emamian

emamian

السبت, 06 أيلول/سبتمبر 2025 09:11

ما هي عوامل الوحدة بين المسلمين؟

ألف ـ الأخوّة الإيمانيّة والإسلاميّة
جعل الإسلام في عصر البعثة من الناس المتفرقين والمختلفين والمتقاتلين، جبهة واحدة مقابلة للشرك والكفر والنفاق وكان هذا الاتحاد والانسجام تحت لواء التوحيد وقيادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاملاً مهمّاً في انتصارهم على كافّة الأعداء وأشدّهم مخالفة للإسلام. وفي العديد من الحالات كانت الأخوّة الإيمانية دليلاً على الاتحاد وعلى أساس ذلك كانت الدعوة إلى الوحدة والتعاون ومساندة المؤمنين.
 
جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾[1].

عندما هاجر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة دوَّن منشوراً أساسيّاً عُرف بصحيفة المدينة، يقوم على أساس تعاليم القرآن الكريم، وحّد من خلاله القبائل المختلفة ـ وألّف أمة واحدة تتمحور حول الإيمان بالله والآخرة والعمل الصالح بدل القوميّة والعنصريّة[2].
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "الإسلام هو الذي جمع الجميع مع بعضهم البعض والإسلام هو الذي نصركم والإسلام هو الذي يهيِّئ السعادة لكافّة البشر"[3], ويقول في مكان آخر: "هذا من ألطاف الإسلام أن يجتمع كافّة الأخوة من السنّة والشيعة فلا يكون بينهم أيّ اختلاف... أتمنى أن تستمرّ هذه الروية"[4].

وخاطب الإمام الخمينيّ قدس سره المسلمين العرب في لقاء مع إحدى الصحف العربيّة قائلاً: "تعالوا واتركوا الخلافات جانباً قدّموا أيدي الأخوّة لبعضكم البعض مع كافّة الأخوة والمسلمين غير العرب، واجعلوا الإسلام هو معتمدكم الوحيد. ويمكنكم من خلال الذخيرة الإلهيّة والمعنويّة والتي هي الإسلام أن تؤلّفوا قوّة لا تفكّر القوى الكبرى بالتسلّط عليكم على الإطلاق"[5].
 
ب ـ التقوى والفضيلة
عندما يتوجّه أفراد المجتمع نحو كلمة التوحيد ويلتزمون بالأوامر الإلهيّة، تشيع بينهم التقوى والفضائل العالية. وعندما تنتشر مكارم الأخلاق والخصال الحميدة في المجتمع ويتمّ إحياء السنن بالاعتماد على الإيمان والتقوى، يزول التفوّق القوميّ والعرقيّ والامتيازات الكاذبة.
 
يرفض الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الأفضليّة القوميّة ويدعو الناس إلى الإله الواحد والأفضلية الناشئة من التقوى: "أيّها الناس إنّ ربّكم واحد وأباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربيّ على عجميّ فضل إلّا بالتقوى"[6]. تحدّث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بهذه العبارات في حجّة الوداع.
 
ج ـ الحضور في التجمّعات العباديّة السياسيّة
كلّما كان أداء التكاليف الدينيّة يصدر عن إخلاص وفي الخلوة بعيداً عن أعين الناس، كانت قيمته أعلى وكان مؤثراً على مستوى الارتقاء المعنويّ للإنسان, ومع ذلك أمر الإسلام بأداء الصلاة جماعة وجعل ثوابها أكثر ممّا يتصوّر في غير ذلك, لأنّ حضور المسلمين مع بعضهم البعض يساهم في اطلاعهم على أوضاعهم وتقترب قلوبهم من بعضهم و.... صلاة الجماعة هي اجتماع عباديّ يوميّ، وصلاة الجمعة هي اجتماع أسبوعي أعمّ حيث يجب على إمام الجمعة تلاوة خطبتين بدل الركعتين يتحدث فيهما بالمواعظ، ويتناول مسائل العالم الإسلاميّ. ويبين خطط المستكبرين للنيل من العالم الإسلاميّ. وصلاة العيدين هي اجتماع آخر يقام مرّة في السنة. والأعمّ والأهمّ من ذلك برنامج الحجّ الواجب على كلّ مسلم عند القدرة البدنية والمالية. ويؤخذ بعين الاعتبار في هذه العبادة العظيمة الزمان الواحد والمكان الواحد واللباس الواحد.
 
يتحدّث الإمام عليّ عليه السلام مشيراً إلى فلسفة بعض العبادات الإسلامية كالحجّ ويقول: "والحج تقوية للدين (أو: تقربة للدين)"[7] والمقصود واحد.
 
يقول الشهيد مطهّري رحمه الله في هذا الخصوص: "إذا كان مفهوم الكلام أنّ فلسفة الحج، هي تقوية الدين، فالمقصود عندها أنّ اجتماع الحج يجعل العلاقات بين المسلمين أكثر استحكاماً وإيمانهم أكثر قوّة وبهذه الوسيلة يقوى الإسلام. وإذا كان مفهوم الكلام أنّ فلسفة الحج، هي القرب إلى الدين، عندها يكون المقصود هو تقريب قلوب المسلمين والنتيجة تقوية الإسلام"[8].
 
يقول الإمام عليّ عليه السلام حول بيت الله: "جعله سبحانه وتعالى للإسلام علماً"[9].
يعتقد الشهيد مطهّري كما أنّ الأعلام تكون رمز الاتحاد ووحدة الأمم وعلامة التضامن فيما بينهم ورفعها علامة على حياة تلك الأمم، كذلك الكعبة بالنسبة إلى الإسلام[10].
 
يوصي الإمام القائد حفظه الله في هذا المجال ويقول: "الحجّ يمكنه إحياء روح التوحيد في القلوب، ويصل أوصال الأمّة الإسلاميّة الكبيرة، ويعيد للمسلمين عزّتهم وينجيهم ممّا يشعرون به من حقارة وذلّة فرضاً عليهم"[11].
 
د ـ المسجد
المساجد منذ فجر الإسلام، مركز للعبادة والعلاقة مع الله وتلاوة القرآن، وهي أماكن تواصل القوى المسلمة على مستوى الحركة الدينيّة والتبليغيّة ومواجهة المعاندين وإزالة آفات التوحيد.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "... بما أنّ الأمّة قد أدركت سرَّ الانتصار وأدركت بوعي أنّ التعبئة العامّة تبدأ من المتاريس الإلهيّة المساجد والمنابر والمحافل الدينيّة، لذلك يجب حفظ هذه المتاريس الإسلاميّة، يجب إقامة هذه الاجتماعات في المساجد والمحافل الدينية بعظمة أكبر"[12].
 
