Super User

Super User

الأحد, 09 كانون1/ديسمبر 2018 11:36

دخول السبايا إلى الشام (1/ صفر / السنة 61 هـ)

بعث ابن زياد رسولاً إلى يزيد يخبره بقتل الإمام الحسين(ع)  ومن معه، وأن عياله في الكوفة، وينتظر أمره فيهم، فأتاه الجواب بحملهم والرؤوس معهم([1]).

فأمر ابن زياد زجر بن قيس، وأبا بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن ضبيان في جماعة من أهل الكوفة؛ أن يحملوا رأس الإمام الحسين(ع)  ورؤوس من قتل معه إلى يزيد([2]).

وسرح في أثرهم الإمام علي بن الحسين(ع)  مغلولة يداه إلى عنقه وعياله معه([3]).

وكان معهم شمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وعمرو بن الحجاج، وجماعة، وأمرهم أن يلحقوا الرؤوس ويشهروهم في كل بلد يأتونه([4]).

وفي الأول من شهر صفر سنة 61هـ أدخل رأس الإمام الحسين(ع)  وموكب السبايا إلى الشام، ولما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد تمثّل قائلاً:

يفلّقن هاماً من رجال أعزّة

 

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما([5])

ثم أذن للناس، فدخلوا والرأس بين يديه وهو ينكت ثغر الإمام بقضيب، فقال له أبو برزة الأسلمي من أصحاب رسول الله(ص) :

«أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟! أما، لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً، لربما رأيت رسول الله(ص)  يرشفه! أما، إنك يا يزيد تجيء يوم القيامة وشفيعك ابن زياد! ويجيء هذا يوم القيامة وشفيعه محمد(ص)  »([6])، ثم قام فولّى.

وسمعت هند([7]) بما دار من هذا الحديث، فخرجت مذهولة ودخلت على يزيد وهي تصيح: يزيد، رأس من هذا؟

فأراد يزيد التملّص من مسؤوليته في ارتكاب الجريمة فقال: أعولي عليه يا هند، وحدّي عليه، فإنه ابن بنت رسول الله(ص) ، وصريخة بني هاشم، عجل عليه ابن زياد فقتله([8]).

وقد يكون من المفيد أن نذكر ما ذكره ابن نما وابن طاووس: لما سمعت زينب بنت علي(س) يزيداً، يتمثل بأبيات ابن الزبعرى([9])، حتى قال:

لعبت هاشم بالملك فـلا
لست من خندف إن لم أنتقم

 

خبـر جـاء ولا وحي نـزل
من بني أحمد ما كان فعـل

فوقفت خطيبة فقالت بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه وآله:

(ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُواْ السّوَءَىَ أَن كَذّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) ([10])، أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مّهِينٌ)([11]).

أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمعاقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والدنيّ والشريف، ليس معهنّ من حماتهنّ حمي ولا من رجالهنّ ولي؟ وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشّنف والشّنآن، والإحن والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

 

ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك! وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد(ص)  ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردنّ وشيكاً موردهم، ولتودنّ أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت.

اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممّن ظلمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا.

فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردنّ على رسول الله(ص)  بما تحمّلت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقهم: (وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ)([12]).

وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد(ص)  خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً وأيّكم شرّ مكاناً، وأضعف جنداً.

ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى، ألا فالعجب كلّ العجب، لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفّرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنماً، لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعول.

فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين.

والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل ([13]).

ثم أمر يزيد الخطيب أن يصعد المنبر ويثني على معاوية وينال من الحسين وآله. ففعل الخطيب وأكثر من الوقيعة في علي(ع)  والحسين(ع) ، فصاح به السجاد(ع) : «أيها الخاطب لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار»([14]).

ثم التفت (ع)  إلى يزيد وقال له: «أتأذن لي أن أرقى هذه الأعواد فأتكلم بكلام فيه لله رضى ولهؤلاء أجر وثواب».

فأبى يزيد، وألحّ الناس عليه، فلم يقبل، فقال ابنه معاوية الثاني: ائذن له، ما قدر أن يأتي به؟ فقال يزيد: إن هؤلاء ورثوا العلم والفصاحة وزقوا العلم زقاً. وما زالوا به حتى أذن له.

فقال (ع) : «الحمد لله الذي لا بداية له، والدائم الذي لا نفاد له، والأول الذي لا أولية له، والآخر الذي لا آخرية له، والباقي بعد فناء الخلق، قدر الليالي والأيام، وقسم فيما بينهم الأقسام، فتبارك الله الملك العلام..».

إلى أن قال (ع): «أيها الناس، أُعطينا ستاً وفضلنا بسبع؛ أُعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضّلنا بأن منا النبي والصديق والطيار وأسد الله وأسد رسوله وسبطا هذه الأمة (ومنا مهديها).

أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي.

أيها الناس أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردى، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى وخير من طاف وسعى، وحج ولبّى، أنا ابن من حُمل على البـراق وبلغ به جبـرائيل سدرة المنتهى، فكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين، ومفرق الأحزاب، أربطهم جأشاً، وأمضاهم عزيمة ذاك أبو السبطين الحسن والحسين، علي بن أبي طالب.

أنا ابن فاطمة الزهراء، وسيدة النساء، وابن خديجة الكبـرى.

أنا ابن المرمل بالدماء، أنا ابن ذبيح كربلاء، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلماء، وناحت الطير في الهواء».

 فلما بلغ إلى هذا الموضع ضجّ الناس بالبكاء وخشي يزيد الفتنة فأمر المؤذن أن يؤذن للصلاة فقال المؤذن: الله أكبر.

فقال الإمام (ع) : «الله أكبـر وأجلّ وأعلى وأكرم مما أخاف وأحذر».

ولما قال المؤذن: أشهد أن لا اله إلا الله.

قال (ع) : «نعم أشهد مع كل شاهد أن لا إله غيره ولا ربّ سواه».

فلما قال المؤذن: أشهد أنّ محمداً رسول الله.

قال الإمام للمؤذن: «أسألك بحق محمد أن تسكت حتى أكلم هذا».

والتفت إلى يزيد وقال: «هذا الرسول العزيز الكريم جدّك أم جدّي؟ فإن قلت أنه جدك علم الحاضرون والناس كلهم أنك كاذب، وإن قلت جدي فلم قتلت أبي ظلماً وعدواناً، وانتهبت ماله وسبيت نساءه، فويل لك يوم القيامة إذا كان جدّي خصمك»([15]).

فصاح يزيد بالمؤذن: أقم الصلاة، فوقع بين الناس همهمة وصلى بعضهم وتفرق الآخر، وخشي يزيد الفتنة، فأمر بنقل السبايا إلى الخربة.

 

([1]) اللهوف: 95-97.

([2]) الطبري 6: 264.

([3]) المصدر السابق.

([4]) المنتخب للطريحي: 339 (ط2).

([5]) الإرشاد للمفيد: 254.

([6]) الطبري 5: 390، والمسعودي 3: 71.

([7]) هي هند بنت عبد الله بن عامر بن حريز من المدينة، وهي زوج يزيد آنذاك.

([8]) وقعة الطف: 270.

([9]) مقتل الخوارزمي 2: 64.

([10]) سورة الروم: الآية 10.

([11]) سورة آل عمران: الآية 178.

([12]) سورة آل عمران: الآية 169.

([13]) بحار الأنوار 44: 383.

([14]) نفس المهموم للقمي: 242.

([15]) بحار الأنوار 44: 383.

الأحد, 09 كانون1/ديسمبر 2018 11:35

وقعة صفين (1/ صفر / السنة 37 هـ)

لكل شهر من الشهور القمرية ميزة خاصة تطغى عليها فتطبعها بطابعها المميز، فشهر محرم الحرام يتميز بغلبة مناسبة عاشوراء على سائر المناسبات الأخرى التي حدثت فيها، وكذلك شهر ذي الحجة فيتميز بغلبة مناسبة الحج وما يتعلق بها من أحداث مهمة مثل عيد الغدير.

أما شهر صفر فيتميز بغلبة الحزن والمناسبات والأحداث التي وقعت فيها، ولذلك يقول الشيخ عباس القمي  في كتابه (وقائع الأيام) عند ذكر وقائع وأعمال شهر صفر: Sاعلم أن هذا الشهر عُرف بالشؤم، وربما كان السبب وقوع وفاة رسول الله(ص) في هذا الشهر، يوم الاثنين، وربما كان الشؤم بسبب وقوع شهر صفر بعد ثلاثة من أشهر الحرم حيث حرّم الله فيها القتال، وقد سمح لهم بالقتال في هذا الشهر، فكان الناس يتركون بيوتهم، ويتأهبون للحرب وهذا مدعاة للشؤم..R.

الإسلام دين الفكر والحياة:

لقد أصبحت تعاليم الإسلام ثورة شاملة على كل ما يعيق تقدم الإنسان باتجاه الكمال، فكانت رسالة الرسول(ص)  العمل على كسر كل القيود الفكرية والاجتماعية.. التي كبّلت الإنسان، ومنعته من التطور في جميع المجالات، يقول تعالى، في وصف نبيه(ص) : (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)([1]).

فلذلك حدث تحول كبير في تاريخ الجزيرة العربية بعد ظهور الإسلام إذ حوّل العرب الحفاة العراة، إلى قادة وسادة يحكمون أعظم امبراطورية في التاريخ.

ومن الدروس التي تعلمناها من الرسول(ص)  لمواجهة تحديات الحياة، هو الحث على التفاؤل ونبذ التشاؤم، فقد عرف عن النبي(ص)  أنه كان يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة كما ورد في الحديث عن رسول الله(ص) : «إن الله يحب الفأل الحسن»([2]).

ولذلك كان (ص)  يأمر من رأى شيئاً يكرهه ويتطير منه أن يقول: «اللهم لا يؤتي الخير إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك»([3]).

ومن هذا المنطلق، جعل الشارع المقدس وسائل فعّالة لرفع الشؤم الذي عرف عنه شهر صفر، وذلك بالصدقة والدعاء والاستعاذة من الشيطان الرجيم، وقد ورد في الحديث أنه إذا أراد امرؤ أن يصبح في مأمن من الأضرار في هذا الشهر فليقرأ هذا الدعاء عشر مرات: «يا شديد القوى، يا شديد المحال، يا عزيز، يا عزيز، يا عزيز، ذلّت لعظمتك جميع خلقك، فاكفني شر خلقك يا محسن يا مجمل، يا منعم، يا مفضل، يا لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين»([4]).

