Super User

Super User

الإمام الخامنئي يزور معرض النتاجات العلمية و البحثية في مؤسسة دار الحديثالإمام الخامنئي يزور معرض النتاجات العلمية و البحثية في مؤسسة دار الحديثعلى أعتاب الذكرى العطرة لولادة منقذ الإنسانية سيدنا الإمام المهدي المنتظر (عج) زار سماحة قائد الثورة الإسلامية يوم الأربعاء 11/06/2014 م معرض النتاجات العلمية و البحثية لمؤسسة دار الحديث. و قد عرضت أثناء هذه الزيارة موسوعة الإمام المهدي (عج) التي جرى إعدادها من قبل مؤسسة دار الحديث.

بعد هذه الزيارة تحدث قائد الثورة الإسلامية في اجتماع للأساتذة و الباحثين و المسؤولين و العاملين في مؤسسة دار الحديث و مركز بحوث القرآن و الحديث فشكر تدوين موسوعة الإمام المهدي (عج) و اعتبرها نموذجاً بارزاً لتشخيص الثغرات و القضايا اللازمة بشكل صحيح، و هدية قيمة للمجتمع الإسلامي و المجتمع العلمي على أعتاب عيد النصف من شعبان الكبير، و أضاف قائلاً: موضوع المهدوية و ظهور الإمام صاحب الأمر و الزمان (عج) وعد إلهي قاطع، و تحقق الوعود المعطاة للبشرية على مرّ التاريخ هو في الواقع نوع من تطمين البشر بأن ذلك الوعد الكبير أيضاً سيتحقق حتمياً.

و اعتبر سماحته انتصار الثورة الإسلامية في إيران تحققاً لأحد هذه الوعود المطمئنة للبشرية قائلاً: من كان يتصور أن تنتصر ثورة تقوم على أساس الدين و الفقه و الشريعة في هذه المنطقة البالغة الحساسية و في هذا البلد الكبير الأهمية و في موطن يحكمه نظام يحظى بدعم تام من قبل القوى العالمية؟

و أشار قائد الثورة الإسلامية في هذا الخصوص إلى نموذج قرآني قائلاً: في القرآن الكريم عندما تروى قصة طفولة النبي موسى (ع) يعطي الله أمّ موسى وعدين. الوعد الأول هو أنه سيردّ هذا الطفل الذي ألقته في الماء إليها، و الوعد الثاني هو أنه سيجعله رسولاً.

و نوّه آية الله العظمى السيد الخامنئي: تحقق الوعد الأول من قبل الله تعالى خلال مدة قصيرة كان في الواقع طمأنة بتحقق الوعد الثاني في سنين لاحقة.

و أشار سماحته إلى أن الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر (عج) و مآل مسيرة قافلة البشرية في هذه الدنيا من الجوانب المهمة في الرؤية الكونية للأديان الإلهية، مردفاً: تؤمن كل الأديان الإلهية بأن قافلة البشرية ستصل في نهاية الدرب إلى منزل منشود محبوب مطلوب خصوصيته الأهم هي العدالة.

و قال سماحته: قافلة البشرية سارت منذ فجر الخلقة في طريق ملئ بالمنعطفات و الأشواك و الوحول لتصل إلى طريق سهل منفتح، و هذا الطريق السهل هو فترة ظهور الإمام المهدي المنتظر (عج).

و أكد قائد الثورة الإسلامية على أن تحقق الظروف الإيجابية في فترة ظهور الإمام المهدي المنتظر (عج) لن تكون دفعية و فجائية، ملفتاً: في تلك الفترة أيضاً سيستمر النزاع بين الخير و الشر في طبيعة البشر، و سيكون هنالك أفراد أشرار إلى جانب الأفراد الصالحين، غير أن ظروف تلك الفترة ستكون بحيث تتوفر الأرضية بدرجة كبيرة لصلاح البشر و تحقق العدالة.

و وصف آية الله العظمى الإمام الخامنئي نهاية درب قافلة البشرية بأنها باعثة على كثير من الأمل، مؤكداً: انتظار الفرج انتظار باعث على الأمل و مانح للقوة، و روح الانتظار من أكبر نوافذ الفرج على المجتمع الإسلامي.

و في ختام حديثه شكر سماحته جهود حجة الإسلام و المسلمين ري شهري و الأساتذة و الباحثين في مؤسسة دار الحديث لإعداد موسوعة الإمام المهدي (عج).

قبل كلمة قائد الثورة الإسلامية تحدث حجة الإسلام و المسلمين محمدي ري شهري رئيس مؤسسة دار الحديث العلمية الثقافية مستعرضاً المميزات العلمية لموسوعة الإمام المهدي (عج).

الإمام الخامنئي يلتقي المسؤولين و عدداً من الباحثين في الجهاد الجامعيالإمام الخامنئي يلتقي المسؤولين و عدداً من الباحثين في الجهاد الجامعياستقبل آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية صباح يوم الإثنين 09/06/2014 م رئيس و مدراء الجهاد الجامعي و عدداً من الباحثين و الخبراء فيه، و اعتبر أن من لوازم الاستمرار بصورة صحيحة و سريعة في الحركة العلمية للبلاد «العمل و الإدارة الجهادية» و تعزيز روح «نحن قادرون» بالحفاظ على الاتجاهات الثورية و الإسلامية و تعيين دقيق للمواقع و الواجبات ضمن إطار الخارطة العلمية للبلاد مؤكداً: يجب أن تكون أهداف الحركة العلمية للبلاد زيادة العلم في العالم عن طريق تقديم نتاجات جديدة و مجهولة من العلم البشري داخل نطاق القيم الإنسانية.

و حيّى قائد الثورة الإسلامية في هذا اللقاء «يوم الشباب» معتبراً الميزة الأهم للجهاد الجامعي تمتعه بالطاقات الشبابية و المتخصصة في الوقت نفسه و ذات التفكير الجهادي قائلاً: الجهاد الجامعي مؤسسة مهمة لأنها مرتبطة من ناحية بالجامعة باعتبارها خندق العلم و قطب التقدم العلمي في البلاد، و تمتاز أيضاً بالمساعي الجهادية و لا توقفها العقبات و المضايقات عن المسير.

و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي على أن الورع و النية الإلهية و التوكل على الله تعالى من ضروريات السعي و الحركة الجهادية مضيفاً: مثل هذا التفكير و الروح في الأعمال العلمية تستجلب العناية الإلهية و انفتاح الطرق نحو التقدم العلمي.

و أشار سماحته في هذا الخصوص إلى شبهة من الشبهات قائلاً: قد يكون هذا السؤال مطروحاً بالنسبة للبعض بأنه إذا كانت التقوى الإلهية ممهداً للتقدم العلمي فكيف إذن استطاع بعض العلماء الذين لا تقوى لهم أو حتى الذين لم يكونوا يؤمنون بالله أن يحققوا حالات من التقدم العلمي؟

و أشار قائد الثورة الإسلامية في معرض إجابته عن هذا السؤال إلى الوعد الإلهي في القرآن الكريم بأن كل شخص يبدي المثابرة و العمل الدؤوب سوف يتلقى نتيجة و ثمرة حركته و مسيرته، مردفاً: و لكن ثمة اختلاف أساسي بين كيفية النتيجة و التقدم الذي يحصل ضمن إطار السعي بالاتجاه الإلهي، و الحركة في المسار غير الإلهي.

و قال آية الله العظمى السيد الخامنئي مبيّناً هذا الفرق: في الوقت الحاضر و على الرغم من حالات التقدم العلمية الواسعة في مختلف المجالات، ظهرت في الإنسانية حالات من المخاطر و الأضرار و الانحطاط و التعطش للسلطة، و قد سببت هذه الآفات محناً و معضلات عديدة للبشرية.

و لفت سماحته قائلاً: إذا كانت المساعي و التحركات العلمية ضمن إطار الاتجاهات و التقوى الإلهية، فلا شك أن نتائجها و ثمارها ستكون بمعزل عن الأضرار و الفجائع، و ستكون نافعة للبشرية.

و أضاف قائد الثورة الإسلامية: بمثل هذه الرؤية يمكن الاستنتاج بأن المكتسبات العلمية للمنظومة الجامعية و البحثية في البلاد خلال الأعوام الـ 35 الماضية هي أكثر و أجود بالتأكيد من مكتسبات 35 عاماً خالية من ظروف الروح الجهادية.

و نوّه آية الله العظمى السيد الخامنئي: على هذا الأساس إذا استمرت هذه الحركة العلمية لمدة 150 سنة أخرى فإن منجزات و مكتسبات شعب إيران ستكون أكثر بكثير من حركة علمية لبلد مثل أمريكا خلال الـ 150 عاماً الماضية.

و ألمح سماحته إلى البون العلمي المطرد بين العالم الغربي و البلدان الشرقية و الآسيوية مؤكداً: ردم هذا البون و الفاصلة العلمية بحاجة إلى حركة جهادية.

و اعتبر قائد الثورة الإسلامية النيّة الخالصة و الارتباط بالله و الخشوع مقابل الخالق و عدم الانحراف عن الأهداف الإلهية من الركائز الأصلية للحركة و الإدارة الجهادية مردفاً: إذا توفرت هذه الروح فإن الله سوف يفتح على عباده كل الساحات و الطرق سواء إدارة البلاد أو الإدارة العلمية و السياسية و الاجتماعية و التعاملات و التواصلات العالمية.

و اعتبر آية الله العظمى السيد الخامنئي تعزيز روح الثقة بالذات و روح «نحن قادرون» من ضروريات الحركة الجهادية قائلاً: للأسف جرت مساع طوال أعوام متمادية لتلقين الإيراني بأنه غير قادر، و لكن بعد انتصار الثورة الإسلامية نشر الإمام الخميني الجليل (رض) روحية «نحن قادرون» في الثقافة و الأدبيات السياسية و الثورية للبلاد، و يمكن مشاهدة نتائج ذلك الآن على شكل بروز قدرات الشعب الإيراني في مختلف المجالات.

و لفت سماحته قائلاً: رغم وجود بث روح الثقة بالذات في سنوات ما بعد انتصار الثورة الإسلامية لكن جذور ثقافة «نحن غير قادرين» الخاطئة لا تزال غير مستأصلة، و للأسف لا يزال هناك البعض في مختلف الميادين ينظرون للأجانب و تقدمهم العلمي و السياسي و العسكري و المادي.

و لفت قائد الثورة الإسلامية إلى نقطة في هذا الخصوص قائلاً: «نحن قادرون» لا تعني الامتناع عن طلب العلم من الآخرين و من أصحاب التقدم العلمي، و لكن الشيء الذي ينبغي التنبه له هو تعلم العلم و ليس أخذ العلم بمعية القيم و التوجهات الخاطئة من الآخرين.

و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي: ما ينبغي النظر إليه كهدف في موضوع الحركة و التقدم العلمي هو الإضافة إلى العلم العالمي و تقديم منتجات جديدة من العلم البشري.

و قال سماحته: نستطيع اليوم عن طريق التقدم العلمي في البلاد صناعة واحدة من أعقد التقنيات في العالم و أكثرها تقدماً و هي مبعث فخر، بيد أن هذه الصناعات أنتجت سابقاً من قبل علماء بلدان أخرى، إذن ينبغي أن نسعى لتقديم نتاجات علمية جديدة لم يستطع العلم البشري لحد الآن أن يحوزها، و لا يكون فيها آثار تخريبية على البشرية.

و أشار قائد الثورة الإسلامية في هذا الخصوص إلى العلم النووي باعتباره من حالات التقدم العلمي المهمة و المعقدة للبشرية مردفاً: هذا العلم رغم أهميته الكبيرة لكنه مهّد لإنتاج أسلحة الدمار الشامل الذرية، و التي كانت ضد الإنسانية مائة بالمائة.

و لفت آية الله العظمى السيد الخامنئي: إننا في مسيرة تقدمنا العلمي يجب أن نبحث عن المجاهيل العلمية التي ترفع من مستوى حياة البشر بما يتناسب و القيم الإنسانية، و لا يكون لها في الوقت ذاته آثار تخريبية على البشرية.

و تابع سماحته حديثه بالإشارة إلى تأسيس الجهاد الجامعي على أساس الفكر الثوري قائلاً: يجب الحفاظ على التوجّه و المسار الثوري للجهاد الجامعي و عدم السماح لأن يقع هذا المركز العلمي المهم أسيراً للآفات الناجمة عن التعقيدات و الملابسات السياسية و الميول اليسارية و اليمينية الخاطئة في المضمار السياسي.

و أوضح قائد الثورة الإسلامية أن من سلبيات الملابسات في المناخات السياسية استحالة بعض الأفراد مردفاً: أشخاص كانوا يعملون ذات يوم بدوافع ثورية متشددة تغيرت تصوراتهم اليوم مائة و ثمانين درجة، و صارت حتى بيّنات الثورة الإسلامية غير مفهومة بالنسبة لهم. يجب الحذر من أن تتسرّب هذه الحالات إلى منظومة الجهاد الجامعي.

