Super User
دَور الحجّ في التقريب بين المسلمين
خلاصة المقالة :
إنّ فلسفة خلقة الإنسان تكمن في نيله المعرفة. فالمعرفة تمهّد الأرضيّة اللازمة لرقيّ القدرة الإدراكيّة لدى الإنسان وتساهم في تنميتها، وكذلك لها دورٌ هامٌّ في التقارب بين البشر وإقرار الوحدة بينهم.
ولا ريب في أنّ المناسك الدينيّة نابعةٌ من صميم هكذا حقيقةٍ، سيّما حجّ بيت الله الحرام الذي يُعتبر أعظم هذه المناسك، والذي بمعناه الإسلاميّ العام يعكس فلسفة المعرفة والتقارب والوحدة الشاملة بين أبناء الأُمّة الإسلاميّة، وقد تجلّى هذا المعنى السّامي في أحاديث رسول الله ( ص ) وأهل بيته الكرام (ع). لذا، فإنّ الحجّ يعتبر مؤتمراً لتلاحم المسلمين ووحدتهم، حيث يجتمعون في آنٍ واحدٍ ومكانٍ واحدٍ تحت مظلّة العقيدة السمحاء، والتي تتجسّد في الإيمان بالله تعالى والاعتقاد بالمعاد والقرآن الكريم، وكذلك تجمعهم الكثير من المشتركات في الأحكام الفقهيّة. أمّا محلّ اجتماعهم، فهو مكّة المكرّمة، مدينة السّلم والأمان التي يحرُم فيها حمل السّلاح ولا يجوز لغير المسلمين وطؤها؛ لذلك يجب على المسلمين أن يُحافظوا على هذه العبادة العظيمة. ولا بدّ لحجّاج بيت الله الحرام من أن يُراعوا كافّة المعايير الخـُلقيّة في هذه المدينة المقدّسة وأن لا يُعرّضوا أرواح النّاس للخطر ولا يسلبوهم أموالهم وعليهم أن يصونوا أعراضهم لتحقّق الطمأنينة النفسيّة لكلّ حاضرٍ في هذا المؤتمر الرّوحانيّ.
ومن أجل تحقّق الوحدة المنشودة بين المسلمين، فمن الأحرى بهم أن يُراعوا ما يلي :
1 – التمسّك بالقرآن الكريم.
2 – اتّباع سنّة رسول الله ( ص ).
3 – التمسّك بأهل البيت ( ع ).
4 – مراعاة حقوق بعضهم البعض.
5 – مراعاة الخـُلق الحسن واجتناب الشتم والألفاظ البذيئة.
6 – مراعاة الاتّزان عند النقاش مع بعضهم البعض.
7 – اجتناب التعصّب.
8 – احترام مقدّسات بعضهم البعض.
9 – تقبّل القول الحقّ دونما عنادٍ أو كبرياء.
10 – التأكيد على المصلحة العامّة.
فالعمل بهذه الوصايا من شأنه أن يُعزّز الوحدة المنشودة بين المسلمين في مدينة الرّحمن وفي الزّمان الذي حدّده جلّ شأنه لاجتماعهم، ألا وهو موسم الحجّ العظيم.
المفردات الرئيسة : الحجّ، التقارب، الوحدة، المعرفة، القرآن الكريم، السنّة، العترة، السِّلم، الحقيقة.
لقد خلق الله تعالى البشر من ذكرٍ وأُنثى، ثمّ جعلهم شعوباً وقبائل ليعرفوا بعضهم بعضاً، إذ قال تعالى في سورة الحجرات : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [ سورة الحجرات : الآية 13 ]. فلا ريب في أنّ النّاس من خلال تعارفهم سوف يتقرّبون إلى بعضهم بشكلٍ أفضل، وكذلك سيجتنبون كلّ ما من شأنه أن يُكدّر صفو هذا التقارب من خصالٍ رذيلةٍ كالعنصريّة والتفاخر بالأنساب، وبالتّالي سيتمتّعون بحياةٍ طيّبةٍ مفعمةٍ بالسِّلم والأمان ولا يُميّز بينهم إلا معيار التقوى الذي يزكّي الرّوح من كافّة الأدران والميول الماديّة.
فالتعارف فيما بين بني البشر هو مقدّمةٌ لتقارب الأفكار وتجاذب القلوب، لذا فهو مفتاح باب كنـز الوحدة الثّمين، والذي يعتبر الهدف الأساسي للكثير من تعاليم الشريعة الإسلاميّة السمحاء، لا سيّما فريضة الحجّ المباركة.
ورُويَ أنّ هشام بن الحكم أحد أصحاب الإمام جعفر الصّادق ( ع ) ومن أبرز علماء عصره، قال : سألت أبا عبد الله – الإمام الصّادق - ( ع ) فقلت له : « ما العلّةُ التي من أجلِها كلَّف اللهُ العبادَ الحجَّ والطَّوافَ بالبيتِ ؟ »، فقال ( ع ) : « إنَّ اللهَ خلقَ الخلقَ ـ إلى أن قال : ـ وأمرَهُم بما يكونُ من أمرِ الطَّاعةِ في الدِّينِ ومصلحتِهِم من أمرِ دُنياهُم، فجعلَ فيهِ الاجتماعَ من الشَّرقِ والغربِ ليتعارفوا ولينـزع كلُّ قومٍ من التِّجاراتِ من بلدٍ إلى بلدٍ، ولينتفع بذلك المـُكاري والجمَّالُ، ولتُعرف آثارُ رسولِ اللهِ ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وتُعرف أخبارُه ويُذكر ولا يُنسى.
ولو كانَ كلُّ قومٍ إِنَّما يتَّكِلونَ على بلادِهِم وما فيها، هلَكُوا وخربتْ البلادُ وسقطتْ الجُلُبُ والأرباحُ وعَمِيَتْ الأخبارُ، ولم تقفوا على ذلك، فذلك علَّةُ الحجِّ ». [ وسائل الشِّيعة، الحرّ العاملي، ج11، ص14، ح14124 ].
أمّا سيّد الموحّدين الإمام عليّ بن أبي طالب ( ع )، فيعتبر الحجّ رايةَ الإسلام المرفوعة يجتمع تحتها المسلمون من كافّة بقاع العالم تلبيةً لنداء بارئهم ، حيث قال : « وفرَضَ عليكم حجَّ بيتهِ الحرامِ الذي جعله قبلةً للأنامِ يردونه ورودَ الأنعامِ ويألهون إليه وُلوه الحمامِ، جعله سبحانه علامةً لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزَّته، واختار من خلقه سُمَّاعاً أجابوا إليه دعوتَه وصدَّقوا كلمتَه، ووقفوا مواقف أنبيائه وتشبَّهوا بملائكته المطيفين بعرشه يحرزون الأرباح في متجر عبادته ويتبادرون عند موعد مغفرته.
جعله سبحانه وتعالى للإسلام علَماً وللعائذين حرماً، فرض حجَّه وأوجب حقَّه وكتب عليكم وفادته » [ نهج البلاغة، الخطبة رقم 1 ].
وفي الحقيقة فإنَّ شعائر الحجِّ فرصةٌ مناسبةٌ لِـفَظِّ الخلافات بين أبناء الأُمّة الإسلاميّة، وفائدة هذه الفريضة المباركة لا تعمّ مَن شدَّ رحاله نحو الدِّيار المقدّسة فحسب، بل تشمل المسلمين قاطبةً أينما كانوا.
وفي نفس هذا المضمار، قال الإمام عليّ بن موسى الرِّضا ( ع ) : « إنَّ علةَ الحجِّ الوفادةُ إلى اللهِ تعالى وطلبُ الزيادةِ والخروجُ من كلِّ ما اقترفَ، وليكونَ تائباً ممـّا مضى مُستأنفاً لما يستقبل، وما فيه من استخراجِ الأموالِ وتعبِ الأبدانِ وحظرها عن الشهواتِ واللَّذاتِ والتقرُّبِ في العبادةِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ والخضوعِ والاستكانةِ والذُّلِّ شاخصاً في الحرِّ والبردِ والأمنِ والخوفِ دائباً في ذلك دائماً، وما في ذلك لجميعِ الخلقِ من المنافعِ والرغبةِ والرهبةِ إلى اللهِ سبحانه وتعالى، ومنه تركُ قساوةِ القلبِ وخساسةِ الأنفسِ ونسيانِ الذِّكرِ وانقطاعِ الرجاءِ والأملِ وتجديدِ الحقوقِ وخطرِ الأنفسِ عن الفسادِ، ومنفعةُ مَن في المشرقِ والمغربِ ومَن في البرِّ والبحرِ ممـَّن يحجُّ وممـَّن لا يحجُّ مِن تاجرٍ وجالبٍ وبائعٍ ومشتري وكاسبٍ ومسكينٍ ». [ علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ص404، ح5 ].
المشتركات بين حجّاج بيت الله الحرام
لا ريب في أنَّ أتباع دين نبي الرحمة محمّد بن عبد الله ( ص ) الذين يتوافدون من كافّة أقطار العالم إلى بيت الله الحرام، تربطهم أواصر مشتركة كثيرة لا يتمتّع بها غيرهم، كما يلي :
1 – الاعتقاد بربوبيّة الله الواحد الأحد. فجميع المسلمين يعبدون الله تعالى وحده ويجتمعون حول بيته الحرام بهذه النيّة. قال تعالى : ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [ سورة الأنبياء : الآية 92 ].
2 – الاعتقاد بنبوّة خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله (ص) واتّباع سنّته.
3 – الاعتقاد بالمعاد.
4 – الاعتقاد بالقرآن الكريم.
5 – المشتركات في الأحكام الفقهيّة.
ناهيك عن مشتركاتٍ أُخرى كثيرةٍ في شتّى المجالات.
ميزات محلِّ اجتماع المسلمين
فضلاً عن المشتركات التي ذكرناها، فإنَّ الكعبة المشرّفة ومكّة المكرّمة لهما ميزاتٌ خاصّةٌ تجعل من تحقيق الوحدة بين المسلمين أمراً ميسوراً. ومن أبرز هذه الميزات :
1 – الأمان
لقد تقبّل اللهُ تعالى دعاءَ سيّدنا إبراهيم الخليل ( ع ) وجعل مكّة بلداً آمناً لكافّة مسلمي العالم، حيث دعا الله قائلاً : ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً ﴾ [ سورة إبراهيم : الآية 35 ].
وبالتّالي فإنَّ جميع المسلمين الذين يقصدون بيت الله الحرام لأداء فريضة الحجّ، سيعمّهم الأمان كما صرّح بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 97 ]، وقوله تعالى : ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ [ سورة البقرة : الآية 125 ].
وهذا الأمان شاملٌ لكافّة النّاس وراسخٌ لا يمكن المساس به لدرجة أنَّ رسول الله ( ص ) قال : « مَن قتلَ قتيلاً أو أذنبَ ذنباً ثمَّ لجأَ إلى الحرمِ، فقد أمِن، لا يُقادُ فيه ما دامَ في الحرمِ ولا يُؤخذُ ولا يُؤذى » إلى آخر الحديث [ الجعفريّات، ص71 ].
ومن الظَّريف أنّ هذا الأمان لا يشمل البشر فحسب، بل يشمل حتّى ما التجأ إلى الحرَم من الطير والحيوان. يقول عبد الله بن سنان أحد أصحاب الإمام جعفر الصّادق ( ع )، إنّه سأل الإمام ( ع ) عن قوله تعالى : ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾، البيتَ عَنى أو الحرمَ ؟ قال ( ع ) : « مَن دخلَ الحرمَ من النَّاسِ مُستجيراً به فهو آمنٌ، ومَن دخلَ البيتَ من المؤمنين مُستجيراً به فهو آمنٌ من سخطِ اللهِ، ومَن دخلَ الحرمَ من الوحشِ والسّباعِ والطّيرِ فهو آمنٌ من أن يُهاجَ أو يُؤذى حتّى يَخرُجَ من الحرمِ » [ التقريب إلى حواشي التهذيب، محمّد الكرمي، ج5، ص449 ].
