emamian

emamian

الإثنين, 25 آب/أغسطس 2025 08:45

رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

عن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «إنَّ اللهَ... أعطاني مسألةً، فأخّرْتُ مسألتي لشفاعةِ المؤمنينَ من أمّتي إلى يومِ القيامةِ، ففعلَ ذلك»[1].

إنَّ المتتبّعَ لسيرةِ النبيِّ الأعظمِ (صلّى الله عليه وآله) يقفُ مذهولاً أمامَ عظمةِ شخصيّتِهِ في جميعِ أبعادِها. ولا ريبَ في أنَّ النتيجةَ التي يخلُصُ إليها هيَ أنَّ البشريّةَ بأسرِها عاجزةٌ عن معرفتِهِ وإدراكِ مقامِهِ إدراكاً كاملاً، فضلاً عنِ الإحاطةِ بصفاتِهِ وأبعادِهِ الروحيّةِ والمعنويّةِ والفكريّةِ والاجتماعيّةِ... لقد كانَ (صلّى الله عليه وآله) فريداً في إنسانيّتِهِ وكمالاتِه، لا مثيلَ له في الخلقِ كلِّه، وقدِ اجتمعَتْ في شخصِهِ المقدَّسِ كلُّ الصفاتِ المطلوبةِ للإنسانِ الكاملِ، حتّى ختمَ اللهُ بهِ النبوّاتِ. وحقٌّ لنا أن نقولَ إنَّهُ (صلّى الله عليه وآله) في خلقِهِ وصفاتِهِ يلامسُ حدَّ الإعجازِ، وقد أكّدَ اللهُ تعالى ذلكَ بقولِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[2].

بركاتُ الوجودِ المحمّديّ
إنَّ آثارَ وجودِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) لا تنحصرُ في أخلاقِهِ وشخصِه، بلِ امتدَّتْ لِتعمَّ الكونَ برمَّتِه، وقد قالَ تعالى مخاطباً إيّاه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[3]، وهذهِ الرحمةُ المحمّديّةُ تجلَّت في بركاتٍ عديدةٍ، نذكرُ منها:

1. الأمان: إذ كانَ وجودُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) أماناً للبشريّةِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[4]، وقد أوضحَ العلّامةُ الطباطبائيُّ في تفسيرِهِ أنَّ المانعَ من نزولِ العذابِ يومئذٍ هوَ وجودُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) بينَهُم، والمرادُ بالعذابِ... عذابُ الاستئصالِ بآيةٍ سماويّةٍ، كما جرى في أممِ الأنبياءِ الماضين[5].

2. الوسيلة إلى الله: قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[6]، وعن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «إذا سألتُمُ اللهَ، فاسألوهُ الوسيلةَ»، فسُئلَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) عنِ الوسيلةِ، فقالَ: «هيَ درجتي في الجنّةِ»[7]، ويعلّقُ العلّامةُ الطباطبائيُّ على هذهِ الروايةِ معَ الآيةِ، فيقولُ: «إذا تدبّرتَ الحديثَ، وانطباقَ معنى الآيةِ عليه، وجدْتَ أنَّ الوسيلةَ هيَ مقامُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) من ربِّهِ، الذي بهِ يتقرّبُ هوَ إليهِ تعالى»[8].

3. الوساطة في غفرانِ الذنوب: قالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾[9]، وهذهِ الآيةُ دليلٌ على كونِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) سبباً لمغفرةِ الذنوبِ وقَبولِ التوبةِ.

4. الشفاعة: قالَ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾[10]، وقد وردَ عنهُ (صلّى الله عليه وآله) أنَّ المقامَ المحمودَ هوَ مقامُ الشفاعةِ يومَ القيامةِ، حيثُ قالَ: «إذا قمْتُ المقامَ المحمودَ، تشفّعْتُ في أصحابِ الكبائرِ من أُمّتي، فيشفّعُني اللهُ فيهِم. واللهِ، لا تشفّعْتُ في مَن آذى ذريّتي»[11].

إنَّ ما ذكرناه بعضُ إشاراتٍ من بركاتِ وجودِ النبيِّ الأعظمِ (صلّى اللهُ عليه وآله)؛ إذ لا يمكنُ الإحاطةُ التامّةُ بكلِّ ما ترتّبَ على وجودِهِ الشريفِ من آثار. ونختمُ بما رُويَ عنِ الإمامِ الباقرِ (عليه السلام)، قالَ: «قالَ رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليه وآله): مقامي بينَ أظهرِكُم خيرٌ لكُم، فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، ومفارقتي إيّاكُم خيرٌ لكُم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، مقامُكَ بينَ أظهرِنا خيرٌ لنا، فكيفَ تكونُ مفارقتُكَ خيراً لنا؟! قالَ: أمّا أنَّ مفارقتي إيّاكُم خيرٌ لكُم، فإنَّ أعمالَكُم تُعرَضُ عليَّ كلَّ خميسٍ واثنين، فما كانَ من حسنةٍ حمدْتُ اللهَ عليها، وما كانَ من سيّئةٍ استغفرْتُ اللهَ لكُم»[12].

ختاماً، نرفعُ آياتِ العزاءِ إلى مولانا صاحبِ العصرِ والزمانِ (عجّلَ اللهُ فرجَهُ)، وإلى وليِّ أمرِ المسلمينَ، وإلى المجاهدينَ جميعاً، بذكرى رحيلِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، وشهادةِ حفيدَيهِ الإمامَينِ المجتبى والرضا (عليهما السلام).



[1] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص57.
[2] سورة القلم، الآية 4.
[3] سورة الأنبياء، الآية 107.
[4] سورة الآنفال، الآية 33.
[5] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج9، ص68.
[6] سورة المائدة، الآية 35.
[7] عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تفسير القمّيّ، ج2، ص325.
[8] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص334.
[9] سورة النساء، الآية 64.
[10] سورة الإسراء، الآية 79.
[11] الفتّال النيسابوريّ، روضة الواعظين، ص273.
[12] عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تفسير القمّيّ، ج1، ص277.

الإثنين, 25 آب/أغسطس 2025 08:43

كيف هي المدرسة الإلهية في التربية؟

ثمة فارق جوهري بين مدرسة الأنبياء والأئمّة ومنهاجها في التربية، وبين غيرها من مدرسة الفلاسفة النظريين والمفكّرين والمنظّرين، فالمدرسة الأولى تتعامل مع الجانب الإنساني والروحي في البشر كما تعزّز تعاملها مع عواطفهم وقلوبهم، دون الاقتصار على الأفكار المجرّدة والنظرية في الإنسان. وذلك لأن الجانب القلبي والروحي هو المميز للإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى فيعطيه هويته الخاصة به ولا يشاركه فيها أي كائن آخر سواء كان من الحيوانات أو الجان أو الملائكة، ولذلك تركز المدرسة الإلهية وفق منهج أهل البيت عليهم السلام في تربيتها للإنسان على هذه الجنبة من كيانه...
 
ولهذا أيضاً يلاحظ أنّ القرآن الكريم يشير دائماً في مجال وصفه للعلاقة القائمة بين الله سبحانه وبين المؤمنين بالرسالة الإسلامية إلى مرتكزات هذه العلاقة، حيث يستعمل هذه الألفاظ الخاصة في دلالتها على جانب العاطفة والقلب والوجدان، وذلك من قبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[1].
 
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[2]. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾[3]. ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾[4].
 