هـ ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أشرنا إلى أنّ الله تعالى أوصى المسلمين في الآية 103 من سورة آل عمران: التمسك بحبل الله وعدم التفرق وحذّرهم في الآية 105 من السورة عينها فقال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
 
وتوضح الآية 104 من السورة نفسها والواقعة بين الآيتين المتقدّمتين: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[13].
 
يبيّن القرآن الكريم أنّ الحفاظ على وحدة المجتمع يتمّ من خلال الدعوة إلى الصلاح والأمر بالمعروف والمنع عن القبائح. وإذا ساد المجتمع حالات الأمر بالمنكر، تغرب عنه الفضائل والمكارم.
 


[1] سورة الحجرات، الآية: 10.
[2] مسيرة ابن هشام، ج1، ص501.
[3] في البحث عن الطريق من كلام الإمام، ج15، ص129.
[4]  المصدر نفسه، ص107.
[5] المصدر نفسه، ص146.
[6]  تحف العقول، ص34.
[7] نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة 244.
[8] تعليقات الشهيد مطهري، ج2، ص215.
[9] نهج البلاغة، الخطبة 1.
[10] تعليقات الأستاذ مطهري، ج2، ص216.
[11]صحيفة كيهان، العدد 19939.
[12] صحيفة اطلاعات، العدد 22578، 19.
[13] سورة آل عمران، الآية: 104.

السبت, 06 أيلول/سبتمبر 2025 09:10

التربية الصحيحة في ظل العلم والتزكية

إنه لمن السذاجة أن يتصور الإنسان بأن نجعل من المعلم المنحرف والمعلم الذي يميل إلى الشرق أو الغرب، أو المتربي شرقياً أو غربياً، أن نجعله معلماً للأولاد الذين لهم نفوس صقيلة كالمرآة، وتعكس كل شيء. إن من السذاجة أن نسلّم شبابنا لمعلم متأثر بالشرق فيجعل منهم شرقيين، أو متأثر بالغرب فجعل منهم غربيين، إن من السذاجة أن نتصور بأن التخصص هو المعيار فقط، وإن العلم هو المعيار، بل إن العلم الإلهي ليس معياراً أيضاً وعلم التوحيد أيضاً ليس معياراً، وعلم الفقه والفلسفة أيضاً ليس معياراً، ليس هناك أي علم يكون هو المعيار، إنما المعيار هو ذلك العلم، وسعادة البشر في ذلك العلم الذي فيه تربية، الذي يُلقى من المربي، الذي يلقى البر من ذلك الذي تربى تربية إلهية.

لو كانت جميع مدارسنا هكذا، سواء مدارس العلوم الإسلامية أو مدارس العلوم الأخرى، ووجدت الاستقامة وزال الانحراف فإنه سوف لا تمضي فترة طويلة إلاّ ويصلح جميع شبابنا ـ الذين هم أمل هذه البلاد في المستقبل، وينشأ الجميع لا شرقيين ولا غربيين، ويسلكون جميعاً الصراط المستقيم.

إن من السذاجة أن نفكر بأنه يكفينا وجود أشخاص يملكون العلم، بل يجب أن يملكوا العلم والتربية، أو على الأقل أن يمتلكوا العلم ولا يكونوا منحرفين، إننا نريد نشر العلم ونستفيد من علم العلماء، فيجب أن يكون العلم غير منحرف على الأقل، ولا يرتبط بالشرق أو الغرب، أن لا يكون الوضع هكذا بحيث يكون معلمونا ومربوا شبابنا من المتربين في موسكو أو واشنطن.

إن من السذاجة أن نفكر بأننا نستطيع أن نستفيد من جميع أهل التخصصات مهما كان حالهم.

إنه لا يمكن الاستفادة منهم، فلو شافى المتخصص مرضنا الظاهري، فإنه سيوجد لنا أمراضاً باطنية، إنه سيرجنا من مرض ضعيف إلى مرض شديد، ومن مرض صغير إلى مرض كبير، يجب أن ننتبه إلى جميع الأمور.

لاحظوا حزب البعث الذي أوجد المشاكل لبلادنا والأكثر منها للبلد المسلم العراق، إن الكثير من هؤلاء المتخصصين ذهب الكثير منهم إلى الجامعة وتخرج منها لكنهم لم يتربوا ولم يزكوا أنفسهم. إذا وجد العلم دون تزكية فإنه سيوجد النظام، ويوجد نظام صدام هذا.

إذا لم نزكِّ أنفسنا ولم تكن التزكية إلى جانب العلم، فإن بلادنا سوف تجرّ لتلك الاطراف.. يجب أن تكون تربيتكم وتربية المعلم تربية إسلامية، وتربية إنسانية، تربية تسير على الصراط المستقيم، وإلاّ فإننا لا يمكننا أن نقبل بتربية موسكو وبتربية واشنطن أيضاً.

من المهمّ القول إنّ الوحدة المنشودة، من وجهة نظر الإمام، هي وحدة المسلمين أو المستضعفين لتحقيق الأهداف الدينيّة العامّة والوصول إلى الكمال والارتقاء المنشودين، وهذه الوحدة حدودها واسعة ومترامية الأطراف، ومطروحة في مجالات متعدّدة ومختلفة.
 
وقد كان هاجس الإمام قبل انتصار الثورة الوحدة بين العناصر الثقافية والدينيّة في البلاد أوّلاً وقبل كلّ شيء، فقد عمل بذكائه المتميّز على التقريب بين شريحة علماء الدين والجامعيّين ما أمكنه ذلك، مؤكّداً على حاجة كلّ منهما للآخر، ومنبّهاً كلّ طرف إلى أخطائه وزلاته بأسلوب ليّن ومتسامح، فكانت شخصيّته موضع احترام وقبول معظم علماء الدين والجامعيين. في هذا يقول سماحته:
"لقد بذلنا كلٍّ ما في وسعنا خلال السنوات الماضية للتقريب بين الجامعات والملالي ومدارس العلوم القديمة وطلبتها، وكذلك قرّبنا بين البازار وهاتين الطبقتين، وألّفنا بين هذه الجبهات المختلفة، وقرّبنا فيما بينها، وكنّا نوصي دائماً بوحدة الكلمة لكي تتمكّنوا من تحقيق ما تريدون"[1].
 
ثم يشير إلى اختصاص كل من الحوزة والجامعة، معتبراً أنّ هؤلاء مختصّون بقضايا الإسلام، وأولئك مختصّون في شؤون البلاد بالقضايا السياسيّة، وهذا يعني أنّ وجود كلّ منهما ضروريّ لتحقيق النصر الآتي.
 
لقد بنى الإمام آماله على وحدة هاتين الشريحتين معتبراً هذه الوحدة حجر الزاوية في المسيرة النضاليّة، إذ أنّهما - من خلال هذه الوحدة - يشكّلان عاملين رئيسين في إفشال مخطّطات القوى العظمى. وفي تحليله لنتائج الثورة الإسلاميّة، يقول: "لو لم تكن نتيجة هذه الثورة إلّا هذه الوحدة بين طبقة المثقّفين وبين رجال الدين لكفى بها ونعمت"[2].
 
