Super User
العلم والضوابط والأخلاقية
قليلة هي الكتابات حول مسألة أخلاقيّات العلم في المكتبات ودور النشر العربيّة، ونادرة هي الكتب التي تتطرّق إلى أزمة العلم الحديث والتجاوزات التي ترتكب باسمه، ذلك أنّ ملف البحث العلميّ غير مطروح كما ينبغي في الأمّة عمومًا وفي ساحاتنا خصوصًا، وقضيّة الأخلاق المهنيّة والمؤسّساتيّة لا تحتلّ الأولويّة المطلوبة في بلادنا حيث تعاني الأمّة من الأعراض الجانبيّة للعولمة وانفتاح الأمم بعضها على بعض وسيطرة القيم الغربيّة عليها، مقرونًا بتردّدها وبقصورها عن إطلاق منظومة النهوض العلميّ والصناعيّ والإداريّ في بلدانها، ويساعد في كلّ ذلك اغترار أهل الحلّ والربط فيها بالأسلوب الملتوي والخطاب المنمّق الذي يجير به الغرب لأفكاره وأعرافه كمثال الدعوة لإطلاق الحريّات في بلداننا والمطالبة بتعميم النموذج الليبراليّ اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وحيث يحترف الغرب إرسال رسائل الترغيب للموالين له ورسائل التهديد وصولًا إلى المواجهة الانتقائيّة للأنظمة المخالفة. ومع الأسف، لا تحتلّ الجامعات العربيّة والإسلاميّة مراكز متقدّمة في الترتيب العالميّ للجامعات وكذلك لا وجود لمراكز الأبحاث العربيّة والإسلاميّة في مصاف ترتيب الأوائل عالميًّا في إنتاج البحث العلميّ.
إزاء كلّ ذلك، لا نجد صخبًا في الحديث عن التبعات والنتائج السلبيّة للعمل العلميّ المتفلت من الضوابط القيميّة والأخلاقيّة، ولم تعطِ الحكومات ولا منظّمات المجتمع المدنيّ آذانًا صاغية لكلام مخيف ومطروح بقوّة في الغرب، كلام يصل إلى حدّ المعضلة:
إلى أين يتّجه بنا العلم؟ وهل مسموح لنا إطلاق العلم من عقاله؟ وتزداد خطورة الأسئلة وتتنوّع عندما تخوض الدول الامبرياليّة المعركة في جرّ العلم إلى حيث تريد: أداة طيّعة في يد الإعلام وكارتيلات السلاح والنفط والإنتاج الصناعيّ المفتوح، وتدير هذه المعركة بالوساطة وتجيّش عددًا من الأقلام والعلماء لمواجهة الدعوات إلى عقلنة العلم بعناوين احترام حريّة البحث العلميّ كجزء من منظومة الحريّات التي لا تمسّ وبعناوين قدسيّة العلم وعدم جواز الوقوف في مسار تقدّمه انطلاقًا من مفهومها القائم على حاكميّة العلم على ما عداه.
الوجه الآخر لإعاقة مشروع انطلاقة الأمّة إبقاؤها أسيرة تحدّيات الوجود عبر استثمار ثورات الشعوب على الأنظمة التي فرضتها أمريكا وحلفاؤها الغربيّون وإبقاء إنسان اليوم في العالم الثالث أسير البحث عن لقمته، عالقًا في التهديد الدائم لأمنه وأمانه الاجتماعيّ وأنّه يعاني من تعسّف وقهر أنظمة ملكيّة زالت من على خارطة الكرة الأرضيّة ولم تبقَ إلّا في بلادنا، ولا تنتج إلّا إنسانًا محدود الأفق والتطلّعات ومحدود الخيال والإبداع، بحيث تستنسخ المشكلة يومًا بعد يوم وحكومة بعد حكومة وجيلًا إثر جيل.
مصلحة الفرد مسألة محوريّة في الغرب الذي يحترم كلّ القيم الداعمة لحركة الإنسان ولنهوض المجتمع وسلامته مثل الانضباط واحترام الوقت وإتقان العمل، لكن يخفق في احترام المنظومة الكاملة للقيم الإنسانيّة العليا، فالقيم فاعلة ومحترمة لصالح الإنسان الأبيض فقط فيما هي نسبيّة تجاه سائر الأمم، وهو مستعدّ لأن يسحقها لتنحدر كرامة الإنسان باسم الآلة المنتجة، خدمة لغرائز البطش والأنانيّة والمنفعة، على أسس الإلحاد العمليّ والعلمنة بأن ليس ما بعد الحياة شيء والمهمّ هو الانتفاع بها بغضّ النظر عن الأساليب، وهو وصف أكّده علماء الغرب ومنهم برتراند رسل الذي قال إنّ الحضارة الغربيّة أخذت بعناصر الغريزة والعقل وأهملت الروح مطلقًا، مصدر المشاعر الإنسانيّة وسبب الإحساس بالآخرين، ويعتبر رسل أنّ شرط الحضارة الحقيقيّة هو انسجام العناصر الثلاثة نحو حياة إنسانيّة أرقى.
لقد انتصر الإنسان على المادّة وتسيّد الكرة الأرضيّة لكنّه احتاج ويحتاج إلى نصرٍ آخر أسمى وأشدّ أهميّة وهو نصره على غرائزه، نصر على نفسه الأمّارة وهذا النصر ليس مسألة نظريّة سهلة فهو الحقبة الأصعب وهو ما عرفه الحديث الشريف بالجهاد الأكبر، فيما تعاني الأمّة الإسلاميّة من صورة أخرى للأزمة وهي عدم انعكاس القيم الدينيّة إيجابًا على حركة المجتمع عن التطبيق العملانيّ والارتباط اليوميّ بها، حيث يحترم الإسلام الحياة ويقدّس قيمتها وهي دار ممرّ إلى وجود أخرويّ أسمى وأطول، فيما لا تزال الأمّة تعاني الأمّة من بون شاسع بين القيم الجماعيّة الفاعلة والمحرّكة وبين الروح الفرديّة والمنغلقة في إطار الذات دون الجماعة.
في المفهوم الإسلاميّ، الرقيّ المادّيّ والروحيّ هما وجهان للحياة الإنسانيّة يكمل أحدهما الآخر وهدف البعثة النبويّة وفق الحديث الشريف: "إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، والمراد في أصل الوجود الإنسانيّ على الأرض أن يكون ابن آدم خليفة الله على الأرض، والمفارقة أنّ الإسلام يحثّ وبقوّة شديدة المسلم على طلب العلم ويعتبر أنّ العلم سبيل النهوض فلماذا لا تبدأ عجلة النهوض الحقيقيّ بالدوران؟ الحقيقة أنّ للمشكلة وجهين: لا قيم وتطلّعات جماعيّة للإنسان المسلم كافية لاستنهاضه والذهاب بآفاقه نحو الأرقى والأسمى له وللأمّة، والوجه الآخر غياب القيادة الحقيقيّة ثمّ الرؤية والمشروع، حيث نجزم بأن لا رؤية ولا مشروع حقيقيًّا لدى معظم الدول القائمة اليوم تجاه تحدّيات ومستلزمات النهوض وتحديدًا تجاه موقع العلم في مشروع النهوض، باستثناء إيران حيث حدّدت الأمّة ما تريد، وشخّصت الهدف التي عليها الوصول إليه وحدّدت مفهومها للتقدّم، وأنتجت رؤية علميّة بلورها الإمام الخامنئي القائد من خلال خطب وكلمات قدمها تدريجًا على امتداد عشرين عامًا وكنّا قد شاركنا في تظهيرها من خلال كتاب الرؤية العلميّة لدى الإمام الخامنئي( )، والمسألة التي يجدر التوقّف عندها أيضًا فرادة شخصيّة الإمام الخامنئي، حيث لم يحدث سابقًا أن يجمع قائد بين موقعه السياسيّ والمرجعيّ وحمله لرؤية علميّة ثاقبة وقّادة تستشرف منها الأمّة مشروعها النهضويّ لتتبوّأ الموقع العلميّ الرياديّ بين سائر الأمم ولتحقّق من خلال مشروعها للنهوض والاقتدار على قاعدة كلام الإمام علي (ع): "استغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره" .
د. عبد الله زيعور
أسس وركائز المشروع الإسلاميّ عند الإمام الخامنئي (دام ظله)
ينطلق الإمام الخامنئي (دام ظله) في حديثه عن المشروع الإسلاميّ من الأسس والركائز التي وضعها الإمام الخميني (قده)، ويعتبر نفسه في مقام ولايته أنّه المستأمن على تلك الأسس والركائز. ثمّ إنّه يعتبر أنّ الثورة الإسلاميّة حينما برق نورها بما صدع به الإمام الخميني، أنارت الطريق المظلم أمام الشعوب المستضعفة، وأنّ أهمّ ما تحمله هذه الثورة هي القيم الإسلاميّة القابلة للتوسّع والانتشار في عالم الإنسان، والتوق للتحرّر والتكامل. من هنا، فقد حدّد الإمام الخامنئي خمسة مراحل للحراك النهضويّ الإسلاميّ: «إنّنا قمنا بثورة إسلاميّة، ثمّ أقمنا نظامًا إسلاميًّا، ثمّ جاء دور إقامة الدولة الإسلاميّة، تليها إقامة دول إسلاميّة، ثمّ تأتي مرحلة قيام الحضارة الإسلاميّة العالميّة، ونحن حاليًّا في مرحلة الدولة الإسلاميّة والبلاد الإسلاميّة»(22).
إنّ هذا النصّ الذي رسم فيه الإمام الخامنئي (حفظه المولى) الإطار العامّ للمنطلق والمسار والهدف المتوخّى للمشروع الإسلاميّ النهضويّ يحمل في طيّاته جملة أمور منها:
أ- المرحليّة الواعية والهادئة التي تحتضن كلّ التحفّز نحو تحقيق الهدف الإلهيّ النهائيّ وهو قيام حضارة الإسلام العالميّة، والملفت في هذه المراحل اعتمادها على خطوط النتائج بدل المرحليّة في الأساليب؛ وهي الطريقة القديمة التي كانت تعتمدها الحركات الإسلاميّة قبل نهضة الإمام الخميني (قده)، والمرحليّة في عناوين النتائج تحتوي المرونة في مضمون الأساليب التي يمكن اعتمادها. كما تحتوي على الثقة بالله والنفس في تحقيق الإنجازات الأكيدة والواضحة.
ب- انقسام المراحل الخمس إلى ثلاثة عناوين: اليقظة والبناء الواعي وهي مراحل ما قبل الدولة، ثمّ مرحلة بناء نموذج أو نماذج الدولة والحكم الإسلاميّ، ثمّ وفي المرحلة الأخيرة الحضارة. أي بمعنى آخر: الثورة، الدولة، الحضارة.
ج- إنّ مقتضى الوحدة في سياق هذا الحراك أن تقوم على وحدة القيم والأهداف؛ والسؤال هل هذا هو الحاصل في مسيرة النهضة التي قامت على نهج الاقتدار الذي يقوده الإمام الخامنئي؟
د- ثمّ أخيرًا، من حقّ المرء أن يسأل ويستفسر عن موقع مبدإ التوحيد في هذا المسار النهضويّ؛ ومقصودنا هنا، التوحيد بالطريقة التي قدّمها الإمام الخامنئي؟
للإجابة، علينا أن نتلمّس بعض الوجوه العامّة التي لو التقطناها في نصوص وأدبيّات الإمام الخامنئي لأمكن لنا رسم الإطار العملانيّ القائم على بناءات وقواعد نظريّة، أو مبدأ التوحيد وحاكميّته في الحياة، ومن ذلك قوله:
1- «علينا أن نسعى إلى تحقيق العدالة والقيم الإسلاميّة في المجتمع، وأن نخلق من المجتمع مجتمعًا دينيًّا وإسلاميًّا»(23).
2- ذهابه إلى أنّ الأصل الذي عنه يصدر المشروع النهضويّ الإسلاميّ المعاصر إنمّا هو فكر ونهوض وقيادة الإمام الخميني، وهو النهج الذي شرح الإمام الخامنئي بعض مفاصل أبعاده في بحث مستقلّ ذهب فيه إلى أنّ نهج الإمام فيه أبعاد منها:
البُعد الأوّل: امتزاج المعنويّات بالسياسة
حيث ترى امتزاج السياسة بالعرفان والأخلاق، وكانت جميع مواقف الإمام، قدّس الله سرّه، تدور حول محوريّة الله عزّ وجلّ، حيث كان مؤمنًا بإرادته التشريعيّة وموقنًا بإرادته التكوينيّة، وكان عالمًا أنّ الذي يسعى إلى تحقيق الشريعة الإلهيّة سيحظى بمساعدة قوانين الخليقة(24). واستفاد إمام الأمّة من ذلك، أنّ حذف المعنويّات عن الجهاز السياسيّ هو إذلال للشعب.
