Super User
غزوة بني النضير (22 / ربيع الأول/ السنة 3 هـ)
قال تعالى: (هُوَ الّذِيَ أَخْرَجَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأوّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنّوَاْ أَنّهُمْ مّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ يَا أُولِي الأبْصَار)
كانت غزوة بني النضير من أهم الأحداث التي تحمل في طياتها الكثير من الدروس والعبر، وقد تركت آثاراً بارزة على منحى وعمق الفكر الإنساني والرسالي، وعلى الفهم الدقيق للمسار العام في خط الرسالة، فهي حدث فريد ومتميز لا يقل في أهميته عن أي من الأحداث الكبرى في العهد النبوي، ومما يكشف عن ذلك أن سورة الحشر بتمامها قد نزلت في هذه المناسبة، وهذا يبرهن على الأهمية البالغة لهذه الواقعة، وعلى أنها تمثل تحولاً كبيراً وإيجابياً في مسيرة العمل والعاملين في سبيل الله سبحانه وتعالى من جهة، كما أنها تعتبر من الجهة الأخرى ضربة قاسية وقاصمة لأعداء الله وأعداء دينه من الكافرين.
فقد كان بنو النضير أقوى اليهود شوكة، وأشدّهم شكيمة، وأعزّهم عزةً، يعيشون في قلب الدولة الإسلامية وكان بإمكانهم الإطلاع على أدقّ دقائقها، وعلى كل الواقع الذي كان قائماً في داخل المجتمع الإسلامي، سواءً على مستوى العلاقات والارتباطات فيما بين فئات ذلك المجتمع، أو سائر المجالات ومختلف المواقع.
كما أنهم كانوا يملكون أذرعة ظاهرة وخفية، ممتدة هنا وهناك، وفي عمق المجتمع الإسلامي، حتى على مستوى بعض قيادات الدولة الإسلامية التي كانت تساهم بشكل فعّال في صنع القرار، أو في عرقلته وتعطيله([1]).
وكانوا يملكون قوة كبيرة من الثروات والأموال، ويكفي أنهم كانوا يملكون من الحلي الشيء الكثير، حتى قال بعضهم: إنهم كانوا يعيرونه للعرب من أهل مكة وغيرهم([2])، وكذلك كان لهم ديون على الناس كثيرة وإلى آجال مختلفة([3])، فكان وجود بني النضير واحداً من أهم مصادر القوة والتحدي لدى أعداء الإسلام والمسلمين، وبالأخص بالنسبة إلى المشركين، وكل من يتعاطف معهم من القبائل والطوائف في المنطقة العربية.
متى كانت غزوة بني النضير؟
اختلف المؤرخون في زمن غزوة بني النضير، فذهب جمع إلى أنها كانت قبل غزوة أحد، كما حكاه البخاري عن الزهري، وذهب آخرون كابن إسحاق إلى أنها بعد حرب أحد، ولعل الظاهر هو القول الثاني لما يأتي من سبب هذه الغزوة.
أسباب غزوة بني النضير:
لما رجع عمرو بن أمية من بئر معونة، والتي قتل فيها أربعون مبلغاً وداعياً من دعاة الإسلام كان النبي قد أرسلهم إلى أهل نجد لينشروا الإسلام ويعلّموا الناس الدين نزولاً عند طلب أبي براء العامري - الذي طلب من النبي ذلك وأجار المبلغين حفاظاً عليهم - لما قدم عليه المدينة، فلما بلغوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم، وهم يحملون من رسول الله كتاباً إلى عامر بن الطفيل، وقد كلّف المنذر بن عمرو - الذي كان زعيم البعثة - أحد المسلمين لإيصال الكتاب إلى عامر، فلما أتاه الكتاب لم ينظر فيه حتى عدا على حامل الكتاب فقتله، ثم استصرخ بني عامر على قتال المبلغين، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم، وقالوا: لن ننقض عهد أبي براء، وقد عقد لهم عقداً وجواراً، فاستصرخ قبيلة أخرى من بني سليم فأجابوه فنزلوا عليهم، ودارت بينهم وبين مبلغي الإسلام حرب ضروس كان نهايتها أن قتل جميع المبلغين إلاّ كعب بن زيد الذي جرح وعاد إلى المدينة، وأخبر النبي(ص) بالأمر.
وكان عمرو بن أمية والحارث بن الصِّمَّة قد جعلهما جماعة المبلغين ليرعيا إبلهم ويحافظا عليها، وبينما كان الرجلان يقومان بواجبهما إذ أغار عليهما عامر بن الطفيل فقتل حارث بن الصمة، وأطلق سراح عمرو بن أمية، فعاد عمرو إلى المدينة، وفي أثناء طريقه التقى رجلين من العامريين فرافقهما وأمهلهما حتى إذا ناما وثب عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه انتقم لزملائه من المسلمين، ولكنه قد أخطأ في تصوره، لأن بني عامر لم تخفر جوار سيدها أبي براء، ولم تنقض أمانته كما بيّنا([4]).
فلما رجع المدينة أخبر النبي(ص) بالأمر فقال له: لقد قتلت رجلين لأدينَّهما،
فخرج (ص) إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك الرجلين من بني عامر، وذلك طبقاً للعهد الذي كان (ص) أعطاهما، وكان بين بني عامر وبني النضير عهد وحلف، فلما أتاهم (ص) قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أجبت.
ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذا، - وكان رسول الله(ص) إلى جنب جدار من بيوتهم قاعداً - فمَن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة ويريحنا منه. فانتدب لذلك عمرو بن حجاش بن كعب، فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله في نفر من أصحابه، وفيهم علي وأبو بكر وعمر، فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة.
فلما استلبث النبي(ص) أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه فقال: رأيته داخلاً المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله(ص) حتى انتهوا إليه، فأخبرهم بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
فبعث رسول الله(ص) محمد بن مَسلمة يأمرهم بالجلاء عن جواره وبلده([5]).
أحداث غزوة بني النضير
بعد ما بلغهم أمر النبي(ص) بجلائهم عن جواره، بعث إليهم المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن أبي سلول يحرضونهم على المقام في حصونهم ويعدونهم بالنصر فقويت عند ذلك نفوسهم، وحمي حيي بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله(ص) : «أنهم لا يخرجون، ونابذوه بنقض العهود».
عند ذلك أمر النبي(ص) الناس بالخروج إليهم، فاستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ثم سار إليهم بأصحابه حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال([6])، وقد تحصّنوا في حصونهم وأظهروا المقاومة والإصرار على الامتناع، فأمر رسول الله(ص) بقطع النخيل المحيطة بتلك الحصون، وإلقاء النار فيها لييأس اليهود من البقاء في تلك المنطقة ما دامت بساتينهم أعدمت وأفنيت، فتعالت نداءات اليهود تقول: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟!، فرد الله تعالى عليهم بقوله: (مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىَ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)([7])، ومن جهة أخرى خذلهم عبد الله بن أبي بن أبي سلول فلم يأتوهم، كما اعتزلتهم يهود قريظة فلم تعنهم بسلاح ولا رجال، وقد ذكر الله تعالى خذلانهم إذ يقول: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نّصَرُوهُمْ لَيُوَلّنّ الأدْبَارَ ثُمّ لاَ يُنصَرُونَ، لأنتُمْ أَشَدّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مّنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُونَ، لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرًى مّحَصّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّىَ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَعْقِلُونَ)([8]).
وأخيراً رضخ اليهود لمطلب رسول الله، وسألوه أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم على أن يكون لهم ما حملت الإبل من أموالهم، إلا السلاح والدروع فرضي النبي(ص) بذلك، فاحتملوا من أموالهم أكبر قدر ممكن حتى أن الرجل منهم كان يخرب داره ويقلع بابه فيضعه على ظهر بعيره، فخرج منهم جماعة إلى خيبر، وجماعة أخرى إلى الشام، وقد خرجوا وهم يضربون بالدفوف، ويزمرون بالمزامير، وقد ألبسوا نساءهم الثياب الراقية، وحلي الذهب مظهرين بذلك تجلداً ليغطوا على هزيمتهم، ويروا المسلمين أنهم غير منزعجين من مغادرتهم تلك الديار([9]).
ويرى أكثر المؤرخين أنه لم يسفك في هذه الحادثة أيّ دم، ولكن الشيخ المفيد، يكتب في (الإرشاد): بأنه وقع ليلة فتح حصون بني النضير قتال محدود، قتل فيه عشرة من اليهود، وكان ذلك هو السبب في فتح تلكم الحصون([10]).
وقال المقريزي: وفُقد علي في بعض الليالي، فقال النبي(ص) : إنه في بعض شأنكم، فعن قليل جاء برأس (عزوك)، وقد كمن له حتى خرج في نفر من اليهود يطلب غرة من المسلمين، وكان شجاعاً رامياً، فشد عليه علي فقتله وفرّ اليهود([11]).
([1]) الصحيح من سيرة النبي الأعظم 8: 10.
([2]) الأموال: 242، وزاد المعاد 2: 136.