وفي أحد تصريحاته المفصّلة حول هاتين الشريحتين الاجتماعيّتين المذكورتين، يقول الإمام: "بعد انتهاء الحرب سنبدأ بالحوزات العلميّة والجامعات التي تمثّل في الواقع القلب النابض للشعب، نحن نعلم بأنّ هذين المركزين الهامّين هما في الحقيقة غُصنان في شجرة طيّبة واحدة، وساعدان لرجل الدين الذي إذا أراد أن يقوم بالإصلاح ويعمل بواجبه والتزاماته الدينيّة، وأن يضع الجميع يدهم بيد بعض ويقفوا صفّاً واحداً لخدمة الحقّ والخَلق، فإنّهم سيأخذون بهذا الشعب إلى ذرى الكمال المنشود في كلا بُعديه المعنويّ والماديّ، ويحافظون على حريّة البلاد واستقلالها"[3].
 
بطبيعة الحال، هناك الكثير ممّا يمكن الحديث عنه في مجال الوحدة بين علماء الدين والجامعيّين، وبصرف النظر عن محاولات المستعمر الذي بذل مساعي كبيرة من أجل الوصول إلى أهدافه عبر زرع بذور الخلاف والاختلاف بين هاتين الشريحتين العلميّتين.
 
ولهذا فقد وظّف الإمام الخمينيّ جزءاً مهمّاً من حملته الدعويّة والتبليغيّة لترسيخ دعائم الوحدة بين طبقات المجتمع الإيرانيّ، والتأكيد على المحور الإسلاميّ الذي يجمع حوله أفراد الشعب الإيرانيّ.
 
وكانت الوحدة بين الحكومة والشعب واتّحاد الأجنحة المتعدّدة داخل الدولة مع بعضها، وكذلك وحدة الأهداف والاتّجاهات والتيارات السياسيّة والأحزاب وانضواؤها تحت راية الإسلام وحزبه الأوحد، كل هذه الأمور وغيرها شكّلت عناصر أخرى في الوحدة التي كان سماحة الإمام يرفع شعارها خلال السنوات التي تلت انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران. وأمّا على الصعيد الخارجيّ فقد كانت الوحدة بين مسلمي العالم وبين مستضعفيه حلمه القديم، والذي ظلّ يؤكّد عليه قبل الثورة وبعد انتصارها.
 


[1] صحيفة النور، ج 4، ص 92.
[2] م.ن، ج 5، ص 22.
[3] م.ن، ج 19، ص 104.

السبت, 06 أيلول/سبتمبر 2025 09:07

تشريع التوسل في الإسلام

لا شك أن هناك العديد من الطرق التي جعلها الله تعالى لتساعد العبد على الارتباط به فجعل الصلاة وجعل الصوم وجعل العبادات كلها بل جعل الكثير من الطرق حتى قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)[1].
 
ولم ينحصر الارتباط بأفعال عبادية معينة فقط، فحتى النظر إلى وجه العالم طريق ارتباط بالله تعالى كما في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "النظر إلى وجه العالم عبادة"[2].
 
وجعل الكثير من أبواب الرحمة التي أكثر تعالى منها لسعة رحمته وشدة رأفته، ففتح باب التوبة وباب الشفاعة...

وهذا أيضاً مما لا شك فيه، ولكن باعتبار أن فتح الأبواب بيد المولى تعالى يُطرح هذا السؤال: هل التوسل هو من الأبواب التي فتحها الله تعالى؟ وبالتالي يمكننا الدخول إلى ساحة رحمته من هذا الباب؟
 
لا مانع في الأصل من فتح هذا الباب، وهو لا يتنافى مع الصفات الإلهية بل على العكس فرحمته تعالى أوسع من أن تضيق عن فتح أبواب كهذه ليرد من خلالها العباد. فليس الكلام في إمكان ذلك، بل الكلام في ثبوته، فهل هناك دليل شرعي يدل على شرعية التوسل؟ عندما نراجع القرآن الكريم والروايات الشريفة سنجد الكثير من الأدلة الدالة على ذلك، وسنستعرضها فيما يلي:
 
أدلة التوسل:
 
هناك نوعان من الأدلة الدالة على تشريع التوسل:

 النوع الأول: النصوص الشرعية التي تنقل قصص التوسل الواقعة من الأنبياء أو من غيرهم مع عدم الإعتراض عليهم في ذلك، ومن هذه النصوص:
 
1- إن آدم عليه السلام قد توسل بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كما تقول الرواية: "... قال: ربّي أسألك بحقّ محمّد لما غفرتَ لي، فقال الله (عز وجل): يا آدم، كيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟ قال: لأنك يا ربّ لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فعلمت أنّك لم تُضِفْ إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك..."[3].
 
2- أبناء يعقوب عليه السلام بعدما كُشِفَ أمرهم وبان ظلمهم توسّلوا بدعاء أبيهم النبيّ وقالوا له: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)[4].
 
3- اليهود أيضا كانوا يتوسلون بنبينا الأكرم صلى الله عليه وآله ففي الرواية عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان... فكلّما التقوا هزمت اليهود، فعاذت بهذا الدعاء: "اللّهمّ إنّا نسألك بحقّ محمد النبي الاَمّي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلاّ نصرتنا عليهم"، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان... فلما بُعث صلى الله عليه وآله كفروا به فأنزل الله تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)[5].
 
النوع الثاني: النصوص الشرعية التي تشرّع التوسل بشكل صريح:
 
1- قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[6].
 وهذه الآية لا تدل على مجرد جواز التوسل، بل تعتبر أمراً مطلوباً وراجحاً.
 
2- قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيما)[7].
 فهذه الآية الشريفة تؤكد التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله لمن ظلم نفسه، فعلى هؤلاء أن يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وآله ليستغفر لهم الله تعالى، وحينئذٍ سيجدون الله تواباً رحيماً. وهذا واضح في كون التوسل باب من أبواب رحمته تعالى.
 
3- قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رُسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُسْتَكْبِرُون).
فهذه الآية الكريمة ذمت الذين يرفضون إتيان رسول الله صلى الله عليه وآله ليكون وسيلتهم إلى الله تعالى فيستغفر لهم، وذمت استكبارهم عن ذلك.
  


[1] - سورة فصلت، الآية/53.
[2] - بحار الأنوار، ج‏1، ص‏195.
[3] - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، ج‏5، ص‏489، ط دار الكتب العلمية بيروت.
[4] - سورة يوسف، الآية/97.
[5] - سورة البقرة، الآية/89.
[6] - سورة المائدة، الآية/35.
[7] - سورة النساء، الآية/64.