و أوصى الإمام السيد علي الخامنئي مسؤولي الجهاد الجامعي بالاستفادة من الشباب الثوريين و تقوية و تكريس العناصر الشابة الثورية في الجامعات عن طريق الحركة العلمية منوّهاً: من نماذج العناصر المتدينة و الثورية و المؤثرة في الحركة العلمية في البلاد المرحوم الدكتور كاظمي الذي حقق بإيمانه و إخلاصه نجاحات كثيرة في مؤسسة رويان، و خرّج علماء بارزين.

و أكد سماحته قائلاً: من أهم الأعمال في الجهاد الجامعي إعداد الشخصيات المتدينة و العلمية البارزة بتوجهات ثورية و انشداد لمبادئ و مُثُل الثورة.

و أكد قائد الثورة الإسلامية على ضرورة تدوين أفق متوسط الأمد و طويل الأمد للجهاد الجامعي ضمن إطار موقع و واجبات هذه المنظومة في الخارطة العلمية الشاملة للبلاد مردفاً: على مسؤولي الجهاد الجامعي من خلال عمل ذي محورية علمية عرض تعريف صحيح لأسلوب التعامل مع مختلف الأجهزة و المؤسسات و إدارة هذا التعامل ليستطيعوا على أساس أهداف دقيقة ملء خاناتهم في الجدول الكبير لخارطة البلاد العلمية.

و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي في ختام حديثه: على الجهاد الجامعي بتجنّبه للأعمال الجزئية الاهتمام بالأعمال الأساسية و العميقة.

في بداية هذا اللقاء تحدث الدكتور طيبي رئيس الجهاد الجامعي رافعاً تقريره عن أهداف الجهاد الجامعي و آفاقه و برامجه.

روحاني في أنقرة: تأكيد علی ضرورة التعاون لوضع حدٍّ للنزاع السوريروحاني في أنقرة: تأكيد علی ضرورة التعاون لوضع حدٍّ للنزاع السورييختتم الرئيس الإيراني حسن روحاني، اليوم، زيارته إلى أنقرة، بعد لقائه الرئيس التركي عبدالله غول ورئيس الحكومة رجب طيب أردوغان. وعلى الرغم من بحثه مع نظيره التركي، أمس، في ملفات إقليمية، على رأسها الملف السوري، هيمنت العلاقات الاقتصادية بين البلدين على المباحثات بين الوفد الإيراني والمسؤولين الأتراك.

الزيارة التي وصفها روحاني بالـ «تاريخية»، جاءت استكمالاً لزيارة أردوغان إلى طهران في كانون الثاني الماضي. حينها كان الاقتصاد ومستوى التبادل التجاري، الحاضرين الأكبر في الزيارة الأولى بعد سنوات من الخصومة السياسية على خلفية أحداث «الربيع العربي».

وقبل ستة أشهر، وقع أردوغان مع الحكومة الإيرانية اتفاقاً ينص على رفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين إلى 30 مليار دولار في 2015، بعدما وصل إلى 22 مليارا في 2012 ثم انخفض إلى 20 مليار دولار في 2013.

ومن قصر «شنقايا» الرئاسي، وصف روحاني، أمس، تركيا بالدولة «الجارة والصديقة»، مؤكداً تبوءها مكانة خاصة لدى إيران وذلك بسبب الموقع الاستراتيجي الخاص بالبلدين. وأكد روحاني أن زيارته أنقرة، وهي الأولى لرئيس إيراني منذ 1996، تمثل «منعطفاً تاريخياً» على أكثر من صعيد.

من جهته، تطرق الرئيس التركي عبد الله غول إلى الاتفاقيات التي أبرمت بين البلدين، مشيراً إلى «الطاقات الكبيرة الكامنة» في الحقل الاقتصادي بينهما. وأكد سعي بلاده إلى رفع حجم التبادل التجاري بين الجانبين من مستواه الحالي البالغ 15 مليار إلى 30 مليار دولار.

كذلك مثلت تجارة الغاز الطبيعي بين البلدين بنداً رئيسياً على جدول البحث بين الوفد الإيراني والمسؤولين الأتراك لجهة خفض سعر الغاز الإيراني بهدف منافسة الغاز الروسي والأذري. وشملت الاتفاقيات التي أبرمت، أمس، المواصلات والقطاع المصرفي والسياحي. تجدر الإشارة إلى أن إيران كانت ثالث أكبر سوق للصادرات التركية عام 2012، حينها أدرجت واشنطن شركات تركية على «القائمة السوداء» لتعاونها مع طهران برغم العقوبات المفروضة عليها.

في الشأن الإقليمي، أكد الرئيسان ضرورة التعاون من أجل وضع حدٍّ للنزاعات في الشرق الأوسط، وبخاصةٍ النزاع في سوريا، بهدف «إعادة الاستقرار» إلى المنطقة.

وقال غول، خلال مؤتمر صحافي عقب لقائه روحاني، «نرغب معاً في إنهاء المعاناة في المنطقة ونعتزم التوصل الى ذلك»، مضيفاً أنه بإمكان الجهود المشتركة لتركيا وإيران أن تقدم مساهمة كبرى في هذا المجال. وأكد غول أن بسط الأمن في المنطقة، ووقف الإرهاب، يعدان من المواضيع المطروحة بين الجانبين، مشيراً إلى تكريس الحوار بين البلدين في مجال مكافحة الارهاب في المنطقة، لخدمة الاستقرار فيها. من جهته، أكد روحاني أن «ايران وتركيا، أكبر بلدين في المنطقة، عازمتان على محاربة التطرف والإرهاب»، مضيفاً أن عدم الاستقرار السائد في المنطقة «لا يخدم أحداً».

وتطرق روحاني إلى الوضع في سوريا ومصر، مشيراً إلى أنه «من المهم أن يتمكن هذان البلدان من تحقيق الاستقرار والأمن»، مشدداً على ضرورة «احترام تصويت شعبيهما ووضع حد للحرب وإراقة الدماء والاقتتال الأخوي». وفي شأن المفاوضات النووية، أكد غول أن بلاده ترفض حرمان ايّ دولة من حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، لأنه حق مشروع للجميع. وأشار غول إلى أن أنقرة بذلت جهوداً واسعة في السابق لإزالة القيود أمام النشاطات النووية الإيرانية، مؤكداً مواصلة هذه الجهود في المجال نفسه.

وخلال لقائه روحاني، أعلن رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، أن الرئيس التركي، ونظيره الإيراني، وقعا 10 اتفاقيات مشتركة، معرباً عن أمله أن تعزز الاتفاقيات أواصر الترابط القائمة بين البلدين.

وأعرب أردوغان عن أمله في استمرار العلاقات بين البلدين خلال الفترات المقبلة.

وذكر أن اللقاء مع الرئيس الإيراني تناول عدة موضوعات، فضلاً عن العلاقات الثنائية وسبل دعمها في كافة المجالات لتصل لما هو مأمول بين الجانبين، إضافة لبحث آخر التطورات في سوريا ومصر والعراق.

وعن حجم التبادل التجاري بين البلدين، قال أردوغان إنه ازداد 10 أضعاف، منذ اليوم الأول لوصولهم للسلطة وحتى عام 2012، وبلغ 22 مليار دولار، مشيراً إلى أملهم في زيادته لـ 30 مليار دولار بحلول نهاية العام 2015.

الثلاثاء, 10 حزيران/يونيو 2014 07:02

غانتس: حزب الله أقوى من بعض جيوش العـالم

يحيى دبوق

لا يعد مؤتمر هرتسليا السنوي منبراً لتوصيف الوضع الامني الاسرائيلي والتحديات التي تواجهه وحسب، بل يمثل ايضاً منصة للمسؤولين الاسرائيليين، لاطلاق تهديداتهم ضد المحور المعادي. على هذا المنبر البحثي الأهم في اسرائيل، يتنافس القادة والخبراء في تل ابيب، كل عام، على استعراض التحديات والاخطار مقابل الاستعداد والجاهزية الاسرائيليين. هذا العام، وعلى مدى ثلاثة ايام، يعرض قادة تل ابيب مجمل التحديات والتهديدات الامنية، ويتحدثون عن السياسات واستراتيجيات المواجهة المختلفة، من ايران الى سوريا ولبنان، وما بينها، وصولا الى فلسطين المحتلة ومصر وما وراءها من ساحات، مع تنبؤ وتقدير مختلفين حول كل ساحة.

وقد برزت امس، في اليوم الثاني للمؤتمر، كلمة رئيس هيئة اركان الجيش الاسرائيلي، بني غانتس، الذي وزع تهديداته على كل الساحات، فهو سيعيد لبنان الى الوراء عشرات السنين إن نشبت الحرب مع حزب الله، وشدّد على ضرورة الا تصل ايران الى القدرة النووية ولو استدعى الأمر استخدام القوة ضدها، بينما رأى ان الحرب السورية لن تنتهي الا بسقوط الرئيس بشار الاسد، وقد تتواصل عشر سنوات اخرى، وحذر من قدرات عسكرية مقلقة في قطاع غزة، ونبه إلى ضرورة مواجهتها، ومن تعاظم «الجهاد الاسلامي» وتنظيم «القاعدة» في المنطقة، مؤكداً في المقابل ان جيشه بات قادراً على الحسم والانتصار في الحروب والمواجهات.

ولفت غانتس الى ان «منطقة الشرق الاوسط تمر بهزة قوية منذ عدة سنوات، وهناك عدم استقرار متسارع في كل الساحات، وعلينا أن نكون مستعدين ويقظين بصورة دائمة»، مضيفا ان «طبيعة التهديدات التي تواجهها اسرائيل تغيرت في شكل دراماتيكي بسبب التغيرات الاستراتيجية في المنطقة، وبالتالي ادخل الجيش التعديلات اللازمة على بنيته ومفهومه الامني، لمواجهة هذه التهديدات».

وفي اطار عرضه لتهديد حزب الله العسكري، أكد غانتس وجود قدرة هائلة جدا لدى هذه «الميليشيا اللبنانية». واضاف: «لدى حزب الله قدرة وتسليح افضل من بعض جيوش العالم». وتساءل امام الحاضرين: «من فضلكم اعطوني اربع او خمس دول، لديها اكثر مما لدى حزب الله، اهي روسيا او الصين او اسرائيل او فرنسا او بريطانيا؟ فقط هذه الدول لديها قوة نارية اكثر مما لديه، لديه قوة ضخمة تغطي كل نطاق دولة اسرائيل».

وعبر غانتس ايضاً عن القلق من تعاظم وتراكم الخبرة القتالية لدى حزب الله في سوريا، وقال: «أعتقد أننا سنضطر إلى مواجهة الخبرة الهجومية التي باتت موجودة في حوزة حزب الله، وهي الخبرة التي راكمها طويلا في سوريا، وهذه المواجهة قد تكون محدودة ومباشرة في جبهات القتال، أو في حرب واسعة النطاق داخل لبنان، علينا ان نكون حذرين من الخبرة القتالية للارهابيين اللبنانيين المكتسبة في سوريا». ومع ذلك ردد لازمة الردع الاسرائيلي حيال الحزب، باعتبارها الحل الامثل لابعاد الحرب عن اسرائيل، وقال: «يدرك حزب الله ما سيحصل اذا خاض حربا معنا، لانه يأخذ في الحسبان ان ذلك سيعيد لبنان عشرات السنين الى الوراء، وانا آمل ان يبقى هادئا».

وفيما بدا انه رد على تقارير عبرية نشرت اخيرا واثارت قلقا لدى خبراء اسرائيل حول نوايا حزب الله الهجومية وقدرته على احتلال مناطق في شمال فلسطين المحتلة، شدد غانتس على انه «لا يوجد لدى حزب الله خطط فورية لمهاجمة اسرائيل»، وربط ذلك كله «بالظروف» التي لا تسمح له بذلك، في اقرار غير مباشر بوجود القدرة لدى حزب الله، لكن على انتفاء القرار وحسب.

وتطرق غانتس الى الحرب في سوريا، عارضا تقديرات الاستخبارات لمآلاتها، ومؤكدا ان هذه الحرب تتجه بصورة متزايدة الى المزيد من التعقيد، اذ ان «المنظومة السياسية في هذه الدولة (سوريا) آخذة بالانهيار كبرج من ورق، ولا نتيجة جيدة لاسرائيل، وطالما ان الاسد موجود في الحكم، لا يبدو ان هناك حلا فعالا، لانهم لا يقاتلون من اجل مستقبل سوريا، بل يقاتلون ضد شخص الاسد، ما يعني ان الحرب قد تتواصل عشر سنوات مقبلة، واكثر من ذلك».