فمن الواضح أنّ هذه الآيات وأمثالها مما يصف الله سبحانه فيه ويشرح سنخ العلاقة بالبشر وطبيعة العناية الإلهية بهم، تركز على مقولات عالم القلب والروح، لا عالم المصطلحات البشرية والأفكار المجردة، وما ذلك إلا لأنّ هذه المدرسة تسعى لأن تربّي الإنسان وتكمّل إنسانيته وكمالاته التي لا تقوم في أساسها ومجراها إلّا على جانب القلب والروح والوجدان، فمن خلال هذا الجانب يستطيع الإنسان أن يتكامل ويسعى إلى الصالحات والخيرات، والصفات الأخلاقية والوجدانية الحميدة.
 
أما كيف ولماذا يكمل الإنسان عن طريق هذا الحب؟ فذلك لأنّ الكمال الحقيقي للإنسان إنّما يكون باقترابه من الكمال المطلق وهو الله سبحانه، والقلب هو باب هذا الاقتراب من الكمال المطلق، وليس الباب إليه هو الذهن وحده، بداهة أنّ الإنسان قد يدرك وجود الله سبحانه ولكنه لا يتكامل.
 
منهج الأنبياء التربوي
فلا يتصوّر أحد أنّه مع وجود المنطق والاستدلال، فما هي الحاجة للحديث عن الموعظة والتربية والتوجيه؟ وما هي الحاجة للبحث في قضايا وجدانية وعاطفية من هذا القبيل؟ إنّ هذا النوع من التفكير بيّن البطلان، لأنّ لكلّ واحدة من هذه الأمور دوراً في بناء شخصية الإنسان وتكامله. فالعواطف لها دورها والمنطق والبرهان لهما دورهما المهم أيضاً.
 
فالعاطفة لها دور في حلّ كثير من المشاكل والمعضلات التي يعجز المنطق والاستدلال عن حلّها. ولذلك حينما نراجع تاريخ الأنبياء عليهم السلام سوف نرى أنّه في أوائل بعثتهم كان يلتفّ حولهم أناس لم يكن المنطق والبرهان هما الدافع الأساسي لإيمانهم ولالتفافهم حول أولئك الأنبياء عليهم السلام، لذا كان عملهم ودعوتهم في المرحلة الأولى يقوم على أساس كسب المشاعر والعواطف الصادقة لدى الناس.
 
ففي هذه المرحلة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب الكفّار مبيناً ضعف آلهتهم (الأصنام) وعجزها، وأنها ليست سوى أحجار لا تضرّ ولا تنفع. من دون الحاجة إلى ذكر الدليل العقلي والمنطقي على بطلان عبادتهم لتلك الأصنام. ولم يكن يستدلّ للناس بالأدلّة العقلية والفلسفية على وجود الله ووحدانيته، بل كان يكتفي بالقول: "قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا"[5]، فلم يبرهن للناس عقلياً أو فلسفياً أنّ الاعتقاد بـ (لا إله إلاّ الله) يؤدّي إلى فلاح الإنسان وسعادته، بل إنّ هذه العبارة تخاطب مشاعر الإنسان وأحاسيسه الصادقة.
 
طبعاً إنّ كلّ مشاعر وأحاسيس صادقة وسليمة تنطوي على برهان فلسفي واستدلال عقلي. لكنّ المسألة هي أنّ كلّ نبي عندما كان يريد البدء بالدعوة لم يكن يطرح الدليل العقلي والفلسفي من أجل هداية الناس، بل إنّه كان يبدأ بتحريك العواطف والأحاسيس الصادقة والسليمة التي تحمل المنطق والاستدلال في ذاتها. وهذه الأحاسيس والعواطف توجّه أنظار الإنسان إلى ما يعيشه المجتمع من انحراف وظلم واضطهاد وتمايز طبقي، وما يمارسه أنداد الله من البشر (شياطين الأنس) من ضغط وإرهاب ضدّ أبناء ذلك المجتمع. أمّا طرح البراهين العقلية والمنطقية فكان يبدأ حينما تستقر الدعوة وتأخذ مجراها الطبيعي.
 


 [1] سورة البقرة، الآية: 222.
[2] سورة الفتح، الآية: 18.
[3] سورة الحجرات، الآية: 7.
[4] سورة هود، الآية: 90.
[5] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج18، ص202.

يمكننا تحديد بعض الأسباب التي دفعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفتح آفاق جديدة للدعوة الإسلاميّة خارج مكّة المكرّمة، وهي:

1- قريش ترفض الإسلام: لقد سعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاهدًا إلى نشر الإسلام في مكّة المكرّمة، وكان حريصًا على هداية قريش والقبائل العربيّة المجاورة إلى الإسلام، إلّا أنّ قريشًا رفضت الإسلام رفضًا قاطعًا، وواجهته بشتّى الوسائل المتاحة، فلم يعد الناس يقبلون الإسلام في مكّة، فلا بدّ من البحث عن مكان آخر لنشر الإسلام فيه.

2- أذية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: عندما أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعوته في مكّة المكرّمة، واجهته قريش بشتّى الوسائل والأساليب، وتعرّض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للابتلاء الشديد، والمحن العصيبة، فقد آذاه قومه بكلّ أنواع الإيذاء، واستخدموا معه كلّ ما استطاعوا للقضاء على الإسلام.

3- أذيّة المسلمين: إنّ القاعدة الشعبيّة التي يرتكز عليها الإسلام تعرّضت هي الأخرى لأشدّ وأقسى أنواع العذاب من قبل قريش، فها هم عائلة آل ياسر يمثّلون نموذجًا على ذلك، فقد تعرّضوا لأقسى أنواع العذاب من الضرب والإهانة، وشدّة التعذيب، وغيرها.

لماذا اختار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنوّرة؟

1- مقوّمات الدولة في يثرب:
إنّ مدينة يثرب من المناطق التي تتوفّر فيها مقوّمات الدولة، من حيث الموقع الجغرافيّ، والموارد الطبيعيّة الكامنة فيها. فموقعها الجغرافيّ في وسط شبه الجزيرة العربيّة يوفّر القدرة على الاتّصال بجميع المناطق المحيطة بها في جميع الجهات. ومن جهة أخرى، قربها من مكّة المكرّمة، حيث توجد أقوى قوّة تعادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ممّا يسمح للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بديمومة المرابطة لكلّ تحرّكات قريش داخل الجزيرة العربيّة، وارتباطها بالقبائل الأخرى.

إضافة إلى ذلك، فإنّ المدينة المنوّرة تتوافر فيها الموارد الطبيعيّة التي تسمح بتأمين مصادر العيش والحياة، فأرضها تصلح للزراعة، وبالتّالي فتح مجال للتجارة والبيع، ممّا يؤمّن للمسلمين موارد الحياة الماديّة والماليّة، وهي مناسبة جدًّا للحياة، فأرضها ليست صخريّة وجبليّة، وليست صحراويّة أيضًا، وهذا يساعد على إنشاء الدولة الإسلاميّة المرتقبة.

2- السلطة السياسيّة:
إنّ تركيبة المدينة المنوّرة السياسيّة كانت لا تسمح بوجود قوة سياسيّة يمكن أن تواجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تحرّكاته ودعوته. فالمدينة فيها الأوس والخزرج، وهما قبيلتان عربيّتان متناحرتان، وفيها اليهود الذين يفتقدون السلطة السياسيّة في المدينة، وشغلهم الشاغل فقط التجارة، وإذكاء نار الفتنة بين الأوس والخزرج. هذا كلّه لا يؤهّل أحداً للوقوف في وجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خلافًا لمكّة التي ترتكز فيها قوّة هي قريش.