إنّ المهمّة المميّزة في إمامته عليه السلام كانت التمهيد لولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وغيبته الصغرى والكبرى، والارتباط الصحيح به وضرورة الانتقال بالشيعة من نقطة اتّصال مباشرة بالمعصوم إلى نقطة اتّصال غير مباشرة. وتعتبر هذه المرحلة من أدقّ المراحل على الفكر الشيعيّ منذ النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إلى عهد الإمام العسكريّ، لذلك كان على الإمام أن يكثّف أحاديثه وأن يقوم عمليّاً، كما سيتّضح، بالتمهيد للغيبة.
 
ويمكن تلخيص دور الإمام عليه السلام في هذا الاتّجاه بما يلي:

1- النصّ على الإمام وتعريف شيعته به:
عن محمّد بن عبد الجبّار قال: قلت لسيّدي الحسن بن عليّ عليه السلام: يا بن رسول الله، جعلني الله فداك، أحبّ أن أعلم من الإمام وحجّة الله على عباده من بعدك.

قال عليه السلام: "إنّ الإمام من بعدي ابني، سَميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيُّه، الّذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه".
 
قال: ممّن هو يا بن رسول الله؟ قال عليه السلام: "من ابنة قيصر ملك الروم، ألا إنّه سيولد ويغيب عن الناس غيبة طويلة ثمّ يظهر"[1].
 
عن يعقوب بن منقوش قال: "دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السلام وهو جالس على دكّان في الدار وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت: سيّدي، من صاحب هذا الأمر؟ فقال: ارفع الستر، فرفعته فخرج إلينا غلام خماسيّ له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، درّيّ المقلتين، شثن الكفّين، معطوف الركبتين، في خدّه الأيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمّد عليه السلام ثمّ قال لي: هذا صاحبكم، ثمّ وثب فقال له: يا بُنيّ ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثمّ قال لي: يا يعقوب، انظر من في البيت، فدخلت فما رأيت أحداً"[2].
 
2- التأكيد على الصبر وانتظار الفرج:
إنّ انتظار فرج الإمام عليه السلام من العبادات بل من أفضل الأعمال كما في الأحاديث المباركة. فإنّ أوّل ما يتوجّب على الإنسان هو الصبر عند طول الغيبة. وما يؤكّد على ذلك الرسالة التي أرسلها الإمام عليه السلام إلى عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي، الّتي جاء فيها: "عليك بالصبر وانتظار الفرج".
 
روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج"[3].
 
3- التحذير من الشكّ والضعف:
فروي عنه عليه السلام: "إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط شوك القتاد بيده"[4].
 
4- التمهيد العمليّ للغيبة:
والمقصود بذلك أنّ الإمام عليه السلام عيّن وكلاء وسفراء من خاصّة أصحابه لتبليغ تعليماته وأحكامه إلى شيعته، وذلك بأسلوب التوقيعات والمكاتبات، وهذا يعتبر تمهيداً عمليّاً لما سيحصل في زمن الغيبة الصغرى.
 


[1] الميرزا حسين النوري الطبرسي، النجم الثاقب، ج1، ص 136.
[2] الشيخ الطبرسي، إعلام الورى، ص 413.
[3] الشيخ عزيز الله العطاردي، مسند الإمام العسكري عليه السلام، ص 19.
[4] ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، ص 122.

تعتزم الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقديم مشروع قرار في الدورة القادمة للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن عدم جواز الهجمات على المنشآت النووية.

وأفادت مصادر دبلوماسية بأن الوثيقة قيد الصياغة وسيتم عرضها في الدورة القادمة.

كما أكد ميخائيل أوليانوف، سفير روسيا وممثلها الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا، ذلك في رسالة نُشرت على موقع التواصل الاجتماعي "اكس" يوم الجمعة.

وردًا على رسالةٍ من مراسلٍ لصحيفة "وول ستريت جورنال" انتقد فيها روسيا لدعمها قرار إيران المقترح المقرر طرحه في "مجلس المحافظين"، حسب المراسل، كتب اوليانوف: "يبدو أن (مراسل وول ستريت جورنال) لا يُدرك الفرق بين مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمؤتمر العام للوكالة، حيث تنوي إيران تقديم مشروع قرارٍ بشأن عدم جواز مهاجمة المنشآت النووية".

وأوضح: "على مروجي الدعاية المعادية لروسيا أن يكونوا أكثر استعدادًا قبل الدخول في المناقشات لتجنب هذا المستوى من السخرية والتناقض".

ووفقًا للجدول المُعلن، سيُعقد المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا في 15 سبتمبر/أيلول لمدة خمسة أيام.

الإثنين, 25 آب/أغسطس 2025 08:45

رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

عن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «إنَّ اللهَ... أعطاني مسألةً، فأخّرْتُ مسألتي لشفاعةِ المؤمنينَ من أمّتي إلى يومِ القيامةِ، ففعلَ ذلك»[1].

إنَّ المتتبّعَ لسيرةِ النبيِّ الأعظمِ (صلّى الله عليه وآله) يقفُ مذهولاً أمامَ عظمةِ شخصيّتِهِ في جميعِ أبعادِها. ولا ريبَ في أنَّ النتيجةَ التي يخلُصُ إليها هيَ أنَّ البشريّةَ بأسرِها عاجزةٌ عن معرفتِهِ وإدراكِ مقامِهِ إدراكاً كاملاً، فضلاً عنِ الإحاطةِ بصفاتِهِ وأبعادِهِ الروحيّةِ والمعنويّةِ والفكريّةِ والاجتماعيّةِ... لقد كانَ (صلّى الله عليه وآله) فريداً في إنسانيّتِهِ وكمالاتِه، لا مثيلَ له في الخلقِ كلِّه، وقدِ اجتمعَتْ في شخصِهِ المقدَّسِ كلُّ الصفاتِ المطلوبةِ للإنسانِ الكاملِ، حتّى ختمَ اللهُ بهِ النبوّاتِ. وحقٌّ لنا أن نقولَ إنَّهُ (صلّى الله عليه وآله) في خلقِهِ وصفاتِهِ يلامسُ حدَّ الإعجازِ، وقد أكّدَ اللهُ تعالى ذلكَ بقولِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[2].