([4]) السيرة النبوية لابن هشام 2: 1168، وإن كان يرى أن المعتدل الذي كان مع عمرو بن أمية (المنذر بن محمد).
([5]) السيرة النبوية لابن كثير 3: 145 – 156، وتاريخ اليعقوبي 2: 49.
([6]) وقال الواقدي: فحاصرهم خمس عشرة ليلة.
([8]) سورة الحشر: الآيات 11 0- 14.
([9]) المغازي للواقدي 1: 365 – 383، والسيرة الحلبية 2: 263 – 270.
البدء ببناء مسجد النبي (ص) في المدينة المنورة (18 / ربيع الأول/ السنة الأولى للهجرة)
بعد وصول النبي(ص) بأيام إلى المدينة ابتاع الأرض التي بركت فيها ناقته يوم قدومه إلى المدينة، والتي كانت ليتيمين هما (سهل وسهيل) من الخزرج، وكانا عند أسعد بن زرارة، وقد اشتراها بعشرة دنانير، وذلك لإقامة مسجده فيها([1]).
وقد اشترك كافة المسلمين في تهيئة مواده وبنائه، كما أن رسول الله(ص) عمل بنفسه في تشييده فكان ينقل معهم اللبن والحجارة، وبينما هو (ص) ذات مرة ينقل حجراً على بطنه استقبله (أسيد بن حضير) فقال: يا رسول الله، أعطني أحمله عنك، فقال (ص) : لا، اذهب فاحمل غيره([2]).
وبهذا الأسلوب العملي كشف رسول الله(ص) عن جانب من خلقه وسلوكه القويم، إذ بيّن بعمله أنه رجل عمل، وليس رجل قول، وكان لهذا أثره الفعال في نفوس أتباعه، حتى أنشد بعضهم:
|
لئن قعدنا والنبي يعمل |
|
فذاك منا العمل المضلل([3]) |
وفعلاً بنى المسلمون مسجدهم وبنى المهاجرون منازلهم حول المسجد، وفتح كل واحد منهم بابه على المسجد شراعاً، فكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد من تلك الأبواب، ولكن فيما بعد أمر الله نبيه أن يأمر المسلمين بسد أبوابهم المشرعة على المسجد عدا بابه (ص) وباب علي(ع) .
فضل ومستحبات مسجد النبي (ص)
إن مسجد النبي (ص) في المدينة المنورة الذي بني على يد النبي(ص) وأصحابه الكرام يُعد ثانى المساجد في الفضل بعد مسجد الحرام في مكة المكرمة، وقد ورد في الحديث الشريف: «وصلاة في مسجدي تعدل (عشرة آلاف) صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام»([4])، ولهذا المسجد مستحبات وآداب نذكرها بإختصار:
1- الغسل لدخول المسجد وزيارة قبر رسول الله (ص) .
2- الإستئذان بالدخول إلى المسجد والأفضل أن يكون الدخول من باب جبرئيل.
3- الصلوات على النبي (ص) عند الدخول وعند الخروج من المسجد وقراءة ذكر
(الله أكبر) مائة مرة.
4- صلاة ركعتين تحية المسجد النبوي الشريف.
5- زيارة قبر النبي (ص) وزيارة بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التي يحتمل أن تكون مدفونة في بيتها أو في الروضة الشريفة بين قبر أبيها رسول الله (ص) ومنبره، ثم صلاة الزيارة.
6- الصلاة في الروضة الشريفة الواقعة بين قبر النبي (ص) ومنبره وقد جاء في الحديث النبوي الشريف «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»([5])، والصلاة عند اسطوانة التوبة والصلاة في مقام جبرئيل وإقامة الصلاة اليومية فيه ما أمكن.
7- الإكثار من تلاوة القرآن الكريم في المسجد النبوي الشريف.
ولادة الإمام جعفر الصادق (ع) (17/ ربيع الأول/ السنة 83 هـ)
الإمام جعفر الصادق (ع) في سطور
هو الإمام الهمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، أبوه الإمام محمد الباقر(ع) سيد الناس وأعلمهم في عصره، ولم يظهر من أحد في ولد الإمامين الحسن والحسين(ع) من علم الدين والسنن، وعلم القرآن والسير، وفنون الأدب والبلاغة مثل ما ظهر منه([1]).
وأمه هي السيدة الفاضلة أم فروة بنت الفقيه القاسم بن محمد بن أبي بكر، وكانت من سيدات النساء عفة وشرفاً وفضلاً، فقد تربت في بيت أبيها، وهو من الفضلاء اللامعين في عصره، كما تلقّت الفقه والمعارف الإسلامية من زوجها الإمام محمد الباقر(ع) ، وكانت على جانب كبير من الفضل، فقد كانت مرجعاً لنساء عصرها في مهام أمورهنّ الدينية([2]).
لقّب(ع) بالصادق، ونصّ المؤرخون: أن النبي(ص) هو الذي سماه بجعفر ولقّبه بالصادق([3])، كما لقب بالصابر والفاضل والطاهر وعمود الشرف، والقائم والكافل والمنجي([4])، وكان يكنى بأبي عبد الله، وأبي إسماعيل، وأبي موسى([5]).
وقد اختلف المؤرخون في السنة التي ولد فيها، فمن قائل إنه ولد بالمدينة سنة 80 هـ([6])، وآخرون أنه ولد سنة 83 هـ يوم الجمعة، وقيل يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول([7])، وقيل سنة 86 هـ([8]).
رحل إلى جوار ربه عن عمر يناهز (65 سنة) في عام 148هـ، ودفن في البقيع إلى جوار أبيه الباقر(ع) ، وقد تزامنت إمامته مع نهاية الحكم الأموي في سنة 132هـ، وبدايات الحكم العباسي الذي بدأ من ذلك التاريخ، فقد عاصر من الخلفاء العباسيين، هشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد بن عبد الملك، ويزيد بن الوليد بن عبد الملك، وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد (المعروف بمروان الحمار)، ومن الخلفاء العباسيين، عبد الله بن محمد (المعروف بالسفاح)، وأبو جعفر (المعروف بالمنصور الدوانيقي).
المقام العلمي العظيم للإمام الصادق(ع)
اعترف أئمة المذاهب، وعلماء الأمة بالمقام العلمي الشامخ للإمام الصادق(ع) ، فقد قال أبو حنيفة (النعمان بن ثابت) وهو إمام المذهب الحنفي الشهير: «ما رأيت أعلم من جعفر بن محمد»([9])، وقد استدل على أعلميته بأن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس([10]).
وقال مالك إمام المذهب المالكي: اختلفت إلى جعفر بن محمد زماناً، فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صائماً، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدّث عن رسول الله(ص) إلاّ على طهارة([11])، ولا يتكلم بما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد والزهاد الذين يخشون الله، وما رأت عين ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً([12]).
وقال ابن حجر الهيثمي: جعفر الصادق نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من العلوم([13]).
ويقول أبو بحر الجاحظ أحد علماء القرن الثالث: جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال إن أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب([14]).
وكتب ابن خلكان المؤرخ الشهير: أبو عبد الله جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم أجمعين) أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وكان من سادات آل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان أبو موسى جابر ابن حيان الكوفي تلميذاً عنده، وصنف جابر كتاباً في ألف ورقة يتضمن رسائل الإمام جعفر الصادق، وهي خمسمائة رسالة([15]).
الجامعة الجعفرية الكبرى
كان عصر الإمام الصادق(ع) عصراً فريداً، والظروف الاجتماعية والثقافية التي عاشها لم يعشها أيّ واحد من الأئمة(ع)، ذلك أن تلك الفترة كانت من الناحية السياسية فترة تزعزع الحكم الأموي، واشتداد شوكة العباسيين، وكان الطرفان في صراع مستمر، بدأ الصراع الإعلامي، والنضال السياسي للعباسيين منذ عهد هشام بن عبد الملك، وفي عام 129هـ دخل الصراع نطاق الكفاح المسلح، وفي نهاية المطاف انتصر العباسيون عام 132هـ.
ونظراً لانشغال الأمويين خلال هذه الفترة بالمشاكل السياسية الكثيرة لم تسنح لهم الفرصة لمضايقة الإمام الصادق وشيعته، كما أن العباسيين، ولأنهم كانوا يرفعون شعار الدفاع عن أهل البيت والثأر لهم قبل استلامهم مقاليد الحكم لم تكن هناك مضايقة من جانبهم أيضاً، ومن هنا كانت هذه الفترة فترة هدوء وحرية نسبية للإمام الصادق وشيعته، فكانت فرصة مناسبة جداً لتفعيل نشاطهم العلمي والثقافي.
ومن جهة أخرى كان عصره (ع) عصر تلاقح وتضارب الأفكار، وظهور الفرق والطوائف والتيارات المختلفة، وانبثقت شبهات وإشكاليات متعددة جراء تضارب عقائد المسلمين مع عقائد أهل الكتاب وفلاسفة اليونان.