وبالتأكيد فإنّ هذا الأمان دائمٌ ومستقرٌّ ولا يجوز التعدّي عليه في أيّ وقتٍ كان. فقد قال رسول الله ( ص ) يوم فتح مكّة : « إنَّ اللهَ حرّمَ مكّةَ يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ، وهي حرامٌ إلى أن تقومَ الساعةُ، لم تحلُّ لأحدٍ قبلي ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، ولم تحلّ لي إلا ساعة من النّهارِ » [ الكافي، الكليني، ج4، ص226 ].
2 – حظر حمل السِّلاح
لقد جُعلت مكّة وحرمها منطقةً منـزوعةً من السِّلاح لكي يسودها الأمان بشكلٍ تامٍّ. وقد أمر الإمام عليّ بن أبي طالب ( ع ) النّاس بقوله : « لا تَخرجوا بالسُّيوفِ إلى الحرمِ، ولا يُصلِّينَ أحدُكم وبين يديهِ سيفٌ، فإنَّ القبلةَ أمنٌ » [ الخصال، الشيخ الصدوق، ص616 ].
3 – عدم جواز دخول غير المسلمين
يقول تعالى في كتابه العزيز بهذا الصدد : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا ﴾ [ سورة التوبة : الآية 28 ].
وقال الإمام جعفر الصّادق ( ع ) : « لا يدخل أهلُ الذّمةِ الحرمَ ولا دار الهجرةِ، ويُخرجون منهما » [ تفسير القمّي، علي بن إبراهيم، ج1، ص59 ].
وبالطبع فإنّ الحيلولة دون دخول مَن هبَّ ودبَّ في الحرم المقدّس من شأنه أن يخلق نوعاً من الطمأنينة في نفوس المقيمين فيه.
4 – الحفاظ على البيئة
إنَّ قلع النباتاب والأشجار واصطياد الحيوانات في الحرم المقدّس الذي جعله الله تعالى آمناً، أمران محرّمان أكّد الشّارع المقدّس على وجوب مراعاتهما. فقد قال رسول الله ( ص ) يوم فتح مكّة : « هذا بلدٌ حرّمه اللهُ يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ، وهو حرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يوم القيامةِ » [ النهاية، ج2، ص75 ] .
5 – الحفاظ على أموال النّاس
لا يجوز لأحدٍ أن يقتني ما يجده من مالٍ في الحرم المبارك الذي جعله الله تعالى آمناً، إلا أنّ يُعرّفه، إذ قال رسول الله ( ص ) : « ولا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلا مَن عَرّفَها » [ النهاية، ج2، ص75 ].
6 – مراعاة الأخلاق الحميدة
لا ريب في أنّ وجوب اجتناب الجدل والقسم وإهانة النّاس، من أهمّ الأُمور الدالّة على قدسيّة الحرم المبارك، فقد قال تعالى في كتابه الكريم : ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [ سورة البقرة : الآية 197 ].
7 – الحفاظ على أرواح النّاس
سماعة بن مهران أحد أصحاب الإمام جعفر الصّادق ( ع )، قال : سألت الإمام الصّادق ( ع ) عن رجلٍ لي عليه مالٌ فغاب عنّي زماناً، فرأيتُه يطوفُ حولَ الكعبةِ أفأتقاضاه مالي ؟ قال ( ع ) : « لا، لا تُسلِّم عليهِ ولا تُرَوِّعْهُ حتّى يخرُجَ من الحرمِ » [ أُصول الكافي، الكليني، ج4، ص241 ].
فهذه الميزات الخاصّة بالحرم المقدّس، تجعله أنسب منطقةٍ للحوار وتبادل الآراء واتّخاذ القرارات المصيريّة للأُمّة الإسلاميّة، لا سيّما فظّ النـزاعات بين البلدان الإسلاميّة؛ ومن الجدير بالذّكر فإنّ الله تعالى قد أوكل إدارة هذا المركز الحسّاس إلى عباده المؤمنين لكي يسخّروا كافّة جهودهم في سبيل بلوغ أهدافهم المنشودة، إذ قال جلّ وعلا : ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ ﴾ [ سورة الأنفال : الآية 34 ].
سُبُل بلوغ الأهداف المنشودة
بالطبع فإنّ كلَّ وحدةٍ تحتاج إلى محورٍ أو عدّة محاورٍ لكي يتسنّى للجميع الحركة حول قطبها أو أقطابها، وبالتّالي بلوغها.
وأمّا محور الوحدة الإسلاميّة فقد عبّر الله سبحانه وتعالى عنه بـ ( حبل الله )، حيث قال في كتابه العزيز : ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 103 ].
وإضافةً للقرآن الكريم، فإنَّ سنّة رسول الله ( ص ) وأهل بيته الكرام ( ع ) من الممكن أن يكونا محوراً لوحدة الأُمّة الإسلاميّة قاطبةً. لذا علينا أن نستثمر كافّة ما لدينا من مؤهّلاتٍ في مناسك الحجّ بغية تحقيق الوحدة الإسلاميّة الشّاملة.
وأمّا بالنسبة لمدرسة أهل البيت (ع)، فقد وضع روّادها برامجاً مكتملةً ووصايا لهداية النّاس بحيث لو أنّهم عملوا بها وطبّقوها، لأصبحت الوحدة أمراً ميسوراً وليس ببعيد المنال. ومن هذه الوصايا :
1 – التمسّك بالقرآن الكريم
قال تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 103 ].
قال رسول الله ( ص ) : « إذا التبست عليكم الفِتن كقطعِ اللّيلِ المظلمِ، فعليكم بالقرآنِ » [ وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ ].
2 – اتّباع سنّة رسول الله ( ص )
قال تعالى : ﴿ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [ سورة الحشر : الآية 7 ].
3 – التمسّك بعترة رسول الله ( ص )
قال رسول الله ( ص ) : « إنّي تاركٌ فيكم الثِّقلَين كتابُ اللهِ وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا من بعدي » [ هذا الحديث متّفق عليه بين الفريقين سنّةً وشيعةً، وقد ورد في معظم كتب حديث أهل السنّة ].
4 – احترام حقوق الآخرين ومراعاة الأُخوَّة في الله
كما نعلم جميعاً، فإنّ رسول الله ( ص ) قد آخى بين المهاجرين والأنصار بعد هجرته من مكّة إلى المدينة، وكان دائماً يقول : « المسلمُ أخُو المسلمِ، لا يَظلمهُ ولا يُسلِمُهُ » [ صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ].
كما قال الإمام جعفر الصّادق ( ع ) : « المسلمُ أخو المسلمِ، هو عينُهُ ومرآتُهُ ودليلُهُ، لا يخونُهُ ولا يخدعُهُ ولا يظلمُهُ ولا يُكذِّبُهُ ولا يغتابُهُ » [ وسائل الشّيعة، الحرّ العاملي ].
5 – مراعاة الأدب واجتناب السييء من القول
لقد أكّد الإمام عليّ ( ع ) على أنّ معظم النـزاعات تتأجّج بسبب كلمةٍ واحدةٍ فقط، وحذّر النّاس من القول السييء، ولا سيّما المؤمنين إذ يجب عليهم الحذر في أقوالهم واجتناب دسائس الأعداء. حيث قال مرّةً : « رُبَّ حربٍ جُنيتْ من لفظَةٍ » [ غرر الحـِكَم ودرر الكَلِم، عبد الواحد الآمدي، ح5313 ].
وروي عن الإمام جعفر الصّادق ( ع ) قوله : « معاشرَ الشيعةِ، كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شَيناً، قولوا للنَّاسِ حسناً واحفظوا ألسنتَكم وكفُّوها عن الفضولِ وقبحِ القولِ » [ بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج71، ص310 ].
6 – مراعاة الاعتدال
قال الإمام عليّ بن موسى الرضا ( ع ) : « إنّ مُخالفينا وضعوا أخباراً في فضائِلنا وجعلوها على ثلاثةِ أقسامٍ، أحدها الغلوُّ، وثانيها لا تقصيرَ في أمرِنا، وثالثها التّصريحُ بمثالبِ أعدائِنا.
فإذا سمعَ النّاسُ الغلوَّ فينا، كَفَّروا شيعتَنا ونسبوهم إلى القولِ بربوبيَّتنا؛ وإذا سمعوا التقصيرَ، اعتقدوه فينا؛ وإذا سمعوا مثالبَ أعدائِنا بأسمائِهم، ثلبونا بأسمائِنا؛ وقد قال اللهُ عزّ وجلّ : ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ » [ مسند الإمام الرّضا، ج1، ص238، ح439 ].
7 – اجتناب التعصُّب
من المؤكّد أنّ التصرّفات الناجمة عن التعصُّب، دائماً تكون حائلاً دون الوحدة، كما قال الإمام جعفر الصّادق ( ع ) : « إيّاكُم والخصومةِ، فإنّها تشغلُ القلبَ وتُورثُ النِّفاقَ وتُكسِبُ الضَّغائِنَ » [ وسائل الشّيعة، الحرّ العاملي ].
8 – احترام مقدّسات الآخرين
لا بدّ لكلّ إنسانٍ من أن يُراعي هذا الأمر الهامّ في كافّة المجالات، فقد قال الإمام عليّ ( ع ) لأصحابه عند مواجهته جيوش معاوية : « أكرهُ أن تكونوا سبّابين » [ بحار الأنوار، العلامة المجلسي ].
كما نهى الله تعالى في القرآن الحكيم حتّى عن سبّ المشركين، حيث قال : ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [ سورة الأنعام : الآية 108 ].
9 – تقبّل الحقائق
لو أُريد حقّاً تحقيق الوحدة، فعلى كافّة الأطراف أن يتقبّلوا الحقائق المطروحة في نقاشاتهم، وإلا فلا يمكن بلوغ الوحدة المنشودة أبداً. ويؤيّد هذا الكلام قول الإمام عليّ ( ع ) : « مَن كان غرضُهُ الباطلُ، لم يُدرِك الحقَّ ولو كان أشهر من الشَّمسِ » [ غرر الحِكَم ودرر الكَلِم، عبد الواحد الآمدي، ح9023 ].
10 – جعلُ المصلحةِ العُليا نُصب العين
بعد الأحداث التي وقعت بعد وفاة رسول الله ( ص )، فقد اتّبع الإمام عليّ ( ع ) سياسة الصّبر مراعاةً للمصلحة العامّة وذلك من أجل الحفاظ على النّظام الإسلاميّ الفتيّ وتجنيبه أيّ ضررٍ مُحتملٍ، حيث قال : « فرأيتُ أنَّ الصبرَ على ذلكَ أفضلُ من تفريقِ كلمةِ المسلمينَ وسفكِ دمائِهم، والنَّاسُ حديثوا عهدٍ بالإسلامِ » [ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج1، ص307 ].
النتيجة
في الحقيقة انّ حصيلة ما قلنا يتلخّص في ما يلي : لو أنّنا استثمرنا ما لدينا من مؤهّلاتٍ، لا سيّما مناسك الحجّ والميزات التي تمتّع بها مكّة المكرّمة والحرم القدسيّ، لتمكنّا من توحيد صفوف السيول الهائلة من المسلمين من خلال الاتّكاء على محور القرآن الكريم وسنّة رسول الله ( ص ) وعترته الطّاهره ( ع )؛ وذلك لا يتحقّق إلا باتّباع منهجٍ منظّمٍ وتوعية حجّاج بيت الله الحرام؛ وقبل كلِّ شيءٍ، لا بدّ من تنقية أجواء البلاد الإسلاميّة من أجواء العصبيّة الذميمة. وبالتأكيد فإنّ هذه الوحدة ستعيد للمسلمين أمجادهم التي فقدوها.