3- البيئة الاجتماعية المساعدة:
إنّ الأجواء الاجتماعيّة التي كانت سائدة في المدينة المنوّرة بين الأوس والخزرج ساعدت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على نشر دعوته بين هاتين القبيلتين بشكل سريع. فالإسلام يمنع التناحر والتباغض، ويرفع الظلم عن جميع أبناء المجتمع، وهذا كلّه كان مفقودًا عند هاتين القبيلتين. ولذا دخل الإسلام سريعًا إلى يثرب، وانتشر فيها كما سيأتي، وهذا كلّه يساعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تأسيس دولته في مدينة يثرب.

الإثنين, 25 آب/أغسطس 2025 08:30

كيف يكون العلم طريقاً للسّعادة؟

لنا أن نسأل هنا: هل للعلم دورٌ في تحضير الهيرويين أم لا؟ نعم، للعلم دورٌ في ذلك، لكن ليس العلم بحقيقته المجرّدة صنع ذلك، بل الرّغبات الشهوانيّة الشيطانيّة هي الّتي صنعته؛ لأنّ العلم كالمصباح بيد الإنسان، أين ما أخذه أضاء له ذلك الحيّز الّذي اصطحب معه المصباح إليه. فالمُهمّ هنا هو هدف حامل المصباح وغايته. فمثلًا، صيدلانيٌّ ما حائزٌ على شهادة عالية، في حين يكون دخله الشهريّ ثلاثة أو أربعة آلاف تومانًا، فهل يمكننا هنا عدّ الهيرويين السامّ نتاج التطوّر الزمني والتقدّم العلمي في هذا القرن، ونقرّ به، ونتعاطاه على أنّه من متطلّبات العصر!؟

إذًا، العلم المطلوب هو العلم النافع المفيد للبشريّة، والّذي يكون بيد العناصر الخيّرة في المجتمع. وما أعظم القرآن حين يذكر استعدادَيْن عند الإنسان في آنٍ واحد، أي متحدَّيْن معًا وهما: استعداده للإبداع، وقد تمثّل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ..﴾[1]، واستعداده للظلم وقد تجسّد في قوله تبارك اسمه: ﴿.. إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾[2]، فهما لا ينفصلان عن بعضهما بعضًا. أيّ إنّ وجود الاستعداد للظلم قد جعل الإبداع البشري في خدمة توجهه، والنتيجة هي عندما تصبّ قابلية الإبداع في خدمة النزوات الشخصيّة الشهوانيّة، فمن الطبيعي أن يكون هناك أفلام مدمّرة هدّامة، ويكون هناك هيرويين.

نظرة الإسلام للتطوّر الإنسانيّ
إذًا، نفهم من هذا كلّه أنّ الإنسان كما يمكنه أن يتقدّم ويتطوّر، كذلك يمكن أن ينحرف، ولقد أخبرنا معلّمو الأخلاق منذ أقدم العصور بهذا الأمر، إذ ذكروا أنّ وجود العلم عند الإنسان لا يدلّ على أنّه سيجعله في خدمة البشريّة، إذ يمكن أن يكون هناك عالم لكن يسخّر علمه في خدمة شهوته.

يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "... ها إنّ ها هنا لعلمًا جمًّا (وأشار بيده إلى صدره) لو أصبتُ له حَمَلَةً! بلى أصبتُ لقنًا غير مأمونٍ عليه، مستعملًا آلة الدين للدّنيا، ومستظهرًا بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقادًا لحملة الحقّ، لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشكّ في قلبه لأوّل عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك! أو منهومًا باللذّة، سلس القياد للشهوة، أو مُغرمًا بالجمع والادّخار"[3].

ويقول الشاعر "سنائي": "يجب أن تخشى من علم تتعلّمه لأجل الحرص والطمع؛ لأن مثلك في ذلك مثل السارق الّذي يدخل دارًا ليلًا وبيده مصباح، فإنّه ينتقي أفضل الأثاث وأحسنه".

وهذا الكلام صحيح جدّاً، إذ لا يكفي أن يدّعي الإنسان بالعلم ويعمل ما يشاء حتى يقول القائل: "إن كلّ ما يعمله صحيح". كلّا بل علينا أن نتعرّف إلى حقيقة العلم الّذي يحمله هل هو علم حرّ أو أسير؟ وهل يسخّر الإنسان علمه في الطريق الّتي يستصوبها عقله أو في طريق آخر، وعلى حدّ تعبير أمير المؤمنين عليه السلام: "مستعملًا آلة الدين للدنيا"[4].
هذا فيما يخصّ فردًا واحدًا، فكيف بالمجتمع الّذي يعمل جمع من العلماء على تطويره وتقدّمه، وجمع آخر من الناس المستغلّين يتحيّنون الفرص لاستغلاله؟

إذًا، هذا معيار يمكن أن نحصل عليه لنحكم على التطوّرات الّتي تطرأ في كلّ عصر، أيّ منها تطوّرات مفيدة نافعة، وأيّ منها مضرّة ورديئة. وفي التطوّرات الّتي تصبّ في خدمة النزوات الشخصيّة المغرضة، لا ينبغي مجاراتها على أنّها من متطلّبات العصر؛ لأنّ هذه المجاراة تعني السقوط والتردّي.

ولمّا قلتم إنّ هذا العصر هو عصر العلم. فنقول: نعم، إنّه عصر العلم، ولكن هل العلم وحده؟ وهل نضبت مناهل الوجود الإنسانيّ الأخرى ليبقى العلم وحده؟ وهل يكفي أن يكون الإنسان عالمًا فقط؟ ألم تكن عند هذا الإنسان طاقات أخرى؟

ومن الملفت للنظر أنّه لم يسترق العلم في عصر من العصور كما استرق في عصرنا هذا، لذلك لا ينبغي أن نطلق على هذا العصر "عصر العلم"، بل عصر استرقاق العلم، وعصر أسر العلم، أي لم يترك العلم حُرًّا كما هو، ولم يطلق له العنان أن يؤدّي دوره المطلوب في خير البشرية ونفعها، كما كان في الأعصار المنصرمة، فقد كان أكثر انطلاقًا. ولم تمرّ عليه فترة لقي فيها من التعاسة والاستغلال والتكبيل، كما لقي في واقعنا المعاصر هذا.

ولو تابعتم الأحداث لوجدتم أنّه بمجرّد ظهور عالم حاذق في حقل من الحقول كحقل الاختراع مثلًا أو علم النفس، فإنّ القوى السياسيّة المتسلّطة تبادر فورًا إلى كسبه ووضعه تحت تصرفها، مطالبةً إيّاه أن يسخّر علمه في خدمة أهدافها وتوجّهاتها. ولا حيلة له عندئذٍ، ولعلّ أفضل مثال على ذلك هم "علماء الذرّة" الّذين هم أتعس حظًّا من الآخرين في عالم اليوم. ففي كلّ مكان يبرز فيه عالم ذرّي من الطراز الأوّل، فإنّ تلك القوى المتمكّنة تبادر إلى اعتقاله ليضع علمه تحت تصرّفها لئلّا يطّلع على ذلك الأعداء. وتنظّم تلك القوى برنامجًا معيّنًا وتطلب من ذلك العالم أن يعمل في ضوئه وليس له أن يخرج عليه أو يحيد عنه، بل ليس له حقّ الحياة دونه مع العلم أنّ العلماء من الطراز الأوّل حيثما وجدوا فإنّهم يعلمون أسرارًا من العلوم الطبيعيّة لا يعلمها غيرهم.

