Super User

Super User

مسؤول أميركي يتوقع اتفاقاً نووياً الأسبوع المقبل

صحيفة "نيويورك تايمز" تنقل عن مسؤول رسمي أميركي احتمال التوصل الى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني في جولة المفاوضات المقبلة في جنيف في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري.

نتنياهو: إسرائيل وبعض دول الخليج تتحدث بصوت واحد بشأن إيران

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدعو إلى حلّ ثالث في سورية معتبراً أن انتصار النظام أو انتصار قوات المعارضة بديلان مخيفان على حدّ سواء.

السبت, 16 تشرين2/نوفمبر 2013 08:57

الزيدية - النشأة والتطور

الزيدية - النشأة والتطور

1 ـ اتخذت الفرقة الزيدية من زيد الشهيد رمزاً لتحرّكها، وعملت على الاقتداء بنهجه، وسيرته في النهوض والثورة بوجه الحكام المستبدين، فكان زيد إماماً لهم، انتسبوا إليه وسموا باسمه، ولم يكن زيد مفكراً كلامياً غارقاً في البحوث الكلامية، بل كان رجلاً ثورياً له صلة بتفسير القرآن، وجمع الروايات وعظة الناس، وهدايتهم إلى الطريق المستقيم. فزيد لم يقم بالثورة كي يوجد مذهباً مقابلاً للتشيع الذي يتبناه الأئمة المعصومون (عليه السّلام)، وإنما بذل دمه الزكي لأجل إصلاح الأمّة، وإعادة الحق المغتصب، نقل الزنوزي : إنّ زيد بن علي كان دائماً يفكر في الانتقام والأخذ بثأر جده الحسين (عليه السّلام) ،ومن هذه الجهة توهم بعضهم أنّه ادّعى الإمامة، وهذا الظنّ خطأ لأنّه كان عارفاً برتبة أخيه، وكان حاضراً في وقت وصية أبيه، ووضع أخيه في مكانه وكان متيقناً إنّ الإمامة لأخيه، وبعده للصادق (عليه السّلام).

2 ـ فتح باب الاجتهاد المطلق من قبل فقهاء المذهب، كان من العوامل الأساسية التي ساعدت كثيراً على انتشار المذهب الزيدي، وتطوره فكان باب الاختيار من المذاهب الأخرى باجتهادهم وتمكنهم على اخذ ما يتفق مع منطق مذهبهم وأصولهم، ومن هنا نرى إنّ جملة من أصولهم متحدة أو متقاربة مع جملة الأصول التي قررها فقهاء الإسلام.

ويمكن أن نقول أنّ من العوامل المهمة التي ساعدت على نضج المذهب الزيدي وازدهاره وتبلوره، هي بقاء الفكر الزيدي منفتحاً على جميع المذاهب الإسلامية، يأخذ منها ويستند عليها، ويواكب حالة الإصلاح والتجديد في المجتمع.

3 ـ تشعبت الفرقة الزيدية إلى عدّة فرق، وقد اختلف المۆرخون في عددها، فعدّهم الأشعري ستّ فرق، وهي الجار ودية، والسليمانية، والبترية، والنعيمية، وفرقة يتمأون من أبي بكر وعمر، ولا ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة، وأخرى تولوا أبا بكر، وعمر، ولا يتبرۆون ممن برئ منهما ،وينكرون رجعة الأموات، ويتبرۆون ممن دان بها، وهم اليعقوبية، وحصرهم المسعودي بثماني فرق وهي الجارودية، والمرئية، والابرقية، واليعقوبية، والعقبية، والابترية، والجريرية، واليمانية.

وذهب نشوان الحميري إلى رأي ثالث، فقال الزيدية ثلاث فرق، بترية، وجريرية، وجارودية.

4 ـ استطاع رجال الزيدية إقامة دول لهم في اليمن، وطبرستان، والمغرب، حيث قادوا فيها انتفاضات ناجحة، كان لها الدور الفعال والمۆثر في تغيير الأوضاع السياسية، والاجتماعية، والفكرية وتربع المذهب الزيدي على شۆونها الدينية والإدارية، وقد استمر حكمهم في بلاد اليمن إلى سنة 1383 هـ حيث أزاحهم العسكريون وأقاموا الجمهورية، وفي طبرستان استمرّ حكمهم من سنة 250 هـ وحتى سنة 360 هـ ولا تزال لهم فيها آثار وقبور تزار، وفي المغرب شيدوا دولة عظيمة حكم فيها الادارسة، بقيادة إدريس بن عبد الله المحضّ، حيث تمتّ له البيعة فيها سنة 172 هـ وخلع طاعة بني العباس وتمّ له الأمر، ولم تستقر دولة الادارسة، بسبب منازعة الخوارج لهم برئاسة عبد الرزاق الخارجي الصفري، إلى أن انتهت عام 323 هـ.

الإمام علي بن أبي طالب(ع) وصيانة السنة النبوية الشريفة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن عظمة كل اُمة من الاُمم تتجلى في عظمائها الذين يرسمون الطريق من خلال ما يؤثر عنهم من فضائل تكون نبراساً للأجيال على مرّ تاريخها، تستلهم من أخلاق ومبادئ اُولئك العظماء، كل المعاني التي تتجلى في سمو الخلق ورفعة الشأن وحسن السيرة ما يجعلها مثلاً يحتذى بها واُسوة تقتدى على مرّ الزمن.

والكلام عن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) الذي صارت سيرته قمة من القمم تتغنى بها الأجيال من الاُمة الإسلامية، وتفاخر بها المشرق والمغرب، ذلك الرجل الذي شهد له الأعداء قبل الأصدقاء بالفضل والرفعة والسمو، وكل الأخلاق الحميدة التي تتقاصر أمامها الهمم، ولا تنال شأوها أو تدرك بعضها على كثرة اجتهادها.

لقد وقفت أمام عظمة الإمام(عليه السلام) جميع الاُمم التي ألمّت بطرف من أخباره، أو نالت حظاً من العلم بتراثه، فترى الغربيين ـ على موقفهم من الإسلام والمسلمين ـ لا يملكون إلاّ الاعتراف بعظمة هذا الرجل، بل وتراهم يستلهمون من سيرته المبادئ التي يبنون عليها نظرياتهم في الحكم والسياسة،مستلهمين المبادئ الإنسانية العظيمة التي تطفح بها أقواله وأعماله، والتي لا يسع أحد انكارها، وهي أوضح من الشمس في رابعة النهار.

ليس من الغريب أن يتصف الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) بصفات الكمال الإنساني وهو الذي عاش في كنف النبي(صلى الله عليه وآله) منذ نعومة أظفاره، وارتضع مكارم الأخلاق من ذلك المنهل الروي الذي لا يضاهيه منهل، وقد وصفه الله تعالى في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال له عزّ من قال: (وإنّك لعلى خلق عظيم)(1) فكان الإمام(عليه السلام)يحيا في ظل ذلك الخلق العظيم، وتتشرّب به نفسه يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة حتى انجبلت بها وأصبحت جزءاً من كيانه، واختلطت بدمه ولحمه، وتحوّلت الى سجيّة وطبع.

وقد وصف الإمام(عليه السلام) تلك المرحلة الرائعة التي تركت بصماتها على وجدانه أثراً لا يمحى، بقوله(عليه السلام): «.. وضعني في حجره وأنا وليد يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجدلي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل.. ولقد كنت اتّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه، ولا يراه غيري، ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمُّ ريح النبوة...(2).

في ذلك الجو المعبّق بأريج النبوة ونور الرسالة، عاش الإمام(عليه السلام) حتى شبّ عن الطوق، ليتشرّف بأن يكون أول من يتلقى الدعوة المباركة الى الإسلام من قبل النبي(صلى الله عليه وآله)، فيكون أول من أسلم من الذكور، وجاءت بذلك الأخبار الصحيحة التي أخرجها الحفاظ والمحدثون والمؤرخون من كل الطوائف، والتي يصعب استقصاؤها في مثل هذا المبحث، فنكتفي برواية عن زيد بن أرقم. حيث قال: أوّل من صلّى مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) علي(3).