البُعد الثاني: موقع ودور الأمّة الاستثنائيّ
في حراك الإمام الخميني ما شكّل قناعة عند الإمام الخامنئي أنّ الديمقراطيّة الحقيقيّة هي تلك التي رسمها الإمام الراحل، قدّس الله سرّه، وأنّها تختلف عن الديمقراطيّة الأمريكيّة المزيّفة. من هنا، «فإنّ الذي جاء بالديمقراطيّة هو الإمام والثورة ونظامنا الإسلاميّ»(25).
البُعد الثالث: الرؤية العالميّة والشموليّة في منهج الإمام السياسيّ
«حيث لم يقتصر نداؤه على الشعب الإيرانيّ فقط، وإنّما تعدّاه إلى جميع الأمّة، بل وكافّة البشريّة، وهذه هي الرسالة الملقاة على عاتق المسلم»(26)، إنّ هذا القول للإمام الخامنئي هو تعبير جديد عن فهمه لحضور نهج الإمام قدّس الله سرّه، في كافّة مراحل النهضة الإسلاميّة.
البُعد الرابع: صيانة القيم من خلال تبنّي ولاية الفقيه
حاول البعض تعريف ولاية الفقيه بوصفها الحكومة الفرديّة المطلقة، وهذا كذب، إذ إنّ ولاية الفقيه، وفقاً لقانوننا الأساسيّ، لا تنفي مسؤوليّات الأركان المسؤولة في الدولة. فليس لولاية الفقيه سوى دور هندسة النظام، وحفظ مسيرته من الانحراف.
إنّ هذه المسؤوليّة - الملقاة على عاتق ولاية الفقيه - الحسّاسة والخطيرة تقوم بدورها على أسس وضوابط دينيّة، كما تقوم على رأي الناس وإرادتهم، فالمعيار في ولاية الفقيه معنويّ، خلافًا للمعايير في النظم الرأسماليّة فإنّها مادّيّة محضة.
فالمعيار في ولاية الفقيه يقوم على العلم والتقوى والدراية، والعلم يستتبع وعيًا، والتقوى شجاعة، والدراية مصالح البلاد وشعبها، ولو افتقد متسنّح هذا المنصب واحدًا من هذه الأسس سقطت كفاءته حتّى وإن حظي بدعم أفراد الشعب. فرأي الناس مؤثّر في إطار هذه الضوابط، ومن جهة أخرى إذا توفّرت هذه المعايير في شخص وتمّ انتخابه برأي الجماهير عن طريق مجلس الخبراء، لا يمكنه أن يقول قد توفّرت في هذه الضوابط، فعلى الناس أن يستجيبوا لي، فحق الانتخاب بيد الناس(27).
إنّ نصّ هذا البُعد بالغ الأهمّيّة لما يحوي من الحقائق التالية:
أ- إنّ نظام القيم الإسلاميّ مرتبط على المستوى النظريّ بمبدإ الولاية بمفهومها الوارد في العقائد والأخلاق والعرفان، ثمّ إنّ هناك قيمًا تستظلّ في مبدئيّة ولاية الفقيه كمضمون يعبّر عن الحاكميّة السياسيّة والاجتماعيّة، وكناظم لجماعة المسلمين. وهذه المبدئيّة هي نظام يشمل أركان الجماعة أو الأمّة المسلمة، ولا يقتصر على الفرد وحاكميّته المطلقة، إذ مثل هذه الحاكميّة هي على طرف نقيض مع القيم الإلهيّة، وبالتالي مع المعنى الذي تحمله حاكميّة ولاية الفقيه.
ب-إنّ مشروعيّة الولاية لا يمكن أن تكون ذاتيّة أو إداريّة فهي بالأصل نابعة من الدين نفسه، ثمّ إنّها مشروعيّة شعبيّة مرجعها إرادة الناس. لذا، فإنّ الولاية لله أولاها من يتمتّع بمواصفات حفظ هذه الأمانة وتعيين الشخص القادر على التصدّي لهذه المهمّة وإن أخذ شكلًا شوريًّا إداريًّا نظاميًّا من خلال مجلس الخبراء، فإنّ المرجعيّة النهائيّة في هذا الاستحقاق التعيينيّ إنّما يعود للناس ومستوى إيمانهم وتفاعلهم مع الوليّ.
ج- إنّ الدور الفعليّ لوليّ الأمر هو هندسة النظام بمعنى رسم الحيثيّة الشرعيّة في إدارة الحكم وطبيعة النظام وفق الأهداف الإلهيّة والمطامح الشعبيّة والتشريع الفقهيّ، وهنا ضرورة أن يكون الوليّ فقيهًا بمعنى صاحب علم ودراية. كما أنّ دوره حفظ المبادئ التي انطلقت منها الثورة، وعلى أساسها بُنيت الدولة، ومن روحها ينبع طموح بناء الحضارة العالميّة التي تلحظ شعوب العالم. ولهذا السبب، فإنّ التفاصيل في إدارة حركة الأهداف إنّما يقوم بها مَن هم في موقع المسؤوليّة من أركان الدولة أو القيادات الشعبيّة والحزبيّة.
د- ثمّ إنّ التركيز المفصليّ في أنّ المضمون الذي تستند عليه الولاية هي نظام قيميّ إلهيّ يقع على طرف النقيض الحضاريّ للمادّيّة الرأسماليّة، لا بمعنى أنّ الدين لا يولي اهتمامًا للجوانب المادّيّة، بل بمعنى أنّ حركة الدنيا وشؤونها الماديّة موصولة بغايات إلهيّة تشكّل روح الحراك الدنيويّ. فالقيم الإلهيّة من مثل العلم، والتقوى، والدراية، تستتبع وعيًا، وفهمًا، متبصّرًا بالوقائع وشجاعة في التصدّي، والصمود أمام المخاطر والزلازل، فمن يتّقي الله يجعل له مخرجًا من كلّ سوء بسبب ثقته واعتماده على الله ورعاية حكيمة لمصالح البلاد والعباد بسبب الدراية الخيِّرة التي حثّت القيم الإسلاميّة على التحلّي بها.
البُعد الخامس: العدالة الاجتماعيّة
إذ إنّ أهمّ ما يميّز المنهج السياسيّ عند الإمام الخميني هو «بُعد العدالة الاجتماعيّة، فلا بدَّ لنا في هذا المنهج من جعل العدالة نصب أعيننا في جميع أركان الحكومة وقواها التقنينيّة والقضائيّة، وإلغاء الفواصل الطبقيّة»(28).
مع هذا البُعد الخامس، نستكشف الثوابت الخمينيّة التي عمل وما زال الإمام الخامنئي على بلورتها وتسييلها في الواقع الحيّ للتجربة الإسلاميّة النهضويّة القائمة على نهج الاقتدار.
3- حفظ روح الشهادة في الأمّة وجعلها معيار صحّة وسلامة الاقتدار المباشر على مستوى القوّة العسكريّة أو النهوض الاقتداريّ ببقيّة مرافق بناء الحضارة الإسلاميّة من العلم والسياسة والاقتصاد وغير ذلك. وبهذا الصدد يقول سماحته:
إنّ قضيّة الشهادة قضيّة عميقة ومهمّة جدًّا، وشعبنا حلّ هذه القضيّة عمليًّا بإيمانه ومشاعره الدينيّة وشجاعته. ولو أردنا عرض قضيّة الشهادة وأهمّيتها في جملة واحدة لقلنا: إنّ الاعتقاد بالشهادة والإيمان بعظمة الشهداء يمثّل بالنسبة لأيّ شعب العمق المعنويّ لشخصيّة ذلك الشعب وهويّته. كيف يمكن لشعب أن يعرف بالعظمة في أعين شعوب العالم؟ وكيف يمكن للشعب بدل أن يتأثّر بشتّى العوامل السياسيّة في العالم أن يترك تأثيره في جميع الأحداث في العالم؟ كيف يمكن للشعب بلوغ هذه المكانة؟
حينما يتقبّل شعب بجميع أبنائه وشبابه وآبائه وأمّهاته الإيثار في سبيل الله والتضحية بالنفس في سبيل الهدف الإلهيّ ويؤمنون به، فسوف يكتسب هذا الشعب عمقًا هائلًا من العظمة. ومن الطبيعيّ أن يكون هذا الشعب مقتدرًا، وقويًّا، ومتفوّقًا، من دون أن يكون له سلاح ومن دون أن يمتلك ثروة نقديّة مميّزة.
يخلص سماحته من كلّ ذلك ليقول: «إنّ النصر منوط باقتدار لا يتأتّى بالمال والإمكانيّات المادّيّة والسلاح النوويّ، إنّما ينبع من الإيمان بالشهادة والإيثار والاعتقاد بأنّ الإنسان حينما يضحّي إنّما يتاجر ويتعامل مع الله»(29).
سماحة الشيخ شفيق جرادي
(22) الإمام الخامنئي، حفل تخريج وتحليف الطلاب في الكلّيّة العسكريّة (طهران: 20 شعبان 1425هـ).
(23) الإمام الخامنئي، حفل تخريج وتحليف الطلاب في الكلّيّة العسكريّة (طهران: 20 شعبان 1425هـ).
(24) الإمام الخامنئي، خلال استقبال الوفود المشاركة في الذكرى 15 لرحيل الإمام الخميني (طهران: 1425هـ).
(25) المصدر نفسه.
(26) المصدر نفسه.
(27) الإمام الخامنئي، خلال استقبال الوفود المشاركة في الذكرى 15 لرحيل الإمام الخميني (طهران: 1425هـ).
(28) الإمام الخامنئي، خلال استقبال الوفود المشاركة في الذكرى 15 لرحيل الإمام الخميني، طهران، 1425هـ.
(29) الإمام الخامنئي، من كلمته في عوائل الشهداء والمعوّقين بقم، 20/10/2010.
تخبّط أداء الإسلاميين في المغرب العربي
لازال الإسلاميون حائرين في سيرهم السياسي وتشخيصهم للواقع وعلاقته بالمنطلقات الفكرية بين مسارات مُتعدّدة، في ظلّ مناخ الإستقطاب السياسي الحاد وارتباط مسارات الربيع العربي بالعوامل الخارجية الذي سُرعان ما تحوّل النسَق السياسي العربي نحو ثُنائية جديدة لا تزيدها التحوّلات الخارجية والداخلية إلا رسوخاً ووضوحاً.
واقع ما بعد الربيع:
في مصر لجأ الإخوان المسلمون إلى التحالف داخلياً مع السلفية وخارجياً مع راعيتها السعودية، وهو تحالف أسهم إلى حدٍ كبيرٍ في عَزْلِ الإخوان عن تيارات المعارضة العلمانية القومية التي اضطرت هي الأخرى إلى التحالف مع المؤسّسة العسكرية المتحكّمة في وسائل الإعلام وفي مؤسّسات العنف المشروع.
في المغرب تحالف المستفيدون من الربيع العربي مع المؤسّسة الملَكية ورضوا بالصراع مع المعارضة بدل الصراع مع القصر كما فعل أسلافهم الإستقلاليون بعد مرحلة الإستقلال عن فرنسا، فيما ظلّ الخطاب السياسي للمعارضة اليسارية نخبوياً وغير قادر على استقطاب جماهير انتخابية واسعة.
تماهى الأداء السياسي للعدالة والتنمية مع ميكانيزمات اللعبة السياسية لدولة "المخزن" فيما ظلّت جماعة العدل والإحسان خارج سيناريوهات الربيع العربي بعد أن رأت أعلى قيادة في الجماعة عدم جدوائية حركة ما يُسمّى "بالربيع" نفسه.
أفضى هذا السؤال السياسي الذي جارى الأحداث بدل أن يبني رؤية واضحة للتغيير إلى عودة ميكانيزمات الحُكم السابق في مصر والمغرب ، بينما لا زال المشروع التونسي في صراعٍ مع تاريخٍ طويلٍ من الاستبداد الذي ربما يعود إلى ما قبل قيام الدولة الوطنية.
