Super User

Super User

السبت, 30 تشرين2/نوفمبر 2013 10:50

الأدلّة على جواز الصلاة عند القبور

السؤال:

ما هو ردّكم على كلام ابن تيمية حيث قال: لم يقل أحد من أئمّة السلف أنّ الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبّة أو فيها فضيلة، ولا أنّ الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في غير تلك البقعة والدعاء، بل اتّفقوا كلّهم على أنّ الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند القبور(1).

 

الجواب:

إنّ ما دلّ على جواز الصلاة والدعاء في كلّ مكان، يدلّ بإطلاقه على جواز الصلاة والدعاء عند قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) وقبور سائر الأنبياء والصالحين أيضاً، ولا يشكّ في الجواز مَن له أدنى إلمام بالكتاب والسنّة، وإنّما الكلام هو في رجحانها عند قبورهم.

فنقول في هذا المجال: إنّ إقامة الصلاة عند تلك القبور لأجل التبرّك بمَن دُفن فيها، وهذه الأمكنة مشرّفة بهم، وقد تحقّق شرف المكان بالمكين، وليست الصلاة ـ في الحقيقة ـ إلّا لله تعالى لا للقبر ولا لصاحبه، كما أنّ الصلاة في المسجد هي لله أيضاً، وإنّما تُكتسب الفضيلة بإقامتها هنا لشرف المكان، لا أنّها عبادة للمسجد.

فالمسلمون يصلّون عند قبور مَن تشرّفت بمَن دُفن فيها لتنالهم بركة أصحابها الذين جعلهم الله مباركين، كما يصلّون عند المقام الذي هو حجر شرف بملامسة قدمي إبراهيم الخليل(عليه السلام) لها.

قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى...﴾(2)، فليس لاتّخاذ المصلّى عند ذلك المقام الشريف سبب إلّا التبرّك بقيام إبراهيم(عليه السلام) عليه، وهم يدعون الله عند القبور لشرفها بمَن دُفن فيها، فيكون دعاؤهم عندها أرجى للإجابة وأقرب للاستجابة، كالدعاء في المسجد أو الكعبة أو أحد الأمكنة، أو الأزمنة التي شرّفها الله تعالى.

والحاصل: أنّه يكفي في جواز الصلاة الإطلاقات والعمومات الدالّة على أنّ الأرض جُعلت لأُمّة محمّد مسجداً وطهوراً.

وأمّا الرجحان فللتبرّك بالمكان المدفون فيه النبيّ أو الوليّ ذي الجاه عند الله، كالتبرّك بمقام إبراهيم، أفلا يكون المكان الذي بورك بضمّه لجسد النبيّ الطاهر مباركاً، مستحقّاً لأن تستحبّ عنده الصلاة وتندب عبادة الله فيه.

والعجب أنّ ابن القيّم جاء في كتابه «زاد المعاد» بما يخالف عقيدته، وعقيدة أُستاذه ابن تيمية، إذ قال: «وأنّ عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه، من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين، ومتعبّدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنّته تعالى فيمَن يريد رفعه من خلقه»(3).

فإذا كانت آثار إسماعيل وهاجر لأجل ما مسّها من الأذى مستحقّة لجعلهما مناسك ومتعبّدات، أفلا تكون آثار أفضل المرسلين الذي قال: «ما أُوذي نبيّ قطّ كما أُوذيت» تستحقّ أن يُعبد الله فيها؟ وتكون عبادة الله عندها والتبرّك بها شركاً وكفراً؟

____________________

 

1_ رسالة القبور 1/28.

2_ البقرة: 125.

3_ زاد المعاد 1/75.

السؤال:

ما هي الأسباب والحكم من غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) ؟

 

الجواب:

إنّ غيبة الإمام المنتظر ( عليه السلام ) كانت ضرورية لابدّ للإمام منها ، نذكر لك بعض الأسباب التي حتمت غيابه ( عليه السلام ) :

1ـ الخوف عليه من العباسيين :

لقد أمعن العباسيون منذ حكمهم ، وتولّيهم لزمام السلطة في ظلم العلويين وإرهاقهم ، فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم ، وقتلوهم تحت كُلّ حجرٍ ومدرٍ ، ولم يرعوا أيّة حرمة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في عترته وبنيه ، ففرض الإقامة الجبرية على الإمام علي الهادي ، ونجله الإمام الحسن العسكري ( عليهما السلام ) في سامراء ، وإحاطتهما بقوى مكثّفة من الأمن ـ رجالاً ونساءً ـ هي لأجل التعرّف على ولادة الإمام المنتظر ( عليه السلام ) لإلقاء القبض عليه ، وتصفيته جسدياً ، فقد أرعبتهم وملأت قلوبهم فزعاً ما تواترت به الأخبار عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وعن أوصيائه الأئمّة الطاهرين : أنّ الإمام المنتظر هو آخر خلفاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنّه هو الذي يقيم العدل ، وينشر الحقّ ، ويشيع الأمن والرخاء بين الناس ، وهو الذي يقضي على جميع أنواع الظلم ، ويزيل حكم الظالمين ، فلذا فرضوا الرقابة على أبيه وجدّه ، وبعد وفاة أبيه الحسن العسكري أحاطوا بدار الإمام ( عليه السلام ) ، وألقوا القبض على بعض نساء الإمام الذين يظنّ أو يشتبه في حملهن .

فهذا هو السبب الرئيسي في اختفاء الإمام ( عليه السلام ) ، وعدم ظهوره للناس ، فعن زرارة قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : « إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره » ، قلت : ولَمِ ؟ فقال ( عليه السلام ) : « يخاف » ، وأومئ بيده إلى بطنه ، قال رزارة : يعني القتل (1) .

ويقول الشيخ الطوسي : « لا علّة تمنع من ظهوره ( عليه السلام ) إلاّ خوفه على نفسه من القتل ، لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار » (2) .

2ـ الامتحان والاختبار :

وثمّة سبب آخر علّل به غيبة الإمام ( عليه السلام ) ، وهو امتحان العباد واختبارهم ، وتمحيصهم ، فقد ورد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « أمّا والله ليغيبن إمامكم سنيناً من دهركم ، ولتمحصن حتّى يقال : مات أو هلك ، بأيّ وادٍ سلك ، ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ، ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر ، فلا ينجو إلاّ من أخذ الله ميثاقه ، وكتب في قلبه الإيمان ، وأيّده بروح منه » (3) .

ولقد جرت سنّة الله تعالى في عباده امتحانهم ، وابتلاءهم ليجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون ، قال تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (4) ، وقال تعالى : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ) (5) .

وغيبة الإمام ( عليه السلام ) من موارد الامتحان ، فلا يؤمن بها إلاّ من خلص إيمانه ، وصفت نفسه ، وصدّق بما جاء عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والأئمّة الهداة المهديين من حجبه عن الناس ، وغيبته مدّة غير محدّدة ، أو أنّ ظهوره بيد الله تعالى ، وليس لأحدٍ من الخلق رأي في ذلك ، وإن مثله كمثل الساعة فإنّها آتية لا ريب فيها .

3ـ الغيبة من أسرار الله تعالى :

وعُلّلت غيبة الإمام المنتظر ( عليه السلام ) بأنّها من أسرار الله تعالى ، التي لم يطّلع عليها أحد من الخلق ، فقد ورد عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : « إنّما مثله كمثل الساعة ، ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلاّ بغتة » (6) .

4ـ عدم بيعته لظالم :

ومن الأسباب التي ذكرت لاختفاء الإمام ( عليه السلام ) أن لا تكون في عنقه بيعة لظالم ، فعن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه ، عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) أنّه قال : « كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه » ، قلت له : ولم ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال ( عليه السلام ) : « لأنّ إمامهم يغيب عنهم » ، فقلت : ولِمَ ؟ قال : « لئلا يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف » (7) .

وأعلن الإمام المهدي ( عليه السلام ) ذلك بقوله : « إنّه لم يكن لأحد من آبائي ( عليهم السلام ) إلاّ وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإنّي أخرج حين أخرج ، ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي » (8) .

هذه بعض الأسباب التي علّلت بها غيبة الإمام المنتظر ( عليه السلام ) ، وأكبر الظنّ أنّ الله تعالى قد أخفى ظهور وليّه المصلح العظيم لأسباب أُخرى أيضاً لا نعلمها إلاّ بعد ظهوره ( عليه السلام ) .

ــــــــــــــ

 

(1) علل الشرائع 1 / 246 ، كمال الدين وتمام النعمة : 481 .

(2) الغيبة للشيخ الطوسي : 329 .

(3) الإمامة والتبصرة : 125 ، الكافي 1 / 336 ، الأمالي للشيخ الصدوق : 191 .

(4) الملك : 2 .

(5) العنكبوت : 2 .

(6) كفاية الأثر : 168 و 250 ، ينابيع المودّة 3 / 310 .

(7) علل الشرائع 1 / 245 ، عيون أخبار الرضا 2 / 247 .

(8) كمال الدين وتمام النعمة : 485 ، الغيبة للشيخ الطوسي : 292 .

السبت, 30 تشرين2/نوفمبر 2013 10:10

الانتظار.. جهادا

الانتظار.. جهادا

كالعديد من المفاهيم، فقد غير الناس وبدلوا في مفهوم (الانتظار) الذي يتعلق بالامام الثاني عشر من ائمة اهل بيت النبوة والرسالة والوحي عليهم السلام، والمولود في الخامس عشر من شهر شعبان المعظم.

ولا اريد هنا ان ابحث في اصل قضية الظهور عند كل الامم والاقوام والاديان والمذاهب، خاصة عند المذهب الاثنا عشري، ولا في شروطه وعلاماته ووقته وغير ذلك، فلكل هذه الموضوعات ابحاثها الخاصة التي ملأ بها الباحثون بطون الكتب والمجلدات على مدى اكثر من ثلاثة عشر قرنا.

انما الذي اريد ان ابحثه هنا هو فلسفة الانتظار كمفهوم حضاري وتاثيره على شخصية الانسان ــ الفرد والانسان ــ المجتمع، ونحن نعيش القرن الواحد والعشرين وفي خضم كل هذا التطور المدني والاجتماعي والسياسي والتكنلوجي وفي العلاقات العامة.

فماذا نعني بالانتظار؟ وكيف ينبغي علينا التعامل معه كمفهوم تاريخي وحضاري في آن؟ وهل من طريقة لتوظيفه في عملية التغيير التي يشهدها العالم في كل شئ؟.

لعل من ابرز ما ورد من احاديث شريفة عن رسول الله (ص) بشأن (الانتظار) هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (جهاد امتي انتظار الفرج)

في الوهلة الاولى يتصور المرء ان هناك تناقضا بين مفهومي (الجهاد) و(الانتظار) فالجهاد لغة اصله، كما ورد في معاجم اللغة، المبالغة واستفراغ الوسع، اما الانتظار فهو اقرب الى التامل منه الى الحركة وبذل الوسع، فهل عنى الحديث الشريف ان يجمع بين المتناقضين؟ ام ان هناك معنى آخر اراد ان يصل اليه الحديث من خلال الجمع بين المفهومين؟.

بالتاكيد لم يشا الحديث الشريف المراد الاول، لانه ليس من البلاغة في شئ، كما انه بعيد عن الحقيقة المتوخاة من مفهوم الانتظار.

وبرأيي، فان الحديث الشريف سعى، بجمع مفهومي (الجهاد) و(الانتظار) في حديث واحد الى ان يصل الى لب مفهوم (الانتظار) والذي هو (استفراغ الجهد في زمن الغيبة والانتظار) بمعنى آخر فان الحديث يشير هنا الى (الانتظار الايجابي) وليس الى (الانتظار السلبي) الذي شاع كثيرا بين الناس، خاصة بعد كل فشل او هزيمة يمنى به المجتمع.

انه اراد ان يكون (الانتظار) جهادا، ولا يمكن تحقيق ذلك الا بالانتظار الايجابي، فاذا تمثلت الانتظار السلبي في حياتك وجلست في بيتك تتنظر اليوم الموعود من دون حركة او فعل ايجابي، فليس في كل ذلك اي جهاد او مشقة او تعب، اليس كذلك؟ فالانتظار بهذا المعنى هو جهد العاجزين الفاشلين، انما الجهاد يصدق عندما تنتظر ايجابيا، في قول او فعل او حركة تغييرية وتجديدية وتحديثية.

انه يصدق عندما تعاني وتتحدى وتبذل جهدك، واحيانا مالك ونفسك وروحك وما تملك، من اجل شئ ما.

ومن الواضح جدا فان هناك فرق شاسع بين النوعين، فبينما يعني (الانتظار الايجابي) الاستعداد والتهيؤ واعداد العدة والظروف اللازمة وادوات التمكين للموعود المنتظر، يعني (الانتظار السلبي) ان تضع يدا على يد، او يدا على خد، بانتظار اليوم الموعود، فلا تحرك ساكنا ولا تعد شيئا ولا تهيئ امرا، انما تجلس في دارك او على قارعة الطريق تنتظر الموعود ليغير ويبدل، وربما تنهى الاخرين اذا تحركوا او تعيق حركتهم او تحرض ضدهم او تشي عليهم عند السلطان الجائر، كما يفعل كثيرون ممن ينتظرون (سلبيا).