ومضت السنون والإمام(عليه السلام) يرافق النبي(صلى الله عليه وآله) في جهاده الدؤوب المليء بالمصاعب والأشواك، ولشدّة التصاقه بالنبي(صلى الله عليه وآله)، آخى النبي بينه وبين نفسه، وقال له: أما ترضى أن أكون أخاك؟ قال: بلى يا رسول الله رضيت. قال: فأنت أخي في الدنيا والآخرة(4).

وأثبت الإمام(عليه السلام) يوماً بعد يوم أنه أهل لهذه المكانة الرفيعة التي بوّأه إياها النبي(صلى الله عليه وآله)، حتى إذا كات ليلة هجرة النبي(صلى الله عليه وآله) الى المدينة، نجد علياً(عليه السلام) يفتدي أخاه الكريم بمهجته، فيبيت على فراشه تحت شفرات السيوف المرهفة التي كانت تترصد ساعة الصفر لتهوي على جسد النبي الكريم، وتنهي ثلاثة عشرعاماً من الصراع الفكري الذي أجهد قريشاً وقلب الموازين ضدّها، وبعد أن أثبتت الدعوة قدرتها على مقاومة كل رياح قريش، وشاء الله أن يسلم النبي(صلى الله عليه وآله) من تلك المؤامرة بافتداء علي نفسه والمخاطرة بحياته صوناً لحياة الرسول الذي أنجاه الله منها.

لقد كانت حادثة المبيت أول مصداق ليس على قوة إيمان الإمام (عليه السلام)فحسب، بل كانت مؤشراً الى ما يتمتع به من صفات عظيمة في طليعتها الشجاعة التي وصفها ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله: أما الشجاعة، فانّه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحا اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة، يضرب بها الأمثال الى يوم القيامة، وهو الشجاع الذي ما فرّ قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلاّ قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاُولى الى ثانية، وفي الحديث: كانت ضرباته وتراً(5).

وقد تجلت شجاعته في مواطن شهيرة في بدر واُحد والخندق وخيبر، وفي كل المعارك التي شارك فيها، وكان حامل لواء النبي(صلى الله عليه وآله) فيها، حتى قال فيه النبي(صلى الله عليه وآله):«إنّه صاحب لوائي عند كل شديدة وكريهة»(6).

وأما تجلي فضائل علي(عليه السلام)، حتى قال له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي»(7).

وقال(صلى الله عليه وآله) في مرض موته: «أيها الناس، يوشك أن اُقبض سريعاً فينطلق بي، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا انىّ مخلّف فيكم كتاب ربّي عزّ وجل، وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض، فأسألهما ما خلفت فيهما»(8).

وقد ظلّ علي(عليه السلام) ينهل من مناهل العلم الصافية من فم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، حتى قال (عليه السلام): علمني (صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم، فتح لي كل باب ألف باب(9).

وأيّد النبي(صلى الله عليه وآله) هذه المقولة ليجذب أنظار أصحابه الى الطريق المهيع بقوله(صلى الله عليه وآله): «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب»(10).

ولذا صار علي (عليه السلام) مرجعاً للصحابة في المعضلات، ونقل سعيد بن المسيب عن عمر، انّه كان يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن(11).

وكان عمر يقول: أقضانا علي، وكان(عليه السلام) يقول أيام خلافته: أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله ما بين لوحي المصحف آية تخفى عليّ، فيما نزلت ولا أين نزلت، ولا ما عني بها(12).

وقد بلغ من حب النبي(صلى الله عليه وآله) لربيبه (عليه السلام)، أن جعل محبته عنوان صحيفة المؤمن(13).

وأكد النبي هذه الحقيقة مراراً بقوله: «من أحبّ عليّاً فقد أحبني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله(14).

 

دفاع الإمام علي (عليه السلام) عن سنّة النبي(صلى الله عليه وآله)

لا يمكن لمنصف أن يتصور بعد هذا أن يكون احد أشد تعلقاً وثباتاً على المنهج النبوي ولا أكثر تمسكاً بالسنّة الشريفة أكثر من علي(عليه السلام)، وبعد أن أثبت له النبي(صلى الله عليه وآله) فضيلة الأعلمية على جميع أصحابه، فقال(صلى الله عليه وآله)«أعلم اُمتي بالسنّة والقضاء بعدي: علي بن أبي طالب»(15).

فكان أمير المؤمنين(عليه السلام)، مستودع السنّة النبوية الشريفة، وقد أدرك(عليه السلام) أن مهمته بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله)، الحفاظ على هذه السنة من أن تتلاعب بها الأهواء والبدع لا سيّما بعد ما رآه وسمعه من النبي(صلى الله عليه وآله) من أنه قال: قد كثرت عليّ الكذابة، إلاّ فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، فتصدى بكل حزم للدفاع عنها ونشرها، والتنبيه الى البدع التي ظهرت بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله) الى الرفيق الأعلى، فراح يبيّن للاُمة هذا الأمر، ويدلها على مواطن الخطر التي يجب اجتنابها، فكان مما قال:

«إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع، وأحكام تبتدع، يُخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجالٌ رجالاً على غير دين الله...»(16).

وقال: «طوبى لمن ذلّ في نفسه... وعزل عن الناس شرّه، ووسعته السنّة، ولم يُنسب الى البدعة...»(17).

ولفت أنظار الاُمة الى أن اتّباع السنة يستلزم لزوم الجماعة، وترك البدع المضلّة، فقال(عليه السلام): «فلا تكونوا انصاب الفتن، وأعلام البدع، والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبُنيت عليه أركان الطاعة»(18).

كما بيّن للاُمة الطريق المستقيم الذي عليها أن تسلكه، وبيّن تلك الطريق بأنها الطريق المتوسطة، غير المنحرفة الاتجاهات، فقال(عليه السلام): «اليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة، ومنها منفذ السنّة وإليها مصير العاقبة»(19).

وحثّ الاُمة على التمسك بالسنّة الشريفة التي فيها الهدى قائلاً: «واقتدوا بهدي نبيّكم فانّه أفضل الهدي، واستنّوا بسنّته فانّها أهدى السّنن...»(20).


موقفه(عليه السلام) من البدع

إنّ الاُمور التي حدثت بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله) كانت مبعث قلق لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فكثير من السنن قد أبدلت بالبدع والمحدثات، مما جعل أمير المؤمنين(عليه السلام)ينهض بمهمة الكشف عن هذه البدع، ونشر السنّة الصحيحة للنبي، مستنكراً ما يراه بقوله: «فيا عجباً ومالي لا أعجب من خطا هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصّون أثر نبي، ولا يقتدون بعمل وحي.. مفزعهم في المعضلات الى أنفسهم، وتعويلهم في المهمات على آرائهم، كأن كل امريء منهم إمام نفسه، قد أخذ منها ما يرى بُعرىً ثقات، وأسباب محكمات...»(21).

ودعا الناس للاحتكام الى كتاب الله وسنّة نبيه(صلى الله عليه وآله) عند التنازع والتباس الاُمور عليهم قائلاً: «واردد الى الله ورسوله ما يُضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الاُمور; فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم، فان تنازعتم في شيء فردّوه الى الله والرسول) فالردّ الى الله: الأخذ بمحكم كتابه، والردّ الى الرسول: الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة.

وبيّن أن البدع لا تظهر إلاّ بترك السنّة وتبديلها، فقال: «وما أحدثت بدعة إلاّ تُرك بها سنّة، فاتّقوا البدع، والزموا المهيع، إن عوازم الاُمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها»(22).