إنّ فوائد مناسك حجّ البيت العتيق كثيرةٌ، إحداها نيل الوحدة بين المسلمين. ولو أنّ المعنيين يقومون بوضع برامج شاملة ومدروسة يهذّبون من خلالها الحجّاج بالأخلاق الإسلاميّة الحميدة ويعلّمونهم فلسفة الحجّ وأسراره، لاستطاعوا أن يوجدوا تغييراتٍ جذريّةٍ في العالم بأسره. ولو أنّهم وحّدوا مناهجهم وسخّروا طاقاتهم الاقتصاديّة واستثمروا قدراتهم، لأثبتوا انصياعهم للقرآن الكريم وتحقيق ما أكّد عليه : ﴿ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 139 ]، [ سورة محمّد : الآية 35 ]؛ وكذلك لصدّقوا قول رسول الله ( ص ) : « الإسلامُ يَعلو ولا يُعلى عليه » [ وسائل الشيعة، الحرّ العاملي ].
ولكن للأسف الشديد وفي الظُّروف الراهنة، علينا الاعتراف بهذه الحقيقة المرّة، ألا وهي انّ بعض المتحجّرة عقولهم لا يحولون دون استثمار هذه الطاقات الهائلة للمسلمين فحسب، بل يسخّرون كمّاً هائلاً من طاقات المسلمين لخلق الخلافات بينهم وتأجيج النـزاعات التي لا جدوى منها، ويبذلون قصارى جهودهم في سبيل نشر الفِتن والتفريق بين أبناء الدين الواحد وتكفير مَن استطاعوا تكفيره منهم؛ وبالتّالي لا ينصبّ ذلك إلا في دلو أعداء الإسلام، لأنّ هؤلاء المتحجّرين يمهّدون الطريق لهم لطعن المسلمين وإهانة مقدّساتهم. بينما نستوحي من مصادرنا الإسلاميّة النهي عن اتّهام المسلمين ظلماً وتكفيرهم، وبالطبع فإن فعل هؤلاء المتحجّرين يُنافي روح الإسلام المقدّسة وتعاليمه السمحاء التي رسمها لنا خاتم الأنبياء والمرسلين ( ص )، إذ قال : « مَن كفَّر مؤمناً، صار كافراً » [ موطّأ مالك ]. وقال في موطنٍ آخر : « إِنَّما أمرهُ لأخيه يا كافر فقد باءَ به أحدهما » [ موطّأ مالك ].
السيّد علي قاضي عسكر
الحج جو نموذجي للتقريب و الوحدة
إن (الوحدة الاسلامية) هي احدى خصائص الامة الاسلامية المهمة ولا يمكن ان نتصور أمة اسلامية متكاملة الشخصية دونما تصور لهذه الخصيصة وبدونها تكون الامة قد فقدت الكثير من خصائصها الاخرى وربما تكون قد فقدت خاصية الايمان الصادق بالله العظيم وبطريقها الاسلامي الواحد.
ولا تعني الوحدة الاسلامية قولبة كل الافكار ووحدة كل الانماط الفكرية والذوقية وامثال ذلك فان ذلك من المستحيل وانما تعني الاستجابة للبرنامج الاسلامي المخطط، وتكوين امة تقيم التوازن بين خطين اساسيين:
احدهما ـ هذا الاختلاف الطبيعي بين الاذواق والامكانات والمستويات العلمية، وزوايا النظر، والثقافات والادلة وكيفية الاستنباط والقناعات التحقيقية وامثال ذلك من الاسباب الطبيعية التي تنتج الاختلاف، وقد بحثها علماؤنا الاجلاء منذ القرون العديدة.
وثانيهما: لزوم الموقف الموحد في مجالات عديدة اهمها:
أ ـ الاصول الاسلامية الاولى التي تقع موقع البديهيات الاسلامية فيجب ان تشكل المساحات الفكرية المشتركة.
ب ـ الاخلاقية العامة التي تشكل الخصيصة المشتركة الاخرى، بل يتعدى الامر هذه المساحة الى حيث يشغل كل الخصائص العامة للامة الاسلامية فيجب ان يعمل كل المسلمين على التحلي بهذه الخصائص او على ان تتحلى أمتهم بها.
ج ـ تطبيق الشريعة الاسلامية على كل جوانب الحياة، ويمكن ان يعد هذا من البديهيات الفقهية للاسلام باعتباره اطروحة حياتية جاء الانبياء جميعا ليعدوا البشرية لتقبلها وتطبيقها.
د ـ الموقف السياسي الموحد من القضايا العالمية وخصوصا في قبال اعداء القضية كلها وهم المشركون والمنافقون والمستكبرون، والعمل على الدفاع عن بيضة الاسلام.
هذه ـ اجمالاً ـ هي المجالات التي يجب ان تتوحد فيها الامة.
فاذا تم هذا عدنا الى ما قلناه من ان الامة الاسلامية يجب ان تحقق هذا التوازن بين الخطين فتضمن من جهة تدفق الافكار الجادة ونشاط الاجتهادات المفيدة، في نفس الوقت الذي تضمن فيه الموقف الموحد في المجالات الآنفة. وهناك برنامج اسلامي واسع لتحقيق هذا التعادل، ولا نستطيع ان نتناول كل اطرافه هنا فهو واسع الابعاد.
والحقيقة ان من يلحظ الامور التالية يدرك عمق التخطيط الاسلامي لتحقيق الوحدة الاسلامية وهي:
اولاً: ان الوحدة التي يسعى لها الاسلام تقوم على اساس العقيدة والعاطفة معا والتي يتم التعبير عنها بوحدة القلوب.
ومجمل العقيدة الاسلامية في اصولها، وبرنامج الشد العاطفي الاسلامي يتكفلان بما لا مزيد عليه بتحقيق ذلك باروع صورة.
ثانياً: ان النظام الاسلامي يوقف المسلمين جميعاً دونما أي تمييز امامه على حد سواء، ويشعرهم بلزوم تحمل مسؤولياتهم المشتركة تجاهه دونما أي تقصير، والا وجه اللوم للجميع على حد سواء.
ثالثاً: حذف الاسلام كل مقاييس التفاضل وابقى على المقاييس المعنوية فقط وهي (التقوى والعلم والجهاد والعمل) لا غير ووفر بذلك اروع ارضية للوحدة.
رابعاً: هناك مساحات فعلية تشعر المسلمين بوحدتهم من قبيل ما تقرره الشريعة من ملكية عامة لافراد الامة في (الاراضي المفتوحة بالقوة).
خامساً: ويقف نظام العبادات في طليعة النظم التي تؤدي الى تعميق العقلانية والتوازن والتقريب والوحدة الاسلامية، حيث يقف المسلمون في كل بقاع الارض في وقت واحد ـ عرفاً ـ متجهين الى مكان واحد، ومرددين ذكرا واحداً، ومؤدين لعمل واحد، وملتزمين بشروط واحدة. وحين تدخل الامة الاسلامية كلها في عملية تربوية كبرى في كل سنة شهرا واحدا وذلك بملء ارادتها فهي تتدرب على استرجاع انسانيتها وتعميق جذورها في النفوس.
وهكذا نصل الى الحج كعملية تربوية رائعة يجتمع فيها ممثلو الانسانية المسلمة من كل حدب وصوب ليتدربوا فيها على امور كثيرة جدا وليحققوا منافع كبرى لهم في حياتهم المعنوية والمادية، فتنغرس في نفوسهم معاني الامة الواحدة العابدة الطائفة حول التوحيد والرافضة للنظم الوضعية والاخلاق الصنمية، والملتزمة بحدود الله وحرماته والنازعة لكل العناصر المفرقة ماديا بين البشر والمتبرئة من المشركين، والمحاسبة نفسها وحكامها على ما اكتسبوا، وغير ذلك من الفوائد الجمة.
ولكي يضمن الاسلام للحج ان يؤدي دوره الوحدوي العظيم في حياة الامة فقد قرن به امورا وخصه بخصائص كلها تعمل بتناسق على تحقيق اهدافه؛
فهناك الظروف المكانية حيث بيت التوحيد الذي خصه الله بخصائصه يوم خلق الارض والذي بناه ابو التوحيد ابراهيم (عليه السلام) والذي يحمل في كل جنباته بصمات الانبياء وفي طليعتها بصمات الرسالة الاسلامية وقادتها العظام.
وهناك الظروف الزمانية حيث الشهر الحرام وحيث الأيام العشر التي يهبها الله للبشرية لكي تستكمل استعدادها لقبول الرسالة الالهية ويتبع هذه الظروف.
وهناك العيد يوم العودة الانسانية الى ربها والعودة الالهية بالرحمة للعبيد.
وهناك المناسك الرائعة المعنى وكل منها يرمز الى عطاء كبير ومضمون سخي كالإحرام والطواف والوقوف والنحر والحلق والرمي وغيرها من المناسك الجمة التعبير.
وهناك الاذكار والادعية التي تتناغم مع تلك المناسك غاية التناغم وتحقق الهدف المنشود.
ولكي تتم الشريعة الاسلامية الجو المنشود للتأثير طرحت فكرة القدسية والامان لهذا المكان وهذه الفترة، فاكملت بذلك العطاء. وهاتان الصفتان تملكان مضامين اجتماعية كبرى نلخصها في بما يلي:
اولاً: الاشعار بان البيت الحرام وهذه البقعة المقدسة التي تحيط به هي مدار حركة الارض، وان على البشرية اذا ارادت لنفسها الامان من الاهواء والالهة الوهمية والضياع في متاهات الضلال، ان تطوف حول هذا البيت وتعمل بالشريعة التي تبشر بها وتتأصل في وجودها معاني التوحيد التي يرمز اليها، فالامان الحقيقي هو امان هذا البيت، والامان الحقيقي هو الامان الذي ينبع من الاعتقاد بالله العظيم والالتجاء اليه تعالى وهو القادر المطلق، والامان المطلق للخائفين والرحيم الودود بعباده، وحينئذ فلا خوف من المستقبل ولا حزن على الماضي.
انه امان اللجوء الى نظام الله والتخلص من ضلال النظم الوضعية، وانه امان اللجوء الى رضا الله كمقياس موحد للبشرية والتخلص من المقاييس المادية الممزقة.
وانه أمان التلاحم بين القلوب المخلصة التي تعمل لتحقيق خصائص الامة الاسلامية.
وانه امان الاجيال الانسانية المتتابعة على خط واحد تترسم سبيل الانبياء وتنفذ اوامر الله تعالى كالملائكة المطيفين بعرش الله.
وانه امان الحاملين لعلم الله ولواء الاسلام الحنيف.
كل هذه المعاني يبعثها في النفوس هذا الحكم الالهي المهم.
يقول امير المؤمنين علي (ع) (وفرض عليكم حج بيته الحرام: الذي جعله قبلة للانام، يردونه ورود الانعام، ويألهون اليه ولوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته واذعانهم لعزته، واختار من خلقه سماعاً اجابوا اليه دعوته وصدقوا كلمته، ووقفوا مواقف انبيائه، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه يحرزون الارباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعد مغفرته، جعله سبحانه وتعالى للاسلام علما وللعائذين حرما. فرض حقه واوجب حجه وكتب عليكم وفادته)( ).
ونحن نلاحظ في هذا النص الشريف التأكيد على:
أ ـ الارتباط العاطفي للانام بهذا البيت الحرام، تواضعا لعظمة الله.
ب ـ الاختيار والتوفيق الالهي لمجموعة من كل منطقة ليمثلوا كل الارض في هذه الدورة التدريبية السماوية الرائعة.
ج ـ ان هؤلاء يشعرون بانهم بهذا: يجيبون دعوة الله، ويصدقون بكلمة الله ويمشون على خط انبيائه (خصوصا بعد تصور حج الانبياء جميعا لهذا البيت).
ويتشبهون بملائكة الله الطائفين حول العرش (من حيث تنفيذ اوامر الله وجذب الكون كله لطاعة الله)، ويستغلون هذا الموسم لانماء التكامل العبودي في وجودهم والحصول على المغفرة الالهية المنشودة.
ثانياً: الاشعار بضرورة ان يكون للناس مركز يقول فيه كل مسلم كلمته بكل حرية، ويتبادل المؤمنون فيه الافكار دونما سلطة من جبار او حاكم مهما كان لونه ومنزلته فيتحول الحج من خلال ذلك الى مؤتمر عالمي يتجمع فيه ممثلو الامم ويتدارسون احوالهم وما يحيط بمجتمعاتهم من مخاطر ومشاكل وما ينبغي ان يطرحوه من حلول، ويتعرفون على الوسائل التي ينفذ فيها كل فرد مسلم واجبه تجاه الآخرين، ويلاحظون الدسائس والمخططات الاستكبارية المعادية لمسيرتهم التوحيدية الخالصة وينددون بها ويتعرفون على اساليب الوقوف الموحد بوجهها.