فهل في هذا النوع اي معنى من معاني الجهاد؟ بالتاكيد لا.

في الانتظار الاول يكون لك كل الدور، اما في الانتظار الثاني فليس لك اي دور، وفي الاول انت جزء لا ينفصل من مشروع التغيير اما في الثاني فانت على الهامش، وفي الاول انت فاعل وفي الثاني انت خامل، وفي الاول انت حركة وفي الثاني انت سكون.

ان الانتظار في جو الجهاد هو (الانتظار الايجابي) اما الانتظار في جو السكون والسكوت والخمول فهو (الانتظار السلبي) ومما لا شك فيه فان الحديث عنى الاول ولم يعن الثاني البتة، لانه ليس من المعقول ان يدعو رسول الله (ص) الناس الى يوم القيامة ان يجلسوا في بيوتهم بانتظار اليوم الموعود من دون ان يبذلوا اي جهد للمساهمة في الاعداد له، كيف يدعو الى مثل هذا المفهوم وهو (ص) القائل {كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته}؟ او قوله (ص) {من راى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الايمان}؟.

والان، وبعد ان عرفنا ما عناه الحديث الشريف من قوله الانف الذكر، عندما جمع بين مفهومي الجهاد والانتظار، فان ذلك يفتح لنا افقا لوعي المعنى بشكل افضل.

فالمرء عندما يكون في حالة الانتظار، فهذا يعني عدة امور:

الاول: انه غير مقتنع بالواقع ولذلك فهو ينتظر من يبادر الى التغيير نحو الافضل ليكون معه مساهما ومساندا.

انه يعيش حالة الرفض الدائم للواقع مهما كان شكله ونوعه، متطلعا نحو مستقبل افضل واحسن، وهذا هو عين الايمان بالتقدم والكفر بالتاخر او حتى التوقف عند لحظة زمنية معينة، ولقد اشار الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام الى هذا المعنى بقوله (من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن كان امسه خيرا من يومه فهو ملعون، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقيصة، ومن كان في نقيصة فالموت خير له).

لذلك يمكن القول ان من يؤمن بعصر الظهور هو من اكثر الناس تطلعا الى التغيير نحو الافضل، او على الاقل هكذا يجب ان يكون، والا لما انتظر شيئا او امرا ما، فالذي يقتنع بواقعه، مهما كان مرا او منحرفا، لا ينتظر احدا ليغير، اليس كذلك؟.

الثاني: انه يبذل اقصى جهده ليكون شخصيا بمستوى التصدي مع (المغير) نحو الافضل ليلتحق بمشروعه الحضاري، وهو يسعى بكل ما اوتي من طاقات ليتقمص شخصية من ينتظره ليكون في عداد اصحابه، فاذا كان التغيير في اليوم الموعود شاملا وجذريا كيف يمكن ان يكون المرء، اي امرئ، جزءا منه اذا لم يكن قد استعد لمثل هذه المهمة واخذ لها عدتها؟.

انه يستعد شخصيا على كل المستويات، ليكون الافضل والاحسن والاقدر والاكفأ، ان على الصعيد العلمي او التكنلوجي او الصحي او الجسدي او الاقتصادي او الاجتماعي او ما الى ذلك، فتراه يواكب التطور العالمي ولا يتأخر عنه، ويكتسب من المهارات ما يجعله في المقدمة، ويقرا ويطالع ويتعلم ويثقف نفسه بكل علم مشاع، كما انه يربي نفسه روحيا وايمانيا ليكون صالحا في مجتمعه، جاهزا ليكون جنديا في مشروع التغيير الحضاري المرتقب.

الثالث: انه يسعى دائما لان يعمل بروح الفريق، لان التغيير في اليوم الموعود لا يكون فرديا وانما جماعيا ليشمل العالم كله، فاليوم الموعود لا تحده الجغرافيا او الاثنية او اللغة او الخلفية او اي شئ آخر، وانما هو للناس كافة كما كانت رسالة الاسلام التي بعث بها رسول الله (ص) للناس كافة، فكيف يمكن لاحد ان يكون جزءا من الفريق الذي سيتصدى لعملية التغيير الشاملة اذا لم يكن مستعدا ومتعلما ومتدربا على العمل مع الاخرين كفريق واحد؟.

فالاناني لا يمكن ان يتصور نفسه مع مثل هذا الفريق ابدا، كما ان الذي يحب الخير لنفسه ولا يحبه لغيره، او انه مشبع بحب الظهور والاستعراض لا يمكن ان يكون جزءا من هذا الفريق الذي سيعتمد التعاون والتجانس والتناسق في الافكار والحركة، في المبدا والمنتهى.

انه يتسلح بكل شروط العمل كجماعة، ويتعلم فنون واخلاقيات هذا النوع من العمل، فيزرع الثقة اين ما حل وارتحل، ويشيع روح التعاون والايثار بين الناس، كما انه يشيع ثقافة العفو والتجاوز والصفح في المجتمع، ما امكنه الى ذلك سبيلا.

الرابع: انه يعيش الرقابة الذاتية على مدار الساعة، لانه يستشعر حضور الموعود في حياته، يراقب حركاته وسكناته، قوله وفعله، ما يدفعه لان يحسب لكل شئ حسابه، فلا يلفظ بقول قبل ان يزنه، ولا يقدم على فعل قبل ان يتثبت منه، ولا ينقل خبرا او يشيع معلومة قبل ان يتاكد من صحتها، انه يستحضر الرقيب الذاتي دائما، وشعاره قول الله عز وجل {ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد} ولذلك فهو مشروع (احسن) الذي كرره القران الكريم في العديد من الايات القرانية، كقوله عز وجل (ايكم احسن عملا).

ان الرقابة الذاتية تساهم بشكل فعال في تحسين اداء المرء، ما يجعله الاقرب الى النجاح، بغض النظر عن حال المجتمع الذي يتحجج به البعض لتبرير ذنوبهم ومشاكلهم الاخلاقية والسياسية وغير ذلك، فتراه يتحجج بانحراف المجتمع اذا انتقدته على خطا، قائلا (وهل بقيت علي انا والمجتمع كله على خطا؟) او قول بعض المسؤولين اذا عاتبته على فساد مالي او اداري (ان كل السياسيين يفعلون الامر ذاته، فلماذا علي ان اتطهر وغيري يفسد ويسرق؟) او كتمثل بعضهم بالقول المعروف (اذا لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب) اذا عاتبته على اخلاق الذئاب التي يتصف بها في علاقاته مع الاخرين بدءا باسرته وليس انتهاءا بالمجتمع.

ولقد اشار امير المؤمنين عليه السلام الى اهمية االرقابة الذاتية بقوله {من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف امن، ومن اعتبر ابصر، ومن ابصر فهم، ومن فهم علم} فهي اساس كل خير.

الانتظار.. جهادا

الخامس: انه يتمتع بقدرة فائقة على استيعاب الاخرين، يتعاون معهم اذا اتفقوا معه في الراي والهدف والوسائل ويتحاور معهم اذا اختلفوا معه في الرؤى والافكار، لا يعتدي على احد ولا يكفر احدا ولا يبيح دم احد اذا اختلف معه في راي او موقف او تشريع كما يفعل فقهاء التكفير الذين يحرضون على البغض والكراهية والحقد والاعتقاد بالحقيقة المطلقة من دون سائر الناس.

يسوق الباحثون فكرة ان واحدة من اسباب وفوائد ولادة الامام الثاني عشر ومن ثم غيبته عن الانظار وعدم بقائه في الارحام ليولد عندما يشاء الله، هو ان طول العمر سيمكن الامام من ان يعيش حياة الاجيال المتعاقبة ويشهد تجاربهم ولذلك فهو عندما يظهر في اليوم الموعود سيكون حاملا لتجارب كل الاجيال التي مرت على وجه البسيطة، ما يعني انه سيكون مستوعبا لتجارب الحياة كلها وكانه عاشها بتفاصيلها مع الاجيال المتعاقبة، فلم يظهر في محيط غريب عنه، كما يتصور البعض فيتساءل كيف له، عندما يظهر، ان يعيش الزمن الحالي وهو من الزمن والجيل (الحرس) القديم؟.

ان هذه الفكرة هي التي يجب ان تحكم علاقة من يؤمن بفكرة (الانتظار) مع الاخرين، اذ عليه ان يستوعب كل الاراء والافكار والتجارب ليكون بمستوى الحدث التاريخي عندما يقع، اما الذي يرفض الاخرين ولا يقبل الحوار وانما يلجا الى القتل وسفك الدماء لفرض آرائه ومعتقداته، كما هو حال (الوهابيون) مثلا، فان مثل هذا المنهج سيضيق عليه خناق المعرفة، لان اللاحوار يحبس صاحبه في صندوق مغلق ومظلم يحول بينه وبين ان يسمع الراي الاخر، وبالتالي المعرفة والوصول الى الحقيقة.

لقد تجاوز القران الكريم هذه المعضلة التي يعيشها كثيرون في كل العصور، ما يحول بينهم وبين الاطلاع على الحقيقة فضلا عن قبولها، بقوله (الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولوا الالباب).

السادس: هو ان (الانتظار) استعداد من جنس اليوم الموعود وهويته وماهيته، فانتظار الفلاح ليوم الحصاد يستعد اليه بالحرث والبذر والسقي، اما انتظار الطالب ليوم النجاح فيستعد له بالحضور اليومي والتحضير المستمر والقراءة والمطالعة والبحث وسهر الليالي على طلب العلم، فيما يستعد السياسي ليوم الانتخابات باعداد البرنامج الحكومي مثلا او اطلاق الوعود الى الناخب بما قد يقنعه بانه يحمل الحلول لمشاكله، ما يعني ان جنس الانتظار من جنس اليوم الموعود بالنسبة لكل انسان.

ولان (المنتظر) في اليوم الموعود سيكون من جنس التغيير الاجتماعي الشامل، بما فيه الابعاد السياسية والاقتصادية والاخلاقية وفي العلاقات العامة، وفي كل شئ، لذلك فان الاستعداد له يجب ان يكون من جنسه، يعمل (المنتظر) على تغيير شخصيته بما سينسجم مع (المنتظر) في اخلاقياته واهدافه وادوات التغيير التي سيستخدمها وغير ذلك.

ولذلك لا يمكن ان نتصور ان كذابا مثلا او لصا او سئ الخلق او فاشلا او حقودا او قاتلا او ظالما او كسولا، يمكن ان يدعي بانه (ينتظر) اليوم الموعود ليلتحق بركب (المنتظر) في عملية التغيير، فان مثل ادعائه هذا كمثل الفلاح الذي يدعي انه ينتظر يوم الحصاد من دون ان يحرث او يبذر او يسقي، فهل يمكن ان نصدق ما يدعي؟ بالتاكيد كلا.

السابع: هو ان (الانتظار) يتطلب ايمانا عميقا بالامل، والذي يدفع صاحبه الى التمسك بعملية التغيير مهما طال الزمن، ومهما كثرت التضحيات، ومهما استخدم الطاغوت من وسائل التدمير والتعذيب والقتل والتضليل للقضاء على اي بصيص امل للتغيير المرجو.

ان الياس لا يشجع على الانتظار كل هذه المدة الزمنية الطويلة، كما انه يدفع بصاحبه الى الاستسلام والقبول بالامر الواقع، ولذلك فان الياس ضد فلسفة (الانتظار) الذي يعني الاستعداد الدائم للتغيير في اجواء الجهاد.

يمكن القول، اذن، ان (الانتظار) يعتمد على مبدأين أساسيين، هما الرفض والتطلع، رفض الواقع المر بكل ما يحمل في طياته من تمييز وتخلف وقهر وظلم وسحق لحقوق الانسان واغتيال الفرص وسوء العلاقات الاجتماعية سواء في الاسرة الواحدة او بين ابناء المجتمع الواحد، وغياب العلم والمعرفة واعتماد الخرافة للحشد الديني والمذهبي والعنف والارهاب وغير ذلك من الامراض التي ابتليت بها مجتمعاتنا.

وبالتاكيد فان من يرفض هذا الواقع المر وبكل هذه التفاصيل واكثر، فانه سيكون في حالة حرب وجهاد، اذ ان المجتمع، خاصة السلطة الظالمة والجماعات المتطرفة والظلامية والمتخلفة التي تحن الى الماضي دائما او تلك التي تعتمد مبدا (السلفية) المتزمتة، سوف لن يتركوا المرء وشانه يسفه احلامهم ويعري مناهجهم المتخلفة، ولذلك نرى اليوم، مثلا، كيف ان النظام السياسي العربي الفاسد لجا الى مخازن اسلحته المملوءة بمختلف انواع السلاح الفتاكة ليواجه بها حركة الثورة الشاملة التي انطلقت بها الشعوب العربية من اجل التغيير الجذري الشامل، لتحقيق مبدا الحياة الحرة الكريمة.