 

تصدّيه(عليه السلام) للانحراف

كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يراقب الأوضاع بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله) عن كثب، وكلّما أحسّ بأن المسيرة بدأت تنحرف عن خطها المستقيم، كان يتصدى لذلك الانحراف وينبّه عليه، حتى لو استدعى ذلك التصادم مع السلطة، فان الأحداث التي وقعت في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، قد فتحت طريق الانحراف على مصراعيه وبدأت نذر الشر تلوح في الاُفق، حيث اشتكى الناس من سوء سياسة ولاة عثمان فيهم، وتحوّل التذمر الى عصيان وقعقعة بالسلاح، فلم يكن أمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلاّ القيام بواجبه الشرعي في تبيين مواضع الخطأ ومواجهة المسؤول عن انبعاث الفتنه، وتنبيهه الى الحقيقة، وأن ترك السنّة هو مفتاح المصائب والبلايا، حتى لقد وقف أمام الخليفة ليقول له بكل صراحة ووضوح: «فاعلم أن فضل عبادالله عند الله: إمام عادل، هُديَ وهَدى، فأقام سنّة معلومة، وأمات بدعة مجهولة، وإن السنن لنيّرة لها أعلام، وإن البدع لظاهرة لها أعلام، وإن شرّ الناس عند الله إمام جائر ضلّ وضُلّ به، فأمات سنّة مأخوذة، وأحيا بدعة متروكة...»

لقد كانت هذه التنبيهات القيّمة كفيلة بأن تقضي على نوازع الشّر، وتعيد الى الاُمة وحدتها وترأب صدعها لو أن الخليفة الثالث استمع لنصح أمير المؤمنين، لكن ضعف الخليفة أمام أقربائه ـ وبخاصة مروان بن الحكم الذي غلب على رأي الخليفة ـ وعدم أخذه الاُمور بقوة وحملها محمل الجد، قد أدّى الى تفاقم الاُمور أكثر فأكثر، حتى انتهت الى ماهو معلوم عند الجميع.

وقد يستغرب البعض من تحميلنا الخليفة الثالث معظم المسؤولية عن مجريات الأحداث والحقيقة أن الاطلاع على حقيقة ما جرى يرفع هذا الغموض: إذ أن المعلوم عند المحققين المنصفين، وكما أكدت ذلك الكتب التي ألفها المؤرخون والمحدثون غير المتهمين على الخليفة، انّه قد بدأ يحرف السنّة عن اتجاهها ببعض الأحداث التى أحدثها ولم يكن لها مبرّر من عقل أو شرع، وربما كان لهذه الاُمور امتدادات الى ما قبل خلافة عثمان، فقد قال الصحابي الكبير حذيفة بن اليمان ـ الذي توفي بعد مقتل الخليفة الثالث بأربعين يوماً أو أقل ـ : ابتلينا حتى جعل الرجل منّا لا يصلّي إلاّ سرّاً!(23)

إن هذا التصريح الخطير من هذا الصحابي الجليل يرفع النقاب عما كان يجري في تلك الفترة بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله)، وقد اعترف ابن حزم بذلك، فقال: كان عثمان قد أحدث الصلاة في منى أربعاً، ولم يقصرها كما كان يفعل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فاعتلّ عثمان مرة، فطلبوا من علي(عليه السلام) أن يصلي بالناس، فقال(عليه السلام): إن شئتم صلّيت لكم صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ يعني ركعتين ـ .

قالوا: لا، إلاّ صلاة أمير المؤمنين أربعاً. فأبى!(24).

إنّ هذه الرواية تكشف وجهاًآخر أكثر خطورة من رواية حذيفة، فهي تدل على أن الناس قد استمرؤا البدع والمحدثات، وبدؤا يقدّمونها على السنّة المتواترة عن النبي(صلى الله عليه وآله) !

وقد واصل الإمام(عليه السلام) جهاده المستمر الدؤوب لاعادة السنّة النبوية الى مكانها المشرق بالاقتداء بها حرفياً، حتى روى مطرّف، قال:صلّيت أنا وعمران بن حصين صلاة خلف علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فكان إذا سجد كبّر، وإذا رفع كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر.

فلما سلّم أخذ عمران بيدي فقال: لقد صلّى بنا هذا صلاة محمد(صلى الله عليه وآله)(25).

وتتبّع هذه الاُمور يستغرق وقتاً، لكنه(عليه السلام) نبّه الى أن الاُمور قبل توليه الخلافة قد جرت في غير الاتجاه الصحيح فقال: إني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنّة، فإذا غُيّر منها شيء قيل: قد غيّرت السنّة، وقد أتى الناس منكراً، ثم تشتد البلية وتسبى الذرية، وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب، وكما تدق الرحا بثقالها، ويتفقهون لغيرالله، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة.

ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته، فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيّرين لسنته، ولو حملت الناس على تركها وحوّلتها الى مواضعها والى ما كانت عليه في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لتفرّق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عزّ وجل وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

أرايتم لو أمرت بمقام ابراهيم(عليه السلام)، فرددته الى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ورددت فدك الى ورثة فاطمة(عليها السلام)، ورددت صاع رسول الله(صلى الله عليه وآله) كما كان، وامضيت قطائع اقطعها رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر الى ورثته وهدمتها من المسجد، ورددت قضايا من الجور قُضي بها، ونزعت نساءً تحت رجال بغير حق فرددتهن الى أزواجهنّ، واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأحكام، وسبيت ذراري بني تغلب، وردت ما قسم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا، وأعطيت كما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعطي بالسومة، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء والقيت المساحة، وسوّيت بين المناكح، وانفذتُ خمس الرسول كما أنزل الله عزّ وجل وفرضه، ورددت مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) الى ما كان عليه، وسددت ما فتح فيه من الأبواب، وفتحت ما سدّ منه، وحرّمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت باحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجت من اُدخل مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مسجده ممن كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) أخرجه وأدخلت من أخرج بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)أدخله، وحملت الناس على حكم القرآن، وعلى الطلاق على السنّة، وأخذت الصدقات على اصنافها وحدودها، ورددت الوضوء والغسل والصلاة الى مواقيتها وشرائعها ومواضعها، ورددت أهل نجران الى مواضعهم، ورددت سبايا فارس وسائر الاُمم الى كتاب الله وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله)، إذاً لتفرّقوا عني(26)...»

لقد كشف الإمام عن مدى التحريف الذي وقع في السنّة النبوية الشريفة في تلك الأعوام التي سبقت خلافته، والتي صارت فيها تلك الأحداث سنّة في مقابل السنّة النبوية الصحيحة، وتعلّق الناس بتلك المحدثات بدلاً من السنّة الصحيحة، وكما أوردنا مثالاً لها عن قصر الصلاة في منى، وامتناع الناس عن ذلك رغم كونها سنّة نبوية، وتمسكهم بسنّة عثمان بدلاً منها.

إذاً ماالذي كان الإمام(عليه السلام) ينبغي أن يفعله أمام رعايا لا يتحرجّون عن مخالفة الكتاب والسنّة، والأخذ بسنّة الخلفاء الذين أعقبوا النبي(صلى الله عليه وآله) على الاُمة، وصارت تلك الأحداث أحبّ إليهم من العمل بالسنة النبوية؟

لقد أخبر الإمام(عليه السلام) عن عدم إمكان تغيير هذه البدع بعد أن ترسخت في نفوس القوم ولم يرضوا عنها حولاً، فيوقت كانت قوى الضلالة قد شمّرت عن سواعدها، وألقت الفتن بين المسلمين، وشغلت أمير المؤمنين(عليه السلام) خليفة الوقت بحروب طاحنة تأكل الأخضر واليابس، وأتباع الإمام يصدوّن عنه ويتمردون على أوامره، فكيف نتصور موقف الإمام(عليه السلام) من هذه الاُمة التي فضّلت العمى على الهدى، ولم تعطه فرصة كافية للتغيير؟ حتى لقد قال(عليه السلام): «لو قد استوت قدماي من هذه المداحض، لغيّرت أشياء»(27).

لقد كانت عملية التغيير والتصحيح التي بدأها الإمام علي(عليه السلام) منذ اليوم الأول لتولّيه الخلافة، مدعاة لانتقاض الناس ونكوصهم على الأعقاب، فالفترة السابقة قد هيّأت لهم أسباب الغنى والثراء الفاحش، وصارت الحياة الرغيدة أهم من الالتفات الى السنّة النبوية التي بدأت تُغيّر. وكان التصدي للتغيير يعني الحرمان من تلك الامتيازات، لذا فانّ الإمام(عليه السلام)عندما بدأ في ردّ قطائع عثمان على مستحقّيها، قال: ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فانّ الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوّج به النساء، وفُرّق في البلدان، لرددته الى حاله، فانّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق، فالجور عليه أضيق...»