وقد ظهرت تيارات وفرق، مثل المعتزلة والجبرية، والمرجئة، والغلاة، والزنادقة، والمشبهة، والمتصوفة، والمجسّمة، والتناسخية وغيرها، وكانت كل فرقة تروّج أفكارها وعقائدها، وفضلاً عن ذلك كله كان الخلاف يدب في العلم الواحد من العلوم الإسلامية بين علماء ذلك العلم، فمثلاً كانت تحدث مناقشات حادة في علوم القراءة والتفسير والحديث والفقه والكلام.
نظراً لذلك كله واصل الإمام الصادق(ع) الجهود التي ابتدأها أبوه الإمام الباقر، وأسس جامعة علمية كبيرة، علّم وربّى فيها تلامذة كباراً وبارزين، أمثال هشام بن الحكم، ومحمد بن مسلم، وأبان ابن تغلب، وهشام بن سالم، ومؤمن الطاق، والمفضل بن عمر، وجابر بن حيان، وغيرهم كثير في مختلف العلوم العقلية والنقلية، وقد ناهز عدد تلامذته الأربعة آلاف عالم([16])، وكان لبعضهم مؤلفات علمية وتلامذة كثيرون، فكان لهشام ابن الحكم واحد وثلاثون كتاباً([17])، ولجابر أكثر من مئتي كتاب([18]) وفي مواضيع مختلفة لا سيما في العلوم العقلية والطبيعية والكيمياوية، وقد أشتهر بأبي الكيمياء.
لقد زخرت هذه الجامعة بطلاب من مختلف المذاهب والفرق، وكان أئمة المذاهب السنية المشهورون بشكل مباشر وغير مباشر تلامذة لديه، وكان على رأسهم أبو حنيفة الذي لازم الإمام سنتين، وجعل هاتين السنتين مصدر علمه ومعرفته، وكان يقول: لولا السنتان لهلك النعمان([19]).
ويكفي ما قاله الحسن بن علي بن زياد الوشاء في سعة هذه الجامعة فقال: أدركت في هذا المسجد - أي مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد([20]).
ويقول ابن حجر العسقلاني: فقد حدث عنه فقهاء ومحدثون، مثل: شعبة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عينية، ومالك، وابن جريح، وأبي حنيفة، وابنه موسى، ووهيب بن خالد، والقطان، وأبي عاصم، وجماعة كثيرة([21]).
([2]) قبسات من سيرة القادة الهداة 2: 50.
([3]) الدر النظيم في مناقب الأئمة: 185.
([4]) مرآة الزمان 5: 116، وسر السلسلة العلوية: 34، ومناقب آل أبي طالب 4: 281.
([5]) المناقب لابن شهر آشوب 4: 281.
([7]) أصول الكافي 1: 472، والمناقب 4: 280، وإعلام الورى: 271.
([10]) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 4: 335.
([14]) نقله عنه كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 55.
([18]) الفهرست لابن النديم: 512 – 517.
([19]) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 70.
ولادة النبي الأكرم (ص) (17 / ربيع الأول/ عام الفيل)
اتفق المسلمون - إلا من شذّ - على أن ولادته (ص) في عام الفيل في شهر ربيع الأول([1])، ولكنهم اختلفوا في يومه، فذهب المشهور من العلماء إلى أنه في اليوم السابع عشر منه، وقد نقله الأثبات من الأعلام كالمفيد، والطبرسي، وابن طاووس، والمجلسي الأول قال في (البحار): إعلم أنه اتفقت الإمامية - إلا من شذّ منهم - على أن ولادته (ص) كانت في السابع عشر من ربيع الأول عام الفيل، وذلك لأربع وثلاثين سنة مضت من ملك كسرى أنوشيروان([2]).
وذهب إخواننا السنة إلى أن ولادته كانت في الثاني عشر من ربيع الأول، وتابعهم عليه الكليني والشيخ المفيد.
وقد أعلنت الجمهورية الإسلامية هذه الأيام بين تقدير التاريخين أسبوع الوحدة الإسلامية.
وقد ولد النبي(ص) في شِعب أبي طالب أو شِعب بني هاشم في الدار التي اشتراها محمد بن يوسف أخو الحجاج من ورثة عقيل بن أبي طالب، ثم صيرتها الخيزران أم هارون الرشيد مسجداً([3]).
قال المحدث القمي: «قالت آمنة بنت وهب: إن النبي - والله - سقط فاتقى الأرض بيده، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج مني نور أضاء كل شيء، فسمعت في الضوء قائلاً يقول، إنك قد ولدت سيد الناس فسميه محمداً»([4])، وفي (الخرائج) كما عن (البحار): «أنه ولد (ص) مختوناً مقطوع السرة»([5]).
وترافق مع ولادته المباركة حوادث كانت غريبة وعجيبة على قريش والعالم بأسره، منها: انكباب الأصنام جميعاً على وجوهها حول الكعبة، واضطراب إيوان كسرى، وسقوط أربعة عشر شرفة منه، وانخماد نار فارس التي لم تخمد منذ ألف سنة، ولم يبق سرير لملك من ملوك الأرض إلا نكس، وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة([6])، قال أمير المؤمنين(ع): «ولما حل الليل سمع هذا النداء من السماء: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، وأشرقت الدنيا كلها في هذه الليلة، وضحك الحجر والمدر، وسُبح الله في السماوات والأرضين، وبكى إبليس وقال: خير الأمة وأفضل الخلائق، وأكرم العباد وأعظم العالمين؛ محمد»([7]).
عناية الله بنبيه (ص)
فقد النبي(ص) أباه عبد الله بن عبد المطلب وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه، فكان اليتم ملازماً لحياته(ص) فجعل الله تعالى كفالته لجده عبد المطلب الذي كان يهتم به أكثر من سائر بني هاشم، وقد أوصى بكفالته من بعده إلى ابنه أبي طالب الذي كان نعم الناصر والمآزر والمحامي عن النبي(ص) ، فكان (ع) يباشر بنفسه حمايته، وبعد انطلاق النبي(ص) بالدعوة إلى الحق، كان أبو طالب قد جند بني هاشم لحمايته([8]) والذب عنه ونصرته، وهذه العناية الإلهية بالنبي(ص) كان قد بينها القرآن الكريم بقوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىَ)([9]).
من أوصاف النبي (ص)
أن النبي الأكرم(ص) كان قد كرّس جلّ حياته في سبيل دعوة الناس إلى الله تعالى وإلى تعاليمه، دون أن يستعين بأية وسيلة مادية كبيرة أو قوّة عسكرية هائلة.
فما الذي مكّن رسول الله(ص) من إحراز ذلك النجاح الباهر في مجتمع الجاهلية مغرق في القسوة والجفاء، وغلظة الطبع وشكاسة الخلق؟!
كيف طوى خاتم الأنبياء(ص) رحلة قرن ونصف من الزمان في ربع قرن؟ وكيف لم تحتج عملية الهداية المحمدية والتغيير الاجتماعي والفكري العميق إلى زمن طويل؟!
ويأتي الجواب القرآني واضحاً من خلال وصفه تعالى لرسوله الكريم بالخلق العظيم حيث وصف به نبيه تارة على نحو الإجمال، إذ قال عنه: (وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ)([10]).
وتارة بالتفصيل، نسبياً، إذ قال: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ)([11]).
وقوله تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ)([12]).
وفيما يلي باقة عطرة من خُلُق النبي(ص) وأدبه مع نفسه ومع ربه ومع مجتمعه كانت هي سرَّ نجاحه، ورمز خلوده، نقلاً عن ابن عمه الإمام علي بن أبي طالب (ع) يتحدث عن أخلاق رسول الله (ص) .
الإمام علي (ع) يصف النبي(ص)
قال الإمام الحسين بن علي(ع) سألتُ أبي عن رسول الله(ص) ، فقال (ع) :
* كان(ص) دخولُه في نفسه مأذوناً في ذلك.
* فإذا آوى إلى منزله جَزّأ دُخولَه ثلاثة أجزاءٍ جزءاً لله، وجزءاً لأهله وجزءاً لنفسه ثم جزّأ جزءه بينه وبين الناس فيردُّ ذلك بالخاصَّة على العامة، ولا يَدّخر عنهم منه شيئاً.
* وكان(ص) من سيرته في جزء الأمُّة، إيثار أهل الفضل بأدبه، وقسّمه على قَدَر فضلهم في الدين، فمنهم: ذو الحاجة ومنهم ذوالحاجتين، ومنهم ذوالحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغَلهم فيما أصلَحَهم، والأُمّةَ، مِن مسألته عنهم، وبإخبارهم بالذي ينبغي، ويقول: ليبلّغِ الشاهدُ منكم الغائبَ وأبلغوني حاجةَ من لا يقدرُ على إبلاغ حاجته، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجةَ من لا يقدرُ على إبلاغها ثبّت الله قدمَيْه يوم القيامة، لا يُذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحدٍ غيرَه، يدخلون رُوّاداً، ولا يفترقونَ إلاّ عن ذواق ويخرجون أدلّةً.
* كان رسول الله(ص) يخزن لسانه إلاّ عمّا كان يعنيه.
* ويؤلّفهُّم ولا ينفّرهم.
* ويُكرمُ كريمَ كلِّ قوم ويولَّيه عليهم.
* ويحذَرُ الناس ويحترسُ منهم من غيرِ أن يطوي عن أحدٍ بِشره ولا خُلُقه.