أكثر من هذا فان بعضها، كما هو الحال بالنسبة الى نظام اسرة آل سعود الفاسدة، راحت تصرف المليارات من دولارات الفقراء والمعوزين لشراء احدث الاسلحة الفتاكة من عدد من دول الغرب، ليس من اجل الدفاع عن مصالح الشعب او عن عز الامة وكرامتها او لتحرير القدس وفلسطين التي طالما تاجر بها الحكام العرب، ابدا، وانما من اجل قمع شعب اعزل مسالم طيب كشعب البحرين الابي الذي تعرض الى واحدة من ابشع صور القمع الوحشي على يد الاسرتين الفاسدتين الحاكمتين في الجزيرة العربية والبحرين، واقصد بهما آل سعود وآل خليفة، وامام مرآى ومسمع العالم باسره.

أما المبدأ الثاني، مبدأ التطلع، فان (الانتظار) الذي يعني رفض الواقع لابد ان يتكامل مفهومه بمفهوم آخر هو (التطلع) فالرفض لوحده عبث ولا ينتج شيئا، اذ ماذا يمكن ان ينفع المجتمع اذا رفض الانسان الواقع المر من دون ان يقدم حلا للاصلاح والتغيير والتبديل، من اجل حياة افضل في ظل الحرية والكرامة وتكافؤ الفرص والغاء التسلط والقمع ومصادرة حرية التعبير؟.

ان (الانتظار) يعني ان يكون لك مشروعا تغييريا حقيقيا وليس من اجل الوصول الى السلطة فقط بعد ازاحة الطاغوت، لتعود الكرة مرة اخرى، ولكن هذه المرة على يدك وليس على يد طاغوت مدحور او ظالم مخلوع، كما هو الحال مع الكثير من السياسيين في العراق الجديد من الذين طالما ناضلوا وجاهدوا ضد الطاغية الذليل صدام حسين حتى اذا قيض الله تعالى للعراقيين من يساعدهم على ازاحته واسقاطه عن عرشه وانهاء فترة حكمه المظلمة، ليتبوأوا مقعده، اذا بهم يمارسون نهجه ويلجأون الى عهده ناسين او متناسين ان الدنيا دول وهي تشبه دولاب الهواء تارة يكون المرء في اسفله واخرى في اعلاه، في القمة، واذا صادف انه في القمة فهذا لا يعني انه سيظل ابد الابدين فيها، ابدا، اذ لابد من ان يدور الفلك ليعود هو في القاع وغيره في القمة، وهكذا هي حال الحياة، فلماذا يسعى بعضهم الى ان يكرروا اخطاء الطاغية والكثير من جرائمه؟.

أن الذي (ينتظر) اليوم الموعود لا يمكن ان يستبدل طاغوت بآخر، ولا يزيح ظالم ليحل محله ثم يمارس نهجه، ابدا، لانه بهذه الحال سوف لن يكون ممن (يجاهد) منتظرا اليوم الموعود، وانما يمارس العبث بهذه الطريقة التي لا تنتج حلا ولا تقدم بديلا صالحا وسليما ابدا.

هذا على صعيد الانسان ــ المجتمع، اما على صعيد الانسان ــ الفرد، فينبغي لمن يؤمن بفلسفة (الانتظار) ان يكون في جهاد دائب من اجل تغيير الذات اولا، وهو الذي يسميه حديث رسول الله (ص) بالجهاد الاكبر، لانه اصعب بكثير من الجهاد الاصغر، جهاد العدو، لما يعتري هذا الجهاد من معوقات كثيرة كما وصفها الشاعر في قوله:

 

نفسي وشيطاني ودنيا والهوى                 كيف الخلاص وكلهم اعدائي

انها بالفعل تحد عظيم يواجهه المرء وهو يمارس الجهاد الاكبر، من اجل تغيير الذات، ولطالما سمعنا وقرانا عن قصص الذي سقطوا في اول امتحان تحدي بعد عمر مديد قضوه بالطاعات والعبادات، فقد نقل لي ثقاة انهم كانوا يتمنون ان يصلوا جماعة خلف احدهم لشدة تقواه وقوة ايمانه ايام كان يقيم في العاصمة البريطانية لندن، حتى اذا دار الفلك واستوزر في الحكومة التي خلفت نظام الطاغية الذليل، اذا به يتحول الى لص منحرف يسرق قوت الفقراء ويتجاوز على المال العام، وهو عادة لا ينسى ان يتوضأ قبل ان يسرق، ليحلل (لقمة الحرام).

ان مثله يشبه حال قول الشاعر:

 

صلى وصام لامر كان يطلبه                     فلما انقضى الامر لا صلى ولا صاما

والتاريخ ملئ بمثل هذه النماذج التي اشبهها بابن آوى الذي قرر يوما ان يتوب الى الله تعالى فلا يعتدي على الدجاج ولا ياكلها ظلما وعدوانا، حتى اذا جاءته احداها سال لعابه فهجم عليها لياكلها وعندما سالته عن توبته واين حل بها الدهر، اجابها بالقول: ساتوب بعد ان اشبع معدتي، او لم يقل قائد جيش بني امية عمر بن سعد الذي خرج لقتال السبط الشهيد في كربلاء في عاشوراء عام 61 للهجرة عندما ذكره بعضهم بحقيقة سيد شباب اهل الجنة سبط رسول الله (ص) الامام الحسين بن علي بن ابي طالب ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله:

 

يقولون ان الله خالق جنة                      ونار وتعذيب وغل يدين

فان صدقوا مما يقولون انني                    اتوب الى الرحمن من سنتين

ان (الانتظار) بمفهوم الجهاد هو الذي يبعث كل هذه الروح الثورية التي يشهدها اليوم العالم العربي، بعد طول سبات وخضوع وخنوع للظالم والطاغوت.

انه هو الذي اسقط كل النظريات الزائفة مثل (عدم جواز الخروج على السلطان مهما انحرف او كان ظالما) ونظرية (عبادة الطاغوت الذي يمثل ظل الله في الارض) او طاعته لانه ولي الامر مهما فعل من منكرات ومظالم بحق الناس، او نظرية تاليه الحاكم، او ما اشبه من النظريات الزائفة التي شرعنتها فتاوى البلاط الاموي منذ قرون، ثم اصلتها، في العصر الحديث، فتاوى البلاط السعودي الفاسد، واشباهه.

اللهم عجل بظهور الامام (ع) واجعلنا من انصاره واعوانه، ومن المستعدين ليوم لقائه.

 

نزار حيدر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حالتان متناقضتان (المذهبية والطائفية) مظاهرهما وعلل الانحراف

والصلاة على محمد وآله الطاهرين وصحبه الميامين وبعد،

فإن الدارس لتاريخ العلاقة بين علماء المذاهب يلمح ظاهرتين متناقضتين إحداهما هي (التنوع المذهبي) وتستمد جذورها من روح الاسلام وعقلانيته ومنحه حرية الاجتهاد ووضعه قواعد الحوار وتاكيده على الأصول العامة للدخول في نطاق الأمة وكذلك تركيزه على روح الاخوة والوحدة،

والثانية هي (الطائفية) وهي تتنافى مع اصول الاسلام وقواعده.

امثلة من مظاهر التعامل المذهبي الإيجابي

ورغم احتدام الخلاف الفكري بين العلماء من اتباع المذاهب فاننا نلاحظ في كثير من الأحيان علاقات صفاء ومحبة وتمازج الى حد كبير بحيث يدرس بعضهم على بعض، ويدرّس البعض فقه المذاهب الأخرى، وينقل مناهجهم الى مذهبه ويطلب بعضهم الإجازة من البعض الآخر. وهناك مجموعة رائعة من كتب الفقه المقارن، ونقل رائع لآراء الآخرين.

ومما روي عن الشيخ الصدوق أنه كان يجوب البلدان ويجلس الى العلماء مهما كان مذهبهم ومنهم الحاكم ابو محمد بكر بن علي الحنفي الشاشي( [1])

وابو محمد محمد بن ابي عبدالله الشافعي الفرغاني( [2])

وكان التعامل يتم عبر مجالات عديدة كالتعليم والدراسة والحوار والاستفادة المتبادلة من المصادر والبحوث ونقد الآراء والتزاور والجلسات التي تتم في المناسبات.

ففي مجال التعلم نجد كتب الفريقين متبادلة في الجامعات العلمية والحوزات تستفيد منها دون ان تسأل عن مذهب الكاتب ويشمل هذا مختلف العلوم كالنحو والفقه واصول الفقه والحديث بطرقه المختلفة:

(السماح والقراءة او العرض، والإجازة والمناولة والمكاتبة والوصية والوجادة).

ولقد كان شيخ الشيعة ببغداد (الشيخ المفيد) يحاور العلماء من شتى المذاهب الاسلامية ويجالسهم( [3]) وكان يحرص على التعليم – حيث يقول الذهبي: وإن كان ليدور على المكاتب وحوانيت الحاكمة فيلمح الصبي الفطن فيذهب الى أبيه وأمه حتى يستأجره ثم يعلمه، وبذلك كثر تلامذته. ( [4])

ولقد جاء كتاب الخلاف لشيخ الطائفة الطوسي «المتوفى سنة 460هـ» أروع مثال على ذلك وقد نقل بكل أمانة آراء المذاهب الأخرى وبالتفصيل ومنها آراء المذهب الشافعي الى الحد الذي ظن السبكي معه انه من علماء المذهب الشافعي وذكره في طبقاتهم رغم اعترافه بأنه فقيه الشيعة ومصنفهم ولكنه يقول عنه (كان ينتمي الى مذهب الشافعي). ( [5])

وكان الشيخ يعتمد على ما روي في مصنفات أهل السنة اذا لم يجد ما يعتمد عليه في مصنفات الشيعة تبعاً لرواية عن الصادق(ع) تقول: (اذا نزلت بكم حادثة لاتجدون حكمها في ما روي عنا فانظروا الى ما رووه عن علي(ع) فاعملوا به). ( [6])

وهذه ظاهرة رائعة نلمحها في بعض العلماء فتعبر لنا عن امتزاج عجيب بين المذاهب، وقد عبروا عن ابن الفوطي (توفي 723) وهو صاحب (معجم الالقاب) وكان قيماً على أعظم مكتبة في عصره - عبروا عنه بأنه كان شيعياً حنبلياً. كما ذكر الشيخ وهبة الزحيلي( [7]) بان الطوفي المعروف بدفاعه الشديد عن أصل (المصالح المرسلة) هو من غلاة الشيعة متبعاً في ذلك ابن رجب الذي عده من علمائهم، في حين أن الطوفي كان من علماء الحنابلة في القرن الثامن. ( [8]) ودفاعه عن هذا (الاصل) الذي يرفضه الشيعة، وعدم ذكره في فهارس علماء الشيعة يؤيدان كونه حنبلياً.

وهذا محمد ابن أبي بكر السكاكيني العالم الشيعي المعروف كان كل مشايخه من أهل السنة. وقد خرّج له ابن الفخر علاء الدين ابن تيمية (المتوفي سنة 701) ما رواه عن شيوخه وناظره وشهد له بالتفوق وقال عنه : (هو من يتشيع به السني ويتسنن به الرافضي) وقد نسخ صحيح البخاري بيده، وهو صاحب القصيدة المعروفة ومطلعها:

أيا معشر الاسلام ذمي دينكم تحير دلّوه بأوضح حجة

وهو صاحب (الطرائف في معرفة الطوائف) الذي مزقه السبكي وأحرقه.

ولو رجعنا الى كتب طبقات الحنابلة لرأينا التقارب العجيب فهذا المحبي كبير السنة في دمشق يمدح البهاء العاملي عالم الشيعة المعروف فيقول عنه (كما في خلاصة الأثر): وهو أحق من كل حقيق بذكر أخباره ونشر مزاياه، واتحاف العالم بفضائله وبدائعه، وكان امة مستقلة في الأخذ بأطراف العلوم والتضلع بدقائق الفنون، وما أظن الزمان سمح بمثله ولا جاد بنده وبالجملة فلم تشنف الاسماع بأعجب من أخباره.

وقد ذكر الخطيب البغدادي أن سيرة سلف السنة هو الأخذ بروايات الثقات من الشيعة.( [9])

ومن العروف ان الشيخ الطوسي كان له مشايخ من أهل السنة ومنهم: ابو الحسن بن سوار المغربي، ومحمد بن سنان والقاضي ابو القاسم التنوخي( [10]) وعده صاحب (الرياض) من الشيعة.

وعندما ندرس اوضاع حوزة الحلة التي ازدهرت بعد القضاء على حوزة بغداد من قبل السلاجقة نجد مجالاً رحباً للتسامح.

فهذا الشيخ ابن ادريس يدرس على مجموعة من علماء اهل السنة( [11])، وهذا المحقق الحلي يؤلف كتاب (المعتبر) ويذكر فيه آراء المذاهب بل ويستخدم نفس اسلوبهم في الاستدلال، ثم نجد تلميذه العلامة الحلي المؤلف الكبير يستجيز الكثير من علمائهم ويعتبر عصره من أروع عصور التعامل الايجابي، وهو يقول في مقدمة كتابه (منتهى المطلب) أنه يذكر مذاهب المخالفين مع حججهم على وجه التحقيق. ( [12]) وله اساتذة من علماء اهل السنة ذكروا في مقدمة كتابه (ارشاد الأذهان).

هذا ويعتبر الشهيد الأول من خريجي هذه المدرسة.