فبلغ ذلك عمرو بن العاص ـ وكان بأيلة من أرض الشام، أتاها حين وثب الناس على عثمان فنزلها ـ فكتب الى معاوية: ما كنت صانعاً فاصنع، إذ قشّرك ابن أبي طالب عن كل ما تملكه كما تُقشّر عن العصا لحاها(28).

فرفض الآخرين للسنّة النبوية التي أراد أمير المؤمنين(عليه السلام) إحياءها كان نابعاً من صلابته وعدله، فلما لم يجدوا عنده مبتغاهم من حطام الدنيا لم يكن ثمة ما يدعو للامتثال له في تصحيح السنّة، كما امتثلوا للآخرين من قبل في تحريف السنّة طالما كان هناك ثمن للتغيير والسكوت عنه.

 

الهوامش:

(1) القلم: 4 .

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدبيد: 13/197 .

(3) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: 9/103، وقال: أخرجه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيحين.

(4) السيرة الحلبية: 2/20.

(5) شرح نهج البلاغة: 1/20.

(6) تاريخ دمشق: 42/331 عن ابن عباس.

(7) صحيح مسلم: 4/187، البخاي: 5/24، كتاب فضائل أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب: 3/202 وهو من أثبت الآثار وأصحها.

(8) الصواعق المحرقة: 126.

(9) كنز العمال: 13/114.

(10) المستدرك على الصحيحين: 3/138.

(11) الطبقاتالكبرى: 2/339.

(12) تاريخ دمشق: 42/397.

(13) تاريخ بغداد: 4/410، تاريخ دمشق: 5/230.

(14) المعجم الكبير للطبراني: 23/380.

(15) كفاية الطالب: 332 عن أبي أمامة.

(16) نهج البلاغة: الخطبة 50.

(17) نهج البلاغة: الخطبة 123.

(18) نهج البلاغة: الخطبة 51.

(19) نهج البلاغة: الخطبة 15.

(20) نهج البلاغة: الخطبة 110.

(21) نهج البلاغة: الخطبة 88 .

(22) نهج البلاغة: الخطبة 145.

(23) صحيح مسلم: 1/91، صحيح البخاري: 2/116.

(24) المحلى: 4/270.

(25) البخاري: 2/209، كتاب الصلاة، باب: يكبّر وهو ينهض بين السجدتين، مسند أحمد: 7/200 .

(26) الكافي: 8/58.

(27) نهج البلاغة: الحكمة 272 .

(28) شرح نهج البلاغة: 1/69.

«وكالة الطاقة»: لا تغيير جذرياً في البرنامج النووي

في ختام محادثات ماراثونية مع المسؤولين الإيرانيين في طهران، أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، أمس، أنه لم يرصد تغيراً «جذرياً» في البرنامج النووي الإيراني خلال الثلاثة أشهر الماضية، وهي نفس الفترة تقريباً التي تسلّم فيها الرئيس حسن روحاني رئاسة البلاد، بينما رأى رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، أن توقيع الاتفاق النووي مع يوكيا أمانو سيمهد الأرضية لتلطيف الأجواء وإعادة الثقة إلى إيران.

وقال، في مقابلة مع القناة الثانية في التلفزيون الإيراني: «إن تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية قديم وطويل الأمد، حيث إن إيران من أوائل الدول التي انضمت إلى معاهدة حظر الانتشار النووي. طبعاً، هناك قضايا سوء الفهم التي حدثت في ما بعد ومزاعم زمرة المنافقين (منظمة مجاهدي خلق)، أن إيران لديها نشاطات سرية في ناتنز (وسط إيران) والتي رد عليها المدير العام السابق لوكالة الطاقة محمد البرادعي، في حينها».

وأضاف صالحي أن «طرح مثل هذه الشبهة أدى إلى تسييس القضية النووية التي لها خلفية تقنية وأكثر من ذلك أسس حقوقية، ومنذ عام 2002 ولحد الآن انشغلنا بهذا الملف».

وأكد رئيس منظمة الطاقة الذرية أن إيران قدّمت الأجوبة اللازمة على استفسارات الوكالة الدولية، وذلك في 107 صفحات، مشيراً إلى أن البيان المشترك الذي وقعه مع يوكيا خلال زيارته الأخيرة لطهران، شدد على حل القضايا العالقة على أساس حسن النيات وإرادة الجانبين.

وأوضح صالحي أن الاتفاق يتضمن ستة بنود هي: تفقد مصنع المياه الثقيلة في آراك (وسط البلاد)، تفقد منجم غتشين، المعلومات المتعلقة بالمفاعلات البحثية التي من المقرر إنشاؤها، أماكن بناء المحطات النووية، عدد المفاعلات البحثية والتخصيب الليزري.

وأعرب عن أمله أن يوضع الحجر الأساس لثاني محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية في البلاد في بداية العام الإيراني المقبل (يبدأ في آذار 2014).

ولفت إلى أن المنشآت النووية الإيرانية تنتج حالياً 15 عقاراً طبياً مشعاً، وأقامت منظمة الطاقة ورشات تعليمية عديدة بالتعاون مع الوكالة الدولية في إيران، فضلاً عن إحراز التقدم في إنتاج المعدات والأجهزة الخاصة بالتقاط الصور الدقيقة.

في المقابل، قال المدير العام للوكالة التابعة للأمم المتحدة إن الجمهورية الإسلامية ما زالت مستمرة في أكثر أنشطتها النووية حساسية، وهي تخصيب اليورانيوم إلى نسبة نقاء 20 في المئة.

وأضاف أنه ما زال يتعين على إيران أن «تفعل الكثير» لاستكمال مفاعل آراك للأبحاث، وهو مفاعل يثير قلق الغرب كثيراً؛ لأنه يمكنه إنتاج مواد تستخدم في صنع قنبلة بعد تشغيله.

وعشية صدور متوقع لتقرير وكالة الطاقة ربع السنوي المقبل بشأن أنشطة إيران النووية. قال يوكيا: «يمكنني القول إن أنشطة التخصيب مستمرة... لم يتم إبلاغي بتغيير جذري».

في تداعيات محادثات جنيف بين إيران والقوى الكبرى «5+1» أفاد البيت الأبيض بأن مجموعة الست متحدة في جهودها للتفاوض على اتفاق نووي مع إيران، رغم مؤشرات على انقسامات في ما بينها.

وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، جاي كارني، إن الولايات المتحدة وحلفاءها الرئيسيين كانوا متحدين في جنيف في جولة محادثات اختتمت يوم السبت الماضي، مضيفاً بقوله: «ما زلنا متحدين».

وأضاف كارني أن الولايات المتحدة ما زالت تعمل على التوصل إلى اتفاق. ومن المقرر إجراء المزيد من المحادثات في وقت لاحق هذا الشهر، مشدداً على أن أي اتفاق يجري التوصل إليه «يجب أن يلبي معاييرنا» بإيجاد وسيلة للتحقق من عدم تطوير إيران أسلحة نووية.

وأضاف: «يتعين علينا متابعة ذلك. نحتاج لمعرفة ما إذا كانت إيران جادة».

السبت, 16 تشرين2/نوفمبر 2013 07:23

حذر في إسرائيل بعد تهديدات نصرالله

حذر في إسرائيل بعد تهديدات نصرالله

صمت تل أبيب الرسمي حيال الحراك اللبناني المفعّل أخيراً في وجه التجسس الإسرائيلي على لبنان، لم يدم طويلاً. تهديدات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بأن المقاومة قادرة على التدخل و«تستطيع أن تفعل أشياء كثيرة»، حركت خشية إسرائيل من الآتي، ودفعتها الى تكرار تهديداتها والرد على الحملة ضد تجسسها، باعتباره عملاً يأتي ضمن الإجراءات الدفاعية في وجه حزب الله.