في الدول التي ترسّخت فيها المؤسّسات كتونس ومصر والمغرب أسهمت القدرة التنظيمية للإسلاميين في الحفاظ على مقوّمات الدولة الوطنية بدل إنهيارها، ومن جهةٍ أخرى عزَّزت السياسات الخارجية للدول الغربية تدعيم بقاء الدولة العربية الموروثة عن سايكس بيكو ومؤتمر الجزيرة الخضراء، وتدعيم المؤسّسات العسكرية وتعميق دورها السياسي في ظلّ ضعف أغلب التيارات السياسية المعارِضة للإسلاميين.
في ليبيا تميَّزت الدولة بضعف الطابع المؤسّساتي وانعدامه أحياناً، وبعدم وجود كيان تنظيمي للإسلاميين في فشل الدولة وتحوّلها إلى حالٍ من الفوضى السياسية والأمنية التي سرعان ما استفادت منها الدول الغربية والمجاورة. في هذا السياق تحاول الدول المحتلة تاريخياً (إيطاليا) أن تُعيد تشكيل الوضع السياسي من جديد ، فيما تحاول الدول العسكرية (مصر-الإمارات) بناء عسكرها الموالي في هذه المنظومة المتهاوية.
بمقابل ذلك أسهم مشروع الوئام الوطني بين العسكر والإسلاميين في تلطيف حدّة تأثيرات الربيع العربي على الجزائر التي دخلت فيها نخبة الإسلاميين المعتدلة إلى قواعد اللعبة مُبكراً، كما أن مشروع المصالحة نفسه عزَّز هذه الثُنائية(العسكر-الإسلاميون) التي توصّل إليها الجزائريون مُبكرا.ً من جهةٍ أخرى، أسهم هَوْل الحرب الأهلية الذي ظلّ مخيّماً على الوعي الجمْعي وعلى الخطاب السياسي لأغلب النُخَب في فُقدان وسائل الدعاية والبروبغندا لقدرتها التحريضية الكبيرة مقارنةً مع دولٍ أخرى كالمغرب وليبيا ومصر.
تهديدات:
هذه الثُنائية الجديدة في الحياة السياسية للدول المغاربية (العسكر-الإسلاميون) تهدِّد في حال بناء توافُقات نخبوية خارج الرِهانات الإقتصادية والإجتماعية بسقوط شرعيّة المعارضة الإسلامية وبحدوث هزَّات إجتماعية وسياسية قوية ، قد تُهدِّد كيانات الدول وتجعلها تحت رحمة وسائل الدعاية والتواصل المتحكّمة اليوم إلى حدٍ كبيرٍ في بناء الوعي الجمْعي وتوجيه الغضب الجماهيري.
لقد أظهرت أزمة الريف في المغرب أن الوضع السياسي والإجتماعي الهشّ قد يُهدّد جميع التحالفات بما في ذلك تحالفات الإسلاميين مع خصومهم العسكريين الممسكين بزِمام مؤسّسات العنف المشروع.
من جهةٍ أخرى، تُسهم الدعاية المضادّة للإسلاميين وتحوّل هؤلاء نحو الكراسي الوثيرة للحُكم في تكرار مسار التيار اليساري الذي رضي هو الآخر بغنيمة البقاء بدل التغيير.
تتّجه الدول العربية نحو زيادة التأثير الخارجي على صاحب القرار وعلى سيادته. إقتصادياً، يتّجه النظام إلى تعميق إنخراطه في الأسواق الإقتصادية المالية العالمية ببيع شركات المواد الأولية، مثل أرامكو البترولية في دولةٍ كالسعودية أو شركة الفوسفات OCP في المغرب أو حتى بيع أجزاء من الإقليم البرّي والبحري كما يحدث في مصر.
من جهةٍ أخرى تُسهم سيطرة الدول الكبرى والشركات المتعدِّدة الجنسية على وسائل الإعلام والتواصل في توجيه التحرّكات الشعبية بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر( شركة جوجل في ربيع مصر، وحملة المقاطعة الشعبية الأخيرة في شمال أفريقيا). لقد أصبح الحراك الشعبي رهين ثالوث جديد ومتماسك ( الإقتصاد- الإعلام- المنظمات الحقوقية الدولية).
مسارات:
لم يتمكّن الإسلاميون طيلة مرحلة ما بعد الربيع العربي من إعطاء رؤيةٍ سياسيةٍ لواقع الحركة وتشخيص السياق المحيط.
بقيت أسئلة كثيرة لا إجابات: مشروعيّة العمل السياسي، آليات الحُكم والموقف من المعارضة العلمانية ومكانة الدين في الحقل السياسي. لا تطرح العدالة والتنمية في المغرب أو في تركيا سؤال الحاكمية. لقد انغمس الإسلاميون من دون عناء البحث عن الإجابة عن أسئلة الشأن السياسي وكأن خطابهم السياسي المعارِض السابق الذي بنوا من خلاله شرعيتهم كان "وهماً أيديولوجياً" كاذِباً أو تاريخ المراهقة السياسية التي مرّ منها الماركسيون والإشتراكيون والقوميون.
إن سؤال المنطلقات عند الإسلاميين يُنذِر بنهاية مأساوية في صناديق الإقتراع المقبلة. لا زالت الإنتخابات تُعطي لهم الصدارة في ظلّ أزمة العزوف السياسي داخل الدول العربية ، لكن ضغط الأزمات الإجتماعية والإقتصادية سيجعل الإسلاميين المشاركين في السلطة شركاء في خطيئة الفشل الإقتصادي والإجتماعي الذي لا تتساهل فيه كثيراً الشعوب العربية.
لقد أثبتت أزمة الريف واحتقانات الشارع التونسي أن زمن الإسلاميين قد تهدّده السياسات الإقتصصادية الفاشلة.
في مصر أنقذ العسكر الأداء الإقتصادي للإخوان المسلمين حين حاكموا التجربة في بداياتها ورجعت بسرعة الجماعة إلى المعارضة الجذرية لتنشأ المظلمة الحقوقية بدل الخطيئة الإقتصادية ، في المغرب لا زالت جماعة العدل والإحسان بعيدة عن إثم السلطة، لكن البراءة السياسية سرعان ما يتّسم تهديدها إن تمخّضت التجربة المعارضة القوية عن مشروعٍ إقتصادي إجتماعي فاشِل.
لقد فتحت تجربة تركيا السباق على مصراعيه للإسلاميين بالدخول في غمار المنافسة الإقتصادية البرنامجية ، لكن الفشل يُهدّدها في حال عدم حصولها على السلطة كاملة.
السلطة المنقوصة المقتسَمة مع العسكر أو مع المخزن تجعل الأداء السياسي خاضعاً لإرادة الحاكم الفعلي الحقيقي، لذلك سارع أردوغان إلى التحوّل نحو النظام الرئاسي ليخرج من هيمنة الدولة العميقة على النسّق السياسي. الصراع اليوم هو صراع خارجي داخلي لا مكان فيه للديمقراطيات الضعيفة أو المشتّتة القيادة.
الدعوة والدولة:
الرهان على الأداء السياسي يجعل المشروع الإسلامي مشروعاً سياسياً فاقِداً لعمقه الدَعوي الذي كان السبب الأساس صعود الإسلاميين للحكم. تحوّلت أغلب الأحزاب الإسلامية نحو الإعلان عن مدنيّتها وعلمانيّتها السياسية، لكنها لم تنجح في انتهاج سياساتٍ ثوريةٍ حقيقيةٍ في ظلّ الواقع الذي أنتجه الربيع العربي المتحكّم فيه.
لم تسمح الدول الغربية لربيع الإسلاميين أن يختطّ تجربته المستقلّة، كما أن الإسلاميين أنفسهم لم يتمكّنوا من مواجهة التأثيرات الخارجية وبناء نسق واضح مستقرّ مع مطالب المحيط الدولي ( أميركا-إسرائيل-أوروبا- الصين روسيا). نموذج السلطنة العثمانية، كسلطنةٍ إقتصاديةٍ برنامجيةٍ، تفرض على الإسلاميين الخروج بمشاريع وطنية واضحة وصادِمة لجمهورٍ عريضٍ من الأتباع. لقد فرّط الإسلاميون في الحواضن الإجتماعية والشعبية وانخرطوا في "لعبة الأمم" وعلاقات المحيط الداخلي بالخارجي.
لقد أسهم الربيع العربي في تدويل قضية الإسلاميين وتقوية وجودهم كمعارضةٍ مقبولةٍ سياسياً لكنه هدّد من جهةٍ أخرى الهياكل في رأسمالها البشري الدَعوي الذي جسّد عنوان قوّتها التاريخية منذ عهد حسن البنا.
أحمد فال السباعي ، باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب
ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي (14 / ربيع الثاني / السنة 66 هـ)
هوية المختار
ولد المختار في مدينة الطائف، حيث كانت موطن أهله وعشيرته من ثقيف، ويمكننا التثبيت من أن ولادته كانت في السنة الأولى للهجرة، ذلك لأن جلّ المصادر تؤكد على أن مقتله كان في سنة 67 للهجرة، عن عمر يناهز السابعة والستين، ولازم ذلك أن ولادته كانت في السنة الأولى للهجرة([1]).
أبوه أبو عبيدة بن مسعود، كان قد اعتنق الإسلام وأخلص له، وقد اشترك في معارك المسلمين مع الفرس، واختاره عمر بن الخطاب للقيادة، فأبدى في ميادين القتال شجاعة واستبسالاً قلّ نظيرهما في تاريخ المعارك، وقد وقع شهيداً في إحدى معاركه مع الفرس على شاطئ الفرات، فاستلم القيادة بعده ابنه جبر وقتل بعده.
أمه دومة، امرأة عربية كانت قد اشتركت مع زوجها في المعارك خلال معاركه للفرس، وتلقت مصرعه ومصرع ولدها جبر بصبر وثبات، وكان المختار يومذاك في الثالثة عشرة من عمره، وقد بدت عليه علائم النجابة، وهو في حداثة سنه، ويروي بعض المؤرخين بهذه المناسبة: أن أباه جاء به إلى أمير المؤمنين(ع) وهو صبي فأجلسه في حجره، ومسح رأسه وهو يقول: يا كيّس يا كيّس([2]).
وقد استنتج البعض من هذه الكلمة: أن علياً(ع) كان يعبّر بها عن مخبآت المستقبل، وبما يظهر له من بطولات، وحنكة سياسية وآراء، وتصرفات سديدة رشيدة كالأخذ بثارات أهل البيت(عليهم السلام) ومناوأة المغتصبين لحقوقهم وتراثهم، وليس ذلك ببعيد إن صحّ أن أمير المؤمنين قد وصفه بذلك، كما استنتج فريق آخر من هذه الرواية، بأنها تشير إلى فرق الكيسانية التي وضع المختار نواتها كما يدعون.
موقف المختار من أهل البيت(عليهم السلام)
اشتهر المختار بالتشيع لأهل البيت(عليهم السلام) منذ نعومة أظفاره، ولكنه انصرف عن السياسة والمعارضة السلبية لمعاوية، لأنه كان قوياً، وقد استعمل سياسة البطش والقتل والتنكيل بالشيعة، بل حتى بمن يتهم بالتشيع بعد أن وجد أن المعارضة لا تجدي شيئاً، فخرج من الكوفة الى ضيعة له خارجها، ولم يرجع إلى الكوفة إلا بعد أن دخلها مسلم بن عقيل موفداً من الحسين(ع) لشيعتها، وحينما دخلها مسلم بن عقيل نزل عليه ضيفاً، فرحب بقدومه، ومضى يدعو الناس إلى البيعة للحسين ولزوم طاعته، ويعزو بعض الباحثين في هذا الموضوع وهو اختيار مسلم لدار المختار إلى ما كان بينهما من روابط المودة والصداقة القديمة منذ نعومة أظفارهما، وإلى تشيّع المختار وولائه الأكيد لأهل البيت(عليهم السلام) وإخلاصه لمبادئ التشيع بالإضافة إلى مصاهرة المختار لوالي الكوفة النعمان بن بشير حيث كان زوجاً لعمرة بنت أبي عبيدة مما يجعله في مأمن من الوالي ما دام مقيماً في دار صهره([3]).
غير أن ما ذكره من الصداقة والمودة البعيدة الأمد بينهما منذ نعومة أظفارهما فليس في المصادر التي تعرضت لتاريخهما ما يشير إلى ذلك، هذا بالإضافة إلى الفارق الكبير بينهما في السن، فلقد كان المختار في الستين من عمره يومذاك، ومسلم في حدود الأربعين، وكان المختار يعيش في العراق بينما مسلم في الحجاز.