ويعتبر الشهيد الاول وهو محمد بن جمال الدين مكي العاملي الجزيني، من علماء القرن الثامن، والشهيد الثاني وهو زين الدين بن علي العاملي الجبعي من علماء القرن العاشر، يعتبران مثلين رائعين من أمثلة الانفتاح والتمازج الفكري بين العلماء رغم أنهما كانا نموذجين بارزين من أمثلة ما يؤدي اليه التطرف المذهبي من نتائج فجيعة.

فهذا الشهيد الاول يعيش مع علماء عصره، وكان مجلسه لا«يخلو غالباً من علماء الجمهور لخلطته بهم وصحبته لهم»( [13])، وقد قال في بعض اجازاته (أنه يروي عن نحو أربعين شيخاً منهم)( [14]) وهي إجازته لابن الخازن حيث جاء فيها (فاني أروي عن نحو اربعين شيخاً من علمائهم بمكة والمدينة ودار السلام بغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم عليه السلام فرويت صحيح البخاري عن جماعة كثيرة بسندهم الى البخاري، وكذا صحيح مسلم ومسند ابي داوود وجامع الترمذي... الى غير ذلك مما لو ذكرته لطال الخطب، وقرأت الشاطبية على جماعة منهم قاضي قضاة مصر.. بن جماعة».( [15]) والجميل أن نجد شمس الأئمة الكرماني الشافعي – وهو احد شيوخه يصفه بـ (المولى الأعظم الأعلم إمام الأئمة صاحب الفضلين مجمع المناقب..) ( [16])

وكان (ره) كما يقول المرحوم صاحب الرياض: «يشتغل بتدريس كتب المخالفين ويقرئهم».( [17])

وكان يرى أنه لو كانت هناك صلاتان للجماعة احداهما للشيعة والأخرى للسنة فان حضور الثانية افضل لأنه روي عنهم(ع)( [18]) من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فيه»، قال: ويتأكد مع المجاورة. ( [19])

وهذا الشهيد الثاني كان يذكر الصحابة بكل احترام فهو يقول: «ورجعت الى وطني الاول بعد قضاء الواجب من الحج والعمرة والتمتع بزيارة النبي وآله واصحابه صلوات الله عليهم...» ( [20]).

وقد اجتمع الى جملة من علماء السنة؛ ففي سفره الى مصر اجتمع مع «الشيخ الفاضل شمس الدين بن طولون الدمشقي وقرأ عليه جملة من الصحيحين في الصالحية بالمدرسة السليمية واجيز منه بروايتهما... ثم سافر الى بيت المقدس في ذي الحجة (948هـ) واجتمع بالشيخ شمس الدين بن ابي اللطيف المقدسي وقرأ عليه بعض صحيح البخاري وبعض صحيح مسلم وأجازه إجازة عامة ثم رجع الى وطنه واشتغل بمطالعة العلوم ومذاكرته مستفرغا وسعه وفي سنة 952هـ سافر الى الروم ودخل القسطنطينية في 17 ربيع الاول ولم يجتمع مع احد من الأعيان الى ثمانية عشر يوماً وكتب في خلالها رسالة في عشرة مباحث من عشرة علوم وأوصلها الى قاضي العسكر محمد بن محمد بن قاضي زاده الرومي فوقعت منه موقعاً حسنا وكان رجلاً فاضلاً واتفق بينهما مباحثات في مسائل كثيرة... واجتمع فيها بالسيد عبدالرحيم العباسي صاحب معاهد التنصيص وأخذ منه شطراً ... وأقام ببعلبك يدرس في المذاهب الخمسة واشتهر أمره وصار مرجع الأنام ومفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها...» ( [21]) ورحل الى مصر وقرأ بها على ستة عشر رجلاً من أكابر علمائهم وقد ذكرهم مفصلاً، ويبدو أنه استجازهم وروى كتبهم ويقول صاحب رياض العلماء «ويظهر منه ومن إجازة الشيخ حسن وإجازات والده أنه قرأ على جماعة كثيرين جداً من علماء العامة، وقرأ عندهم كثيراً من كتبهم في الفقه والحديث والاصول وغير ذلك، وروى جميع كتبهم وكذلك فعل الشهيد الأول والعلامة».( [22])

وذكر هو بعض هؤلاء:

من قبيل الشيخ زين الدين الجرمي المالكي

والشيخ ناصر الدين اللقاني

والشيخ ناصر الدين الطبلاوي الشافعي

والشيخ شمس الدين محمد بن ابي النحاس

وقال ابن العودي تلميذه: كثيراً ما كان ينعت هذا الشيخ يعني ابن ابي النحاس بالصلاح وحسن الأخلاق والتواضع. ( [23])

والحديث مفصل في هذا المجال.

وكأن هذا المسلك لم يرق لبعض العلماء وخصوصا للاخباريين منهم فابدوا عدم رضاهم به( [24]) وقد اتهمه البعض بالميل الى التسنن. ( [25])

وربما جاء الاتهام لأنه (رحمه الله) قام بعمل فريد اذ اعتمد منهج اهل السنة في علم الدراية وطبقه في المجال الشيعي؛ يقول صاحب الرياض: «ثم اعلم أن الشيخ زين الدين هذا هو أول من نقل علم الدراية من كتب العامة وطريقتهم الى كتب الخاصة، وألف فيه الرسالة المشهورة ثم شرحها كما صرح به جماعة ممن تأخر عنه، ويلوح من كتب الأصحاب ايضاً، ثم الف بعده تلميذه الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي وبعده ولده الشيخ البهائي وهكذا... ( [26])

وهنا يقول العلامة الامين: «والعلامة والشهيدان أجل قدراً من أن يقلدوا أحدا في مثل هذه المسائل او تقودهم قراءة كتب غيرهم الى اتباع ما فيها بدون برهان وهم رؤساء المذهب ومؤسسوا قواعده وبهم اقتدى فيه أهله ومنهم أخذوه، وإنما أخذوا اصطلاحات العامة ووضعوها لأحاديثهم غيرة على المذهب لما لم يروا مانعاً من ذلك، وكذلك فعلوا في أصول الفقه وفي الإجماع وغيره كما بين في محله وكذلك في فن الدراية وغيره «وكيف يكون عدم رضا الشيخ حسن بما فعلوا لهذه العلة وهو قد تبعهم وزاد عليهم».( [27])

وهكذا نجد التعامل الايجابي البناء بين القادة:

- احترام يصل إلى حد التكريم الرفيع.

- وعبارات المودة والمحبة سائدة رغم النقد العلمي احياناً،

- وانبهار واحترام يفوق الوصف،

- وعلماء الفريقين يشرح بعضهم كتاب الآخر

- وإرجاع من امام إلى امام،

- وتدريس البعض وافتاؤه الناس بالمذهب الآخر،

- واعتراف بالفضل والعلم بأروع التعابير،

- وإلحاح على التعلم رغم الوضع السياسي الحرج،

- واستجازة البعض من البعض الآخر ورواية كتبه،

- واخيراً عدم إلاصرار على الراي، ورد للمنقول عنهم اذا لم يوافق الكتاب والسنة.

- وامتزاج الى حد عدم تبين المذهب لدى البعض،

- وحرية في الاجتهاد وقبول بالتعددية وانفتاح على الآخر،

- ونقل المنهج العلمي لدى الآخر الى علوم المذهب،

فهل يا ترى تقتضي العقلانية غير ذلك؟ وهل احتفظ اتباع الأئمة بمثل هذه الروح بعد ذلك؟!

وصايا إلى الاتباع

وازاء هذا التعامل الجميل بين الأئمة نلاحظ الوصايا التي تترى منهم لاتباعهم، كي يتعاملوا بنفس الروح التسامحية، ويتجاوزوا الخلافات الفرعية في العقيدة والتقييم التاريخي والفقه إلى الموقف المبدئي والتحاب ووحدة الموقف، والتعالي إلى المستويات المصلحية العليا. فلنلاحظ بعض النصوص كما يلي:

1- ذكر التاريخ ان عبدالله بن احمد بن حنبل روى ان قوماً من الكرخيين ذكروا خلافة الخلفاء الراشدين (وربما تنازعوا فيما بينهم) فقال: الامام احمد ناهياً اياهم عن هذه النـزاعات الجانبية العقيمة:

«يا هؤلاء أكثرتم القول في علي والخلافة، والخلافة وعلي؛ إن الخلافة لم تزين علياً، بل علي زينها»( [28]).

2- وقد طرد الشيخ الحسين بن روح - أحد النواب الاربعة للامام الثاني عشر المهدي(ع) - خادماً له لأنه سمعه يهين معاوية( [29]).

3- واوصى الامام الصادق اصحابه فقال لهم: صلوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وادوا حقوقهم، فان الرجل منكم اذا ورع في دينه، وصدق الحديث وادى الامانة، وحسن خلقه مع الناس وقيل هذا جعفري، يسرني ذلك ويدخل علي منه السرور، وقيل هذا أدب جعفر»( [30]).

4- روى ابن ابي يعفور قال: سمعت الصادق يقول: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»( [31]).

5- تذكر لنا الروايات أنه جرى ذكر قوم عند الامام الصادق فقال بعض شيعته: انا لنبرأ منهم، انهم لا يقولون ما نقول، فقال الامام: «يتولونا ولا يقولون ما تقولون، تبرأون منهم»؟ فاجاب الراوي: نعم، قال: «هو ذا عندنا ماليس عندكم، فينبغي لنا ان نبرأ منكم»( [32]).

6- وعن الصادق: «من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الايمان من عنقه»( [33]).

7- وعن الباقر(ع) في قوله تعالى: (أو يلبسكم شيعاً)، قال: «وهو اختلاف في الدين وطعن بعضكم على بعض»( [34]).

8- وقال الصادق: «عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن الجوار للناس، واقامة الشهادة، وحضور الجنائز، انه لابد لكم من الناس، ان احداً لا يستغني عن الناس في حياته، والناس لابد لبعضهم من بعض»( [35]).

9- معاوية بن وهب قال: قلت له (اي الصادق) كيف ينبغي ان نصنع فيما بيننا وبين قومنا، وبين خلطائنا من الناس، ومن ليسوا على أمرنا؟ فقال: «تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون، فوالله إنهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدون الامانة اليهم»( [36]).

10- وقال الصادق(ع): «رحم الله عبداً اجترّ مودة الناس إلى نفسه فحدثهم بما يعرفون، وترك ما ينكرون»( [37]).

11- وقال زين العابدين(ع): «العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن العصبية ان يعين قومه على الظلم»( [38]).

وهكذا نجد الأئمة يؤكدون على العلاقات الحسنة، والتعامل الايجابي، وعدم الغرق في نزاعات غير عملية، وعدم الاساءة والاهانة، والدخول في قلب العمل الاجتماعي، وعدم الاعتزال نتيجة الايمان برأي يخالف الأكثرية من الناس، والسعي للتأدب بأدب الأئمة، وعدم الغرور العلمي، وعدم جعل الاختلاف في الراي سبيلاً للتدابر، والدخول في جماعة المسلمين، واجتناب العصبية واجترار حب الناس وامثال ذلك.

من مظاهر الحالة الطائفية اللاعقلانية

نعم لم تستمر تلك الحالة النيرة كثيراً، فسرعان ما ساد التعصب والانغلاق، وتقليد المجتهدين لغيرهم «حتى آل بهم التعصب إلى ان أحدهم إذا ورد عليه شيء من الكتاب والسنة على خلاف مذهبه يجتهد في دفعه بكل وسيلة من التأويلات البعيدة، نصرة لمذهبه ولقوله»( [39]).

ونقل الفخر الرازي عن اكبر شيوخه انه قال: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في بعض مسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات فلم يقبلوها، ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون الي كالمتعجب – يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع ان الرواية عن سلفنا وردت على خلافها- ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من اهل الدنيا»( [40]).

وقد ذكر الشيخ أسد حيدر اقوالاً اخرى من هذا القبيل( [41]).وربما كان اغلاق الاجتهاد وحصر المذاهب نتيجة وعاملاً على المزيد من ذلك.

ولم يقتصر الامر على هذا الحد، وانما انتقل إلى مرحلة نقل الصراع من مرحلة (الخطأ والصواب) إلى مستوى (الكفر والايمان)، الأمر الذي نقل الخلاف إلى الجماهير العريضة، وتسبب في كوارث يشيب لها الوليد.

واشتد الهجوم على العلوم العقلية والمتعاطين بها سواء بين الشيعة( [42]). او السنة( [43]).

وراحت التهم تطال المذاهب والآراء فتصفها بالهالكة، وانها مجوس الامة وامثال ذلك، وزاد الخلاف على الفرعيات والانشغال بها وهكذا( [44]).

وزاد تدخل الحكام (وكانت البلاد قد تحولت إلى اقطاعيات كبيرة) الطين بلة (ومع كل جائحة من عداوة وغضب، اسرفت تهم النبذ والتحريم والتكفير والرمي بالباطل ضد الآخر مقدمة للقتل واحراق الممتلكات واتلاف كتب أصحاب المذاهب ومؤلفات فقهائها ونشر الرعب والكراهية.

وفي تاريخ الجائحات تكررت همجية البطش مع كل سلطة جديدة مرة ضد الشيعة، ومرة ضد السنة... ( [45]).