* ويتفقَّد أصحابَه.
* ويسأل الناسَ عمّا في الناس.
* ويحسّنُ الحسنَ ويقوّيه.
* ويقبّحُ القبيحَ ويوهنُه.
* معتدلَ الأمر غير مختلف فيه.
* لا يغفَل مخافةَ أن يغفلوا ويميلوا.
* ولا يقصّرُ عن الحقِ ولا يجوِّزُهُ.
* الذين يَلُونه من الناسِ خيارُهم.
* أفضلُهم عنده أعمّهم نصيحةً للمسلمين.
* وأعظمهُم عنده منزلةً أحسنُهم مواساة وموازرة.
* كان(ص) لا يجلس ولا يقومُ إلاّ على ذكرٍ.
* وإذا انتهى إلى قوم، جَلَسَ حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك.
* ويعطي كلَّ جلسائه نصيبَه، ولا يحسب أحدٌ من جلسائه أنَّ أحداً أكرمُ عليه منه.
* مَن جالسَهُ صابره حتى يكونَ هو المنصرف.
* مَن سأله حاجة لم يرجع إلاّ بها، أو ميسورٍ مِنَ القول.
* قد وسع الناسَ منه خُلُقُهُ فصارَ لهم أباً، وصاروا عنده في الخَلق سواء.
* مجلسُه مجلسُ حلمٍ وحياءٍ وصدقٍ وأمانةٍ، لاتُرفَعُ عليه الأصوات، ولا تؤبَنُ فيه الحُرَم، ولا تُثَنى فلتاتُه، مُتعادلين، متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبيرَ، ويَرحمون الصَّغير، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب.
* كان(ص) دائمَ البشْر.
* سَهْلَ الخُلُقِ.
* لَيّنَ الجانب.
* ليس بفِظِّ ولا غليظٍ، ولا ضَحّاكٍ، ولا فحّاشٍ، ولا عَيّابٍ، ولا مَدّاحٍ.
* يتغافلُ عما لا يشتهي، فلا يؤيَس منه، ولا يُخيّبُ فيه مؤمليه.
* قد ترك نفسَه من ثلاث: المراء، والإكثار، ومالايعنيه.
* وترك الناس من ثلاث: كان(ص) لا يذمُّ أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عثراتِه ولا عورته.
* ولا يتكلم إلاّ فيما رُجِي ثوابَه.
* إذا تكلم أطرقَ جُلساؤه كأنَّ(ص) على رؤوسهم الطير، فإذا سكت سكَتوا.
* ولا يتَنازعون عنده الحديث.
* من تكلم أنصَتوا له حتى يفرَغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم.
* يضحكُ ممّا يضحكون منه.
* ويتعجبُ ممّا يتعجَّبون منه.
* ويصبرُ للغريب على الجفوة في مسألته ومنطِقِه، حتى إن كان أصحابه يستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالبَ الحاجة يطلبُها فأرْفِدُوهُ.
* ولا يقبل الثناء إلاّ مِن مكافىء.
* ولا يقطعُ على أحدٍ كلامَهُ حتى يجوز فيقطعُه بنهيٍ أو قيامٍ.
* كان(ص) سكوته على أربع: على الحلمِ، والحذرِ، والتقدير، والتفكير.
فأمّا التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس.
وأمّا تفكّرهُ ففيما يبقى ويفنى.
وجمع له الحلم والصبرَ فكان(ص) لا يغضبهُ شيء ولا يستفزُّه.
وجمع له الحذرَ في أربع: أخذُه بالحَسَن ليقتدى به، وتركُه القبيح ليُنتهى عنه، واجتهادُه الرأيَ في صلاح اُمَّتِه، والقيام فيما جمع له خير الدنيا والآخرة.
(وقال عنه علي بن أبي طالب(ع) أيضاً)
* كان رسول الله(ص) يأكل على الأرض،
* ويجلس جِلسَة العبد،
* ويخصفُ بيدِهِ نَعله،
* ويرقّع ثوبَه،
* ويركبُ الحمارَ العاري،
* ويردفُ خلفه،
* ويكون الستر على بابه فيكون عليه التصاويرُ فيقول: يا فلانة – لإحدى زوجاته – غيِّبيه عنّي، فإنيّ إذا نَظَرْتُ إليه ذكرتُ الدنيا وزخارفها.
فأعرضَ عن الدنيا بقَلبه، وأمات ذكرَها عن نفسه، وأحبَّ أن تغيب زينتها عن عينيه لكيلا يتخذ منها ريشاً، ولا يعتقدها قراراً، ولا يرجو فيها مقاماً، فأخرجها من النفس وأشخصها عن القلب وغيّبها عن البصر([13]).
([3]) الكافي 1: 439، ومروج الذهب 2: 174.
([4]) منتهى الآمال 1: 58، وتاريخ الطبري 2: 156.
([5]) بحار الأنوار 15: 369، والمنتظم 2: 227 – 249.
([7]) بحار الأنوار 15: 574، ومنتهى الآمال 1: 59.
([8]) سيرة ابن هشام 1: 118 – 119.
([11]) سورة آل عمران: الآية 159.
([12]) سورة التوبة: الآية 138.
([13]) ذكر هذا الحديث في الكتب التالية: معاني الاخبار للصدوق، مكارم الأخلاق للطبرسي، إحياء علوم الدين للغزالي، دلائل النبوة لأبي نعيم.
ولادة النبي الأكرم (ص) (17 / ربيع الأول/ عام الفيل)
اتفق المسلمون - إلا من شذّ - على أن ولادته (ص) في عام الفيل في شهر ربيع الأول([1])، ولكنهم اختلفوا في يومه، فذهب المشهور من العلماء إلى أنه في اليوم السابع عشر منه، وقد نقله الأثبات من الأعلام كالمفيد، والطبرسي، وابن طاووس، والمجلسي الأول قال في (البحار): إعلم أنه اتفقت الإمامية - إلا من شذّ منهم - على أن ولادته (ص) كانت في السابع عشر من ربيع الأول عام الفيل، وذلك لأربع وثلاثين سنة مضت من ملك كسرى أنوشيروان([2]).
وذهب إخواننا السنة إلى أن ولادته كانت في الثاني عشر من ربيع الأول، وتابعهم عليه الكليني والشيخ المفيد.
وقد أعلنت الجمهورية الإسلامية هذه الأيام بين تقدير التاريخين أسبوع الوحدة الإسلامية.
وقد ولد النبي(ص) في شِعب أبي طالب أو شِعب بني هاشم في الدار التي اشتراها محمد بن يوسف أخو الحجاج من ورثة عقيل بن أبي طالب، ثم صيرتها الخيزران أم هارون الرشيد مسجداً([3]).
قال المحدث القمي: «قالت آمنة بنت وهب: إن النبي - والله - سقط فاتقى الأرض بيده، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج مني نور أضاء كل شيء، فسمعت في الضوء قائلاً يقول، إنك قد ولدت سيد الناس فسميه محمداً»([4])، وفي (الخرائج) كما عن (البحار): «أنه ولد (ص) مختوناً مقطوع السرة»([5]).
وترافق مع ولادته المباركة حوادث كانت غريبة وعجيبة على قريش والعالم بأسره، منها: انكباب الأصنام جميعاً على وجوهها حول الكعبة، واضطراب إيوان كسرى، وسقوط أربعة عشر شرفة منه، وانخماد نار فارس التي لم تخمد منذ ألف سنة، ولم يبق سرير لملك من ملوك الأرض إلا نكس، وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة([6])، قال أمير المؤمنين(ع): «ولما حل الليل سمع هذا النداء من السماء: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، وأشرقت الدنيا كلها في هذه الليلة، وضحك الحجر والمدر، وسُبح الله في السماوات والأرضين، وبكى إبليس وقال: خير الأمة وأفضل الخلائق، وأكرم العباد وأعظم العالمين؛ محمد»([7]).
عناية الله بنبيه (ص)
فقد النبي(ص) أباه عبد الله بن عبد المطلب وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه، فكان اليتم ملازماً لحياته(ص) فجعل الله تعالى كفالته لجده عبد المطلب الذي كان يهتم به أكثر من سائر بني هاشم، وقد أوصى بكفالته من بعده إلى ابنه أبي طالب الذي كان نعم الناصر والمآزر والمحامي عن النبي(ص) ، فكان (ع) يباشر بنفسه حمايته، وبعد انطلاق النبي(ص) بالدعوة إلى الحق، كان أبو طالب قد جند بني هاشم لحمايته([8]) والذب عنه ونصرته، وهذه العناية الإلهية بالنبي(ص) كان قد بينها القرآن الكريم بقوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىَ)([9]).
من أوصاف النبي (ص)
أن النبي الأكرم(ص) كان قد كرّس جلّ حياته في سبيل دعوة الناس إلى الله تعالى وإلى تعاليمه، دون أن يستعين بأية وسيلة مادية كبيرة أو قوّة عسكرية هائلة.
فما الذي مكّن رسول الله(ص) من إحراز ذلك النجاح الباهر في مجتمع الجاهلية مغرق في القسوة والجفاء، وغلظة الطبع وشكاسة الخلق؟!