ويُستحسن عند ذكر شهر صفر وصفه بالخير والبركة، فيقال: (شهر صفر المظفّر)، أو (شهر صفر الخير)، من باب التفاؤل واقتداءً برسول الله(ص)  الذي كان يغير الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان وغيرها.. فقد غيّر (ص)  اسم غاوي بن ظالم إلى راشد بن عبد ربه،
وغيّر (ص)  اسم أرض من بئسان إلى نعمان، وغيّر (ص)  اسم عاصية إلى جميلة([5]).

أحداث شهر صفر

إن من يطالع الكتب التاريخية يلاحظ وقوع أحداث مهمة في هذا الشهر أثرت كثيراً على التاريخ الإسلامي، من قبيل: وقعة صفين في الأول منه، وأربعينية الإمام الحسين(ع) في أواسطه، ووفاة الرسول(ص)  وسبطه الحسن(ع)  وحفيده الإمام الرضا(ع)  في أواخره.وغيرها من الأحداث والتي سنستعرضها فيما سيأتي، عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنون، والله ولي التوفيق.

 

وقعة صفين (1/ صفر / السنة 37 هـ)

كان ابتداء القتال بصفّين في أول يوم من صفر سنة (37 للهجرة)، وذلك عند نهر الفرات في وادي صفين قرب الرّقة.

ويذكر المؤرخون أنه لما عزم أمير المؤمنين(ع) على المسير لقتال معاوية ومن معه من أهل الشام، خطب في أصحابه، ومما جاء في كلامه بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله(ص):

«اتقوا الله - عباد الله - وأطيعوه وأطيعوا إمامكم، فإن الرعية الصالحة تنجو بالإمام العادل. ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر، وقد أصبح معاوية غاصباً لما في يديه من حقي، ناكثاً لبيعتي، طاعناً في دين الله عز وجل...

فالعجب من معاوية بن أبي سفيان، ينازعني الخلافة، ويجحدني الإمامة ويزعم أنه أحقّ بها مني، جرأة منه على الله وعلى رسوله، بغير حق له فيها ولا حجة، لم يبايعه عليها المهاجرون، ولا سلّم له الأنصار والمسلمون..R.إلى أن قال (ع):Sاتقوا الله - عباد الله - وتحاثّوا على الجهاد مع إمامكم، فلو كان لي منكم عصابة بعدد أهل بدر؛ إذا أمرتهم أطاعوني، وإذا استنهضتهم نهضوا معي، لاستغنيت بهم عن كثير منكم، وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه فإنه الجهاد المفروض»([6]).

منع الماء:

وقد كشف معاوية عن نواياه العدائية، عندما بادر إلى الاستيلاء على الماء، وحال بينه وبين أهل العراق، فأضرّ بهم وبدوابّهم العطش، فأرسل إليهم أمير المؤمنين(ع) : «إنا لم نأت هذه الأرض لنسيطر على الماء والكلأ، ولو سبقناكم إليه، لا نمنعكم منه».

ولكن لم تجد هذه الكلمات آذاناً صاغية من الطرف المقابل، ما اضطرّ علياً(ع)  إلى استعمال القوة لإنقاذ عشرات الألوف ممن كان معه من الموت عطشاً، فأرسل الأشتر في كتيبة من عسكره فأظهروا من البسالة ما أبهر جيش معاوية وأجبرهم على الانسحاب، فاستعاد أصحاب أمير المؤمنين(ع)  الماء من أهل الشام.

وهنا ظهرت سماحة الإمام (ع)  حيث حاول بعض أصحابه إقناعه أن يقابل أهل الشام بالمثل ويمنع عنهم الماء، فأبى(ع)  عليهم أشدّ الإباء.

فبقي الجيشان ينهلان من الماء على قدم المساواة، واستمرت جهود الإمام (ع)  في حلّ النزاع سلمياً كما يظهر ذلك من أكثر المرويات في هذا المجال، ولكن جهود الإمام (ع)  ذهبت سدىً، بعد أن واصل أصحاب معاوية استفزازاتهم، وغاراتهم حتى أوقعوا في أصحاب الإمام عدداً من القتلى، عندها أذن الإمام بالقتال، وبدأت حرب بين الطرفين استمرت شهوراً وراح ضحيتها أكثر من مئة ألف من المسلمين، في فتنة أشعل نارها ابن هند لمآربه الخاصة.

فتنة رفع المصاحف

تفاجأ معاوية ومن معه من بسالة أصحاب الإمام في الذود عن الحق الذي يمثله
الإمام (ع) ، وفيهم أكابر صحابة رسول الله(ص)  حتى إن عمار بن ياسر  كان ينادي: «والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أننا على الحق وأنهم على الباطل».

ونتيجة لذلك انهار عسكر معاوية، وأوشك جيش العراق أن يحتل مضارب معاوية ويقبض عليه حياً حتى إنه دعا بفرسه لينجو، فتذكر مستشاره عمرو ابن العاص، فلجأ إليه لينقذه من هذه الورطة فأشار عليه برفع المصاحف على أسنة الرماح فكان ما أراد وارتفعت الأصوات من ناحية عسكر معاوية:

«يا أهل العراق، هذا كتاب الله بيننا وبينكم فهلموا إلى العمل به».

فانطلت الحيلة على ضعاف النفوس والخونة المنبثين في جيش علي(ع) ، وضموا أصواتهم إلى أصوات أصحاب معاوية لمنع علي(ع)  وأصحابه المخلصين من الاستمرار في القتال والقضاء على رأس الفتنة.

حتى إنه جاء الأشعث بن قيس إلى أمير المؤمنين(ع)  قائلاً له: «إن لم تحكم، قتلناك بهذه السيوف التي قتلنا بها عثمان».

فقال(ع) حينئذ: «لا رأي لمن لا يطاع»، وقال لأصحابه: «هذه كلمة حق يراد بها باطل، وهذا كتاب الله الصامت وأنا المعبِّر عنه، فخذوا بكتاب الله الناطق وذروا الحكم بكتاب الله الصامت إذ لا معبّر عنه غيري»([7]).

ولما لم يرجع أصحابه إلى رأيه الذي تقدم ذكره، حتى إن نحواً من عشرين ألف مقاتل أحاطوا به مقنعين بالحديد وهم يقولون مهدّدين: «أجب القوم وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان».

وإزاء هذا الوضع الخطير، لم يجد أمير المؤمنين(ع)  أمامه إلا خيارين أحلاهما مر:

إما المضي بالقتال، وهذا يعني أنه سيقاتل ثلاثة أرباع جيشه وأهل الشام بأجمعهم.

وإما القبول بالتحكيم وهو أهون الشرين، فاختاره على مضض.

التحكيم

ولم تكن مرحلة التحكيم بأيسر من مرحلة القتال على أمير المؤمنين(ع). فبعد أن اجتمعت كلمة أهل الشام على اختيار عمرو بن العاص كمندوب لهم للتفاوض، اختلف أهل العراق مع علي(ع)  على اختيار مندوب لهم.

فقد كان رأيه (ع)  وعدة من أصحابه اختيار أحد الثلاثة عبد الله بن عباس، أو مالك الأشتر، أو الأحنف بن قيس، وكانوا من أفضل المرشحين.

ولكن الكثرة الغالبة من ضعاف النفوس التي انطلت عليهم خديعة رفع المصاحف، رفضوا هؤلاء الثلاثة ورشحوا أبا موسى الأشعري، الذي رفض الإمام (ع)  ترشيحه لانحرافه عنه.

ولكنهم ضغطوا على الإمام (ع)  فخشي الإمام أن تدبّ الفتنة مرة أخرى في صفوف جيشه فاضطرّ لقبول مرشحهم، فكانت النتيجة بلا ريب لغير صالحه.

وعند اجتماع الطرفين للاتفاق على بنود التحكيم ظهرت نوايا معاوية المبيتة، عندما رفض إدراج صفة أمير المؤمنين خلف اسم الإمام (ع)  حيث جاء في الكتب المعتبرة أنهم حينما شرعوا في كتابة بنود الاتفاق كتب الكاتب: هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان.

فقال عمرو بن العاص: اكتب اسمه واسم أبيه، ولا تسمّه بإمرة المؤمنين، فإنما هذا أمير هؤلاء وليس بأميرنا، فقال له الأحنف بن قيس: لا تمح هذا الاسم، فإني أتخوّف إن محوته لا يرجع إليك أبداً.

فامتنع أمير المؤمنين(ع)  من محوه فتراجع الخطاب فيه ملياً من النهار، فقال الأشعث بن قيس: امح هذا الاسم...

فقال أمير المؤمنين(ع):

«الله أكبـر سنة بسنة ومثل بمثل والله إني لكاتب رسول الله(ص)  يوم الحديبية وقد أملى علي: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو، فقال له سهيل: امحُ رسول الله، فإنا لا نقر لك بذلك، ولا نشهد لك بذلك، اكتب اسمك واسم أبيك، فامتنعت من محوه»، فقال النبي(ص) : «امحه يا علي، وستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض..».

وتمّ الكتاب بين الطرفين ووقّعه من كل منهما عشرة من قادتهم ووجهائهم، ويتلخص مضمونه بأن يقفوا عند أحكام الله ويرجعوا إلى حكم الكتاب فيما يختلفون فيه، وإلى سنّة رسول الله(ص)  فيما لم يجدوا حكمه في الكتاب، والتزم علي ومعاوية ومن يتبعهما من المؤمنين والمسلمين بما يحكم به الحكمان، وأن يجتمع الحكمان في مكان بين الشام والحجاز يدعى (دومة الجندل)، وأن لا يحضر معهما إلاّ من أرادوه، وأن يعمل الطرفان على توفير الجو المناسب لهما خلال اجتماعهما وفيما بعده.

ومن الغريب أنه لم يرد في نص الوثيقة أي ذكر لأسباب الصراع وموضوعه الحقيقي من قريب أو بعيد، في حين أن أسباب الصراع واضحة لأن معاوية كان قبل معركة الجمل يطالب بمحاكمة أولئك الذين قتلوا عثمان أو تسليمهم إليه ليتولّى القصاص منهم، وبعد تمرّد السيدة عائشة وطلحة والزبير تعزّز موقفه وأصبح يطالب بإعادة الخلافة شورى بين المسلمين على أن يكون له رأي في ذلك.