وراح الفرد يحاسب على مذهبه؛ فعندما بنى السلاجقة المدرسة النظامية في قبال بناء الازهر من قبل الفاطميين اشترطوا ان يكون المدرسون والتلامذة شافعيين ولذا منعوا الفصيحي الاسترآبادي وهو تلميذ عبدالقاهر الجرجاني من التدريس رغم علمه الجم بالعربية( [46]) وأصدر شهاب الاسلام عبدالرزاق رئيس المدرسة النظامية بنيسابور أمراً بقتل الفتال النيسابوري صاحب (روضة الواعظين).

وعند استعراض عوامل جرأة التتار على مهاجمة المسلمين نجد أن النزاع بين الدولة الخوارزمية والدولة العباسية يشكل عاملاً مهماً بالاضافة لدور الصراع المذهبي الرهيب؛ يقول المؤرخ ابن ابي الحديد: «فانهم (اي التتار نزلوا عليها (اي على اصفهان) مراراً في سنة سبع وعشرين وستماءة وحاربهم اهلها وقتل من الفريقين مقتلة ولم يبلغوا منها غرضاً.

حتى اختلف اهل إصفهان في سنة ثلاث وثلاثين وستماءة وهم طائفتان حنفية وشافعية وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة.

فخرج قوم من اصحاب الشافعي الى من يجاورهم ويتاخمهم من ممالك التتار فقالوا لهم: اقصدوا هذا البلد حتى نسلّمه اليكم.. فنزلوا على اصفهان في سنة ثلاث وثلاثين (وستماءة) المذكورة وحصروها.

فاختلف سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم وفتحت المدينة؛ فتحها الشافعية على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية، فلما دخلوا البلد بدأوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً، ولم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ثم قتلوا الحنفية، ثم قتلوا سائر الناس وسبوا النساء وشقوا بطون الحبالى ونهبوا الأموال وصادروا الأغنياء ثم أضرموا النار فاحرقوا اصبهان حتى صارت تلولاً من الرماد( [47]) وهكذا دامت هذه النزاعات حتى ادت الى سقوط بغداد بعد زمن قصير.

وهذه النزاعات تقودنا الى تذكر نزاعات طائفية أخرى ادت الى تدخل الصليبين الذين صنعوا العجائب والفواجع في العالم الاسلامي.

يقول احد المؤرخين الغربيين لهذه الحروب: «على ان الضعف لم يلحق سوريا فحسب بسبب ما حدث من انفصالها عن جسم الامبراطورية السلجوقية، بل أيضاً بسبب ما انتابها من انقسامات في الداخل، وما تعرضت له من هجمات الخليفة الفاطمي بمصر من الخارج. ففي سنة 1095، تولى الاخوان، رضوان ودقاق، حكم حلب ودمشق على الترتيب، غير ان الحرب لم تلبث ان شبت بينهما، واشترك ياغي سيان امير انطاكية فيما وقع بينهما من المنازعات، ولم يتوقف رضوان وياغي سيان عن مهاجمة دقاق، الا حين بلغتهما الانباء باقتراب الصليبيين، فاسرع ياغي سيان إلى انطاكية، في خريف سنة 1097.

وفي تلك الاثناء لم يتوان الفاطميون في الافادة من هذه المنازعات. إذ ان انشقاقاً دينياً كبيراً، كان يفصل الخليفة الفاطمي في القاهرة، وزعيم المذهب الشيعي، عن الخليفة العباسي ببغداد، وزعيم المذهب السني. وهذا الاختلاف يجوز مقارنته، بما كان بين الكنيستين اليونانية واللاتينية من نزاع. بل انه يفوقه بما غلب عليه من طابع الاختلاف السياسي. وكيفما كان الأمر، فان هذا الاختلاف ادى إلى عرقلة حركة المسلمين مثلما ادى ما بين الكسيوس واللاتين من الحسد والحقد، إلى عرقلة حركة الحرب الصليبية. وادرك الامراء الصليبيون تمام الادراك، الفجوة التي تفصل بين خليفة القاهرة عن الامراء السنيين في سوريا، وسعوا عن طريق مبعوثيهم إلى ان يتصلوا بخليفة القاهرة، املا في ان يظفروا، بفضل مساعدته، ببيت المقدس، التي حكمها وقتذاك نيابة عن الترك سقمان ابن الامير ارتق( [48]). غير ان الخليفة (الفاطمي) رأى ان ينفرد بالعمل لنفسه، واستغل ما وقع بين امراء سوريا من حروب، وما اثاره زحف الصليبيين من الخوف والرعب، فاستولى على بيت المقدس (اغسطس سنة 1098) على الرغم من ان زعماء الحملة الصليبية لم يحرزوا شيئا من النجاح في استغلال ما وقع من منازعات بين المسلمين على النحو الذي يبتغونه، فالواقع ان ما اصابوه من النجاح، انما يرجع إلى حد كبير إلى هذه المنازعات»( [49]).

وكذلك لنا أن نقرأ قول ابن خلدون عن عهد المستعصم بالله «وكانت الفتنة ببغداد لاتزال متصلة بين الشيعة واهل السنة، وبين الحنابلة وسائر أهل المذاهب، وبين العيارين والدعار والمفسدين»( [50])

كما لنا ان نتذكر ان الصراع بين الصفويين والعثمانيين - وكل منهما يتمترس خلف خلفية مذهبية – دام اربعة قرون واورث الأمة خراباً ودماراً، واضعفها امام عدوها الغربي.

هناك نص للشيخ الطوفي من أئمة الحنابلة ذكره للاستدلال على مبدأ (المصالح المرسلة) مقدماً اياه على النصوص والاجماع، لأنه راى ان النصوص متعارضة، والاجتهادات متضاربة، والاحاديث الموضوعة كثيرة. وفي هذا السياق يذكر بعض انماط الصراع في تلك العصور فيقول:

«ان المالكية استقلت في المغرب، والحنفية بالمشرق، فلا يقار احد المذهبين احداً من غيره في بلاده الاعلى وجه ما. وحتى بلغنا أن اهل جيلان من الحنابلة اذا دخل اليهم حنفي قتلوه، وجعلوا ماله فيئاً، حكمهم في الكفار، وحتى بلغنا أن بعض بلاد ماوراء النهر من بلاد الحنفية كان فيه مسجد واحد للشافعية، وكان والي البلد يخرج كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟ فلم يزل كذلك، حتى اصبح يوماً وقد سد باب ذلك المسجد بالطين واللبن فاعجب الوالي ذلك»( [51]).

والتاريخ يحدثنا عن صور اخرى معبرة عن الحالة المزرية من التعامل الطائفي؛

من قبيل:

- هجوم الغوغاء على بيت الشيخ الطوسي واحراق مكتبته عام 449. ( [52])

- والهجوم على مساجد الشيعة عام 483 واتلاف الكتب فيها. ( [53])

- وحادثة منع دفن ابن جرير الطبري واتهامه بالالحاد مشهورة

- والاتهامات وانماط التكفير تزخر بها كتب التاريخ

والروايات الموضوعة التي تسفه المذاهب كثيرة.

عوامل الانحراف:

وبنظرة عامة نستطيع القول ان اهم العوامل التي نقلت الحالة المذهبية الى الحالة الطائفية هي:

أولاً: تآمر أعداء الأمة لخلق الظروف الملائمة لتمزيقها بشتى الأساليب من الدس والوضع والتحريك وخلق الفتن وهو تآمر مستمر على مر العصور ومنذ صدر الاسلام وحتى اليوم إذ نلاحظ الاستعمار الغربي يعمل خلال فترات الاحتلال وخصوصاً في الفترة التي احتل فيها العالم الاسلامي كله تقريباً، وقضى على آخر دولة اسلامية شمولية في الربع الاول من القرن الميلادي العشرين، لاحظنا انه اعتمد سياسة ثلاثية تستهدف:

1 ـ ابقاء الامة على تخلفها العلمي والاقتصادي والثقافي والتعليمي وغير ذلك.

2 ـ اشاعة الحالة العلمانية الغربية على الروح الاسلامية في العالم الاسلامي الى جانب تحريك النزعات القومية والعنصرية ولكن سرعان ما فشل مشروعه مما دعى بعض الكتاب المعاصرين لتسميته بـ«النصر سريع الزوال للعلمانية (1920 ـ 1970) »

3 ـ تمزيق العالم الاسلامي الى دول وشعوب متفرقة، وتحريك العنعنات المذهبية الجغرافية والقومية والعنصرية حتى التاريخية كل ذلك خوفا من هاجس الوحدة الاسلامية الذي يجري الحديث عنه والتخوف منه باستمرار من قبل القادة والمفكرين والكتاب الغربيين ويتم التنظير لصراع دائم مع العالم الاسلامي على اساسه تقول الكاتبة هانتر في مقدمة كتابها:

«قامت الرواية التي ألفها جون بوشان، وكان لايزال رائداً في إستخبارات الجيش البريطاني عام 1916، على فرضية قيام ثورة إسلامية، من شأنها، إذا ما اندلعت، أن تقلب مجرى الحرب العالمية الأولى في غير مصلحة القوات الحليفة.

كتب بوشان في روايته، العباءة الخضراء The Green Mantle: «الاسلام عقيدة قتالية، إذ لا يزال ذلك الشيخ يقف في المحراب حاملاً القرآن باليد والسيف المشهور في اليد الأخرى. فإذا افترضنا أن هناك أملاً بالخلاص يعيد الروح حتى إلى الفلاحين في المناطق النائية ويدغدغ أحلامهم بالجنة فماذا سيحدث يا صديقي؟ ستفتح جهنم أبوابها في هذه الأرجاء عما قريب. لدي تقارير من العلماء في كل مكان؛ صغار التجار في جنوب روسيا، وتجار الأحصنة في افغانستان والتجار التركمان، والحجاج في الطريق إلى مكة، والأشراف في شمال أفريقيا، ولابسي جلود الغنم من المغول، والفقراء الهندوس والتجار اليونانيين في الخليج، فضلا عن القناصل المحترمين الذين يستخدمون الشيفرة. هؤلاء جميعاً يجمعون في رواياتهم التي يرسلونها إلي على الأمر نفسه، أن الشرق في إنتظار إشارة إلهية».

بعد ذلك بنحو ثلاثة أرباع القرن، عبر المعلق السياسي الأميركي، تشارلز كراوثمر، عن مخاوف مماثلة عندما قال إن الولايات المتحدة تواجه خطرين جيوسياسيين محتملين، يتأتى احدهما من المنطقة نفسها التي ذكرها جون بوشان في روايته، فهو يتخذ «شكل عالم إسلامي متحد تحت راية أصولية على النمط الايراني تخوض صراعاً وجودياً ضد الغرب الكافر».( [54])

وهي من اهم النقاط التي ركز عليها المرحوم السيد جمال الدين في خطته العامة لتحقيق نهضة اسلامية كبرى.

وها نحن نشهد دور اليد الاجنبية الممتدة لتحرك النزاعات الطائفية في باكستان والعراق وافغانستان ولبنان وسائر البلاد التي يتعايش فيها اتباع المذاهب. وربما استخدمت وسائل الاعلام والاقلام والالسنة الماجورة لتحقيق الهدف.

ثانياً: المصالح الشخصية لبعض الزعماء والحكام.

وهو امر شهدناه في عصور الظلام الماضية، ونشهده اليوم ايضاً حيث يستغل البعض نفوذه ليثير البسطاء بل ربما بعض المنتسبين لاهل العلم لتحريك الإحن والنزاعات الطائفية.

يقول احد الكتاب المؤرخين واصفاً بعض حروب الطوائف بتحريك من السلطات الحاكمة:

«وكانت لا تمر سنة دون عنف بين ما وصف بفرق السنة وفرق الشيعة في سائر ارجاء المنطقة العربية الاسلامية فقد تولى الترك بانفسهم عام 249هـ عمليات القمع الطائفي ضد الشيعة... وكان اكثر الضحايا من منطقة (الشاكرية) ببغداد وبنتيجتها هوجم السجن المركزي واحرق احد الجسرين الواصلين بين جانبي الكرخ والرصافة».

ويستمر في الحديث عن دور حكومات الطوائف في تحريك الفتن في مصر، وعن الاقتتال الطائفي بعد قيام حركة الزنج في سواد جنوب العراق، وامتداد النزاع الى المدينة المنورة والى طبرستان، وتواصلت الى شمال افريقيا وهكذا. ( [55])

وهناك كتب كثيرة تتحدث عن هذه الظاهرة كمقدمة ابن خلدون وغيرها.

ويكفي ان نذكر بدور النزاع العثماني الصفوي في خلق الفتن الطائفية الداخلية واضعاف الامة الاسلامية مما جر بالتالي الى ان تفقد شوكتها وعزتها امام التحديات.

فلقد سيطرت الدولة العثمانية (1280 ـ 1924م) على الشام وأجزاء من العراق اضافة الى مناطق في شمال أفريقيا، وسيطرت الدولة الصفوية (1506 ـ 1734م) على ايران. وراحتا تتنافسان وتؤكدان هويتهما المذهبية.

مما أفرز نزاعاً طائفياً مقيتاً سببه نزاع المصالح ونهم الغزاة والقبائل والمستبدين لاالمذاهب، وشهدنا استعار موجة التكفير والقتل وإهانة المقدسات في كلا الطرفين.