كيف طوى خاتم الأنبياء(ص) رحلة قرن ونصف من الزمان في ربع قرن؟ وكيف لم تحتج عملية الهداية المحمدية والتغيير الاجتماعي والفكري العميق إلى زمن طويل؟!
ويأتي الجواب القرآني واضحاً من خلال وصفه تعالى لرسوله الكريم بالخلق العظيم حيث وصف به نبيه تارة على نحو الإجمال، إذ قال عنه: (وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ)([10]).
وتارة بالتفصيل، نسبياً، إذ قال: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ)([11]).
وقوله تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ)([12]).
وفيما يلي باقة عطرة من خُلُق النبي(ص) وأدبه مع نفسه ومع ربه ومع مجتمعه كانت هي سرَّ نجاحه، ورمز خلوده، نقلاً عن ابن عمه الإمام علي بن أبي طالب (ع) يتحدث عن أخلاق رسول الله (ص) .
الإمام علي (ع) يصف النبي(ص)
قال الإمام الحسين بن علي(ع) سألتُ أبي عن رسول الله(ص) ، فقال (ع) :
* كان(ص) دخولُه في نفسه مأذوناً في ذلك.
* فإذا آوى إلى منزله جَزّأ دُخولَه ثلاثة أجزاءٍ جزءاً لله، وجزءاً لأهله وجزءاً لنفسه ثم جزّأ جزءه بينه وبين الناس فيردُّ ذلك بالخاصَّة على العامة، ولا يَدّخر عنهم منه شيئاً.
* وكان(ص) من سيرته في جزء الأمُّة، إيثار أهل الفضل بأدبه، وقسّمه على قَدَر فضلهم في الدين، فمنهم: ذو الحاجة ومنهم ذوالحاجتين، ومنهم ذوالحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغَلهم فيما أصلَحَهم، والأُمّةَ، مِن مسألته عنهم، وبإخبارهم بالذي ينبغي، ويقول: ليبلّغِ الشاهدُ منكم الغائبَ وأبلغوني حاجةَ من لا يقدرُ على إبلاغ حاجته، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجةَ من لا يقدرُ على إبلاغها ثبّت الله قدمَيْه يوم القيامة، لا يُذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحدٍ غيرَه، يدخلون رُوّاداً، ولا يفترقونَ إلاّ عن ذواق ويخرجون أدلّةً.
* كان رسول الله(ص) يخزن لسانه إلاّ عمّا كان يعنيه.
* ويؤلّفهُّم ولا ينفّرهم.
* ويُكرمُ كريمَ كلِّ قوم ويولَّيه عليهم.
* ويحذَرُ الناس ويحترسُ منهم من غيرِ أن يطوي عن أحدٍ بِشره ولا خُلُقه.
* ويتفقَّد أصحابَه.
* ويسأل الناسَ عمّا في الناس.
* ويحسّنُ الحسنَ ويقوّيه.
* ويقبّحُ القبيحَ ويوهنُه.
* معتدلَ الأمر غير مختلف فيه.
* لا يغفَل مخافةَ أن يغفلوا ويميلوا.
* ولا يقصّرُ عن الحقِ ولا يجوِّزُهُ.
* الذين يَلُونه من الناسِ خيارُهم.
* أفضلُهم عنده أعمّهم نصيحةً للمسلمين.
* وأعظمهُم عنده منزلةً أحسنُهم مواساة وموازرة.
* كان(ص) لا يجلس ولا يقومُ إلاّ على ذكرٍ.
* وإذا انتهى إلى قوم، جَلَسَ حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك.
* ويعطي كلَّ جلسائه نصيبَه، ولا يحسب أحدٌ من جلسائه أنَّ أحداً أكرمُ عليه منه.
* مَن جالسَهُ صابره حتى يكونَ هو المنصرف.
* مَن سأله حاجة لم يرجع إلاّ بها، أو ميسورٍ مِنَ القول.
* قد وسع الناسَ منه خُلُقُهُ فصارَ لهم أباً، وصاروا عنده في الخَلق سواء.
* مجلسُه مجلسُ حلمٍ وحياءٍ وصدقٍ وأمانةٍ، لاتُرفَعُ عليه الأصوات، ولا تؤبَنُ فيه الحُرَم، ولا تُثَنى فلتاتُه، مُتعادلين، متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبيرَ، ويَرحمون الصَّغير، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب.
* كان(ص) دائمَ البشْر.
* سَهْلَ الخُلُقِ.
* لَيّنَ الجانب.
* ليس بفِظِّ ولا غليظٍ، ولا ضَحّاكٍ، ولا فحّاشٍ، ولا عَيّابٍ، ولا مَدّاحٍ.
* يتغافلُ عما لا يشتهي، فلا يؤيَس منه، ولا يُخيّبُ فيه مؤمليه.
* قد ترك نفسَه من ثلاث: المراء، والإكثار، ومالايعنيه.
* وترك الناس من ثلاث: كان(ص) لا يذمُّ أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عثراتِه ولا عورته.
* ولا يتكلم إلاّ فيما رُجِي ثوابَه.
* إذا تكلم أطرقَ جُلساؤه كأنَّ(ص) على رؤوسهم الطير، فإذا سكت سكَتوا.
* ولا يتَنازعون عنده الحديث.
* من تكلم أنصَتوا له حتى يفرَغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم.
* يضحكُ ممّا يضحكون منه.
* ويتعجبُ ممّا يتعجَّبون منه.
* ويصبرُ للغريب على الجفوة في مسألته ومنطِقِه، حتى إن كان أصحابه يستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالبَ الحاجة يطلبُها فأرْفِدُوهُ.
* ولا يقبل الثناء إلاّ مِن مكافىء.
* ولا يقطعُ على أحدٍ كلامَهُ حتى يجوز فيقطعُه بنهيٍ أو قيامٍ.
* كان(ص) سكوته على أربع: على الحلمِ، والحذرِ، والتقدير، والتفكير.
فأمّا التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس.
وأمّا تفكّرهُ ففيما يبقى ويفنى.
وجمع له الحلم والصبرَ فكان(ص) لا يغضبهُ شيء ولا يستفزُّه.
وجمع له الحذرَ في أربع: أخذُه بالحَسَن ليقتدى به، وتركُه القبيح ليُنتهى عنه، واجتهادُه الرأيَ في صلاح اُمَّتِه، والقيام فيما جمع له خير الدنيا والآخرة.
(وقال عنه علي بن أبي طالب(ع) أيضاً)
* كان رسول الله(ص) يأكل على الأرض،
* ويجلس جِلسَة العبد،
* ويخصفُ بيدِهِ نَعله،
* ويرقّع ثوبَه،
* ويركبُ الحمارَ العاري،
* ويردفُ خلفه،
* ويكون الستر على بابه فيكون عليه التصاويرُ فيقول: يا فلانة – لإحدى زوجاته – غيِّبيه عنّي، فإنيّ إذا نَظَرْتُ إليه ذكرتُ الدنيا وزخارفها.
فأعرضَ عن الدنيا بقَلبه، وأمات ذكرَها عن نفسه، وأحبَّ أن تغيب زينتها عن عينيه لكيلا يتخذ منها ريشاً، ولا يعتقدها قراراً، ولا يرجو فيها مقاماً، فأخرجها من النفس وأشخصها عن القلب وغيّبها عن البصر([13]).
([3]) الكافي 1: 439، ومروج الذهب 2: 174.
([4]) منتهى الآمال 1: 58، وتاريخ الطبري 2: 156.
([5]) بحار الأنوار 15: 369، والمنتظم 2: 227 – 249.
([7]) بحار الأنوار 15: 574، ومنتهى الآمال 1: 59.
([8]) سيرة ابن هشام 1: 118 – 119.
([11]) سورة آل عمران: الآية 159.
([12]) سورة التوبة: الآية 138.
([13]) ذكر هذا الحديث في الكتب التالية: معاني الاخبار للصدوق، مكارم الأخلاق للطبرسي، إحياء علوم الدين للغزالي، دلائل النبوة لأبي نعيم.
دخول النبي (ص) المدينة المنورة (15 / ربيع الأول / السنة 13 للبعثة)
المدينة تهبّ لقدوم النبي(ص)
لقد خرج النبي (ص) مهاجراً من مكة المكرمة في الأول من ربيع الأول السنة 13 للبعثة وقد وصل إلى منطقه قباء من ضواحي يثرب في 12 من ربيع الأول من تلك السنة وانتظر ابن عمه والذين معه من الفواطم والأصحاب ولم يدخل المدينة، إلى أن التحقوا به (ص) في 15 من ربيع الأول ودخلوا معه إلى مدينة يثرب التي سميت بعد ذلك بمدنية الرسول(ص) ، واشتهرت بالمدينة المنورة إلى يومنا هذا.