الرسالة الإسرائيلية جاءت متلفزة، وعبر القناة العبرية الثانية التي جال مراسلها للشؤون العسكرية، أمير بار شالوم، على الحدود مع لبنان ليستعرض المهام الأمنية الجارية للوحدات العسكرية المرابطة هناك، وتحديداً مع كتيبة «ليمان» التابعة للفرقة 91، والتي أكد قائدها، يوآف بار شتت، طبيعة «الانشطة الاستخبارية» لإسرائيل، من خلال التأكيد على ما سمّاه يقظة الجيش وقدراته الدفاعية في وجه أي انشطة حزب الله على الحدود.

ذكر تقرير القناة أن تهديدات السيد نصرالله لإسرائيل وللولايات المتحدة بالتجسس على لبنان جاءت رغم المعارك القاسية التي يخوضها عناصر الحزب في الساحة السورية، وتهدف، بحسب القناة، إلى «تثبيت سيطرته على طول الحدود مع إسرائيل»، مشيرة إلى أن «المنظر الطبيعي الرائع في الجانب الثاني من الحدود يخفي توتراً كبيراً ظهر في الأيام الأخيرة، وتحديداً من لبنان، بعد أن قامت جهات لبنانية بالادعاء أن إسرائيل عززت بشكل كبير وواضح وسائل الجمع الاستخباري الموجودة في حوزتها، على طول الحدود».

في الرد على «الادعاءات اللبنانية بالتجسس»، أشار قائد كتيبة ليمان إلى أن «الساحة المقابلة هي ساحة مخادعة ومعقدة، وعلى نقيض مما تبدو عليه من هدوء»، معرباً عن ارتياحه للجهود المفعّلة لوحدات الجيش الإسرائيلي «الذي ينشط للدفاع عن أمن إسرائيل، ويقوم بكل واجباته للتأكد من أن أحداً لن يمس السكان والمدنيين هنا، ونحن نقوم بما علينا وبالوسائل التي تكفل ذلك».

وردّ بار شتت الأنشطة الإسرائيلية مقابل لبنان إلى طبيعة الجهود التي ينفذها الجيش في مواجهة وجود حزب الله وعناصره وأنشطتهم في الطرف الثاني المقابل، مشيراً إلى أن «حزب الله يعمل هنا كالمعتاد، وعناصره يراقبون ويشاهدون قواتنا ووحداتنا، وهو يحاول أن يطبّق وينفذ ما اعتاد القيام به من أنشطة، إذ إنه يخطط ويعمل هنا، أما نحن فنعمل على مواجهته ومواجهة أنشطته، سواء عبر إجراءات وتدابير علنية واضحة، أو مخفية غير مرئية، عبر وسائل استخبارية تكنولوجية، وكذلك عبر أنشطة قتالية ميدانية، لكشف ما يقوم به حزب الله، ولمنعها».

وبحسب تقرير القناة، «توقيت النقاش اللبناني حول التجسس الإسرائيلي يحمل أكثر من تفسير، وأحد هذه التفسيرات أنه محاولة من قبل حزب الله لحرف الأنظار عن وضعه الصعب في الساحة الداخلية اللبنانية»، مع تأكيد القناة أن الجيش الإسرائيلي لا يستخف بالنقاشات الدائرة في لبنان، وأن «الجيش يتابع بحذر في الأيام الأخيرة كل ما يحصل هناك، خصوصاً عندما نتذكر جيداً أن لدى نصرالله حساباً مفتوحاً مع إسرائيل».

إلى ذلك، نفذ سلاح البحرية الإسرائيلي مناورة أركانية في عرض البحر، بالتعاون مع الموساد، ضمن فرضية تردّي الأوضاع الأمنية مع لبنان وسوريا، والانجرار إلى حرب.

وأشار أحد الضباط الإسرائيليين، ممن قادوا المناورة البحرية، إلى أن التهديد الموجه ضد إسرائيل تعاظم في السنوات الأخيرة، وتعاظم أكثر على خلفية المخاوف من تلقّي حزب الله لصواريخ نوعية من سوريا، رغم تأكيده على فرضية إضافية، أن «كل ما في حوزة إيران، بات بالفعل في حوزة نصرالله».

مع ذلك، أكد الضابط أنه «لا يهم إن كانت صواريخ ياخونت (الروسية الصنع) موجودة لدى الرئيس السوري بشار الأسد أو لدى حزب الله، فالأسد الذي عرفناه في السابق لم يعد هو هو، ولست مقتنعاً بأنه أقل جنوناً من نصرالله»، وانطلاقاً من هذه الفرضية، أضاف الضابط، «تحولت الساحة الشمالية إلى ساحة واحدة، إنها جبهة واحدة تتشكل من حزب الله وسوريا على السواء».

هل تضلّل واشنطن تل أبيب حول مفاعيل العقوبات ضد إيران؟

في الوقت الذي يسود فيه شعور لدى الأوساط الاسرائيلية بأن الولايات المتحدة تسعى للاتفاق مع طهران، بأي ثمن، تتواصل الرسائل الضمنية والصريحة المتبادلة، عبر وسائل الإعلام، بين الطرفين الأميركي والاسرائيلي، إذ تتبع واشنطن مع تل أبيب أسلوب التضليل عبر طمأنتها إزاء مفاعيل نسبة العقوبات التي سيتم تخفيفها على ايران.

وقد حرص رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على التعبير عن عدم تأثره بما تضمنه التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول عدم توسع البرنامج النووي الايراني منذ ثلاثة أشهر، اي منذ تولي حسن روحاني رئاسة الجمهورية، كونه لا يتلاءم مع متطلبات الحملة السياسية التي يشنها في مواجهة ارتفاع إمكانية التوصل الى اتفاق أولي بين ايران ومجموعة «5+1».

ولتبرير موقفه السلبي، اعتبر نتنياهو ان ايران لم توسع برنامجها النووي، لأن لديها البنية التحتية التي تمكنها من انتاج اسلحة نووية. مضيفاً بأن السؤال ليس ان كانوا يوسعون برنامجهم، وانما كيف نوقفه، الأمر الذي يفرض استمرار الضغوط على ايران.

في هذا الوقت، توقّع مسؤول أميركي رفيع المستوى أمس، أن مجموعة الدول الست تقترب من إبرام اتفاق أولي مع إيران للحد من برنامجها النووي خلال اجتماعهما في جنيف في 21 و22 تشرين الثاني الحالي.

وأضاف المسؤول «لا أعرف ما إذا كنا سنتوصل إلى اتفاق. أعتقد أنه من الممكن جداً أن نستطيع، ولكن ما زالت هناك قضايا صعبة»، مشيراً الى لقاء تعقده مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، يوم 20 تشرين الثاني في جنيف أيضاً.

في الوقت نفسه، شدد وزير الاستخبارات الاسرائيلي، يوفال شطاينتس، على وجود خلافات بين اسرائيل والولايات المتحدة، مشيراً الى وجود فوارق كبيرة بين تقديرات الطرفين حول الاثر الاقتصادي لتخفيف العقوبات على ايران. لكنه اضاف في مقابلة مع الاذاعة الاسرائيلية، إن العلاقات بين واشنطن وتل أبيب جيدة جداً على الرغم من الجدال المركز بينهما.

بدوره، هاجم وزير الاقتصاد رئيس حزب البيت اليهودي، نفتالي بينيت، الاتفاق الذي يجري العمل على بلورته بين ايران والدول العظمى الست، مضيفاً في كلمة أمام معهد «بركنغز» في واشنطن، إنه في حال حصول إيران على سلاح نووي فإن اسرائيل ستكون هدفها الأول وليس الأخير، ومحاولا تحريض الاوروبيين والاميركيين بالقول إنه لدى ايران أيضاً صواريخ تصل إلى روما ومدريد ولندن، وإنه «ليس من الصعب وضع حقيبة نووية تنفجر في واشنطن».

وفي ما يتعلق بكون الاتفاق الاولي مرحلة للوصول الى الاتفاق النهائي، اضاف بينيت، إنه «بعد ستة اشهر، ستكون الأوراق ضعيفة مقابل ايران، وان اسرائيل لا تستطيع الانتظار الى حين محوها عن الخريطة.