وربما استطعنا ان نستفيد هذه المعنى من التقارن الآتي في الآية الكريمة (واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً) وهذه حقيقة اشار اليها الكثير ممن درسوا هذه الشعيرة الاسلامية المهمة حتى سمي الحج بالمؤتمر الحر السنوي العام للمسلمين. هذا وقد كان الحرم كما رأينا موضعاً مقدساً يقول فيه الناس آراءهم بكل حرية حتى في الجاهلية الامر الذي كان يستفيد منه الرسول (ص) ليعلن دعوته المباركة بكل حرية تماما كما استفاد من انتساب البيت لابراهيم (ع) لاحياء نداء ابراهيم التوحيدي ونفي شبهات اليهود والنصارى.
ثالثاً: الاشعار بالتلاحم بين القدسية والامان في ظل الحكم الالهي الاصيل.. وانه اذا كان الحرم لله ـ ولذا صار محلا للامن والقدس ـ فان كل الوجود لله، وان اشعاعات هذه الحقيقة لتمتد الى كل الوجود ولذا فلا مجال لاي طغيان او تخويف او ارعاب المؤمنين بالله، فاذا لم تتحقق هذه الحقيقة في كل الارض فان على المؤمنين ان يعملوا على توسعة هذه الدائرة المقدسة الآمنة لتصل الى مرحلتها الشاملة.
رابعاً: كما قد تكون هاتان الخصيصتان (القدسية والامان) سراً من اسرار انجذاب القلوب الى هذه البقعة الطاهرة والتنعم بعطائها الكبير وهو ما لاحظناه في النص السابق عن الامام علي (ع) حينما قال (ويألهون اليه ولوه الحمام). ان القلوب ترد هذه الاماكن الطاهرة بكل عشق وولوه وتتطهر في أجوائها المضمخة بالطهر الالهي النقي وترجع الى حياتها الاجتماعية بعيدة عن اوضار المادة سليمة طاهرة تتلقى العطاء الالهي بكل صفاء وتنشر الرحمة الود والعطف في ارجاء المجتمع موفرة الجو العاطفي المطلوب في المجتمع الاسلامي.
هذا بالاضافة الى ان الجو العاطفي الملتهب حبا يدع القلوب اكثر استعداداً واقبالا على العبادة واستماع الوحي والتعلق بالمضامين التي ترمز اليها عملية الحج، وما هي في الواقع الا تربية عبادية سياسية على اقامة المجتمع المسلم لله.
خامساً: ثم ان هذا الامان المعطى للانسان والحيوان والاعشاب والارض في هذه البقعة المقدسة ليعبر عن تلاحم طبيعي رائع بين عناصر الكون لتحقيق هدف الانسان الكبير.
وقد جاءت روايات تؤكد التوافق الطبيعي بين الانسان والطبيعة في عملية الحج بل في كل المسيرة الحياتية.
وقد جاءت الرواية عن الرسول انه (ص) عندما رجع من غزوة تبوك واشرف على المدينة قال: (هذه طابة وهذا جبل احد يحبنا ونحبه)( ).
وقد روى المرحوم الكليني باسناده عن جابر عن ابي جعفر (ع) قال: (أحرم موسى من رملة مصر قال: ومر بصفائح الروحاء محرما يقود ناقة بخطام من ليف عليه عباءتان قطوانيتان، يلبي وتجيبه الجبال)( ).
وروى عن الامام الباقر (ع) قال: (قال امير المؤمنين (ع): ما من مهل يهل بالتلبية الا اهل من عن يمينه من شيء الى مقطع التراب ومن عن يساره الى مقطع التراب وقال له الملكان ابشر يا عبد الله وما يبشر الله عبدا الا بالجنة).
وان هذه المعاني لتترك أثرها في نظرة الانسان الى الكون والحياة وتذكره بان الكون معه ان سار في خط الانبياء وراح يحقق مقتضيات الخلافة الالهية في الارض ويبني المجتمع العابد المسلم.
وهكذا نجد ان الحج يشكل الجو النموذجي الذي يتم فيه تقارب الافكار الممهد لتحقيق الوحدة في المواقف العملية، والتوازن والوسطية والعقلانية المطلوبة كل ذلك في اطار رائع من العبودية الخالصة والتقدس العرفاني الجميل.
محمد علي التسخيري
الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية
محمد علي التسخيري
الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلاميةإِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
(ضحی 6-11)
دور القرآن في اسلام المهتدين حديثاً
أعتقد أن الغرب الحديث قد مرّ بتجربة كبرى من ضياع الثقة. فالثقة بالحكومة والقيم التقليدية والتربية والعلاقات الانسانية والكتب المقدسة والدين والله كله قد اضمحل وتلاشى بسبب الصراع من أجل التقدم المادي. وقد خلف هذا الضياع فراغاً كبيراً للمعنى والهدف، وأنجب العديد من الأفراد الذي لا يعترفون بأي نظام فكري، والذين أصبحوا فضوليين ومستعدين لأي وجهة نظر بديلة. فمن بين جميع الديانات والايديولوجيات التي يمكن لهم أن يختاروا إحداها يبدو أن الاسلام قد جذب منهم عدداً أكبر مما كانت تتوقع له إحصائيات الحصص. والسبب وربما يعود للاهتمام الكبير الذي توليه وسائل الإعلام الغربية للإسلام، وكذلك بسبب وصول أعداد كبيرة من المهاجرين من مجتمعات إسلامية إلى الغرب، وكذلك من خلال التفاعل الكبير والمتزايد بين الدول الغربية والشرق أوسطية هذه الأيام. ولا شك أن جميع هذه العوامل قد أسهمت في زيادة الاهتمام الغربي بالاسلام.
إن المعتنقين الجدد يقدمون أسباباً عديدة لاختيارهم الاسلام، ويصفون السبل المختلفة التي قادتهم إلى اعتناق هذا الدين. وبغض النظر عن السبب الذي أثار اهتمامهم أولاً أو دفع بهم لاتخاذ القرار النهائي كي يصبحوا مسلمين، فإن هؤلاء المهتدين الجدد إلى الاسلام غالباً ما يعبرون عن الإحباط الذي يشعرون به، والذي يحتملونه في صراعهم للتأقلم مع جاليتهم الدينية الجديدة. إن أهم سؤال يجب أن نتحقق منه بشأن هؤلاء لا يتعلق بالكيفية التي دخلوا بها الاسلام، بل بالسبب الذي يجعل العديد منهم متمسكاً بقوة بهذا الدين؟ وغالباً ما يكون جوابهم أن القرآن هو السبب. وعملياً نجد أن جميع المعتنقين الجدد الملتزمين بالاسلام يعزون إيمانهم لعقيدة راسخة، وهي أن القرآن بكامله ما هو إلا تنزيل منزه من لدن رب العالمين. وقد يشيرون إلى بعض ملامح القرآن لكي يؤكدوا هذا المعتقد، ولكن غالباً ما نجد أن هذه الملامح قد تعلموها بعد أن تطور هذا الإيمان بالقرآن لديهم. وليس من السهل تعريف أو تفسير أي عنصر في القرآن من شأن المعتنق الجديد أن يشير إليه بشكل نموذجي على أنه سبب إيمانه بهذا القرآن. فبعد بعض السبر لأغوار القرآن يكتشف المعتنق الجديد أن أساس هذا الإيمان لا ينجم عن مجرد قراءة موضوعية لكتاب المسلمين المقدس (القرآن)، بل هو خبرته الخاصة به أو لنقل نتيجة لتواصله مع هذا الكتاب الكريم. فالعديد من المعتنقين الجدد، وكذلك من المسلمين، يذكرون الإحساس الرائع الذي يشعرون به عندما يتواصلون مع التنزيل المحكم عند قراءتهم للقرآن، فهم يحكون عن مناسبات شعروا من خلالها وكأن القرآن يستجيب لحالاتهم العاطفية والنفسية، ويستجيب كذلك لردة فعل استجابتهم لبعض نصوصه و:أن القرآن يتنزل عليهم شخصياً، وفي كل لحظة يقرأونه فيها، صفحة بصفحة حيث يكشف كل نص تال كيف أثر بهم النص السابق. فقد وجدوا أنفسهم ينسابون وينهمكون في حوار حقيقي مع التنزيل، حوار ينبعث من أعمق وأصدق وأطهر أعماق الوجود، حيث تنكشف لهؤلاء، ومن خلال ذلك التواصل، خصال الرحمة والعطف والمعرفة والمحبة التي يشعر بها المخلوق من الخالق والانساني من المقدس والمحدود من اللامحدود والانسان من الله.
وكما يعلم العديد من المعتنقين الجدد، فليس بالضرورة أن يكون المرء مسلماً لكي يشعر بهذه الطاقة الداخلية للقرآن؛ ذلك أن العديد منهم يختار الاسلام ديناً بعد لحظات من هذا الشعور أو بسببه. ولقد عبّر العديد من الباحثين في الاسلام من غير المسلمين عن مثل هذا الشعور الذي كان ينتابهم لدى قراءتهم للقرآن. فباحث العربية المعروف البريطاني آرثر ج.آربيري يذكر كيف أنه وجد في القرآن عوناً له في بعض الأوقات الصعبة التي مرّ بها في حياته، حيث قال: إنه حينما يستمع إلى القرآن يتلى بالعربية فكأنما يستمع إلى نبضات قلبه. ويذكر فريدريك دينّي، وهو كاتب غير مسلم، تلك (التجربة العجيبة غير الطبيعية) التي يشعر بها المرء أحياناً لدى قراءته للقرآن، لحظات يشعر القارئ من خلالها (بحضور شيء ما غامض وأحياناً مرعب معه). وبدلاً من قراءة القرآن فإن القارئ يشعر وكأن القرآن (يقرؤه)!
ومع ذلك فليس كل قراءة للقرآن تقود لمثل هذه التجربة، فالمسلمون يعتقدون أن تجربة كهذه تحتاج حالة معينة من العقل والروح ومن التواضع وصدق النية ومن الإرادة والاستعداد. فهم يقولون: إذا كان القارئ مدركاً لحالة ضعفه وهوانه أمام الله، وإذا كان لديه الاستعداد كي يرى نفسه على حقيقتها، وإذا كانت لديه القدرة كي يطرح جانباً صور الزيف التي كونها لنفسه، وتلك التي تكونت لديه من الآخرين، وإذا ما توصل للحقيقة الواقعة وهي أن لا حول ولا قوة إلا بالله، عندئذ فقط يكون جاهزاً، بحول الله تعالى، كي يتحول ويتغير بفضل هذا القرآن الكريم. فكل جيل من المسلمين كان دوماً يشعر بأن القرآن يتناسب وعلى نحو نموذجي مع تطلعات زمانه، والكتب والمقالات التي كتبها مؤخراً بعض المعتنقين الجدد تظهر أن لديهم مثل تلك التطلعات. لا أستطيع تقديم شرح كاف عن سبب شعور المسلمين القدامى بمثل هذا الشعور، أو لماذا ينتاب هذا الشعور مسلمين آخرين في أجزاء أخرى من العالم، ولكنني سوف أحاول مشاطرة المعتنقين الجدد خبرتهم في مثل هذا الشعور.
عندما يفتح القارئ الغربي القرآن للمرة الأولى فإنه سرعان ما يواجهه، وبطريقة درامية، أحد أعظم الأسئلة التي دفعت بالعديد من البشر في العصر الحديث لإنكار وجود الله، وهو موضوع سؤال الملائكة لله في القرآن: (قالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء) البقرة/ 30. ثم يبدأ القرآن بالشرح، ولكن في بداية القرآن نجد الشرح مقتضباً، وذلك ما يجذب انتباه واهتمام القارئ، وما على القارئ الذي يريد الحصول على مزيد من الأدلة إلا أن يستمر في قراءة القرآن.
