياض بتاريخ 16/10/76 الذي تلاه مؤتمر قمة القاهرة بتاريخ 25/10/76، وفيهما تقرر إنهاء الحرب اللبنانية وفرض ذلك بقوات الردع العربية.

مع دخول قوات الردع العربية ، دعا الإمام الصدر إلى الخروج من أجواء الحرب والالتفاف حول الشرعية اللبنانية والتمسك بوحدة لبنان الواحد وصيانة كيانه واستقلاله وإعادة بناء الوطن ومؤسساته. وأعلن بتاريخ 11/5/1977 ورقة عمل بمقترحات الاصلاحات السياسية والاجتماعية والمبادئ الاساسية لبناء لبنان الجديد متمسكا بصيغة التعايش بين طوائفه الدينية. ونادى بفضل الازمة اللبنانية عن أزمة الشرق الاوسط، وبوضع اتفاق بديل لإتفاق القاهرة في تنظيم العلاقات بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية .ودعا الحكم اللبناني لاتخاذ مواقف حازمه ممن يعرقلون مسيرة السلام والوفاق

تاسعاً- سعيه لإنقاذ جنوب لبنان

لم تدخل قوات الردع العربية جنوب لبنان، ولم تتمكن السلطة اللبنانية من بسط سيادتها على هذه المنطقة ، فانتقل إليها صراع الفئات والقوى التي كانت تتصارع على الآراضي اللبنانية الاخرى قبل دخول القوات المذكورة.

واشتدت محنة جنوب لبنان وباتت هذه المنطقة مسرحاً لأحداث خطيرة تهدد مصيرها، فيما الإمام الصدر يتابع مساعيه مع المسؤولين والقيادات في لبنان، ورؤساء بعض الدول العربية ، ويرفع صوته في الخطابات والأحاديث الصحفية والمناسبات ، ابتداء من أواخر سنة 1976 وطيلة سنة 1977 وفي أوائل سنة 1978 محذراً من كارثة في جنوب لبنان ومن خطر تعريضه للاحتلال الإسرائيل ولمؤامرات التوطين، وداعياً لتحقيق السلام في هذه المنطقة ولإعادة سلطة الدولة اللبنانية عليها. ولما حصل الاجتياح الإسرائيلي لهذه المنطقة بتاريخ 14/3/1978، واستقر الاحتلال الإسرائيلي في الشريط الحدودي من جنوب لبنان، قام الإمام الصدر بجولة جديدة على الدول العربية ، يعرض خلالها على الملوك والرؤساء العرب واقع الاوضاع في هذه المنطقة مطالباً بإبعاد لبنان عن ساحة الخلاف العربي وبعقد مؤتمر قمة عربية محدود يعالج قضية جنوب لبنان ويعمل على إنقاذه.

وبعد أن زار لهذه الغاية سوريا والاردن والسعودية والجزائر، انتقل إلى ليبيا بناء على إشارة من الرئيس الجزائري بومدين بتاريخ 25/8/1978

اخفاؤه في ليبيا

وصل الامام الصدر الى ليبيا بتاريخ25/8/1978 يرافقه فضيلة الشيخ محمد يعقوب والصحافي الاستاذ عباس بدر الدين ، في زيارة رسمية، وحلوا ضيوفاً على السلطة الليبية في "فندق الشاطئ" بطرابلس الغرب.

وكان الامام الصدر قد أعلن قبل مغادرته لبنان، أنه مسافر إلى ليبيا من أجل عقد اجتماع مع العقيد معمر القذافي.

أغفلت وسائل الاعلام الليبية أخبار وصول الامام الصدر إلى ليبيا ووقائع أيام زيارته لها، ولم تشر إلى أي لقاء بينه وبين العقيد القذافي أو أي من المسؤولين الليبيين الآخرين. وانقطع اتصاله بالعالم خارج ليبيا، خلاف عادته في أسفاره حيث كان يُكثر من اتصالاته الهاتفية يومياً بأركان المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في لبنان وبعائلته.

شوهد في ليبيا مع رفيقيه ، لآخر مرة ، ظهر يوم 31/8/1978.

بعد أن انقطعت أخباره مع رفيقيه، وأثيرت ضجة عالمية حول اختفاءه معهما، أعلنت السلطة الليبية بتاريخ 18/9/1978 أنهم سافروا من طرابلس الغرب مساء يوم31/8/1978 إلى ايطاليا على متن طائرة "أليطاليا".

وجدت حقائبه مع حقائب فضيلة الشيخ محمد يعقوب في فندق "هوليداي ان" في روما.

أجرى القضاء الايطالي تحقيقاً واسعاً في القضية انتهى بقرار اتخذه المدعي العام الاستئنافي في روما بتاريخ 12/6/79 بحفظ القضية بعد أن ثبت أن الامام الصدر ورفيقيه لم يدخلوا الأراضي الايطالية.

وتضمنت مطالعة نائب المدعي العام الايطالي المؤرخة في 19/5/79 الجزم بأنهم لم يغادروا ليبيا.

أبلغت الحكومة الايطالية رسمياً، كلاً من الحكومة اللبنانية والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في لبنان، وحكومة الجمهورية العربية السورية، وحكومة الجمهورية الاسلامية الايرانية، أن الامام الصدر ورفيقيه لم يدخلوا الاراضي الايطالية ولم يمروا بها "ترانزيت".

أوفدت الحكومة اللبنانية بعثة أمنية إلى ليبيا وايطاليا، لاستجلاء القضية فرفضت السلطة الليبية السماح لها بدخول ليبيا، فاقتصرت مهمتها على ايطاليا حيث تمكنت من إجراء تحقيقات دقيقة توصلت بنتيجتها إلى التثبت من ان الامام الصدر ورفيقيه لم يصلوا إلى روما وأنهم لم يغادروا ليبيا في الموعد والطائرة اللذين حددتهما السلطة الليبية في بيانها الرسمي.

أعلن المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ، في بيانات عدة ، وخاصة في مؤتمرين صحفيين عقدهما نائب رئيس هذا المجلس في بيروت بتاريخ 31/8/79 و10/4/1980 مسؤولية العقيد القذافي شخصياً عن إخفاء الامام الصدر ورفيقيه، كما أعلنت هذه المسؤولية أيضاً منظمة التحرير الفلسطينية في مقال افتتاحي في صحيفتها المركزية "فلسطين الثورة - العدد 949 تاريخ 11/12/1979".

وأعلن أيضاً نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، أن ملوكاً ورؤساء عرب أبلغوه وأبلغوا ممثلي المجلس مسؤولية العقيد القذافي عن هذا الإخفاء.

الإثنين, 23 أيلول/سبتمبر 2013 06:12

ميركل: مستشارة ألمانيا لولاية ثالثة

ميركل: مستشارة ألمانيا لولاية ثالثة

أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (59 عاماً) موقعها كأقوى امرأة سياسية في العالم، بعدما أصبحت أول زعيمة أوروبية يُعاد انتخابها منذ الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت بالاتحاد الأوروبي.

وحققت المستشارة المحافظة، أمس، نصراً شخصياً في الانتخابات التشريعية، حيث حصد حزبها، الاتحاد المسيحي الديموقراطي أكثر من 42 في المئة من الأصوات لتبقى بذلك على رأس المستشارية لولاية ثالثة، لكن بشرط التحالف مع المعارضة.

وعلى الأثر، أبدت ميركل سعادتها بـ«النتيجة الرائعة» التي حققها حزبها، ووعدت بـ«أربع سنوات جديدة من النجاح».

وقالت: «معاً سنقوم بكل ما في وسعنا لنجعل السنوات الأربع المقبلة أربع سنوات من النجاح لألمانيا».

لكن يبدو أنه سيكون عليها أن تشكل حكومة مع المعارضة الاشتراكية الديموقراطية، بحسب تقديرات شبكات التلفزيون.

فقد أتاحت لحزبها تحقيق أفضل نتيجة له منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990 بحصوله على 42,5 في المئة من الأصوات بارتفاع نسبته تسع نقاط عن النتيجة التي حققها في الانتخابات الأخيرة عام 2009، حسب الأرقام التي أذاعتها شبكة التلفزيون العامة «ZDF».

وجاء حزبها متقدماً بفارق كبير عن الحزب الاشتراكي الديموقراطي الذي حصل على 26,5 في المئة (+3,5) ليبقى قريباً من أدنى مستوى في تاريخه الذي سجله قبل أربع سنوات.

إلا أن حليف ميركل الليبرالي، الحزب الديموقراطي الحر، خرج من البرلمان بعد فشله للمرة الأولى ما بعد الحرب في الحصول على نسبة الـ 5 في المئة اللازمة، إذ لم يحصد سوى 4,5 في المئة، حسب التقديرات الأولية.

في المقابل، حقق حزب جديد معارض لليورو باسم «البديل من أجل ألمانيا»، يطالب بالخروج من منطقة اليورو، قفزة كبيرة بحصوله على 4,8 في المئة من الأصوات، رغم عدم تحقيقه النسبة المطلوبة لدخول البرلمان، وذلك نظراً إلى حداثة عهده، حيث لم ينشأ إلا في الربيع الماضي. ويأمل هذا الحزب تشكيل قوة ضغط مستغلاً معارضة الكثير من الألمان لخطط الإنقاذ التي تقدم للدول الأوروبية التي تعاني أزمات اقتصادية.

كذلك سجل حزب الخضر تراجعاً واضحاً بحصوله على 8 في المئة (-2,7) وذلك بسبب سوء استراتيجية حملته الانتخابية والجدل الذي أثاره تساهله القديم حيال الاستغلال الجنسي للأطفال. وتراجع كذلك حزب اليسار بأكثر من ثلاث نقاط حيث حصد 8,5 في المئة.