وتحدث عن «ظاهرتين اشكاليتين تحدثان في الوقت نفسه في سوريا: المحور الراديكالي بقيادة ايران يزداد قوة، وطهران تستثمر الكثير في حزب الله وفي سوريا، حيث للحزب دور كبير في هذا البلد، وكل ذلك في موازاة تزايد قوة عناصر الجهاد العالمي في هذه الساحة، الذين يحاولون اعادة ترسيم حدود سايكس بيكو القديمة، مع التقدير ان يصل عددهم الى خمسين الفاً»، محذرا من انه لا أحد يمكنه ان يخبر عن «مضمون القصة غدا، بل علينا فقط ان نظل يقظين ومستعدين، لاننا قد نجلس لاحتساء فنجان قهوة صباحا، وبعد ساعة واحدة قد نكون في خضم حرب مفاجئة». ورأى أن «من المهم جدا منع إيران من الوصول إلى القدرة النووية، وهذا قد يتحقق إما عن طريق القوة او من دونها. المهم ألّا تحقق إيران هدفها». واضاف «الجمهور الإيراني هو الذي دفع بحكومته للتوصل إلى اتفاق مع دول الغرب، وبرغم ذلك فطموحات وقدرات إيران لتصنيع قنبلة نووية لم تتضاءل».

وعن قطاع غزة، اكد غانتس ان «دراما كبيرة تحدث في غزة مع التسلح بالصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وبرغم الهدوء النسبي بين إسرائيل وغزة، يقوم متطرفون في الجانب الفلسطيني بتسليح أنفسهم بصواريخ بإمكانها الوصول إلى العمق الإسرائيلي، اما في الضفة الغربية، فنشهد حوادث موضعية قد تتحول الى حادث جدي»، الا انه طمأن الاسرائيليين إلى ان «حماس مرتدعة وتدرك ثمن الحرب معنا».

وحول الساحة المصرية، أشار غانتس إلى وجود الجهاديين في سيناء، وقال «الوضع في سيناء أفضل مما كان عليه قبل عام أو اثنين، وهناك اهمية كبيرة للجهد المصري والاردني ضد الجهاديين». ورأى ان «نظام الرئيس المصري الجديد، عبد الفتاح السيسي يستقر، وهو ايضا يحاول محاربة الجماعات الجهادية».

وختم بالتأكيد على جاهزية الجيش الاسرائيلي ربطا بتغيير طبيعة التهديدات، كاشفا انه سيجري في نهاية الشهر الحالي تطبيق تغيير تنظيمي في القيادة العملياتية لسلاح الجو، مما سيزيد من قدراته على نحو كبير.

كلمة رئيس قسم الابحاث في الاستخبارات العسكرية، ايتاي برون، عبرت عن واقع القلق الاسرائيلي من المواجهة المقبلة، وفصلت اكثر حول «الخاصرة الرخوة لاسرائيل»، اذ اكد على جانب التهديدات والاخطار وصعوبة مواجهتها، مشيرا الى ان «الجبهة الداخلية معرضة لخطر اكبر في اعقاب الهزة السياسية في منطقة الشرق الاوسط، والجانب الاخر يحاول التزود بقذائف وصواريخ يتزايد مداها وتتميز باصابة الاهداف بدقة»، وحذر من «ان ما يزيد على 170 الف صاروخ وقذيفة صاروخية تهدد الجبهة الداخلية في اسرائيل».

وتحدث الجنرال برون عن صعوبات المواجهة وضرورة العمل على منع العدو من التفوق العسكري، وقال ان «الاعداء يحاولون ضرب تفوق اسرائيل الجوي والبحري عن طريق التزود بصواريخ بحرية واخرى متطورة، وهذا التطور في الميدان يمثل تحديا لقوة اسرائيل الرادعة، كما تجعل من الانذار المسبق (الاستخبارات) امرا معقدا وصعبا».

يحيى دبوق - الأخبار

الإثنين, 09 حزيران/يونيو 2014 06:36

حكم الصلاة في مساجد الشيعة

بقلم آيت الله الشيخ جعفر السبحاني

من خلال برنامج لقاء الجمعة في قناة البرهان سُئل الشيخ عثمان الخميس عن الصلاة في مساجد الشيعة؟ فأجاب: لا يجوز للمسلم أن يدخل هذه المساجد ليصلّي فيها ; لأنّها لا تخلو من أُمور تمنع المسلم من الصلاة فيها، وهذه الأُمور كما يلي:

1. إنّ الشيعة كثيراً ما يعظّمون القبور، فيبنون المساجد على القبور أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها، فلا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر.

2. إنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد، فيذكر غير الله ويستغاث بغير الله، ويدعون غير الله، ويسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء.

3. أفتى بأنّه لو دخل إنسان وصلّى في هذه المساجد حتّى مع علمه بعدم الجواز فصلاته (صحيحة)، لكن الأمر الأوّل فهو عدم جواز دخول هذه المساجد.

هذا ما ذكره عثمان الخميس في برنامج لقاء الجمعة، وهو مبني على أصل مسلّم عنده، وهو حرمة بناء المساجد على قبور الأولياء، وعلى هذا بنى ما ذكره في الفصول الثلاثة ; ولذا علينا دراسة مبنى كلامه، قبل مناقشة فقرات جوابه، ولذلك فقد بسطنا الكلام في تبيين المبنى وما هو الحق فيه.

وقبل دراسة الموضوع ـ أي حكم بناء المساجد على القبور ـ نقدّم شيئاً وهو أنّ الشيخ عثمان الخميس قال: (إنّ الشيعة يبنون المساجد على القبور، أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها)، ونحن نسأله عن مصدر هذا الخبر، هل أنّه شاهد ذلك الأمر في عامّة المساجد للشيعة الّتي تُعدّ بعشرات الآلاف في مختلف البلدان؟! لا أظن أنّه قد قام بذلك العمل.

ومع ذلك فكيف أصدر هذا الحكم العام؟!

أقول: كلّ ما ذكره الشيخ في هذا الصدد كذب واضح وافتراء صريح، نابع من أصل مسلّم عند القوم، وهو أنّه لكلّ شيء دليل إلاّ الافتراء على الشيعة، بل لكلّ شيء نهاية إلاّ الكذب على الشيعة، وكأنّه سبحانه فرض عليهم الكذب مكان الصدق، والافتراء مكان طرح الحقيقة.

ولنفرض جدلاً صحّة قوله، فلندرس حكم هذه المسألة، أعني: بناء المساجد على القبور، على ضوء الكتاب المجيد والسنّة الشريفة.

 

حكم بناء المساجد على قبور الأولياء

ما أنكره الشيخ من بناء المسجد على قبور الموتى فقد نطق الذكر الحكيم به وعلى جواز قسم منه، وهو إذا كان الموتى من الأولياء، فلا مانع من بناء المسجد على قبورهم تبرّكاً بهم، قال سبحانه: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)([1]).

إنّ التأمّل في قصة أصحاب الكهف يكشف لنا من أنّ بناء المسجد فوق قبور الأولياء كان سنّة متّبعة عند الأُمم والشرائع السابقة، والقرآن الكريم يشير إلى تلك السنّة من دون أي ردّ ونقد .

إنّ أصحاب الكهف بعد أن انكشف خبرهم اختلف الناس في كيفية احترامهم وتكريمهم وانقسموا إلى قسمين:

1. قسم قالوا: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ).

وهذا التعبير أي ( رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)يكشف عن أنّ القائل أو القائلين به لم يكونوا من الموحّدين، حيث حقّروا أُمورهم بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي ربنا أعلم باحوالهم من خير وشرّ وصلاح وفساد.

2. قسم آخر كسب الموقف في النهاية، حيث دعا إلى بناء مسجد على الكهف كي يكون مركزاً لعبادة الله بجوار قبور الذين رفضوا عبادة غير الله وخرجوا من ديارهم هاربين من الكفر ولاجئين إلى توحيد الله وطاعته، وقد حكي عنهم الذكر الحكيم بقوله: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) فالضمير في قوله سبحانه: (غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)يرجع إلى أصحاب الكهف، أي وقفوا على مكانتهم وكشفوا الستر عن حقيقة أمرهم، فقالوا:

(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) وقد اتّفق أعاظم المفسّرين على أنّ القائلين بذلك هم الموحّدون، قال الطبري: فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنّهم أبناء أبائنا، وقال المسلمون: بل نحن أحقّ بهم هم منّا نبني عليهم مسجداً نصلّي فيه ونعبد الله فيه .([2])

وقال الرازي: وقال آخرون بل الأَولى أن يبنى على باب الكهف مسجد وهذا القول يدلّ على أنّ أُولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة .([3])

وقال الزمخشري: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم (لَنَتَّخِذَنَّ)على باب الكهف (مَسْجِدًا) يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم.([4])

وقال النيسابوري: (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) المسلمون وملكهم المسلم ; لأنّهم بنوا عليهم مسجداً يصلّي فيه المسلمون، ويتبرّكون بمكانهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضنّاً بها.([5])

إلى غير ذلك من الكلمات في تفاسير الأعاظم، والّتي يتراءى منها أنّ بناء المسجد كان على باب الكهف أو عند الكهف، على خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها يدلّ على أنّ المقترح هو بناء المسجد على قبورهم.

 

كيفية الاستدلال

الاستدلال بالآية ليس مبنيّاً على استصحاب حكم شرع من قبلنا، بل مبني على أمر آخر وهو أنّا نرى أنّ القرآن الكريم يذكر اقتراح الطائفتين بلا نقد ولا ردّ، ومن البعيد جدّاً أن يذكر الله تعالى كلاماً للمشركين ويمرّ عليه بلا نقد إجمالي ولا تفصيلي أو يذكر اقتراحاً للموحّدين وكان أمراً محرّماً في شرعنا من دون إيعاز إلى ردّه.

إنّ هذا تقرير من القرآن على صحّة اقتراح أُولئك المؤمنين، ويدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على هذا الأمر، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من الاحترام لصاحب القبر وتبرّكاً به.

إنّ مَن قرأ القرآن الكريم بتدبّر ووعي يعرف أنّ ما ينقله عن المشركين لو كان أمراً بيّن البطلان ربّما يمر عليه من دون ردّ، وأمّا إذا كان غير واضح البطلان فسيكون له موقف آخر منه، مثلاً عندما أحدق الخطر بفرعون وتيقّن أنّه سوف يغرق قال: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)([6]) .

فالقرآن لم يتركه على حاله إذ ربّما يتوهّم الجاهل أنّه ربما يكفي هذا ا لنوع من الإيمان، فلذلك ردّ عليه بقوله: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)([7]) .

إنّ الغاية من ذكر قصة السابقين هي اتّخاذ العبر والمواعظ والتدبّر في مضامينها ومعانيها.

إنّ القرآن الكريم ليس كتاباً قصصياً أو تاريخياً تُسرد فيه حياة الغابرين، وإنّما نزل كدستور حياة للبشر، وكلّ منهم يستنبط من القصص ما ينفعه. فالمتكلّم يستنبط من قصة أصحاب الكهف إمكان المعاد وتجديد الحياة بعد قرون، ولكن الفقيه يستنبط من هذه القصة أنّه يجوز بناء المساجد على قبور الأولياء للتبرّك بهم.

 

زلة لا تستقال

إنّ الشيخ الألباني (عفا الله عنا وعنه) لمّا وقف على هذا الاستدلال الباهر المتين، حاول أن يناقش في الاستدلال لغاية حفظ موقفه المسبق في المسألة، فقال:

الاستدلال باطل من وجهين:

الأوّل: أنّه لا يصح أن يعتبر عدم الردّ عليهم إقراراً لهم إلاّ إذا ثبت أنّهم كانوا مسلمين وصالحين، ومتمسّكين بشريعة نبيّهم، وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنّهم كانوا كذلك، بل يحتمل أنّهم كانوا كفّاراً أو فجّاراً، فعدم الردّ عليهم لا يعدّ إقراراً بل إنكاراً، لأنّ حكاية القول عن الكفّار والفجّار يكفي في ردّه عزوه إليهم، فلا يعتبر السكوت عليه إقراراً.([8])

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ في الآية إشارة إلى أنّ القول الأوّل قول غير الموحّدين الّذي لم يكونوا متفاعلين مع أصحاب الكهف، والقول الثاني قول الموحّدين الذين كانت لهم صلة روحية بهم، والشاهد على ذلك أنّ الاقتراح الأوّل ذكر بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا)ثم أعقبوا اقتراحهم بقولهم: (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي لا نعرفهم ولا نقول عنهم شيئاً وربنا أعرف بهم، وهذا كلام مَن لا يعرف أصحاب الكهف وعملهم، أو لا يحبّ ان يوصف بشيء من الصلاح والفلاح ولذا يفوّض مصيرهم إلى الله.

وأمّا الاقتراح الثاني فهو نابع عن قلب عارف بأصحاب الكهف، حيث قالوا: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)عرفوهم بجد (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) وهل يمكن أن يكون هذا الاقتراح ياترى يصدر عن الكافر الفاجر؟!

وعلى هذا كيف يقول الشيخ: يحتمل أنّهم كانوا (المقترحون) فجّاراً كفّاراً؟!!

وثانياً: أنّ الاستدلال ليس مبنيّاً على كون الاقتراح من المسلمين والموحّدين، بل مبني ـ كما تقدّم ـ على رؤية قرآنية وهي أنّه لا يذكر شيئاً عن غيره إذا كان أمراً مشتبهاً إلاّ مع نقده وردّه، والمقام من هذا القبيل، فلو كان في هذا الاقتراح رائحة شرك كما يزعمه من يمنع بناء تلك المساجد، لما سكت عنه القرآن الكريم .