بركاتُ الوجودِ المحمّديّ
إنَّ آثارَ وجودِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) لا تنحصرُ في أخلاقِهِ وشخصِه، بلِ امتدَّتْ لِتعمَّ الكونَ برمَّتِه، وقد قالَ تعالى مخاطباً إيّاه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[3]، وهذهِ الرحمةُ المحمّديّةُ تجلَّت في بركاتٍ عديدةٍ، نذكرُ منها:

1. الأمان: إذ كانَ وجودُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) أماناً للبشريّةِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[4]، وقد أوضحَ العلّامةُ الطباطبائيُّ في تفسيرِهِ أنَّ المانعَ من نزولِ العذابِ يومئذٍ هوَ وجودُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) بينَهُم، والمرادُ بالعذابِ... عذابُ الاستئصالِ بآيةٍ سماويّةٍ، كما جرى في أممِ الأنبياءِ الماضين[5].

2. الوسيلة إلى الله: قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[6]، وعن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «إذا سألتُمُ اللهَ، فاسألوهُ الوسيلةَ»، فسُئلَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) عنِ الوسيلةِ، فقالَ: «هيَ درجتي في الجنّةِ»[7]، ويعلّقُ العلّامةُ الطباطبائيُّ على هذهِ الروايةِ معَ الآيةِ، فيقولُ: «إذا تدبّرتَ الحديثَ، وانطباقَ معنى الآيةِ عليه، وجدْتَ أنَّ الوسيلةَ هيَ مقامُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) من ربِّهِ، الذي بهِ يتقرّبُ هوَ إليهِ تعالى»[8].

3. الوساطة في غفرانِ الذنوب: قالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾[9]، وهذهِ الآيةُ دليلٌ على كونِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) سبباً لمغفرةِ الذنوبِ وقَبولِ التوبةِ.

4. الشفاعة: قالَ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾[10]، وقد وردَ عنهُ (صلّى الله عليه وآله) أنَّ المقامَ المحمودَ هوَ مقامُ الشفاعةِ يومَ القيامةِ، حيثُ قالَ: «إذا قمْتُ المقامَ المحمودَ، تشفّعْتُ في أصحابِ الكبائرِ من أُمّتي، فيشفّعُني اللهُ فيهِم. واللهِ، لا تشفّعْتُ في مَن آذى ذريّتي»[11].

إنَّ ما ذكرناه بعضُ إشاراتٍ من بركاتِ وجودِ النبيِّ الأعظمِ (صلّى اللهُ عليه وآله)؛ إذ لا يمكنُ الإحاطةُ التامّةُ بكلِّ ما ترتّبَ على وجودِهِ الشريفِ من آثار. ونختمُ بما رُويَ عنِ الإمامِ الباقرِ (عليه السلام)، قالَ: «قالَ رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليه وآله): مقامي بينَ أظهرِكُم خيرٌ لكُم، فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، ومفارقتي إيّاكُم خيرٌ لكُم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، مقامُكَ بينَ أظهرِنا خيرٌ لنا، فكيفَ تكونُ مفارقتُكَ خيراً لنا؟! قالَ: أمّا أنَّ مفارقتي إيّاكُم خيرٌ لكُم، فإنَّ أعمالَكُم تُعرَضُ عليَّ كلَّ خميسٍ واثنين، فما كانَ من حسنةٍ حمدْتُ اللهَ عليها، وما كانَ من سيّئةٍ استغفرْتُ اللهَ لكُم»[12].

ختاماً، نرفعُ آياتِ العزاءِ إلى مولانا صاحبِ العصرِ والزمانِ (عجّلَ اللهُ فرجَهُ)، وإلى وليِّ أمرِ المسلمينَ، وإلى المجاهدينَ جميعاً، بذكرى رحيلِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، وشهادةِ حفيدَيهِ الإمامَينِ المجتبى والرضا (عليهما السلام).



[1] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص57.
[2] سورة القلم، الآية 4.
[3] سورة الأنبياء، الآية 107.
[4] سورة الآنفال، الآية 33.
[5] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج9، ص68.
[6] سورة المائدة، الآية 35.
[7] عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تفسير القمّيّ، ج2، ص325.
[8] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص334.
[9] سورة النساء، الآية 64.
[10] سورة الإسراء، الآية 79.
[11] الفتّال النيسابوريّ، روضة الواعظين، ص273.
[12] عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تفسير القمّيّ، ج1، ص277.

الإثنين, 25 آب/أغسطس 2025 08:43

كيف هي المدرسة الإلهية في التربية؟

ثمة فارق جوهري بين مدرسة الأنبياء والأئمّة ومنهاجها في التربية، وبين غيرها من مدرسة الفلاسفة النظريين والمفكّرين والمنظّرين، فالمدرسة الأولى تتعامل مع الجانب الإنساني والروحي في البشر كما تعزّز تعاملها مع عواطفهم وقلوبهم، دون الاقتصار على الأفكار المجرّدة والنظرية في الإنسان. وذلك لأن الجانب القلبي والروحي هو المميز للإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى فيعطيه هويته الخاصة به ولا يشاركه فيها أي كائن آخر سواء كان من الحيوانات أو الجان أو الملائكة، ولذلك تركز المدرسة الإلهية وفق منهج أهل البيت عليهم السلام في تربيتها للإنسان على هذه الجنبة من كيانه...
 
ولهذا أيضاً يلاحظ أنّ القرآن الكريم يشير دائماً في مجال وصفه للعلاقة القائمة بين الله سبحانه وبين المؤمنين بالرسالة الإسلامية إلى مرتكزات هذه العلاقة، حيث يستعمل هذه الألفاظ الخاصة في دلالتها على جانب العاطفة والقلب والوجدان، وذلك من قبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[1].
 
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[2]. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾[3]. ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾[4].
 
فمن الواضح أنّ هذه الآيات وأمثالها مما يصف الله سبحانه فيه ويشرح سنخ العلاقة بالبشر وطبيعة العناية الإلهية بهم، تركز على مقولات عالم القلب والروح، لا عالم المصطلحات البشرية والأفكار المجردة، وما ذلك إلا لأنّ هذه المدرسة تسعى لأن تربّي الإنسان وتكمّل إنسانيته وكمالاته التي لا تقوم في أساسها ومجراها إلّا على جانب القلب والروح والوجدان، فمن خلال هذا الجانب يستطيع الإنسان أن يتكامل ويسعى إلى الصالحات والخيرات، والصفات الأخلاقية والوجدانية الحميدة.
 
أما كيف ولماذا يكمل الإنسان عن طريق هذا الحب؟ فذلك لأنّ الكمال الحقيقي للإنسان إنّما يكون باقترابه من الكمال المطلق وهو الله سبحانه، والقلب هو باب هذا الاقتراب من الكمال المطلق، وليس الباب إليه هو الذهن وحده، بداهة أنّ الإنسان قد يدرك وجود الله سبحانه ولكنه لا يتكامل.
 