ونحن إذ نشير الى هذا النزاع لاننكر الخدمات التي قدمتاها للحضارة الاسلامية ولكننا ننعى عليهما استخدام النزعات المذهبية لأغراض سياسية.

واذا كنا ننكر أي اكراه أو عنف للاجبار على تغيير المذهب فاننا ننكره على الطرفين معا وبمستوى واحد.

ثالثاً: التكفير

وتعد هذه الظاهرة من اهم العقبات بوجه التقريب. ورغم ان الاسلام وضح تماماً الحدود الفاصلة بين الكفر والايمان، وحددها بدقة فان هذه الحالة الغريبة حدثت بقوة.

فعن عبادة بن الصامت قال رسول الله (ص):

من شهد ان لا إله الا الله وحده لاشريك له وان محمداً عبده ورسوله وان عيسى عبدالله ورسوله وكلمته القاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل.

وفي رواية ادخله الله من ابواب الجنة الثمانية أيها شاء وروى الشيخان والترمذي: من شهد ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله حرم الله عليه النار. ( [56])

وروى سماعة عن الامام الصادق (ع) قوله:

الاسلام شهادة ان لا إله الا الله والتصديق برسول الله، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس. ( [57])

وربى القرآن الكريم الرسول الكريم(ص) اتباعه على التعامل العقلاني والحوار المنطقي والقبول بالتعددية الاجتهادية اذا كانت على اسس شرعية منضبطة.

الا ان هذه الظاهرة حدثت في ظل ظروف عصبية في مطلع الأمر كما في قضية الخوارج.

واني اعتقد أن أهم ما قاد لهذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته بمؤاخذة الاخر بلوازم كلامه رغم ان هذا الآخر لا يؤمن بهذه الملازمة مطلقا.

فقديماً كفر الخوارج علياً عليه السلام معتقدين ان لازم موقفه من التحكيم كفره والعياذ بالله.

فقد ذكروا انه شك في نفسه حين قال للحكمين:

«انظرا فان كان معاوية احق بها فأثبتاه،وان كنت اولى بها فاثبتاني» فاذا هو شك في نفسه ولم يدر أهو أحق ام معاوية فنحن فيه أشد شكا».

ورد الامام عليهم بقوله: «فان ذلك لم يكن شكاً مني، ولكن انصفت في القول، قال الله تعالى: «وانا أواياكم لعلى هدى او في ضلال مبين».

ولم يكن ذلك شكاً وقد علم الله أن نبيه على الحق»( [58])

وبعد عصر الأئمة دبت هذه الحالة بوتيرة اوسع وذلك كما لاحظناه في الاختلاف حول (زيادة الصفات على الذات الالهية) و(التحسين والتقبيح العقليين) حيث رأى الطرفان المتنازعان ان الطرف الآخر يقوده رايه الى الكفر وهكذا نجد هذه الظاهرة في قضايا كثيرة من قبيل (التوسل) و(الشفاعة) و(البداء) وحتى في مثل (الاستحسان) و(القياس) و(المصالح المرسلة) وغيرها. في حين لواحتكم الجميع الى الحوار المنطقي لاكتشفوا على الاقل لدى الطرف الآخر ما يبرر له الايمان بهذه القضية او تلك وربما اكتشفوا ان النزاع لفظي لاحقيقة له.

وزاد الجهل والتعصب الطين بلة حيث يدخل في عملية الفتوى من ليس أهلا لها فيفتي بغير ما انزل الله. وهذا ما شهدناه بكل وضوح في الحركات التكفيرية في عصرنا مما ادى الى سفك الدماء البريئة على نطاق واسع باسم الدفاع عن الدين والامة وهما من هذه الحالة براء.

رابعاً: التشكيك في نوايا الداخلين في الحوار فانه لا يحقق الجو الهادىء المطلوب، ويدفع لنوع من التهرب او المماطلة او تلمس العثرات مما يمنع من تحقق النتيجة المطلوبة. وهذا ما شهدنا نظيره في عمليات الحوار بين اتباع الاديان نتيجة ما يحمله كل طرف من تراكمات ذهنية عن الآخر فالطرف المسيحي مثلا يحمل احقاده الصليبية وايحاءات المستشرقين بما يسمونه بـ(الهرطقة الاسلامية) وما يدور في نفسه من هواجس الصحوة الاسلامية التي تنافس مشروعه في السيطرة، في حين يحمل الطرف الاسلامي سوابق ذهنية كبيرة عن خدمة التبشير المسيحي للاستعمار على مدى قرون.

ولكن العمل الجاد والتوجه للتعليمات الاسلامية الهادية والداعية لحسن الظن في الاخ المسلم يمنع من أن يلعب هذا العامل دوره في المنع من التقريب خصوصا اذا تم على مستوى العلماء العاملين الذين خبر بعضهم بعضا في مجالات العلم والاخلاص والعمل في سبيل الامة بمجموعها.

خامساً: التهويل والتضخيم واستحضار الماضي والتهجم على المقدسات وعدم احترام الآخر.

وكل واحد من هذه الامور يمكن ان يشكل بنفسه مانعاً من تحقق الحوار المطلوب وبالتالي الوصول الى التقريب، وقد وجدنا النصوص الاسلامية تتظافر في المنع من هذه الامور:

فقوله تعالى: «قل انما اعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة»( [59]) يمنع من الحوار في الاجواء الانفعاليةالمصطنعة.

وقوله تعالى: «قل لا تسألون عما أجرمنا ولانسأل عما تعملون»( [60]) يمنع من الانشغال بالماضي ويفرض احترام الآخر وذلك ايضا واضح في الآية التي تنهى حتى عن سب آلهة المشركين.

سادساً: اضف الى كل ذلك ان اختلاف مناهج الاستدلال وطرق الاستنباط يمنع من التقارب في النتائج فينبغي السعي الى ما يأتي:

1 ـ الفراغ من المفروضات المسبقة قبل بدء عملية الحوار

2 ـ الاتفاق على منهج واحد للاستنباط وليس هذا الاتفاق امراً صعباً.

3 ـ تحقيق محل الحوار بدقة لئلا ينظر كل طرف الى قضية ومفهوم لاينظر اليه الطرف الآخر.

وهناك موانع أخرى من قبيل

1 ـ اعتبار القول الشاذ علامة على المذهب كله.

2 ـ اخذ تصورات المذهب من اقوال خصومه.

3 ـ دخول من ليس اهلاً في عملية الحوار

4 ـ اتباع الاساليب الملتوية للظفر بالآخر

وغير ذلك مما لا يسعنا المجال للتعرض له ولكن يجب حذفه حتى نصل الى التقريب المطلوب بل الضرورة في عالمنا الملتهب.

 

محمد علي التسخيري

الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

________________________________________

الهوامش

[1] - معاني الأخبار للصدوق ص 43.

[2] - معاني الأخبار للصدوق ص 59.

[3] - التهذيب ج 17.

[4] - تاريخ الاسلام للذهبي ج9 ص 228.

[5] - طبقات الشافعية الكبرى للشيخ تاج الدين تقي الدين السبكي ج3 ص 51.

[6] - راجع عدة الأصول ج 1 ص 139 وقاموس الرجال ج1 ص 20.

[7] - في بحثه المقدم الى ندوة الفقه الاسلامي بمسقط (شعبان 1408هـ).

[8] - مصادر التشريع ص 80.

[9] - الكفاية في علم الرواية ص 125.

[10] - راجع (الاجازة الكبيرة) للعلامة الحلي.

[11] - موسوعة ابن ادريس تحقيق السيد الخرسان ج1 ص 53.

[12] - منتهي المطلب: المقدمة ص 4 طبعة مشهد.

[13] - اعيان الشيعة للسيد محسن العاملي ج 10 ص 62.

[14] - ن.م،وذكر ذلك في أمل الأمل ج 1 ص 103.

[15] - بحار الأنوار ج 107 ص 191.

[16] - ن.م ص 183.

[17] - رياض العلماء ج 5 ص 185.

[18] - الوسائل ج 5 ص 381.

[19] - الدروس الشرعية طبعة مجمع البحوث الاسلامية – مشهد ج 1 ص 163.

[20] - اعيان الشيعة ج 7 ص 150.

[21] - الكنى والالقاب ج 2 ص 382 - 383.

[22] - رياض العلماء ج، ص 365.

[23] - اعيان الشيعة ج 7 ص 149.

[24] - راجع مثلاً، أمل الأمل ج1 ص 90 ورياض العلماء ج 2 ص 365 ومعجم رجال الحديث ج 7 ص 378.

[25] - كما ذكر ذلك المحدث الجزائري في كتابه (الجواهر الغوالي في شرح عوالي اللآلي) نقلاً عن بعض اولاد الشهيد الثاني «راجع مقال المحققين لكتاب (منية المريد)ص43».

[26] - رياض العلماء ج 2 ص 365.

[27] - اعيان الشيعة ج 7 ص 157.

[28] - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج 1 ص 109.

[29] - بحار الانوار، ج 51، ص 357.

[30] - عوالم الامام الصادق للبحراني، ج 2، ص 635.

[31] - الكافي ، ج 2، ص 105.

[32] - وسائل الشيعة، ج 16، ص 160.

[33] - بحار الانوار، ج 85، ص 13.

[34] - تفسير الميزان، ج 7، ص 149.

[35] - وسائل الشيعة، ج 12، ص 6.

[36] - وسائل الشيعة، ج 12، ص 6.

[37] - وسائل الشيعة، ج 11، ص 471.

[38] - الكافي، ج 2، ص 308.

[39] - مختصر المؤمل لشهاب الدين ابي شامة، ص 14.

[40] - التفسير الكبير، ج 16، ص 31 في تفسير الآية 31، من سورة التوبة .

[41] - الامام الصادق والمذاهب الاربعة طبعة مجمع اهل البيت، ج 3، ص 192 .

[42] - راجع كتاب (المعالم الجديدة لعلم الاصول) للامام السيد محمد باقر الصدر .

[43] - راجع مقال الاستاذ الطويل في كتاب قضية الفلسفة، ص 211.

[44] - راجع كتاب (قصة الطوائف) للدكتور الانصاري، فصل الحقبة الطائفية، ص 185.

[45] - ن.م. ص 219.

[46] -معجم الادباء للحموي ج15 ص 67.

[47] - شرح نهج البلاعة لابي الحديد ج8 ص 237 طبعة بيروت.

[48] - حدث في وقت واحد المفاوضات والقتال اثناء الحرب الصليبية الأولى. وجرى ذلك أيضاً في الحرب الثالثة والحرب السادسة. ونلحظ ما قام به العلمانيون من نشاط في توجيه سير الحرب الصليبية. فعلى الرغم من ان هذه الحرب قامت على أساس ديني، فانها اتخذت في سيرها صفة دنيوية. ومن الأمور المتناقضة ان حملة دينية اسهمت في نمو الحافز الدنيوي، وهيأت للعلمانيين ان يفلتوا من ذلك الميل نحو التيوقراطية البابوية، وكان ذلك واضحاً في زمن بابوية جريجوري السابع.

أنظر حبشي: الحرب الصليبية الأولى. القاهرة 1958 ص 126- 127.

William of Tyre Trans. Krey. 1943. Vo.l.pp.223-224 .

[49] - المؤرخ إرنست بارگر في كتابه (الحروب الصليبية) الفصل الثالث ترجمة الدكتور الباز العريني وقد قدم له بمقدمة جيدة.

[50] - العبر وديوان المبتدأ والخبر ج32 ص 536.

[51] - رسالة الطوفي، ص 116.

[52] - المنتظم لابن الجوزي ج16 ص 16 سنة 449.

[53] - تاريخ الاسلام للذهبي ج10 ص 471.

[54] ـ مستقبل الاسلام والغرب. شيرين هنتر تعريب زينب شوربا ص 111.

[55] ـ قصة الطوائف للدكتور فاضل الانصاري ص 233.

[56] ـ ذكرتها الصحاح في اول ما ذكرته من روايات وجمعها صاحب جمع الفوائد في مطلع كتابه.

[57] ـ الكافي، ج2 ص 25.

[58] ـ الاحتجاج للعلامة الطبرسي ج1 ص444.

[59] ـ سبأ 46.

[60] ـ سبأ 25.

السبت, 30 تشرين2/نوفمبر 2013 07:45

الآثار التربوية للصلاة

الآثار التربوية للصلاة

مما لا شكّ فيه انّ للصلاة كما هي الحال في سائر العبادات آثاراً إيجابية على الفرد نفسه وعلى المجتمع. فعلى الرغم من أنّ الصلاة تساهم في إشباع حاجة الدين والإرتباط بالمطلق

والتي تمثل إحدى الحاجات الأساسية للفرد والتي سبب إهمالها في عصرنا الحالي خواء روحياً واضحاً أثر في نظرة الفرد إلى المجتمع وإلى الحياة مما سبب في أزمات نفسية حادة هي التي كانت وراء تزايد نسبة الأمراض النفسية والإنتحار وغيرها.

إنّ قيام الفرد للصلاة بين يدي خالقه يساهم في توفير الإشباع الذاتي لحاجة الإنتماء الإجتماعي من خلال إحساسه بالإنتماء إلى العقيدة الدينية ومشاركته ملايين المسلمين في أداء الفريضة.