الثاني: قال: إنّ الاستدلال المذكور إنّما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين الذين يكتفون بالقرآن فقط ديناً ولا يقيمون للسنّة النبوية وزناً .([9])

يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ بالآية هو الشيخ أبو الفيض الصدّيق الغماري في كتابه المسمّى: «إحياء المقبور من أدلّة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور» وهو شيخ الحديث في المغاربة وله مدارس وتلاميذ وهو محيي السنّة في منطقته، فكيف يتّهمه بأنّه من أهل الأهواء المعرضين عن السنّة المكتفين بالقرآن؟!

ولقائل أن يعكس الأمر ويقابله بأنّ كلام المانعين من اتّخاذ قبور الأولياء مساجد كلام المعرضين عن القرآن، المكتفين بالسنّة، ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!

والعجب أنّه في بعض كلامه ينسب الاقتراح الأوّل للمؤمنين، ويقول: ولقائل أن يقول: إنّ الطائفة الأُولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتّخاذ المساجد على القبور فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسدّه وكفّ التعرّض عن أصحابه، فلم يقبل الأُمراء منهم وغاضهم ذلك حتّى أقسموا على اتّخاذ المسجد.([10])

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره على خلاف قول المفسّرين الذين وقفت على كلماتهم، وهذا هو الإمام الأثري الشيخ الطبري: ينسب القول الأوّل إلى الكافرين والاقتراح الثاني للمؤمنين، وقد مرّت كلمته وكلمات غيره من غير استقصاء.

 

تأويل مردود للألباني

لمّا أذعن الألباني بأنّ ما ذكره من الردود لا يقابل نص القرآن الكريم حاول أن يؤوّل الآية، قال: وإن أبيت إلاّ حسن الظن بالطائفة الثانية، فلك أن تقول: إنّ اتّخاذهم المسجد عليهم ليس على طراز اتّخاذ المساجد على القبور، المنهي عنه، وإنّما هو اتّخاذ مسجد (عندهم) وقريباً من كهفهم ومثل هذا ليس محذوراً .([11])

يلاحظ عليه: أنّ الموقف المسبق للشيخ الألباني المقلّد لمنهج ابن تيمية وأشباهه، جرّه إلى تأويل القرآن، فليس في الآية القرآنية لفظة (عند) بل الموجود لفظة (على) حيث قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ): أي على قبورهم وعلى كهفهم، بحيث تكون القبور داخل المسجد لا خارجه.

 

عود إلى كلام عثمان الخميس

لمّا استشعر عثمان الخميس أنّ نهيه عن إقامة الصلاة في مسجد فيه قبر، لا يجتمع مع الصلاة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فالمسلمون عبر قرون يصلّون فيه وفيه قبر النبي والشيخين، فحاول الإجابة عن عمل المسلمين بقوله: «إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان حيّاً لمّا بني المسجد، ولمّا دفن لم يدفن في المسجد بل في بيته ولمّا وسع المسجد صار قبره الشريف داخل المسجد، وهنا يختلف الحكم فالمسجد بني على تقوى فتصحّ الصلاة فيه بلا إشكال، أمّا أن يبنى مسجد على قبر أو يدفن ميّت داخل مسجد فإنّه لم يبن على التقوى ولا تجوز الصلاة فيه.

أقول: إنّ كلامه هذا يعبّر عن تصويبه عمل إدخال قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد، بالبيان الّذي ذكره، ولكنّه يخالف ما ذكره الشيخ الألباني حيث لم يرض بعمل السلف بإدخال قبر النبي في المسجد وقال: وقد وقع مع الأسف الشديد بإدخال القبر في المسجد، إذ لا فارق بين أن يكونوا دفنوه (صلى الله عليه وآله وسلم)حين مات في المسجد، وحاشاهم عن ذلك، وبين ما فعله الذين بعدهم من إدخال قبره في المسجد بتوسيعه، فالمحذور حاصل على كلّ حال.([12])

 

الإهانة لأهل البيت (عليهم السلام) و التابعين

إنّ الشيخ الألباني أنكر عمل التابعين في إدخال قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد، وقال: إنّ عمر بن عبدالعزيز لمّا كان نائباً للوليد على المدينة في سنة 91 هـ ، هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه ثم اعترض عليه بقوله: إن إدخال القبر الشريف في المسجد النبوي وضع حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة، وأنّ ذلك كان على خلاف غرضهم، فلا يجوز لمسلم أن يحتج بما وقع بعد الصحابة .([13])

أقول: من أين علم أنّه لم يكن حيثن ذاك أحد من الصحابة في المدينة؟!

أليس هذا رجماً بالغيب؟! فلقد صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر من مائة ألف صحابي، ولقد سجّل التاريخ أسماء قرابة خمسة عشر ألف غير أنّ تاريخ وفاة أكثرهم غير مسجّلة .

ثم إنّ كلامه هذا مأخوذ من كلام مؤسّس مذهبه ابن تيمية حيث اعتذر بهذا وقال: إنّما أُدخلت الحجرة في المسجد بعد انقراض الصحابة. لاحظ كتابه «الجواب الباهر في زوّار المقابر» فقد طبع في المطبعة السلفية في القاهرة كما يحكيه نفس الألباني.

نفترض أنّه لم يكن في المدينة أحد من الصحابة ولكن كان منهم مَن عاش إلى ثلاث وتسعين سنة، أعني: أنس بن مالك (راوية الحديث النبوي بعد أبي هريرة) فهذا هو الذهبي يقول في ترجمته: وقال عدّة وهو الأصحّ أنّه مات سنة ثلاث وتسعين; قاله: ابن عدي وسعيد بن عامر والمدائني وأبو النعيم والفلاس والقعنب .([14])

فلا محال وقف عليه أنس بن مالك، سواء أكان في المدينة أم غيرها، ولكن مع ذلك لم ينبث فيه ببنت شفة، ولم ينقل عنه أنّه اعترض أو أنكر هذا العمل.

وهذا هو أبو الطفيل آخر مَن مات من الصحابة فقد مات كما يقول الذهبي سنة مائة وقيل: مات بعد تلك السنة وأقام بمكة.([15])

أفيمكن أن لا يطّلع عليه ذلك الصحابي والمدنيون يحجّون كلّ سنة وينقلون أخبارها ومع ذلك لم ينقل عنه أي إنكار؟!

نفترض أنّه لم يكن يوم أُدخل قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد أي صحابي ولكن كان في المدينة فقهاء وأصحاب الفتيا وعلى رأسهم الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)الّذي أطبق المؤرّخون والمحدّثون على علمه وزهده وعلمه، وقد أخذ عنه جمع غفير من الفقهاء وأصحاب الفتيا، وكما أسّس مدرسة للفقه والحديث، وقد أُحصي أكثر من مائة وستين من التابعين ممّن كانوا ينهلون من معينه، ويروون عنه.

فقد حدّث عنه: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو الزناد، ويحيى بن أُمّ الطويل، وعمر بن دينار، والزهري، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعد الأنصاري، وطائفة .

روي عن الزهري، أنّه قال: ما رأيت أحداً كان أفقه منه.([16]) فلو كان إدخال قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد أمراً غير صحيح لما سكت الإمام عنه، ولما سكت عنه ولده الإمام الباقر ومن بعده ولده الصادق(عليهم السلام).

هذا وقد صلّى المسلمون يوم أُدخل القبر في المسجد عبر قرون ولم يُسمع من أي ابن أُنثى أنّه أنكر ذلك العمل، بل المسلمون كلّهم يصلّون في المسجد ويتبرّكون بقبره الشريف إلى أن ولد الدهر ابن تيمية ومن لفّ لفّه فأظهروا نكيرهم لهذا العمل.

أليس اتّفاق المسلمين أو الفقهاء وأهل الفتيا في قرن واحد على عمل دليلاً على حلّية العمل وجوازه؟ فإنّ الإجماع عند القوم من أداة التشريع كالكتاب والسنّة، فلماذا لم نجعل هذا الاتّفاق دليلاً على الجواز بل الاستحباب؟!

وهذه هي المدن الإسلاميّة في الشامات كلّها تحتضن قبور الأنبياء العظام(عليهم السلام)وفيها مساجد جنب القبور، وما هذا إلاّ ليتبرّك المصلّي بقبور الأنبياء العظام(عليهم السلام)الذين كرّسوا حياتهم في نشر التوحيد ومكافحة الوثنية، ومن الظلم الواضح عدّ الصلاة عند قبورهم تبرّكاً بهم، شركاً أو ما يفوح منه رائحة الشرك! ومن يوم سيطرت الوهابية على قسم من تلك البلاد أخذوا يفصلون المساجد عن قبورهم ومشاهدهم بشيء من الستر.

ومن عجيب الأمر أنّ القوم حسب ما رووا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ خير أُمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .([17]) جعلوا هذه القرون الثلاثة من أفضل القرون، وصار المقياس بين تمييز السنّة عن البدعة هو ما ظهر في هذه القرون من أمر جديد وما ظهر بعدها.

فعلى هذا فلماذا نقضوا غزلهم فلقد حدث هذا الأمر في خير القرون بيد التابعين؟! فلماذا صارت أمراً غير مرضي يا ترى؟!!

نعم قبر النبي يونس (عليه السلام)في الموصل في داخل المسجد وكذلك قبر نبي الله شيث هناك كذلك في المسجد.

 

دراسة أدلّة المانعين

تمسّك الوهابيون بمجموعة من الأحاديث على حرمة بناء المسجد عند قبور الصالحين، ونحن ندرس المهم منها. وليس إلاّ حدثين.

الحديث الأوّل:

روى البخاري: لمّا مات الحسن بن الحسن بن عليّ، ضربت امرأته القُبّة على قبره سنة، ثمّ رفعتْ، فسمِعوا صائحاً يُقول: ألا هل وَجَدوا ما فَقَدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.([18])

أقول: هذا الحديث الّذي رواه البخاري ـ وهو أصحّ الكتب عند القوم ـ دليل على جواز أمرين تنكرهما الوهابية:

1. نصب المظلّة والقبّة على القبر، لأنّ امرأة الحسن ضربت القبّة على قبر زوجها بمرأى ومسمع من التابعين وبينهم الفقهاء وأصحاب الفتيا وأهل الحديث، ولم يعرف من أحد منهم استنكار ذلك، وهذا أوضح دليل على جواز نصب القبّة على القبور، وكان ذلك في أفضل القرون الّذي هو الفاصل بين البدعة والسنّة.

2. أنّه تجوز الصلاة عند قبور الأولياء وقد ضربت زوجته القبّة لإقامة الصلاة عند قبره وتلاوة القرآن الكريم . والحسن بن الحسن المعروف بالمثنّى، من أسباط النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكفى في فضله أنّه كان وصي أبيه وولي صدقة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)في عصره، وقد روى عن أبيه الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)وابن عمه عبدالله بن جعفر بن أبي طالب إلى غير ذلك. وقد هدّده الحجاج يوم كان أمير المدينة بالقبض عليه لو لم يدخل شخصاً غير صالح في صدقة عليٍّ، فقام في وجهه وقال: لا أُغيّر شرط عليٍّ، ولا أُدخل فيها من لم يُدخل .([19])

وأمّا قول الراوي: فسمعوا صائحاً يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.

ففيه أوّلاً: أنّه أشبه بقول غير الصالح ; لأنّ كلامه هذا نوع من الشماتة لأهل المصيبة فكان عليه أن يعزّيها بشيء لأجل موت زوجها كما هو السنّة فصار يَشمُت بأهل المصيبة بلغة لاذعة وهي ليست من أخلاق الصالحين. ومثله في ذلك ما أجابه الصائح المزعوم الآخر.

وثانياً: أنّ إقامة تلك المرأة على قبر زوجها الفقيد لم يكن على أمل عودته إلى الحياة حتّى يقال أنّها يئست بل كان لغايات قدسية أشرنا إليها. فقول ذلك الصائح وجواب الآخر ليس حجّة شرعية، إذ لم يعتمدوا على كتاب الله ولا على سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بل أبرزوا أحقادهم وضغائنهم يوم ابتليت المرأة الصالحة بموت زوجها .

الحديث الثاني:

روى البخاري عن عروة، عن عائشة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال في مرضه الّذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مسجداً» قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجداً.([20])

إنّ هذا الحديث مهما صحّ سنده لا يمكن قبول ظاهره، بل لابدّ من تبيين المراد منه بشيء وذلك للأسباب التالية :

أوّلاً: أنّ تاريخ اليهود لا يتّفق مع مضمون هذا الحديث، لأنّ سيرتهم قد قامت على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا الّتي كانوا يصبّونها على أنبيائهم ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ)([21]) .

وقوله سبحانه: (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)([22]).

وقوله سبحانه: (فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَ قَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ)([23]).

وثانياً: أنّ هناك قرائن شاهدة على أنّ النصارى كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم قبلة لهم، تصرفهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة، فأين هذا من الصلاة في مسجد النبي أو مسجد فيه قبر أحد أولياء الله سبحانه متوجّهاً إلى الكعبة، مصلّياً لله سبحانه تالياً آيات الله، متبرّكاً بالأرض المقدّسة؟!