ولعلّ في الاتّحاد السوڤياتي لفيفًا من هؤلاء، ولا يعلم أحد عددهم لأنّه من ضمن الأسرار، وكذلك في الولايات المتّحدة الأميركيّة. ولكلّ من هؤلاء العلماء مئة مرافق ومراقب حتّى لا يُفشي الأسرار للآخرين، أو لا تُسرق منه تلك الأسرار، فمن أتعس من هؤلاء العلماء الفاقدين للحريّة، الّتي نتمتّع بها نحن، والّذين ليس لهم حقّ الاتصال حتى بإخوتهم! والسبب معروف كما نعلم إذ ربّما يفشون لهم شيئًا من تلك الأسرار، وإذا فعلوا ذلك فإنّ هؤلاء يذهبون ويقدّمون تلك الأسرار إلى حكومة أخرى، وربما تحصل مواجهة بين الحكومتَيْن.

إذاً أيّ عصر علم هذا؟ نعم، قد نعبّر عنه أنّه عصر العلم، ولكن ليس عصر حريّة العلم، بل استرقاق العلم وأسره. إنّه عصر سيطرة قوى أخرى غير قوّة العلم على مقرّرات الشعوب ومصائرها، وكذلك استغلال تلك القوى لقابليات العلماء كوسيلة لتحقيق أهدافها.

ولو قلنا عندئذٍ: إنّنا لا ينبغي أن نساير متطلّبات العصر وتطوّراته بشكل تامّ مطلق، فإنّ هذا لا يعني تعارضًا مع العلم والتطوّر. وإنّما يعني إقرارًا بالواقع حيث إنّ سبب ما ذكرنا هو أنّا نعلم أنّه لم يحن إلى حدّ الآن عصر يكون العلم فيه حُرًّا أو العقل حُرًّا، أو تكون للاثنَيْن سيطرة على شهوات الناس وحبّهم للجاه والشهرة. وبعبارة أخرى، لم يأت عصر يكون فيه "أينشتاين" حاكمًا و"روزفلت" محكومًا، بل العكس هو الصحيح. ولـ"أفلاطون" نظرية معروفة هي نظرية "المدينة الفاضلة"، حيث يقول فيها: "إنّ العالم لا يرى السعادة إلّا في زمان يكون فيه الحكماء حُكّامًا، والحكّام حكماء، أمّا إذا كان الحكماء شريحة، والحكّام شريحة أخرى فلا يرى سعادة أبدًا".

ونعتقد نحن المسلمين ولا سيّما أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أنّ عصر السعادة الحقيقيّة للبشريّة هو عصر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو عصر العدالة بكلّ ما للكلمة من معنى. وهو العصر نفسه الذي تكون أوّل ميزاته تحكم العقل لا الهوى في الميادين المختلفة، وكذلك هو عصر تكون للعلم فيه منزلته الخاصّة به، حيث لن يكون مسترقًا مكبّلًا، ولا بدّ أن يكون كذلك. ويعبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عنه بأنّه عصر يرتشف فيه الناس كأس العلم والمعرفة، حيث يقول (عليه السلام): "ويُغْبَقون كأس الحكمة بعد الصَّبوح"[5].

وورد في الكافي أنّ في عصر الظهور، يضع المهدي يده على رؤوس الناس فتزداد عقولهم[6].

وأودّ أن أحيطكم علمًا، أنّي قد لا أكون قد حقّقت مرادي في شرح هذا الموضوع وبيانه، ولكن كونوا على علم أنّه من الخطأ بمكان أن نعبّر عن هذا العصر بأنّه عصر العلم، أو عصر العقل، أو عصر الفكر؛ لأنّه لا حرية للعقل والفكر والعلم فيه، حيث العالم ما زال عالم الشهوات، وحبّ الجاه والظهور.

سافرتُ في الشهر الماضي إلى "خوزستان"، وكان قد أقيم هناك احتفال بمناسبة النصف من شعبان يوم ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، فألقيتُ كلمة خاطبتُ الحاضرين بها قائلًا: "إذا أردتم أن تعرفوا في أيّ عصر نعيش، وأيّ شيء يتحكّم بمصائر الشعوب، فلاحظوا وضع الهيبيّين التافهين الّذين أثاروا في العالم ضجيجًا مفتعلًا ليوجّهوا الأنظار نحوهم. وقد ذكرت صحفنا أنّ هؤلاء لمّا ذهبوا إلى أميركا غطّوا على الأحداث السياسيّة كافّة؛ حيث سلّطت الأضواء عليهم دون غيرهم، ويحكي لنا هذا عن الروح العامّة الّتي تسيطر على الشعب الأميركي. وذكرت الأنباء أنّ "ويلسون" رئيس وزراء بريطانيا عندما وصل أميركا لم تكتب الصحف المُهمّة مثل "نيويورك تايمز" عن قدومه إلّا أربعة أسطر، في حين خصّصت صفحات كثيرة منها للحديث عن هؤلاء الهيبيّين، وقد ذاع صيتهم في الآفاق حتى قالوا هم عن أنفسهم أنّهم أكثر شهرة من السيّد المسيح (عليه السلام). فهل يترجم لنا هذا التوجّه أنّ هذا العصر هو عصر العلم والعقل؟".

وقد ذكرتُ أنّه يبدو أنّ عصرنا ما زال عصر الهيبيّين وليس عصر "ويلسون"، وقلتُ: "حتى لو كان عصر ويلسون، فما عسانا أن نفعل؟ فينبغي علينا إذًا أن لا نصدّق مئة في المئة بكلّ ما يحدث في العالم، وبكلّ ما يظهر فيه من جديد، وكذلك لا نخدع ببريق متطلّبات العصر، حيث ما زال هناك بون شاسع بيننا وبين الوقت الّذي تكون فيه جميع تطوّراته صحيحة ومفيدة".
 


[1] القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية:72.
[2] نفس المصدر.
[3]  السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (خطب الإمام علي عليه السلام)، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، قم، دار الهجرة، 1414هـ، ط 1، ص496، من كلام له لكميل بن زياد في العلم.
[4]  م، ن، ص 496.
[5]  السيد الرضي، نهج البلاغة (خطب الإمام علي عليه السلام)، ص 208، الخطبة 150. يُغبقون: يُسقون بالمساء. الصّبوح: ما يُشرب وقت الصباح.
[6]  "إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اللَّهُ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ وَ كَمَلَتْ بِهِ أَحْلَامُهُمْ"، الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ط 4، ج1، ص25، باب العقل والجهل، ح21.

الإثنين, 25 آب/أغسطس 2025 08:26

آثار ضعف الإيمان

إذا لم تقف بوجه الانحلال الأخلاقيّ، الشخصيّ، اتّباع الشهوات والميل إلى الأنانيّات المختلفة... وتحارب هذه الأمور بنفسك، سوف يُسلب منك الإيمان، وستكون خاويًا من الداخل. عندما يُسلب الإيمان منك سيكون قلبك خاليًا منه، وظاهرك مؤمن، ويطلق على مثل هكذا إنسان اسم المنافق. إذا لا قدّر الله خلا قلبي وقلبك من الإيمان، وكان ظاهرنا ظاهرًا إيمانيًّا، فقدنا ارتباطاتنا وميولنا العقائديّة والإيمانيّة، لكنّ ألسنتنا لا تزال تنطق بذلك الكلام الإيمانيّ الذي كانت تنطق به في السابق، يصبح هذا نفاقًا، وهو أمر غاية في الخطورة. يقول القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾[1]، فالذين أساءوا ستكون عاقبتهم السوأى. ما هي تلك السوأى؟ التكذيب بآيات الله. ويقول في موضع آخر: أولئك الذين لم يؤدّوا التكليف العظيم ـ الانفاق في سبيل الله ـ ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾[2]، لأنّهم أخلفوا الله ما وعدوه، ظهر النفاق في قلوبهم. هذا هو الخطر الكبير على الأمّة الإسلاميّة. وأينما ترون، المجتمع الإسلاميّ قد انحرف على امتداد التاريخ، فقد انحرف من هنا. قد يأتي عدوّ خارجي، يطيح، يهزم، يدحر، لكنّه لا يستطيع أن يلغي. بالنهاية، الإيمان يبقى، ويعلو في مكان ما ويزدهر، أمّا حين يهجم جيش الأعداء الداخليّ هذا على الإنسان، ويخلي داخل الإنسان ويفرّغه، فسوف يضلّ الطريق. وأينما يوجد الانحراف فهذا منشؤه. ولقد حارب الرسول هذا العدوّ أيضًا[3].
 