منهج الأنبياء التربوي
فلا يتصوّر أحد أنّه مع وجود المنطق والاستدلال، فما هي الحاجة للحديث عن الموعظة والتربية والتوجيه؟ وما هي الحاجة للبحث في قضايا وجدانية وعاطفية من هذا القبيل؟ إنّ هذا النوع من التفكير بيّن البطلان، لأنّ لكلّ واحدة من هذه الأمور دوراً في بناء شخصية الإنسان وتكامله. فالعواطف لها دورها والمنطق والبرهان لهما دورهما المهم أيضاً.
 
فالعاطفة لها دور في حلّ كثير من المشاكل والمعضلات التي يعجز المنطق والاستدلال عن حلّها. ولذلك حينما نراجع تاريخ الأنبياء عليهم السلام سوف نرى أنّه في أوائل بعثتهم كان يلتفّ حولهم أناس لم يكن المنطق والبرهان هما الدافع الأساسي لإيمانهم ولالتفافهم حول أولئك الأنبياء عليهم السلام، لذا كان عملهم ودعوتهم في المرحلة الأولى يقوم على أساس كسب المشاعر والعواطف الصادقة لدى الناس.
 
ففي هذه المرحلة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب الكفّار مبيناً ضعف آلهتهم (الأصنام) وعجزها، وأنها ليست سوى أحجار لا تضرّ ولا تنفع. من دون الحاجة إلى ذكر الدليل العقلي والمنطقي على بطلان عبادتهم لتلك الأصنام. ولم يكن يستدلّ للناس بالأدلّة العقلية والفلسفية على وجود الله ووحدانيته، بل كان يكتفي بالقول: "قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا"[5]، فلم يبرهن للناس عقلياً أو فلسفياً أنّ الاعتقاد بـ (لا إله إلاّ الله) يؤدّي إلى فلاح الإنسان وسعادته، بل إنّ هذه العبارة تخاطب مشاعر الإنسان وأحاسيسه الصادقة.
 
طبعاً إنّ كلّ مشاعر وأحاسيس صادقة وسليمة تنطوي على برهان فلسفي واستدلال عقلي. لكنّ المسألة هي أنّ كلّ نبي عندما كان يريد البدء بالدعوة لم يكن يطرح الدليل العقلي والفلسفي من أجل هداية الناس، بل إنّه كان يبدأ بتحريك العواطف والأحاسيس الصادقة والسليمة التي تحمل المنطق والاستدلال في ذاتها. وهذه الأحاسيس والعواطف توجّه أنظار الإنسان إلى ما يعيشه المجتمع من انحراف وظلم واضطهاد وتمايز طبقي، وما يمارسه أنداد الله من البشر (شياطين الأنس) من ضغط وإرهاب ضدّ أبناء ذلك المجتمع. أمّا طرح البراهين العقلية والمنطقية فكان يبدأ حينما تستقر الدعوة وتأخذ مجراها الطبيعي.
 


 [1] سورة البقرة، الآية: 222.
[2] سورة الفتح، الآية: 18.
[3] سورة الحجرات، الآية: 7.
[4] سورة هود، الآية: 90.
[5] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج18، ص202.

يمكننا تحديد بعض الأسباب التي دفعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفتح آفاق جديدة للدعوة الإسلاميّة خارج مكّة المكرّمة، وهي:

1- قريش ترفض الإسلام: لقد سعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاهدًا إلى نشر الإسلام في مكّة المكرّمة، وكان حريصًا على هداية قريش والقبائل العربيّة المجاورة إلى الإسلام، إلّا أنّ قريشًا رفضت الإسلام رفضًا قاطعًا، وواجهته بشتّى الوسائل المتاحة، فلم يعد الناس يقبلون الإسلام في مكّة، فلا بدّ من البحث عن مكان آخر لنشر الإسلام فيه.

2- أذية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: عندما أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعوته في مكّة المكرّمة، واجهته قريش بشتّى الوسائل والأساليب، وتعرّض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للابتلاء الشديد، والمحن العصيبة، فقد آذاه قومه بكلّ أنواع الإيذاء، واستخدموا معه كلّ ما استطاعوا للقضاء على الإسلام.

3- أذيّة المسلمين: إنّ القاعدة الشعبيّة التي يرتكز عليها الإسلام تعرّضت هي الأخرى لأشدّ وأقسى أنواع العذاب من قبل قريش، فها هم عائلة آل ياسر يمثّلون نموذجًا على ذلك، فقد تعرّضوا لأقسى أنواع العذاب من الضرب والإهانة، وشدّة التعذيب، وغيرها.

لماذا اختار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنوّرة؟

1- مقوّمات الدولة في يثرب:
إنّ مدينة يثرب من المناطق التي تتوفّر فيها مقوّمات الدولة، من حيث الموقع الجغرافيّ، والموارد الطبيعيّة الكامنة فيها. فموقعها الجغرافيّ في وسط شبه الجزيرة العربيّة يوفّر القدرة على الاتّصال بجميع المناطق المحيطة بها في جميع الجهات. ومن جهة أخرى، قربها من مكّة المكرّمة، حيث توجد أقوى قوّة تعادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ممّا يسمح للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بديمومة المرابطة لكلّ تحرّكات قريش داخل الجزيرة العربيّة، وارتباطها بالقبائل الأخرى.

إضافة إلى ذلك، فإنّ المدينة المنوّرة تتوافر فيها الموارد الطبيعيّة التي تسمح بتأمين مصادر العيش والحياة، فأرضها تصلح للزراعة، وبالتّالي فتح مجال للتجارة والبيع، ممّا يؤمّن للمسلمين موارد الحياة الماديّة والماليّة، وهي مناسبة جدًّا للحياة، فأرضها ليست صخريّة وجبليّة، وليست صحراويّة أيضًا، وهذا يساعد على إنشاء الدولة الإسلاميّة المرتقبة.

2- السلطة السياسيّة:
إنّ تركيبة المدينة المنوّرة السياسيّة كانت لا تسمح بوجود قوة سياسيّة يمكن أن تواجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تحرّكاته ودعوته. فالمدينة فيها الأوس والخزرج، وهما قبيلتان عربيّتان متناحرتان، وفيها اليهود الذين يفتقدون السلطة السياسيّة في المدينة، وشغلهم الشاغل فقط التجارة، وإذكاء نار الفتنة بين الأوس والخزرج. هذا كلّه لا يؤهّل أحداً للوقوف في وجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خلافًا لمكّة التي ترتكز فيها قوّة هي قريش.

3- البيئة الاجتماعية المساعدة:
إنّ الأجواء الاجتماعيّة التي كانت سائدة في المدينة المنوّرة بين الأوس والخزرج ساعدت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على نشر دعوته بين هاتين القبيلتين بشكل سريع. فالإسلام يمنع التناحر والتباغض، ويرفع الظلم عن جميع أبناء المجتمع، وهذا كلّه كان مفقودًا عند هاتين القبيلتين. ولذا دخل الإسلام سريعًا إلى يثرب، وانتشر فيها كما سيأتي، وهذا كلّه يساعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تأسيس دولته في مدينة يثرب.