وهكذا، فإن إجمالي أصوات اليسار بلغ 43 في المئة، وهي نتيجة أضعف من تلك التي سجلها في انتخابات عام 2009 التي حصد فيها 45,6 في المئة.

ومع ثاني أسوأ نتيجة له ما بعد الحرب، يبدو أن الحزب الاشتراكي الديموقراطي يجني نتيجة الحملة الفاشلة لزعيمه بيير شتاينبروك (66 عاماً) الذي ارتكب سلسلة من الهفوات، آخرها صورته وهو يرفع إصبعه الأوسط في إشارة بذيئة على غلاف إحدى المجلات قبل أسبوع من موعد الانتخابات.

وهكذا حصلت ميركل على أصوات 62 مليون ناخب ألماني اعتبروا أنها نجحت في إدارة أزمة اليورو وتمكنت من إنقاذ أول اقتصاد أوروبي.

فمنذ هذه الأزمة الاقتصادية، لم يفز أيّ من نظرائها في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا أو في بريطانيا بولاية جديدة.

وفي ألمانيا ما بعد الحرب، وحدهما كونراد أديناور ومستشار التوحيد هيلموت كول، تمكنا من الفوز بثلاث ولايات في المستشارية.

وركزت ميركل التي تحكم أكبر بلد أوروبي من حيث عدد السكان، والتي تلقّب تودداً بـ«الأم» داخل حزبها، حملتها الانتخابية على شعبيتها الشخصية وحصيلة أدائها.

وقالت «تعلمون من أنا، إنكم تعرفونني، فقد نجحنا معاً في أن نجعل في 2013 عدداً كبيراً من الناس في وضع أفضل من 2009»، مشيرة الى انخفاض معدل البطالة في ألمانيا الى 6,8 في المئة.

لكن يبدو أنه لن يكون أمام ميركل خيار غير تشكيل حكومة ائتلافية مع الحزب الاشتراكي الديموقراطي، كما يرى المحللون.

وينذر مثل هذا «الائتلاف الكبير» بين أكبر حزبين في البلاد، كما حدث في ولايتها الأولى (2005 - 2009)، باتباع سياسة أكثر ميلاً الى اليسار، إذ إن الاشتراكيين الديموقراطيين ركزوا خلال حملتهم على المطالبة بزيادة الضرائب على الأكثر ثراءً وتحديد حد أدنى للأجور بنسبة 8,50 يورو في الساعة.

ورغم هذه النتائج المشجعة، سيكون على ألمانيا مواجهة العديد من التحديات حيث يوجد فيها أكبر عدد من ذوي الرواتب الدنيا في أوروبا، كما تعاني من أقل نسبة ولادات في العالم ما يشكل قنبلة موقوتة بالنسبة إلى اقتصادها.

وكان استطلاع لرأي الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع قد أظهر أن تكتل المستشارة فاز بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات أمس، ما يمهد الطريق أمام تولّيها المستشارية لفترة ثالثة.

وأظهر الاستطلاع الذي أجرته محطة «ARD» التلفزيونية أن الكتلة المحافظة بزعامة ميركل، والتي تضم حزبها الاتحاد الديموقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، حصلت على 42 في المئة من الأصوات، وهي أكبر حصيلة لهما منذ عام 1990.

الإثنين, 23 أيلول/سبتمبر 2013 05:44

200 قتيل وجريح بتفجير كنيسة في بيشاور

200 قتيل وجريح بتفجير كنيسة في بيشاور

جاء الدور هذه المرة على الأقلية المسيحية في باكستان لتكون الطرف المستهدف من «الإرهاب» الذي حصد 75 قتيلاً على الأقل في أكبر هجوم يتعرض له المسيحيون في هذا البلد

قتل 75 شخصاً على الأقل وأصيب 125 آخرون بجروح، غالبيتهم في حال حرجة، أمس، في هجوم انتحاري مزدوج أمام كنيسة «جميع القديسين» لدى الخروج من قداس في بيشاور شمال غرب باكستان، في أكبر هجوم دموي تتعرض له الأقلية المسيحية في البلاد.

ووقع الهجوم الذي لم تعلن أي جهة مسؤوليته عنه، أمس في بيشاور كبرى مدن شمال غرب باكستان، المنطقة التي تتعرض بانتظام لهجمات دامية تنسب بمعظمها إلى مقاتلي حركة طالبان.

وذكر الشرطي محمد نور خان أن الانتحاري هاجم الكنيسة، بينما كان المصلون يغادرون بعد حضور قداس في الكنيسة الواقعة في حي كوهاتي غيت، مضيفاً إنه تم العثور على ساقي المهاجم اللتين فصلتا عن جسده.

كذلك، أكد المسؤول الإداري في المدينة صاحب زادة أنيس للصحافيين أن السلطات كانت تعلم أن هذه الكنيسة قد تتعرض لهجوم، لذلك نشرت قوات أمنية حولها. وأوضح «إننا في منطقة تشكل هدفاً محتملاً للإرهاب، وقد اتخذت تدابير خاصة لحماية هذه الكنيسة. ما زلنا في مرحلة الإغاثة، لكن عندما ينتهي ذلك سنحقق لمعرفة ما لم يتم فعله».

من جهته، أكد الطبيب أرشاد جواد من مستشفى ليدي ريدينغ العام الرئيسي في بيشاور لوكالة «فرانس برس» أن «75 شخصاً قتلوا وأصيب أكثر من 125» بالاعتداء.

بدوره، أكد وزير الصحة شوكت علي يوسفزاي هذه الحصيلة، مضيفاً إن الحكومة الإقليمية أعلنت الحداد لثلاثة أيام.

الحادث هو أكبر هجوم دموي يتعرض له المسيحيون في باكستان، البلد الذي يدين أكثر من 95% من سكانه بالإسلام، فيما يمثل المسيحيون 3% من التعداد السكاني، وغالباً ما يتعرضون للتمييز، لكن نادراً ما يستهدفون باعتداءات.

وفي أول تعليق له على الحادث، دان رئيس الوزراء الباكستاني نواز شرف بشدة الاعتداء، وأعرب في بيان عن تضامنه مع المسيحيين، مشدداً على أن «الإرهابيين ليس لديهم دين، وأن استهداف أبرياء مخالف لتعاليم الإسلام وكل الديانات الأخرى».

وأضاف شريف إن «هذه الأعمال الإرهابية الوحشية تدل على الحالة الذهنية العنيفة والإنسانية للإرهابيين».

من جهة أخرى، قالت مصادر في باكستان أمس إن الملا عبد الغني بارادار الرجل الثاني سابقاً في حركة طالبان، الذي تم الإفراج عنه في باكستان الأسبوع الماضي موجود في منزل آمن في مدينة كراتشي، في الوقت الذي تناقش فيه قوى إقليمية دوره في عملية السلام في أفغانستان.

وذكر مصدر استخباري لوكالة «رويترز» أن «الملا بارادار نقل جواً إلى كراتشي من بيشاور في وقت مبكر صباح الأحد. هو في مكان آمن في كراتشي». وأفرجت باكستان عن الملا عبد الغني برادار، الذي كان الذراع اليمنى لزعيم حركة طالبان الأفغانية الملا عمر، استجابة لطلب كابول، أملاً بأن يقوم بدور حاسم في الدفع بعملية السلام في أفغانستان.

وأوضحت إسلام آباد أن «الهدف من الإفراج عن الملا برادار الذي اعتقل مطلع 2010، هو تسهيل عملية المصالحة الأفغانية من أجل وضع حد للنزاع القائم منذ نحو 12 سنة بين حكومة كابل، التي يدعمها الحلف الأطلسي، ومقاتلي طالبان».

تقرير الكيميائي: ثُغَر بلا توضــيح وتساؤلات بلا إجابة

استُخدم السلاح الكيميائي في الغوطة وخان العسل. تقرير الأمم المتّحدة أثبت ذلك من دون أن يُجرّم أحداً، لكن المشتبه فيهما بتنفيذ الهجوم اثنان لا ثالث لهما: إمّا الجيش السوري، وإما مسلّحو المعارضة. هنا معلومات ميدانية وروايات شهود عيان وأسئلة لم نجد إجابات عنها، يُضاف إليها تسريبات من مسؤولين في الأمم المتّحدة بشأن هوية منفّذ الهجوم. وتساؤلات عن التقرير نضعها برسم المراقبين الدوليين والرأي العام. وهنا أيضاً، مقابلة مع خبيرين بريطانيين في الأسلحة الكيميائية وعرض مشاهدات للصحافي الأردني الذي أجرى تقريراً ميدانياً مع مراسلة وكالة «أسوشييتد برس» البريطانية، التي خلُصت إلى أنّ إحدى مجموعات المعارضة السورية المسلّحة هي من نفّذ الهجوم الكيميائي

لم يصل «مسلّحو المعارضة» إلى أعتاب قصر الرئاسة السورية. لم يقف هؤلاء أمام منزل الرئيس السوري بشّار الأسد في حيّ المالكي، بل لم تُهدّد هجماتهم العاصمة دمشق بالسقوط حتى. فلماذا إذاً، قد يستخدم النظام السوري السلاح الكيميائي؟ بل أكثر من ذلك، وعلى عكس السابق، هذه المرّة كان التقدّم الميداني حليف الجيش السوري. وكانت نتائج المعارك المحتدمة في محيط الشام وريفها تصبّ في مصلحته.