وكيفما كان الحال فالمؤكد الذي عليه المؤرخون، أن دار المختار كان مركزاً لمسلم وللقائه بالوفود المبايعة له إلى حين قدوم عبيد الله بن زياد واستلامه إمارة الكوفة، خلفاً للنعمان بن بشير الذي عزله يزيد بسبب ما يتصف به من لين وضعف تجاه تحركات مسلم وأصحاب الحسين(ع).
وبعد مقتل مسلم، ووصول الخبر ببلوغ الحسين(ع) إلى كربلاء، جمع المختار جماعة من الشيعة، واتجه بهم قاصداً نصرة الحسين(ع) فأخذته الشرطة التي كلفها ابن زياد بملاحقة الخارجين لنصرة الحسين(ع) فاعتقلوه، وحينما أدخلوه على ابن مرجانة، تناول الأخير قضيباً، وانهال به يضربه على وجهه ورأسه، فأصاب عينه وشترها، ثم ألقاه في السجن مع من اعتقلهم من الشيعة([4]).
ويروي ابن أبي الحديد: أنه لما زجّ بالمختار في السجن، كان ميثم التمار معتقلاً فيه وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث، وكان عبد الله والمختار يعتقدان أن ابن زياد سيقتلهما لا محالة فجعلا يستعدان للقاء الله تعالى، غير أن ميثم التمار وبما انتهى إليه من أمير المؤمنين(ع) من الغيبيات التي كان النبي يختصّه بها، أخبرهما بما يجري لهما، فقال لابن الحارث: إنك ستخرج من سجن هذا الطاغية، وتحكم البصرة، وقال للمختار: إنك ستخرج وتتولى الثأر من قتلة الإمام الحسين وأنصاره، وتطأ بقدميك على وجنتيه، وبهذا أخبرني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب([5]).
هذا ولما علمت أخت المختار زوجة عبد الله بن عمر بخبر سجنه، طلبت من زوجها عبد الله بن عمر أن يتدخل ويطلب من يزيد إطلاق سراحه، ففعل فأطلق سراحه، وأمره ابن مرجانة أن يغادر العراق خلال ثلاثة أيام، وإن وجده بعدها ضرب عنقه([6]).
موقف المختار من الأمويين
مما لا يمكن لباحث أن ينكره معارضة المختار الكبيرة للحكم الأموي، ولسياسة الأمويين، وتسلطهم منذ دخل معترك السياسة، وتعرض بسبب ذلك لسجونهم ومعتقلاتهم وتعذيبهم، وقد حاربهم مع ابن الزبير حينما فرّ من ابن زياد من الكوفة، والتحق به في مكة، وفيها اشترك مع المكيين في صدهم عن الكعبة التي كانت هدفاً لنيرانهم ووسائل الدمار التي استعملوها للإجهاز على حركة ابن الزبير قبل ان يستفحل أمرها، وحارب قتلة الحسين والجيش الأموي الذي قاده ابن زياد لاسترجاع العراق إلى الحكم الأموي حتى قضى عليه في الموصل، وعلى أعوانه ممن اشترك في معركة كربلاء([7]).
موقف المختار من عبد الله بن الزبير
لما خرج المختار من سجن ابن زياد في الكوفة إلى الحجاز وهو يقول: والله لأقطعنّ أنامل ابن زياد، ولأقتلنّ بالحسين بن علي عدد من قتل بدم يحيى بن زكريا، وكان ابن الزبير قد رفع رأسه، وعادت إليه كل أمانيه وأحلامه بخروج الحسين إلى العراق ومصرعه على ثرى الطف، والحجاز هو البلد الأول الذي حمل لواء المعارضة للدولة الأموية بعد مقتل الحسين بن علي، وتركزت المعارضة فيه بشخص ابن الزبير الذي أصبح سيد الموقف يومذاك بعد مجزرة كربلاء([8]).
لم يكن المختار ممن يجهل نوايا ابن الزبير وأطماعه، وحقده على البيت العلوي، ولكنه لم يجد سبيلاً لمحاربة الأمويين، والانتقام من قتلة الحسين(ع) إلا بالالتجاء إلى أقوى المعارضين لدولتهم، فلجأ إلى ابن أبي الزبير وكان يريد بالالتجاء إليه إضعاف الأمويين، وخلق جو من الاضطرابات والفوضى في مختلف المناطق، وبخاصة العراق معقل التشيع فحثّه على القيام والقتال، وشارك في معاركه وأبلى معه بلاءً حسناً([9]).
انتقام المختار من قتلة الحسين(ع)
بعد أن قضى المختار وقتاً مع ابن الزبير كان قد تحقّق ما أراده من إشاعة الفوضى والاضطرابات في أرجاء الدولة الأموية، وخاصة في العراق، فلما تبين له أن الكوفة قد ثارت، وهي على استعداد للأخذ بثأر الحسين لو تيسر لهم الزعيم الذي يجمعهم تحت لوائه توجّه إلى الكوفة، وترك ابن الزبير المعادي لأهل البيت(عليهم السلام) ، وكان سليمان بن صرد ومن معه من التوابين يستعدون لقتال الأمويين، فلم يشترك معهم وانتهت حركتهم على النحو المعروف، وعادت فلولهم إلى الكوفة وانضموا إلى المختار([10]).
فجاهر المختار في الدعوة إلى العلويين، وأخذ البيعة لهم، فكثرت أنصاره حتى طرد عامل ابن الزبير على الكوفة، وانضم إلى المختار إبراهيم بن الأشتر، وحارب فلول الأمويين والزبيريين حتى خضع العراق وسائر الأمصار عدا الحجاز والشام والجزيرة للمختار([11]).
وما إن دخل المختار قصر الإمارة حتى بسط يده يطلب البيعة على كتاب الله والطلب بثأر أهل البيت، ومناصرة من يناصرهم، وفي هذه الأثناء فرّ شمر ابن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، ومحمد بن الأشعث من الكوفة، غير أنهم بعد ذلك سمعوا بخروج الناس على ا لمختار في الكوفة فعادوا إليها، وجعلوا يحرّضون الناس عليه، وقادوا معركة ضارية معه انتهت الى انتصار المختار([12]).
ثم نادى منادي المختار في أرجاء الكوفة: من أغلق بابه فهو آمن إلا من اشترك في قتل الحسين. وأطلق العنان لجيشه لينتقموا من قتلة الحسين، وقال لأصحابه: اطلبوا قتلة الحسين وآل البيت، فإنه لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض والمصر منهم، فتعالت الصيحات من كل جانب: يا لثارات الحسين. فأخذ الجيش باستخراجهم من مخابئهم وقتلهم، ثم قبض على عمر ابن سعد فقتله واحتز رأسه، وأحضر ابنه حفص، فقال له: أتعرف هذا الرأس؟ فقال: نعم ولا خير في العيش بعده. فقال له: ومن أنبأك أنك تعيش من بعده. فأمر بقتله ووضع الرأسين بين يديه وبكى، ثم قال: هذا برأس الحسين، وهذا برأس علي الأكبر، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله([13]).
ومضى المختار يطارد قتلة الحسين وآله وأصحابه، حتى لم يبق أحد إلا فرّ أو قتل، ثم استأجر نوادب من نساء الكوفة يندبن الحسين، ومن قتل معه على باب عمر بن سعد([14]).
ثم أنه قد وصله أخبار تحرك عبيد الله بن زياد بجيش نحو العراق لتحريره من الزبيريين عن طريق الموصل كان قد أعده عبد الملك بن مروان، فجهز جيشاً مؤلفاً من سبعة آلاف لمقابلته، فالتقى الجيشان عند نهر الخازر في ضواحي مدينة الموصل، ودار بينهما قتال عنيف انتهى بهزيمة جيش ابن زياد وقتله، فطلب ابن الأشتر جثة ابن زياد واحتز رأسه وأحرق جثته.
أرسل المختار رأسي عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد إلى الإمام زين العابدين في المدينة، ولما ورد الرسول المدينة بالرأسين، نادى: يا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ومهبط
الوحي أنا رسول المختار بن أبي عبيدة، ومعي رأس ابن مرجانة وعمر بن سعد، فضج الناس وتصايحوا، حتى أدخل الرأسين على الإمام زين العابدين، ووضعهما بين يديه، فلما رأهما (ع) قال: أبعدهما الله إلى النار، ولم ير الإمام (ع) يوماً قط ضاحكاً منذ قتل أبوه إلا في ذلك اليوم([15]).
وعندما علم ابن عباس بذلك قال: جزاه الله عنّا وعن رسول الله خير جزاء المحسنين، لقد أخذ بثأرنا وأدرك وترنا. كما خرّ محمد بن الحنفية ساجداً شاكراً لله، وقال: جزاه الله خير الجزاء، لقد أدرك لنا ثأرنا ووجب حقه على كل من أولده عبد المطلب بن هاشم. وعن فاطمة بنت علي(ع) قالت: ما تخضّبت امرأة من العلويات، ولا أجالت في عينيها مروداً، ولا ترجّلت حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد إلى المدينة. وقد روى المرزباني نفس هذا المضمون عن الإمام الصادق(ع)([16]).
وفي رواية عن المنهال بن عمرو أنه قال: حججت في السنة التي ظهر فيها المختار، ودخلت على الإمام علي بن الحسين، فقال لي: يا منهال ما فعل حرملة ابن كاهل؟ فقلت: تركته حياً يرزق، فرفع الإمام (ع) يديه، وقال: اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار. ومضى المنهال يقول: فرجعت إلى الكوفة، وذهبت لزيارة المختار ذات يوم، وكان لي صديقاً، فوجدته قد ركب دابته، فركبت معه حتى أتى الكناسة، فوقف ينتظر شيئاً، وكان قد وجّه الشرطة في طلب حرملة بن كاهل، فلما وقف بين يديه، قال: الحمد لله الذي أمكنني منك. ثم دعا الجزّار وأمره بأن يقطع يديه ورجليه، وبحزمة قصباً، فقطع يديه ورجليه وأحرقه بعد ذلك، فقلت بعدما رأيت ذلك: يا سبحان الله. فالتفت إليّ المختار، وقال: ممّ سبّحت يا منهال؟ فقصصت عليه ما سمعته من الإمام (ع)، ودعاءه على حرملة، فقال لي: بالله عليك لقد سمعت ذلك؟ فقلت: إي والله. فنزل وصلى ركعتين وصام نهاره شكراً لله على استجابة دعاء الإمام علي بن الحسين على يديه([17]).
وبلا شك فإنّ المختار قد أدخل السرور على قلوب أهل البيت، وقد ترحّم عليه الإمامان الباقر والصادق(ع)، ونزهه الإمام الصادق من كل ما نسب إليه، ويروى أنه دخل على الإمام الباقر(ع) الحكم بن المختار فتناول الحكم يد الإمام ليقبلها فمنعه، وقال له من أنت؟ فقال: أنا الحكم بن المختار. وكان متباعداً من أبي جعفر(ع) فمد الإمام يده إليه وأدناه حتى كاد يقعده في حجره، فقال له الحكم: أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي وقالوا، والقول كثير، يقولون إنه كذاب، ولا تأمرني بشيء إلا قبلته.
فقال (ع): «يا سبحان الله لقد أخبـرني أبي أن مهر أمي كان مما بعث به المختار، أو لم يبنِ دورنا، وقتل قاتلينا، وطلب دماءنا رحمه الله». إلى أن قال: «رحم الله أباك، رحم الله أباك، ما ترك لنا حقاً عند أحد إلا طلبه».
([1]) الانتفاضات الشيعية عبر التاريخ: 442.
([3]) حياة المختار للخرطبولي: 63.
([5]) شرح النهج لابن أبي الحديد 1: 127.
([7]) الكامل في التاريخ 4: 160.
([8]) الانتفاضات الشيعة عبر التاريخ: 452 - 453.
([9]) الكامل في التاريخ 4: 167.
([11]) الأخبار الطوال للدينوري: 300.
([12]) الخوارج والشيعة: للمستشرق فلهوزن 52.
سقوط دولة بني أمية (13/ ربيع الثاني/ السنة 132 هـ)
في رواية يؤكّدها الطبري، أصلها أن العباس بن عبد المطلب رأى أن دبابير تخرج من ظهره وتلدغ ظهر النبي(ص) ، فأوّلها النبي(ص) أنّ ذرية العباس تقتل ذريته (ص) ، وإنها تملك.
«وكان بدء ذلك فيما ذكر عن رسول الله(ص) أنه أعلم العباس بن عبد المطلب أنه تؤول الخلافة إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك ويحدثون به بينهم..»([1]).