مكامن الخطر نتيجة للمنّ إنّنا في هذه العشرين سنةً في الجمهوريّة الإسلاميّة، حيثما استطعنا تقديم التكليف والأهداف، وإضعاف أنفسنا، (أشخاصنا)، ذواتنا وأهوائنا، تقدّمنا إلى الأمام، لكن حيثما كان يحدث خلاف ذلك، كنّا نتلقّى الضربات. ويعرف الأشخاص الذين كانوا على علم بتفاصيل الأمور، على امتداد السنوات الثماني للحرب المفروضة، (يعرفون) هذا الأمر أفضل معرفةً، حيثما كانت روح المسؤوليّة حاكمة، والمنّ قليل لدى المتصدّين للأمور، تقدّمنا، وحيثما كان المنّ يظهر كانت مكامن الضرر تنشأ. والمسألة اليوم كذلك[4].
 


[1] سورة الروم، الآية 10.
[2] سورة التوبة، الآية 77.
[3] من كلام للقائد في خطبتي صلاة الجمعة في طهران (28/2/1380).
[4] خطاب القائد في لقاء الموظّفين الرسميّين (15/8/1378).

بعد مكر قريش وتخطيطها لقتل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما كان من كيدهم، وأخبره الخبر. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[1]. ثمّ جاءه بأمر من الله في ذلك ووحيه، وما عزم له من الهجرة، ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منع مَن بقي من أصحابه ولم يهاجر بعد من الخروج من داره في تلك الليلة[2]. ثمّ دعا عليًّا بن أبي طالب عليه السلام لوقته، فقال له: "يا عليّ، إنّ الروح هبط عليّ يخبرني أنّ قريشًا اجتمعت على المكر بي وقتلي، وإنَّه أوحي إليّ عن ربي عزَّ وجلّ أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، وإنّه أمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي لتخفي بمبيتك عليهم أثري، فما أنت صانع؟".
 
فقال عليّ عليه السلام: "أوتسلمنّ بمبيتي هناك يا نبيّ الله؟"، قال: "نعم".
 
فتبسّم عليٌّ ضاحكًا، وأهوى إلى الأرض ساجدًا شاكرًا لما أنبأه به رسول الله من سلامته. فلمَّا رفع عليّ عليه السلام رأسه، قال لرسول الله: "امض بما أُمرت، فداك سمعي وبصري، وسويداء قلبي، ومرني بما شئت، وإنْ توفيقي إلّا بالله".
 
فقال له: "فارقد على فراشي، واشتمل ببردي الحضرميّ، ثمّ إنّي أخبرك، يا عليّ، أنَّ الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم، ومنازلهم من دينه، فأشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، وقد امتحنك يا ابن عمّ، وامتحنني فيك بمثل ما امتحن به خليله إبراهيم والذبيح إسماعيل عليهما السلام، فصبرًا صبرًا، فإنَّ رحمة الله قريبٌ من المحسنين.
ثمّ ضمَّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى صدره وبكى وجدًا به، وبكى عليّ عليه السلام لفراق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولبث رسول الله بمكانه مع عليّ عليه السلام، يوصيه ويأمره في ذلك بالصبر حتّى صلّيا العشاءين[3].
 
فشل المؤامرة القرشيّة
لمَّا أمسى الظلام، جاء الرصد من قريش، قد أطافوا بدار النبيّ ينتظرون أن ينتصف الليل، وتنام الأعين، ليدخلوا عليه.

ونام عليّ عليه السلام في فراش النبيّ، واشتمل ببرده الحضرميّ، بينما كانت عيون الرصد من قريش تطوف بداره، وقد اجتمع القتلة في خارج الدار ينتظرون خروج النبيّ.
 
فجاء جبرئيل، وأخذ بيد رسول الله، فأخرجه على قريش، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾[4]. فمرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم، ولم يشعروا به، ومضى وهم لا يرونه، ووضع التراب على رؤوس المحاصِرين لبيته[5]، وقال له جبرئيل: "خذ على طريق ثور"[6]، وكان ذلك في ليلة الخميس، أول ليلة من شهر ربيع الأوّل.
 
ثمّ أقبلوا يقذفون النائم - على أنّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بالحجارة، فجعل الإمام عليّ عليه السلام يتضوّر (أي يتلوّى ويتقلّب)، وقد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى أصبح، وهم يرون ولا يشكّون أنّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى إذا برق الفجر، وأشفقوا أن يفضحهم الصبح، قال لهم قائل منهم: "خبتم وخسرتم، قد والله مرّ بكم، فما منكم رجل إلاّ وقد جعل على رأسه ترابًا!". قالوا: "والله ما أبصرناه!"، ثمّ هجموا، فلمّا بصر بهم عليّ عليه السلام قد انتضوا السيوف وأقبلوا عليه، شدّ عليهم عليّ عليه السلام، فأجفلوا أمامه وتبصّروه، فإذا هو عليّ عليه السلام، ثمّ تركوه، وتفرّقوا في طلب رسول الله[7].
 
* من كتاب: السيرة النبوية المباركة - دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1] سورة الأنفال، الآية 30.
[2] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج19، ص73، قطب الدين الراوندي، الخرائج والجرائح، ج1 ص144.
[3] الخوارزمي، المناقب، ص73، الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج3، ص133، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص321، الحاكم الحسكاني، عبيد الله بن أحمد، وشواهد التنزيل لقواعد التفضيل، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، الناشر: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران، 1990م، ط1، ج1، ص99، الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص100، النسائي، أحمد بن شعيب، تحقيق وتصحيح الأسانيد ووضع الفهارس: محمد هادي الأميني، خصائص أمير المؤمنين، مكتبة نينوى الحديثة، طهران، إيران، لا.ت، لا.ط، ص63، الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج9، ص120، محب الدين الطبري، ذخائر العقبى، ص87، ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق: علي شيري، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1415هـ، لا.ط، ج1، ص186، للتوسعة حول الموضوع، راجع: السيّد جعفر مرتضى العامليّ، الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم، ج4، ص181.
[4] سورة يس، الآية 9 .
[5] أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج3، ص103، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص21.
[6] وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور، راجع: علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمّيّ، ج1، ص277، الشيخ الطبرسي، إعلام الورى، ص61، قطب الدين الراوندي، قصص الأنبياء، ص335.
[7] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص21 – 25، أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، البحر المحيط، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2001م، ط1، ج2، ص118 – 122، الطبرسي، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص102، الشيخ الطوسي، الأمالي، ج2، ص446، ابن إسحاق، سيرة ابن إسحاق، ج2، ص127، السهيلي، الروض الأنف في تفسير السيرة النبويّة لابن هشام، ج2 ص245، الذهبي، تاريخ الإسلام، ج4، ص272، البخاري، صحيح البخاري، ج1، ص184، النسائي، سنن النسائيّ، ج2، ص92، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج3، ص103، للتوسعة حول الموضوع، راجع: السيّد جعفر مرتضى العامليّ، الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم، ج4، ص182.