وهذا مما يساعد في زوال أمراض الشعور بالحقارة والنقص والتي قد تتولد لدى الفرد نتيجة مهنة حقيرة أو طبقة متدنية وغيرها، وهذا يساهم في رفد الشعور بالمساواة لدى الفرد الأمر الذي يزيد من تقبله لذاته ورضاه عن واقعه ويشجعه على البحث عن أسلوب التفاضل الواضح بين الناس ألا وهو التقوى.

فهنا الإنتماء الإلهي من خلال فريضة الصلاة وخاصة في صلاة الجماعة حيث يقف المسلمون سواسية كأسنان المشط دون فضل لعربي على أعجمي ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى وهذا ساهم في تعزيز المعنويات ودفع الفرد نحو إستحصال مراتب إيمانية واضحة.

من ناحية أخرى يشعر المصلي بأنّه واحد من ملايين من البشر قد اتجهوا نحو مكان واحد لعبادة رب واحد وأداء عمل واحد هو الصلاة وهذا الشعور يقوي عنده الإحساس بالقوة والعزة.

وهذا الشعور بالقوة يذلل أمام الفرد المصلي الكثير من إحساسه بمواقع الضعف والجبن كما يجعله أمام بصيرة واحدة تقول انّ العزة لله جميعاً والعزة تأتي من التقوى والإيمان إذا كان الهدف من العبادات هو تقوية رابطة العبد بالله من خلال تركه لأمور الدنيا مهما بلغت قيمتها والتفرغ لعبودية الله تعالى في أوقات محدودة لم يخترها الإنسان لنفسه إنما أرادها الله تعالى بهذه الصورة الثابتة منذ 14 قرناً من الزمان.. فهذه التقوية الإيمانية تشجع صاحبها على ترك المنكرات والقيام بالواجبات وعلى السير في نهج الطاعة.

فمن خلال العبودية يستشعر الفرد مدى حاجته إلى المطلق ويدرك أيضاً نقصه الذاتي وعدم قدرته على مقاومة الشيطان والأهواء الا بالإلتجاء إلى حصن الله الحصين بمعنى ان تتحول الصلاة من مجرد طقوس وحركات جوفاء لا فائدة منها إلى عملية تطهير وغسل للقلب الداخلي من الخطايا والذنوب المتراكمة، وما لم تكن الصلاة هكذا فلا فائدة منها كما قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) (الماعون/ 4-5).

وقال أيضاً: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة/ 54).

نفسياً: تعتبر الصلاة مدرسة سلوكية مهمة تعالج السلوك وتنفرد بنظامها الحركي والتعبدي لتصل إلى غاية أهدافها من إطمئنان النفس وإستقرار العاطفة والوجدان والإبتعاد عن الفحشاء والمنكر.. والصلاة هي الطريق نحو فقه التدين وهي الحافز نحو تعلم السلوكيات الصحيحة والفضائل المرغوبة، والإبتعاد عن الأخلاق السيِّئة والتمسك بالخلق الحسن.

ثمّ انّ الصلاة تعتبر واحدة من العلاجات السلوكية والمعرفية لأنماط كثيرة من الأمراض النفسية فهي تزيل الإكتئاب عن طريق تلاوة القرآن الكريم فيها وما يبعثه من الطمأنينة، ثمّ هي تخفف حدة التوتر بأسلوب إيجابي عن طريق تغير الحركات من ركوع وسجود وغيره ثمّ هي متكررة 5 مرّات في اليوم وهي تتخذ أوقات تصاعد الضغوط النفسية عبر محطات عديدة في اليوم وهذا ما يخفف هذه الأزمات القلبية والعصبية التي قد تهاجم المريض بسبب ضغوط نفسية شديدة.

لا ننسى انّ الإستعداد للصلاة هو أيضاً من عوامل تخفيف التوتر وتغيير الأجواء النفسية فالوضوء يقلل حدة الغضب ويخفف الإكتئاب والقلق وبالتالي فالإستعداد للصلاة بالوضوء مثلاً له أثر إيجابي نفسي بغض النظر عن الطهارة الواجبة.

وكثير من الأحيان يغير الفرد مكانه للصلاة وتغيير المكان في وقت واحد أيضاً يساهم في تقليل حدة الآثار الحاصلة أو المهيجات النفسية بسبب المكان ثمّ التوجه بعيداً عن الناس وعدم التكلم معهم للحظات هو أيضاً من عوامل الخلوة النفسية التي تجعل الفرد يراجع نفسه إزاء الظروف المواجهة والتحديات. والتوجه للقبلة ولمكان واحد ثابت خالد مع الأزمان هو أمان لأهل الأرض وهو مقدس لدى الجميع، هو أيضاً من عوامل تعزيز الشعور بالأمن النفسي الذي هو غاية مفقودة في زماننا تقريباً.

أيضاً تعتبر الصلاة من وسائل الضبط النفسي فربّما هو جائع ولكنه يؤجل حاجته لما بعد الصلاة، وربّما هو متوتر ويريد الدخول في عراك وخصام ولكن وقت الصلاة حان فيصلي فتكون الصلاة بمثابة عملية إسترخاء تساهم في تخفيف حدة الضغط النفسي.

وأيضاً لتواترها مرّات في اليوم فهي محطات إستراحة لنفس في آفاق هادئة آمنة، وادعة بعيدة كل البعد عن الوضع المتأزم الذي ينذر بالإختناق.

وقد يرى البعض انّه من الصعب عليه أن يلتزم بأمر الصلاة على أوقاتها أو بأمر الحفاظ على مستلزماتها من طهارة المكان والملبس وغيره وهذه تجعل الفرد يزداد حرصاً على تطبيق المفاهيم والشعائر الإسلامية مما يقوي عنده الإرادة، فربما إمرأة ضعيفة الإرادة ترى في ولدها الصغير حائلاً عن الصلاة بحجة التنجس وغيره وأخرى تحرص على أن تؤدي الصلاة رغم أن لها أطفالاً صغاراً وطبعاً في الأمر مشقة ربّما وعناء، ولكن هذه تقوي الإرادة وتزيد من الثبات كما انّها تساهم في تقوية بناء الشخصية وزيادة ثقتها بنفسها وقدرتها على الثبات أمام المتغيرات الموجودة حالياً وأمام الشدائد مستقبلاً. وبالتالي فهي تساهم في إيجاد صحة نفسية جيِّدة وصالحة للفرد تنبثق هذه من معرفة الله تعالى وهو لكنها الله (معرفة الله عزّوجلّ تمثل نقلة كبيرة في الصحة النفسية بل هي قمة القمم.. إذ انّ هدف الصحة النفسية هو الربانية والإطلاع على العظمة الإلهية وهو إدراك العجز عن إدراك كنه الذات الإلهية فالصحة النفسية في الإسلام إذن هي لحظات تأمل وتدبر وتفكر تورث في النفس إيماناً وصفاء ونقاء وقوة في اليقين.

الصحة النفسية هي الامعان والتدقيق والتمحيص الذي يورث معرفة الله عزّوجلّ فيصل إلى الفطنة والكياسة فينعم المرء بالسعادة في الدنيا والآخرة).

مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين في عدد من المحافظات المصرية

إندلاع مواجهات بين الشرطة المصرية ومتظاهرين خرجوا بعد صلاة الجمعة متحدين قانون التظاهر الذي يضع شروطاً للتجمعات العامة والتظاهرات، والشرطة تفرق متظاهرين أمام قصر القبة وتعتقل 5 في سوهاج.

إندلعت مواجهات في القاهرة وعدد من المدن المصرية الجمعة أثناء محاولة الشرطة تفريق تظاهرات نظمها إسلاميون في تحدٍ للقانون الجديد الذي يحظر التظاهرات غير المرخص لها.

وأفاد المراسلون إطلاق قوات الأمن غازاً مسيلاً للدموع لتفريق متظاهرين من الإخوان المسلمين تجمعوا في محيط قصر القبة.

وأشار المراسلون إلى حصول اشتباكات بالحجارة والمولوتف بين الإخوان المسلمين والأهالي في المنوفية، إضافة إلى اعتقال 5 متظاهرين بسوهاج.

واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ضد انصار الرئيس المعزول محمد مرسي في حي المهندسين في القاهرة وعلى طريق رئيسي مؤد الى الاهرامات.

ورد المتظاهرون برش الشرطة بالحجارة واحراق الإطارات، بحسب المسؤولين، واضافوا ان الشرطة فرقت احتجاجات في مدن السويس والمحلة وقنا.

وكانت السلطات المصرية الموقتة شددت قبضتها الامنية الخميس بتوقيف الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، والتحذير ضد تسيير اي تظاهرات بدون ترخيص الجمعة والذي يشهد بشكل اسبوعي تظاهرات للاسلاميين منذ عزل محمد مرسي في الصيف الفائت.

لكن جماعة الاخوان المسلمين التي ينتمي اليها مرسي دعت الى خروج التظاهرات عقب صلاة الجمعة، وبدأت التظاهرات مع خروج المصلين من المساجد.

ويحظر القانون الذي اصدره الرئيس المصري الموقت المستشار عدلي منصور التظاهرات والتجمعات العامة كما يتضمن عقوبات بالسجن من سنة الى خمس سنوات، ويلزم منظمي التظاهرات بابلاغ السلطات قبل ثلاثة ايام عمل على الاقل وتقديم بياناتهم الشخصية وتحديد مكان المسيرة ومطالبهم والهتافات التي سيرددونها.

وكانت وزارة الداخلية المصرية حذرت الخميس "كافة المواطنين من الإقدام على تنظيم أية فاعليات أو تجمعات أو مواكب أو تظاهرات مخالفة للقانون بدون إخطار مسبق للجهات الأمنية المعنية".

وشددت الداخلية على انها ستتعامل مع الفعاليات غير القانونية "بالقدر المناسب من الحسم والحزم" وفقاً للقانون.

ومنذ دخول القانون حيز التنفيذ، استعملت الشرطة القوة ضد كافة المتظاهرين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، من دون ان يكون الامر محصوراً بالتظاهرات التي ينظمها انصار الرئيس المعزول.

تركيا تتخلى عن مشروع

وسط تزايد المؤشرات على تغيير بارز في سياسة تركيا الخاصة بعلاقاتها مع دول الجوار، مصادر في أنقرة تكشف للصحيفة أن التغيير يرتبط بقرار مجلس الأمن التركي منح أولوية للعب البلاد دور "الممر الآمن للطاقة" بدل "العثمانية الجديدة" والتحالف مع التنظيمات الإسلامية.

يوسف الشريف- صحيفة "الحياة": وسط تزايد المؤشرات على تغيير بارز في سياسة تركيا الخاصة بعلاقاتها مع دول الجوار وتعاملها مع قضايا منطقة الشرق الأوسط، كشفت مصادر في أنقرة للصحيفة، أن التغيير يرتبط بقرار مجلس الأمن التركي خلال اجتماعه الدوري الشهر الماضي، الذي منح أولوية للعب البلاد دور "الممر الآمن للطاقة" من المنطقة إلى الإتحاد الأوروبي وأوروبا الشرقية، والذي اختارته بعد انتهاء الحرب الباردة في التسعينات من القرن العشرين، قبل أن تتراجع عنه للتركيز على العلاقات مع الشرق الأوسط في إطار ما سمي بـ "العثمانية الجديدة"، والتحالف مع التنظيمات الإسلامية.

ويفرض ذلك تغييرات جذرية في السياسة الخارجية لتركيا للتقارب مع دول الجوار، من أجل ضمان مرور خطوط الغاز المستكشف حديثاً شرق البحر المتوسط وشمال العراق عبر أراضيها إلى أوروبا، علماً أن هيئة المسح الجيولوجية الأميركية قدّرت عام 2010 وجود 3455 بليون متر مكعب من الغاز و1.7 بليون برميل من النفط قبالة سواحل إسرائيل وقطاع غزة وقبرص وسورية ولبنان.

وتشمل التغييرات وضع أنقرة خططاً جديدة لمد الجسور مجدداً مع مصر، وبناء علاقات جيدة مع سورية "الجديدة" في مرحلة ما بعد مؤتمر "جنيف– 2"، إضافة إلى استعجال المصالحة مع إسرائيل وتحريك الملف القبرصي. كما يجب أن توطد علاقاتها مع إقليم كردستان العراق وبغداد، وان تفسح في المجال مجدداً أمام مشاريع الغاز الإيراني التي بقيت، رغم الضغوط الغربية السابقة على تركيا تنفيذاً للعقوبات الدولية التي فرضت على طهران بسبب برنامجها النووي.

وترى مصادر ديبلوماسية غربية أن قرار مجلس الأمن القومي التركي يفسر التقارب السريع والمفاجئ بين أنقرة وطهران، اللتين اتفقتا الأربعاء الماضي على دعم "جنيف-2" والعمل لوقف النار في سورية، وإيجاد حل سلمي توافقي بين الأطراف المتنازعة.

وتنتظر أنقرة وإقليم كردستان العراق مباركة واشنطن تدشين مشاريع لمد خطوط نفط الإقليم ثم الغاز عبر تركيا إلى أوروبا، علماً أن العلاقات بين أنقرة وأربيل شهدت قفزة نوعية بعد زيارة رئيس الإقليم مسعود بارزاني مدينة دياربكر، متجاوزاً حساسيات كردية قديمة مع تركيا، ولقائه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي دعاه لزيارة أربيل قريباً.