واتخذوا لذلك وسيلة الدعوة إلى آل محمد، واستفادوا كثيراً من هذه الوسيلة بل ربحوا قادة كبار جنّدوهم في سبيل الوصول إلى غايتهم، من ذلك أبو سلمة الذي كانوا يسمّونه وزير آل محمد والذي قتلوه حين استنفذوا غايتهم.
اعتبرت ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر عام (132هـ)([2]) حيث بويع أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة هو يوم قيام الدولة العباسية..
أسباب سقوط الدولة الأموية
يذكر المؤرّخون عدة أسباب لسقوط الدولة الأموية، منها المنطقي المعقول، ومنها غير ذلك مما توحي به النفوس المريضة والأبصار الزائغة عن الحق. والسبب الرئيسي والأساسي لسقوط الأمويين، هو فسادهم وانحرافهم عن الدين وطعن الدين باسم الدين، فقتلوا عترة رسول الله(ص) ، فبدؤوا بسبطي النبي(ص) وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين(ع) وسبوا حريمهم، ومن قبل قتلوا عمار بن ياسر قتيل الفئة الباغية، وقتلوا حجراً، وأمَّروا أولاد الزنا، وعاثوا في الأرض فساداً على أيد العتاة المردة من جلاوزتهم أمثال بسر بن أرطاة، وعبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمر، والحجاج بن يوسف الثقفي، وغيرهم من المجرمين.
فمنذ مقتل الحسين(ع) بدأت الثورات ضد الحكم الأموي تتوالى، وكأنّ دم الحسين(ع) استصرخهم، واشتعلت الثورة ابتداءً من خطبة زينب (س)، إلى استنكار عام لهذا العمل الفظيع الذي تبلور فيما بعد في واقعة الحرة وانتفاضة المدينة، وثورة التوابين، وثورة المختار الثقفي، وثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث التي انضم إليها الشيعة والعباد والقرّاء وحتى الخوارج والمسيحيون([3])، وثورة يزيد بن المهلب، وثورة المطرف بن المغيرة([4])، ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين(ع)([5])، ثم انتفاضة يحيى بن زيد، حتى ثورة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وأبي مسلم الخراساني([6]).
وكان كل المناهضين للحكم الأموي ومهما اختلفوا يتخذون آل بيت النبي(ص) رمزاً وشعاراً لحركاتهم وتحركاتهم. والتي نهضت بها سواعد الشيعة، وأبو مسلم الخراساني كان مثالاً لهذه الحركات. فقد استطاع أن يتغلب على بلاد خراسان، وأن يهزم نصر بن يسار عامل مروان الحمار على خراسان، واستقر الأمر لأبي مسلم الذي كان يتخذ من الثأر للحسين(ع) شعاراً، ثم اتجه إلى العراق واحتلها، ولكنه يخفي تحت هذا الشعار الدعوة إلى العباسيين.
أما أبو سلمة الخلال فكان هو الآخر يدعو لآل محمد(ص) ولكنه كان مخلصاً في دعوته لهم (عليهم السلام).
إلا أن التباين والدهشة ثم التخاذل ظهر حين بايع أبو مسلم الخراساني بالخلافة لأبي العباس السفاح في الكوفة يوم العاشر من محرم سنة (132هـ).
وكانت معركة الزاب هي نهاية الحكم الأموي إلى الأبد، فقد جاء في (مروج الذهب) و(تاريخ اليعقوبي) وغيرهما من المؤرخين؛ أنّ مروان بن محمد قد انهزم في معركة نهر الزاب بعد أن قتل أكثر من معه من الجيش وغرق في نهر الزاب خلق كثير ممن كانوا معه، وكان فيمن غرق من بني أمية ثلاثمائة غير من غرق من سائر الناس، واتجه مروان فيمن بقي معه نحو الموصل فمنعه أهلها من دخولها فاتجه إلى حران وكانت داره بها وعياله يقيمون فيها، ثم هرب بهم إلى فطرس في بلاد فلسطين، وعبد الله بن علي في إثره، وفي طريقه حاصر دمشق وفيها الوليد بن معاوية بن عبد الملك في خمسين ألف مقاتل ففتحها وأسر جماعة من أحفاد عبد الملك بن مروان وأرسلهم إلى أبي العباس في الحيرة، فقتلهم وصلبهم فيها. كما قتل من بني أمية وغيرهم خلقاً كثيراً، ومضى في طريقه إلى نهر أبي فطرس فقتل جماعة ممن كانوا مع مروان الحمار وأسر من بني أمية بضعاً وثمانين رجلاً، وقد كان جمعهم في مكان خاص وأمرهم بالدخول عليه، وأعدّ لكل رجل منهم رجلين يحملان العمد، وحينما دخلوا عليه أطرق ملياً..
فقام أحد الشعراء وأنشد أبياتاً جاء فيها:
|
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم |
|
وبنو أمية من كلاب النار |
وكان النعمان بن يزيد بن عبد الملك جالساً إلى جانب عبد الله بن علي، فالتفت إلى الشاعر وقال: كذبت يا ابن اللخناء، فرد عبد الله بن علي قائلاً: بل صدقت يا أبا محمد امض لقولك.
ثم التفت إلى الأمويين، وأخذ يذكّرهم بمقتل الحسين(ع) وبنيه وإخوته وأنصاره وما جرى لأهل بيته من الإهانة والسبي والإذلال، ثم صفّق بيديه، فضرب القوم رؤوس الأمويين بالعمد التي أعدّوها فماتوا عن آخرهم، فناداه رجل من أقصى القوم:
|
عبد شمس أبوك وهو أبونا |
|
لا نناديك من مكان بعيد |
فقال له عبد الله: هيهات هيهات.. لقد كان ذلك ولكن قطعه قتل الحسين بن علي(ع) وسبي نسائه وأطفاله.
ثم أمر بهم فسحبوا وطرحت عليهم البسط وجلس بمن معه عليها ودعا بالطعام فأكلوا، وقال: يوم كيوم الحسين ولا سواء.
ثم دعا بذلك الرجل الذي أنشد البيتين وقال:
|
ومدخل رأسه لم يدنه أحد |
|
بين الفريقين حتى لزّه القرن |
وأمر بضرب عنقه.
وجاء في (البداية والنهاية) لابن كثير([7]): أن عبد الله بن علي عندما احتلّ دمشق أباح القتل فيها ثلاث ساعات وأنه قتل جمعاً كبيراً من الأمويين قُدّر بعشرات الآلاف.. ونبش قبور حكام آل أمية وأظهر العظام وحرقها إلا أنه لم يجد في قبر يزيد شيئاً إلا خط أسود على مساحة القبر كأنه خط بالرماد. ووجد جسد هشام بن الحكم على حاله وكان طلي بمعدن خاص يحفظه من الاهتراء فجلده ثمانين جلدة ثم أحرقه، ويعلل بعض المؤرخين جلده بأنه فعل ذلك به لأنه كان قذف أم زيد بن علي بالزنا حينما وقف بين يديه، وقال له: أخرج يا ابن الزانية، وقيل: إنما فعل ذلك انتقاماً لأبيه علي بن عبد الله، لأن هشاماً كان قد جلده ثمانين سوطاً..([8])
ويرى بعض الرواة أنّ الآية من سورة القدر (ليلةٌ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألفِ شَهْر)([9]) تشير إلى الزمان الذي تعيشه تلك الدولة التي لم تترك حرمة من حرمات الإسلام إلا وداستها ووطأتها بأقدامها، ولا لوناً من ألوان التعذيب والتنكيل بالعلويين والأبرياء من صلحاء المسلمين إلا ومارسته، وحققت لأبي سفيان وحزبه جميع ما كان يحلم به ويعمل من أجله، ولكن الله يمهل ولا يهمل..
لقد سقطت الدولة الأموية بعد تسعين عاماً على إنشاءها لتقوم دولة أخرى بدماء العلويين كما قامت دولة الأمويين على دمائهم.
([3]) الأخبار الطوال: للدينوري.
([5]) تاريخ ابن كثير، ومقاتل الطالبيين.
([7]) البداية والنهاية لابن كثير 10: 45.
([8]) تاريخ اليعقوبي: 92- 93، وكذا المجلد الثاني من مروج الذهب للمسعودي.
استقرار فرض الصلاة حضراً وسفراً (12/ ربيع الثاني/ السنة 1 هـ)
قال الله تعالى: )إِنّ الصّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مّوْقُوتاً)([1]).
ورد في بعض الروايات المعتبرة: أن الصلاة كانت في أول الأمر ركعتين ركعتين، فرضها الله تعالى على العباد مباشرة، وفوّض لرسوله زيادة معينة يزيدها عليها في الوقت المناسب، من دون حاجة إلى وحي جديد، فزاد (ص) في المغرب ركعة واحدة، وفي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين.
وقيل إن هذه الزيادة كانت في السنة الأولى من الهجرة، وقيل بعد ولادة الحسنين(عليهما السلام).
وفي قبال ذلك هناك قول آخر يثبت أن الصلاة قد فرضت من أول الأمر تامة كاملة، فعن نافع بن جبير وغيره، أنه لما أصبح رسول الله(ص) ليلة أسري به فيها، لم يرعه جبرئيل يتدلى حين زاغت الشمس، ثم تذكر الرواية: أنه صلى بهم الظهر أربعاً، والعصر كذلك ومعنى ذلك أن الصلاة أول ما فرضت فرضت تامة([2]).
وعن الحسن البصري: إن صلاة الحضر أول ما فرضت فرضت أربعاً([3]).
ولكننا لا نستطع قبول ذلك، لوجود الروايات الثابتة والصحيحة عند الشيعة، وعند غيرهم، الدالة على أن صلاة الحضر قد فرضت أولاً ركعتين، ثم زيد فيها، ففي موثق فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول في حديث إن الله عز وجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين، عشر ركعات، فأضاف رسول الله(ص) إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة، لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب، فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله له ذلك كله، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة([4]).
ولعل المراد أن الصلاة أبلغت إلى النبي(ص) أولاً كاملة، ولكن المصلحة كانت تلزم أولاً بركعتين، ثم صارت تلزم بالكل، وفُوّض إلى النبي(ص) أمر تبليغ ذلك في الوقت المناسب، ولذلك فقد اعتبرت الركعتان الأوليان فريضة، أي ما فرض من الله مباشرة على العبد، والباقي سُنّة، وهو ما أبلغ حكمه للنبي(ص) ليبلغه في صورة تحقق موضوعه، وهو المصلحة المقتضية له([5]).
وهكذا فإن الله تعالى أول ما كلم موسى بن عمران في الوادي المقدس أمره بإقامة الصلاة، قال تعالى: (...وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ)([6])، وهكذا عيسى الذي جعله الله تعالى نبياً وهو في المهد صبياً، فعندما كلّم الناس أخبرهم بأنّ الله تعالى أوصاه بالصلاة، قال تعالى: (وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً)([7])، وكذلك لقمان الحكيم عندما كان يوصي ابنه، جعل من كبريات وصاياه التذكير بإقامة الصلاة: (يَبُنَيّ أَقِمِ الصّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ)([8])، وكل هذا يكشف عن أن الصلاة من التشريعات التي اهتمت بها الأديان اهتماماً بليغاً.
وكذلك الإسلام فقد اهتم بها اهتماماً عظيماً، ودعا إليها بما لم يدع إلى غيرها، وقد ظهر اهتمامه بها في عدة نقاط.
النقطة الأولى: النداء إليها، فإننا لا نجد عبادة ينادى إليها في كل يوم خمس مرات إلا الصلاة، فالأذان هو الذي يذكّر الإنسان بالصلاة، كما أننا لو تأملنا فصول الأذان وجدنا أن الصلاة قد وصفت فيه بصفات عظيمة وجليلة، كقوله: حيّ على الفلاح، وقوله: حيّ على خير العمل، فالصلاة هي الفلاح، وهي خير عمل يتقرب به الإنسان الى ربه.
النقطة الثانية: أنّ الله تعالى قد فرضها على الإنسان في كل يوم، وفي خمسة أوقات، وهذا يكشف عن شدة اهتمامه بها، بينما لم يفرض الزكاة الا في زمن خاص، وكذا الصيام والخمس، ولم يفرض الحج إلا مرة واحدة في العمر، فجميع العبادات فرضت في أوقات خاصة، ولم يفرضها في كل وقت كالصلاة وهذا يعني أن الإسلام يريد من الإنسان حصول التذكر من الصلاة في كل مجريات حياته، ويستشعر بها في كل أوقات يومه، ليعيش الصلة الوثيقة مع الله تعالى، ولتكون المذّكرة للطاعة، ولترك المعصية.