وبعد أن يقرأ القارئ الغربي عن آدم (ع) والذي تختلف قصته في القرآن في تفاصيل رئيسة عما يوازيها في الكتاب المقدس، يتساءل في نفسه: أين يضع الاسلام نفسه بالضبط من التراث اليهودي-المسيحي؟ وكلن القرآن يضع هذا في المنظور، أولاً: في قصة بني إسرائيل (انظر الآيات 40-86 من سورة البقرة)؛ وثانياً: في مناقشة مواقف وعقائد أهل الكتاب (اليهود والنصارى). ثم يتبع ذلك قصة بناء إبراهيم وإسماعيل (ع) للكعبة، والتي تربط الاسلام بالأب الأكبر لكل من هذه الديانات الثلاث (إبراهيم الخليل (ع)، انظر الآيات 122-141 من سورة البقرة). ويخبرنا القرآن أن الاسلام هو تجديد للعقيدة الحنيفية الطاهرة للنبي إبراهيم (ع) (انظر الآيات 142-167 من سورة البقرة).
وطبيعي أن يحول القارئ الغربي بعد ذلك انتباهه إلى مسائل أكثر عملية مثل ممارسات المسلمين التي يسمع الكثير عنها مثل (قوانين الحمية) الصوم والجهاد والحد ووضع المرأة في الاسلام؟ ونجد نقاشاً لهذه المواضيع في آيات القرآن (انظر الآيات 168-283 من سورة البقرة). ويجد القارئ بين هذه الآيات وتلك تذكيراً بوجود الله وحدانيته، ودلائل حكمة الله ورحمته وقدرته وحاجة الانسان الماسة للتوجه إليه. ثم نجد أن القرآن يحاول غرس هذه الحقائق الأساسية في عقل القارئ على نحو مستمر ومتكرر ومركز، بحيث يحاول الوصول إلى أقصى أبعاد روحه الداخلية، ثم يبعث فيه من جديد الواقع الذي يعيش ويتنفس من خلاله.
وتختتم السورة الثانية (البقرة) بالدعاء الذي تعلّم القارئ من خلاله كيف يسأل الله العون على مصائب الدهر، ويرجه المغفرة التامة والرعاية. وأما السورة الثالثة (آل عمران) فتبدأ بهذا التوسل: إن رجاءنا الحقيقي وملاذنا هو في: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم، نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل، من بل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام) آل عمران/ 2-4.
فعندما ينتهي القارئ من سورة البقرة (السورة الثانية) تتكون لديه بعض المعرفة بالاسلام. ثم نجد في السور 12 الباقية من القرآن تطويراً ودعماً واستطراداً وشرحاً للمواضيع الرئيسة الواردة في هذه السورة. وكما في الفصل الأول من هذا الكتاب، فإن القارئ سوف يجد أن هذه المواضيع متداخلة عبر النص. فالقرآن لا يدع القارئ يفكر في أحدها بمعزل عن الآخر، بل يطلب منه أن يرى ويدرك ترابطها بعضها مع بعض. ومع ذلك، نرى أن كل سورة من السور التالية تركز في معظم الوقت على واحد أو اثنين من هذه المواضيع الرئيسة. وأما السورة الثالثة (آل عمران) فهي تضع الخطوط العريضة للتاريخ الديني لبني البشر مع الاشارة الخاصة إلى أهل الكتاب، كما أنها تذكر المسلمين بواجبهم لمحاربة الظلم والطغيان. وأما السورة الرابعة (النساء) فإنها تعود إلى موضوع حقوق المرأة وواجبات الأسرة. وأما السورة الخامسة (المائدة) فتتعلق بشكل رئيس باليهودية والمسيحية وتؤكد من جديد فساد هاتين الديانتين اللتين انبعثت تعاليمهما النقية الطاهرة، واكتملت من جديد في الاسلام.
وكلما تقدمنا في قراءتنا للقرآن نجد أن السور تقصر بالتدريج، كما أن توكيدها وأسلوبها يتغير أيضاً. وفي سور منتصف القرآن، تصادفنا بعض الأحكام والقواعد الأخرى الإضافية، ولكن التوكيد الرئيس يتحول إلى المزيد من القصص والأخبار التي تتعلق بأنبياء سابقين، وكذلك إلى المزيد من الإشارات الدرامية إلى دلائل الإعجاز الطبيعية التي تعبر عن قدرة الله وحكمته وجوده، وهنا أيضاً تجد المزيد من التركيز على علاقة الانسان بالله ورجوعه إليه. وكلما تقدمنا بالقراءة يصبح الأسلوب الأدبي في القرآني، والذي هو خير ما يمكن تذوقه بالعربية، أكثر عاطفية وأشد وقعاً في النفس.
وكلما اقتربنا من النهاية يتركز الخطاب بشكل كلي تقريباً على القارئ وعلاقته بالله، وكذلك على العلاقة العضوية بين أعمال المرء ومصيره في الآخرة، حيث تلج هذه المواضيع من السور أذن القارئ على شكل ومضات من النشوة والتفجر العاطفي. فالجنة والنار والساعة ويوم القيامة والدنيا والآخرة وفناء الكون، ورجوعنا إلى الله، جميعها تتجه لتلتقي عند مصير واحد وهو نقطة الذروة عند قيام الساعة.
وهكذا نجد أن القرآن يدفع بالقارئ وهواجسه العملية والآنية عبر عوالم الأنبياء وآباء الأنبياء والمعجزات والآيات إلى اللحظة القصوى، حيث يتبدى فيها للقارئ أنه يقف بمفرده أمام ربه وخالقه؛ ويشعر العديد من أولئك الذين يقومون بهذه الرحلة بشيء من رهبة ذلك اللقاء وهوله بينما يقتربون في قراءتهم من نهاية القرآن. وسرعان ما يساورهم الشك بأنفسهم وينتابهم الخوف، ويشعرون بالوطأة عندما يقتربون من الخيار الذي يضعه القرآن أمامهم لا محالة. فالعديد منهم يخشى المجتمع ويراجع نفسه ليرى إن كان قد اعتراه سوء في عقله، ثم إنهم يتشككون بمقدرتهم على تحويل وجهة حياتهم والاستسلام لأمر الله. ومنهم مَن يشعر أن الوقت قد فات وأنهم أبعد من أن تشملهم رحمة الله ومغفرته. ومع ذلك نجد أن الله يطمئن القارئ عبر آيات القرآن وعلى نحو مستمر ألا يركن إلى هذا النوع من الشك والقنوط من رحمة الله ومغفرته:
(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) البقرة/ 186.
(فاستجاب لهم ربهم ني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب) آل عمران/ 195.
(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) الزمر/ 53.
(ما أنت بنعمة ربك بمجنون) القلم/ 2.
(والضحى، والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ألم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى) الضحى/ 1-8.
(ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك، فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً) الشرح/ 1-6.
وفي الوقت الذي يطبق فيه الخيار المطلق على القارئ نرى كيف يضع القرآن أمامه الكلمات التي ما فتئت روحه تبحث عنها، فيأمره بقول:
(قل هو الله أحد) الإخلاص/ 1.
(قل أعوذ برب الفلق) الفلق/ 1.
(قل أعوذ برب الناس) الناس/ 1.
إذ يبدو من هذه الآيات وكأن الله يخاطب القارئ قائلاً له: قل هذه الكلمات وسوف آتيك، قلها ولسوف أحميك وأواسيك، توجه إليّ فلسوف أمنحك المودة، وسوف يعرف قلبك معنى السكينة والطمأنينة.
لقد وقف العديد منّا، بعد قراءته للقرآن، وقد سقط في يديه كمن أصابه الشلل وهو على حافة من اللاقرار، تمتد من بين الإيمان والإعراض، وما بين أحلامنا المادية ورجائنا بالآخرة، وما بين رغباتنا الدنيوية وحاجاتنا الروحية. ولقد مرت عليان ليال مؤرقة، وكنا كما بدا لنا نجري خلف السراب، وكانت تستحوذ علينا رؤى من ردود فعل الأهل والأصحاب، وكانت تخطر في بالنا بعض الآيات وكان ينتابنا القلق حول وظائفنا وأعمالنا، والأسوأ من ذلك كله فراغ الفراق عمن لامس تنزيله شغاف قلوبنا إذام ا أعرضنا عن اتباع الهدى. فمن بين أولئك الذين عرفوا هذا العذاب وخبروه أعرض بعضهم وولى إلى غير رجعة. ومع ذلك فقد كان هناك مَن تخلى عن المقاومة وأخذ يركض بأذرع مفتوحة ليعانق رحمة ربه، من أذعن واستسلم لنداء أعماقه ليغوص في محيط من العطف والمودة.
فأما أولئك الذين يختارون الاسلام فسرعان ما يكتشفون وللأبد أن عليهم أن يجيبوا على السؤال التالي: (كيف أصبحت مسلماً؟) وبالطبع سوف يقدمون شروحات جزئية مختلفة في أوقات مختلفة وذلك حسب السياق الذي تم فيه السؤال. وعلى كل حال، فإننا جميعاً الذين قمنا باتخاذ ذلك القرار لا نستطيع الإجابة بشكل كامل على هذا السؤال؛ ذلك أن حكمة الله وتدبيره أمر لا يمكن الإحاطة بهما. وقد تكون أصدق وأبسط إجابة نستطيع أن نقدمها هي الإجابة التالية: في لحظة من اللحظات الخاصة في حياتنا ـ لحظة لم نتنبأ من قبل أن نمر بها عندما نكبر ـ منّ الله بواسع علمه ورحمته وعطفه علينا، بعد أن وجد فينا من العذاب ما نكابد، ومن الألم ما نشعر به، ومن عظيم الحاجة إلى ملء الخواء الروحي الكبير في أنفسنا، وبعد أن وجد لدينا الاستعداد الكبير لقبول ذلك. وعلى كل حال فقد حقق الله ذلك لنا، فله الشكر والمنة إلى يوم الدين. حقاً سبحان الله والحمد لله.
رئيس مركز حوار الحضارات بأمريكا: الإسلام دين تسامح
أكد جون اسبوزيتو رئيس مركز حوار الحضارات بالولايات المتحدة الأمريكية أن الإسلام دين تسامح وانه إن كان هناك من يخالف قيم الإسلام من بين المسلمين فهذا لا يعني أن نسيء للدين الإسلامي وتشريعاته النبيلة فالإسلام علي سبيل المثال دين قدم قيما عديدة لحماية غير المسلمين ولحماية حرية العقيدة وعلى سبيل المثال أيضاً .
واضاف ان الإسلام هو الدين الوحيد الذي يسمح بالتعددية الدينية والعقائدية وقدم لغير المسلمين حصانة كاملة لأداء شعائرهم الدينية بحرية كاملة وفي الإسلام نجد غير المسلم يسمي الذمي حيث منحه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حماية خاصة وهو أمر لم يتوافر في دين آخر كذلك فإن الإسلام يقدم قواعد واضحة ومعايير أخلاقية واضحة تحرم قتل غير المقاتلين وكذلك النساء والأطفال والمسنين ويمنع أيضاً قتل المقاتل الذي يعلن استسلامه فطالما قبل المسلم استسلام غير المسلم فلا يحق له قتله أو تعذيبه .
وقال إن الإسلام يمنع تعذيب أسير الحرب ويوجب علي المسلم حمايته وتقديم كل العون له ويمنع تدمير الممتلكات التي لا علاقة لها بالحرب ولا بالقتال باختصار فإن عقيدة الجهاد لدي المسلمين عقيدة سامية وليست كما روَّج لها البعض بأنها تحث علي الإهاب والتطرف .
وقال إن القرآن أيضاً كتاب يحث على التسامح وبه قواعد لن تجد مثيلاً لها في أي كتاب في التاريخ البشري كله ولن أكون مبالغاً إذا قلت إن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يقدم قواعد كاملة وشاملة للحكم الرشيد .