وقد ردّ علي(ع)  على طلبه الأول بأن يدخل فيما دخل فيه المسلمون ثم يحاكم القوم إليه ليقتصَّ لعثمان من قاتليه إذا أدينوا بجريمة توجب القصاص، وردّ (ع)  على طلبه الثاني، بأنّ خلافته قد تمّت بإجماع أهل الحرمين الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة من قبله، بل بايعه جميع الأمصار ما عدا الشام.

وتشير بعض الروايات إلى أن إقصاء أمير المؤمنين عن الخلافة كان أمراً مفروغاً منه لدى الطرفين، ولكن الخلاف كان على البديل، فقد اقترح أبو موسى الأشعري عبد الله بن عمر بن الخطاب، فردّ عليه ابن العاص بأن عثمان بن عفان قتل مظلوماً ومعاوية وليه.

ولم يُبدِ أبو موسى أية ملاحظة حول هذه الناحية، ومضى ابن العاص يغريه بالسلطة إن هو وافق معه على أن تكون الخلافة لمعاوية.

وبعد حوار طويل بين الطرفين استطاع ابن العاص أن يخدعه فأظهر له موافقته على إقصائهما معاً وترك الأمر للمسلمين يختارون لأنفسهم من يريدون، وكان ما أراده ابن العاص فخلع أبو موسى علياً وأثبت ابن العاص معاوية.

وانتهت مهزلة التحكيم على هذا النحو كما يرويها المؤرخون. وهي نتيجة مفروغ منها بعد أن رفض كل اقتراحات الإمام (ع)  ومناشداته، من قبل الكثرة التي غلب عليها الشيطان فأضل أعمالهم.

وقد نصَّت المرويات على أنه أقام في صفين بعد إعلان الهدنة وكتابة بنود الاتفاق يومين أو ثلاثة مشغولاً بتهدئة الخواطر والنفوس، ودفن القتلى من أصحابه، ثم خرج بعدها متوجهاً إلى الكوفة ليواجه مشاكل جديدة.

 

([1]) سورة الأعراف: الآية 157.

([2]) مكارم الأخلاق: 250 الطبرسي.

([3]) المصدر نفسه.

([4]) المصدر نفسه.

([5]) مكاتيب الرسول: الأحمدي الميانجي.

([6]) الإرشاد 1: 263.

([7]) الغمزة: 330 ابن البطريق.

الإمام علي بن الحسين(ع) ، الملقّب بزين العابدين والسجاد، هو الإمام الرابع من الأئمة الاثني عشر المعصومين من عترة النبي محمد(ص).

هو الإمام الزاهد العابد زين العابدين وسيد الساجدين، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه شاه زنان بنت يزدجرد، وقيل شهربانو، وقيل شهربانويه بنت كسرى، وقيل: اسمها غزالة… إلى غير ذلك مما ورد في أسمائها.

وروي عنه أنه كان يقول: أنا ابن الخيرتين([1]).

وقال الشاعر في مدحه (ع):

وإنّ وليداً بين كسرى وهاشم

 

لأكرم من نيطت عليه التمائم

كان مولده (ع)  بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، فقضى مع جده أمير المؤمنين سنتين، ومع عمه الحسن اثني عشرة سنة، ومع أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، وبعد أبيه أربعاً وثلاثين سنة، وقيل أربعين سنة([2]).

لقد كانت فاجعة مقتل أبيه واخوته وبني عمومته التي شاهدها أمام عينيه في واقعة الطف وتجرّع مرارتها، وهو مريض يعاني من وطأة المرض خلال أحداث الطف الفظيعة، تنغّص عليه حياته كلها فتلك الصور لم تفارق مخيلته، ومع هذا نهض بمهام الإمامة ونشر الأحكام والأخلاق وتفقد الفقراء والمساكين، وكان (ع)  رأس مدرسة الفقه والحديث التي كانت تضم الموالي والتابعين.

وقد أحصى الطوسي في (رجاله)، أكثر من مائة وستين من التابعين والموالي ممن كان ينهل منه، ويروون عنه في مختلف المواضيع، وعدَّ منهم سعيد بن المسيب وابن جبير، وجبير بن مطعم، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، ويحيى بن أم الطويل، وأمثال هذه الطبقة من أعلام التابعين.

وجاء في (طبقات ابن سعد): أن علي بن الحسين(ع)  كان ثقة مؤموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً.

وقال المبرِّد في (الكامل): أن سعيد بن المسيب سئل عن السجاد، فقال: هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله..

وقال الراغب الأصفهاني في (محاضراته)، وابن الجوزي في (مناقبه): أن عمر بن عبد العزيز قال وقد قام علي بن الحسين(ع)  من مجلسه: من أشرف الناس؟

قال المتزلفون ممن حضر عنده: أنت يا أمير المؤمنين.

فقال عمر بن عبد العزيز: كلا، أشرف الناس هو علي بن الحسين(ع) ، ذلك الذي من أحب الناس أن يكونوا منه، ولم يحب أن يكون من أحد.

وروى الشيخ الصدوق في كتابه (العلل) بسنده إلى سفيان بن عيينة أنه قال: قلت لمحمد بن شهاب الزهري: لقيتَ علي بن الحسين؟

قال: نعم لقيته وما لقيت أحداً أفضل منه، والله وما علمت له صديقاً في السر ولا عدواً في العلانية، فقيل له: وكيف ذلك؟

فقال: لأني لم أر أحداً وإن كان يحبه إلا وهو لشدة معرفته بفضله يحسده، ولا رأيت أحداً، وإن كان يبغضه إلا وهو لشدة مداراته له يداريه.

وقال المفيد في (ارشاده): ثبتت الإمامة للسجاد من وجوه:

«أحدهما أنه كان أفضل خلق الله بعد أبيه علماً وعملاً، والإمامة للأفضل دون المفضول بدلائل العقول.

ومنها: أنه كان أولى بأبيه الحسين(ع) .

ومنها: وجوب الإمامة عقلاً في كل زمان.

ومنها: ثبوت الإمامة في العترة خاصة.

ومنها: نص رسول الله(ص) بالإمامة عليه، فيما روى من حديث اللوح([3])، الذي رواه جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي(ص)، ورواه محمد بن علي الباقر(ع) ، ونص جده أمير المؤمنين عليه، ووصية أبيه الحسين(ع)  إليه، وإيداعه أم سلمةما قبضه عليّ من بعده»([4]).

وذكر المفيد في (إرشاده) القصيدة المشهورة التي مدح فيها السجاد من قبل الشاعر المعروف الفرزدق، بعد أن رأى أن هشام بن عبد الملك يظهر له تجاهلاً([5]) وهو يرى تداعي الناس سماطين لهيبة الإمام وهو يسعى لاستلام الحجر الأسود في ركن الكعبة:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
هذا ابن خير عباد الله كلهم
يكاد يمسكه عرفان راحته
يغضي حياء ويُغضى من مهابته
أيّ الخلائق ليست في رقابهم  
من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا  
إذا رأته قريش قال قائلها    

 

والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا التقي النقي الطاهر العلم
ركنُ الحطيم إذا ما جاء يستلم
فما يكلّم إلاّ حين يبتسم
لأوّليّة هذا - أوله - نعم
فالدّين من بيت هذا ناله الأمم
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

«وكانت وفاته (ع)  في يوم السبت الخامس والعشرين من محرم كما هو المشهور وقيل  الثامن عشر من شهر محرم الحرام، وقيل في الثاني والعشرين منه، وأما السنة، فقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: أربع وتسعين، وقيل: خمس وتسعين.

وعمره الشريف سبع وخمسون سنة كأبيه (ع) ، وقيل تسع وخمسون وأربعة أشهر وأيام، وقيل: أربع وخمسون، وقيل: ثمان وخمسون، وقيل إنه مات في ملك هشام بن عبد الملك وأنه هو الذي سمّه، ودفن مع عمه الحسن في مقبرة البقيع»([6]).

الإمام السجاد(ع)  والدعاء:

تمتد الأدعية بأنواعها وأساليبها المختلفة للتناسب مع جميع شؤون الإنسان وأبعاده، فهي تستنزل دموع حيائنا في لحظات الإنابة إلى الله الغفور الرحيم، وتجسّد تضرعنا إليه، وترفع أيدينا الملتمسة إلى مالك الوجود، ونعفّر جباهنا بالتراب استكانة له، وتبصرنا عجزنا وضعفنا وفقرنا وذلتنا تجاهه جلت عظمته، وتكشف لنا قدرته المطلقة، وحكمته البالغة ورحمته الواسعة.

فالصحيفة السجادية، ودعاء كميل، ودعاء عرفة، ودعاء أبي حمزة الثمالي، ودعاء مكارم الأخلاق، ورسالة الحقوق، هي تجليات من بحار هذه الأنوار.

فهذا الإمام السجاد(ع)  في دروسه الرائعة التي بثّها في الدعاء التي تتضمنه صحيفته، أنها مناهج قويمة تصلح البشر في سرّهم وعلانيتهم، وفي سكونهم وحركاتهم، في أبطى البواطن من ميولهم وعواطفهم وخلجاتهم وانفعالاتهم، وفي أظهر الظواهر من أخلاقهم ومظاهرهم وأعمالهم وأقوالهم.

ففي الصحيفة ورسالة الحقوق ركائز تربوية ومناهج تثقيفية وطرق تعليمية.

إنّ أدعية الإمام السجاد(ع)  ورسالة الحقوق، تحمل رسالة جليلة قويمة تجري مع الفطرة في بساطتها ومع البرهان في قوته ومع حقائق الكون في ثباتها واضطرادها.

أجل.. ماذا تمثل هذه الصحيفة الشريفة بالنسبة للمسلمين؟ وماذا تقدم لهم من إضاءات في طريق الهداية والرشاد؟

إنّ هذه الصحيفة هي من إنشاء وإملاء إمام العارفين وسيد الساجدين وزين العابدين علي بن الحسين(ع) ، وتعد هذه الشخصية الإسلامية الكبرى واحدة من بين أشهر وأهمّ شخصيات الإسلام الذين حملوا لواء الدعوة والتبليغ وعانوا آلام الطريق الصعب وعاشوا هموم الرسالة، فكانت أيامهم كلها لله، وحياتهم في خدمة الدين المبارك، ووظفوا كل طاقاتهم وإمكاناتهم وما يملكون من مواهب واستعدادات، لغرض هداية الناس ودعوتهم إلى الالتزام بمبادئ الرسالة الحقة من أجل إسعادهم في ظل ما ينتجه الالتزام والاهتداء بذلك من عدل وإنصاف وأمان وسعادة.