النقطة الثالثة: أنّ الصلاة لا تسقط عن الإنسان بحال من الأحوال، حتى وإن كان مريضاً أو خائفاً أو غريقاً، بل يجب عليه أداؤها بكيفية خاصة تتلاءم مع حاله، بينما نجد أن الصيام يسقط عن المريض والمسافر، كما أن الحج لا يجب على غير المستطيع، والخمس والزكاة لا يجبان على غير المالك لأزيد من قوته، وكل هذا دليل واضح على عظيم اهتمام الإسلام بأمر الصلاة.
النقطة الرابعة: أنه جعل قبول الأعمال رهين قبولها، فعن النبي الأكرم(ص) أنه قال: «الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها»([9]).
النقطة الخامسة: أن الصلاة مكفّرة للذنوب، ففي تفسير قوله تعالى: (إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ) قال علي(ع): «إنّ الصلوات هي الحسنات التي تذهب السيئات الحاصلة بينهن»([10]).
آثار الاستخفاف بالصلاة
بعد ما ذكرنا من اهتمام الإسلام بأمر الصلاة، فلابد وأن يعلم أن التهاون والاستخفاف بها يوجب تضيعها، وتضيع آثارها الخيّرة التي تعود إلى كمال الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، وقد رتب على التهاون والاستخفاف بها آثار وخيمة نذكر بعضها:
1- إن الله لا ينظر إلى المستخف بصلاته: فقد تظافرت الأخبار على أن المستخف بصلاته لا يقبل الله منه عملاً، ولا ينظر إليه، فعن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: «والله إنه ليأتِ على الرجل خمسون سنة ما قبل الله منه صلاة واحدة، فأي شيء أشد من هذا، والله إنكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم من لو كان يصلي لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها، إن الله لا يقبل إلا الحسن فكيف يقبل ما يستخف به»([11]).
2- أن المستخف بصلاته لا تشمله شفاعة النبي(ص) وآله(عليهم السلام) يوم القيامة، فقد جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) أنه قال لما حضرته الوفاة: «لا ينال شفاعتنا من استخفّ بالصلاة»، وقال الإمام جعفر الصادق(ع): «إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة»([12]).
3- أن المستخف بصلاته يخرج عن ملة رسول الله(ص) ، ولا يرد عليه الحوض عندما يسقي المؤمنين، بيده الشريفة، فعن أبي جعفر الباقر(ع) قال: «لا تتهاون بصلاتك، فإن النبي(ص) قال عند موته: ليس مني من استخف بصلاته، ولا يرد عليّ الحوض لا والله»([13])، إلى غير ذلك من آثار الاستخفاف والتهاون.
بماذا يتحقق التهاون في الصلاة
إن الاستخفاف والتهاون بالصلاة عنوان ينطبق على حالات نذكر بعضها:
أولاً: ما لو ترك الإنسان أداءها في أوقاتها المحدّدة لغير ضرورة، حيث أنّ المكلف مأمور بتأديتها في أوقاتها المحددة شرعاً، ويحاول جاهداً أن لا يقدّم عليها أي عمل مهما كان مهماً، لأن الصلاة أهم من سائر الأعمال، بل ينبغي المبادرة إلى الصلاة وأدائها في أول وقتها، لأن ذلك من علامة الإيمان، فقد كان نبي الرحمة(ص) يجلس في محرابه قبل دخول وقت الصلاة، وينتظر حلول الوقت بفارغ الصبر منادياً: يا بلال أرحنا؛ تعبيراً منه عن عشقه وحبه وتعلقه الشديد بالصلاة، وهذا في الحقيقة درس لنا أراد النبي(ص) أن يعلمنا، ويريد أن يقول لنا: أن على المؤمن أن ينتظر قدوم الصلاة، وأن يتجهّز لها قبل حلول وقتها، وأن ينادي للصلاة بنفسه، لا أن ينتظر إلى أن تناديه، وأن عليه أن تنبسط أسارير نفسه وينشرح صدره لدخول وقت الصلاة، لا أن يرتاح وينبسط عند فراغه منها، وكأنها الجبل أثقلت ظهره، فعن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس لوقتهن، فإذا ضيعهن تجرأ عليه فأدخله في العظام»([14]).
وهذا معنى دقيق ينبغي التأمل فيه، إذ أنّ الحفاظ على الصلاة بأدائها في أوقاتها المحدّدة شرعاً يقيّد إبليس ويحجّمه، ويمنعه عن أن يخترق المملكة الإيمانية للإنسان، فالصلاة هي الحصن المنيع الذي يحفظ كيان المؤمن، ولا يسمح للشيطان أن يتوغّل فيه، فإذا ضيّعها، ولم يؤدها في أوائل أوقاتها انهدم هذا الحصن، وفسح المجال أمام الشيطان للسيطرة على المؤمن، فيدخله في الذنوب العظام.
وجاء عن محمد بن الفضيل، قال: سألت الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع) عن قول الله (عز وجل): (الّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)([15])، قال: «هو التضييع»([16]).
ثانياً: يتحقق التهاون والاستخفاف بعدم إتمام أفعالها وأقوالها على الوجه
المطلوب شرعاً، فالعجلة في أدائها بحيث لا تتأدى على وفق الأوامر الإلهية الواصلة إلينا
هو في الحقيقة استخفاف بها وتهاون فيها، فعن الإمام الباقر(ع) أنه قال: «بينما كان رسول الله جالساً في المسجد، إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال (ص): نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته، ليموتنّ على غير ديني»([17]).
ثالثاً: مما يصدق عليه التهاون عدم التوجه القلبي إلى مضامين الصلاة، ومعانيها السامية التي من شأنها تربية المصلي على الفضائل، والأخلاق الحميدة، فقد قال الإمام الصادق(ع): «ليس لك من صلاتك إلا ما أقبل عليها قلبك»([18]).
([2]) مصنف الحافظ عبد الرزاق 1: 455.
([3]) البداية والنهاية 3: 331.
([4]) الوسائل: باب عدد الفرائض اليومية من أبواب أعداد الفرائض.
وفاة السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) (10 / ربيع الثاني / السنة 201 هـ)
قال الإمام الصادق(ع): «إنّ لله حرماً وهو مكة، ولرسوله حرماً وهو المدينة، ولأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، ولنا حرماً وهو قم، وستدفن امرأة من ولدي سميت فاطمة من زارها وجبت له الجنة».
لشدة تعلق السيدة فاطمة المعصومة بأخيها الإمام الرضا(ع)، حيث كانت تحبه
حباً جماً، وكان عزيزها الذي كانت تشعر بالأمن والراحة إلى جواره، قررت (عليها السلام) أن تلتحق به (ع) في خراسان، فتجهزت مع بعض إخوة الإمام وأبناء إخوته([1]).
خرج في قافلة السيدة المعصومة(عليها السلام) خمسة من إخوتها، وهم: فضل وجعفر وهارون وقاسم وزيد، ومعهم بعض أبناء إخوة السيدة المعصومة، وعدة من العبيد والجواري، وكان ذلك سنة (201هـ).
ولما وصلت القافلة إلى ساوة هجم عليهم أعوان بني العباس وقتلوا جمعاً من أفراد القافلة، وجرحوا البعض الآخر حتى قيل أنهم قتلوا (23 علوياً) من أفراد القافلة، وعلى أثر ذلك مرضت ونحلت وضعف بدنها، وقيل إن سبب ضعفها ومرضها السم الذي دسّ إليها في ساوة من قبل أعوان بني العباس([2])، ولذلك لم تستطع مواصلة السير وإكمال السفر، فسألت عن المسافة التي بينها وبين قم حيث مقر الكثير من وجوه الشيعة، وأتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) فقيل لها عشرة فراسخ، أي ما يقارب (55 كيلوا متراً)، فطلبت منهم أن يحملوها إلى قم، فحملت (عليها السلام) إليها ولما وصلت على مشارف الطريق مر بظعينتها راكب، فسأل: لمن هذه الظعينة؟ فقيل له: هي لفاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر، وهي وافدة من الحجاز للقاء أخيها أبي الحسن الرضا(ع)، فأقبل ذلك الرجل إلى مجلس موسى بن الخزرج الأشعري - وكان من وجوه الشيعة في قم آنذاك وزعيم الأشعريين - وكان حاشداً بالناس، فقال الرجل وهو باك: يا موسى، لقد حلّ الشرف في بلدكم، ونزلت الخيرات والبركات بساحتكم. فقال موسى: لا زلت مبشراً بخير ما الذي جرى؟ قال ظعينة: أخت الرضا(عليها السلام) مقبلة على قم.
فخرج موسى مع أصحابه، وجمع كثير من الناس لاستقبالها، فلما وصل موسى إلى ظعينة السيدة فاطمة(عليها السلام) تناول يد القائد لناقتها فقبلها، وطلب منه أن يسلمه زمام الناقة ليقودها بيده وليتشرف بذلك، فسلم إليه زمام الناقة فقادها موسى بيده حتى أنزل السيدة فاطمة بيته، في (23 / ربيع الأول / سنة 201هـ).
بقيت في بيته (17 يوماً) وهي مريضة ناحلة حتى توفيت في العاشر من ربيع الثاني من نفس السنة، فدفنت في قم، ومقامها اليوم مشهور مشهود يؤمّه الناس، ويأتونه من كل فج عميق يتقرّبون إلى الله تعالى بزيارتها، وقد حصلت لهم كرامات كثيرة ومنيفة. فسلام على السيدة المعصومة يوم ولدت، ويوم أدّت رسالتها، ويوم توفيت، ويوم تبعث حية.
([2]) الحياة السياسية للإمام الرضاA للسيد جعفر مرتضى العاملي.
ولادة الإمام الحسن العسكري (ع)(8 / ربيع الثاني/ السنة 232 هـ)
الإمام العسكري(ع) في سطور
ولد الإمام الحسن العسكري(ع) في عام (232 هـ) على المشهور بين المحققين([1])، وأبوه الإمام الهادي علي بن محمد(ع)، وأمه حديثة([2])، وقيل: اسمها سوسن([3])، وكانت امرأة زاهدة مؤمنة، ومن العارفات الصالحات، ويكفي في فضلها أنها كانت مفزع الشيعة بعد وفاة أبي محمد، وفي تلك الظروف الحرجة([4]).
أشهر ألقابه:
النقي والزكي، والعسكري، ولقّب بالأخير؛ لأنه كان يقيم في سامراء مجبراً في حي يسمى بالعسكر، وكني بأبي محمد، وكان عمره (22) سنة عندما استشهد أبوه الهادي(ع)، وكانت إمامته ستة أعوام، حيث استشهد سنة (260هـ)([5])، ودفن في بيته إلى جوار قبر أبيه في سامراء، وتعتبر إمامته أقصر مدة للإمامة في تاريخ أهل البيت(ع).
النص على إمامته (ع):
ورد في النص على إمامته نصوصٌ كثيرة، ولعلّه لأجل أنّ الشيعة كانت تظن أنّ الإمامة بعد الإمام الهادي، لابنه محمد الذي كان أكبر سناً من أخيه الحسن العسكري، فقد روى أحمد بن عيسى العلوي من ولد علي بن جعفر، قال: دخلت على أبي الحسن بـ(صريا) فسلمنا عليه فإذا نحن بأبي جعفر وأبي محمد قد دخلا فقمنا إلى أبي جعفر لنسلم عليه، فقال أبو الحسن(ع): «ليس هذا صاحبكم، عليكم بصاحبكم. وأشار إلى أبي محمد(ع)»([6]).
ولكن بعد وفاة محمد بن الإمام الهادي علمت الشيعة أن الإمام بعده ابنه الإمام العسكري(ع)، وروى الكليني بسنده عن يحيى بن يسار القنبري قال: أوصى أبو الحسن(ع) إلى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشهدني على ذلك، وجماعة من الموالي([7]).
([1]) الكافي 1: 503، والإرشاد: 335، ومناقب آل أبي طالب 4: 422، وإعلام الورى: 367.
([2]) الإرشاد: 335، وإعلام الورى: 366.
([3]) أصول الكافي 1: 503، وكشف الغمة 3: 192.
([5]) الإرشاد: 345، والإتحاف بحب الأشراف: 178 – 179.