وكان اليوم الذي دخل فيه رسول الله(ص) يوماً عظيماً مشهوداً، فكم ترى ستكون عظيمة فرحة الذين آمنوا برسول الله(ص) منذ ثلاث سنين، وظلوا طوال هذه الأعوام يبعثون برسلهم ووكلائهم إليه، ويذكرون اسمه المقدّس، ويصلّون عليه في صلواتهم كل يوم، إذا سمعوا أن قائدهم ذلك الذي طال انتظارهم له، واشتد تشوقهم إليه قد حان لقاؤهم به، وقدومه عليهم.
حطّ قدمه على تراب يثرب استقبله الناس رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، استقبالاً عظيماً مهيباً، ورحّبوا به أعظم ترحيب. وكان في مقدمة المستقبلين أصحاب بيعة العقبة الثانية، وهم سبعون رجلاً وكذلك المهاجرون وفي مقدمتهم مصعب بن عمير.
وكانت بنو عمرو بن عوف قد اجتمعت عنده، وأصرّت عليه بأن ينزل في قباء، وقالوا له: أقم عندنا يا رسول الله، فإنا أهل الجد والجلد والحلقة (أي السلاح) والمنعة، ولكن رسول الله(ص) لم يقبل.
وبلغ الأوس والخزرج خروج رسول الله(ص) ، وقرب نزوله المدينة قلبوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته لا يمرّ بحيّ من أحياء الأنصار إلاّ وثبوا في وجهه، وأخذوا بزمام ناقته، وأصروا عليه أن ينزل عليهم، ورسول الله(ص) يقول: خلّوا سبيل الناقة فإنها مأمورة.
وأخيراً لما انتهت ناقته إلى أرض واسعة كانت ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت على باب أبي أيوب (خالد بن زيد الأنصاري) الذي كان على مقربة من تلك الأرض، فاغتنمت زوجة أبي أيوب الفرصة فبادرت إلى رحل رسول الله(ص) فحلّته وأدخلته منزلها، بينما اجتمع عليه الناس يسألونه أن ينزل عليهم، فلما أكثروا عليه، وتنازعوا في أخذه، قال (ص) : «أين الرحل؟» فقالوا: أم أيوب قد أدخلته في بيتها([1])، فقال (ص) : «المرء مع رحله»، وكان أبو أيوب أفقر أهل المدينة، وبقي النبي(ص) عنده حتى بُني مسجده.
دخول الإمام علي بن أبي طالب (ع) إلى المدينة المنورة (15 / ربيع الأول / السنة 13 للبعثة)
لما وصل النبي(ص) في هجرته من مكة إلى قرية قباء من ضواحي يثرب وكان ذلك في 12 من ربيع الأول أقام فيها عدة أيام منتظراً قدوم ابن عمه وأخيه علي بن أبي طالب(ع) بركب الفواطم، وكان قد ألحّ أبو بكر عليه لكي يدخل المدينة في ليلته إلاّ أن النبي(ص) قال له: «ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمي وأخي وابنتي»، يعني علياً وفاطمة(عليهما السلام)، ([1]). فلما أمسى فارقه أبو بكر، ودخل المدينة، ونزل على بعض الأنصار، وبقي النبي(ص) في قباء نازلاً على كلثوم ابن الهدم([2])، ينتظر قدوم ابن عمه من مكة المكرمة ليدخلوا مدينة يثرب معاً.
وقد خرج الإمام علي بن أبي طالب (ع) من مكة المكرمة، بعد خروج النبي بثلاثة أيام بعدما نفَّذ وصايا النبي (ص) وكان معه من ضعفاء المؤمنين، وأمرهم أن يتسللوا ويتخفّوا تحت جنح الليل إلى ذي طوى، وخرج (ع) بالفواطم، وتبعهم أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله(ص) وأبو واقد، فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فأمره (ع) بالرفق فاعتذر بخوفه من الطلب، فقال أمير المؤمنين(ع) : «أربع عليك، فإن رسول الله(ص) قال لي: يا علي أما إنهم لن يصلوا من الآن إليك بأمر تكرهه»([3]).
وأدركه الطلب قرب ضجنان، وهم سبع فوارس متلثمون، وثامنهم مولى للحارث بن أمية يدعى جناحاً، فأنزل علي(ع) النسوة، وأقبل على القوم منتضياً السيف، فأمروه بالرجوع، فقال: فإن لم أفعل؟ قالوا: لترجعن راغماً، أو لنرجعن بأكثرك شعراً، وأهون بك من هالك.
ودنا الفوارس من المطايا ليثوّروها، فحال علي(ع) بينهم وبينها فأهوى جناح بسيفه، فراغ علي(ع) عن ضربته، وتختله علي(ع) فضربه على عاتقه فأسرع السيف مضياً فيه، حتى مس كاثبة فرسه، ثم شد عليهم بسيفه فتصدع القوم عنه، وقالوا: أغن عنا نفسك يا ابن أبي طالب، قال (ع) : فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله بيثرب، فمن سره أن أفري لحمه، وأهريق دمه فليتبعني، أو فليدن مني، ثم أقبل على صاحبيه، فقال لهما: أطلقا مطاياكما.
ثم سار فنزل ضجنان، فتلوم بها قدر يومه وليلته، ولحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين، فعبدوا الله تلك الليلة قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم حتى طلع الفجر، فصلى بهم علي(ع) صلاة الفجر، ثم سار بهم، فجعلوا يصنعون ذلك في كل منزل حتى قدم قباء.
ولما بلغ النبي(ص) قدوم علي، قال: ادعوا لي علياً، قيل: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي(ص) ، فلما رآه اعتنقه، وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دماً، فقال (ص) : «يا علي، أنت أول هذه الأمة إيماناً بالله ورسوله، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهداً برسوله، لا يحبك والذي نفسي بيده إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان ولا يبغضك إلا منافق أو كافر»([4]).
ثم بعد ذلك دخل النبي(ص) والإمام علي(ع) ومن معه إلى المدينة.
يقول المقريزي: قدم رسول الله(ص) قباء في الثاني عشر من ربيع الأول، والتحق به علي(ع) في منتصف ذلك الشهر نفسه([5])، ويؤيد هذا القول ما ذكره الطبري في (تاريخه) إذ كتب يقول: أقام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله(ص) الودائع التي كانت عنده إلى الناس([6]).
([1]) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص) : 4: 88 – 89.
([3]) هذه الكلمة قالها النبي له بعد خروجه من الغار لا عند مبيته في الفراش كما توهمه ابن تيمية.
([4]) راجع تفاصيل هذه القصة: أمالي الطوسي 2: 83 – 86، وبحار الأنوار 19: 64 – 67، وتفسير البرهان 1: 332 – 333، نقلاً عن الشيباني في نهج البيان، وعن الشيخ المفيد في الاختصاص، ورواها ابن شهر آشوب في المناقب 1: 183 – 184، وإعلام الورى: 190، وإمتاع الإسماع للمقريزي 1: 48، وذكره ابن الأثير في الكامل في التاريخ 2: 106.
([6]) تاريخ الطبري 2: 382، نقلاً عن كتاب سيد المرسلين 1: 619.
بناء مسجد قباء أول مسجد في الإسلام (12 / ربيع الأول / السنة 13 للبعثة)
(لّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التّقْوَىَ مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ أَحَقّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أَن يَتَطَهّرُواْ وَاللهُ يُحِبّ الْمُطّهّرِينَ)([1])، وقد ورد في الأحاديث أن الصلاة فيه تعدل عمرة مفردة.
وصل النبي(ص) بعد خروجه من الغار إلى قرية قباء([2]) الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول، ونزل وصاحبه على كلثوم بن الهدم، وهو شيخ من بني عمرو، وقد خط رسول الله(ص) مسجداً لقبيلته بني عمرو بن عوف، ونصب لهم قبلته([3])، وكان أول مسجد بني في الإسلام، وقد عبّر عنه القرآن بأنه المسجد الذي أسس على التقوى.
مكانة المسجد في الإسلام
إن للمساجد مكانة عالية ومرموقة في الإسلام، وقد جعلها الله تعالى بيوته في الأرض، فعن رسول الله(ص) أنه قال: «مكتوب في التوراة، أن بيوتي في الأرض المساجد، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، ألا إن على المزور كرامة الزائر، ألا بشّر المشائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة»([4]).
وعن الإمام جعفر الصادق(ع) أنه قال: «عليكم بإتيان المساجد، فإنها بيوت الله في الأرض، ومن أتاها متطهراً طهره الله من ذنوبه، وكتب من زواره، فاكثروا فيها من الصلاة والدعاء»([5]).
وقد اعتبر الإسلام المساجد مراكز للمسلمين، فمنها يستفيدون علوم دينهم، ويحيون نفوسهم، ويتأدبون بآداب نبيهم، فعن علي(ع) قال: «من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: أخاً مستفاداً في الله، أو علماً مستظرفاً، أو آية محكمة، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ترده عن ردى، أو يسمع كلمة تدله على هدى، أو يترك ذنباً خشية أو حياء»([6]).
وعن رسول الله(ص) أنه قال: «لا يرجع صاحب المسجد بأقل من إحدى ثلاث: إما دعاء يدعو به يدخله الله به الجنة، وإما دعاء يدعو به ليصرف الله به عنه بلاء الدنيا، وإما أخ يستفيده في الله عز وجل»([7]).