إنّ مواقف الإمام الحسن (عليه السلام) هي الّتي تنسجم مع المصلحة الإسلاميّة العُليا بلا شكّ في ذلك ولا ريب. وهذا الموقف الصعب الّذي اختاره جاء نتيجة للظروف الّتي عاشها الإمام عليه السلام وفرضت عليه هذا الخيار والّتي يمكن اختصارها بما يلي:
 
أوّلاً: إنّ معاوية أحكم خطّته وأظهر نفسه بمظهر المسالم المحبّ للصلح وحقن الدماء، وأراد أن يُلصق بالإمام الحسن (عليه السلام) رغبته في القتال وإراقة الدماء.
 
ثانياً: إنّ استمرار القتال سيؤدّي قطعاً إلى قتل الإمام الحسن (عليه السلام) من قبل عملاء معاوية المندسّين في جيشه، وسيتنصّل معاوية من جريمة قتله. أو سيؤدّي القتال إلى تسليم الإمام (عليه السلام) إلى معاوية من قبل رؤساء بعض القبائل أو قادة الجيش، وفي جميع التقادير سيكون معاوية هو الغالب كما ورد ذلك في قول الإمام (عليه السلام): "يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثِقْلي وأخذوا مالي، والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني، فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية، لأخذوا بعنقي حتّى يدفعوني إليه سِلماً، فوالله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره"[1].
 
ثالثاً: إنّ تضحية الإمام الحسن عليه السلام ستكون بلا صدى وذلك لقدرة معاوية على احتواء آثارها وتشويه أهدافها.
 
رابعاً: إنّ هذه التضحية ستؤدّي إلى القضاء على الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) وبقيّة بني هاشم، والصفوة الصالحة من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وبالتالي ستخلو الساحة لمعاوية وأنصاره من معارضين، وهذا ما سيؤدّي إلى قلب المفاهيم الإسلاميّة من قبل معاوية.
 
هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من أمور تقدّمت كلّها دفعت الإمام الحسن (عليه السلام) إلى اختيار الصلح، والّتي يمكن إعادة تلخيصها بما يلي:
1- عدم رغبة جيشه في القتال.
2- التواطؤ مع معاوية من قبل الكثير من القادة والجنود.
3- الخيانات الفعلية المتكرّرة والمتمثّلة بالالتحاق بمعاوية، أو الفرار من المعسكرات.
4- شيوع البلبلة والاضطراب في صفوف القادة والجنود.
5- عدم الإخلاص للقيادة الشرعيّة.
 
وقد عبّر الإمام (عليه السلام) عن الأسباب الّتي أجبرته على القبول بالصلح في كثير من أقواله. كما ركّز (عليه السلام) على قلّة الأنصار الّذين ينهض بهم للقتال، فقال عليه السلام : "والله ما سلّمت الأمر إليه إلّا لأنّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري"[2].
 
وقال (عليه السلام) في موقفٍ آخر: "وقد خذلتني الأمّة، وبايعتك يا ابن حرب، ولو وجدت عليك أعواناً يُخلصون ما بايعتك"[3].
 
شروط الإمام عليه السلام ووعود معاوية
لم يوقّع الإمام (عليه السلام) الصلح إلّا بعد أن فرض شروطه على معاوية، ليكون (عليه السلام) في موقع القوّة دائماً ومعاوية في موقع الضعف على المدى القريب والمدى البعيد معاً، سواء كان معاوية يفي بالشروط أم لا يفي بها، فإنّ عدم الوفاء بها يضمن للإمام (عليه السلام) ولخطّ أهل البيت (عليهم السلام) نصراً على المدى البعيد لا محالة.
 
أمّا شروط الإمام الحسن (عليه السلام) فيمكن تحديدها بما يلي:
1- أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة الخلفاء الصالحين.
2- ليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحدٍ من بعده.
3- الناس آمنون حيث كانوا في العراق والشام والحجاز وتهامة.
4- أمان شيعة وأصحاب عليّ (عليه السلام) على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم.
5- أن لا يبغي للحسن (عليه السلام) ولا لأحد من أهل بيته غائلة سرّاً وعلانية، ولا يُخيف أحداً منهم في أُفق من الآفاق.
6- أن تكون الخلافة للإمام الحسن (عليه السلام) من بعده.
7- أن لا يسمّيه أمير المؤمنين.
8- أن لا يُقيم عنده شهادة.
9- أن يضمن نفقة أولاد الشهداء من أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام).
10- ترك سبّ الإمام عليّ (عليه السلام) والعدول عن القنوت عليه في الصلاة.
 
أمّا معاوية فقد وعد الإمام الحسن (عليه السلام) بوعود كثيرة منها:
1- لك الأمر من بعدي.
2- لك ما في بيت مال العراق من مالٍ بالغاً ما يبلغ تحمله إلى حيث أحببت.
3- لك خراج أيّ كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها أمينك ويحملها إليك في كلّ سنة.
4- لك ألّا نستولي عليك بالإساءة.
5- لا نقضي دونك الأمور.
6- لا نعصيك في أمرٍ أردت به طاعة الله[4].
 
هذه الوعود والشروط الممضاة من قبل الطرفين، تفرض منطقيّاً على كلّ من يُفاضل بين الحرب والصلح، أن يختار الصلح مع تلك الظروف والموازنة العسكريّّة غير المتكافئة، وإلّا فإنّ معاوية سيتسلّم السلطة إمّا بانتصاره العسكريّّ أو بقتل الإمام (عليه السلام) من قبل عملائه المندسّين في جيش الإمام (عليه السلام)، وستؤول السلطة إليه دون شروط أو قيود تقيّده أمام المسلمين.
 
بينما أخذ الإمام (عليه السلام) عهوداً ومواثيق مقرونة بأَيمان مغلّظة من قبل معاوية على أن يفي بها.
فإن وفى بما تعهّد به، فإنّ الأمر سيعود إلى الإمام من بعده، وستكون لأتباع الإمام عليه السلام مطلق الحريّة في أداء دورهم الإصلاحيّ والتغييريّ.
 
وإنّ شرط عدم تسميته بأمير المؤمنين يسلب عنه شرعيّة الخلافة وإمرة المؤمنين، ويبقى مجرّد حاكمٍ أو ملك في أنظار المسلمين.
 
وإذا لم يفِ معاوية بالشروط فإنّ الأمّة ستنكشف لها حقيقة معاوية والحكم الأمويّ، وأنّه مجرّد طالب سلطة منذ أوّل شعار أعلنه حين مطالبته بدم عثمان.
 


[1] - بحار الأنوار، م.س: 44/20.
[2] - م.ن: 44/147.
[3] - م.ن: 10/143.
[4] - شرح نهج البلاغة، م.س: 16/36.

امتاز سلوك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتدبير والسّرعة في العمل، فلم يدَع الفرصة تفوته في أيّ قضيّة. كان (صلى الله عليه وآله وسلم)  طاهرًا قانعًا، لا وجود لأيّ نقطة ضعف في وجوده المبارك. كان معصومًا نقيًّا، وهذا بحدّ ذاته يُمثّل أهمّ عوامل التّأثير. إنّ التّأثير بالعمل هو أوسع وأعمق بدرجات من التّأثير باللسان. لقد كان قاطعًا وصريحًا، ولم يتحدّث يومًا بلسانين. بالطّبع، عندما كان يواجه العدوّ، كان يستخدم معه أسلوبًا سياسيًّا يوقعه في الخطأ، فلقد كان يُباغت العدوّ في الكثير من الحالات، سواء أفي المواقف العسكريّة أم في السياسيّة، لكنّه كان صريحًا وشفّافًا مع المؤمنين ومع قومه على الدّوام، كان نقيًّا واضحًا في كلامه، بعيدًا عن الألاعيب السّياسيّة، يُبدي المرونة في المواطن الضّروريّة - كما في قضيّة عبد الله بن أُبيّ - ذات الأحداث المفصّلة، ولم ينكث عهدًا مع قومه أو مع الفئات الّتي عاهدها، وإن كانوا أعداءً له، وخاصّةً مع كفّار مكّة الذين نقضوا عهودهم، فردّ عليهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ردًّا قاطعًا، ولم ينقضْ مَوْثِقًا أبرمه مع أحد قطّ، لذلك كان الجميع على ثقةٍ بالعهد الذي يُبرمه معهم.
 