الإثنين, 25 آب/أغسطس 2025 08:30

كيف يكون العلم طريقاً للسّعادة؟

لنا أن نسأل هنا: هل للعلم دورٌ في تحضير الهيرويين أم لا؟ نعم، للعلم دورٌ في ذلك، لكن ليس العلم بحقيقته المجرّدة صنع ذلك، بل الرّغبات الشهوانيّة الشيطانيّة هي الّتي صنعته؛ لأنّ العلم كالمصباح بيد الإنسان، أين ما أخذه أضاء له ذلك الحيّز الّذي اصطحب معه المصباح إليه. فالمُهمّ هنا هو هدف حامل المصباح وغايته. فمثلًا، صيدلانيٌّ ما حائزٌ على شهادة عالية، في حين يكون دخله الشهريّ ثلاثة أو أربعة آلاف تومانًا، فهل يمكننا هنا عدّ الهيرويين السامّ نتاج التطوّر الزمني والتقدّم العلمي في هذا القرن، ونقرّ به، ونتعاطاه على أنّه من متطلّبات العصر!؟

إذًا، العلم المطلوب هو العلم النافع المفيد للبشريّة، والّذي يكون بيد العناصر الخيّرة في المجتمع. وما أعظم القرآن حين يذكر استعدادَيْن عند الإنسان في آنٍ واحد، أي متحدَّيْن معًا وهما: استعداده للإبداع، وقد تمثّل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ..﴾[1]، واستعداده للظلم وقد تجسّد في قوله تبارك اسمه: ﴿.. إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾[2]، فهما لا ينفصلان عن بعضهما بعضًا. أيّ إنّ وجود الاستعداد للظلم قد جعل الإبداع البشري في خدمة توجهه، والنتيجة هي عندما تصبّ قابلية الإبداع في خدمة النزوات الشخصيّة الشهوانيّة، فمن الطبيعي أن يكون هناك أفلام مدمّرة هدّامة، ويكون هناك هيرويين.

نظرة الإسلام للتطوّر الإنسانيّ
إذًا، نفهم من هذا كلّه أنّ الإنسان كما يمكنه أن يتقدّم ويتطوّر، كذلك يمكن أن ينحرف، ولقد أخبرنا معلّمو الأخلاق منذ أقدم العصور بهذا الأمر، إذ ذكروا أنّ وجود العلم عند الإنسان لا يدلّ على أنّه سيجعله في خدمة البشريّة، إذ يمكن أن يكون هناك عالم لكن يسخّر علمه في خدمة شهوته.

يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "... ها إنّ ها هنا لعلمًا جمًّا (وأشار بيده إلى صدره) لو أصبتُ له حَمَلَةً! بلى أصبتُ لقنًا غير مأمونٍ عليه، مستعملًا آلة الدين للدّنيا، ومستظهرًا بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقادًا لحملة الحقّ، لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشكّ في قلبه لأوّل عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك! أو منهومًا باللذّة، سلس القياد للشهوة، أو مُغرمًا بالجمع والادّخار"[3].

ويقول الشاعر "سنائي": "يجب أن تخشى من علم تتعلّمه لأجل الحرص والطمع؛ لأن مثلك في ذلك مثل السارق الّذي يدخل دارًا ليلًا وبيده مصباح، فإنّه ينتقي أفضل الأثاث وأحسنه".

وهذا الكلام صحيح جدّاً، إذ لا يكفي أن يدّعي الإنسان بالعلم ويعمل ما يشاء حتى يقول القائل: "إن كلّ ما يعمله صحيح". كلّا بل علينا أن نتعرّف إلى حقيقة العلم الّذي يحمله هل هو علم حرّ أو أسير؟ وهل يسخّر الإنسان علمه في الطريق الّتي يستصوبها عقله أو في طريق آخر، وعلى حدّ تعبير أمير المؤمنين عليه السلام: "مستعملًا آلة الدين للدنيا"[4].
هذا فيما يخصّ فردًا واحدًا، فكيف بالمجتمع الّذي يعمل جمع من العلماء على تطويره وتقدّمه، وجمع آخر من الناس المستغلّين يتحيّنون الفرص لاستغلاله؟

إذًا، هذا معيار يمكن أن نحصل عليه لنحكم على التطوّرات الّتي تطرأ في كلّ عصر، أيّ منها تطوّرات مفيدة نافعة، وأيّ منها مضرّة ورديئة. وفي التطوّرات الّتي تصبّ في خدمة النزوات الشخصيّة المغرضة، لا ينبغي مجاراتها على أنّها من متطلّبات العصر؛ لأنّ هذه المجاراة تعني السقوط والتردّي.

ولمّا قلتم إنّ هذا العصر هو عصر العلم. فنقول: نعم، إنّه عصر العلم، ولكن هل العلم وحده؟ وهل نضبت مناهل الوجود الإنسانيّ الأخرى ليبقى العلم وحده؟ وهل يكفي أن يكون الإنسان عالمًا فقط؟ ألم تكن عند هذا الإنسان طاقات أخرى؟

ومن الملفت للنظر أنّه لم يسترق العلم في عصر من العصور كما استرق في عصرنا هذا، لذلك لا ينبغي أن نطلق على هذا العصر "عصر العلم"، بل عصر استرقاق العلم، وعصر أسر العلم، أي لم يترك العلم حُرًّا كما هو، ولم يطلق له العنان أن يؤدّي دوره المطلوب في خير البشرية ونفعها، كما كان في الأعصار المنصرمة، فقد كان أكثر انطلاقًا. ولم تمرّ عليه فترة لقي فيها من التعاسة والاستغلال والتكبيل، كما لقي في واقعنا المعاصر هذا.

ولو تابعتم الأحداث لوجدتم أنّه بمجرّد ظهور عالم حاذق في حقل من الحقول كحقل الاختراع مثلًا أو علم النفس، فإنّ القوى السياسيّة المتسلّطة تبادر فورًا إلى كسبه ووضعه تحت تصرفها، مطالبةً إيّاه أن يسخّر علمه في خدمة أهدافها وتوجّهاتها. ولا حيلة له عندئذٍ، ولعلّ أفضل مثال على ذلك هم "علماء الذرّة" الّذين هم أتعس حظًّا من الآخرين في عالم اليوم. ففي كلّ مكان يبرز فيه عالم ذرّي من الطراز الأوّل، فإنّ تلك القوى المتمكّنة تبادر إلى اعتقاله ليضع علمه تحت تصرّفها لئلّا يطّلع على ذلك الأعداء. وتنظّم تلك القوى برنامجًا معيّنًا وتطلب من ذلك العالم أن يعمل في ضوئه وليس له أن يخرج عليه أو يحيد عنه، بل ليس له حقّ الحياة دونه مع العلم أنّ العلماء من الطراز الأوّل حيثما وجدوا فإنّهم يعلمون أسرارًا من العلوم الطبيعيّة لا يعلمها غيرهم.