الآداب المعنوية للمساجد:
قد جعل الإسلام لبيوت الله في الأرض آداباً قلبية وروحية ونفيسة، ينبغي على زائرها الالتفات إليها، وفيما يلي حديث للإمام الصادق(ع) قد جمع فيه جملة من هذه الآداب فقال (ع): «إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت باب بيت ملك عظيم، لا يطأ بساطته إلا المطهّرون، ولا يؤذن بمجالسة مجلسه إلاّ الصدّيقون، وَهَبَ القدوم إلى بساط خدمة الملك، فإنك على خطر عظيم، إن غفلت هيبة الملك، واعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك.
واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه، فإنك قد توجهت للعبادة له، والمؤانسة واعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنه لا تخفي عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم، وكن كأفقر عباده بين يديه، وأخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك، فإنه لا يقبل إلاّ الأطهر والأخلص»([8]).
الآداب السلوكية للمساجد
كما جعل الإسلام آداباً معنوية للمساجد، جعل لها أيضاً آداباً عملية سلوكية، وهي كما يلي:
الأول: أن يتطهر زائرها في بيته ثم يأتيها، فعن النبي(ص) أنه مكتوب في التوراة: «أن بيوتي في الأرض المساجد، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي»([9]).
الثاني: صلاة ركعتين تحية المسجد، فقد ورد عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: «لا تجعلوا المساجد طرقاً حتى تصلّوا فيها ركعتين»([10]).
الثالث: التطيّب والتنظّف لدخولها، قال تعالى: (خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ)([11]).
الرابع: أن لا يصلي جار المسجد إلا في المسجد، فعن علي بن أبي طالب(ع) أنه قال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، إلا أن يكون له عذر أو به علة»، فقيل: ومن جار المسجد يا أمير المؤمنين؟ قال (ع) : «من سمع النداء»([12]).
الخامس: إعمارها بالصلاة والذكر والدعاء، قال تعالى: (إِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَىَ الزّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللهَ فَعَسَىَ أُوْلَـَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ)([13]).
السادس: ترك ما لا ينفع من الأفعال والأقوال، والتحدث بحديث الدنيا والبيع والشراء ورفع الأصوات، فقد سأل أبو ذر رسول الله(ص) عن كيفية عمارة المساجد،
فقال (ص) : «لا ترفع فيها الأصوات، ولا يخاض فيها بالباطل، ولا يشترى فيها ولا يُباع، واترك اللغو ما دمت فيها، فإن لم تفعل فلا تلومنّ يوم القيامة إلا نفسك»([14]).
وعنه (ص) أنه قال: «كل جلوس في المسجد لغو إلا ثلاثة: قراءة مصلّ، أو ذكر الله، أو سائل عن علم»([15]).
([2]) تقع قرية قباء على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، وكانت مساكن بني عمرو بن عوف.
([3]) تاريخ الخميس 1: 333، بل نقل قوياً: أن المسجد بناه عمار قبل وصول الرسول (ص) (موسوعة التاريخ الإسلامي: ج3).
([6]) أمالي الصدوق: 1/31 ح 16.
([8]) مصباح الشريعة المنسوب إلى الإمام الصادق (ع) .
([9]) بحار الأنوار 83: 373 ح37.
([11]) سورة الأعراف: الآية 31.
([12]) بحار الأنوار 83: 354 ح7.
زواج النبي (ص) بالسيدة خديجة (10 / ربيع الأول / السنة 15 قبل البعثة)
لما تاجر رسول الله(ص) مضاربة في أموال خديجة، وخرج بقوافلها إلى الشام رجع وفير الربح سريع القدوم، فأخذ - ميسرة - خادمها يخبرها عما رآه بعينه من كرامة محمد ونبله وخلقه وسموه، ولأجل ما كانت تعرفه عنه وما شاع في الأوساط من أخلاقه في قومه رغبت في الزواج منه. قال ابن هشام في (سيرته): «فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله(ص) فقالت له: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك ووسطتك (عراقتك) في قومك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت نفسها عليه»([1]).
رجع النبي(ص) إلى أعمامه وأخبرهم بذلك، وطلب منهم أن يخطبوها له، فخرج جمع من بني هاشم يرأسهم أبو طالب إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وقيل: إلى عمها عمرو ابن أسد ليخطبوا خديجة لمحمد(ص) ، فلما استقرّ بهم المقام قام أبو طالب وقال: «الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل، وأنزلنا حرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه..
ثم إن ابن أخي هذا من لا يوزن برجل من قريش إلاّ رجح به، ولا يقاس به رجل إلاّ عظم عنه، ولا عدل له في الخلق، وإن كان مقلاً في المال؛ فإن المال رفد جار وظل زائل، وله في خديجة رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليه برضاها وأمرها، والمهر عليّ في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله، وله ورب هذا البيت حظ عظيم ودين شائع ورأي كامل»([2]).
قال القمي: «فلم يسعف عمها الرد فغالبت خديجة حياءها وقالت بلسان فصيح: أي عم، إنك وإن كنت الأولى بالكلام في هذا المقام غير أني بما أختاره الأولى، فقد زوجت نفسي منك يا محمد، وأما مهري فهو من مالي»([3]).
فقال أبو طالب: أيها الناس اشهدوا أن خديجة زوجت نفسها من محمد(ص) ، وأنها ضمنت مهرها، فقال بعضهم: عجباً أن تضمن النساء مهورهنّ للرجال!
فانتفض أبو طالب غاضباً وقال: لو كان الأزواج مثل ابن أخي لطلبتهم النساء بأغلى القيم، وأغلى المهور، ولو كان مثلكم لطلبن منهم مهراً غالياً([4]).
ثم إن أبا طالب(ع) نحر جزوراً لوليمة الزواج، وتم زفاف درة الأنبياء على جوهرة النساء، وأنشد عبد الله بن غنم، فقال:
|
هنيئاً مريئاً يا خديجة قد جرت |
|
لك الـطير فما كـان منك بأسعد |
إضاءة من سيرة السيدة خديجة(عليها السلام)
كان عمر خديجة عند زواجها بالرسول(ص) على القول المشهور أربعين سنة([5]).
وكان عمر النبي(ص) عندما بنى بخديجة خمساً وعشرين سنة. وكانت خديجة آنذاك عذراء لم تتزوج كما يذكر ذلك السيد جعفر مرتضى العاملي المؤرخ المعاصر في كتابه (الصحيح من السيرة) استناداً ما روى عن أحمد البلاذري وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما والسيد المرتضى في كتابه الشافي.
فقال السيد جعفر مرتضى: Sخديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، كانت تعرف في قومها بـ(سيدة قريش) و(الطاهرة)، فقد كانت ذات حسب وشرف ومال وحزم، وكان رجال قومها حريصين على الزواج بها لو يقدرون، وقد خطبها عظماء قريش، وبذلوا لها الأموال ولم ترض.
وقد كانت جميلة الخلقة، وكريمة الصفات، يعرف الكل سجاياها وكرم خلقها، ومنزلتها في قومها، وكان لها قوافل تجارية تجوب ما حول مكة من البلاد، وكان الكل يرغب في الاتجار معها.
نعم هكذا كانت خديجة، ولما لم تجد من أوصاف النبي السامية في غيره عرضت عليه الزواج بها، فيا للعجب، خديجة ترفض العظماء - بلحاظ الحكم الجاهلي - رغم ما يقدمون من المهور الغالية، وتقبل بالنبي(ص) وتضمن له مهرها من مالها، بل تهبه كل ما تملك وتضعه تحت تصرفه، كل ذلك لما وجدته فيه من صفات كانت غريبة جداً في مجتمع متردي الأطراف، وكذلك قبل النبي بها لا لشيء سوى سموها وحسن خلقها وطهارتها في قومها، وما كان المال يهمه، ولذا أنفقه بعد البعثة في نشر الإسلام.
وفاة عبد المطلب جد النبي (ص) (12/ ربيع الأول/ السنة 8 من ولادته)([1])
إضاءة من حياة عبد المطلب
هو عبد المطلب بن هاشم سيد مكة وزعيمها، وإليه ترجع الوفادة والسقاية، وكان القوم يرجعون إليه في الحل والعقد، وكان يوحّد الله، ويرفض عبادة الأصنام([2])، وكان يوصي ولده بصلة الأرحام وإطعام الطعام، ويرغّبهم ويرهّبهم فعل من يرقب معاداً وبعثاً ونشوراً([3])، وكان يأمرهم بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيّات الأمور، وكان يقول في وصاياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى يُنتقم منه، وتصيبه عقوبة، وقد هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك ففكر، فقال: والله إن وراء هذه الدار داراً يُجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب فيها المسيء بإساءته([4]).
وقد بلغ من العظمة مبلغاً حتى كانت تأتيه الهدايا والتحف من أقصى البلاد والأمصار، وكان كلما أصيب العرب بداهية أخذوه إلى جبل ثبير، ودعوا الله بجاهه وشرفه كي يكشف عنهم البلاء، وكانوا يذبحون القرابين لأجله([5]).