اما لجهة ردود الفعل الاسرائيلية على التصريحات التي نُسِبت الى وزير الخارجية الاميركية جون كيري، ودعا فيها اعضاء اللجنة المالية التابعة للكونغرس الى عدم تصديق كل ما يقوله الاسرائيليون بشأن الصفقة المتوقعة مع ايران، لأنهم غير مطلعين على تفاصيلها، فقد أعرب الوزير الإسرائيلي، جلعاد أردان، عن حزب الليكود، عن شعوره بالذهول عندما سمع بهذه التصريحات. وتساءل اردان، بحسب موقع «واللاه»، «هل تتوقعون من رئيس الحكومة الإسرائيلية، عندما يدور الحديث عن دولة تدعو لإبادة إسرائيل، ألا يصرخ عندما يرى هذه الدولة تمسك بالسكين، وهل عليه انتظار أن توضع السكين على عنقه». وأضاف أردان الذي تحدث في مؤتمر لمعهد دراسات الأمن القومي، إن وزير الخارجية الإيراني، ورفاقه يتجولون في جنيف من دون أن يتمكن أحد من محو ابتساماتهم، بل إنهم هم لا يصدقون هذه السهولة التي تمكنوا من خلالها من هدم منظومة العقوبات.

اما عضو لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، بنيامين بن إليعيزر، فقد اكد، في ما يتعلق بالشأن الايراني، أنه «لا يوجد في اسرائيل معارضة وحكومة، فالخطر الإيراني يهدد استقرار الشرق الأوسط والعالم». وأضاف أيضاً أن المصالح الإسرائيلية الأميركية في المسألة الإيرانية مشتركة ومتشابهة، ولا مانع من أن تكون هناك خلافات في مواقف الحلفاء. لكن رئيسة حزب «ميرتس» زهافا غالئون، اعتبرت أن تصريحات كيري تشكل حجباً للثقة عن القيادة الإسرائيلية، التي يُفترض فيها أن تشعل الضوء الأحمر لدى هذه القيادة. واضافت ايضا أن تعميق الخلافات مع الولايات المتحدة يشكل خطرا على إسرائيل، يفوق خطر القنبلة الإيرانية.

في المقابل، ذكر «واللاه»، ان الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز وجّه انتقاداً لاذعاً لرئيس الحكومة بسبب حدة الخلافات التي تشهدها الأيام الأخيرة مع الولايات المتحدة ومع وزير خارجيتها على وجه الخصوص حول الملف النووي الإيراني. واضاف الموقع نقلاً عن بيريز قوله خلال اجتماع مع نتنياهو «علاقتنا مع الولايات المتحدة قوية وأمر أساسي لا يمكن أن يتزعزع، وللعلاقات بيننا تاريخ عميق».

وتابع بيريز حديثه «إن دعم الولايات المتحدة لنا مميز ونحن أصحاب حظ بأن الولايات المتحدة كانت وستبقى صديقة لنا»، مشيراً الى أنه على الرغم من الأجواء التي يبثها نتنياهو مؤخراً، لم يكن هناك طلب إسرائيلي واحد لم تستجب له الإدارة الأميركية برئاسة أوباما.

الى ذلك، كشف استطلاع رأي نشرته صحيفة «اسرائيل اليوم»، ان 65.5 في المئة، من الجمهور الاسرائيلي يرون أن على اسرائيل معارضة الاتفاق المتبلور بين الغرب وايران في محادثات جنيف، في مقابل، 16.2 في المئة فقط يعتقدون بان على اسرائيل أن تؤيد الاتفاق. كما أعرب 52.5 في المئة عن تأييدهم سلوك نتنياهو في الجدال نحو الولايات المتحدة في كل ما يتعلق بالاتفاق. كما أعرب 68.8 في المئة عن ثقتهم بقدرة الجيش الاسرائيلي على مهاجمة ايران وحده، فيما ايد تنفيذ خطوة من هذا النوع، 52.4 في المئة.

إيران ولُعبة شد الحبل بين البيت الأبيض والكونغرس

الإيام التي سبقت المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة ۵+۱ في جنيف وكذلك الإيام التي تلتها ، كشفت وبشكل واضح عن جوانب في غاية الاهمية في سياسة الغرب وأمريكا و إسرائيل والرجعية العربية ازاء إيران وبرنامجها النووي ، لم تكن معروفة للبعض او علي الاقل لم تكن بهذا الوضوح الذي عليه الان.

الاعلان عن احتمال توصل مجموعة ۵+۱ الي اتفاق مع ايران جعل الثنائي الاسرائيلي الرجعي العربي يخرج عن كل ما هو مألوف ويتخذ مواقف مسرحية مضحكة وبائسة في نفس الوقت ، كما بان من تصرفات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وتصريحاته الصبيانة وكذلك من تصرفات أثرياء العرب الغاضبة والساذجة ، وهي تصريحات ومواقف ما كانت لتظهر بهذا الوضوح لولا البرنامج النووي الايراني ، الذي كشف عن مدي عجز هذا الثنائي الذي دخل في حالة هستيريا لم يخرج منها حتي الان. اما وقع تعامل ايران الشفاف والمسؤول مع الاسرة الدولية ، علي فرنسا ، التي تعتبر نفسها دولة عظمي و قائدة للاتحاد الاوروبي الي جانب المانيا ، لم يكن اقل تاثيرا من وقعه علي الثنائي الاسرائيلي الرجعي العربي ، فاذا بفرنسا كما الثنائي المذكور ، تخرج عن طورها ، فالجميع رأي وزير خارجيتها لوران فابيوس ، يخرج عن اجماع رفاقه في مجموعة ۵+۱ منذ ان وطأت قدميه جنيف ، فينعي المفاوضات ويكشف للصحفيين عن الكثير من جوانبها ، في الوقت الذي اتفق المتفاوضون علي الابقاء علي سريتها ، واثارت تصرفاته امتعاظ حلفائه في باديء الامر ، الا انهم حاولوا بعد ذلك تبرير تصرفاته ولكل دون جدوي ، بعد ان انكشف الدور الفاضح الذي قام به فابيوس ، والذي حول فيه فرنسا الي سمسار ، يسعي للحصول علي المال العربي والنفوذ الاسرائيلي. الادهي في كل ما مر انه لم تتكشف عورة السياسات الغربية والاسرائيلية والرجعية العربية ، امام البرنامج النووي الايراني ، كما انكشفت عورة السياسة الامريكية ، فإن بانت تلك السياسات علي حقيقتها ، فارغة الا من القوة المتوحشة والحقد الاعمي والدونية امام المال والنفوذ ، فإن السياسة الامريكية ظهرت بمظهر لاتُحسد عليه ايضا، لاسيما بعد التاكيد المريب وغير المألوف علي التباين الحاصل في المواقف بين الكونغرس الامريكي وبين البيت الابيض بشأن فرض حظر جديد عل إيران !. تري ما معني كل هذا التأكيد المفرط من كبار اعضاء في الكونغرس ، يوصفون بالكبار!! ، امثال السناتور بوب كروكر، والسناتور تيم جونسون ، والسناتور روبرت منينديز وغيرهم علي الاستعجال بفرض عقوبات جديدة علي ايران ، تقلص صادراتها النفطية الي الصفر، كما يدعون ؟!! ، ولماذا كل هذا الاستياء من قبلهم لطلب البيت الابيض منهم التريث في فرض هذه العقوبات حتي لمدة اسبوعين علي الاقل !! ، تري الا يري هؤلاء ان هناك مفاوضات جارية بين ايران ومجموعة ۵+۱ ؟ ، اليست بلدهم مشارك في هذه المفاوضات وفي اعلي المستويات بوصفها عضو ضمن مجموعة ۵+۱؟ ، الا يفرض المنطق السياسي نفسه علي هؤلاء ان يتريثوا حتي تنتهي المفاوضات؟ ، هل اوقف الحظر الامريكي عجلة التطور في ايران علي مدي اكثر من ثلاثة عقود؟، هل اوقف الحظر الامريكي البرنامج النووي الايراني ، ام شهد هذا البرنامج طفرات واسعة في ظل هذا الحظر؟. يبدو ان الملف النووي الايراني اجبر الادارة الامريكية ومعها الكونغرس ، كما اجبر اخرين ، في دخول لعبة أريد منها ايصال رسالة مشتركة الي الايرانيين مفادها ؛ اما ان تسارعوا الي عقد اتفاق نووي وفقا لمقاييس اسرائيل والرجعية العربية ، واما ان تترك ايران وحيدة امام صقور الكونغرس الامريكي. لعبة شد الحبل ، التي تحاول امريكا اظهارها بانها جارية بسبب ايران بين البيت الابيض والكونغرس الامريكي ، حيث يري الاخير ، وفقا لهذا اللعبة ، انه لا حل سياسيا للبرنامج النووي الايراني ، بينما يري الاول ان رفض التسوية السياسية يعني الذهاب الي الحرب والشعب الامريكي لايريد الحرب ، هذه اللعبة ، كان علي القائمين عليها ان يتريثوا قبل البدء بها ، لانها كشفت للعالم ، خلافا لرغبة الامريكيين ، صلابة ايران ، التي دفعت بلدا يدعي انه الاقوي في العالم لاعتماد لعبة ساذجة عسي ان يحصل منها علي تنازلات عجز عن الحصول عليها بالقوة.