وكانت أيضاً «استغاثات مسلّحي المعارضة تُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واتصالات المناشدة للتدخّل لوقف تقدم الجيش السوري كانت تُعرض مباشرةً على شاشتي العربية والجزيرة، قناتي الثورة السورية». وأيضاً وأيضاً، كان هناك وفدٌ جديد من المراقبين الدوليين قد وصل إلى سوريا قبل يومين للتحقيق في حادثة استخدام الكيميائي في خان العسل والشيخ مقصود وسراقب، التي وجّهت فيها المسؤولة الرفيعة في الأمم المتحدة كارلا ديل بونتي في مقابلة مع التلفزيون السويسري الاتّهام بداية إلى مسلّحي المعارضة. كانت الكفّة راجحة بوضوح لمصلحة النظام السوري. فجأة، انقلبت الصورة رأساً على عقب. خرجت فجر ٢١ آب مقاطع فيديو مصوّرة تُظهر عشرات القتلى يُزعم فيها أنهم ضحايا هجوم كيميائي نفّذه الجيش السوري. لم يكن هناك آثار دماء على الضحايا الذين كانوا أطفالاً ونساءً، ولم يكن بينهم مسلّحون حتّى. هكذا خرجت وسائل الإعلام والناشطون على هوائها لاتّهام النظام السوري، مستبقة أي تحقيق، بارتكاب مجزرة الغوطة التي زعموا أن ضحاياها قاربوا ١٤٠٠ قتيل. فهل يُعقل ذلك؟ هل دمشق استخدمت السلاح الكيميائي فعلاً؟ تساؤلٌ يُجيب عنه مسؤول رفيع في الأمم المتحدة، معنيٌّ مباشرة بالملف السوري، في حديثه مع «الأخبار»، مستبعداً تورّط النظام السوري باستخدام السلاح الكيميائي لأنه «انتحار». يستعيد المسؤول المذكور المجريات الميدانية التي كانت في مصلحة الجيش السوري حينها، فيخلُص إلى أن جهازاً استخبارياً متورّطٌ في الهجوم لتوريط دمشق. ولدى الاستفسار منه عن هوية الجهة أجاب قائلاً: «أعتقد أنّه بندر، لكنّ أحداً لن يجرؤ على قول ذلك»، (أي بندر بن سلطان رئيس جهاز الاستخبارات السعودية). ثم يضيف: «السعوديون أكثر المستفيدين، فلم يكد المراقبون الدوليون يصلون إلى سوريا حتى استُخدم الكيميائي فوراً... الطريقة الأسرع لتركيع الأسد». استنتاج المسؤول الأممي، رغم استبعاده تورّط النظام وتوجيهه اتّهام تنفيذ الهجوم ضمنياً لمسلّحي المعارضة، لا ينفي احتمال أن يكون ضباط سوريون خالفوا أوامر القيادة واستخدموا صواريخ كيميائية من طريق الخطأ أو لغاية في أنفسهم، (ربما انتقاماً أو خدمة مدفوعة الثمن بناءً على طلب جهة استخبارية).

الأبواب مفتوحة على كافة الاحتمالات، لكن الحقيقة أنّ الجيش السوري كان يُحقّق تقدّماً استثنائياً في ريف دمشق في تلك الأيام. فلماذا قد يستخدم الكيميائي في المعضمية وزملكا وعين ترما وجوبر الملاصقة لعاصمة نظامه، ولا يستخدم السلاح الكيميائي في حلب وإدلب اللتين تبعدان عنه، أو في قرية جبل الزاوية التي تعجّ بالمسلّحين ولا مدنيين فيها؟ لماذا لم يكن بين الضحايا مسلّحون ما دامت قوات الجيش السوري استهدفت مسلّحي المعارضة واقتصرت المقاطع التي عُرضت على جثث الأطفال والنساء فحسب؟ ألا يُمكن أن تكون جُثث هؤلاء قد حُقنت بالكيميائي أو أنّ مجموعة معارضة مأجورة استهدفت النساء والأطفال عن سابق إصرار للعائلات لتوجيه أصابع الاتهام إلى النظام السوري للحؤول دون استمرار تقدّمه؟

 

المسلسل مستمرّ

مسلسل الكيميائي لم ينته هنا؛ فقد علمت «الأخبار» أن مجموعات من المعارضة المسلّحة اتّصلت منذ أيام بعدد من أعضاء فريق الأمم المتحدة، زاعمة أن النظام السوري استخدم الكيميائي ضدّهم مجدداً. وتكشف المصادر أنّ هؤلاء أرسلوا مقاطع فيديو لضحايا زعموا أنّهم سقطوا في قصفٍ بصواريخ كيميائية، لكن لم يجرِ التثبّت من المقطع المُرسل. كذلك تكشف المعلومات عن دخول ٤٠٠ كمّامة وملابس خاصة للحماية من الكيميائي إلى كل من إدلب وحلب. وتشير المصادر السورية إلى أنّه جرى الحديث عن وجود ١٤٠٠ ضحية، لكن لم يُعثر إلا على نحو مئتي جثة. أمّا بشأن صور الضحايا التي عُرضت، فبعضها كان قد عُرِض سابقاً. كذلك أُثيرت نقطة أُخرى تتعلّق بتقرير الأمم المتحدة الذي ذكر أن الكيميائي استُخدم بشكل كبير؛ إذ لم تُرَ حيوانات أو طيور نافقة. وكذلك كان المسعفون من دون أقنعة.

لقد خرج إلى الضوء تقرير الأمم المتّحدة عن استخدام الكيميائي السوري في الغوطة، لكنّه لم يُشر إلى عناصر الجيش السوري الموجودين في مستشفى المزة وتشرين لإصابتهم بالكيميائي إثر عثورهم على حُقن تحتوي على مواد كيميائية في أنفاق قريبة من المعضمية تبيّن أنها مادة غاز السارين. علماً أنّ مصادر الجيش السوري تكشف لـ«الأخبار» عن مقتل سبعة عسكريين وإصابة ٣٥ آخرين جراء تعرّضهم للكيميائي. ولم تُشر إلى ما كشفته مصادر الأمم المتّحدة عن اتصال تلقّاه المراقبون قرابة الساعة الثالثة فجراً لإبلاغهم بتعرّض الغوطة لهجوم بالسلاح الكيميائي، حيث تحدّث المتصلون عن سقوط آلاف القتلى، كاشفة أنّ المراقبين طلبوا منهم إرسال مقاطع فيديو وصلهم بعد نحو ربع ساعة، لكن بدا في بعض المقاطع أنّ المشاهد في وضح النهار.

هذا في المضمون. أمّا في الشكل، فلم يوجّه تقرير الأمم المتحدة بشأن استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة الصادر الاثنين الماضي أي إدانة، سواء للحكومة السورية أو مسلّحي المعارضة باستخدام الكيميائي، لكنّ معلّقين إعلاميين ومسؤولين من بلدان عدة انطلقوا منه لتوجيه اتّهامات ضد الرئيس السوري بشّار الأسد بارتكاب الهجوم في الغوطة وفي عدد من المواقع الأخرى. التقرير الأخير الصادر عن الأمم المتحدة بشأن الأسلحة الكيميائية قد يوفر بعض القرائن، لكنّه لا يُحدّد من يتحمّل اللوم بين طرفي النزاع، إلّا أنه يبدو كأنّه يتبنّى رواية المعارضة بشأن هجمات الغوطة. وتجدر الإشارة إلى أن التحقيق اعتمد على ثلاثة أنواع من الأدلة: العينات البيئية والعينات البشرية والذخائر.

لقد جمع فريق الأمم المتحدة عينات بيئية من موقعين في الغوطة والمعضمية الواقعة شرق الغوطة، وعين ترما وزملكا في غربها. عينات المعضمية جُمِعت في ٢٦ آب عندما مكث فريق الأمم المتحدة قرابة الساعتين في المنطقة. أما عيّنات عين ترما وزملكا فجُمعت في ٢٨ و٢٩ آب خلال فترة عمل قُدّرت بخمس ساعات ونصف ساعة. محققو الأمم المتحدة حددوا هذه التواريخ في الملحق السادس من التقرير، لكن في الملحق السابع، قصة مختلفة تماما تنبثق من نتائج الاختبار على العينات البيئية في الغوطة. هذا الجزء من التقرير مليء بالجداول التي لا تُحدد المدن التي جُمعت العينات البيئية منها، لكن فيها التواريخ، ورموز مخصصة للعينات، ووصف من العينات ومن ثم نتائج اختبارات الأسلحة الكيميائية من مختبرين منفصلين. لكنْ بنظرة متفحّصة للرسوم البيانية يظهر وجود تباين كبير في نتائج المختبر للعينات المأخوذة من شرق الغوطة وغربها. كذلك لا توجد عينة واحدة في المعضمية أظهرت فحوصها وجود السارين.

هنا معلومات مثيرة للجدل. هذه العينات أُخذت من «مواقع الهجوم والمناطق المحيطة بها»، وليس عشوائياً من البلدة. وعلاوة على ذلك، في المعضمية، العينات البيئية أُخذت بعد خمسة أيام من تاريخ الهجوم. في حين أنّه في عين ترما وزملكا حيث عُثر على عينات جاءت نتيجة فحصها إيجابية لجهة احتوائها على السارين، فقد جمعها محققو الأمم المتحدة بعد سبعة أو ثمانية أيام على الهجوم. أي حيث يبدو تفكك العوامل الكيميائية أكثر وضوحاً. ومع ذلك، في المعضمية حيث أُجري اختبار على الضحايا الذين تعرضوا للهجوم بالسلاح الكيميائي، تبيّن تعرّضهم لكمية أكبر من السارين بنتيجة راوحت بين ٩٣٪ و١٠٠٪ (يرجع التفاوت في الأرقام تبعاً لاختلاف المختبرات التي فحصت نفس العينات). وفي زملكا، كانت النتائج بين 85٪ و91٪. ليس وارداً من الناحية العلمية، إن لم يكن من المستحيل، اكتشاف تعرّض الضحايا لهذه الكمية من غاز السارين من دون العثور على دليل بيئي واحد يُظهر وجود آثار للسلاح الكيميائي. فلماذا لم تُسلّط الأمم المتحدة الضوء على هذه النتيجة المثيرة للقلق في تحقيقاتها؟

في واقع الأمر، يُطرح تساؤل ملحّ بشأن ضرورة تحديد المذنب في الهجمات الكيميائية في سوريا، وهناك استنتاجات عدة بشأن النقص في الأدلة البيئية ووفرة الأدلة البشرية للتلوث بالسارين في المعضمية. الاحتمال الأول بسيط، هو أنه لا وجود لأي هجوم كيميائي في المدينة، بحسب البيانات البيئية. والتفسير الثاني هو أن العينات المأخوذة من المعضمية، كانت ملوّثة بالسارين بطريقة ما، رغم أن العينات البشرية لم تُظهر شيئاً من هذا القبيل. وهذا تفسير محتمل. وثمة تفسير ثالث مفاده أن «المصابين أُدخلوا إلى المعضمية من منطقة أُخرى لتقديم سرد لهجمات كيمائية لم تحصل قط»، بحسب القائد السابق لفوج الدفاع الكيميائي في الجيش البريطاني، هاميش دي بريتون غوردون.