عرض موجز لرسالة الحقوق:

ترجع أهم حقوق الإنسان العامة إلى حقين هما: المساواة والحرية، وقد ادعت الأمم الغربية، أنّ العالم الإنساني مدين لها بتقرير هذين الحقين.

والحق أن الإسلام هو أول من قرر المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان في أكمل صوره وأوسع نطاق. وأن الأمم الإسلامية في عهد الرسول(ص) والخلفاء من بعده كانت أسبق الأمم في السير عليها.

فهذه رسالة الحقوق، القانون الخالد، الذي أوصى به الإمام زين العابدين(ع)  تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة ومن حقائق الوجود والإنسانية.

فلنمرّ مروراً سريعاً، على رسالة الحقوق للإمام زين العابدين(ع)  بديباجتها النظرية البليغة التي لم تفصل بين السماء والأرض كما تفعل إعلانات حقوق الإنسان العالمية اليوم، بل راحت تؤكّد على تغيير المحتوى الداخلي للإنسان الذي به ومنه تنطلق إرادات التغيير نحو عالم أفضل وأكمل.

يقول الإمام زين العابدين(ع)  في ديباجته لرسالة الحقوق هذه:

«اعلم رحمك الله، إن لله عليك حقوقاً محيطة بك، في كل حركة تحركتها، أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، وآلة تصرفت بها، بعضها أكبـر من بعض. وأكبـر حقوق الله عليك، ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو أصل الحقوق، ومنه تفرع، ثم أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك، على اختلاف جوارحك، فجعل لبصرك عليك حقاً، ولسمعك عليك حقاً، وللسانك عليك حقاً، وليدك عليك حقاً، ولرجلك عليك حقاً، ولبطنك عليك حقاً، ولفرجك عليك حقاً، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال.

ثم جعل عز وجل لأفعالك عليك حقوقاً، فجعل لصلاتك عليك حقاً، ولصومك عليك حقاً، ولصدقتك عليك حقاً، ولهديك عليك حقاً، ولأفعالك عليك حقاً، ثم تخرج الحقوق منك، إلى غير ذلك من ذوي الحقوق الواجبة عليك، وأوجبها عليك حقاً أئمتك، ثم حقوق رعيتك، ثم حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق، فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك: حق سائسك بالسلطان ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك، وكل سائس أمام، وحقوق رعيتك ثلاثة: أوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم، فإن الجاهل رعية العالم، وحق رعيتك بالملك من الأزواج، وما ملكت من الإيمان، وحقوق رحمك متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة، فأوجبها عليك حق أمك، ثم حق أبيك، ثم حق ولدك، ثم حق أخيك ثم الأقرب فالأقرب، والأول فالأول.

ثم حق مولاك، المنعم عليك، ثم حق مولاك الجاري نعمته عليك، ثم حق ذوي المعروف لديك، ثم حق مؤذنك بالصلاة، ثم حق إمامك في صلاتك، ثم حق جليسك ثم حق جارك، ثم حق صاحبك، ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذي تطالبه، ثم حق غريمك الذي يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك، ثم حق خصمك الذي تدعي عليه، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليك، ثم حق مستنصحك ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو أكبـر منك، ثم حق من هو أصغر منك، ثم حق سائلك، ثم حق من سألته، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل أو مسرة بذلك بقول أو فعل، عن تعمد منه أو غير تعمد منه، ثم حق أهل ملتك عامة، ثم حق أهل الذمة، ثم الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال، وتصرف الأسباب.

فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه، ووفقه وسدده...»([7]).

لقد احتوت هذه الفقرات المشرقة من كلام الإمام (ع)  على عرض موجز للحقوق الأصيلة التي قنّنها (ع)  للإنسان المسلم.

شهادته:

لقد كان وجود الإمام مقلقاً لحكومة الوليد بن عبد الملك، خصوصاً ما يراه من إقبال الناس، بل اندفاعهم إليه، مما أدى إلى أن يوسوس له شيطانه فدسّ إليه السم فقضى شهيداً محتسباً صابراً في 25 محرم سنة 95 للهجرة.

فسلام على الإمام زين العابدين يوم ولد، سلام عليه يوم أدى رسالته، وسلام عليه يوم استشهد، وسلام عليه يوم يبعث حياً.

 

([1]) وفيات الأعيان: 150.

([2]) المصدر السابق.

([3]) الإرشاد للمفيد 2: 138- 139.

([4]) المصدر السابق، وكذلك إكمال الدين: 311، وعيون أخبار الرضا(ع)  1: 40، وغيبة النعماني: 62، وأمالي الطوسي 1: 297، وغيبة الطوسي: 143، والكافي 1: 242.

([5]) الإرشاد للمفيد: 151.

([6]) وفيات الأئمة: 172.

([7]) نقلاً من كتاب (الصحيفة السجادية الكاملة)، تقديم الأستاذ علي أنصاريان، ط المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية بدمشق، سورية، 1419هـ.

بعث ابن زياد رسولاً إلى يزيد يخبره بقتل الحسين ومن معه، وأن عياله في الكوفة، وهو ينتظر أمره فيه. فعاد الجواب بحملهم والرؤوس معهم([1]).

وكتب رقعة ربط فيها حجراً ورماه في السجن المحبوس فيه آل محمد(ص) وفيها: «خرج البريد إلى يزيد يأمركم في يوم كذا ويعود في يوم كذا، فإذا سمعتم التكبير فأوصوا، وإلا فهو الأمان».

ورجع البريد من الشام يخبر بأن يسرّح آل الحسين إلى الشام([2]). فأمر ابن زياد زجر بن قيس، وأبا بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن ضبيان، في جماعة من الكوفة أن يحملوا رأس الحسين ورؤوس من قتل معه إلى يزيد([3]). وهناك قول بأنّ الذي ذهب برأس الحسين(ع)  هو يجبرة بن مرة بن خالد بن قتاب بن عمر بن قيس بن الحرث بن مالك بن عبيد الله بن خزيمة بن لؤي([4]).

ثم سرح ابن زياد الإمام السجاد(ع)  مغلولة يديه إلى عنقه وعياله معه على حال تقشعرّ منها الأبدان([5])، وقال اليافعي: «سيقت بنات الحسين بن علي ومعهم زين العابدين وهو مريض كما تساق الأسرى، قاتل الله فاعل ذلكR، وخالف ابن تيمية ضرورة التاريخ فقال (كما في المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي 288): Sسير ابن زياد حرم الحسين بعد قتله إلى المدينة»([6]).

وكان مع السبايا شمر بن ذي الجوشن، ومجفر بن ثعلبة العائدي، وشبث بن ربعي، وعمر بن الحجاج، وجماعة وأمرهم أن يلحقوا بركب الرؤوس، وليشهروها في كل بلد يأتونها([7])، فجدّوا السير حتى لحقوا بهم في بعض المنازل.

وحدث ابن ميعة أنه رأى رجلاً متعلّقاً بأستار الكعبة يستغيث بربه، ثم يقول: ولا أراك فاعلاً!

فأخذته ناحية وقلت: إنك لمجنون، فإنّ الله غفور رحيم، ولو كانت ذنوبك عدد القطر لغفرها لك، قال لي: اعلم كنت ممن سار برأس الحسين(ع)  إلى الشام، فإذا أمسينا وضعنا الرأس وشربنا حوله.

وفي ليلة كنت أحرسه وأصحابي رقود، فرأيت برقاً وخلقاً أطافوا بالرأس، ففزعت وأدهشت ولزمت السكوت، فسمعت بكاءاً وعويلاً وقائلاً يقول: يا محمد إن الله أمرني أن أطيعك، فلو أمرتني أن أزلزل بهؤلاء الأرض كما فعلت بقوم لوط، فقال له: يا جبرائيل إن لي موقفاً معهم يوم القيامة بين يدي ربي سبحانه، فصحت يا رسول الله الأمان.. فقال لي: «اذهب فلا غفر الله لك، فهل ترى الله يغفر لي؟»([8]).

 

([1]) اللهوف: 95 و97.

([2]) الطبري 6: 266.

([3]) الطبري 6: 264.

([4]) الإصابة 2: 489.

([5]) تاريخ الفرقاني: 108.

([6]) مرآة الجنان 1: 134.

([7]) جمهرة أنساب العرب لابن حزم: 288.

([8]) اللهوف: 98.

الشهادة سنة إسلامية أصلها الإمام الحسين(ع):

جاء استشهاد الإمام الحسين وآله وصحبه في سياق منهج تربوي يقدمه الإسلام، كما هي المناهج العبادية، ليعيش كل مسلم معنى المسؤولية الإسلامية أمام الله عز وجل، في الدفاع عن الإسلام والمسلمين.

وعندما تتأصل الشهادة في أمة، فإنها أمة لا تقهر ولابد أن تسود وإن تأصلت في شخص، فذاك شخص امتلك ذاته وصار سيداً حراً، فالشهادة وحبها وتأصلها، هو تأصل جوهر الإنسانية في ذات الفرد.

يقول الإمام الخميني في معنى ذلك:

«شهدت قبل أيام مجلس عقد زواج في طهران، وبعد انتهاء المجلس، سلمتني العروس ورقة، قرأتها فوجدت أنّ العروس تطلب مني أن أدعو لها بالفوز بالشهادة.

عروس دخلت بيت الزوجية، تنشد الشهادة؟!»([1]).

كان الحسين(ع) يوم عاشوراء قد أعدّ خيمة في حومة الميدان([2])، وكان (ع) يأمر بحمل من قتل من أهل بيته وأصحابه إليها، وكلما يؤتى بشهيد يقول: «قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبيين»([3]).

أما العباس بن علي بن أبي طالب، فقد بقي في محله حيث صرع على شاطئ الفرات أو قريباً منه([4]).

وترك صرعى الطف على الصعيد مجزّرين تصهرهم الشمس أولئك الذين وصفهم أمير المؤمنين بأنهم «سادة الشهداء في الدنيا والآخرة لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق»([5]).

قد غيّر الطعن منهم كلّ جارحة

 

إلا المكارم في أمن من الغيَّر

وفيهم الجثمان الطاهر لسيد شباب أهل الجنة حبيب الله وحبيب رسوله وفلذة كبد الزهراء والمرتضى.. متروك هكذا على حاله بعد أن سلب.