بقلم: ماجد حاتمي

السيد جون كيري .. الكذب ليس أقل سوءاً من الغباء

في الوقت الذي لم يختلف اثنان من المراقبين، الذين تابعوا تفاصيل جولة المفاوضات النووية الاخيرة بين ايران و مجموعة ۵+۱، علي الدور السلبي الواضح لوزير خارجية فرنسا لوران فابيوس في عرقلة عمل المفاوضين، يخرج وزير الخارجية الامريكي جون كيري علي الناس خلال زيارته للامارات الاثنين الماضي محملا ايران مسؤولية عدم التوصل الي اتفاق. صحيح ان التصريحات الامريكية ازاء ايران تصل الي حد التناقض، مع اختلاف الضيف الذي يحاوره هذا الامريكي ، فهو يقول شيئا عندما يتحدث الي الصحفيين او الي اي ضيف الا انه يقول عكس ذلك، عندما يكون امامه احد زعماء اسرائيل او احد مشايخ الخليج الفارسي، وهذا الامر يمكن خلق التبريرات والمعاذير له لاسباب معروفة، ولكن ان يدلي مسؤول امريكي بمستوي جون كيري بتصريحات تتناقض كل التناقض مع حقائق ومواقف لم تمر عليها الا ساعات، فهذا امر، يقتلع الثقة من جذورها.

كان من الممكن علي رئيس الدبلوماسية الامريكية، ان يبرر عدم توصل المتفاوضين في جنيف الي صيغة موحدة ولكن بشكل اخر، لا ان يحاول اظهار وحدة موقف معسكره، علي حساب الحقيقة عبر ليّ عنقها بهذا الشكل الفج.

ان تصريحات ومواقف فابيوس البعيدة عن الدبلوماسية وعن المسؤولية اثارت حتي حفيظة زملائه الاوروبيين وخاصة الالمان كما نقلت صحيفة الشرق الاوسط عن مصادرها الخاصة في عددها الصادر يوم الاحد ۱۰ تشرين الثاني نوفمبر. ونقلت الصحيفة ايضا عن مندوب امريكي قوله ان فرنسا مثل من جاء متأخرا ويتمسك بالعودة لنقطة البداية.

كما نقلت وكالات الانباء والصحافة العالمية عن دبلوماسي غربي قوله ان الأميركيين والاتحاد الأوروبي والإيرانيين عملوا بشكل مكثف طوال أشهر علي هذا الاقتراح، وهذه ليست إلا محاولة من فابيوس للتدخل في اللحظة الأخيرة للعب دور في المفاوضات.

اما وزير خارجية السويد كارل بيلت فقد ذهب الي ابعد من ذلك وأكد في تغريدة علي موقع تويتر: يبدو أن المفاوضات في جنيف لا تجري مع إيران، بل في صفوف المجموعة الغربية. هذا ليس أمرا جيدا.

اما الرد الاقوي علي كيري فجاء من وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الذي تساءل علي تويتر: سيدي الوزير هل كانت ايران هي من حذف أكثر من نصف المسودة الامريكية مساء الخميس وادلي علنا بتعليقات معارضة لها صباح الجمعة؟ . لا يمكن لاي قدر من المراوغة ان يغير ما حدث داخل مجموعة القوي الست في جنيف من السادسة مساء الخميس حتي ۵.۴۵ مساء السبت. لكنه يمكن أن يزيد من تقويض الثقة.

ما ذهب اليه المراقبون والاوروبيون والايرانيون لقي تاييدا قويا من روسيا ، التي هي عضو مهم في مجموعة ۵+۱، حيث أيد مصدر في وزارة الخارجية الروسية في حديث مع وكالة رويترز ما ذهب اليه هؤلاء وقال معلقا علي تصريحات كيري يبسط هذا التفسير كثيرا فحوي ما حدث في جنيف بل ويشوهه.

وأضاف كانت المسودة التي أعدها الأمريكيون للوثيقة المشتركة مناسبة للجانب الإيراني.. لكن اتخاذ قرار في محادثات بمثل هذه الصيغة يتم بالإجماع لذا لم يتسن التوصل إلي اتفاق نهائي للأسف. لكنه لم يكن ذنب الإيرانيين.

اما السر الحقيقي وراء تصرف فابيوس في جنيف فكان عند اسرائيل، فقد ذكرت وسائل اعلامها و من بينها القناة العاشرة الاسرائيلية، ان موقف فابيوس في جنيف جاء بتحريض من دولة كبيرة في الخليج الفارسي، لا تحتمل كما اسرائيل، ان تري تسوية للملف النووي الايراني عبر الوسائل السياسية.

الامر المؤسف الذي يحز في النفس هو ان نري اسرائيل وقد تحولت الي ناطق رسمي لبعض الدول العربية في الخليج الفارسي، بعد ان اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، انه لا يتحدث عن قلق اسرائيل وحدها بل يتحدث باسم العرب الذين هم قلقون ايضا مثل اسرائيل من البرنامج النووي الايراني!!، داعيا امريكا الي درك خطر ايران عندما يوحد هذا الخطر اسرائيل والعرب!!.

اخيرا، علي جون كيري، الذي اعتبر الامريكيين ليسوا اغبياء في التعامل مع ايران، ان يعرف ان الكذب ايضا ليس اقل سوءا من الغباء، فهو يحكم بالفشل علي اي جهد سياسي قبل ان يبدأ.

بقلم: ماجد حاتمي

الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2013 08:14

بين لوران فابيوس وخلف بن أمين

بين لوران فابيوس وخلف بن أمين

لا تصير خلف ، إي لا تصبح مثل خلف ، هذه العبارة الشهيرة تطلق في الموروث الشعبي العراقي عادة علي كل شخص يدعي لنفسه فخراً أو عملا مهماً ، دون ان يصنعه.

العبارة العراقية الشهيرة لا تصير خلف قفزت الي ذهني وانا اتابع مواقف وتصريحات وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس ، والتي شذ فيها حتي عن مواقف حلفائه ، متجاوزا الموقف الامريكي ، ومزايدا علي مواقف اسرائيل ، فكانت محاولات مستميتة لوضع العصي في دولاب المفاوضات النووية ، التي جرت علي مدي ثلاثة ايام في جنيف ، والتي كادت ان تنتهي الي صيغة من التفاهم ترضي جميع الاطراف المعنية بالبرنامج النووي الايراني.