في النهاية، تقرير الأمم المتّحدة لم يخبرنا ماذا حصل في الغوطة فجر ٢١ آب. لم يُخبرنا التقرير مَن استخدم السلاح الكيميائي أو كيف استُخدم. ورغم ذلك، يتوجّه الفريق الأممي لاستكمال التحقيق في حادثة استخدام الكيميائي في خان العسل. ربّما، ليس في يد فريق الأمم المتّحدة حيلة أو أنّه غير مسموحٍ له بوضع إصبعه على الجُرح وتحديد المذنب بين الطرفين، لكن على الأدلة المعروضة مستقبلاً أن تكون أكثر وضوحاً في المرة المقبلة كي لا تلتبس الحقيقة مجدداً.

 

صحافي أُردني من قلب الحدث

بعد انقضاء يومين على الهجوم، في ٢٣ آب، دخل المراسل الأردني يحيى عبابنة، في واحدة من جولاته المعتادة في سوريا، إلى الغوطة حيث قابل مسلّحي المعارضة. حصيلة جولته خلُصت إلى اتّهام مجموعة من المعارضة بالهجوم الكيميائي، ونُشرت في أكثر من موقع إخباري، كما نشرتها مراسلة وكالة «أسوشييتد برس» دايل غافلاك في موقع «منت برس». وفي اتصال عبر السكايب مع عبابنة، أعاد في حديثه مع «الأخبار» تأكيد الوقائع التي عاينها في اليوم نفسه الذي وقع فيه الهجوم الكيميائي. فذكر أن المواد الكيميائية التي كانت في أيدي المعارضين قتلت من طريق الخطأ ١٢ شخصاً في أحد خنادق الغوطة. وذكر أن مسلّحي المعارضة الذين تحدثوا إليه زعموا أنهم حصلوا على الأسلحة من مصادر سعودية. وتحدث عبابنة عن حالة غضب عارمة لدى المسلّحين لأنهم لم يُنبّهوا إلى كيفية استخدامها، ما سبّب الحادثة. عبابنة الذي قال إنه سمع القصة نفسها من عشرات المسلّحين المنهارين في ذلك اليوم، أوضح قائلاً: «التقيت ضابطاً منشقاً عن الجيش السوري انضم إلى صفوف المعارضة المسلّحة، وقال لي إنه تركهم لأنهم لم يعلموه بأن هذه أسلحة كيميائية. بل أخبروه بأنها أسلحة عادية. الضابط المذكور أخبرني أنّ مسلّحين من تنظيم القاعدة والمعارضة المسلّحة نقلوا الأسلحة إلى الغوطة عبر خنادق». وكشف أنّه جرى إخفاؤها في الخنادق قبل أن تنفجر من طريق الخطأ. وذكر أن بعض هذه الأسلحة الحديثة كان في أنابيب، وبعضها كان في قساطل رفيعة، مشيراً إلى أنّهم أخبروه بأنها كانت المرة الأولى التي يرون فيها نوعاً من الأسلحة كهذا؛ إذ كانت ناعمة، لكنها ثقيلة في نفس الوقت، علماً بأنّهم طلبوا من المسلّحين حملها بطريقة معينة، لكنّهم لم يُخبروهم بماهيتها.

روسيا: أميركا تبتزّنا... ومستعدّون لحماية المفتّشين

اتهم وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أمس، الولايات المتحدة بالسعي إلى ابتزاز روسيا حتى تدعم قراراً لمجلس الأمن الدولي بشأن سوريا، وانتقد الغرب معتبراً أنه أعمى حيال فكرة تغيير في نظام سوريا. وقال لافروف، في مقابلة مع «تشانل وان»، إن «شركاءنا الأميركيين بدأوا يمارسون الابتزاز معنا (ويقولون) إنه إذا لم تدعم روسيا قراراً في مجلس الأمن على أساس الفصل السابع، فإننا سنوقف العمل بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية».

وأضاف لافروف إن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية «على وشك اتخاذ قرار» حول سوريا، لكن العملية مهددة بسبب «الموقف المتصلب لبعض الشركاء الغربيين»، موضحاً «أنهم بحاجة إلى الفصل السابع».

ولفت لافروف إلى أن «شركاءنا يعميهم الهدف الأيديولوجي بتغيير النظام (في سوريا)»، وتابع «كل ما يقولونه هو أن على بشار الأسد أن يرحل».

وأشار لافروف إلى أنهم «لا يريدون الاعتراف بأنهم خدعوا مرة أخرى كما خدعوا في ليبيا عبر قصف البلد وتركه على شفير الفوضى، وكما خدعوا في العراق وتركوا الأمر نفسه وعبر شن عملية برية أيضاً، تاركين البلد في وضع صعب للغاية حيث يموت عشرات الأشخاص كل يوم في اعتداءات».

وفيما أكد أن هدف روسيا «حل مشكلة الأسلحة الكيميائية في سوريا»، لفت لافروف إلى أن «هدفهم الوحيد هو إثبات تفوقهم».

وحذّر لافروف من أنه إذا سقط النظام السوري ووصل المسلحون المعارضون إلى السلطة، فإنه «لن يعود هناك من دولة علمانية» في سوريا، مؤكداً أن «ما بين ثلثي وثلاثة أرباع» المسلحين هم من «الجهاديين».

وكشف لافروف عن أن المعطيات الروسية حول سوريا تثبت وقائع سيطرة المسلحين على المناطق التي كانت تقع فيها مستودعات السلاح الكيميائي، وأشار إلى أنه «أثناء عمل مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تمهيداً لوضع مواقع تخزين السلاح الكيميائي تحت المراقبة، يجب على من يموّل مجموعات المعارضة، والمتطرفة منها، أن يجد طريقة لمطالبتها بتسليم ما جرى الاستيلاء عليه ويجب تدميره وفقاً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية».

من جهة أخرى، أبدى لافروف استعداد بلاده لإرسال قوات إلى سوريا في إطار وجود دولي لتوفير أمن عمل الخبراء في مواقع الأسلحة الكيميائية، وقال «نحن على استعداد لإشراك عسكريينا، الشرطة العسكرية، للمشاركة في هذه الجهود».

ورفض الوزير الروسي الفكرة القائلة بأن روسيا باتت مسؤولة عن برنامج تفكيك الترسانة الكيميائية السورية، موضحاً «أننا لسنا الضامنين لنزع الأسلحة الكيميائية السورية»، مضيفاً إن موسكو سمحت فقط بأن تقبل دمشق الانضمام إلى الاتفاقية حول حظر الأسلحة الكيميائية من دون أي شرط.

من جهة أخرى، أعلنت الخارجية الروسية أن «وزير الخارجية سيرغي لافروف بحث مع نظيره الأميركي جون كيري في اتصال هاتفي بمبادرة من الأخير سير تطبيق الاتفاقات الروسية الأميركية بشأن وضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت الرقابة الدولية».

وكان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قد أعلن أن روسيا لا تنوي إرسال قوات خاصة إلى سوريا لحراسة الكيميائي، لكنها جاهزة لإجلاء المواطنين الروس المقيمين هناك بواسطة سفن إلانزال.

بدوره، أكد مدير ديوان الرئاسة الروسية سيرغي إيفانوف أن بلاده قد تغيّر موقفها من القضية السورية إذا تبيّن أن الرئيس السوري بشار الأسد «يخادع». وأوضح إيفانوف، خلال اجتماع المؤتمر العاشر لمعهد لندن الدولي للدراسات الاستراتيجية، «أقول ذلك من الناحية النظرية والافتراضية، ولكن في حال ظهور قناعة لدينا بأن بشار الأسد يخادع فقد نغيّر موقفنا».

وأضاف لدى إجابته عن سؤال حول موقع الترسانة الكيميائية السورية: «علينا أن ندرك أن الأسد لا يسيطر على كامل الأراضي السورية. ولا نعرف حتى اليوم أين يقع مخزون السلاح الكيميائي بأكمله. أعتقد أن ذلك سيتضح خلال أسبوع».

وتابع المسؤول الروسي الوثيق الصلة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين حديثه قائلاً إن المدة والتكلفة والتكنولوجيا المطلوبة لتدمير السلاح الكيميائي السوري قد تتضح بشكل نهائي بعد شهرين أو ثلاثة.

وفي ما يتعلق بمؤتمر «جنيف 2»، شدد إيفانوف على أنه أمر ضروري لتسوية الأزمة السورية، لافتاً إلى أنه لا يمكن تجاوزه.