استصلاح الفكر الاسلامي
ان الأمراض التي يعاني منها الفكر الاسلامي هي الاختباء وراء الأقنعة وفقدان التعطش الى الجديد ومراكمة النقد على النقد الى ما لا نهاية والبقاء على الحياد السلبي وعدم الاكتراث ولجوء الى لا مبالاة كئيبة وانزواء كسول أمام مسيرة الأحداث وميل نحو تعظيم الأشخاص وشخصنة الأفكار ومغالاة في التساهل أمام الرداءة والتملق واسقاط مشاعر الداخل على ادراكات الخارج وتأثيرات الخارج على النظرة من الداخل.
نكتة الاشكال في اعتبار الاسلام قادر من جهة التقليد على الرد على كل تحديات العولمة :" الاسلام في جوهره حل من الحلول الكبرى وفكروية ايديولوجية متكاملة ، له مميزاته المستقلة التي هي وحدها سر قيمته ومجلى شخصيته. نعم هو منهج كلي لا يؤخذ تفاريق، ولا يدرس أجزاء معزولة...انه يضع في خط الحل الواحد الممتد، الحياة وما يختلف فيها، والتحرك الانساني وما يستشرف اليه."[2]
هل أماط العلايلي اللثام عن الوجه الحقيقي للإسلام؟ ألا تراه وقع في ادعاء ايديولوجي وهو تضمن الاسلام لمفاهيم كلية وحلولا شاملة لمشاكل الامم في كل زمان ومكان؟ وكيف يمكن استصلاح الفكر الاسلامي مثلما نفلح الأرض ونسكن البيت ونعمر الكون؟
ان استصلاح الفكر الاسلامي هي مهمة ينهض بها الشباب بالتعاون مع الكهول وبالاستفادة من خبرة الشيوخ. كما أن تحديات العصر هي التي تدفه الطبقة الناشئة الى أن تهب ضد التقليد والوريث الأشيب وتقاسي الأمراض الحاضر المألوف وتحرص على الدواء وتحمل البشارة لهذا العلاج وتنطلق نحو زحزحة الأبواب الموصدة والعبور نحو ينابيع الحكمة.
من هذا المنطلق ليس الشباب عمرا من الحياة بل انه استعارة حية للقوة التشكيلية للحياة.
" الفكر الاسلامي المعاصر مازال بحاجة لأن يعيد ارتباطه بخطاب حركة الاصلاح الاسلامي وتجديد المعرفة بهذا الخطاب ومراجعته وتقويمه والاستلهام منه واستحضاره أيضا. فخطاب عصر الاصلاح الاسلامي، كان على درجة عالية من التطور والتقدم، وفيه تجليات الحداثة والمعاصرة، أو بعبارة أخرى فيه تجليات الاجتهاد والتجديد كما كان شديد الارتباط بمفاهيم التقدم والمدنية."[3]
الاستصلاح هو الاعتناء العقلي بالمبنى والمعنى الذين يتكون منهما النص وذلك بغية دفع مضرة وجلب مصلحة في الواقع التاريخي والاجتماعي عن طريق التطلع المعرفي والعلمي والتمسك الأخلاقي والفضائل وبواسطة التعلق الجمالي والنزوع العشقي والايجاد الابداعي.
علاوة على أن الاستصلاح مشتق من الاصلاح على الصعيد النظري والصلاح على الصعيد العملي ومن المصالحة التي يقوم بها المرء مع نفسه ومع طبيعته وهويته والصلح الذي يجريه الحكيم العاقل بين الأفراد المتنازعين والمجموعات المتخاصمة.
من هذا المنطلق يحرص المجتهد على أن يحسن الصنع ويكون من المصلحين في الأرض والصالحين في الدنيا ويجتنب الأعمال الخاسرة وألا يظل سعيه ويطلب العاقبة الحسنة. كما يميز بين اسلام الرسالة واسلام التاريخ وبين الدين القيم والتدين الفردي وبين جوهر الاسلام والفكر الاسلامي ويجعل من المقاصد والمصالح والاستحسان والعقل هي مفاتح التأويل.
"فلما كانت شريعة الاسلام منظمة للمصالح الدنيوية، كانت الاعتبارات التي تؤسس تقسيمها اعتبارات مجتمعية دنيوية محضة. فآثار المصلحة في قوام أمر الأمة وتحقق الاحتياج اليها وتعلقها بعموم الأمة أو جماعاتها أو أفرادها، كلها اعتبارات تمثل الأصول المجتمعية التي يقوم عليها نظام المصالح في المجتمع الاسلامي."[4]
يميز المستصلح بين المصلحة والمفسدة وبين المصلحة الضرورية والمصلحة الحاجية والمصلحة التحسينية ويحرص على التأصيل التشريعي والتعليل السياسي لهذا المبدأ.
" نحن في حاجة الى اصلاح جوهري وعميق يساهم في صياغة وتجديد الخطاب الاسلامي المعاصر وقبل اصلاح الأمة لابد من اصلاح الفكر الذي يخاطب هذه الأمة."[5]
لقد تمحور المسعى التجديدي في تأكيد وحدة المصدر بالنسبة للبشرية وتقديس قيمة الأخوة والعمل البشري والحرية الاجتماعية والاستقلال الشخصي ومبدأ المسؤولية الجزائية والتمتع بالحق العام وتفعيل التيسير والرفق والترخيص وتقوية درجات الاجتهاد وعمقه ليشمل الأصول والأحكام والاستئناس. غير أن القرار الثوري الذي يتخذه العلايلي هو نحته لمفهوم جديد للوحي يجعل الاجتهاد العقلي البشري يكمل العلم الالهي ويعترف بالأثر العميق الذي يحدثه الزمن في فهم النصوص والتغيير الجذري الذي يحصل للعقول وامكانية حل المستعصيات بالتطور التاريخي والنمو المعرفي بقوله:
" أجل أصل هذه الشريعة الوحي، ولكنه الوحي جعل الانسان نفسه ، في صميمه، ليتحول الانسان نفسه مصدر وحي الهامي في التفصيل والتفريع، بحسب مقتضيات التي لا تنقطع ولا تتوقف حوافزها."[6] لكن ألا يوجد فرق جذري بين الوحي الالهي والالهام البشري؟ وهل يعني هذا أن العلايلي قد تخلى عن الجانب الالهي من الوحي؟
" وهذا المفهوم، الذي يجعل الانسان مصدر وحي الهامي في التفاصيل، يطعن النظرية القائلة بأن الاسلام، كغيره من الشرائع، ربوبي الانتماء. بل على العكس، هو الذي فصمها بجعله الانسان مصدر وحي تشريعي أيضا، والا فما معنى الحديث: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن الخ؟"[7]. فهل يقر بتواصل نزول الوحي بعد ختم النبوة من خلال الالهام الذي يتميز به الامام المعصوم؟ وهل الدين الهي ان انساني؟
"ويعتبر النص الذي لا يمس، عند الأصوليين الجدد، قانونا بحتا يتكيف مع جميع المجتمعات لخلوه من أي اشارات الى مجتمع ملموس."[8]
ان القول بتاريخية وسياقية فهم الوحي يؤدي الى فك التلازم بين الدين والقداسة وتنسيب مصدره الالهي وصفته اللاتاريخية والاطلاقية وفقدانه لصفته المرجعية التشريعية.
"وعليه فالقرآن ليس نصوصا مشفرة غير قابلة لفك رموزها وليس كتابا فوقيا غريبا لغة ومدلولا كي نضطرب في حركة وعينا لفهم طبيعته وغاياته....من هنا نفهم أيضا توكيد القرآن على عربيته لسانا ولغة دلالية."[9]
لقد يبرهن على ذلك بما قرره القدماء من أن نص الواقف كنص الشارع. نفى وجود عبادة صحيحة بإجماع وانما كل عبادة هي محاولة انسانية تخضع لمنطق الزيادة والنقصان.
"فالشريعة العملية اذا، هي من الليان بحيث تغدو طوع البنان، ازاء الظرف الموجب، مهما بدا متعسرا أو متعذرا."[10]
الدرس المستفاد مما سبق هو أن استصلاح الفكر الاسلامي يمر عبر الانفتاح على المغاير العلمي واحداث تحولات سياسية ومجتمعية جذرية والقيام بثورة معرفية موسوعية وجعل فهم الوحي يتغير مع روح العصر ومع تغير الظروف والاجتهادات وتطور الدلالات والفحوى، "وبذلك تظل للشريعة مرونتها وللتشريع حركيته و"ديناميته"[11].
غاية المراد أن "النظام الاسلامي الحضاري البديل بفلسفته الكونية يحول دون استلاب الانسان سياسيا أو اقتصاديا أو فكريا حين يحاط في التطبيق بكل هذه الأبعاد، فيرتقي فوق التنازع الطبقي أو العرقي أو السياسي، فلا يقنن الصراع بمنطق الديمقراطية والحزبية مع الابقاء على جذور الصراع الاقتصادية والاجتماعية، ولكنه يلغي الصراع بمبدأ السلم ويحقق التكافؤ بين الناس."[12]
في الختام ، توجد محاولات جادة من أجل النقد والتفكيك والتجديد في الفكر الاسلامي المعاصر ولكنها مجرد جراحات خارجية ولم تقم بتحريك البنية وزعزعة اليقينيات وكسر المرايا التقليدية والطبقات المتكلسة، ومازال ثمة امكانيات أرحب للاستصلاح والاستنبات.
فما السبيل الى الاتفاق على التأصيل والتفريع وعلى الاقتناع الحق والاقتصاد في الاعتقاد؟
المراجع:
أوليفيه روا، عولمة الاسلام، ترجمة لارا معلوف، دار الساقي،بيروت، الطبعة الأولى، 2003،
اسماعيل حسني، نظرية المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، المعهد العالمي للفكر الاسلامي، الطبعة الثانية، 2005.
عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، دار الجديد ، بيروت، الطبعة الثانية، 1992.
حسين درويش العادلي، حرب المصطلحات، دار الهادي، بيروت، الطبعة الأولى ،2003.
زكي الميلاد، الاسلام والمدنية، الدار العربية للعلوم، ناشرون، الطبعة الأولى،2007.
محمد أبو القاسم حاج حمد، أبستيمولوجية المعرفة الكونية، دار الهادي ،بيروت، الطبعة الأولى، 2004،
[1] عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، دار الجديد ، بيروت، الطبعة الثانية، 1992. التقديم،
[2] عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، ص.14.
[3] زكي الميلاد، الاسلام والمدنية، الدار العربية للعلوم، ناشرون، الطبعة الأولى،2007.ص.112.
[4] اسماعيل حسني، نظرية المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، المعهد العالمي للفكر الاسلامي، الطبعة الثانية، 2005.ص.295.
[5] زكي الميلاد، الاسلام والمدنية، ص.136.
[6] عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، ص.92.
[7] عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، ص.92.
[8] أوليفيه روا، عولمة الاسلام، ترجمة لارا معلوف، دار الساقي،بيروت، الطبعة الأولى، 2003، ص.99.
[9] حسين درويش العادلي، حرب المصطلحات، دار الهادي، بيروت، الطبعة الأولى ،2003. ص.100.
[10] عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، ص.18.
[11] عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، ص.101.
[12] محمد أبو القاسم حاج حمد، أبستيمولوجية المعرفة الكونية، دار الهادي ،بيروت، الطبعة الأولى، 2004،ص.291.
كتاب توثيقي عن عبد الناصر في ذكرى ثورة غيرت تاريخ مصر
يصدر في القاهرة كتاب توثيقي عن عبدالناصر منذ الطفولة حتى الوفاة.
ويحمل الكتاب عنوان (جمال عبد الناصر من القرية الى الوطن العربي الكبير 1918-1970) وأصدرته الدار المصرية اللبنانية في ذكرى ثورة 23 يوليو تموز 1952 التي مكنت تنظيم (الضباط الاحرار) بقيادة عبد الناصر من انهاء حكم فاروق الاول اخر ملوك مصر.