شهادة السيدة فاطمة الزهراء (8 / ربيع الثاني/ السنة 11 هـ)
تمهيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شمس الهداية نبينا محمد(ص)، وعلى الأقمار المضيئة الأئمة الطاهرين(عليهم السلام) .
«لا يقاس بآل محمد(ص) من هذه الأمة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة»([1]).
بهذه الكلمات البليغة المطرّزة بألوان الذهب الغالي، يقدّم لنا الإمام علي ابن أبي طالب(ع) وصفاً لمقام أهل بيت النبوة السامي، ويكشف لنا بعضاً من حقائق هذه الجواهر النفيسة والدرر الثمينة.
وشهر ربيع الثاني شهر عظيم، ولابد من تعظيمه بالمساعي الجميلة بما يناسب معرفته، وقد خصّ السيد ابن طاووس غرّة هذا الشهر بدعاء عن أهل بيت العصمة والطهارة.
وفي العاشر منه ولادة مولانا وإمامنا أبي محمد الحسن العسكري(ع)، وهو يوم شريف جداً، ويستحب فيه الصيام لله على هذه النعمة العظمى.
ولهذا اليوم خصوصية من جهة أنه (ع) والد إمامنا أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء، فينبغي لرعيته (ع) تهنئته بما يليق به (ع)، وأن يزيد في حوائجه التي يعرضها لصاحب الولادة بالتضرّع والسؤال في أن يوصيه لصاحب العصر في أن يدخله في همّه، ونظر لطفه، ويخصّه من بين رعيته بمكارمه.
ونحن وإيماناً منّا بما صنعه أهل البيت(عليهم السلام) وما قدّموه من خدمات جليلة في سبيل تشييد أركان هذا الدين، وتأسيس دعائمه وإيصاله إلى الأمة صافياً نقياً، وبحسب تعبير الإمام الخميني: «الإسلام المحمدي الأصيل»، نقدّم للقرّاء الأعزّاء هذه الباقة من المواضيع في هذه السلسلة من المناسبات الإسلامية بدءاً من ولادة الإمام الحسن العسكري(ع)، ووفاة السيدة فاطمة المعصومة(عليها السلام)، ومروراً باستقرار فرض الصلاة، وانتهاءاً بثورة المختار الثقفي.
لعلّها تلامس بعض حقائق أهل البيت(عليهم السلام) وتكشفها لمن يريد الحقيقة، علّنا بذلك نحظى بشفاعتهم ورضوانهم.
سائلين المولى أن يمدّنا بالعون لنكون في خدمة من يحيون هذا الشهر العظيم.
والله من وراء القصد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
شهادة السيدة فاطمة الزهراء (8 / ربيع الثاني/ السنة 11 هـ)
سيأتي الحديث عن السيدة الزهراء (عليها السلام) بمناسبة ولادتها وذكرى شهادتها على الروايتين المشهورتين وبمناسبة ذكرى شهادتها (عليها السلام) على الرواية الأولى التي تقرر أنها بقيت بعد أبيها رسول الله(ص) أربعين يوماً وهي ضعيفة لا يعمل بها، سنذكر أهم وأخطر جوانب شخصيتها، وهذه الجوانب هي كالتالي:
الجانب الأول: الزهراء (عليها السلام) مبلّغة لرسالة السماء:
كانت الزهراء(عليها السلام) مواكبة لأبيها رسول الله(ص)، وكانت تتصدى لتعليم النساء في المدينة أحكام دينهنّ، حتى أن النساء كنّ يأتين بيت فاطمة في كثير من الأحيان طلباً للعلم والمعرفة، فقد روي عن أبي محمد الحسن العسكري(ع) أنه قال: حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، فقالت: إن لي والدة ضعيفة، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليكِ أسألك، فأجابتها فاطمة(عليها السلام) عن ذلك، فثنّت فأجابت، ثم ثلّثت فأجابت.. إلى أن عشرت، فأجابت، ثم خجلت المرأة من الكثرة، فقالت لها: لا أشقّ عليك يا ابنة رسول الله، فقالت فاطمة(عليها السلام): هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيت من اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل، وكِراه مائة ألف دينار يثقل عليه؟ فقالت: لا، قالت: اكتريت أنا بكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً فأحرى أن لا يثقل عليّ، سمعت أبي(ص) يقول: «إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم، وجدهم في إرشاد عباد الله، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلة من نور»([2]).
وقد كان النبي(ص) يعتمد عليها في تبليغ الإسلام، وتعليم القرآن لنساء أهل المدينة، والرواية السابقة توضح بشكل صريح أن نساء المدينة كنّ يأتينها لتعلّم أحكام الدين، وهذا يكشف عن أن الزهراء(عليها السلام) كانت محطاً للتعليم والتثقيف وتبليغ الرسالة.
وأيضاً بعد وفاة النبي الأعظم(ص) كانت الزهراء مبلّغةً للوصاية والإمامة لأمير المؤمنين(ع)، وكانت تواصل دفاعها عنه بشتى طرق الدفاع، وبمختلف أساليبه، فكانت تخرج مع علي(ع) إلى أبواب المهاجرين والأنصار؛ لتذكرهم حقوق الإمام (ع) على الأمة، وتدعوهم إلى نصرته بعد أن ابتزوا حقه وغصبوه.
يقول ابن قتيبة: وخرج علي (كرم الله وجهه) يحمل فاطمة بنت رسول الله(ص) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا ما عدلنا به، فيقول علي (كرم الله وجهه): أفكنت أدع رسول الله(ص)في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه؟! فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم([3]).
ولقد كان هذا الموقف منها دفاعاً واضحاً عن الإمامة، وتبليغاً عظيماً في سبيل هذا الحق الإلهي العظيم.
الجانب الثاني: جهاد الزهراء(عليها السلام)
كانت الزهراء(س) في دائرة الجهاد التي خطّها رسول الله(ص)، حيث أنها قد عاشت محن الجهاد بتمام تفصيلاته، فلقد قاست مرارة الحصار في شعب أبي طالب مع أبيها وأمها وسائر بني هاشم، ولم يمض من عمرها غير سنتين، كما أنها عاشت آلام أبيها والمحن التي عصفت به، والأذى الذي كان يلحقه القوم به، فقد روى عبد الله بن مسعود: أنه بينما كان رسول الله(ص) يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت بالأمس جزور، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا بني فلان فيأخذ منه ويضعه على كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي(ص) وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحك القوم، وجعل بعضهم يميل على بعض، فلما علمت الزهراء بذلك جاءت إليهم وهي طفلة صغيرة، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تلومهم وتعنّفهم بالقول([4]). كما أنها علمت ذات يوم بأن قريشاً تكيد لقتل النبي(ص) فأعلمته بذلك([5]).
واستمرت (عليها السلام) تواكب جهاد أبيها مع أمها، إلى أن اختار الله لخديجة دار المقامة عنده، ففقد النبي(ص) بفقدها الناصر والمعين، والشفيق الحنون، فلقد كانت نعم المواسيّ والمصبّر لرسول الله(ص)، وشكّل فقدها فراغاً كبيراً في حياته (ص) حتى أطلق على عام وفاتها الذي ارتحل فيه أيضاً عمه أبو طالب(ع) (عام الحزن)، كما أن الزهراء فقدت على صغر سنها الأم الحنون والحجر الدافئ، إلا أنها تناست أحزانها، ولم تدع المصيبة الجليلة تأخذ منها ومن عزيمتها، وتحطّ من قدرتها، فأخذت على عاتقها تسنّم مكانة أمها بفيض الحنان المتدفق على أبيها، فكانت بمجرد أن يدخل رسول الله(ص) إلى البيت تفرغ عليه حنانها، وتمارس دور أمها في تصبير النبي(ص) ومواساته، حتى فاقت بحنانها حنان أمها، فأسماها النبي(ص) «فاطمة أم أبيها»([6]).
وهذا الوسام يعكس بجلاء مدى الحنان الكبير، والمؤازرة العظيمة، والموقف الجليل الذي كانت تقوم به تجاه أبيها (ص).
كما أنها (عليها السلام) هاجرت في سبيل الله برفقة علي(ع) بركب الفواطم، وعايشت سائر غزوات النبي(ص)، حتى أنها خرجت في غزوة أحد إلى موقع المعركة، ورأت أباها بتلك الحالة المؤلمة، فأخذت تغسل عن وجهه الدماء المتخثّرة، وهي تقول: اشتدّ غضب الله على من أدمى وجه رسول الله، فكانت تغسل الدماء، وعلي يصب الماء من المجن، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، عمدت إلى قطعة حصيرة فأحرقتها، وجعلت رمادها ضماداً على جبهته، وألزمته الجرح فاستمسك الدم.
وهكذا كانت تأتي أباها بكسيرات من الخبز في معركة الخندق، مما يكشف بوضوح
أنها (عليها السلام) كانت تعايش محن الرسالة، وهمّ الجهاد وتشارك بما يمكنها فيه المشاركة([7]).
الجانب الثالث: عبادة فاطمة(عليها السلام)
لقد عرفت الزهراء(عليها السلام) بعابدة البيت النبوي، حتى قال الحسن البصري: «ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة بنت رسول الله، وكانت تقوم بالأسحار حتى تورّمت قدماها»([8]).
وعن ابن عباس عن رسول الله(ص) قال: «... وأما ابنتي فاطمة، فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، إنها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقربين، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم، فيقولون: يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين»([9])..
وورد أن رسول الله(ص) قد بعث سلماناً إلى فاطمة(عليها السلام)، فوقف بالباب وقفة حتى سمع فاطمة تقرأ القرآن من جوا، وتدور الرحى من برا، ما عندها أنيس، فتبسم رسول الله(ص) وقال: «يا سلمان، ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها، وجوارحها إيماناً إلى مشاشها، تفرّغت لطاعة ربها، فبعث الله ملكاً اسمه زوقابيل، فأدار الرحى، وكفاها الله مؤونة الدنيا، مع مؤونة الآخرة»([10]).
وورد عنه (ص) أيضاً: «متى قامت في محرابها بين يدي ربها (جل جلاله) زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله (عز وجل) لملائكته: يا ملائكتي أنظروا إلى أمتي فاطمة، سيدة إمائي قائمة بين يدي، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار..»([11]).
وجاء في كتاب (عدة الداعي): أن فاطمة كانت تنهج في الصلاة من خيفة الله([12])، ومعنى النهج تتابع النفس من شدة الخوف والخشوع.
ولشدة ما تعلقت الزهراء(عليها السلام) بالعبادة والأذكار وقراءة القرآن تنازلت عن الخادم الذي هي بأمسّ الحاجة إليه لأجل مداومة ذكر الله تعالى وتسبيحه وتقديسه، حيث روي - بسند معتبر - أن فاطمة(عليها السلام) قد استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها([13])، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد، وكان قد أهدي إلى رسول الله رقيق، فأتته فاطمة(عليها السلام) فسألته أن يعطيها خادماً يعينها في أعمالها، فقال لها رسول الله(ص): «يا فاطمة أعطيك ما هو خير لك من خادم، ومن الدنيا بما فيها: تكبّرين الله بعد كل صلاة أربعاً وثلاثين تكبيرة، وتحمدين الله ثلاثاً وثلاثين تحميدة، وتسبحين الله ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، ثم تختمين ذلك بلا إله إلا الله، وذلك خير لك من الذي أردت ومن الدنيا وما فيها»([14]).
فقبلت فاطمة(عليها السلام) وتنازلت عن طلبها، على الرغم من أن الخادم في زمانها كان من ضروريات الحياة، وكان عند أغلب الناس خدم، فليس في طلب فاطمة هذا من النبي(ص) ما يدلّ على طلب الترف والترفع، بل ما هو ملائم لطبيعة الحياة آنذاك، والنبي(ص) لم يرفض طلبها، ولكنه خيّرها بين الخادم وهذا الذكر، فاختارت التسبيح إيثاراً لرضا ربها على رضا نفسها، ورغبة في الارتباط التام والعميق بالرب الرؤوف الرحيم، فكانت (صلوات الله عليها) ملازمة لهذا التسبيح طيلة حياتها، في أدبار الصلاة، وإذا أخذت مضجعها، وكانت قد عملت سبحتها من خيط صوف مفتّل، معقود عليه عدد التسحبيات، فكانت تديرها بيدها؟، وتكبّر وتسبّح، ولما قتل حمزة بن عبد المطلب(ع) في أحد، استعملت تربته، وعملت السبحة منه، فاستعملها الناس([15]).