والّذي يدلّ على ذلك أُمور:

1. ما روي أنّ أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة ذكرتا  كنيسة رأيناها في الحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور أُولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة .([24])

2. والهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها أو على قبورهم، بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو يكونا كالصنم المنصوب يُعبدان ويسجد لهما.

ويشهد على ذلك أنّ أحمد بن حنبل في «مسنده» ومالك بن أنس في «الموطأ» رويا تتمة لهذا الحديث وهي:أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ـ بعد النهي عن اتّخاذ القبور مساجد ـ : «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْري وَثَناً يُعْبَد».([25])

إنّ هذا يدلّ على أنّ أُولئك كانوا يتّخذون القبر والصورة الّتي عليها قبلة يتوجّهون إليها، بل صنماً يعبد ، من دون اللّه سبحانه.

2. إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ الحديث الثاني ـ  يزيد في توضيح هذه الحقيقة، حيث إنّها بعد الرواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تقول:

«لولا ذلك لأبرزوا  قبره، غير أنّي أخشى أن يُتَّخذ مسجداً». أي جعلو حاجزاً.

ونتساءل: إقامة الجدار حول القبر يمنع عن أيّ شيء؟!

من الثابت أنّ الجدار يمنع من الصلاة على القبر نفسه وأن يتّخذ وثناً يُعبد، وعلى الأقل لا يكون قبلة يُتوجّه إليها.

أمّا الصلاة بجوار القبر ـ من دون عبادة القبر أو جعله قبلة للعبادة ـ فلا يمنع منها بشهادة أنّ المسلمين ـ منذ أربعة عشر قرناً ـ يُصلّون بجوار قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حين أنّهم كانوا يتوجّهون إلى الكعبة ويعبدون اللّه تعالى، فوجود الحاجز لم يمنعهم من هذا كلّه.

وحصيلة الكلام : إنّ تتمة الحديث الثاني ـ الّتي هي من كلام عائشة ـ تُوضّح معنى الحديث، لأنّها تذكر السبب الّذي منع من إبراز قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه للحيلولة دون اتّخاذه مسجداً، ومرادها من اتخاذ مدفنه مسجداً .

قبلة يصلي إليه كما سيأتي التصريح من شراح الحديث، ولهذا أُقيم الجدار الحاجز حول القبر الشريف.

فالحاجز يمنع من شيئين:

1. من أن يتحوّل القبر إلى وثن يقف الناس بين يديه يعبدونه، فمع وجود الحاجز لا يمكن رؤية القبر فلا يمكن اتّخاذه وثناً للعبادة.

2. من أن يُتَّخذ قبلة، ذلك لأنّ اتّخاذه قبلة فرع رؤيته.

وأمّا الصلاة في المسجد الّذي دفن فيه فلم يمنع عنه بالبداهة، وهذا دليل على أنّ قلق الرسول على فرض صحة الحديث من مدفنه، اتّخاذ قبره صنماً يُعبد أو يسجد عليه .

فإن قال قائل: إنّ اتخاذ القبر قبلة لا يتوقّف على الرؤية بشهادة أنّ الكعبة قبلة للمسلمين في حين أنّ أكثر المسلمين لا يرونها وقت العبادة.

فالجواب: لا تصحّ المقارنة والمقايسة بين الكعبة والقبر، لأنّ الكعبة قبلة عامّة لجميع المسلمين في كافّة أرجاء الكرة الأرضية، وليست قبلة للعبادة فقط، بل للعبادة وغيرها كالذبيحة والدفن وما شابه، فهي قبلة في جميع الأحوال، ولا علاقة للرؤية فيها بأيّ وجه.

أمّا اتّخاذ قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قبلة، فإنّما يمكن للّذين يتواجدون في مسجده ويقيمون الصلاة عنده، فإبراز القبر الشريف يمهّد لهذا الاحتمال ـ على رأي عائشة طبعاً ـ بينما يكون الستر  مانعاً عن ذلك.

وثالثاً: من القرائن الدالّة على أنّ نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو عن عبادة القبور، هو أنّ الكثير من شارحي صحيح البخاري ومسلم فسّروا الحديث بمثل ما فسّرناه، وفهموا منه مثل ما فهمناه... فمثلاً:

يقول  القسطلاني ـ في كتاب إرشاد الساري ـ :

إنّما صوّر أوائلهم الصُّور ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا اللّه عند قبورهم، ثمّ خَلَفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويُعظّمونها، فحذَّر النبي عن مثل ذلك.

إلى أن يقول:

قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور  الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون عن مثل ذلك، فأمّا  من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرُّك بالقرب منه ـ لا للتعظيم ولا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.([26])

وليس القسطلاني منفرداً في هذا الشرح، بل يقول به السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول:

«اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أي: قبلة للصلاة يُصلّون إليها، أو بنوا مساجد عليها يُصلّون فيها. ولعلّوجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.([27])

ويقول أيضاً:

يُحذّر (النبي) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتّخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.([28])

ويقول النووي ـ في شرح صحيح مسلم ـ :

قال العلماء: إنّما نهى النبي عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخاليـة، ولمّا احتاجت الصحـابـة والتابعون إلـى الـزيادة فـي مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كثر المسلمون وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبيه بَنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلاّ يظهر في المسجد فيصلّـي إليه العوام...

ولهذا قالت «عائشة» في الحديث: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّه خُشي أن يُتَّخذ مسجداً.([29])

أقول: مع هذه القرائن ومع ما فهمه شُرّاح  الحديث لابدّ من القول به، ولا يمكن استنتاج غير ذلك أو الافتاء بغيره.

 

وجود المساجد في المشاهد المشرّفة لا صلة له بهذه الأحاديث

إنّ مورد الحديث هو ما إذا كان المسجد مبنيّاً فوق القبر، فلا علاقة له بالمشاهد المشرَّفة، لأنّ المسجد  ـ في كلّ المشاهد ـ  ما عدا مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو بجوارها لا عليها، بشكل ينفصل أحدهما عن الآخر.

وبعبارة أُخرى:  هناك حرم وهناك مسجد، فالحرم خاصٌّ للزيارة والتوسّل إلى اللّه تعالى بذلك الوليّ الصالح، والمسجد ـ بجواره ـ للصلاة والعبادة، فالمشاهد المشرَّفة ـ في هذه الحالة ـ  خارجة عن مفاد الحديث ومعناه ـ على فرض  أن يكون مفاده ما يدّعيه الوهّابيّون ـ .

وبذلك يظهر مفاد الأحاديث الّتي جمعها الشيخ الألباني في صدر كتابه باسم «تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد»، الّذي بلغ عددها إلى أربعة عشر، فالجلّ لولم نقل الكلّ ناظر إلى عمل النصارى من اتّخاذ القبور قبلة أو السجود عليها، وأمّا مجرد الإتيان بالصلاة تبرّكاً بالموضع الّذي فيه قبر نبي التوحيد فخارج عن مفاد هذه الروايات.

إلى هنا تمّ ما أردناه من تبيين حكم بناء المساجد على قبور الأولياء، الّذي هو الأساس لنقد كلام عثمان الخميس.

 

دراسة مقاطع ثلاث في كلام عثمان الخميس

إذا تبيّن ذلك فلنرجع إلى مقاطع ثلاث في كلامه.

المقطع الأوّل: منع عثمان الخميس من الصلاة في مساجد الشيعة لأمرين:

1. لأنّ الشيعة كثيراً ما يعظمون القبور، فيبنون المساجد على القبور أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها، فلا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر.

ولنا مع الشيخ في كلامه هذا بعض الأسئلة:

أوّلاً: أنّ الشيخ أفتى في كلامه بأنّه لا يجوز للمسلم أن يدخل مساجد الشيعة ويصلّي فيها لأنّها تشتمل على القبور .

نسأله أنّ الإفتاء بالقضية الكلّية رهن مشاهدة الشيخ أكثر مساجد الشيعة المنتشرة في العالم أو كلّها، حتّى يستطيع إلى الحكم بالقضية الكلّية. أفهل قام الشيخ بهذا العمل، وشاهد المساجد الشيعية كلّها بعينه حتّى يحكم بهذا الحكم؟

إنّ للشيعة مساجد تعدّ بعشرات الآلاف في إيران والعراق ولبنان وپاكستان والهند وأفغانستان وغيرها من البلاد الإسلاميّة والغربية، فلا يصحّ للشيخ أن يفتي بقضية كلّية دون أن يشاهد هذه المساجد ويرى بأُمّ عينه دفن الموتى فيها .

وقد روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سُئل عن الشهادة فقال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع» .([30]) ولا أظنّ أنّ الشيخ ولا أترابه الذين يجترّون ما ذكره ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب قاموا بهذا العمل ولو بنسبة ضئيلة. وقد مرّ التذكير بذلك في صدر المقال .

ثانياً: كيف يتهم الشيعة بأنّهم يدفنون الموتى في مساجدهم مع أنّ فقهاء الشيعة صرّحوا في الكتب الفقهية بتحريم ذلك، هذا هو السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى» عقد فصلاً في بعض أحكام المسجد وقال: لا يجوز دفن الميّت في المسجد([31]). لمنافاة الدفن جهة الوقف، فمن خصّ أرضاً بالمسجد فقد فكّ ملكه عن نفسه وجعله لله سبحانه، ومع ذلك كيف يتصرف في ملك الله، فهل قرأ الشيخ صفحة من فقه الشيعة، وصدر في هذه الفتيا عن علم وكثب؟! نعم الحرام دفن الموتى بعد بناء المساجد، وأمّا بناء المساجد على قبورهم لا صلة له بما ذكرنا من الحرمة. وبذلك يظهر أنّ الصلاة في حرم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الّتي تضمّنت أجسادهم الطاهرة، لا صلة له بمسألة دفن الموتى في المساجد، بل بنيت مشاهدهم بعد دفنهم، كما أنّ هذه المشاهد لا تُعدّ مساجداً عند الشيعة.

نعم ربّما يوجد في بعض الأمكنة بصورة نادرة أنّ الواقف يجعل لنفسه غرفة خاصة خارج المسجد متصلة به ليدفن فيها، لأجل أن يستغفر له المصلّون ويقرأوا الفاتحة ويُهدوا ثوابها إليه ، ولا يوجد مثل هذا أيضاً إلاّ نادراً.

ثالثاً: أنّ المانع عند أُستاذه هو القبر الظاهر وأمّا القبر غير الظاهر فيجوز فيها الصلاة، هذا هو الألباني يقول: إنّ العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة وأمّا ما في بطن الأرض من القبور فلا يرتبط بها حكم شرعي من حيث الظاهر بل الشريعة تتنزّه عن مثل هذا الحكم لأنّا نعلم بالضرورة والمشاهدة أنّ الأرض كلّها مقبرة الأحياء، كما قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَ أَمْوَاتًا)([32]).([33]) فالقبور في مساجد الشيعة على فرض غير صحيح ليست ظاهرة، فكيف يفتي بعدم جواز الصلاة فيها؟!

دراسة المقطع الثاني من كلامه

أمّا السبب الثاني للمنع فيوضّحه بقوله: إنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد .

1. فيذكر غير الله .

2. ويستغاث بغير الله.

3. ويدعون غير الله .

4. ويسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء.

فقد ذكر في كلامه هذا أُموراً أربعة:

الأوّل: يذكرون غير الله، فنسأله: هل ذكر غير الله في المسجد عبادة للغير؟! ولو صار ذلك ملاكاً للتوحيد والشرك فلا يوجد على أديم الأرض أي موحّد، فالخطباء يذكرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورواة الحديث وأسماء العلماء وغير ذلك، وربّما يذكر الواعظ أسماء الصالحين والطالحين وقصصهم وأحوالهم.

الثاني: ويستغاث بغير الله، وهذا هو المهم في كلامه، فنقول: هل الاستغاثة بغير الله أمر حرام، فهذا القرآن يذكر قصة الرجل الّذي استغاث بموسى (عليه السلام)وهو من شيعته لينصره على عدوه القبطي واستجاب له موسى (عليه السلام)كما في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ )([34]).

فلو كانت الاستغاثة أمراً شركياً فلماذا استجاب له موسى (عليه السلام)ولم يستنكر عليه، ولعلّ عثمان الخميس كأسياده يجيبون عن ذلك، بأنّه من قبيل استغاثة الحي بالحي وكلامنا هو في استغاثة الحي بالميّت، ولكن المجيب لم يعرف أنّ الحياة والموت ليسا ملاكين للتوحيد والشرك، بل ملاكين للجدوى وعدمها، فله أن يمنع الاستغاثة بالميّت لعدم الجدوى لا للشرك. ولكنّه يصرّ على أنّ الاستغاثة بالميت شرك أفهل يمكن أن يكون عمل واحد توحيداً في حالة وشركاً في حالة آخر؟!

وأمّا كون الاستغاثة بالميت مجدية أو لا، فهو خارج عن مصبّ كلامنا.