ولعلّ في الاتّحاد السوڤياتي لفيفًا من هؤلاء، ولا يعلم أحد عددهم لأنّه من ضمن الأسرار، وكذلك في الولايات المتّحدة الأميركيّة. ولكلّ من هؤلاء العلماء مئة مرافق ومراقب حتّى لا يُفشي الأسرار للآخرين، أو لا تُسرق منه تلك الأسرار، فمن أتعس من هؤلاء العلماء الفاقدين للحريّة، الّتي نتمتّع بها نحن، والّذين ليس لهم حقّ الاتصال حتى بإخوتهم! والسبب معروف كما نعلم إذ ربّما يفشون لهم شيئًا من تلك الأسرار، وإذا فعلوا ذلك فإنّ هؤلاء يذهبون ويقدّمون تلك الأسرار إلى حكومة أخرى، وربما تحصل مواجهة بين الحكومتَيْن.

إذاً أيّ عصر علم هذا؟ نعم، قد نعبّر عنه أنّه عصر العلم، ولكن ليس عصر حريّة العلم، بل استرقاق العلم وأسره. إنّه عصر سيطرة قوى أخرى غير قوّة العلم على مقرّرات الشعوب ومصائرها، وكذلك استغلال تلك القوى لقابليات العلماء كوسيلة لتحقيق أهدافها.

ولو قلنا عندئذٍ: إنّنا لا ينبغي أن نساير متطلّبات العصر وتطوّراته بشكل تامّ مطلق، فإنّ هذا لا يعني تعارضًا مع العلم والتطوّر. وإنّما يعني إقرارًا بالواقع حيث إنّ سبب ما ذكرنا هو أنّا نعلم أنّه لم يحن إلى حدّ الآن عصر يكون العلم فيه حُرًّا أو العقل حُرًّا، أو تكون للاثنَيْن سيطرة على شهوات الناس وحبّهم للجاه والشهرة. وبعبارة أخرى، لم يأت عصر يكون فيه "أينشتاين" حاكمًا و"روزفلت" محكومًا، بل العكس هو الصحيح. ولـ"أفلاطون" نظرية معروفة هي نظرية "المدينة الفاضلة"، حيث يقول فيها: "إنّ العالم لا يرى السعادة إلّا في زمان يكون فيه الحكماء حُكّامًا، والحكّام حكماء، أمّا إذا كان الحكماء شريحة، والحكّام شريحة أخرى فلا يرى سعادة أبدًا".

ونعتقد نحن المسلمين ولا سيّما أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أنّ عصر السعادة الحقيقيّة للبشريّة هو عصر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو عصر العدالة بكلّ ما للكلمة من معنى. وهو العصر نفسه الذي تكون أوّل ميزاته تحكم العقل لا الهوى في الميادين المختلفة، وكذلك هو عصر تكون للعلم فيه منزلته الخاصّة به، حيث لن يكون مسترقًا مكبّلًا، ولا بدّ أن يكون كذلك. ويعبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عنه بأنّه عصر يرتشف فيه الناس كأس العلم والمعرفة، حيث يقول (عليه السلام): "ويُغْبَقون كأس الحكمة بعد الصَّبوح"[5].

وورد في الكافي أنّ في عصر الظهور، يضع المهدي يده على رؤوس الناس فتزداد عقولهم[6].

وأودّ أن أحيطكم علمًا، أنّي قد لا أكون قد حقّقت مرادي في شرح هذا الموضوع وبيانه، ولكن كونوا على علم أنّه من الخطأ بمكان أن نعبّر عن هذا العصر بأنّه عصر العلم، أو عصر العقل، أو عصر الفكر؛ لأنّه لا حرية للعقل والفكر والعلم فيه، حيث العالم ما زال عالم الشهوات، وحبّ الجاه والظهور.

سافرتُ في الشهر الماضي إلى "خوزستان"، وكان قد أقيم هناك احتفال بمناسبة النصف من شعبان يوم ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، فألقيتُ كلمة خاطبتُ الحاضرين بها قائلًا: "إذا أردتم أن تعرفوا في أيّ عصر نعيش، وأيّ شيء يتحكّم بمصائر الشعوب، فلاحظوا وضع الهيبيّين التافهين الّذين أثاروا في العالم ضجيجًا مفتعلًا ليوجّهوا الأنظار نحوهم. وقد ذكرت صحفنا أنّ هؤلاء لمّا ذهبوا إلى أميركا غطّوا على الأحداث السياسيّة كافّة؛ حيث سلّطت الأضواء عليهم دون غيرهم، ويحكي لنا هذا عن الروح العامّة الّتي تسيطر على الشعب الأميركي. وذكرت الأنباء أنّ "ويلسون" رئيس وزراء بريطانيا عندما وصل أميركا لم تكتب الصحف المُهمّة مثل "نيويورك تايمز" عن قدومه إلّا أربعة أسطر، في حين خصّصت صفحات كثيرة منها للحديث عن هؤلاء الهيبيّين، وقد ذاع صيتهم في الآفاق حتى قالوا هم عن أنفسهم أنّهم أكثر شهرة من السيّد المسيح (عليه السلام). فهل يترجم لنا هذا التوجّه أنّ هذا العصر هو عصر العلم والعقل؟".

وقد ذكرتُ أنّه يبدو أنّ عصرنا ما زال عصر الهيبيّين وليس عصر "ويلسون"، وقلتُ: "حتى لو كان عصر ويلسون، فما عسانا أن نفعل؟ فينبغي علينا إذًا أن لا نصدّق مئة في المئة بكلّ ما يحدث في العالم، وبكلّ ما يظهر فيه من جديد، وكذلك لا نخدع ببريق متطلّبات العصر، حيث ما زال هناك بون شاسع بيننا وبين الوقت الّذي تكون فيه جميع تطوّراته صحيحة ومفيدة".
 


[1] القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية:72.
[2] نفس المصدر.
[3]  السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (خطب الإمام علي عليه السلام)، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، قم، دار الهجرة، 1414هـ، ط 1، ص496، من كلام له لكميل بن زياد في العلم.
[4]  م، ن، ص 496.
[5]  السيد الرضي، نهج البلاغة (خطب الإمام علي عليه السلام)، ص 208، الخطبة 150. يُغبقون: يُسقون بالمساء. الصّبوح: ما يُشرب وقت الصباح.
[6]  "إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اللَّهُ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ وَ كَمَلَتْ بِهِ أَحْلَامُهُمْ"، الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ط 4، ج1، ص25، باب العقل والجهل، ح21.