وفي اليوم الثالث عشر من المحرم أقبل الإمام السجاد(ع) لدفن أبيه  لأنّ الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله([6])، وقد صادق على هذه المقولة الشيخ المفيد في (المقالات: 84)، والكراجكي في (كنز الفوائد)، والمجلسي في (مرآة العقول: 1/373)، وكاشف الغطاء في (منهج الرشاد: 51)، والنوري في (دار السلام: 1/289).

ويشهد لصدق هذه الرواية، المناظرة التي دارت بين الإمام الرضا(ع) مع علي بن حمزة، حيث قال الرضا(ع) : أخبرني عن الحسين بن علي كان إماماً؟

قال علي بن أبي حمزة: بلى.

فقال الرضا(ع) : فمن ولي أمره؟ قال ابن أبي حمزة: تولاه السجاد.

فقال الرضا(ع) : فأين كان علي بن الحسين؟

قال ابن أبي حمزة: كان محبوساً في الكوفة عند ابن زياد ولكنه خرج وهم لا يعلمون حتى ولي أمر أبيه، ثم انصرف إلى السجن.

فقال الرضا(ع) : إنّ من مكّن علي بن الحسين(ع)  أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه ثم ينصرف يمكن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه وليس هو في حبس ولا أسار.

مراسم الدفن:

لما أقبل السجاد(ع)  وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون ولم يهتدوا إلى معرفتهم وقد فرق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم، وربما يسألون من أهلهم وعشيرتهم.

فأخبرهم (ع)  عما جاء إليه من مواراة هذه الأجساد الطاهرة وأوقفهم على أسمائهم كما عرفهم بالهاشميين من الأصحاب فارتفع البكاء والعويل وسالت الدموع منهم كل مسيل، ونشرت الأسديات الشعور ولطمن الخدود.

ثم مشى الإمام زين العابدين إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءاً عالياً وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق، فبسط كفيه تحت ظهره،
وقال (ع) : «بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صدق الله ورسوله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم».

وأنزله وحده لم يشاركه بنو أسد فيه وقال لهم: إنّ معي من يعينني، ولما أقرّه في لحده وضع خده على منحره الشريف قائلاً:

«طوبى لأرض تضمنت جسدك الطاهر، فإن الدنيا بعدك مظلمة والآخرة بنورك مشرقة، أما الليل فمسهّد والحزن سرمد، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم، وعليك مني السلام يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته».

وكتب على القبر: «هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً».

ثم مشى إلى عمه العباس.. ووقع عليه يلثم نحره المقدس قائلاً: «على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته..» وشقّ له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الشهيد، وقال لبني أسد: إنّ معي من يعينني.

وقد ترك مساغاً لبني أسد بمشاركته في مواراة الشهداء وعيّن لهم موضعين وأمرهم أن يحفروا حفرتين، ووضع في الأول بني هاشم وفي الثانية الأصحاب([7]).

ويروى أن الإمام الصادق(ع)  قال لحماد البصري:

«قتل أبو عبد الله غريباً بأرض غربة، يبكيه من زاره، ويحزن له من لم يزره، ويحترق له من لم يشهده، ويرحمه من نظر إلى قبـر ابنه عند رجليه في أرض فلاة، ولا حميم قربه، ثم منع الحق، وتوازر عليه أهل الردة حتى قتلوه وضيعوه وعرضوه للسباع ومنعوه شرب ماء الفرات الذي يشربه الكلاب، وضيعوا حق رسول الله، ووصيته به وبأهل بيته، فأمسى مجفواً في حفرته صريعاً بين قرابته وشيعته قد أوحش قربه في الوحدة والبعد عن جده، والمنزل الذي لا يأتيه إلا من امتحن الله قلبه للإيمان، وعرف حقنا.

ولقد حدثني أبي أنه لم يخل مكانه منذ قتل؛ من مصلٍّ عليه من الملائكة أو من الجن والإنس أو من الوحش، وما من أحد إلا ويغبط زائره ويتمسح به ويرجو في النظر إليه الخير لنظره إلى قبـره.

وإن الله ليباهي الملائكة بزائريه.

وأما ما له عندنا فالترحم عليه كل صباح ومساء.

ولقد بلغني أن قوماً من أهل الكوفة وناساً غيرهم من نواحيها يأتونه في النصف من شعبان فبين قارئ يقرأ وقاص يقص ونادب يندب، ونساء يندبنه، وقائل يقول المراثي».

فقال حماد: قد شهدت بعض ما تصف.

فقال (ع): «الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا وجعل عدونا من يطعن عليهم ويهددونهم ويقبّح ما يصنعون»([8]).

 

([1]) اندفاع نحو الشهادة: 27.

([2]) الطبري 6: 256، والكامل لإبن الأثير 4: 30.

([3]) بحار الأنوار 10: 211.

([4]) قمر بني هاشم: للمقرّم 115.

([5]) كامل الزيارات: 215.

([6]) إثبات الوصية: للمسعودي: 173، وكذا في كتاب (زين العابدين) للمقرَّم: 204.

([7]) مقتل الحسين لعبد الرزاق المقرم: 320- 321، نقلاً عن الكبريت الأحمر، وأسرار الشهادة، والإيفاد.

([8]) كامل الزيارات: 325، ومزار البحار: 124، ونقل الحديث كاملاً عبد الرزاق المقرّم في مقتل الحسين: 321- 322.

في صبيحة يوم الحادي عشر من المحرم، عمد عمر بن سعد إلى قطع رؤوس الباقين من آل الحسين(ع) ، فسرّح باثنين وسبعين رأساً مع شِمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعَمْرو بن الحجاج، وعُزرة بن قيس، فأقبلوا حتى قدموا بها على عبيد الله بن زياد في الكوفة.

وعند الزوال حمل معه بنات الحسين(ع)  وأخواته، وكنّ عشرين امرأة مع صبيانهن، وعلي بن الحسين زين العابدين(ع)  وابنه محمد الباقر وعمره سنتان. وكان الإمام (ع)  مريضاً. حملهم سبايا مقيدين إلى ابن زياد في الكوفة([1]).

ولما دخل موكب السبايا الكوفة اجتمع الناس من أهلها للنظر إلى الركب، فصاحت أم كلثوم: يا أهل الكوفة أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا إلى حرم النبي(ص) ([2])..

وبانتظار دخول السبايا إلى قصر ابن زياد، استبقت ذلك السيدة زينب بخطبة موجّهة إلى أهل الكوفة، إذ أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فسكتوا، فقالت:

«الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار، أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصّلف النّطف، والعجب والكذب، والشنف، وملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كقصعة على ملحودة، ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.

أتبكون وتنتحبون! إي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون، قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، ومدرة حجتكم ومنار محجتكم، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم وسيد شباب أهل الجنة، ألا ساء ما تزرون، فتعساً ونكساً وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله ورسوله، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم؟! وأيّ كريمة له أبرزتم؟! وأيّ دم له سفكتم؟! وأيّ حرمة له انتهكتم؟! لقد جئتم شيئاً إدّاً تكاد السماوات يتفطّرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدّاً.

ولقد أتيتم بها خرقاء، شوهاء، كطلاع الأرض، وملء السماء، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً!! (وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَخْزَىَ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ)([3])، فلا يستخفنّكم المهل، فإنه لا يُحفّزه البدار، ولا يخاف فوت الثأر، وإنّ ربكم لبالمرصاد»([4]).

ثم خطبت فاطمة بنت الحسين(ع)  ولها من العمر أحد عشر عاماً، ومما قالت:

«أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنا أهل البيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا، وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضَّلنا بنبيه محمد(ص) على كثير ممن خلق الله تفضيلا.

فكذّبتمونا وكفّرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً، وأموالنا نهباً، كأننا أولاد ترك أو كابل كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم...»([5]).

واستمرت في خطبتها حتى ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب، وقالوا: حسبكِ يا ابنة الطاهرين فقد أحرقت قلوبنا...

ومما قالت أم كلثوم : «صه يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم، فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل الخطاب»([6]).

ومن خطبة السجاد(ع)  في ذلك الموقف قوله (ع) : «رحم الله امرءاً قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة».

فقالوا بأجمعهم: نحن يا ابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، نبرأ ممن ظلمك وظلمنا.

فقال (ع) : «هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى أبي من قبل، كلا وربِّ الراقصات، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي بالأمس وأهل بيته ولم ينس ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، إن وجْده والله لبين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصته تجري في فراش صدري»([7]).

 

دخول السبايا إلى قصر ابن زياد:

أمر ابن زياد بإدخال سبايا آل محمد(ص) وأذن إذناً عاماً للناس بالدخول، فدخلوا ووجدوا رأس الحسين(ع)  موضوعاً بين يدي ابن زياد وهو ينكته بقضيب بين ثنيتيه.

فلما رآه الصحابي زيد بن أرقم صاح: اُعلُ بهذا القضيب عن هاتين الشفتين فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله(ص) على هاتين الشفتين يقبلهما، ثم أجهش بالبكاء، فنهره ابن زياد وقال له: لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك. فخرج زيد بن أرقم وهو يقول للناس: أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة([8]).

وكانت زينب(عليها السلام)  متنكّرة تحيط بها إماؤها، فقال ابن زياد: من هذه الجالسة؟ فلم تكلّمه(عليها السلام) ، ثم كرر ذلك ثلاثاً، وهي لا تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة.

فقال لها ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم.

فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد(ص) وطهرنا تطهيرا، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا يا عدوّ الله.

فقال ابن زياد: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟

فقالت (عليها السلام): ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم عنده، فانظر يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة.

وكان هذا مما جعله يستشيط غضباً، وبعد ذلك التفت إلى الإمام السجاد(ع)  وقال له: ما اسمك؟

قال (ع) : أنا علي بن الحسين.

قال ابن زياد: أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت الإمام (ع)  فقال له ابن زياد: ما لك لا تتكلم؟ فقال الإمام (ع) : كان لي أخ يقال له أيضاً علي قتله الناس، فقال ابن زياد: بل قتله الله.

فسكت الإمام (ع)  فقال ابن زياد: ما لك لا تتكلم؟

قال(ع): (اللهُ يَتَوَفّى الأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا)([9])، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ الله)([10]).

قال ابن زياد: أنت والله منهم، ثم قال لمري بن معاذ الأحمري: ويحك اقتله.

فتعلّقت به عمته زينب وأصرّت إن كان ينوي قتله أن يقتلها معه فتركه ابن زياد ([11]).