الثالث: ويدعون غير الله

ماذا يريد من دعاء الغير؟ هل يريد الدعاء بالمعنى اللغوي، أي دعاء شخص شخصاً، لا أظنّ أنّ أحداً يحرّمه، فهذا هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا في غزوة أُحد أصحابه الذين تركوا ساحة الحرب وولّوا هابرين، قال تعالى: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)([35]).

وإن أراد عبادة الغير فهو بهتان عظيم، فإنّ العبادة عبارة عن الخضوع أمام مَن هو خالق أو مدبّر الأُمور وبيده مصائر العباد، والشيعة جمعاء ـ وفاقاً لعامّة المسلمين ـ يعتقدون بالتوحيد في الخالقية والربوبية، وأنّ الأُمور كلّها بيد الله سبحانه، ولا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً إلاّ الدعاء لنفسه أو لغيره بإذن من الله سبحانه.

وإن أراد من دعاء الغير طلب الدعاء والشفاعة فهذا أمر اتّفق على جوازه المسلمون إلاّ شذّاذ الآفاق.

هذا هو الترمذي يروي عن أنس أنّه قال: سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قلت: فأين أطلبك، قال: على الصراط ([36]).

وهذا هو سواد بن قارب وفد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وطلب منه الشفاعة ضمن قصيدة، فيها:

وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب([37])

ولا يختص طلب الشفاعة من الحي بل يشمل طلب الشفاعة من الميّت، فهذا هو ابن عباس يقول: لمّا فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام)من تغسيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ ـ إلى أن قال: ـ اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!...»([38]).

ويروى أيضاً أنّه لمّا توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كشف أبو بكر عن وجهه ثمّ أقبل عليه فقبّله ثم قال:«بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً»([39]).

إنّ هاتين الروايتين ـ وأمثالهما ـ تدلاّن على أنّه لا فرق بين طلب الشفاعة من الشفيع في حياته وبعد وفاته، وقد كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد وفاته، فلو كان طلب الدعاء منه صحيحاً بعد وفاته، فإنّ طلب الشفاعة ـ الّذي هو نوع من طلب الدعاء ـ سيكون صححياً أيضاً.

وليس للشيعة في مساجدهم إلاّ طلب الشفاعة، أي طلب الدعاء من النبي وآله، وقد دلّت الآيات والروايات على حياتهم ووجود الصلة بيننا وبينهم، فلنفترض ـ فرضاً باطلاً ـ أنّهم غير أحياء وأنّهم لا يسمعون كلامنا، فغاية ما يمكن أن يقول به الرجل هو عدم الجدوى في طلب الدعاء من العبد الّذي لا يسمع، فلا يكون ذلك دليلاً على الشرك.

الرابع: سبّ الأولياء من الصحابة والخلفاء

إنّ الشيعة تقتفي إثر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وإثر إمام المتقين وقدوة الموحّدين علي أمير المؤمنين (عليه السلام)وهانحن ننقل شيئاً من كلامه حول الصحابة: «أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ!

قال: ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة، فأطال البكاء، ثم قال(عليه السلام):

أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ».([40])

وهذا هو الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)يدعو لصحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويقول: «اللّهم وأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته ـ إلى أن يقول: ـ فلا تنس لهم اللّهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عنك  وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم»، ثم يقول: «اللّهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: ربنا أغفر لنا»([41]).

هذا هو منطق أئمة الشيعة والمسلمين، والمسلمون كلّهم سائرون عليه، والعجب أنّه يتّهم الشيعة بسبّ الصحابة في عامّة مساجدهم ولذلك منع من الدخول إليها، ومع ذلك كلّه نرى في أصحّ كتبهم وهو صحيح البخاري سبّ بعض الصحابة البعض الآخر في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وحضوره، وإن كنت في ريبّ فلنتلوا عليك رواية واحدة نقلها البخاري في صحيحه باختصار:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في قصة الإفك: «مَن يعذرني من رجل ] المراد به عبدالله بن سلول[ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي، إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي».

فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عُنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت عائشة : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه فإنّك منافق، تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيّان الأُوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يُخفّضهم حتّى سكتوا وسكت([42]).

 

النقد والتقييم غير السبّ

إنّ النقد القائم على أُسس صحيحة وموازين سليمة هو قبلة طالبي الحقيقة، والساعين إلى الفضيلة.

وأمّا السبّ والشتم فهو وليد العصبية ونتاج الغيظ والحقد والهوى، وبتعبير آخر: السبّ هو النيل من كرامة الشخص بكلمات مبتذلة، ولسان بذيء لغاية التشفّي وهدم الكرامة.

وأمّا النقد: فهو دراسة حياة الشخص من منظار موضوعي وبيان ما له من الفضيلة والكرامة، أو ما اقترف من المآثم والخطايا، فيُمدح على الأوّل ويذمّ على الثاني.

فالذي في كتب الشيعة عند المرور بآيات الذكر الحكيم هو دراسة النقد لا السبّ.

ولو كان هذا سبّاً فكتب القوم هي التي فتحت هذا الباب على مصراعيه بوجه المسلمين، وهذا هو البخاري، ومسلم رووا في صحاحهم روايات كثيرة في ارتداد الصحابة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن ننقل منها رواية واحدة:

روى أبو هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال: من أُمّتي ـ فيحلّؤون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقري».([43])

دراسة المقطع الثالث

مع أنّ المفتي أفتى بحرمة الصلاة في مساجد الشيعة إلاّ أنّه أفتى أخيراً بأنّ الإنسان لو دخل وصلّى في هذه المساجد، حتّى مع علمه بعدم الجواز، فصلاته صحيحة.

أقول: كيف يفتي بصحّة الصلاة، مع أنّ المصلّي فيها ـ حسب روايتهم ـ ملعون بعمله هذا، فكيف تنسجم حرمة العمل مع صحّته، وكيف ينسجم كون المصلّي ملعوناً مع كون صلاته مقبولة؟!

وكيف يتمشّى قصد التقرّب وامتثال الأمر مع كونه مطروداً من رحمة الله؟!

ولعمر الحق فما أرخص هذا الاجتهاد الّذي لا يحتاج إلى إتقان المبادئ والمقدّمات اللازمة.

فكأنّ الإفتاء عند القوم لا يحتاج إلى مبادئ ومقدّمات تؤهّل المفتي لاستنباط الحكم الشرعي من كتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيفتي بلا دليل على حرمة الدخول، ثم ينقض ما أبرمه، بلا دليل ولا برهان.

هذا ما سمح به الوقت في دراسة هذه الفتوى ونقدها نقداً علمياً، والتي وجدناها على شفا جرف هار.

والحمد لله رب العالمين

جعفر السبحاني

قم المقدسة ـ الحوزة العلمية

21 رجب المرجب 1435 هـ

 


[1] . الكهف: 21.

[2] . تفسير الطبري: 15 / 149 .

[3] . تفسير الرازي: 21 / 105 .

[4] . تفسير الكشّاف: 2 / 334 .

[5] . تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان المطبوع بهامش تفسير الطبري: 15 / 119 .

[6] . يونس: 90 .

[7] . يونس: 91.

[8] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 81 ـ 82 .

[9] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 82 .

[10] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 76 .

[11] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 76 ـ 77 .

[12] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 89 .

[13] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 93.

[14] . سير أعلام النبلاء: 3 / 406 برقم 62.

[15] . سير أعلام النبلاء: 3 / 470 برقم 97 .

[16] . لاحظ : سير أعلام النبلاء6 4 / 389 ; تاريخ مدينة دمشق: 41 / 371 .

[17] . فتح الباري: 7 / 3.

[18] . صحيح البخاري: 2 / 90، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور، بعد رقم 1329.

[19] . تهذيب الكمال: 6 / 92 .

[20] . صحيح البخاري: باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور برقم 1330 .

[21] . آل عمران: 181 .

[22] . آل عمران: 183 .

[23] . النساء: 155.

[24] . صحيح مسلم: 2 / 66، كتاب المساجد ; ولاحظ: سنن النسائي: 2 / 41 .

[25] . مسند أحمد:3/248.

[26] . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 2 / 437، باب بناء المساجد على القبور. وقد مال إلى هذا المعنى ابن حجر ـ في فتح الباري:3/208 حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.

[27] . السنن للنسائي:2/21مطبعة الأزهر.

[28] . نفس المصدر السابق.

[29] . شرح صحيح مسلم للنووي:5/13ـ 14.

[30] . كنز العمال: 7 / 23 برقم 17782 .

[31] . العروة الوثقى: 2 / 407، فصل في بعض أحكام المسجد.

[32] . المرسلات: 25 ـ 26 .

[33] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 113 .

[34] . القصص: 15 .

[35] . آل عمران: 153.

[36] . سنن الترمذي: 4 / 42، باب ما جاء في شأن الصراط.

[37] . الدرر السنية لزيني دحلان: 29.

[38] . نهج البلاغة: من قصار كلامه 235.

[39] . السيرة النبوية: 2 / 655 ـ 656.

[40] . نهج البلاغة: الخطبة 182 .

[41] . الصحيفة السجادية: الدعاء رقم 4، الصلاة على مصدّقي الرسل.

[42] . صحيح البخاري بشرح الكرماني: 17 / 14 ـ 15 .

[43] . صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب في الحوض، برقم 6576، ولاحظ بقية الأحاديث بالأرقام: 6582، 6583، 6584، 6585، 6586، 6587.

السيد القائد يلقي خطابه السنوي في الذكري الخامسة و العشرين لرحيل الإمام الخميني (رض)السيد القائد يلقي خطابه السنوي في الذكري الخامسة و العشرين لرحيل الإمام الخميني (رض)عرض عشاق الإمام الخميني (رض) القادمون من كافة أنحاء البلاد إلي جوار مرقده الطاهر في الذكري الخامسة و العشرين لرحيل مؤسس الثورة الإسلامية الكبير صوراً نادرة من العظمة و الصمود و العزة و العشق لمبادئ الثورة الإسلامية، مجددين العهد مع أصول و مبادئ ذلك الحبيب الراحل.

و ألقي سماحة آية الله العظمي السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية في هذا الحشد الهائل من مختلف شرائح أبناء الشعب و الضيوف الأجانب كلمته السنوية التي تطرق فيها لجذور و أسباب الشوق و التطلع المطرد لشعوب العالم لمعرفة ظاهرة الجمهورية الإسلامية المقتدرة و السائرة نحو التقدم، و اعتبر الشريعة الإسلامية و الديمقراطية الدينية النابعة من الشريعة الركنين الأساسيين لمدرسة الإمام الخميني، و شدد علي وفاء شعب إيران و مسؤوليه لهذه الوصفة السياسية - المدنية الجديدة مردفاً: مضايقات أمريكا و عرقلاتها و خفوت روح نهضة الإمام الخميني الكبير و اتجاهاتها تحديان أساسيان سيواصل شعب إيران بتشخيصهما و الانتصار عليهما طريق الإمام الخميني الراحل الكبير المحفوف بالمفاخر و السعادة.

في الجانب الأول من حديثه في هذا الملتقي الوطني العظيم، اعتبر آية الله العظمي السيد الخامنئي الجاذبية المطردة للإمام الخميني و الجمهورية الإسلامية بين الرأي العام للشعوب و خصوصاً الشعوب المسلمة حقيقة واقعة، منوّهاً: بعد خمسة و عشرين عاماً علي رحيل قائد الثورة الإسلامية الكبير تسعي مختلف الشرائح في العالم الإسلامي و خصوصاً الشباب و الواعون بكل شوق و تطلع إلي معرفة المزيد عن ظاهرة الديمقراطية الدينية و نظرية ولاية الفقيه و سائر قضايا الثورة الإسلامية.

و اعتبر سماحته الهجمات الإعلامية و السياسية المستمرة و الواسعة جداً للأعداء ضد الجمهورية الإسلامية من عوامل تشديد تطلع الشعوب لمعرفة الثورة الإسلامية مردفاً: الرأي العام في العالم الإسلامي متشوق أكثر من الماضي لمعرفة ماهية و حقيقة الحكومة التي تتعرض لكل هذه الهجمات غير المسبوقة و المستمرة، و لإدراك سرّ صمودها و نجاحاتها.

و عدّ سماحة قائد الثورة الإسلامية الصحوة الإسلامية و المشاعر المناهضة للاستكبار إحدي نتائج تطلع و وعي الشعوب تجاه الجمهورية الإسلامية مؤكداً: ترتكب جبهة الاستكبار خطأ استراتيجياً عندما تتصور أنها استأصلت الصحوة الإسلامية، فالوعي و الفهم الذي أدي إلي ظهور الصحوة الإسلامية ليس مما يزول و يمحي، و هذه الظاهرة سوف تنتشر عاجلاً أم آجلاً.