في إطار آخر، ذكر مساعدو الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أن الأخير سيدعو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء، إلى تبني «قرار ملزم بأكبر قدر ممكن» بشأن مراقبة الترسانة الكيميائية السورية مع أو من دون الإشارة إلى الفصل السابع الذي يجيز اللجوء إلى القوة. وقال المساعدون «نرغب في إمكانية المراقبة والتحقق وعقوبات قصوى. ومن ثم، فإن كل ما يقترب من الفصل السابع وإمكانية معاقبة سوريا إذا ما أخلت بالتزاماتها، سيكون موضع ترحيب وتشجيع إيجابي من فرنسا». وأشاروا إلى ضرورة مراعاة «مواقف واعتبارات دول أخرى لديها حق الفيتو».

من جهة ثانية، حذر الرئيس الإيراني حسن روحاني الغربيين من أي تدخل عسكري في سوريا، داعياً إلى «السياسة والحوار» لإنهاء الحرب. وأضاف روحاني، متوجهاً إلى الغربيين في خطاب ألقاه بمناسبة عرض عسكري في جنوب طهران، «لا تسعوا إلى حرب جديدة في المنطقة لأنكم ستأسفون على ذلك. لا يمكن إطفاء الحرب بالحرب. يجب إطفاؤها بالسياسة والحوار». وتابع «نعتقد أن على الجميع بذل الجهود لوقف الحرب في سوريا ومنع الإرهابيين من تعزيز قواهم في المنطقة»، معرباً عن تمنيه بأن «تجلس مجموعات المعارضة السورية إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة».

بدوره، رأى وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله أن «من الممكن أن تكون هناك فرصة لوقف إطلاق النار وذلك لأول مرة منذ فترة طويلة، توفر للناس في سوريا فرصة لالتقاط الأنفاس وتسهل من عملية توصيل المساعدات الإنسانية وتمهد الطريق أمام حل سياسي في مؤتمر جنيف».

في سياق متصل، أكد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن المشاورات جارية بين الأطراف الدولية والعربية بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في سوريا يمهّد لإطلاق عملية سياسية تضع حداً للأزمة القائمة.

وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، بعد لقائه بان كي مون، إن القضية السورية ومفاوضات السلام ستشكلان ملفات محورية في اجتماعات الجمعية العامة لهذه السنة.

 

المقداد: سوريا لن تقبل تمثيل المتطرفين في «جنيف 2»

وفي سياق الكلام عن مؤتمر «جنيف 2»، أكد نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد أن الحكومة السورية لا يمكن أن تقبل تمثيل الجماعات المتطرفة المنتمية إلى تنظيم «القاعدة» في مؤتمر «جنيف 2».

وشدد المقداد، في حديث إلى صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، على أن مجموعات الثوار التابعين لـ«القاعدة» ستستبعد من أي محادثات سلام مستقبلية بخصوص سوريا.

بالمقابل، أعلن رئيس «الائتلاف» المعارض أحمد الجربا، أن الائتلاف سيحضر مؤتمر «جنيف 2»، شرط أن يهدف إلى تأسيس حكومة انتقالية بسلطات كاملة. وذكر جربا، في رسالة إلى مجلس الأمن، أن «الائتلاف» يؤكد من جديد استعداده للمشاركة في مؤتمر جنيف في المستقبل، ولكن يجب على كل الأطراف الموافقة على أن هدف المؤتمر سيكون تأسيس حكومة انتقالية بسلطات تنفيذية كاملة كما هو منصوص عليه في اتفاق القوى الدولية العام الماضي.

الإثنين, 23 أيلول/سبتمبر 2013 04:56

مصادر ومعايير السيرة النبوية الشريفة(1)

مصادر ومعايير السيرة النبوية الشريفة(1)

لبيك يا رسول الله (1):

مصادر ومعايير السيرة النبوية الشريفة من الضروري جداً إذا أردنا أن نكوّن صورة واضحة ونقيّة عن حياة رسول الله (ص) وسيرته أن نعتمد على مصادر صحيحة ومعايير وضوابط تكون قادرة على إعطائنا الصورة الحقيقية الأكثر نقاء وصفاءً عن شخصية النبي محمد(صل الله عليه وأله وسلم).

فما هي تلك المصادر التي ينبغي اعتمادها في استخراج سيرة رسول الله(ص)، وما هي تلك المعايير والضوابط والقواعد التي يجب أن نعتمدها لتمييز النصوص الصحيحة من النصوص المزيفة؟.. في الحقيقة هناك عدة مصادر يمكننا أن نستخلص منها اعتمادنا عليها في تحديد معالم شخصية الرسول الأعظم (ص) وتفاصيل حياته وسيرته.

وهي أولاً : القرآن الكريم، الذي أعطى صورة واضحة ورائعة عن شخصية النبي(ص) وصفاته وخصائصه، ومواقفه في كثير من السور والأيات المباركة. ويستطيع قارئ القرآن الكريم بالتدبر التام في أياته التي نزلت في شان رسول الله (ص) أن يحيط بمختلف جوانب شخصيته وحياته منذ أن بعثه الله نبياً ورسولاً إلى أن فارق هذه الدنيا.

فقد أشار القرآن الكريم مثلاً إلى مكانة النبي (ص) ومنزلته وعظمته في سور الحجرات والنور والأحزاب وغيرها من السور المباركة.

كما أنه أشار إلى أسمائه وألقابه في سورتي "الصف" و"أل عمران" وغيرهما من السور.. كما أنه أشار إلى صفاته وخصائصه، وإلى العصمة والطهارة والرأفة والرحمة والعطف والشجاعة في سور آل عمران والتوبة والأحزاب ولأنبياء وغيرها.

وأشار القرآن الكريم إلى أخلاق النبي (ص) وإلى صبره وثباته في مواقع المواجهة والتحدي، وإلى طريقة تبليغه للرسالة، وإلى مواقفه من عدم استجابة قومه لدعوته إلى غير ذلك مما يرتبط بحياته وسيرته في كثير من الآيات والسورة المباركة. فالرجوع إلى القرآن الكريم نفسه واستخراج صورة النبي (ص) وصفاته وأفعاله من خلال ما عرضته الآيات الكريمة يعدّ من أوثق وأصح المصادر والمراجع لدراسة شخصية الرسول (ص)، وتكوين صورة واضحة عن حياته وأخلاقه وعلاقاته ومواقفه وقيادته والتحديات التي واجهها في طريق الدعوة إلى الدين الإسلامي.

ثانياً : النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) التي عرضت لسيرة الرسول الأكرم وحياته. فإن هذه النصوص تعدّ بعد القرآن الكريم أحد أهم المصادر التي نأخذ منها خصائص شخصية الرسول (ص) ومميزاتها وتفاصيل حياته، على اعتبار أن أهل البيت أدرى بما فيه، وخصوصا ما ورد عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي لازم رسول الله (ص) في جميع مراحل حياته.

وكان يتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، ويراه في الأوقات التي لا يراه فيها غيره. ولقد ورد عن أئمة أهل البيت (ع) مئات النصوص والروايات التي تحدثت عن حياة رسول الله (ص) العامة والأحداث الكبرى اليت عاشها في حياته، كذلك عن حياته الشخصية والخاصة.

ثالثاً : الروايات التاريخية المروية بالتواتر عن المسلمين الأولين. فالنصوص المروية عن الصحابة والتي تتحدث عن سيرة النبي (ص) تعدّ من مصادر السيرة والتاريخ إذا ثبتت صحتها بالتواتر أو بإحدى وسائل الإثبات الأخرى.

أما النصوص والروايات التاريخية الأخرى التي لم ترو عن أئمة أهل البيت (ع) ولم تكن متواترة فلا بد إذا أردنا تقييم هذه النصوص من أن نعتمد ضوابط وقواعد ومعايير محددة نستطيع من خلالها أن تمييز النص الصحيح الذي يعكس الواقع التاريخي بصورة صادقة من النص المصطنع أو المحرّف. وأهم الضوابط والقواعد التي ينبغي اعتمادها في هذا المجال، هي أولا دراسة أحوال وأوضاع الناقلين للحديث.

فإن أول ما ينبغي في الحديث المنقول هو سنده. والسند هو عبارة عن مجموعة أسماء لأشخاص نقلوا لنا الحديث أو الحدث التاريخي. فلا بد من دراسة أحوال هؤلاء وأوضاعهم.

وثانياً أن يكون مضمون النص الذي يحكي لنا فعل وسلوك النبي (ص) منسجماً مع صفات الشخصية النبوية وخصائصها ومميزاتها.

فإذا جاء النص منسجماً ومتناسباً مع الوضع الطبيعي لشخصية رسول الله (ص) المثالية بما لها من خصائص ومميزات رسالية فإنه يكون مقبولاً ونأخذ بمضمونه إذا توافرت فيه سائر شروط القبول الأخرى.

فمثلا إذا ثبت لدينا بالدليل القطعي الصحيح أن شخصية النبي (ص) هي في أعلى درجات الطهر والعصمة والحكمة والشجاعة وأنه تحلّى بكل الصفات النبيلة والفضيلة جامعة لكل القيم الإسلامية، فلا بد من جعل كل ذلك معياراً وميزاناً لأيّ نص يرد بشأنه ويريد أن يسجل لنا قولا أو فعلا أو سلوكا أو موقفا له (صل الله عليه وأله وسلم). فإذا جاء النص منسجماً مع هذه الخصائص والمميزات الثابتة بالدليل القطعي الصحيح، فإنه يكون مقبولاً. وإلا إذا لم يتوافق مع هذه الصفات فإننا لا نتردد في رفض مثل هذا النص. رابعاً : عرض النصوص التاريخية وغيرها على القرآن الكريم فما وافق كتاب الله نأخذ به، وما خالفه نتركه. وهذه قاعدة لا بد من اعتمادها، ليس في أحاديث سيرة النبي (ص) فحسب، بل في كل الأحاديث المنقولة عنه أو عن أحد من أئمة أهل البيت (ع)، سواء كانت تاريخاً أو فقهاً أو أخلاقاً أو غير ذلك. فقد روي عن النبي (ص) أنه قال :" تكثر لكم الأحاديث بعدي، فإذا روي لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالف فردوه".