 ثم نودي الصلاة جامعة بأمر ابن زياد. واجتمع الناس، وصعد ابن زياد المنبر، فقال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين وشيعته.

ولم يتم ابن زياد كلامه بأكثر من هذا حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي الغامدي قائلاً: «إنّ الكذاب ابن الكذاب هو أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه، يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء الأنبياء وتتكلمون على منابر المسلمين بكلام الصدّيقين؟ فطلبه ابن زياد فوثب إليه الجلاوزة وأمسكوا به، إلا أنه استنهض الأزد بشعارهم «يا مبرور»، فوثب إليه شبان من الأزد وخلصوه من يد الجلاوزة وأوصلوه إلى بيته، فأمر ابن زياد أن يأتوه به فقتله وصلبه في السبخة»([12]).

 

([1]) وقعة الطف: تحقيق اليوسفي الغروي 259.

([2]) مقتل الحسين للسيد المقرّم: 310.

([3]) سورة فصلت: الآية 16.

([4]) مقتل الحسين للمقرّم: 311- 312.

([5]) المصدر السابق: 314- 315.

([6]) المصدر السابق: 316.

([7]) وتمام الخطبة تجدها في اللهوف للسيد ابن طاووس، وتجدها أيضاً في مثير الأحزان لابن نما، ووقعة الطف لأبي مخنف: 260 تحقيق اليوسفي الغروي.

([8]) وقعة الطف لأبي مخنف: 260 تحقيق اليوسفي الغروي.

([9]) سورة الزمر: الآية 2.

([10]) سورة آل عمران: الآية 145.

([11]) وقعة الطف: تحقيق اليوسفي 266.

([12]) وقعة الطف لأبي مخنف تحقيق اليوسفي: 265- 266.

الأحد, 09 كانون1/ديسمبر 2018 11:03

ليلة عاشوراء ويومها (10/ محرم / السنة 61 هـ)

كانت ليلة عصيبة، جمع الحسين(ع)  أصحابه عند حلول المساء.

قال الإمام زين العابدين(ع): فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا إذْ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه:

«أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فاجعلنا من الشاكرين، أما بعد:

فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيراً، ألا وإني لأظن لنا يوماً دنا من هؤلاء الأعداء، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبوني ولو قد أصابوني للهُوا عن طلب غيري».

فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: ولِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً.

بدأهم بهذا القول العباس بن علي(ع)  واتبعته الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه.

فقال الحسين(ع) : «يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم».

قالوا: سبحان الله فما يقول الناس لنا! يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا لا والله لا نفعل ذلك ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك([1]).

أحداث يوم عاشوراء:

بدأ الإمام الحسين(ع)  يوم عاشوراء مع أصحابه بصفهم للقتال، قائلاً: إن الله قد أذن بقتلكم وقتلي في هذا اليوم فعليكم بالصبر والقتال.

فاستشهد في الحملة الأولى 50 رجلاً من أصحابه.

وبعد ذلك بدأ أصحاب الإمام الحسين(ع)  يبرزون الواحد تلو الآخر، حتى استشهدوا جميعاً، بعد الأصحاب برز آل بيته(ع) ابتداءً بعلي الأكبر، وانتهاءً بالعباس(ع) .

وأخيراً لم يبق إلا رضيع للحسين(ع)  اسمه عبد الله، حيث كان يعاني الضمأ، فجاء به الحسين(ع)  إلى القوم، وقال (ع) : «إن كان للكبار ذنب فما ذنب هذا الطفل، اسقوه ماءً».

فكان جواب القوم أن ذبحه حرملة بين يدي أبيه.

ثم استشهد الحسين(ع) ، وقطعت الرؤوس وتقاسمتها العشائر.

وأخيراً سبيت العيال إلى الكوفة.

صوم عاشوراء:

عاشوراء اسم إسلامي عُرف بعد استشهاد الإمام الحسين(ع) ، ولم يكن معروفاً من قبل.

يقول أبو ريحان البيروني عندما ذكر الحسين(ع)  واستشهاده في يوم عاشوراء:

«فأما بنو أمية فقد لبسوا فيه ما تجدّد وتزينوا واكتحلوا، وعيّدوا وأقاموا الولائم والضيافات، وأطعموا الحلاوات والطيبات، وجرى الرسم في العامة على ذلك أيام ملكهم، وبقي فيهم بعد زواله عنهم، وأما الشيعة فإنهم ينوحون ويبكون أسفاً لقتل سيد الشهداء فيه..»([2]).

ويقول المقريزي في حديثه عن العلويين المصريين وما يقومون به في يوم عاشوراء، إذ تعطّل الأسواق والدكاكين لأنه يوم حزن…

«... فلما زالت الدولة، اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء يوم سرور، يوسعون فيه على عيالهم، وينبسطون في المطاعم ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام، التي سنّها لهم الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان، ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي لأنه قتل فيه»([3]).

هكذا اتخذ الأمويون يوم عاشوراء يوم فرح وسرور ووضَعوا الأحاديث المكذوبة على الرسول وأئمة الهدى ونسبوا إلى الرسول أنه صام عاشوراء إقتداءً باليهود لأنهم - على زعمهم - كانوا يصومونه، فقد جاء على لسان بعض الرواة من أنصار الأمويين أن الرسول(ص) حينما قدم المدينة وجد يهود المدينة يصومون يوم عاشوراء، وهو العاشر من محرم، فسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه([4]).

وقد جاء في (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) عن عائشة، وعن آخرين: «كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله(ص) يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: Sمن شاء صامه ومن شاء تركه»([5]).

وبما أننا آلينا على أنفسنا أن يكون هذا البحث لشهر محرم بحثاً موجزاً بما يتناسب مع هذه المناسبة لذا اختصرنا الحديث فيه وتركنا مناقشة هذه المواضيع لمناسبة أخرى..

غير أننا نؤكد أن هذه الروايات قد نسجتها قرائح الأمويين طعناً منهم في أهل البيت وشماتة بعيال الحسين(ع).

وعليه فإنّ ما ورد في الصحيحين وبقية المصادر من أنّ يوم عاشوراء يوم فرح وسرور، وأن النبي(ص) صامه، وأنّ في هذا اليوم نجى موسى(ع)  من الغرق، وفيه هلاك فرعون و…و… كل تلك الروايات مختلقة مكذوبة، فهي من نسج الخيال ورواتها معروفون كأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية، وعائشة، حيث أنّ بعضهم أسلم بعد الفتح، والبعض الآخر لما هاجر النبي(ص) كان طفلاً صغيراً كابن الزبير.

فهذه الروايات المتقدمة مخدوشة سنداً ومتناً.

وقد ذكر بعض مؤرخي السنة في كتاباتهم وجوه الاختلاف في تلك الروايات والباحث المتحرّي للحقيقة سيجد العديد منها.

 

([1]) الإرشاد للمفيد: 214، عن الكلبي عن أبي مخنف الكوفي المتوفى في 157هـ بسنده عن الإمام السجادA.

([2]) راجع نظم درر السمطين 230، والكنى والألقاب 1: 431، والحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 1: 137، عن الآثار الباقية وعجائب المخلوقات المطبوع بهامش حياة الحيوان 1: 115.

([3]) خطط المقريزي 1: 490.

([4]) أسد الغابة 1: 507.

([5]) انظر صحيح البخاري 1: 44، وصحيح مسلم 3: 150.

ذكرنا فيما سبق المراسلات بين عمر بن سعد وعبيد الله، وكان ابن زياد على اطلاع كامل فيما يجري على ساحة كربلاء حيث العيون والجواسيس الذين نشرهم عبيد الله فلا يخفى عليه تحرّك الجند ورأي قيادته، ثم الأوامر القاسية التي كان يصدّرها ابن زياد تجاه قائده عمر بن سعد؛ جعلت من الكتب والرسائل التي كان يبعثها ابن سعد من ساحة الحرب إلى الكوفة تُعدّ وثائق عسكرية وأسراراً حربية تصل تباعاً إلى والي الكوفة.

وقد كتب عمر بن سعد في كتابه الثاني لابن زياد:

“أما بعد، فإنّ الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمّة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئنا فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه. وفي هذا لكم رضاً وللأمّة صلاح”.

فلما قرأ عبيد الله الكتاب، قال: هذا كتاب رجل ناصح.. إلى آخر ما تقدم ذكره.

فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك، والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكوننّ أولى بالقوة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن، ولكن ينزل على حكمك هو وأصحابه فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة وإن عفوت كان ذلك لك.

فقال له ابن زياد: نعم ما رأيت، الرأي رأيك، أخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد.

وكتب إلى عمر بن سعد:

“إني لم أبعثك إلى الحسين(ع)  لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً… أنظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا، فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم، فإنهم لذلك مستحقون فإن قتل حسين فأوطىء الخيل صدره وظهره! فإنه عاقّ شاق، قاطع ظلوم! وليس دهري في هذا أن يضرّ بعد الموت شيئاً، ولكن عليّ قول: لو قد قتلته فعلت هذا به! إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فأعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنّا قد أمرناه بأمرنا، والسلام”.

ثم إنّ عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فقال له: أخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد، فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سلماً، وإن هم أبوا فليقاتلهم فإن فعل فاسمع له وأطع وإن أبى فاضرب عنقه وأنت أميرهم([1]).

أخذ شمر الكتاب وأقبل مسرعاً يجدّ في السير حتى وصل كربلاء في اليوم الثامن أو صباح التاسع وسلّم كتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، فلما قرأه قال له عمر: ويلك ما لك! لا قرب الله دارك، وقبّح الله ما قدمت به عليّ! والله لأظنّك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبتُ به إليه أفسدت علينا أمراً كنّا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين، إن نفساً أبيّة لبين جنبيه.

فقال له شمر: أخبرني ما أنت صانع! أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوّه؟ وإلاّ فخلِّ بيني وبين الجند والعسكر.

قال: لا، ولا كرامة لك، وأنا أتولّى ذلك، فدونك وكن أنت على الرجّالة.

ونهض عمر بن سعد إلى الحسين(ع)  عشية الخميس لتسع مضين من محرم. وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين(ع)  فقال: أين بنو أختنا؟

فخرج إليه العباس وجعفر وعبد الله وعثمان بنو علي بن أبي طالب(ع)  فقالوا: ما تريد؟. فقال: أنتم يا بني أختي آمنون.

فقالت له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له.