و أوضح سماحته أن الاقتدار و التقدم المطرد لشعب إيران عامل آخر من عوامل تطلع الشعوب نحو الجمهورية الإسلامية و الديمقراطية الدينية، مضيفاً: يبحث الجيل الشاب في العالم الإسلامي عن إجابة لهذا السؤال التاريخي المهم و هو: لماذا و كيف استطاعت الجمهورية الإسلامية طوال 35 عاماً الصمود و المقاومة إزاء الهجمات العنيفة و الوحشية العسكرية و السياسية و الإعلامية للأعداء‌ و الحظر غير المسبوق الذي فرضته أمريكا، و راحت تزداد تقدماً و اقتداراً يوماً بعد يوم، و دون أية نزعة محافظة؟

و في معرض إيضاحه لأسباب جاذبية الجمهورية الإسلامية أكثر، أضاف قائد الثورة الإسلامية: ‌الشعوب و الأجيال الشابة و الواعية في العالم الإسلامي تري حالات تقدم الشعب الإيراني في ميادين الفضاء و الجو، و تلاحظ وجود إيران ضمن البلدان العشرة الأولي عالمياً في الكثير من العلوم الجديدة، و كذلك السرعة العلمية لإيران و التي تعادل 13 مرة أكثر من متوسط السرعة العالمية، و تدرك أن شعب إيران له الدور الأول في السياسات الإقليمية، و أنه بصموده بوجه الكيان الصهيوني الغاصب يدافع عن المظلوم و يجابه الظالم.

و استطرد سماحة الإمام السيد علي الخامنئي قائلاً: هذه الحقائق تدفع أي إنسان للتطلع و طلب معرفة المزيد عن ظاهرة الجمهورية الإسلامية.

و أكد سماحته علي أن إقامة 32 انتخابات طوال الأعوام الـ 35 الماضية بمشاركة عالية مثيرة للإعجاب من قبل الشعب، و التواجد الهائل و الملحمي للشعب في مظاهرات يوم الثاني و العشرين من بهمن و يوم القدس العالمي حقيقة أخري من حقائق إيران الجذابة للرأي العام الخارجي مردفاً: لقد تعودنا نحن علي مثل هذه الأمور و لا نشعر بعظمتها و أهميتها لكن هذه الحقائق الجميلة تثير التساؤلات و الانبهار لدي المراقبين العالميين و شعوب البلدان الأخري.

و اعتبر قائد الثورة الإسلامية كل هذه الحقائق و الواقعيات الجميلة و المشوقة من صناعة و صياغة اليد القديرة و الفكر المبدع لمهندس الثورة الإسلامية الكبير الإمام روح الله الخميني (رض)، و تابع حديثه برسم صورة مختصرة لكن بليغة لمدرسة الإمام الخميني.

و كانت النقطة الرئيسة في هذا الجانب من حديث قائد الثورة الإسلامية حقيقة أنه من أجل الوصول للهدف ينبغي عدم إضاعة الطريق، و لأجل السير في الطريق الصواب نحتاج لاستيعاب الخارطة الأساسية لذلك المهندس الحاذق البارع.

و أوضح آية الله العظمي السيد علي الخامنئي أن تشييد نظام «مدني - سياسي» علي أساس «العقلانية الإسلامية» هي الخارطة الأصلية للإمام الخميني الراحل مضيفاً: انهيار النظام الملكي العميل الفاسد المستبد في إيران و استئصال خصوصيات ذلك النظام هو مقدمة تشييد صرح عظيم أقامه الإمام الخميني بهمته الفذة و مواكبة الشعب له.

و في معرض شرحه للأركان و الأعمدة الرئيسة في النظام السياسي المدني الذي تغيّاه الإمام الخميني شدّد قائد الثورة الإسلامية السيد الخامنئي علي نقطتين أساسيتين و مرتبطتين ببعضهما أشد الترابط فقال: الركن الأول هو الشريعة الإسلامية باعتبارها روح الجمهورية الإسلامية و جوهرها، و الركن الثاني هو إحالة الأمور و الأعمال للناس عن طريق الديمقراطية و الانتخابات.

و تابع سماحته يقول: لا يظنن أحد أن الإمام الخميني اقتبس الانتخابات من الثقافة الغربية و مزجها بالفكر الإسلامي، إذ لا ريب في أنه لو لم تكن الانتخابات و الديمقراطية مستمدة من أصل الشريعة الإسلامية لأعرب الإمام الخميني عن ذلك بكل صراحة و حسم.

و أكد قائد الثورة الإسلامية: ‌علي أساس مدرسة الإمام الخميني ينبغي النظر للشريعة الإسلامية و الاهتمام بها إلي أقصي حد باعتبارها حقيقة النظام الإسلامي و ماهيته، و ذلك في كل الأعمال و الممارسات و عمليات التشريع و رسم السياسات و عمليات و العزل و النصب و السلوكيات العامة و سائر الأمور و القضايا، هذا إلي جانب أن تسيير الأمور في هذا النظام السياسي المدني يقوم علي أساس الديمقراطية النابعة من نفس هذه الشريعة، فالناس ينتخبون كل مسؤولي البلاد انتخاباً مباشراً أو غير مباشر.

و أكد قائد الثورة الإسلامية علي أن التطبيق الكامل للشريعة من شأنه تأمين العناصر الأربعة الرئيسية: الاستقلال و الحرية و العدالة و المعنوية، مردفاً: الالتزام بالشريعة الإسلامية الباعثة علي السعادة يضمن فضلاً عن الحريات الفردية و المدنية حرية الشعب من ربقة المستكبرين أي الاستقلال الوطني، و يحقق العدالة و يستتبع المعنوية.

ثم تطرق الإمام السيد علي الخامنئي إلي نقطة أساسية و مهمة أخري في مدرسة الإمام الخميني.

فقد قال سماحته: في مدرسة الإمام الخميني لا تقبل أية قدرة أو سلطة أو غلبة تحصل عنوة و باستخدام السلاح، و بالطبع فإن السلطة و الاقتدار الناتج عن انتخاب الشعب محترم و مقبول و لا ينبغي لأي شخص أن يقف ضده، و إذا وقف ضده فإن عمله هذا فتنة.

و اعتبر آية الله العظمي السيد الخامنئي الوصفة السياسية المدنية للإمام الخميني فصلاً جديداً في الأدبيات السياسية العالمية، و قال في معرض بيانه لعنصر آخر من عناصر هذه الوصفة الجديدة: مساعدة المظلوم و مجابهة الظالم من العناصر الأصلية في مدرسة الإمام الخميني.

و أشار قائد الثورة الإسلامية في هذا الصدد إلي الدعم التام و غير المنقطع الذي أبداه الإمام الخميني لشعب فلسطين المظلوم مردفاً: الوقوف بوجه الظالم و التحطيم الصريح لهيبة و أبّهة الظالمين من الأصول المهمة في مدرسة الإمام الخميني، و التي يجب أن تكون دوماً موضع اهتمام و انتباه الشعب و المسؤولين.

و عدّ السيد القائد الخامنئي أن التطبيق العملي للوصفة السياسي - المدنية للإمام الخميني من الفوارق الواضحة بين مدرسته و بين النظريات النظرية الصرفة، و طرح هذا السؤال الأساسي:‌ هل سيستمر العمل العظيم الذي أنجزه الإمام الخميني بنجاح؟

و كانت إجابته عن هذا السؤال إيجابية و لكن مشروطة.

فقد لفت قائد الثورة الإسلامية: في الجدول الجميل و الرائق للإمام الخميني هناك بشكل طبيعي خانات فارغة و من الممكن تماماً ملؤها و مواصلة هذا الطريق المصيري، و لكن بشرط الهمة و الوعي الوطني و مراعاة عناصر هذا الطريق.

و أثني آية الله العظمي الإمام الخامنئي علي وفاء شعب إيران لأهداف الإمام الخميني و مبادئه مؤكداً: بالسلوك الذي أبداه شعب إيران طوال 25 عاماً بعد رحيل الإمام الخميني الكبير فقد أثبت أن كل الخانات الخالية في هذا الجدول ستمتلئ و ستصل إيران العزيزة في ظل مواصلة درب الإمام الخميني إلي ذروة الاقتدار بإذن الله تعالي.

و استطرد قائد الثورة الإسلامية في كلمته لافتاً انتباه الحشود الحاضرة و كل شعب إيران إلي نقطة أساسية أخري، حيث قال: السير في درب الإمام الخميني و تحقيق أهداف هذا القائد الكبير مثل أي هدف مهم آخر يواجه عقبات و تحديات إذا لم نعرفها و لم نرفعها فإن مواصلة الدرب ستكون صعبة أو غير ممكنة.

و اعتبر آية الله العظمي السيد الخامنئي في هذا الصدد أن التحديين الخارجي و الداخلي من أهم التحديات القائمة التي من الضروري للشباب و النخبة و أصحاب الخبرة و الوعي في المجالات الفكرية و النظرية أن يولوها الاهتمام و التمحيص و الدراسة الكافية.

و في معرض بيانه للتحدي الخارجي أشار قائد الثورة الإسلامية إلي المضايقات و العراقيل التي يجترحها الاستكبار العالمي و خصوصاً أمريكا، موضحاً: طبعاً قال بعض المفكرين السياسيين الغربيين إن هذه المضايقات لا جدوي منها، لكن أمريكا لا زالت تواصل تنفيذ خطتها الشاملة هذه.

و أضاف قائد الثورة الإسلامية: يقسّم الأمريكان البلدان و التيارات السياسية و الشخصيات في العالم إلي ثلاث مجاميع هي « البلدان المطيعة» و «الحكومات و التيارات التي يتم التعامل معها حالياً بمداراة» و « الحكومات و التيارات غير المطيعة». و طريقة تعامل أمريكا مع الحكومات المطيعة و الخاضعة هي الدعم التام و الشامل و تبرير سلوكياتها القبيحة في المجتمع العالمي، و طبعاً هي تمتص خيرات هذه البلدان لقاء ما تقدمه لها من دعم سخي.

و أشار قائد الثورة الإسلامية إلي بعض الأنظمة الرجعية و الشديدة الاستبداد التي تدعمها أمريكا دعماً شاملاً قائلاً: تذكر أمريكا مثل هذه البلدان التي لا انتخابات فيها و لا يتمتع فيها الشعب بقدرة علي الكلام و قول شيء، تذكرها باعتبارها بلداناً أبوية و ليست دكتاتورية.

و أوضح قائد الثورة الإسلامية إن الفئة الثانية من البلدان حسب تقسيم أمريكا هي البلدان التي تداريها أمريكا في الوقت الحاضر بسبب مصالحها، لكنها إذا وجدت الفرصة طعنتها بخنجرها في القلب.

و عدّ الإمام الخامنئي البلدان الأوربية نموذجاً لهذه الفئة مؤكداً: طبعاً الأمريكان إلي جانب مداراتهم المصلحية مع الأوربيين يتجسسون علي الحياة الخاصة للمواطنين و المسؤولين الأوربيين، و هم غير مستعدين حتي للاعتذار عن ذلك.

و أضاف سماحته قائلاً: طبعاً الأوربيون يرتكبون خطأ استراتيجياً كبيراً بتقديمهم الخدمة للمصالح الأمريكية و باتجاه مخالف لمصالحهم الوطنية.

و وصف آية الله العظمي السيد الخامنئي الفئة الثالثة من البلدان بأنها البلدان التي لا تخضع لتعسف أمريكا.

و لفت سماحته قائلاً: سياسة أمريكا قبال هذه البلدان هي الاستخدام اللامحدود لكل الإمكانيات و الطاقات من أجل توجيه ضربة لها و إسقاطها.

و قال قائد الثورة الإسلامية في شرحه لأساليب مواجهة أمريكا للبلدان التي لا تخضع لابتزازاتها: طبعاً بسبب الأضرار و الخسائر التي تكبدتها أمريكا نتيجة هجماتها علي العراق و أفغانستان، ليس الهجوم العسكري اليوم ضمن أولويات المخططات الأمريكية.

و أوضح سماحته أن من الاستراتيجيات الأمريكية المهمة حيال البلدان المقاومة و غير المطيعة استخدام العناصر العميلة في هذه البلدان ملفتاً: تدبير الإنقلابات أو جرّ الناس إلي الشوارع من أهم أساليب أمريكا في استخدامها للعناصر العميلة.

و‌ أضاف قائد الثورة الإسلامية: أية حكومة في أي بلد تستلم زمام السلطة بانتخاب من الشعب فإن الأقلية التي لم تنتخب تلك الحكومة تعارضها يقيناً، و أمريكا تستخدم هذه القضية بالذات فتحرض العناصر الأصلية المعارضة و تجرّ جزءاً من الناس إلي الشوارع.

و استطرد سماحته يقول: نموذج من هذه الممارسة مشهود اليوم بوضوح في جانب من أوربا، و طبعاً لا نريد أصدار حكم في هذا الصدد، لكن ماذا يفعل الشيوخ الأمريكان حقاً وسط المتظاهرين المعارضين في الشوارع؟

و أكد قائد الثورة الإسلامية أن تنشيط الجماعات الإرهابية من الأساليب الأمريكية الأخري لمواجهة البلدان غير المستعدة للخضوع لتعسف أمريكا.

و قال سماحته: العراق و أفغانستان و بعض البلدان العربية وإيران العزيزة من الضحايا الأصليين لهذا الأسلوب الأمريكي في التعامل.