ومن ناحيةٍ أخرى، لم يفقد النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تضرّعه إلى الله سبحانه، وكان مواظبًا على توطيد أواصر علاقته بالباري (جلّ وعلا) يومًا بعد يوم. فلقد كان يرفع يده متضرّعاً إلى بارئه في تلك الأثناء الّتي ينظّم عساكره ويحثّهم ويحضّهم على القتال، وفي ساحة الوغى، عندما كان يُمسك بسيفه ويقود جيشه بحزم، أو يُعلّمهم ما يصنعون. كان يجثو على ركبتيه رافعًا يديه باكيًا مناجيًا ربّه سائلًا إيّاه العون والإسناد ودفع الأعداء. لم يؤدِّ به الدّعاء إلى تعطيل قواه، ولا أنّ استثماره لقواه أغفله عن التوسّل والتضرّع والارتباط بالله سبحانه، بل كان حريصًا على كلا الجانبين، لم يعتوِره التردّد أو الخوف وهو يواجه عدوًّا عنيدًا، ولقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) - وهو مظهر الشّجاعة -: "كنّا كلّما اشتد الوطيس لذنا برسول الله"[1]، وكان يلوذ به كلّ مَن شعر بالضعف. استمرّ حكمه عشر سنوات، لكن لو أردنا إيكال العمل الذي قد أنجزه خلال السنوات العشر هذه إلى مجموعة مليئة بالنشاط لتقوم بإنجازه، فإنّها لن تستطيع إنجاز كلّ تلك الأعمال والخدمات والمساعي، ولو على مدى مئة عام. فلو قارنّا أعمالنا بما قام به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، عندها سنُدرك ما الذي قام به. فإدارة الحكم، وبناء ذلك المجتمع، وصياغة ذلك الأنموذج، بحدّ ذاته هي أحد معاجز الرسول.
 
فعلى مدى عشر سنوات، عاشره النّاس ليلًا ونهارًا، وتردّدوا إلى داره، وتردّد هو إلى دورهم، وكانوا معه في المسجد وفي الطّرقات وفي حلّه وترحاله، وتحمّلوا الجوع معًا، وتذوّقوا طعم السّرور معًا، فقد كان الوسط الّذي يعيش فيه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مفعمًا بالمسرّة، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يُلاطف الآخرين ويُقيم السّباقات ويشترك فيها. وعلى امتداد تلك السّنوات العشر، تعمّقت محبّة أولئك الذين عاشروه، وازداد إيمانهم به عمقًا ورسوخًا في قلوبهم. وعندما فتح (صلى الله عليه وآله وسلم) مكّة، جاء أبو سفيان متخفّيًا يلوذ بالعبّاس، وهو عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلى معسكر النبيّ يطلب الأمان. ولما حلّ الفجر، رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوضّأ وقد أحاط به القوم ليحظى كلٌّ منهم بقطرات الماء الّتي تتناثر من وجهه ويديه، فقال أبو سفيان: لقد رأيت كسرى وقيصر (وهما من ملوك الدنيا المعروفين بجبروتهم وسطوتهم) لكنّني لم أرَ عليهما مثل هذه العزّة! أجل، فالعزّة المعنويّة هي العزّة الحقيقيّة، ﴿..وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..﴾[2]، فالعزّة من نصيب المؤمنين أيضًا، إنْ هم سلكوا الطريق ذاتها.
 


[1] نهج البلاغة، ص 368، وقول الإمام عليه السلام هو: "كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدوّ منه".
[2] القرآن الكريم، سورة المنافقون، الآية: 8.

عندما يفقد الموز صلابته، يصعب تناوله كوجبة خفيفة، ويتحول من ثمرة متماسكة ومثالية إلى النضج الزائد بسهولة، مما يعني إهدار كميات كبيرة منه بعد التلف. ومع ذلك، يمكن هرس هذه الثمار اللذيذة واستخدامها بطرق اقتصادية في تحضير العديد من الأصناف الرائعة.

العمر الافتراضي للموز عند الشراء

أول ما ينبغي الانتباه إليه عند شراء الموز هو مدى نضجه. فإذا كنت تخطط لاستهلاكه خلال الأيام المقبلة، يُفضل اختيار حبات الموز التي لا تزال نهاياتها خضراء، مما يمنحها الوقت الكافي للنضج تدريجيا.

أما إذا كنت تنوي تناوله فورا، فاختر الموز الذي تظهر على قشرته بقع سوداء صغيرة، فهي مؤشر على نضجه التام واستعداده للأكل. في هذه الحالة، يُنصح بتخزينه في وعاء مكشوف على طاولة المطبخ، لأن وضعه في الثلاجة قد يؤدي إلى اسوداد القشرة دون التأثير على جودة الثمرة.

ومن ألذ الوصفات التي يمكن تحضيرها باستخدام الموز الناضج أو الذابل:

خبز الموز التقليدي

من الطرق الشائعة لاستخدام الموز بعد نضجه استخدامه لتحضير المخبوزات، وأشهرها خبز الموز التقليدي الذي يمكن تناوله مثل الكيك مع إضافة الكريمة المخفوقة.

المكونات:

  • 150 غرام زبدة في حرارة الغرفة.
  • زبدة لدهن وعاء الطهي.
  • 150 غرام سكر ناعم.
  • بيضتان كبيرتان مخفوقتان.
  • 150 غرام دقيق ذاتي التخمير.
  • ملعقة صغيرة بيكنج باودر.
  • موزتان ناضجتان جدا مهروستان.
  • سكر بودرة للتزيين.

طريقة التحضير

اخفقي الزبدة الطرية مع السكر الناعم حتى تحصلي على مزيج ناعم، هش، وفاتح اللون يشبه الكريمة. أضيفي البيضتين المخفوقتين تدريجيا مع الدقيق، ثم أضيفي ملعقة صغيرة من البيكنج باودر والموز المهروس.

اسكبي الخليط في قالب مبطن بورق الزبدة، واخبزيه في فرن مسخن مسبقا على حرارة 180 درجة مئوية لمدة 40 دقيقة تقريبا، أو حتى ينضج تماما. لاختبار النضج، اغرزي عود أسنان أو سيخا خشبيا في وسط الكيكة؛ إذا خرج نظيفا، فهي جاهزة.

يُترك خبز الموز ليبرد في القالب لمدة 10 دقائق، ثم يُنقل إلى رف سلكي ليبرد تمامًا قبل التقطيع.

للتزيين: امزجي 50 غراما من سكر التزيين (Icing Sugar) مع 3 ملاعق صغيرة من الماء حتى تحصلي على قوام سائل، ثم وزعيه على سطح الكيكة، وزيّني الوجه برش الجوز المجروش أو شرائح اللوز حسب الرغبة.