ولم يكن يُعدل به أحد في شرافته وعظيم خطره، وكان لا يقرب من المقامرة، ولم يعبد صنماً، ولم يأكل لحم ذبيحة قدمت لصنم، وكان يقول: إني على دين أبي إبراهيم([6]). وكان إذا أهّل رمضان دخل حراء فبقي فيه طول الشهر، وكان يطعم المساكين، ويعظّم الظلم، ويكثر الطواف بالبيت([7]).
وقد سنّ سنناً سنّها رسول الله(ص) بعد ذلك في الإسلام ونزل بها القرآن الكريم، وهي الوفاء بالنذور، وجعل مئة من الإبل في دية القتل، وأن لا تُنكح المحارم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة، والمباهلة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحد عليه، والقرعة، وأن لا يطوف أحد بالبيت عرياناً، وإقراء الضيف، وأن لا ينفقوا إذا حجوا إلاّ من طيب أموالهم، وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذوات الرايات، فكانت قريش تقول عبد المطلب هو إبراهيم الثاني([8]).
وأضافت بعض الأخبار إلى ما سنّه: تحديد الطواف بسبعة أشواط بعد أن كان يطوف الزائر ما بدا له، وإخراج خمس الغنائم، وتسمية زمزم (سقاية الحاج)([9]).
وكان عبد المطلب يبحث وينقب عن بئر زمزم مدة من الزمن، حتى عثر عليها، فأخرج الحجر الأسود، والغزالين الذهبيين، وأسيافاً وأدرعاً([10])، وقد نازعه قومه فيها قائلين: إنها كانت لأجدادنا. فقال عبد المطلب: الأفضل أن نقرعها بيننا. فقسم الأشياء قسمين، وضرب عليها السهام بينه وبين البيت وبين قريش، فكانت الغزالتان الذهبيتان للبيت، والسيوف والدروع لعبد المطلب، ثم باع عبد المطلب السيوف والأدرع، واشترى بثمنها باباً للبيت([11]).
وأيضاً حسده قومه على ماء زمزم، وقالوا: إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إنّ هذا الأمر قد خُصّصت به دونكم وأُعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، فأظهر الله تعالى حق عبد المطلب في ذلك الخصام([12]).
فلما رأى من العنت الذي أصابه من قريش في حفر بئر زمزم، نذر لله إن ولد له عشرة ذكور أن يذبح واحداً منهم قرباناً لله تعالى، فلما أراد الوفاء به أخبر أولاده العشرة بالأمر فانصاع الجميع لإرادته، وكل واحد يقدم نفسه على أخيه تلبية لوالده، غير أنّ عبد المطلب أوكل أمر تشخيص الذبيح إلى القرعة، فخرجت على عبد الله، فأخذ بولده والشفرة أمام البيت وتلّه ليذبحه، إلا أن القوم حالوا دون تحقق ذلك، وألحّوا على عبد المطلب أن يعذر فيه أمام ربه، فاقترحوا أن يخرجوا إلى العرّافة ليعرفوهم كيف العذر، فسألتهم العرّافة: كم دية الرجل الحر عندكم؟ فأجابوا: عشرة من الإبل، فقالت: اقرعوا بينه وبين العشرة، فإذا خرجت على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة حتى يرضى ربكم. ففعلوا حتى إذا بلغت الإبل المئة خرجت القرعة عليها دونه، فتصايح القوم فرحين: قد انتهى رضى ربك يا عبد المطلب، فقال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاثاً، فتثبت بعدها من صواب ما فعل. ثم أمر بالإبل فنحرت، ونجى عبد الله، ولذلك كان يقول النبي(ص) : Sأنا ابن الذبيحينR، ويعني إسماعيل(ع) وعبد الله([13]).
ولما توفي عبد المطلب أعظمت قريش موته، وغسّلوه بالماء والسدر، ولفوّه في حلّة من حلل اليمن، وطرح عليه المسك، وحمل على أيدي الرجال، إعظاماً وإكراماً وإكباراً لتغييبه في التراب([14]).
ودفن في مقبرة الحجون، وقد خرج في حقه عن النبي(ص) والأئمة(ع) ثناءً بليغاً، فعن النبي(ص) أنه قال: «إن الله يبعث جدي عبد المطلب أمّةً وحده، في هيئة الأنبياء وزيّ الملوك»([15]).
قصة النذر ومشروعيتها:
قد يقال: إنه لا يحق لأحد التصرف في حياة الآخرين، فكيف بمن نذر أن يذبح إنساناً، ويصّر على الوفاء به؟!، وهل أن ديانات السماء شرّعت مثل هذا النذر، وأوجبت الوفاء به؟!، وهل فعلاً نقل لنا التاريخ حادثة أخرى من هذا القبيل؟
هذه التساؤلات وغيرها قد تأخذ بالبعض إلى أن عبد المطلب لم يكن موحّداً، ولا مؤمناً، وإلا فكيف ينذر ما يخالف الإيمان والتوحيد.
وقد تقدم ما يدلّ على إيمانه وتوحيده، مما نقله كبار المؤرخين، من دون مدافع من أحد، بل ما نقلناه يكشف عن أن إيمان عبد المطلب كان واعياً، حركياً حيث كان يأمر الآخرين بما يعتقد به.
وأما قضية نذر وذبح أحد أولاده لله لعل الأقرب أن مثل هذه التضحية كان معروفاً ومشروعاً، وذلك:
أولاً: لأنه قد تعلق به الوحي في قصة إبراهيم وابنه إسماعيل(عليهما السلام)، ([16]).
ثانياً: لقد نذرت امرأة عمران ما في بطنها لخدمة بيت الله، وهذا أيضاً تصرف في حياة الولد([17])، وهي أيضاص إمرأة طاهرة مطهرة وموحدة.
ثالثاً: أنه إن كانت العرّافة مؤمنة بالله، فلما لم تعترض على عبد المطلب في نذره وتقول له: هذا النذر غير مشروع ولا يجب الوفاء به، بل على العكس نجدها أقرت نذره وقدمت له طريقة الإعذار مع ربه. وإن لم تكن مؤمنة، فلا يمكن لعبد المطلب المؤمن بالله أن يطلب العذر لربه من كافر أو مشرك، بل قام بهذا العذر من تفكيره وعقله، فقد روي أنه لم يقدر أن يذبحه ورسول الله في صلبه، فجاء بعشر من الإبل ساهم عليها وعلى عبد الله...([18]).
وفي بعضها أن ابنته عاتكة من أشارت عليه بذلك([19]).
فعلى كل حال ليس ببعيد مشروعية مثل هذا النذر في الشرايع السابقة، وإن كانت محرّمة في شريعتنا، كما كانت التوبة في شريعة موسى - لفترة من الزمان - القتل([20])، وهو محرم في شريعتنا، وكان إذا أصاب أحداً من بني إسرائيل البول، طهره بقرضه بالمقاريض، وقد وسّع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض وجعل الماء طهوراً([21]).
وأما قضية الأسماء فلا تعدو أن تكون تسمية لا يروم من ورائها بشيء، فلقد تعارف كثيراً تسمية عبد العزى وعبد مناف فعبد مناف مثلاً كان اسماً لأحد أجداد عبد المطلب، كما كان اسماً لجد آمنة أم النبي(ص) وهكذا..
([1]) منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل 1: 109.
([2]) تاريخ اليعقوبي 2: 10 – 11.
([3]) مروج الذهب 2: 103 و108، والسيرة الحلبية 1: 4، وتاريخ الخميس 1: 237.
([4]) الملل والنحل للشهرستاني 2: 75.
([6]) الكامل في التاريخ 1: 616.
([7]) السيرة النبوية لابن هشام 1: 142، وتاريخ الطبري 2: 251، والمنتظم 2: 207.
([8]) تاريخ اليعقوبي 2: 10 – 11، والخصال للصدوق: 312.
([9]) تاريخ اليعقوبي 2: 10 – 11.
([10]) كان سبب دفن هذه في البئر، أن عمرو بن الحارث الجرهمي سيد الجراهمة كان في مكة منذ عهد قصي، فحاربه حليل بن حبسية وغلبه وأمره بالخروج من مكة، فغضب عمرو لذلك، وصمم على = = الخروج، ولكنه قبل خروجه نزع الحجر الأسود من الركن وأخذ الغزالين اللذين وهبهما اسفنديار بن جشتاسب إلى البيت وأسيافاً قلعية وأدرعاً، فقذفها في بئر زمزم، ثم ملأه بالتراب، وهرب مع قبيلته إلى اليمن. منتهى الآمال 1: 52.
([11]) منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل 1: 52 – 53.
([12]) شرح النهج لابن أبي الحديد 15: 224.
([13]) تاريخ الطبري 2: 240 – 243، والكامل في التاريخ 1: 608 – 611.
([14]) موسوعة التاريخ الإسلامي 1: 288، نقلاً عن اليعقوبي 2: 13.
([15]) أصول الكافي 1: 446 – 447، وتاريخ اليعقوبي 2: 13.
([16]) سورة الصافات: الآية 102.




