و أشار آية الله العظمي السيد الخامنئي إلي دعم أمريكا لزمرة المنافقين الإرهابية و ارتباط عناصر هذه المنظمة الإرهابية بالأجهزة الحاكمة في أمريكا، و منها الكونغرس الأمريكي، مردفاً: المنافقون الذين اغتالوا عدداً كبيراً من العلماء و النخب السياسية و الثقافية و أبناء الشعب الإيراني، يستظلون بمظلة الدعم الأمريكي.

و اعتبر قائد الثورة الإسلامية أن من الأساليب و الممارسات الأخري لأمريكا حيال البلدان المستقلة و التي لا تخضع للابتزاز هو بث الخلافات و الثنائية في قمة هرم نظام الحكم و خلق انحرافات في الركائز الإيمانية و العقيدية للشعب، موضحاً: بفضل من الله، فقد هزم الأمريكان أمام شعب إيران في كل هذه الميادين و المجالات، و أخفقت كل مؤامراتهم بما في ذلك الانقلاب العسكري و دعم أرباب الفتنة و السعي لجرّ جزء من الشعب إلي الشوارع و خلق خلافات بين المسؤولين، بفضل إيمان الشعب و يقظته.

و بعد شرحه لأبعاد التحدي الخارجي، قال الإمام الخامنئي عن التحدي الداخلي: يحدث هذا التحدي و الخطر الكبير عندما ينسي الشعب و المسؤولون روح و اتجاهات نهضة الإمام الخميني الكبير.

و أشار سماحته في هذا الموضوع للخطأ في تمييز الصديق من العدو، و العجز عن معرفة العدو الأصلي من الفرعي، قائلاً: علي الجميع أن يتنبهوا للعدو الأصلي و لا يغفلوا عنه في مختلف الأحداث.

و كمصداق لموضوع جعل الأعداء الفرعيين أصليين، أشار قائد الثورة الإسلامية إلي الممارسات القبيحة لبعض الجماعات الجاهلة التكفيرية الوهابية و السلفية ضد التشيع قائلاً: علي الجميع أن يتنبهوا إلي أن العدو الأصلي هو الأجهزة الاستخبارية الأجنبية و الذين يحرضون هذه التيارات و يوفرون لها المال و السلاح.

و أكد سماحته قائلاً: طبعاً كل من يفكر بالتطاول علي الجمهورية الإسلامية سيتلقي بلا شك صفعة قوية من شعب إيران، لكننا في الوقت نفسه نعتقد أن اليد غير الخافية جداً للعدو و التي توقع بين المسلمين، هي عدونا الأصلي، و ليست هذه الجماعات المخدوعة.

و اعتبر قائد الثورة الإسلامية فقدان الانسجام الوطني و الإصابة بالكسل و ضعف المحفزات و سيادة اليأس و القنوط و كذلك التصور الخاطئ بأننا غير قادرين و أننا لم نقدر، اعتبرها من الأبعاد الأخري للتحدي الداخلي للنظام الإسلامي مؤكداً: كما قال إمامنا الخميني العزيز فإننا قادرون و العزيمة الوطنية و الإدارة الجهادية ستستطيعان حل العقد و معالجة المشكلات.

و أكد قائد الثورة الإسلامية في ختام كلمته: الاسم المبارك للإمام الخميني الكبير و خارطة هذا المهندس العظيم سوف تعين - بفضل من الله - شعب إيران في كل المراحل و الأطوار، و توفر الأمل و الحيوية و المحفزات لتصنع المستقبل المشرق لإيران العزيزة.

قبل كلمة آية الله العظمي السيد الخامنئي ألقي سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيد حسن الخميني حفيد الإمام الخميني كلمة رحّب فيها بزوار و عشاق مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، و اعتبر معالجة الحرمان و الفقر و مساعدة المستضعفين من الأهداف و التوجهات الرئيسية للإمام الخميني الراحل، قائلاً: قائد الثورة الإسلامية السيد الخامنئي أيضاً شدد دوماً علي هذه التوجهات الأساسية، و هذا درس للجميع.

كما اعتبر سادن الحرم المطهر للإمام الخميني (رض) معالجة المشكلات الاقتصادية بحاجة‌ إلي تدبير و عقلانية و تعاون من السلطات الثلاث و وحدة وطنية مردفاً: ينبغي أن يمتزج الاقتصاد بثقافة رفع الحرمان.

عراقتشي: مباحثاتنا مع مجموعة 5+1 تقتصر على الملف النووي فقط

كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقتشي بقول اجراء مفاوضات ثنائية قبل وبعد جولات المفاوضات مسالة عادية ومتواصلة، معتبراً أن الحظر على طهران مفروض بمعظمه من قبل الولايات المتحدة الأميركية ولم تفرضه البلدان الاخرى في مجموعة 5+1.

السيسي بعد توليه الرئاسة: مصر الجديدة ستساهم في استقرار المنطقة

عبدالفتاح السيسي رئيساً رسمياً لمصر بعد أدائه اليمين الدستوري فاتحاً بذلك سابقة في تاريخ مصر حيث يجري تسلم السلطة وتسليمها بين رئيسين للجمهورية، ويعلن في خطابه الأول من قصر الاتحادية أن بلاده ستعاود لعب دورها الفاعل اقليمياً ودولياً.

الإبراهيمي يتهم المجموعات المسلحة في سوريا باستخدام الأسلحة الكيميائية في خان العسل

الأخضر الإبراهيمي يتهم المجموعات المسلحة في سوريا بشن الهجوم الكيميائي في خان العسل في مدينة حلب. ويحذر في مقابلة مع "دير شبيغل" من تحول سوريا إلى دولة فاشلة على غرار الصومال.

حمّل المبعوث العربي والدوليّ السابق إلى سوريا الأخضر الابراهيمي المجموعات المسلحة مسؤولية شنّ هجوم بأسلحة كيميائية في خان العسل في مدينة حلب، والذي كان وقع في آذار/ مارس 2014.

وفي مقابلة لأسبوعية "دير شبيغل" الألمانية قال الإبراهيمي الذي استقال أخيراً "ظنوا أن الرئيس بشار الأسد سيسقط سريعاً فدعموا الحرب عليه" مضيفاً أن "الكثير من الدول أساء تقدير الأزمة السورية حيث توقعوا انهيار حكم الأسد مثلما حدث مع بعض الزعماء العرب الآخرين، وهو خطأ تسببوا في تفاقمه بدعم جهود الحرب بدلاً من جهود السلام".

وحذر الإبراهيمي مما سماه صومالاً ثانية في سوريا، ومن "انفجار كامل المنطقة المحيطة بها إذا لم يجر التوصل إلى حلّ".

وقال "إن "سوريا تتّجه لأن تصبح دولة فاشلة يديرها زعماء ميليشيات على غرار الصومال، معتبراً أنه بدون تضافر الجهود للتوصل إلى حل سياسي للحرب الأهلية في سوريا "يوجد خطر جدي لأن تنفجر المنطقة بأسرها"، مشيراً إلى أنّه "لن يبقى الصراع داخل سوريا".

الأحد, 08 حزيران/يونيو 2014 04:12

المرحلة السرية من الدعوة الإسلامية (12)

المرحلة السرية من الدعوة الإسلامية (12)

لقد رأى بعض المؤرخين أن النبي (ص) مرّ بأربع مراحل خلال دعوته وتبليغه للرسالة الإسلامية. الأولى المرحلة السرية، واستمرت ثلاث سنوات. والمرحلة الثانية وهي مرحلة إعلان الدعوة إلى الله بالقول حصراً والأساليب السلمية دون اللجوء إلى القتال، واستمرت هذه المرحلة حتى السنة الرابعة بعد البعثة حتى الهجرة إلى المدينة المنورة. والمرحلة الثالثة هي مرحلة تأسيس المجتمع والدولة الإسلامية، والدفاع عن الإسلام بالسيف، واستمرت هذه المرحلة من الهجرة إلى صلح الحديبية حتى السنة السادسة بعد البعثة.

والمرحلة الرابعة هي مرحلة قتال كل من وقف بوجه الدعوة الإسلامية ووقف في طريقها بالعنف من الوثنيين والمشركين وغيرهم. المرحلة السرية يقصد بها تلك المدة التي كان يدعو فيها النبي (ص) إلى الإسلام خفية. فقد بقي بعدما بعثه الله بالرسالة مدة ثلاث سنوات تقريباً، يتستر في دعوته ويتحاشى الإعلان عن رسالته أمام الرأي العام.

وكان يدعو إلى الدين خلال هذه المرحلة بعض الأشخاص بصورة طوعية، وعفوية دون لفت الأنظار إلى الأمر. فآمن عدد من الناس تباعاً حتى وصل عددهم إلى أربعين رجلاً تقريباً كي لا يتعرضوا للتعذيب والتنكيل.

وقد كان هذا الأسلوب ضرورياً للأسباب الأتية :

أولاً : من أجل الحفاظ على مستقبل الدعوة، كي لا تتعرض لعمل مسلح يقضي عليها في مهدها، فكان لا بد من إيجاد مجموعة من المؤمنين من مختلف القبائل والجماعات السياسية بعيداً عن الأنظار يحملون هذه العقيدة ويدافعون عنها حى لا يبقى مجال لتصفيتهم بصورة سريعة من قبل أعدائهم. فلو أن النبي (ص) أعلن عن دعوته فور البعثة لانتفضت قريش وقضت على هذه الدعوة وعناصرها بشكل سريع وحاسم من أول الطريق.

ثانياً: هدف الإسلام والنبي (ص) هي القيام بعملية تبليغ شاملة لكل الواقع الجاهل الديني والأخلاقي والاجتماعي والسياسي واستبداله بواقع جديد يستند إلى مبادئ الإسلام وعقائده ومفاهيمه. وإذا كانت هذه هي الغاية من البعثة النبوية، فلا بد له من إتاحة فرصة لتهئية وإعداد الكوادر والقوى التي تستطيع تحقيق هدف كبير مثل هذا، والاحتفاظ بالوجود الفعّال والمؤثر، في بقاء واستمرار ذلك الهدف.

والمرحلة السرية هي أفضل فرصة لإعداد القوى المطلوبة لتحقيق كل هذا.

ثالثا : إن مدة المرحلة السرية كانت بمثابة إعداد نفسي وتربية عقيدية وروحية وجهادية لتلك الصفوة والجماعة التي دخلت في الإسلام وآمنت بربها وبرسالة نبيها الأكرم. وكان لا بد في هذه المرحلة أن يقوم النبي (ص) بمثل هذه التربية، التي تمكّن من الصمود في وجه التحديات المنتظرة. تسرّب خبر الدعوة إلى قريش ويقول المؤرخون، إنه رغم سرية هذه المرحلة عرف المشركون بنبوة الرسول (ص) وتسرّبت إليهم أخبار عن الدعوة من هنا وهناك، فقد راح الناس يتحدثون عنها في مجالسهم. وكانوا يقولون إن فتى عبد المطلب ليُكلّم من السماء.

ولكنهم في تلك المرحلة لم يهتموا للأمر أو يحملوا القضية على محمل الجد. ربما لأنهم ظنوا أن قضية النبي (ص) لا تزيد عن قضية بعض الأشخاص الذين تركوا عبادة الأصنام وخرجوا من دين أبائهم يبحثون عن دين جديد تقبله عقولهم وتطمئن إليه نفوسهم، أمثال قس ابن ساعدة وأمية ابن أبي الصلت، وغيرهما، وأن محمداً وأتباعه مثل هؤلاء سوف يعودون في نهاية المطاف إلى دين أبائهم وأجدادهم. اختيار دار الأرقم مكاناً سرياً للدعوة ويضيف المؤرخون في الحديث عن المرحلة السرية من الدعوة أنه عندما أصبح عدد المسلمين ثلاثين رجلاً،

وصار بعض المسلمين يخرجون إلى الشعاب والجبال خارج مكة، لأداء الصلاة وإقامة الشعائر الدينية، وأنه عندما راحت تحدث صدامات بينهم وبين بعض المشركين الذين كانوا يرفضونهم ويتعمدون إيذائهم، عندئذ قرر النبي (ص) اختيار دار الأرقم، الواقعة عند الصفا في مكة، لتكون مركزاً لدعوته ومحلاً لاجتماع أصحابه فيه، ومقراً يقيمون فيه عبادتهم وشؤونهم بعيداً عن أنظار المشركين بدلاً من الخروج إلى الشعاب والجلال لإداء الصلاة.

وهكذا تحولت دار الأرقم في أواخر المرحلة السرية إلى مركز يجتمع فيه النبي (ص) بأصحابه، ويقوم فيه بحركاته ونشاطاته بصورة خفية بعيدة عن أنظار أهل مكة. ويقال إن النبي (ص) بقي في دار الأرقم شهراً كاملاً لا يخرج منها حتى صار عدد المسلمين أربعين رجلاً. عندئذ خرج الرسول (ص) من الدار ليعلن دعوته ويظهر رسالته أمام الرأي العام وليبدأ مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية هي الأكثر صعوبة وخطراً، وأشد عنفاً وبلاءً من المرحلة السرية السابقة.