وفي رواية: فناداه العباس(ع) : تبت يداك وبئس ما جئتنا به من أمانك يا عدو الله أتأمرنا أن نترك أخانا وسيدنا الحسين بن فاطمة  وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء.

فرجع شمر لعنه الله إلى عسكره مغضباً، ثم نادى عمر بن سعد: يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري. فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر([2]).

روي عن الإمام الصادق(ع)  فقال: “تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين(ع)  وأصحابه، وأيقنوا أنه لا يأتي الحسين ناصر ولا يمدّه أهل العراق، بأبي المستضعف الغريب”([3]).

فلمّا نادى عمر بن سعد أصحابه بالركوب ركب أصحابه واقتربوا نحو خيم الحسين(ع)  والحسين جالس أمام بيته محتبياً بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته زينب الضجة، فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت!.

فرفع الحسين(ع)  رأسه فقال: “إني رأيت رسول الله الساعة في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا”.

فلطمت أخته ونادت بالويل، فقال لها الحسين(ع) : “ليس لك الويل يا أخية اسكتي رحمك الله”([4]).

ولما توجّه الجند نحو الحسين(ع)  قال له العباس بن علي(ع) : يا أخي قد أتاك القوم، قال فنهض ثم قال: “يا عباس اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم وتقول لهم: ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاءهم”.

فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العباس: ما بدا لكم وما تريدون؟.

قالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم.

قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم.

فوقفوا وقالوا: إلقه فاعلمه ثم إلقِنا بما يقول لك.

فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسين(ع)  يخبره الخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم.

ولمّا وصل العباس إلى أخيه الحسين(ع)  أخبره بما قال القوم، فقال: “إرجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنا العشيّة لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار”.

فمضى العباس إلى القوم ورجع من عندهم ومعه رسول من قبل عمر بن سعد فقام حيث يسمع الصوت، فقال: إنا قد أجلناكم إلى غد فإن استسلمتم سرّحنا بكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا تاركيكم! ثم انصرف([5]).

 

([1]) الإرشاد للمفيد: 212.

([2]) تاريخ الطبري 7: 317.

([3]) الكافي 4: 147.

([4]) الإرشاد للمفيد: 213، وتاريخ الطبري 7: 318، عن الكلبي عن أبي مخنف الكوفي المتوفى في 157هـ عن الإمام السجاد.

([5]) المصدر السابق.

كربلاء:

إنّ كربلاء اسم قديم في التاريخ، يرجع على عهد البابليين، وقد استطاع المؤرخون والباحثون التوصل إلى لفظة (كربلاء) من نحت الكلمة وتحليلها اللغوي، فقيل أنها منحوتة من كلمة (كور بابل) العربية، وهي عبارة عن مجموعة قرى بابلية قديمة، منها (نينوى) شرق كربلاء، و(الغاضرية)، ثم (كربلاء) أو (عقربابل) ثم (النواويس).

وقد ذكرها الحسين في خطبته المشهورة: “وكأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء”.

ويطلق عليها اسم الطف أيضاً.

نزول الحسين(ع)  إلى كربلاء:

أجمعت المصادر التأريخية أن الحرّ بن يزيد الرياحي التقى بالحسين(ع)  في طريقه المؤدي إلى الكوفة، وكاد الحر يقتنع بالخيارات التي عرضها الحسين(ع)  على الحر، غير أن ابن زياد أرسل عيناً وكتاباً إلى الحر جاء فيه: “أما بعد فجعجع بالحسين حين يأتيك كتابي ويقدم عليك رسولي، ولا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بانفاذك أمري، والسلام”.

فلمّا قرأ الكتاب، قال لهم الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتي كتابه وهذا رسوله قد أمره أن لا يفارقني حتى أنفذ أمره فيكم.

فقال له الحسين(ع) : “دعنا ويحك ننزل في هذه القرية (يعني نينوى أو الغاضرية) أو هذه (يعني شفية)”.

قال: لا والله لا أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث عيناً عليّ.

فقال له زهير بن القين: إني والله ما أراه يكون بعد الذي ترون إلا أشدّ مما ترون يا ابن رسول الله، إنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قبل([1]) لنا به. فقال له الحسين(ع): ما كنت لأبدأهم بالقتال.

ثم نزل وذلك يوم الخميس، وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين.

لما نزل الحسين(ع)  بأرض كربلاء، قال: ما هي؟ قالوا: العقر، فقال الحسين(ع) : اللهم إني أعوذ بك من العقر.

ثم قال (ع) : ما يقال لهذه الأرض؟ فقالوا: كربلاء، ويقال لها أرض نينوى قرية بها، فبكى (ع)  وقال: كرب وبلاء، أخبـرتني أم سلمة قالت: كان جبـرئيل عند رسول الله(ص) وأنت معي فبكيت، فقال رسول الله(ص): دعي ابني.

فتركتك فأخذك ووضعك في حجره، فقال جبـرئيل: أتحبّه؟

قال: نعم.

قال: فإن أمتك ستقتله.

قال جبـرئيل: وإن شئت أن أريك تربة أرضه التي يقتل فيها.

قال (ص): نعم.

قالت أم سلمة: فبسط جبـرئيل جناحه على أرض كربلاء فقبض منها قبضة فأراه إياها.

فلما قيل للحسين(ع) : هذه أرض كربلاء شمّها، وقال: “هذه والله هي الأرض التي أخبـر بها جبـرئيل رسول الله(ص) وأنني أقتل فيها”([2]).

وفي (الملهوف)، و(كشف الغمّة): لما وصل الحسين(ع)  المكان الذي جعجع به، قال: ما اسم هذه الأرض؟

فقيل: كربلاء.

فقال (ع): اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء.

ثم قال: هذا موضع كرب وبلاء فانزلوا، ها هنا محطّ رحالنا ومسفك دمائنا، وهنا محل قبورنا، بهذا حدّثني جدي رسول الله(ص).

فنزلوا جميعاً ونزل الحر بنفسه وجيشه قبالة الحسين(ع) ، ثم كتب إلى عبيد الله بن زياد وأعلمه بنزول الحسين(ع)  بأرض كربلاء([3]).

ثم دعا الحسين(ع)  بدواة وقرطاس، وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه:

“بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد، المسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وعبد الله بن وال، وجماعة المؤمنين، أما بعد:

فقد علمتم أن رسول الله(ص) قد قال في حياته: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان،

ثم لم يغيّر بقول ولا فعل كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وإني أحقُّ بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله(ص)

وقد أتتني كتبكم، وقد قدِمَتْ عليّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم بي أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم، وخلفتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكرٍ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي، والمغرور مَنِ اغتّر بكم، فحظّكم أخطأتُم ونصيبكم ضيّعتُم، ومن نَكثَ فإنمّا ينكث على نفسِهِ، وسيُغني الله عنكم والسلام”([4]).

ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي.

ولما علم ابن زياد بنزول الحسين(ع)  بكربلاء كتب إليه يقول:

أما بعد يا حسين فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير ولا أشبع من الخمير أو ألحقك باللطيف الخبير أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية، والسلام.

فلمّا ورد كتابه على الحسين(ع)  وقرأه رماه من يده ثم قال: لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

فقال الرسول: جواب الكتاب أبا عبد الله؟

فقال (ع) : ما له عندي جواب لأنه قد حقّت عليه كلمة العذاب.

فرجع الرسول إليه فأخبره بذلك، فغضب عدو الله من ذلك أشد الغضب، والتفت إلى عمر بن سعد وأمره بقتال الحسين(ع) ، وقد كان ولاه الريّ قبل ذلك فاستعفى عمر من ذلك، فقال ابن زياد: فأردد إلينا عهدنا. فاستمهله ثم قبل بعد يوم خوفاً من أن يعزل عن ولاية الري.

والظاهر أنّ مفاتحة ابن زياد لعمر بن سعد في أمر قتال الحسين(ع)  كان قبل هذا الوقت، وربما كان في حين ورود الحسين(ع)  أرض العراق وبعد استشهاد مسلم بن عقيل، لأنّ المؤرّخين اتفقوا على أنّ عمر بن سعد نزل بكربلاء بعد نزول الحسين(ع)  بها بيوم وهو اليوم الثالث من محرم.

قال ابن الأثير: وسبب مسير عمر بن سعد إلى الحسين(ع)  أن عبيد الله ابن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف إلى دستبى([5])، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها وكتب له عهده على الري، فعسكر بالناس في حمّام أعين([6])، فلما كان من أمر الحسين(ع)  ما كان؛ دعا ابن زياد عمر بن سعد وقال له: سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك، فاستعفاه.

فقال: نعم على أن ترد عهدنا.

فلما قال له ذلك قال: أمهلني اليوم حتى أنظر، فاستشار نصحاءه فكلّهم نهاه، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة([7]) و هو ابن أخته فقال: أنشدك الله يا خالي أن لا تسير إلى الحسين(ع)  فتأثم وتقطع رحمك، فو الله لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض وكل ما كان لك خير من أن تلقى الله بدم الحسين. فقال: أفعل، وبات ليلته مفكّراً في أمره، فسمع وهو يقول:

أأترك ملك الريّ والريّ منيتي
وفي قتله النار التي ليس دونها

 

أم أرجع مأثوماً بقتل حسينِ
حجاب وملك الريّ قرّة عينِ

ثم أتى ابن زياد وقال له: إنك وليتني هذا العمل وسمع الناس به فإن رأيت أن تنفّذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين(ع)  من أشراف الكوفة من لستُ بأغنى ولا أجزأ في الحرب منه فسمّى له أناساً.

فقال له ابن زياد: لا تعلمني بأشراف أهل الكوفة، ولست استأمرك فيمن أريد أن أبعث فإن سرت بجندنا وإلا فابعث إلينا بعهدنا.

قال: فإني سائر. فاقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين(ع) .

فلما بلغ عمر بن سعد كربلاء نزل نينوى وبعث إلى الحسين(ع)  عروة بن قيس الأحمسي فقال: ائته فاسأله ما الذي جاء بك وماذا تريد؟ وكان عروة ممن كتب إلى الحسين(ع)  فاستحيى منه أن يأتيه، فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه فكلهم أبى ذلك وكرهه، فقام إليه كثير بن عبد الله الشعبي وكان فارساً شجاعاً لا يرد وجهه شيء فقال له: أنا أذهب إليه والله لئن شئت لأفتكنّ به. فقال له عمر: ما أريد أن تفتك به ولكن ائته فاسأله ما الذي جاء به؟ فأقبل كثير إليه، فلما رآه أبو ثُمامة الصائدي قال للحسين(ع): أصلحك الله يا أبا عبد الله قد جاءك شر أهل الأرض وأجرأه على دم وأفتكه.