 

الإثنين, 23 أيلول/سبتمبر 2013 04:26

كلمات للإمام الخامنئي حول الصلاة

كلمات للإمام الخامنئي حول الصلاة

"الصلاة في جميع الأديان الإلهية هي أهم الممارسات الدينية و أوضح و أشمل علامات الإيمان". الإمام الخامنئي 07/04/2009

أساس كل المرارات التي يتجرعها البشر هو الغفلة عن الله وعدم الخروج عن دائرة المصالح الشخصية. الصلاة تحرر الإنسان من هذه الأسوار المظلمة. الصلاة في جميع الأديان الإلهية هي أهم الممارسات الدينية و أوضح و أشمل علامات الإيمان. و صلاة الإسلام أكمل و أجمل الصلوات.

كل واحدة من كلمات الصلاة و أذكارها خلاصة لجانب من معارف الدين، و هي تذكر المصلّي بتلك المعارف دائماً و بلا انقطاع. الصلاة التي تقام بتدبّر في المعاني و بلا سهو أو غفلة تعرِّف الإنسان باطراد على المعارف الإلهية و تزيد من حبه لها.

حينما تكون الصلاة مصحوبةً بالتوجه و حضور القلب فسوف لن تلطِّف وتنوِّر و تعطِّر قلب المصلّي و روحه و حسب، بل تلطِّف و تنوِّر و تعطِّر الأجواء المحيطة به أيضاً، و تضيئ البيت و العائلة و أجواء العمل و محافل الأصدقاء و تجمعات المواطنين و كل أجواء الحياة. الصلاة بتوجه و حضور قلب و المفعمة بالذكر و التذكر، و التي تعلِّم الإنسان دوماً أرقى المعارف الإسلامية، مثل هذه الصلاة تحرر الإنسان من العبثية و اللاهدف و الضعف، و تمنحه الهمّة و الإرادة و ترسم له الأهداف، و تضيئ آفاق الحياة في عينيه، و تحرر قلبه من الميول المنحطّة و المعوجّة.

من هنا فإن الإنسان يحتاج للصلاة دائماً، و هو أحوج إليها في مواطن الخطر. الواقع أن الصلاة أفضل أسس الدين و طروحاته و يستطيع كل إنسان الانتفاع منها بمقدار ما يريد. الصلاة أول خطوات السلوك إلى الله. بيد أن سعة و استيعاب هذا العامل الإلهي إلی درجة يستطيع معها أن يكون أجنحة عروج الإنسان حتى في ذروة الكمال الإنساني.

فالإنسان الأرقى في التاريخ أعني رسول الإسلام الكريم يقول: »قرة عيني في الصلاة«. ربما أمكن القول إنه ما من عامل عبادي آخر كالصلاة يستطيع منح الإنسان الحلول و القوة و التقدم به إلى الأمام في كافة مراحل تكامله المعنوي.

الصلاة ركن الدين الأساسي و يجب أن تحتل المكانة الرئيسية في حياة الإنسان. الحياة الإنسانية الطيبة في ظل سيادة الدين الإلهي تتأتّى حينما يُحيي الإنسان قلبه بذكر الله، و يستطيع بمعونته أن يجاهد كل جاذبيات الشر و الفساد، و يحطِّم كافة الأصنام و يقصِّر أيدي جميع الشياطين الداخلية و الخارجية عن التطاول على كيانه. هذا الذكر و الحضور الدائم لا يحصل إلا ببركة الصلاة.

و الصلاة في حقيقتها رصيد هائل و كنـز لا يفنى يتوفّر عليه الإنسان دائماً و في كل الأحوال في كفاحه ضد شيطان نفسه التي تجرفه نحو الانحطاط و الجبن، و ضد شياطين الهيمنة التي تفرض عليه الذلة و الاستسلام بما لها من إمكانيات مادية و قوة قاهرة. الإنسان و المجتمع اليوم يتعرضان لضغوط شديدة في العصر الراهن حيث سيطرة النظام الآلي على كل المجتمعات البشرية. أبناء البشر في مثل هذا النظام مضطرون لتنظيم و ملاءمة أنغام حياتهم الفردية و الاجتماعية على إيقاع الماكنة الثقيل الناخر للأرواح.

لذلك فإن حاجة الإنسان في العالم اليوم للعلاقة المعنوية مع الله الرحيم أمسُّ و أكبر من أي وقت مضى، و الصلاة أفضل و أنجع وسيلة لإشباع هذه الحاجة. ثمة في الصلاة ثلاثة خصائص رئيسية تعزز دورها الأفضل في تهذيب النفس و تربية الإنسان روحياً.الخصوصية الأولى هي أن الصلاة بالشكل المحدد لها في الإسلام، أي هذه الحركات و الأذكار الخاصة تدعو المصلّي بشكل طبيعي للبعد عن الذنوب و التلوث بها.

الخصوصية الثانية هي أنها تحيي لدى الإنسان روح العبودية و الخضوع أمام الباري تعالى الذي يمثل المحبوب الحقيقي و الفطري لكل إنسان. و الخصوصية الثالثة هي أنها تهدي لروح المصلي و قلبه الطمأنينة و السكون الذي يعد الشرط الرئيس للنجاح في كل ميادين الحياة، و تعالج فيه حالة التزلزل و الاضطراب التي تعتبر عقبة كبيرة في سبيل المبادرات الجادة للتربية الأخلاقية. والإنسان معرض لمختلف أنواع الخطأ.

لكل إنسان بالتالي سهوه و أخطاؤه و خطاياه التي تعرض له. إذا أراد الإنسان النجاح في طريق الحياة فبمقدور الصلاة أن تمارس دور التعويض له. يقول الباري في الآية القرآنية الشريفة: »أقم الصلاة طرفي النهار و زلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات«. الصلاة نور يبدد الظلمات و يمحو المساوئ و يغسل آثار الذنوب عن القلب. قد يتعرض الإنسان على كل حال لصنوف من الأدران و التلوث، و إذا التزمتم بالصلاة فسوف تبقى هذه النورانية فيكم و لا تجد المعاصي الفرصة للتغلغل إلى أعماق أرواحكم. والمسجد ليس للصلاة فقط. هناك أنواع من العبادة يمارسها الإنسان في المسجد.

من هذه العبادات التفكر الذي يكسبه رواد المساجد بواسطة كلام علماء الدين و الفقهاء هناك. إذن، المسجد مدرسة و جامعة و مكان للتفكّر و التأمل و محل لتنقية الروح و التمرّن على الإخلاص و اتصال العبد بربه. إنه مكان لارتباط الأرض بالسماء. مكان يعرج فيه الإنسان بنفسه إلى مصدر الفيض و القدرة الخالد. إقامة الصلاة هي الثمرة و العلامة الأولى لحكومة الصالحين.

من أكبر أعمال إمامنا الجليل (رضوان الله تعالى عليه) هو استئنافه لإقامة صلاة الجمعة. هو الذي أعاد صلاة الجمعة لشعبنا. كنّا محرومين من صلاة الجمعة سنوات طوالاً. اعتقد أن من أهم عوامل حفظ إيمان الجماهير و معنوياتهم هو صلاة الجمعة و خطب الجمعة و المشاركة المعنوية للجماهير في ميدان صلاة الجمعة، و أن يقف إنسان أمين يثق به الشعب ليطلع الجماهير كل جمعة بلسان صادق على أوضاع البلاد، و ينصحهم و يصحح توجهاتهم. يجب أن تكون صلاة الجمعة موقعاً لاستقطاب الجماهير و نصيحتهم و تعليمهم. على أئمة الجمعة المحترمين بذل كل جهودهم بمساعدة المصلّين في هذا الاتجاه.

استقبل سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية صباح يوم الثلاثاء 17/09/2013 م قادة و روّاد و منتسبي حرس الثورة الإسلامية، و اعتبر الملف المشرق لحرس الثورة الإسلامية دليلاً على عمق هوية الشعب الإيراني و شخصيته و تجاربه، و أكد في معرض بيانه لمفهوم الحراسة العامة للثورة الإسلامية: الرسالة الأصلية و الجذابة للثورة الإسلامية هي تجنّب ممارسة الظلم و عدم الرضوخ للظلم، و يجب تحليل و تفسير كل القضايا بما في ذلك أقوال و أفعال المهيمنين في إطار التحدي الأساسي الذي يواجهه نظام الهيمنة مع هذه الرسالة.

و بارك قائد الثورة الإسلامية العيد السعيد لميلاد عالِم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) منوّهاً: المقامات و المراتب المعنوية لإئمة الهدى (ع) فوق الإدراك العقلاني و التوصيف اللساني، لكن حيوات هؤلاء الأجلاء دروس عملية خالدة.

و أشار سماحته إلى عمر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا (ع) الذي امتد لخمسة و خمسين عاماً، و فترة إمامته التي استمرت نحو عشرين عاماً، مضيفاً: كان للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) و خلال هذه الفترة القصيرة نسبياً و في فترة القمع الهاروني الشديد، نظرة طويلة الأمد بحيث نشر و عمّق حقيقة الإسلام و أفكار الولاية و مدرسة أهل بيت النبوة بشكل عجزت الأجهزة المستبدة السفاحة الحاكمة في ذلك الحين عن مواجهته، و اضطرت خلافاً لمخططاتها الأولى أن تقتل هذا الإمام الهمام.