وقضت ثورة 1952 على نظام أسرة محمد علي الحاكمة منذ عام 1805 وأصبحت مصر جمهورية بداية من عام 1953 وأعادت الثورة الحكم الى المصريين بعد نحو 23 قرنا من الاحتلال الاجنبي المتصل اذ يرى مؤرخون أن مصر تعرضت لاطول غزو متعاقب منذ غزاها الاسكندر الاكبر عام 332 قبل الميلاد حتى خروج الاحتلال البريطاني عام 1956 تنفيذا لاتفاقية الجلاء التي وقعها عبد الناصر عام 1954 .
وكان اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية. وتولى عبد الناصر هذا المنصب منذ 1954 حتى وفاته يوم 28 سبتمبر أيلول 1970 .
والكتاب الذي يقع في 556 صفحة كبيرة القطع من تأليف المصريين خالد عزب وصفاء خليفة ويعد وثيقة تاريخية عن حياة عبد الناصر منذ الطفولة مستعينا بصوره في الطفولة وفي المدرسة الابتدائية وفي الكلية الحربية وفي الخرطوم عام 1940 حيث "قاد في السودان فصيلا عسكريا" وفي حصار الفالوجا في نهاية عام 1948 خلال الحرب مع اسرائيل والتي عاد منها عبد الناصر ليشرع في تشكيل تنظيم الضباط الاحرار بعد أن قال "معركتنا في القاهرة" في اشارة الى ضرورة تغيير نظام الحكم.
ويلقي الكتاب أضواء على ثقافة عبد الناصر واهتمامه بقراءة الفلسفة وتاريخ الثورات وبخاصة الثورة الفرنسية اذ ينشر صورة ضوئية لمقال نشره عام 1935 في مجلة (مدارس النهضة) بعنوان (فولتير رجل الحرية) ويسجل فيه أن فولتير وجان جاك روسو "حملا أقوى الاسلحة وأشدها فتكا وقد مهدا لمن أتى بعدهما للثورة الكبرى عام 1789 ."
ويقول الكتاب ان عبد الناصر قرأ سير الشخصيات المؤثرة في التاريخ مثل نابليون بونابرت وعمر بن الخطاب وغاندي والاسكندر الاكبر ويوليوس قيصر وجاريبالدي وانه كان معجبا بروايات كلاسيكية بعضها كتبه فيكتور هوجو كما تأثر برواية (قصة مدينتين) لتشارلز ديكنز "وذكر عبد الناصر أنه تعلم من رواية ديكنز كيف يمكن أن تكون الثورة بيضاء" وكانت ثورة 1952 توصف بأنها ثورة بيضاء حيث لم تمس العائلة المالكة بسوء.
وغادر الملك مصر يوم 26 يوليو 1952 بصحبة زوجته ناريمان وابنه أحمد فؤاد وبناته من زوجته الاولى فريدة على ظهر اليخت الملكي (المحروسة) وأطلقت له المدافع 21 طلقة وكان في وداعه محمد نجيب وبعض الضباط الاحرار.
ويسجل الكتاب بالصور أن عبد الناصر قام بدور قيصر في مسرحية (يوليوس قيصر) في "الحفلة التمثيلية السنوية التي أقامتها مدارس النهضة المصرية بتياترو برنتانيا يوم السبت 19 يناير سنة 1935 تحت رعاية حضرة صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي بك وزير المعارف العمومية."
ويضيف أنه حين كان في مدرسة النهضة الثانوية وقف يوم "عيد الجهاد" في 13 نوفمبر تشرين الثاني 1935 في فناء المدرسة وهتف "تحيا مصر حرة" ثم حمل العلم المصري وتقدم مظاهرة طافت مدارس الحي ثم انضمت الى مظاهرة لطلاب جامعة القاهرة واصطدم المتظاهرون بقوات الشرطة وسقط ضحايا وجرحى.
ويتابع أن عبد الناصر أصابت جبهته رصاصة أطلقها ضابط من قوات الاحتلال البريطاني "وتفجر الدم غزيرا من رأس الفتى الثائر للمرة الثانية وكانت الاولى.. وهو في الثانية عشرة.. عندما ضربه الجنود بالعصا على رأسه" في مدينة الاسكندرية الساحلية.
ونشر الكتاب صورة لصفحة من مجلة الجهاد في الشهر نفسه تحت عنوان (جرحى يلجأون الى دار الجهاد) وكان في مقدمتهم الطالب جمال عبد الناصر.
وفي الكتاب صورتان تجمعان عبد الناصر وتشي جيفارا بالقاهرة يوم 29 يونيو حزيران 1959 حيث قال جيفارا الثائر الارجنتيني انه لا يرغب في العمل السياسي لانه يحلم "بالثورة الكبرى... ثورتنا العالمية... في الثورة أجد نفسي" من الكونجو بافريقيا الى دول أمريكا اللاتينية.
ويسجل الكتاب أن عبد الناصر شرح له الفرق بين الثورة والعمل السياسي.. أو الثوري ورجل الدولة قائلا ان الثورة جميلة مثل علاقة رجل وامرأة "التعارف في البداية. المغامرات ثم الخطوبة. كلها مراحل جميلة لا يوجد فيها مسؤوليات. نعيش هيام الحب. نحب الثورة. نحب التمرد الى أن نصل الى الزواج. الزواج مسؤولية وجد.. أنت تريد فقط من الثورة ما هو قبل الزواج" وتبادلا الضحكات الا أن أيا منهما لم يقنع الاخر بوجهة نظره.
قال الشاعر مرحبا بالشهر الفضيل
أهلا بضيف يحل اليوم اربعنا*** فيزد هى الكون نورا من محياه
ضيف كريم به فخر لامتنا *** و فرحة و تباشير بلقياه
ضيف به رحمة الرحمان مشرقة *** على المساجد يهواها و تواه
شهر به انزل القران خالقنا *** و ليله القدر يرضاها و ترضاه
من صامه مخلصا لله ادخله *** فى جنة الخلد مغفور الخطاياه
و من اقام لياليه فان له *** فضلا عظيما و فى الفردوس ماواه
يا امة المصطفى الرحمان فضلكم *** بامة وسط اذ غيركم تاهوا
شهر به الله دون الناس خصكم *** لكى تنالوا العلا انتم بالقياه
و قال ايضا:
شهر الصيام لقد كرمت نزيلا *** و شفيت من كل القلوب عليلا
فيه الجنان تفتحت لقدومه *** و الحور فيه تزينت تحفيلا
و بليلة قد قام يختم ورده *** متبتلا لا له تبتيلا
فاجهد عساك تنالها فيما بقى*** بالجحد و احذر ان تكون غفولا
شهر الامانة و الصيانة و التقى *** و الفوز فيه لمن اراد قبولا
طوبى لعبد صح فيه صيامه *** و دعا المهيمن بكره و اصيلا
شهر يفوز على الشهور بليله *** من الف شهر فضلت تفضيلا
و قال ايضا مبشرا الصائمين:
ايا معشر الصوام و افتكم البشرى *** و قد نشر البارى بمد حكموذكرا
خصصتم بشهر فيه عتق و رحمة *** و قد اجزل الرحمان للطائم الا جرا
و مساجده مأنوسة بتلاوة *** و ذكر و كانت قبله تشتكى الهجرا
فطوبى لم ارضى الا له مسارعا *** الى سبل تهديه للرحلة الاخرى
و قام و صلى فى الدياجى و دمعه *** على خده يجرى بمقلته العبرا
و اخلص لله العظيم قيامه *** و عاهده سرا و راقبه جهرا
و قال ايضا:
قد جاء شهر الصوم فيه الامان *** و العتق و الفوز بسكنى الجنان
طوبى لعبد صامه، و اتقى *** مولاه فى الفعل و نطق اللسان
ذاك الذى قد خصه ربه *** بجنة الخلد و حور الحسان
و قال ايضا:
رمضان يا خير الشهور تحية *** تضفى عليك من الجلال جلالا
رمضان ها قد جئت تطرق بابنا *** و تريد منا ان نكون رجال
ان الصيام عبادة سرية *** و السر اوسع ما يكون مجالا
و (الصوم لى و انا الذى اجزى به)*** صدق الحديث و صح عنه تعالى
بالصوم تنطبع النفوس على الوفا *** فيزيدها قدسية و جمالا
(صوموا تصحوا) قالها خير الورى *** و بذاك اوصى صحبه و الآلا
و قال ايضا:
هذا هلال الشهر سل حسامه *** و على حواشى الافق خط علامه
رمضان تاج فوق مفرق عامه *** وافى يتوج بالكرامة عامه
طوبى لمن فيه تزود بالتقى *** و جرى على السنن القويم و صامه
ليس الصيام بان تجوع و لا بان *** يدع المسىء شرابه و طعامه
بل سره ان يمسك الانسان من *** فحش و يترك سبه و خصامه
فحذار لا يغتب و لا يرفث و لا *** يحبط بمعصية الا له صيامه
و ليقرأ القرآن فيه مرتلا *** ايامه متفقها احكامه
فالله يجزل للماجهد اجره *** و الله يحسن للتقى ختامه
و قال ايضا فى ليله القدر:
يا ليله جمعت للقول الوانا *** ماذا اثرت؟ و ماذا اوثر الآنا؟
كم فيك من امل تهفو النفوس له *** و فيك من الم ينساب اشجانا؟
فى جانبيك ادكار المجد مؤتلق *** لكنه النار يسرى فى حنايانا
يا ليلة زين (التنزيل) غرتها *** و انزلت فى كتاب الله (عنوانا)
فرددتها الليالى و هى رافعة *** على المدى لرسول الله شكرانا
ياليلة القدر يا ذكر مفاخرنا *** يا خير من الف شهر فى الدنا شانا
ما الف شهر بلا عز نسود به *** بل ما جميع الليالى دون عليانا
يا ليله القدر لو فى الناس مدكر *** واها لذاكراك بل آها لذكرانا
اتذكرين عهودا للهدى سلفت *** من بعد ما رفعت للعدل سلطانا؟
حتى اذا دارت الايام دورتها *** اذ بنا ننشد الماضى الذى كانا
فى مدرسة رمضان صفحة ٢٤٣
هادى الخزرجى
_____________________________________________________
عادنى من أطياف و حيك دفق *** فمشى يؤنس الحوالك برق
حالمات ما كدن يخطرن حتى *** أرقص الجانح المهوم خفق
فجسست الؤتار بعد هجوع *** فتبارى شدو و ردد و جوق
و جلوت الصدى عن الكأس فافتر*** و بى للسلافة البكر شوق
أنا لولا و حى لديك لما موسق *** عود عندى و عربد زق
قد تعددت فى معانيك يا *** عيد ففى كل جانح لك أفق
فبأحلام طفلتى أنت أثواب *** حسان الألوان حمر و زرق
و أراجيح فى الهوى و مواصيل *** على نطقة الصغار تنق
و شفاه تثرثر الكلم الساذج *** من ناعم النسيم أرق
نظرات بريئة فى عيون *** تسكب الطهر لم يدنسه حنق
و بأحلام جدتى أنت كعك *** العيد يدحى بكفها و يرق
و حكايا مزوقات عن السلطان *** فى مسمع الصغار تزق
و حنين الى الشباب و أولاع ترامت*** أبعادها فهى مزق
و بقايا صبابة نم عنها *** راحة خضبت و رجل شق
يا لحلو الشباب ان راح تبقى *** منه للنفس ذكريات و عشق
و بدنيا المرفهين لذاذات تنزى فيها على الاثم عرق
كل أيامهم نعيم و أعياد فما جد فى صباحك فرق
خبروا أمتع اللذائذ فالبكر عتيق حتى تجشأ ذوق
لم يخافوا أن تنضب الكاس ما دام لهم من مناكب العرى رزق
انهم ما علمت عبء على الدنيا يئد احتماليه و يشق
فاذا عدت المفاخر لم تعدم لهم زامرا و طبلا يدق
أى فوضى فى الكون أن يشمخ الزيف و أن يدمغ المقاييس خرق
ولدى البائسين أنت سويعات *** بها قسوة الحياة ترق
فيفيئوا الى حصيلة حول *** أد فيه الأجسام حرث و طرق
بين ثوب و إن تواضع الا *** أنه ليس فيه رتق و فتق
و رغيف يلين بالمضغ لم يتعب *** كباقى أيامه منه شدق
و وعود لزوجة و صغار *** أنه سوف ينعش الحقل ودق
أيها العيد أنت أبعد مما نحوه من النعوت و شقوا
ان معنى تريده منك دنيا الله أسمى مما رأوا و أدق
لست بالعيد أو يسود القوانين بأيدى الحكام عدل و صدق
و بأن يفهموا و كم تكشف الأيام أن الشعوب لا تسترق
و بأن تسمع الصروح نداء السفح حتى يزول حقد و حمق
و بأن توسع الهوامش ابعادا و أن يدخل الحياة الأحق
من أناس عاشوا الحياة فقاعات اذا مسها النسيم تطق
و يذاد الغربان عن سرحة الروض ليشدو على الخمائل ورق
فترقب أولا فذى خدعة الأحلام أن العرجون فى النخل عذق
رمضان شهر التأمل الذاتي
لو تأمل كل إنسان في ذاته، واستقرأ حياته وأوضاعه، لوجد أن له أفكاراً يتبناها، وصفات نفسية وشخصية يحملها، وسلوكاً معيناً يمارسه، وأنه يعيش ضمن وضع وقالب يؤطر حياته الشخصية والاجتماعية.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه الإنسان على نفسه هو: هل هو راضٍ عن الحالة التي يعيشها؟ وهل يعتبر نفسه ضمن الوضع الأفضل والأحسن؟ أم أنه يعاني من نقاط ضعف وثغرات؟ وهل أن ما يحمله من أفكار وصفات، وما يمارسه من سلوك، شيء مفروض عليه لا يمكن تغييره أو تجاوزه؟ أم أنه إنسان خلقه اللَّه حراً ذا إرادة واختيار؟
إن هذه التساؤلات كامنة في نفس الإنسان، وتبحث عن فرصة للمكاشفة والتأمل، يتيحها الإنسان لنفسه، لينفتح على ذاته، وليسبر غورها، ويلامس خباياها و أعماقها.