وقام إليه فقال له: ضع سيفك.

قال: لا ولا كرامة، إنما أنا رسول فإن سمعتم مني بلغتكم ما أرسلت به إليكم وإن أبيتم انصرفت عنكم.

قال: فإني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك.

قال: لا والله لا تمسّه.

فقال له: فاخبرني بما جئت به وأنا أبلّغه عنك ولا أدعك تدنو منه فإنك فاجر. فاستبّا وانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.

فدعا عمر بن سعد قرة بن قيس الحنظلي فقال له: ويحك يا قرّة إلق حسيناً فاسأله ما جاء به؟ وماذا يريد؟

فأتاه قرّة، فلما رآه الحسين(ع)  مقبلاً قال: أتعرفون هذا؟

فقال له حبيب بن مظاهر: نعم هذا رجل من حنظلة تميم وهو ابن أختنا وقد كنت أعرفه بحسن الرأي وما كنت أراه يشهد هذا المشهد.

فجاء حتى سلم على الحسين(ع)  وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه، فقال له الحسين(ع): كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم فأما إذ كرهتموني فأنا أنصرف عنكم. ثم قال له حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرّة أين ترجع إلى القوم الظالمين أنصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة.

فقال له قرة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي.

قال: فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.

فقال عمر: أرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله([8]).

 

([1]) ما لا قبل لنا به: ما لا طاقة لنا به.

([2]) تذكرة الخواص: 142، طبعة قديمة.

([3]) اللهوف على قتلى الطفوف: 70، وكشف الغمة 2: 225.

([4]) انظر مقتل الخوارزمي 1: 334، والفتوح 5: 91.

([5]) دستبى: كورة كبيرة بين همدان والري ثم أُضيفت إلى قزوين، وهي معربة من دشتبه يعني: الواحة الحسناء.

([6]) حمّام أعين: كورة تابعة للكوفة فيها حمّام لعمر بن سعد بيد مولاه أعين سمّي باسمه.

([7]) استعمله الحجاج بن يوسف الثقفي على همدان إحدى مدن إيران سنة 77هـ.

([8]) مقتل المقرم.

الأحد, 09 كانون1/ديسمبر 2018 10:14

رأس السنة الهجرية (1/ محرم / من كل سنة)

مناسبات شهر محرم الحرام

عندما يحلّ شهر محرم الحرام، يستذكر محبي أهل البيت(عليهم السلام) ملحمة كربلاء الخالدة، عندما استشهد الإمام أبو عبد الله الحسين(ع) مع ثلة من أهل بيته الأطهار وأنصاره الأخيار، في سبيل الدفاع عن مبادئ الإسلام الحقة ورسالته السماوية المقدسة.

وتعبيراً عن الحزن على تلك الفاجعة الأليمة، وتأسياً بالمعصومين(ع) في تعاملهم معها، ينبغي أن يستشعر التفجع في قلبه ويظهر الأسى في وجهه، ولذا فقد ورد في الحديث عن الإمام الرضا(ع):

“كان أبي صلوات الله عليه إذا دخل شهر المحرم لم يُرَ ضاحكاً وكانت كآبته تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وجزعه وبكائه، ويقول هو اليوم الذي قتل فيه الحسين”([1]).

وبناءً على ما سبق لا ينبغي لهذا البعد العاطفي الجيّاش، على أهميته، أن يطغى على غيره من الأبعاد، بل يجب أن يكون دافعاً، وهو كذلك، لتفعيل الجوانب والأبعاد الأخرى في شخصيته وحياته نحو الأفضل اقتداءً بأبي عبد الله الحسين(ع) ، ولاسيما الجوانب العبادية والروحية التي تشدّه إلى الله (عز وجل)، من خلال أداء بعض العبادات والأعمال المخصوصة لهذا الشهر الفضيل، ومنها:

1- الصلاة: حيث يستحب في الليلة الأولى أداء صلاة ركعتين، يقرأ في الأولى الحمد والأنعام ويقرأ في الثانية الحمد و يس.

وكذلك صلاة ركعتين، يقرأ في كل منهما الحمد، والإخلاص (إحدى عشرة مرة).

2- الصيام: إذ ورد في رواية الريان بن شبيب عن الإمام الرضا(ع) ، أنه قال: “من صام هذا اليوم ودعا الله، استجاب الله دعاءه كما استجاب لزكريا(ع) ([2]).

فيستحب صيام تسعة أيام من الأيام الأولى من هذا الشهر، والإمساك في اليوم العاشر منه عن الطعام والشراب إلى وقت العصر.

3- زيارة سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين(ع)  من قريب أو بعيد، والسعي لإحياء ليلة عاشوراء بجوار ضريحه الطاهر، إن أمكن، بالدعاء والمناجاة والذكر، وزيارته في يوم عاشوراء، والعمل لخدمة زوار مرقده الشريف.

4- إقامة مجالس العزاء، والسعي لنشر الثقافة الإسلامية الصحيحة من خلالها ولاسيما في أوساط الشباب، والتعريف بحقيقة ثورة الحسين(ع)  وأهدافها السامية.

بالإضافة إلى غيرها من الأعمال التي ذكرت في كتب الدعاء والزيارة.

أما فيما يتعلق بأهم الأحداث التي وقعت في هذا الشهر، فسنستعرضها فيما يلي:

 (1)

رأس السنة الهجرية

(1/ محرم / من كل سنة)

يصادف هذا اليوم رأس السنة الهجرية القمرية.

وقد اتفق المسلمون بمختلف مذاهبهم على جعل حدث هجرة الرسول (ص) مبدءاً لتأريخهم حيث جعله النبي(ص) مبدأ لتأريخ الحوادث والمناسبات([3])، وروى ابن عساكر في (تاريخ دمشق) عن أنس، قال: كان التأريخ من مقدم رسول الله(ص) المدينة([4]).

وذكر المؤرخون وبعض الرواة على أن وقوع الهجرة كان بتاريخ أول ربيع الأول أو يوم الثاني عشر من ربيع الأول بحسب الاختلاف في النقل، وذلك عندما خرج (ص) من مكة متوجهاً إلى المدينة، وقصة الهجرة بإختصار فيما يلي:

لما علم مشركوا قريش بأمر بيعة العقبة الثانية بين النبي(ص) وأهل المدينة الذين عاهدوه على أن يحفظوه ويحرسوه كما يحفظون أنفسهم ويدافعوا عنه وعن أهل بيته، أثار ذلك حقد المشركين وغيظهم، فدعوا إلى اجتماع في دار الندوة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع هذا الخطر، وقد حضره أربعون من كبارهم وقادتهم، فاتفقوا على أن يختاروا من كل قبيلة رجلاً ويسلّحوه حساماً قاطعاً، فيهجموا عليه بغتة ويقتلوه، فيذهب دمه بين القبائل فلا يستطيع بنو هاشم وبنو عبد المطلب مناهضتها كلّها، مما يضطرهم لقبول الدية، وبدؤوا تنفيذ خطتهم في أول ليلة من شهر ربيع الأول([5]) حيث اجتمعوا حول دار النبي(ص) ليهجموا عليه ويقتلوه في فراشه، فهبط عليه جبرائيل وأخبره بمكرهم.

فأبقى (ص) علياً (ع)  نائماً مكانه في الفراش، ليغطي خروجه إلى المدينة، فقال (ص) لعلي (ع) : إنّ الروح هبط عليّ يخبرني أن قريشاً اجتمعت على قتلي، وأمرني ربّي أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلى غار ثور، وإنه أمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي، تخفي بمبيتك عليه أثري. فما أنت قائل وصانع؟

فقال علي (ع) : أو تسلمنّ بمبيتي هناك يا نبي الله؟

قال: نعم، فتبّسم علي (ع)  ضاحكاً وأهوى إلى الأرض ساجداً شكراً. فكان أوّل من سجد لله شكراً. فلما رفع رأسه قال: امض لما أمرت، فداك نفسي، ومرني بما شئت أكن فيه بمشيّتك وما توفيقي إلاّ بالله، ثم ضمّه النبي(ص) إلى صدره وبكيا معاً.

فأخذ جبرائيل يد النبي (ص) وأخرجه من الدار وقرأ النبي(ص): (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)([6]).

ونثر التراب على وجوههم وقال: شاهت الوجوه.

وتوجه إلى غار ثور.

أما أمير المؤمنين(ع) ، فإنه بات تلك الليلة على فراش النبي(ص) وتغشّى ببرده الأخضر الحضرمي، وقد أحاط المشركون بالدار منتظرين حلول الصباح، فلما أصبحوا دخلوا الدار فوثب علي(ع)  في وجوههم، فقالوا له: أين محمد؟، قال: أجعلتموني عليه رقيباً، ألستم قلتم نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم، فنزلت هذه الآية في حق علي(ع)  بعد ذلك في المدينة: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ(([7]).

ومكث رسول الله(ص) ثلاثة أيّام في الغار، ثم اتجه في اليوم الرابع إلى المدينة، فنزل قرية (قُبا) قبل المدينة في الثاني عشر من شهر ربيع الأول للسنة الثالثة عشر من البعثة، فصارت هذه الهجرة مبدأ تاريخ المسلمين([8]).

من خلال هذه القصة، يتضح بشكل جلي أن الهجرة حدثت في الأول من شهر ربيع الأول، وتوجد شواهد في كتب التاريخ والسيرة، على أنّ رسول الله(ص) والصحابة استمروا بتأريخ الحوادث من ربيع الأول.

 

([1]) وسائل الشيعة 14: 505.

([2]) وسائل الشيعة 10: 469.

([3]) راجع: تاريخ الطبري، ومناقب آل أبي طالب، والتنبيه والأشراف، والبحار، والكامل لابن الأثير و...

([4]) تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر الدمشقي.

([5]) ذلك لأن شهر صفر من تلك السنة كان شهراً حراماً بالنسئ المعمول لديهم، كما صرّح بذلك القرآن الكريم.

([6]) سورة يس: الآية 8.

([7]) سورة البقرة: الآية 217.

([8]) لمزيد من التفاصيل راجع كلاً من: بحار الأنوار 58: 366، وتاريخ الخميس 1: 337. وغيرها من الكتب التاريخية.