ومن اجل التعرف علي الاسباب الحقيقية وراء تصرفات فابيوس وزير خارجية فرانسوا هولاند ، علينا ان نتعرف علي صاحبنا خلف ، النسخة العراقية لفابيوس ، يقول المؤرخ العراقي الدكتور علي الوردي في كتابة الشهير لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ، ان خلف بن أمين عاش في بغداد في اواخر العهد العثماني ولا يزال اهل بغداد يتناقلون نوادره ويتفكهون بها , وخلاصة امره انه كان قميئا جبانا وليس لديه من المؤهلات ما يجعل منه شقيا مشهورا لكنه كان يطمح ان يكون شقيا يشار اليه بالبنان .. وكانت احاديثه مع الناس لا تخلو من قصص القتال والسلب والسطو علي البيوت .. وهو يعزو الكثير منها الي نفسه طبعا , واذا وقعت حادثه او سرقه كبيره ذهب الي مركز الشرطه يسال الناس هل ورد اسمه بين المتهمين , ومن هنا جاء المثل البغدادي المعروف ما جابو اسم خالكم ؟! (الم يذكروا اسم خالكم) وكثيرا ما يحشر نفسه بين المتهمين او يعمد الي الاعتراف امام الحاكم ... فكان يطلق سراحه في كل قضيه .. يمكن القول ان معظم الناس كانوا مثل خلف بن امين يحبون التفاخر المصطنع بالشقاوه , وانما اشتهر خلف وحده بهذا لانه افرط في تفاخره حتي صار اضحوكه الناس.

قصة خلف هذا وتصرفاته وكلامه تشبه الي حد كبير تصرفات وتصريحات فابيوس، فقد اثارت حالة من التعجب والاستغراب وحتي الاستهزاء من جانب حلفاء باريس انفسهم وقد رأت فيها وكالة انباء رويترز انقساما داخل المعسكر الغربي ، ونقلت عن دبلوماسي غربي قريب من المفاوضات ، دون ان تذكر اسمه ، قوله إن الفرنسيين يحاولون خطف الأنظار من القوي الأخري. اما وزير خارجية السويد كارل بيلد وفي اشارة الي مواقف فابيوس قال ان ما يجري في جنيف ليست مفاوضات مع ايران بل هي مفاوضات بين الغربيين انفسهم. اما منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي كاترين اشتون فقد نأت بنفسها عن الخوض في هذا الموضوع وقالت ، انها لا تريد الدخول في تفاصيل المفاوضات ، عندما سئلت عن موقف فرنسا ودورها في عدم التوصل الي اتفاق.

قلنا ان مواقف فابيوس اثارت الاستغراب والاستهزاء ولم نقل علامات استفهام ، لانها وبصراحة معروفة ومكشوفة الاسباب التي وراءها ، ففابيوس ، كما خلف بن امين ، يبحث له عن دور بين اللاعبين الكبار ، بعد ان تم تجاهل فرنسا بالمرة في الاتفاق الكيمياوي الذي توصلت اليه روسيا وامريكا بمساعدة قوي اقليمية كبري مثل ايران ، وهو اتفاق اصاب بالصميم استراتيجية فرنسا وحلفائها في منطقة الشرق الاوسط ، فكان لابد لفابيوس رفيق خلف بن امين ، ان يتخذ ما اتخذ من مواقف وان يدلي بما ادلي من تصريحات.

ان فابيوس ورئيس حكومته هولاند ، في وضع لا يحسد عليه علي الصعيدين الداخلي والخارجي ، فعلي الصعيد الداخلي سجل هولاند وحكومته رقما قياسيا في تدني الشعبية لم يسبقه اليه رئيس فرنسي اخر ، فقد أظهر اخر استطلاع للرأي ان فرانسوا هولاند أصبح صاحب أدني شعبية بين رؤساء فرنسا . وتراجعت شعبية هولاند إلي ۲۶% بين من شملهم الاستطلاع، وهذه أول مرة يظهر مسح لمعهد استطلاعات الرأي الفرنسي بي في أي تدني شعبية رئيس فرنسي إلي ما دون ۳۰%. وتعد هذه النسبة هي الأدني خلال ۳۲ عاما دأب فيها معهد بي في أي علي تنظيم استطلاعات رأي من هذا النوع.

يذكر أن شعبية هولاند بدأت في التراجع سريعا في أعقاب انتخابه في مايو/أيار ۲۰۱۲، لكنها مع هذا الاستطلاع نزلت إلي أدني مستوي سجله أي رئيس فرنسي خلال توليه السلطة.

ويعزي سبب هبوط شعبية هولاند إلي الاستياء المرتبط بزيادة الضرائب والبطالة والخلافات المتعلقة بسياسة الحكومة بشأن الهجرة إلي فرنسا.

كما اعتبر خفض وكالة فيتش للتصنيف الائتماني لتصنيف فرنسا ضربة لهولاند الذي تكافح حكومته لتصحيح ماليتها وإنعاش اقتصاد فرنسا بعد سقوطه في الركود.حيث تم خفض تصنيف فرنسا من أعلي تصنيف ائتماني (أي أي أي) إلي أي أي زائد. وعزت الوكالة قرار الخفض لوجود علامات شك تحوم حول نمو الاقتصاد الفرنسي، وهو ما يقلص هامش تحرك الحكومة الفرنسية لتحقيق أهدافها لضبط وضعها المالي.

اما علي الصعيد الخارجي فحدث ولا حرج عن نكسات سياسة هولاند وفريقه ، وخير مثال علي ذلك نكسته الكبري في التعامل مع الازمة السورية ، ففي الوقت الذي رفضت جميع دول الاتحاد الاوروبي حتي بريطانيا اقرب حلفاء امريكا التقليديين ، الانضمام الي امريكا في الحرب ضد سوريا ، فاذا بهولاند وفابيوس يخرجان عن هذا الاجماع ويرتضيان بالحاق فرنسا كتابع للسياسة الامريكية ، دون ان يأخذا راي الشعب الفرنسي كما فعل رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون ، واخذا يقرعان طبول الحرب بشكل اكثر قوة واصرارا من امريكا ، الا ان الاخيرة تركت باريس تقرع طبول الحرب في العراء عندما رأت ان من مصلحتها الاصغاء الي روسيا للخروج من المأزق الكيمياوي.

يبدو ان صلف فابيوس اقوي من صلف خلف بن امين نفسه ، فهذه الصفعة التي وجهتها واشنطن للسياسة الفرنسية ، التي يعتبر فابيوس مسؤولا عن بعدها الخارجي ، لم تعيد الاتزان لفابيوس الباحث عن دور اكبر من حجمه وحجم بلاده ، فجاء هذه المرة الي جنيف حاملا معه مواقف تعكس اماني حلف الخائبين الذين تضرروا من جراء الاتفاق الكيميائي بين الكبار ، عندما اعلن ان اي اتفاق نووي يتم التوصل اليه يجب ان يأخذ مخاوف اسرائيل والعرب بنظر الاعتبار!! ، هنا تطرح بعض الاسئلة نفسها وبشكل قوي ، اولا من الذي نصب فرنسا ان تكون الام الحنون لاسرائيل والعرب؟ وهل للعرب واسرائيل ام أحن من امريكا؟ ومن الذي جعل العرب واسرائيل في خانة واحدة؟ وهل فابيوس اكثر احساسا بخطر ايران وبرنامجها النووي من باقي اعضاء مجموعة ۵+۱ ؟ الا يعلم هذا الدبلوماسي العبقري ان مخاوف اسرائيل لا تنتهي عند خفض مستوي التخصيب او التقليل من سرعة العمل في منشاة هنا او محطة هناك ، بل تنتهي عند تفكيك البرنامج النووي الايراني برمته وتجريد ايران حتي من اسلحتها التقليدية؟.

اخيرا هناك من يري إن مغازلة الثنائي هولاند وفابيوس لاثرياء العرب ولاسرائيل لن تجلب لهما المال والاستثمارات ، ولا النفوذ و التاثير ، بل علي العكس اضرت بمكانة فرنسا في اوروبا والعالم و ساهمت في زيادة نفور الشعب الفرنسي من حكومته ، التي هو نافرا منها اصلا بسبب ادائها السييء علي الصعيد الداخلي ، وبالتالي لن يكون حظ فابيوس ، افضل من حظ خلف بن امين ، الذي مات وهو يحلم ان يكون قويا تهابه الناس.

بقلم / ماجد حاتمي