ورغم حاجة الإنسان إلى هذه المكاشفة والمراجعة، إلاّ أن أكثر الناس لا يقفون مع ذاتهم وقفة تأمل وانفتاح: لأسباب أهمها ما يلي:
أولاً: الغرق في أمور الحياة العملية، وهي كثيرة، ما بين ماله قيمة وأهمية، وما هو تافه وثانوي.
ثانياً: وهو الأهم، أن وقفة الإنسان مع ذاته، تتطلب منه اتخاذ قرارات تغييرية بشأن نفسه، وهذا ما يتهرب منه الكثيرون، كما يتهرب البعض من إجراء فحوصات طبية لجسده، خوفاً من اكتشاف أمراض تلزمه الامتناع عن بعض الأكلات، أو أخذ علاج معين.
دعوة إلى مكاشفة الذات: في تعاليم الإسلام دعوة مكثفة للانفتاح على الذات ومحاسبتها، بعيداً عن الاستغراق في الاهتمامات المادية، والانشغالات الحياتية، التي لا تنتهي. فقد ورد في الأثر: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا.
إن لحظات التأمل ومكاشفة الذات، تتيح للإنسان فرصة التعرف على أخطائه ونقاط ضعفه، وتدفعه لتطوير ذاته نحو الأفضل. فثمرة المحاسبة إصلاح النفس.
ولعل من أهداف قيام الليل، حيث ينتصب الإنسان خاشعاً أمام خالقه، وسط الظلام والسكون، إتاحة هذه الفرصة للإنسان.
وكذلك فإن عبادة الاعتكاف قد يكون من حكمتها هذا الغرض، والاعتكاف هو اللبث في المسجد بقصد العبادة، لثلاثة أيام أو أكثر مع الصوم، بحيث لا يخرج من المسجد إلا لحاجة مشروعة.
ولا يوجد شهر آخر يماثل شهر رمضان في هذه الخاصية، فهو خير شهر يقف فيه الإنسان مع نفسه متدبراً متأملاً، ففيه تتضاعف الحسنات، وتمحى السيئات كما روي عن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي هذا الشهر فرصة عمر كبرى للحصول على مغفرة اللَّه فـ (إن الشقي من حرم غفران اللَّه في هذا الشهر العظيم) كما في الحديث النبوي، وقد يغفل البعض عن أن حصول تلك النتائج هو بحاجة إلى توجه وسعي.
فهذا الشهر ينبغي أن يشكل شهر مراجعة وتفكير وتأمل ومحاسبة للنفس، إذ حينما يمتنع الإنسان في هذا الشهر الكريم عن الطعام والشراب، وبقية الشهوات التي يلتصق بها يومياً، فإنه يكون قد تخلص من تلك الا نجذابات الأرضية، مما يعطيه فرصة للانتباه نحو ذاته ونفسه، وتأتي تلك الأجواء الروحية التي تحث عليها التعاليم الإسلامية، لتحسّن من فرص الاستفادة من هذا الشهر الكريم، فصلاة الليل مثلاً فرصة حقيقية للخلوة مع اللَّه، ولا ينبغي للمؤمن أن يفوت ساعات الليل في النوم، أو الارتباطات الاجتماعية، ويحرم نفسه من نصف ساعة ينفرد فيها مع ربه، بعد انتصاف الليل، وهو بداية وقت هذه الصلاة المستحبة العظيمة، وينبغي أن يخطط المؤمن لهذه الصلاة، حتى تؤتي بأفضل ثمارها ونتائجها، فيؤديها وهو في نشاط وقوة، وليس مجرد إسقاط واجب أو مستحب، بل يكون غرضه منها تحقيق أهدافها قال عز وجل: «وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا».
وقراءة القرآن الكريم والتي ورد الحث عليها في هذا الشهر المبارك، فهو شهر القرآن يقول تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» وفي الحديث الشريف: لكل شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان. هذه القراءة إنما تخدم توجه الإنسان للانفتاح على ذاته، ومكاشفتها وتلمس ثغراتها وأخطائها، لكن ذلك مشروط بالتدبر في تلاوة القرآن، والاهتمام بفهم معانيه، والنظر في مدى الالتزام بأوامر القرآن ونواهيه.
إن البعض من الناس تعودوا أن يقرأوا ختمات من القرآن في شهر رمضان، وهي عادة جيدة، لكن ينبغي أن لا يكون الهدف طي الصفحات دون استفادة أو تمعن.
وإذا ما قرأ الإنسان آية من الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، فينبغي أن يقف متسائلاً عن موقعه مما تقوله تلك الآية، ليفسح لها المجال للتأثير في قلبه، وللتغيير في سلوكه، ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد.
قيل: يا رسول اللَّه فما جلاؤها؟
قال: تلاوة القرآن وذكر الموت.
وبذلك يعالج الإنسان أمراض نفسه وثغرات شخصيته فالقرآن «شِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ».
والأدعية المأثورة في شهر رمضان، كلها كنوز تربوية روحية، تبعث في الإنسان روح الجرأة على مصارحة ذاته، ومكاشفة نفسه، وتشحذ همته وإرادته، للتغير والتطوير والتوبة عن الذنوب والأخطاء. كما تؤكد في نفسه عظمة الخالق وخطورة المصير، وتجعله أمام حقائق وجوده وواقعه دون حجاب.
مجالات التأمل الذاتي:
إن حاجة الإنسان إلى التأمل والمراجعة لها أهمية قصوى في أبعاد ثلاثة:
البعد الأول: المراجعة الفكرية:
أن يراجع الإنسان أفكاره وقناعاته، ويتساءل عن مقدار الحق والصواب فيها، ولو أن الناس جميعاً راجعوا أفكارهم وانتماءاتهم، لربما استطاعوا أن يغيروا الأخطاء والانحرافات فيها، غير أن لسان حال الكثير من الناس «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ» وليكن الإنسان حراً مع نفسه، قوياً في ذاته. إذا ما اكتشف أنه على خطأ ما، فلا يتهيب أو يتردد من التغيير والتصحيح.
البعد الثاني: المراجعة النفسية:
أن يراجع الإنسان الصفات النفسية التي تنطوي عليها شخصيته، فهل هو جبان أم شجاع؟ جريء أم متردد؟ حازم أم لين؟ صادق أم كاذب؟ صريح أم ملتو؟ كسول أم نشيط؟.. الخ. وليطرح الإنسان على نفسه عدداً من الأسئلة التي تكشف عن هذا البعد، مثل: ماذا سأفعل لو قصدني فقير في بيتي؟ ماذا سأفعل لو عبث الأطفال بأثاث المنزل؟ ماذا سأفعل لو حدث أمامي حادث سير؟ وكيف سيكون رد فعلي لو أسيء إلي في مكان عام؟ وكيف أقرر لو تعارضت مصلحتي الشخصية مع المبدأ أو المصلحة العامة؟
وتأتي أهمية هذه المراجعة في أن الإنسان ينبغي أن يقرر بعدها أن يصلح كل خلل نفسي عنده، وأن يعمل على تطوير نفسه، وتقديمها خطوات إلى الأمام.
البعد الثالث: المراجعة الاجتماعية والسلوكية:
أن يراجع الإنسان سلوكه وتصرفاته مع الآخرين، بدءاً من زوجته وأطفاله، وانتهاءً بخدمه وعماله، مروراً بأرحامه وأصدقائه، وسائر الناس، ممن يتعامل معهم أو يرتبط بهم.
وهذا الشهر الكريم هو خير مناسبة للارتقاء بالأداء الاجتماعي للمؤمن، ولتصفية كل الخلافات الاجتماعية، والعقد الشخصية، بين الإنسان والآخرين، وقد حثت الروايات الكثيرة على ذلك، إلى حد أن بعض الروايات تصرّح: بأن مغفرة اللَّه وعفوه عن الإنسان يبقى مجمداً فترة طويلة، حتى يزيل ما بينه وبين الآخرين من خلاف وتباعد، حتى وإن كانوا هم المخطئين في حقه، وحتى لو كان أحدهما ظالماً والآخر مظلوماً فإنهما معاً يتحملان إثم الهجران والقطيعة، إذ المظلوم منهما يتمكن من أن يبادر لأخيه بالتنازل وإزالة الخلاف، فما أوضحها من دعوة للمصالحة الاجتماعية، وما أعظمها من نتيجة لو تحققت خلال هذا الشهر الكريم، وما أكبر منزلة تلك القلوب التي تستطيع أن تتسامى على خلافاتها، وتتصالح في شهر القرآن، من أجل الحصول على غفران اللَّه؟ من هنا يحتاج الإنسان حقاً إلى قلب طاهر متزكي، ونية خير صادقة، فاسألوا اللَّه ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة.
من جانب آخر فقد تسيطر على الإنسان بعض العادات والسلوكيات الخاطئة، ومهما كان عمقها في نفس الإنسان، والتصاقه بها، فإن الإرادة أقوى من العادة، وشهر رمضان أفضل فرصة لنفض وترك العادات السيئة الخاطئة.
فهنيئاً لمن يستفيد من أجواء هذا الشهر المبارك في المكاشفة مع ذاته، وإصلاح أخطائه وعيوبه، وسد النواقص والثغرات في شخصيته، فيراجع أفكاره وآراءه، ويدرسها بموضوعية، ويتأمل صفاته النفسية ليرى نقاط القوة والضعف فيها، ويتفحص سلوكه الاجتماعي، من أجل بناء علاقات أفضل مع المحيطين به.
وبهذه المراجعة والتراجع عن الأخطاء، يتحقق غفران اللَّه تعالى للإنسان في شهر رمضان، أما إذا بقي الإنسان مسترسلاً سادراً في وضعه وحالته، فإنه سيفوّت على نفسه هذه الفرصة العظيمة، وسينتهي شهر رمضان، دون أن يترك بصمات التأثير في شخصيته وسلوكه، وبالتالي فقد حرم نفسه من غفران اللَّه تعالى، وحقاً أن من لا يستفيد من هذه الفرصة ولا يستثمر هذه الأجواء الطيبة يكون شقياً.




