و اعتبر قائد الثورة الإسلامية سياق استشهاد و دفن الإمام الثامن (ع) في مدينة مشهد المقدسة تدبيراً و هندسة إلهية مردفاً: يجب النظر و التخطيط للمشاريع بعيد الأمد بنفس هذه الحوافز و النظرات التي كانت للإمام الرؤوف.

و أثنى سماحته في جانب آخر من حديثه على الملف المشرق بحق لحرس الثورة الإسلامية قائلاً: نزل حرس الثورة إلى ساحة الجهاد و المقاومة بإيمان عميق و عقيدة راسخة، و خرّج أفضل المدراء و أكثرهم تدبيراً و تمرّساً و أهداهم لمؤسسات الدولة إلى جانب إعداده أذكى و أقوى القادة و الاستراتيجيين العسكريين.

و عدّ آية الله العظمى السيد الخامنئي «العيش الثوري و البقاء على الطابع الثوري» و «ثبات الأقدام» من التجليات الجميلة لحرس الثورة الإسلامية، ملفتاً: لم تنحرف هذه التنظيمات القوية المتينة عن الدرب الأصلي الصحيح أبداً بذرائع من قبيل المتغيّرات في العالم و ضرورة التغيير في الداخل.

و ألمح قائد الثورة الإسلامية إلى تذرّعات البعض لتبرير ندمهم و انهزاميتهم، مردفاً: أن يكون العالم قد تغير ليس ذريعة لتغيّر المبادئ و الأهداف و تغيير الطريق الصحيح المقطوع لحد الآن.

و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: على حرس الثورة الإسلامية و لأجل صيانة الثورة أن يتعرف تماماً على التحوّلات و التيارات الموجودة في الميادين المختلفة.

و أشار قائد الثورة الإسلامية في هذا الصدد إلى خلط مباحث يرد أحياناً في النقاشات السياسية قائلاً: لا ضرورة لأن ينشط حرس الثورة الإسلامية في المجال السياسي، لكن حراسة الثورة بحاجة إلى معرفة دقيقة للواقع، و إذن، لا يمكن للمنظومة التي هي الذراع الحامية للثورة أن تبقى مغمضة العينين و عمياء حيال التيارات االمنحرفة المتنوعة و التيارات غير المنحرفة التابعة، و باقي التيارات السياسية.

و تابع آية الله العظمى الخامنئي حديثه بشرح المفهوم الدقيق لحراسة الثورة الإسلامية متطرقاً لقضية مهمة هي التحدي الأصلي و الأساسي للثورة.

و أكد سماحته أنه يجب عدم اختزال التحديات الأصلية إلى تحديات فئوية و مواجهات حزبية و فردية بين هذا و ذاك، ملفتاً: التحدي الأصلي هو مواجهة نظام الهيمنة برسالة الثورة الإسلامية الشيّقة، بمعنى اجتناب أن نكون ظالمين أو مظلومين.

و أشار قائد الثورة الإسلامية إلى النظام الجديد الذي تعرضه الثورة الإسلامية على البشرية منوّهاً: قسّم نظام الهيمنة العالم إلى قسمين أحدهما ظالم و الآخر مظلوم، لكن الثورة الإسلامية جاءت بمنطق مقارعة الظلم و تجنّبه، و كان من شأن هذا المنطق أن لا تبقى رسالة الثورة الإسلامية محصورة بحدود إيران، بل جرى الترحيب بها بين الشعوب الأخرى.

و عدّ سماحته الحكومات المتجبّرة و الدول التابعة لنظام الهيمنة و الشبكة الدولية للنهب من جملة معارضي رسالة الثورة الإسلامية للشعب الإيراني مردفاً: نظام الهيمنة و التابعون له يتابعون ثلاث سياسات أصلية هي «تأجيج الحروب، و صناعة الفقر، و إثارة الفساد» و الإسلام يعارض كل هذه السياسات، و هذه المعارضة هي أساس التحدي الجذري للثورة.

و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي على أنه يجب تحليل كل تحركات العدو و مؤامراته خلال الأعوام الـ 34 الماضية في إطار هذا التحدي الأساسي، مردفاً: يجب تقييم الملف النووي أيضاً على أساس هذه النظرة.

و لفت سماحته قائلاً: إننا لا نوافق السلاح النووي، لا من أجل أمريكا أو غير أمريكا، بل بسبب معتقداتنا، و حين نقول يجب أن لا يمتلك أي طرف سلاحاً نووياً، فإننا بالتأكيد لا نسعى إليه بدورنا، لكن الهدف الحقيقي لمعارضي إيران في هذا المضمار شيء آخر.

و أضاف قائد الثورة الإسلامية: هذه البلدان المعدودة لا تريد طبعاً انكسار احتكارها للطاقة النووية، لكنها لا تثير الضجيج لأجل هذا الشيء. و بالتالي فإن الضجيج و الصخب الأمريكي و الغربي و ضجيج التيارات التابعة لهم في خصوص الملف النووي يجب أن يستوعب و يحلل في إطار التحدي العميق بين نظام الهيمنة و الثورة الإسلامية.

و أكد الإمام السيد علي الخامنئي في معرض تبيينه لعمق الخصام الذي يكنّه المستكبرون للثورة الإسلامية: كانت عظمة الإمام الخميني (رض) بالشكل الذي يفرض احترامه حتى على أعدائه، و لكن في عمق نظرة الأعداء لم يكن هناك أحد أبغض إليهم من تلك الشمس المشرقة، لأن الإمام الخميني الراحل أدرك بمنتهى البصيرة أهدافهم العدائية، و وقف أمامهم بكل حسم كالسدّ المنيع.

و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: و الوضع اليوم أيضاً على نفس الشاكلة، و كل من يكون أكثر التزاماً بالرسالة الأصلية للثورة و يحلل مؤامرات الأعداء و سلوكياتهم في إطار التحدي بين نظام الهيمنة و الثورة الإسلامية يكون مغضوباً عليه في أعين المستكبرين أكثر من غيره.

و أشار سماحته إلى تعقيدات عالم الدبلوماسية مردفاً: المضمار الدبلوماسي مضمار الابتسامات، و طلب المفاوضات، و المفاوضات، و لكن يجب فهم هذه السلوكيات و إدراكها في إطار التحدي الأصلي.

و أعرب قائد الثورة الإسلامية عن موافقته للتحركات الصحيحة و المنطقية في السياسات الخارجية و الداخلية مردفاً: إنني أوافق القضية التي سمّيتها قبل سنوات المرونة البطولية، لأن هذه الحالة جيدة و لازمة في الكثير من المواطن، و لكن عبر الالتزام بشرط أساسي.

و أوضح سماحته أن إدراك ماهية الطرف المقابل و الفهم الصحيح لأهدافه هو الشرط الأصلي لاستخدام تكتيك المرونة البطولية، مردفاً: المصارع المتضلع أيضاً يبدي في بعض الأحيان مرونة لأسباب احترافية فنية، لكنه لا ينسى من هو خصمه و ما هو هدفه الأصلي؟

و أيّد قائد الثورة الإسلامية في جانب آخر من حديثه كلام القائد العام لحرس الثورة الإسلامية حول واجبات هذه المؤسسة مضيفاً: تابعوا هذه الواجبات بالاعتماد على الوعي الصحيح للشيء الذي تتولون حراسته، و بكل ثبات أقدام.

و أوصى سماحته الحرس الثوري توصية أكيدة بالاستعانة بالمعنويات مردفاً: الاستعانة بالمعنويات و الاعتماد عليها لا يتنافى طبعاً مع التطرّق للأصول المادية للأعمال و الأمور و تنظيمها الصحيح.

و خصّص قائد الثورة الإسلامية الجانب الأخير من حديثه للتأكيد على المستقبل المشرق للثورة الإسلامية. و لشرح فكرة أن المستقبل المشرق للثورة حقيقة و ليس مخادعة للذات، طرح سماحته دليلين أحدهما دليل التجربة.

فأشار الإمام الخامنئي إلى التفاوت المدهش بين الوضع الراهن للبلاد على المستويات العلمية و العسكرية و الإدارية و الاقتصادية و سائر المجالات و بين وضع البلاد في بداية انتصار الثورة مردفاً: كل حالات التقدم هذه تحققت في غمرة الضغوط و المؤامرات التي حاكها الأعداء، و هذه التجربة الثمينة تدل على أنه لا يوجد مانع بمقدوره إيقاف شعب مؤمن منسجم مصمم يعرف طريقه.

و أضاف قائد الثورة الإسلامية في هذا الصدد: الخسائر التي تحملها العالم الإسلامي في الأحداث الأخيرة التي اجتاحت المنطقة ناجمة عن أن البعض لم يكونوا يعرفوا الطريق، و بالطبع فأن الوضع لن يبقى على هذا المنوال، و سوف تفعل الصحوة الإسلامية غير المسبوقة فعلها.

و أقام سماحته دليله الثاني لإثبات المستقبل المشرق للثورة الإسلامية على أساس المنطق و الحسابات العلمية.

فلفت قائد الثورة الإسلامية قائلاً: يتقدم الشعب الإيراني إلى الأمام على أساس المنطق و الحسابات العلمية، لكن العدو و بسبب بنيته الداخلية المتناقضة يتراجع إلى الوراء و يصاب بالضعف حتى لو لم يذكر ذلك بلسانه، و في هذه المواجهة من الطبيعي أن يكون المستقبل للذي يتقدم إلى الأمام وفق حسابات دقيقة.

و كان التأكيد على تمتين البنية الداخلية للنظام و استمرار التقدم العلمي و نمو الإنتاج الداخلي و الاعتماد على المواهب الداخلية النقاط الأخيرة التي ذكرها قائد الثورة الإسلامية في هذا اللقاء.