وقد أصبح هذا التسبيح الذي عرف بــ(تسبيح الزهراء) من أفضل تعقيبات الصلاة، فقد ورد الحث البليغ والكثير عن الأئمة(عليهم السلام) بملازمته، والتعقيب به، فعن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال لأبي هارون: «يا أبا هارون، إنّا نأمر صبياننا بتسبيح فاطمة(عليها السلام) كما نأمرهم بالصلاة، فالزمه، فإنه لم يلزمه عبد فشقى»([16]).
وهكذا غدا هذا التسبيح - وبفضل فاطمة(عليها السلام) - شعار كل مؤمن، وكل عابد وناسك، حتى صار سبحة هذا الذكر شعاراً يتزين بحمله المؤمنون.
فضل تسبيح الزهراء(عليها السلام) والتعقيب به:
قد ورد الكثير من الأخبار التي تعكس فضلاً كبيراً، وأجراً جزيلاً للتعقيب بتسبيح الزهراء(عليها السلام) ننقل بعضها تيمناً:
عن عبد الله بن سنان قال، قال أبو عبد الله(ع): «من سبح تسبيح فاطمة(عليها السلام) قبل أن يثني رجله من صلاة الفريضة غفر الله له، ويبدأ بالتكبير».
وعن زرارة عن أبي عبد الله، قال: تسبيح الزهراء(عليها السلام) من الذكر الكثير الذي قال الله (عز وجل): (اذْكُرُواْ اللهَ ذِكْراً كَثِيراً)R([17]).
وعن محمد بن مسلم قال، قال أبو جعفر(ع): «من سبّح تسبيح فاطمة(عليها السلام) ثم استغفر غفر له، وهي مائة باللسان، وألف في الميزان، وتطرد الشيطان وترضي الرحمن».
وعن أبي جعفر(ع) قال: «ما عبد الله بشيء من التحميد أفضل من تسبيح فاطمة(عليها السلام)، ولو كان شيء أفضل منه لنحله رسول الله(ص) فاطمة(عليها السلام) ».
وعن أبي خالد القماط، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: «تسبيح فاطمة في كل يوم في دبر كل صلاة أحب إليّ من صلاة ألف ركعة في كل يوم»([18]).
([1]) نهج البلاغة: الخطبة 2، شرح صبحي الصالح.
([4]) سيرة ابن إسحاق: 192، ودلائل النبوة للبيهقي 2: 44. عن ابن إسحاق أيضاً.
([5]) مناقب آل أبي طالب 2: 71، والمستدرك على الصحيحين 2: 157.
([6]) بحار الأنوار 22: 152 ح4.
([7]) فاطمة الزهراء أم أبيها: 35.
([8]) المستطرف في كل فن مستظرف 1: 20، ومناقب آل أبي طالب 3: 341.
([9]) آمالي الصدوق: 437، وبحار الأنوار 43: 24.
([10]) مناقب آل أبي طالب 3: 338.
([12]) مسند فاطمة: 14، وبحار الأنوار 67: 40.
([14]) بحار الأنوار 585: 336 حديث: 25.
([15]) بحار الأنوار 85: 333 حديث: 16.
([16]) وسائل الشيعة 6: أبواب التعقيب: باب 7/1، وباب 8/1، وباب 9/1 - 2.
([17]) سورة الأحزاب: الآية 41.
([18]) وسائل الشيعة 6: أبواب التعقيب: باب 7/1، وباب 8/1، وباب 9/1 - 2.
إبرام معاهدة الصلح بين الإمام الحسن (ع) ومعاوية (26 / ربيع الأول / السنة 41 هـ)
بعد شهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) خطب الحسن(ع) بجموع المسلمين في الكوفة بخطاب عرّفهم من فقدوا، ثم بكى وبكى الناس معه، فقال:
أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول الله(ص) ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، والذين افترض الله مودتهم في كتابه ([1]).
ثم قام عبد الله بن العباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا، وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقّه بالخلافة، فبايعوه([2]).
وكان عدد المبايعين له أكثر من أربعين ألفاً، وكان يشترط عليهم بقوله: «أنكم مطيعون تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت»، فكانوا يبايعونه على ذلك([3]).
وأول عمل قام به (ع) بعد بيعة الناس له أن كتب إلى معاوية يدعوه إلى البيعة والطاعة والدخول فيما دخل فيه الناس، وفيما جاء في كتابه:
«... فاليوم فليعجب المتعجب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، ولا بفضل في الدين معروف، ولا أثرٍ في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وإنّ علياً لمّا مضى لسبيله - رحمة الله عليه - ولابن المسلمون الأمر بعده.. فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب.
واتق الله يا معاوية ودع البغي، واحقن دماء المسلمين.. فادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، وتجمع الكلمة، وتصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك نهدت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين»([4]).
فردّ عليه معاوية قائلاً له.. أنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي([5]).
فأمر الإمام الناس بالتحرك لقتال معاوية، كما أن معاوية حرّك جيش الشام باتجاه العراق، فخطب الإمام الحسن في الناس فقال لهم: إنه بلغني أن معاوية بلغه أنّا كنّا أزمعنا المسير إليه، فتحرك لذلك فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة([6]).
فسكتوا ولم يجيبوه، فقام عَدي بن حاتم الطائي، وقيس بن سعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التميمي يؤنبون الناس ويلومونهم على سكوتهم، ويحرّضونهم على الجهاد.
ولمّا تحرك الناس دعا (ع) عبيد الله بن العباس، وبعثه مع اثني عشر ألفاً من فرسان الكوفة، وأمره أن لا يقاتل معاوية حتى يبدأ بالقتال([7]).
حروب نفسية قبل القتال:
كثّف معاوية جهوده على ضرب جيش العراق دون قتال، وقد قام بعدة أساليب لإنزال الهزيمة به.
الأسلوب الأول - استقطاب القيادة: أرسل معاوية مع بعض جلاوزته كتاباً إلى قادة جيش الإمام الحسن(ع) يمنّيهم بالمناصب ويغريهم بالأموال، ويتبع معهم مغالطات ومراوغات يظهر من خلالها أنه سيصالح الحسن لا محالة.
فقد كتب إلى عبيد الله بن العباس فقال له: «قد راسلني الحسن في الصلح، وهو مسلّم الأمر إليّ فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً، وإلاّ دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم»([8]).
ولم يكن عبيد الله بن العباس ليتحمل مثل هذا الإغراء فانسل ليلاً ودخل معسكر معاوية ومعه ثمانية آلاف مقاتل([9]).
فاستلم قيادة الجيش قيس بن سعد بن عُبادة، فحثّ الناس على الجهاد فأجابوه بالطاعة، وحاول معاوية مع قيس واستجلبه بالمال، إلاّ أن قيس أجابه بجوابه الخالد: «لا والله لا تلقاني أبداً إلا وبيني وبينك الرمح»([10]).
وكثّف معاوية حملته على قادة جيش الإمام الحسن(ع) فكاتب أربعة من كبار الشخصيات في جيش الإمام كلٌ على انفراد: إن قتلت الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فأجابه بعضهم بالسمع والطاعة، وضمنوا له تسليم الإمام الحسن عند دنوهم من عسكره، أو الفتك به([11]).
وقد علم الحسن بمثل هذه المؤامرات فكان لا يخرج من خبائه إلاّ لابساً درعه([12]).
الأسلوب الثاني - اغتيالات في جيش الإمام الحسن(ع) : أرسل معاوية الكثير من جلاوزته لإجراء الاغتيالات السرية والليلية في جيش الإمام الحسن(ع) ، وقد شاعت كثيراً إلى درجة سلبت النوم من العسكر، فكانوا يبيتون طوال ليلهم دون نوم خوفاً من الفتك بهم، حتى ضاق المعسكر بهم ذرعاً فقرر الكثيرون اعتزال المعسكر قافلاً إلى بلاده.
الأسلوب الثالث - إشاعة الصلح: أرسل معاوية إلى الإمام الحسن، المغيرة بن شعبة وآخرون، والتقوا بالإمام ثم خرجوا من عنده وأشاعوا في أوساط الجيش أن الحسن قد قبل الصلح، يقول ابن الأعثم: «وتوالت الإشاعات مما أدى إلى خلخلة جيش الإمام وإضعاف معنوياته، وتشجيع أهل الأهواء والمنافع للالتحاق بمعاوية أو الفرار من معسكرات الجيش، فبدأت القبائل تلتحق به قبيلة بعد قبيلة حتى خفّ عسكره»([13]).
الأسلوب الرابع - القضاء على الإمام الحسن: قام معاوية بمحاولات عديدة لقتل الإمام والخلاص منه، وفعلاً تعرض الإمام الحسن(ع) وهو في قلب جيشه لعدة محاولات لاغتياله([14])، غير أنها باءت بالفشل.
هذه الأساليب التي قام بها معاوية لشلّ روحية جيش الإمام وإفقاده حيويته ومعنوياته، إضافة إلى استمالة الكثير منهم إلى صفّه، ومن جهة أخرى أن عقائد جيش الحسن(ع) وأهواءهم كانت مختلفة، إذ لم يكونوا جميعاً خارجين بوازع ديني ومبدأي، بل بعضهم كان بدافع الغنائم، وبعضهم بدافع الاستجابة لرئيس القبيلة، وهكذا استطاع معاوية افتراس جيش الإمام (ع) بمكره وخداعه، ولم يبق مع الإمام (ع) إلاّ القلّة.
في هذه الأثناء أرسل معاوية وفده يدعوا الحسن(ع) للصلح، ومعهم كتب رؤساء العشائر الذين ضمنوا لمعاوية فيها قتل الحسن أو تسليمه إليه([15])، وكان معهم أيضاً صحيفة بيضاء قد ختم معاوية أسفلها ليشترط الحسن ما يشاء([16]).
خرج الإمام الحسن(ع) وخطب في البقية من جيشه، وأخبرهم بدعوة معاوية إلى الصلح، ثم قال لهم: «.. فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا»، فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية([17]).
الإمام الحسن(ع) والصلح
تبين من خلال العرض السابق أن الإمام (ع) لم يكن يريد الصلح، وأن البقية المتبقية من جيشه لو قبلوا بالموت لحارب الحسن معاوية ولو أدى ذلك إلى تسجيل كربلاء حسنية قبل قيام كربلاء الحسين(ع) ، ولكن من تبقى كان ينادي بالبقاء والحياة، ولا يوجد عنده تنازل عنها ولا كان موطناً نفسه على لقاء الله، ولا باذلاً فيه مهجته، ولهذا فبقاء الإمام مصمماً على القتال لا طائل تحته، بل لعله يؤدي إلى تسليم الحسن أسيراً إلى معاوية، ويستلم معاوية زمام الأمور دون قيد أو شرط، ولهذا نزل الإمام عند رغبة أصحابه بالصلح - دون أن يكون راغباً فيه - ولكن حاول ترشيده، بما يخفف من وطأة الأزمة، ويعود على الأمة بالخير إلى حد ما، وحاله في ذلك حال أبيه أمير المؤمنين في قضية التحكيم في صفين فإنه لم يقبل التحكيم، لكن لما وجد جيشه مصمماً عليه حاول ترشيده باختيار مالك الأشتر حكماً عنه.
ولذا فقد حاول الحسن(ع) ترشيد الصلح فاشترط على معاوية شروطاً تعود بالنفع والخير للأمة والإسلام، ومنها ما يلي:
1- أنه لا يحق لمعاوية أن يعهد بالأمر بعده لأحد، بل يلي أمر الناس بعده الحسن، فإن قضى فللحسين.
2- إن للحسن(ع) خراج العراق بأكمله، أو ألف ألف دينار، يضعه حيث يشاء.
3- أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة رسوله.
4- أن الناس آمنون حيثما كانوا في كوفتهم أو شامهم...
5- الأمان العام لشيعة عليّ وأصحابه.
6- عدم البغي على أهل البيت(عليهم السلام)،.
وعلى الرغم من قبول معاوية لهذه الشروط إلا أنه لم يفِ بواحد منها، حيث هو صرح بذلك بقوله: «إني قد أعطيت الحسن بن علي عهوداً وإني جعلتها تحت قدمي». وكان الإمام الحسن(ع) على علم ودراية بذلك، ولكن لكي تدرك الأمة خطورة ترك السلاح وأيضاً لتعيش تجربة في ظل جور بني أمية، حيث ضاق عليهم عدل علي، فلينعموا في سعة جور بني أمية.
([1]) الكامل في التاريخ 3: 170.




