ويصل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى تركيا قريباً، لحل خلافات بين البلدين وتدشين تعاون نفطي جديد. ويرى ديبلوماسيون أتراك أن العودة إلى استراتيجية "الممر الآمن للطاقة" في المنطقة، سيتطلب عملاً أكبر لترميم العلاقات مع دول الجوار، وهو ما يحقق تقدماً مع إيران والعراق وإسرائيل، بخلاف سورية "الجديدة" ومصر، فيما باتت الأجواء ملائمة لإعادة تحريك ملف جزيرة قبرص في اتجاه توحيدها.

صحف روسية: حرب أعصاب أميركية صينية وتغيير قواعد اللعبة

صحيفة "كويرسنت" الروسية تعتبر أن قرار بكين إنشاء منطقة الحظر الجوي فوق بحر الصين الشرقي شكل بداية مواجهة بين واشنطن وبكين، وأن تحليق الطائرات الأميركية فوق تلك المنطقة مؤخراً تحمل دلالات كثيرة أبرزها أن تغيير قواعد اللعبة ليس إلا خطوة استفزازية.

تحت عنوان "آسيا.. اختمار صراع جديد للقوى الرئيسية" اعتبرت صحيفة "كويرسنت" الروسية أن المواجهة بين الولايات المتحدة والصين واليابان تمثل مرحلة جديدة. وذهبت إلى القول إن قرار بكين إنشاء منطقة الحظر الجوي فوق بحر الصين الشرقي كان بداية هذه المواجهة. فبكين وطوكيو تتنازعان السيطرة على جزر سينكاكو (دياويو)، وقد سارعت واشنطن إلى ترجمة علاقاتها الودية مع اليابان وتجاهلت التحذيرات الصينية عبر تسيير رحلات استكشافية لطائراتها الحربية فوق منطقة الحظر الصينية، ما دفع لجان المقاومة الشعبية إلى الإستنفار ودخلت المنطقة في حرب أعصاب تمتد من البحر إلى الجو.

وأشارت الصحيفة، إلى أنّ الخطوة الاميركية وإن ادخلتها واشنطن ضمن التدريبات الروتينية، لكنها تحمل دلالات كثيرة لعل أبرزها ايصال رسالة الى بكين مفادها بأن أي تغيير لقواعد اللعبة في المنطقة ليس إلا خطوة استفزازية، وبناء عليه فإن المواجهة حول الجزر المتنازع عليها سيكون واحداً من الموضوعات الرئيسية التي سيبحثها سكرتير وزارة الخارجية الأميركية جو بايدن خلال جولته الأسبوع المقبل والتي ستشمل بكين وطوكيو وسيول.

من جهتها، سلّطت صحيفة "راسيسكايا غازيتا" الضوء على العلاقات المصرية الروسية فقالت إن القاهرة تستعد لعلاقات جدية مع موسكو، كاشفة إن السفير المصري لدى موسكو محمد البدري يأمل في انطلاق المرحلة الجديدة من العلاقات الروسية المصرية بعد 70 عاماً على اقامة العلاقات الديبلوماسية بين موسكو والقاهرة.

وفي مقابلة مع الصحيفة الروسية، قال البدري إنه يأمل في ارتفاع أعداد السياح الروس، ووصف الأوضاع في القاهرة "بالأكثر هدوءاً وإن كان بعض المتظاهرين يتجمعون في بعض أحياء المدينة احتجاجاً على قانون التظاهر". لكن الأهم في رأي السفير المصري يكمن في رفع وزارة الخارجية الروسية الحظر عن تنظيم الرحلات إلى مصر.

وذكّر البدري بالإصلاحات التي اتخذتها حكومته منها العمل على إصدار دستور جديد أوائل العام المقبل والإعداد للانتخابات البرلمانية والرئاسية. وأكد أن المصريين تعلموا من الأخطاء التي ارتكبت، وانه لا مجال لتكرار التجربة التي تلت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير.

فشل توقيع اتفاقية الشراكة بين أوكرانيا والإتحاد الاوروبي

اوكرانا والإتحاد الاوروبي يفشلان في التوقيع على اتفاقية الشراكة خلال قمة "الشراكة المشرقية" المنعقدة في العاصمة الليتوانية فيلنوس، ومصدر دبلوماسي أوروبي مطلع يقول إن دول الاتحاد لن توافق على تخفيف المطالب التي قدمتها لأوكرانيا.

أعلن وزير الخارجية الليتواني ليناس لينكيفشيوس الجمعة أن الاتحاد الأوروبي لن يوقع اتفاقية الشراكة مع أوكرانيا خلال قمة "الشراكة الشرقية" المنعقدة في فيلنوس (عاصمة ليتوانيا)، وذلك بعد مفاوضات استمرت حتى ساعة متأخرة من مساء الخميس وقال الوزير: "للأسف الشديد، لن تُوقع الاتفاقية".

من جانب آخر، قال مصدر دبلوماسي أوروبي مطلع إن دول الاتحاد لن توافق على تخفيف المطالب التي قدمتها لأوكرانيا، وذلك من أجل إقناعها بتوقيع الاتفاقية.

وقال المصدر إن"مجلس الإتحاد الأوروبي قد حدد شروط توقيع اتفاقية الشراكة في كانون الأول/ ديسمبر عام 2012، وهي إصلاح قوانين الانتخابات والمنظومة القضائية والحيلولة دون حالات "العدالة الانتقائية" بما فيها الوضع المتعلق بيوليا تيموشينكو(رئيسة الوزراء السابقة) إنها الشروط المبدئية التي سيؤدي التخلي عنها الى تجريد اتفاقية الشراكة ومنطقة التجارة الحرة من معناها، وهذه الاتفاقية معنية ليس بالاقتصاد ورفاهية الشعب الأوكراني فحسب، بل وبالقيم الأوروبية المشتركة أيضا".

بدوره كتب وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت على صفحته في موقع "تويتر" إن أوكرانيا رفضت التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي بسبب الضغوط التي تمارسها روسيا عليها، على حد تعبيره. وكان الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش قد وصل الخميس الى فيلنوس للمشاركة في القمة بجانب زعماء الدول الأوروبية الـ28 ورؤساء المؤسسات الأساسية في الاتحاد الأوروبي وممثلي 5 من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وهي بيلاروس وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا ومولدوفا. والزعيم الوحيد الذي لم يحضر القمة هو الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الذي فرض الإتحاد الأوروبي عقوبات عليه، إذ مثل بلاده في القمة وزير الخارجية فلاديمير ماكيه.

ومن المنتظر أن توقع جورجيا ومولدوفيا على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الجمعة خلال أعمال اليوم الثاني من القمة.

يذكر أن كييف أعلنت منذ أسبوع تعليق المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقية الشراكة والتي كان من المقرر توقيعها خلال تلك القمة، إذ أعلن الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش أن بلاده ستنتظر ظروفا ملائمة لتوقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، تكون متماشية أكثر مع المصالح الأوكرانية.

وتتمسك كييف بقرارها تأجيل توقيع الاتفاقية، رغم الإحتجاجات التي تجريها المعارضة الأوكرانية منذ أسبوع، إذ اعتبرت الأخيرة رفض التوقيع على الإتفاقية إشارة الى نية الحكومة التخلي عن هدف الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي، والتركيز بدلا من ذلك على تعميق العلاقات مع روسيا.

وذكرت مصادر أوروبية أن يانوكوفيتش دعا الزعماء الأوروبيين خلال مأدبة العشاء في اليوم الأول من قمة فيلنوس، إلى العمل على حل المشاكل الاقتصادية التي تواجها أوكرانيا، بالتعاون مع موسكو.

وأصر على ضرورة تعديل المطالب التي طرحها الإتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاقية الشراكة، من أجل حماية المصالح الإقتصادية الأوكرانية بشكل أفضل.

السبت, 30 تشرين2/نوفمبر 2013 05:50

استدارة أردوغان يظللها خلاف مع غولن

استدارة أردوغان يظللها خلاف مع غولن

إسطنبول | بعيداً عن اهتمامات الإعلام الخارجي، تشهد تركيا نقاشاً مثيراً قد يقرر مصير رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية التي تحكم البلاد منذ نهاية ٢٠٠٢. فبعد سلسلة من المعلومات التي تحدثت طيلة العامين الماضيين عن ملفات وصراعات جدية بين أردوغان وحليفه الإسلامي فتح الله غولن، انفجر هذا الخلاف هذه المرة علناً بعد قرار الحكومة إغلاق المعاهد الخاصة التي تهيّئ الطلبة لامتحانات الإعدادية والثانوية، أي دخول الجامعات.

وتنتشر الآلاف من هذه المعاهد في جميع أنحاء تركيا، ويتردد اليها الملايين من الطلبة الذين يمكن كسبهم بطريقة ذكية الى جانب مجموعة غولن الدينية التي تملك حوالى خمسين في المئة من المعاهد المذكورة.

وتفيد تقارير أمنية بأن غولن، وهو زعيم طريقة دينية مقيم في أميركا، قد كسب أعداداً كبيرة من الأنصار عبر هذه المعاهد، حيث تغلغل هؤلاء في المرحلة اللاحقة الى مختلف مؤسسات الدولة، وخاصة الأمن والقضاء والى حد ما الجيش. واستطاع أردوغان من خلال دعم هؤلاء له إحكام سيطرته على مؤسسات ومرافق الدولة عندما كان غولن حليفاً استراتيجياً له طيلة الفترة الماضية.

واستفاد الطرفان من هذا التحالف الذي حقق لهما تفوقاً على أعدائهما في الجيش وباقي مرافق الدولة، لا سيما أن القضاة ووكلاء النيابة الذين حكموا على جنرالات الجيش كانوا من أنصار غولن وأتباعه.

ولفتح الله غولن شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والتجارية يقدر البعض حجمها بما لا يقل عن ٢٥ مليار دولار مدعومة بشكل واسع من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة التي تشن الآن هجوماً عنيفاً على رئيس الوزراء بسبب قرار إغلاق المعاهد، وتصفه بأنه ديكتاتوري.

ويعتبر البعض هذه التطورات مؤشراً لسلسلة من التغييرات المُحتملة في تركيا على صعيد السياستين الداخلية والخارجية، بينما يربط آخرون ما يحدث الآن باحتمالات التغيير في السياسة التركية على الصعيد الداخلي،

وذلك باعتبار أن غولن مقيم في أميركا وتحدّث الإعلام سابقاً عن علاقاته الوطيدة مع جهات أميركية مختلفة، بما فيها بعض منظمات اللوبي اليهودي، وسبق له أن انتقد سياسات أردوغان في ما يتعلق بالتوتر مع إسرائيل.

وبرز الخلاف بين الرجلين حين انتقد غولن سياسات رئيس الحكومة، وخصوصاً حين اتهمه بالاستعجال في مواقفه المعروفة ضد سوريا.

ويرى آخرون أن ما يحدث الآن ليس إلا مؤشراً على احتمالات تغيير الموقف الأميركي المؤيد لأردوغان، والبحث عن بديل له، في وقت يقوم فيه وفد من حزب الشعب الجمهوري المعارض بزيارة لواشنطن الآن.

تكتسب كل هذه التطورات أهمية إضافية لأنها: أولاً جاءت قبيل الانتخابات البلدية التي ستجرى في آذار المقبل وستلحق بها الانتخابات الرئاسية في آب، حيث فشل أردوغان في مساعيه لتغيير الدستور وتحويل النظام في البلاد من برلماني الى رئاسي، إذ كان يسعى الى تسلم منصب الرئاسة بعد إضفاء صلاحيات عليه.

يربط البعض بين هذه المعطيات ومؤشرات الخلاف التركي ــ الأميركي بعد اتفاق وزير خارجية روسيا وأميركا سيرغي لافروف وجون كيري في ما يتعلق بالأسلحة الكيميائية السورية وما أدى اليه هذا الاتفاق حول مؤتمر جنيف.

إضافة الى ذلك، بدت مقاربة السعودية تجاه الأزمة المصرية متناقضة مع المقاربة التركية التي تدعم جماعة الإخوان المسلمين.

لقد دفعت كل هذه المعطيات رئيس الوزراء التركي الى تحرك تكتيكي عاجل عبر مساعي المصالحة مع رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي، وطهران، حيث أراد أردوغان ووزير خارجيته أحمد داوود أوغلو أن يرسلا عبرها وعبر بغداد إشارات جديدة الى دمشق وعواصم المنطقة الأخرى التي بدأت هي أيضاً بإعادة النظر في مجمل سياساتها الإقليمية والدولية، لا سيما بعد اتفاق كيري ــ لافروف.

يبقى هناك سؤالان أساسيان سيكون الرد عليهما كافياً لتقرير مصير التحركات الأردوغانية:

أولاً: هل سينتهي الصراع الحالي بين أردوغان وغولن وكيف؟ وماذا ستكون انعكاسات ذلك على معادلات السياسة الداخلية وبالتالي الخارجية؟

وثانياً: هل سيقنع أردوغان المالكي والرئيس الايراني حسن روحاني، ومن خلالهما الرئيس السوري بشار الأسد، وكيف، بصدقية نيّاته وقراراته بعد كل من قاله وفعله ضد الدول الثلاث.