فقد شدّد سماحته على أن المستقبل المشرق للثورة الإسلامية أمر حتمي، لكن تحقيقه العاجل أو الآجل منوط بأداء الشعب و المسؤولين، فإذا كنا متحدين و أقوياء و مصمّمين سيتحقق هذا المستقبل أسرع، و إذا منينا بالكسل و الأنانية و المشكلات الأخرى فإنه سيتحقق في فترة أبعد.

في بداية هذا اللقاء تحدث حجة الإسلام و المسلمين سعيدي ممثل الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية مقدماً تقريراً عن أهم محاور أداء مؤسسة ممثلية الولي الفقيه في الحرس الثوري.

و تحدث في اللقاء أيضاً اللواء جعفري القائد العام لحرس الثورة الإسلامية عارضاً تقريراً حول المكتسبات و النجاحات القيّمة للحرس الثوري في الميادين العسكرية و الثقافية.

«دولة الإسلام»: حرب وقائية ضد ... «المنافقــين»

أرض الشام تحت ظلال الشريعة قريباً. قُضي الأمر بالنسبة إلى «جهاديي سوريا»، بعدما حسمت الذراع الأقوى لـ «تنظيم القاعدة» خيارها، باستباق أي تسوية محتملة ستكون حتماً على حسابها. هكذا أعلنت «الدولة الإسلامية في العراق والشام» حرباً وقائية ضد مجموعات المعارضة المسلّحة، عنوانها «إقصاء المنافقين». وهكذا بدأت معركة التمكين في أرض الشام

انطلقت المعركة الكبرى في أرض الشام. فتح التنظيم الأكثر راديكالية في سوريا حرباً استباقية. بدأ معركة تثبيت أركان «الدولة الإسلامية»، وحتّى رسم حدودها بالدم. رأس حربته «مُجاهدو الدولة»، المقاتلون الغرباء القادمون من مختلف أصقاع الأرض فحسب. السوريون قلّة بينهم. هؤلاء أعلنوا القطيعة مع جميع فصائل المعارضة السورية، وحتى الإسلامية منها. أشهروا عداءهم لهم، ثمّ أعلنوا الحرب المفتوحة ضد الجميع. أوّل من أمس، انطلقت من بلدة أعزاز شرارة المواجهة، بعدما كانت قد سبقتها عدة حوادث لُملمت ذيولها لتأخير الانفجار. «الدولة الإسلامية في العراق والشام» قالت كلمتها: الأمر لي، ثمّ شنّت هجوماً كاسحاً على أعزاز. ضربت لواء عاصفة الشمال. قتلت من عناصره واعتقلت آخرين ثم احتلّت معاقله. كذلك فعلت مع لواء أحفاد الرسول، الذي اعتقلت قادته أيضاً. واشتبكت مع لواء التوحيد التابع لـ «جماعة الإخوان المسلمين». وقبلها، اغتالت قيادياً في «حركة أحرار الشام»، ذات النهج السلفي المتشدّد.

لم يسلم من بطش «الدولة الإسلامية في العراق والشام» حتى «جبهة النصرة». فرع «القاعدة» وجد نفسه أيضاً في مواجهة «الدولة الإسلامية» في الميدان السوري، فانكفأ حقنا لدماء المجاهدين. ماذا يحصل بالضبط على أرض سوريا؟ تساؤلٌ يُجيب عنه قادة إسلاميون بأنّ السوريين سيتمنّون حُكم «تنظيم القاعدة» ألف شهر على تحكّم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» بهم شهراً واحداً. يستعيد هؤلاء تاريخ التنظيم الذي وُلد من رحم «دولة العراق الإسلامية». التنظيم الأكثر تشدداً الذي يقوده الشيخ أبو بكر البغدادي، تربطه علاقة متوتّرة أيضاً بـ «تنظيم القاعدة العالمي»، الذي يتزعمه أيمن الظواهري، إذ يُزايد هؤلاء في تطرّفهم على أصولية «القاعدة» نفسه، ولا سيّما أن زعيم التنظيم الراحل أسامة بن لادن كان قد نبّه مراراً وتكراراً الأمراء الجهاديين في العراق للتخفيف من الغلو والبطش بحق مخالفيهم. وبحسب التجربة في العراق، فإن طبيعتهم معاداة كل الناس. وتُعرف عنهم رغبتهم الدائمة في الدخول في حرب استنزاف. يتحدث قادة إسلاميون عن جلافة وتشدّد يحكمان تصرفاتهم قلّ نظيرهما، وفق منطق «الحق معنا وغيرنا الباطل». ويستعير هؤلاء القادة مواقف قادة إسلاميين منهم، فيذكرون أن قائد «لواء الاسلام» زهران علّوش سمّاهم «الفئة الباغية». أمّا أمير «حركة أحرار الشام» أبو عبد الله الحموي، فوصفهم غير مرّة بـ «الغلاة المنبوذين من الشارع السوري»، ناعياً أحد قادة الحركة، الذي قتله عناصر «داعش»، قائلاً «رحم الله أبا عبيدة، قتله البغاة الذين اختزلوا الدين بثوب قصير وشعر نابت في الوجه. هنيئا لكم طريق عبدتموه إلى سقر».

تتعدّد الوقائع الميدانية التي بدأت العلاقة تتدهور بسببها بعدما كان عناصر «الدولة الإسلامية في العراق والشام» يُستقبلون استقبال الأبطال. يُذكر منها في البدايات، على سبيل المثال، اعتقال قائد كتيبة الفاروق في منبج، الملقّب بـ «البرنس»، وسجنه في مستشفى العيون في حلب، رغم اعتراض فصائل المعارضة. حادثة أُخرى تضاف إلى سجلّهم. اعتقال إمام مسجد أبي حنيفة النعمان في منبج الشيخ محمد سعيد الديبو، الذي كان ينتقد تصرّفاتهم في خطبه، مشيرا إلى أنها حرام شرعاً، ولا سيما الإعدامات العشوائية. اعتقاله أشعل التظاهرات الشعبية ضُدّهم. أُُطلق سراحه، لكنه اغتيل عقب صلاة الفجر بعدها بأيام. وُجّهت أصابع الاتهام فوراً إلى مسلّحي «الدولة الإسلامية». تعاظمت الكراهية الشعبية ضد هؤلاء، فأصدروا بياناً أعلنوا فيه أنّ «مسلّحي الجيش الحر إخوتنا، لكن كل من لا يريد الدولة الإسلامية في العراق والشام مرتدّ يجب قتاله».

أما بالنسبة إلى شرارة اندلاع الاشتباكات الأخيرة، فتُفيد المعلومات أن الخلاف بدأ بعدما قام طبيب ألماني في أعزاز بتصوير أحد جرحى «الدولة الإسلامية في العراق والشام». وقع خلاف عندها، تطوّر إلى إطلاق نار قُتل خلاله عنصران من «الدولة الإسلامية»، لكنّه لم يلبث أن تطوّر إلى مواجهات ضارية، بعد رفض لواء عاصفة الشمال تسليم الطبيب ومُطلق النار. في المقابل، تحدثت معلومات عن أن «خلفية قرار جنود الدولة الإسلامية تطهير مدينة أعزاز من لواء عاصفة الشمال مردّها إلى خوات صار يفرضها هؤلاء أخيراً على المجاهدين القادمين من الخارج». إزاء ذلك، وتحت عنوان «كشف الحقيقة»، نشرت مواقع جهادية شريطا مصوراً نسبته إلى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، تحدثت فيه عن «شرارة الاقتتال بين الدولة الإسلامية في العراق والشام، ولواء عاصفة الشمال في أعزاز». وذكرت أن «الاشتباكات بدأت بعد اغتيال عنصر من لواء عاصفة الشمال اثنين من مجاهدي الدولة»، مشيرة إلى أنّ «الدولة طالبت بتسليم قاتل المجاهدين في أعزاز، لكنّ قادة عاصفة الشمال رفضوا، فوقعت اشتباكات، أدت إلى مقتل خمسة منهم». وتطرّق المقطع المصوّر إلى الخلاف مع لواء أحفاد الرسول، كاشفاً عن أن «عناصر أحفاد الرسول هاجموا الدولة الاسلامية في الرقة، واستهدفوا أحد قادتها بعبوة ناسفة، ما أدى إلى مقتله، وأدى ذلك إلى اندلاع اشتباكات، ثم زُعم أن الدولة تقتل أحفاد الرسول». كذلك ذكر البيان نفسه معلومات تفيد عن «مهاجمة كتائب الفاروق مقر الدولة في البحتري، وتفجير الآليات والاعتداء بالأسلحة على المجاهدين، بعد تعرّض مقرّهم للقصف من جيش الأسد»، مشيراً إلى حرب إعلامية شعواء تُشنّ ضدها.

ورغم ذلك، فإن ارتكابات «الدولة الإسلامية» لا تُعدّ ولا تُحصى. ضجّت بها فصائل المعارضة المسلّحة بكافة أطيافها. كذلك الأمر شعبياً، إذ خرجت أمس تظاهرة للأهالي في بستان القصر في حلب، تطالب برحيل الأجانب، بعد اشتباكات دارت ظهراً بين «داعش» والجيش الحر. كذلك توعّد متحدث باسم لواء عاصفة الشمال عبر الإعلام بأن «الجيش الحر يحشد لاستعادة أعزاز قبل 4 ساعات من انتهاء المهلة مع داعش».

وتقاطعت مصادر الجهاديين على أن الأيام المقبلة ستشهد احتداماً في المعارك بين «الدولة الإسلامية في العراق والشام» من جهة، ومختلف الفصائل من جهة أخرى. وتُشير المعلومات إلى أن «خيارها اتُّخذ بالمواجهة المفتوحة، كنوعٍ من حرب وقائية للقضاء على باقي الفصائل، التي تفترض أنّها ستتكتّل لقتالها مستقبلاً إذا نضجت تسوية دولية».