مافن الموز بالكراميل

المكونات:

  • كوب ونصف من الماء المغلي.
  • ¾ كوب من الشوفان.
  • ½ كوب من الزبدة بدرجة حرارة الغرفة.
  • كوب واحد من السكر البني. كوب واحد من السكر الأبيض.
  • كوب واحد من الموز المهروس الناضج جدًا.
  • بيضتان.
  • ملعقة صغيرة من خلاصة الفانيليا.
  • كوب و¾ كوب من الدقيق متعدد الاستخدامات.
  • ملعقة صغيرة من صودا الخبز.
  • ملعقة صغيرة من القرفة المطحونة.
  • ½ ملعقة صغيرة من الملح.

وللتزيين:

علبة واحدة من الحليب المكثف المحلى بنكهة الكراميل.

كوب من الجوز المفروم (اختياري).

كوب واحد من جوز الهند المبشور.

½ كوب من الزبدة المذابة.

¼ كوب من الكريمة الثقيلة.

طريقة التحضير:

في البداية، ينقع الشوفان في الماء المغلي لمدة 20 دقيقة حتى يتشرب ويصبح لينا. في وعاء آخر، تُخفق الزبدة مع السكر البني والأبيض حتى يصبح الخليط كريميا، ثم يُضاف الموز والبيض والفانيليا ويُقلب جيدًا، ثم يُدمج معه خليط الشوفان.

تُنخل المكونات الجافة (الدقيق، صودا الخبز، القرفة، الملح) وتُضاف إلى الخليط مع التحريك حتى يتجانس. يُوزع المزيج في قوالب مافن مدهونة أو مبطنة، ويُخبز في فرن محمى مسبقًا لمدة 20 دقيقة تقريبًا، حتى يخرج العود نظيفًا عند غرسه.

بعد أن يبرد المافن قليلًا، تُصنع ثقوب صغيرة في وسطه ويُسكب فيها الحليب المكثف بالكراميل. يُترك ليبرد تمامًا، ثم يُزين بخليط من السكر البني والجوز وجوز الهند والزبدة المذابة والكريمة. يمكن تزيينه بشرائح موز أو مكسرات حسب الرغبة.

آيسكريم الموز والكريمة

في وصفة سهلة وسريعة، يمكن استغلال الموز الناضج أو الذابل لتحضير مثلجات ناعمة وشهية تُقدَّم مع الكريمة المخفوقة ومجروش المكسرات أو البسكويت حسب الرغبة.

لتحضير الوصفة، تُستخدم 3 موزات ناضجة تُقطّع إلى قطع صغيرة وتُجمّد، بالإضافة إلى موزة واحدة تُقطّع إلى شرائح رفيعة للتزيين. يُضاف إلى ذلك كوب من الكريمة المخفوقة و¾ كوب من بسكويت الفانيليا المحشو.

في الخطوة الأولى، تُوضع قطع الموز المجمدة في خلاط أو محضّرة طعام قوية، وتُخلط على سرعة منخفضة حتى يصبح الموز بقوام كريمي هش، يشبه الآيس كريم. بعد ذلك، يُخلط الموز الكريمي مع نصف كوب من رقائق بسكويت الفانيليا.

يُوزع الخليط في 4 أطباق تقديم، ويُزين بالموز الطازج المقطع ومجروش البسكويت أو المكسرات حسب الذوق.

المصدر: الجزيرة

في عالم باتت فيه أنماط الحياة المعاصرة تتسم بالخمول وقلة النشاط البدني، تزداد التحذيرات من المخاطر الصحية المرتبطة بالجلوس الطويل وقلة الحركة. فسواء تعلق الأمر بالعمل المكتبي أو أسلوب الحياة الرقمي الذي يغلب عليه الجلوس لساعات أمام الشاشات، فإن الإنسان يدفع ثمنا باهظا من صحته الجسدية والنفسية على حد سواء.

وفي هذا السياق، شددت جمعية التأمين الصحي الألمانية على أن قلة الحركة لا تقتصر أضرارها على الوزن الزائد أو الشعور بالخمول، بل تمتد لتشمل سلسلة من المشكلات الصحية المعقدة والخطيرة، مما يجعل تبنّي أسلوب حياة نشط ضرورة يومية وليست خيارا ثانويا.

الخمول يسبب أمراضا واضطرابات نفسية

الجمعية حذرت من أن قلة الحركة ترتبط ارتباطا مباشرا بظهور أمراض القلب والأوعية الدموية، والسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وآلام الظهر، وضمور العضلات، ومشكلات المفاصل. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى الصحة النفسية، حيث تزداد فرص الإصابة بالاكتئاب، والقلق، واضطرابات النوم لدى الأشخاص الذين لا يمارسون نشاطا بدنيا كافيا.

هذه التحذيرات تستند إلى دراسات حديثة تُظهر أن نمط الحياة غير النشط يؤثر سلبا على أداء الأجهزة الحيوية في الجسم، ويُضعف المناعة، ويزيد من التوتر الذهني والجسدي.

لا يتطلب تبنّي أسلوب حياة نشط تغييرات جذرية بل يبدأ بخطوات بسيطة تتكرر بانتظام (غيتي)

الحد الأدنى المطلوب من النشاط البدني

لتفادي هذه المخاطر، توصي الجمعية -بالاستناد إلى معايير منظمة الصحة العالمية- بضرورة ممارسة 150 دقيقة على الأقل من التمارين متوسطة الشدة أسبوعيا، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجة الهوائية.

أما بالنسبة للأشخاص الذين يفضلون التمارين المكثفة، فيمكنهم الاكتفاء بـ 75 دقيقة من النشاط عالي الشدة أسبوعيا، مثل الركض أو التدريب المتقطع المكثف (HIIT).

إلى جانب ذلك، تشدد التوصيات على ضرورة ممارسة تمارين تقوية العضلات مرتين أسبوعيا على الأقل، باستخدام أدوات بسيطة أو حتى وزن الجسم، مثل تمارين الضغط (Push-ups)، التي تُسهم في بناء القوة العضلية وتحسين التوازن الجسدي.

دمج الحركة في تفاصيل الحياة اليومية

الجمعية أكدت أنه لا يشترط الانضمام إلى نادٍ رياضي لتحقيق نمط حياة نشط، إذ يمكن دمج النشاط البدني في الروتين اليومي من خلال خطوات بسيطة وفعالة، ومنها:

  • صعود الدرج بدلا من استخدام المصعد، وهو تمرين فعّال يُسهم في تقوية عضلات الساقين والفخذين والأرداف، خصوصا إذا تم تكرار ذلك مرتين أو 3 مرات يوميا.
  • إنجاز المشاوير القريبة سيرا على الأقدام أو باستخدام الدراجة الهوائية بدلا من السيارة، مما يُساهم في رفع معدل الحركة دون الحاجة إلى تخصيص وقت إضافي للرياضة.
Family walking down Michigan Avenue in Chicago
أضرار قلة الحركة لا تقتصر على الوزن الزائد أو الشعور بالخمول بل تمتد لتشمل سلسلة من المشكلات الصحية المعقدة (غيتي إيميجز)

الوقاية تبدأ بخطوة.. والتحرّك مفتاح العافية

تشدد جمعية التأمين الصحي الألمانية على أن تبنّي أسلوب حياة نشط لا يتطلب تغييرات جذرية، بل يبدأ بخطوات بسيطة تتكرر بانتظام. فالحركة اليومية -مهما بدت محدودة- تُعد استثمارا في الصحة الجسدية والنفسية على المدى الطويل، وتُقلل بشكل واضح من احتمالية الإصابة بالأمراض المزمنة واضطرابات المزاج.

وفي عالم يتجه سريعا نحو أنماط معيشة أكثر ثباتا وهدوءا بدنيا، يصبح الحفاظ على النشاط اليومي مطلبا صحيا أساسيا لا غنى عنه، يقي من مشكلات المستقبل، ويُعزز الشعور بالحيوية والتوازن.

المصدر: وكالة الأنباء الألمانية