Super User

Super User

لقد سرّ يزيد قتل الحسين(ع) ومن معه وسبي حرم رسول الله(ص) ([1])، وظهر عليه السرور في مجلسه، فلم يبال بإلحاده وكفره، حين تمثل بشعر ابن الزبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

 

جزع الخزرج من وقع الأسل

حتى قال:

لعبت هاشم بالملك فلا

 

خبر جاء ولا وحي نزل

ولم يدم سرور يزيد طويلاً ولا سيما بعدما أحدثته خطبة السيدة العظيمة زينب وخطبة الإمام السجاد(ع) ، من أثر عظيم بين الناس بما وضحته من الحقائق التي سعى يزيد إلى إخفائها فعاب عليه خاصته وأهل بيته ونساؤه ذلك. واستنكر الناس بأجمعهم ما ارتكبه يزيد من جرائم فظيعة في قسوتها وانقلابها على كل مفاهيم الدين العظيم ولا سيما أنها تمت بمرأى من الصحابة، فأقرفتهم الجريمة وضاقوا بيزيد ذرعاً مع ما عليه من فسق وفجور وتحدٍّ لحدود الله.

عندها خشي يزيد الفتنة، وانقلاب الأمر عليه؛ عجل بإخراج السجاد(ع)  والعيال من الشام إلى وطنهم ومقرهم المدينة، وهيأ لهم ما يريدون، وأمر النعمان ابن بشير وجماعة معه أن يسيروا معهم إلى مدينة جدهم مع الرفق([2]).

فلما وصلوا إلى العراق قالوا للدليل: مُرَّ بنا على كربلاء. فوصلوا إلى مصرع الحسين(ع)  فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسول (ص)  وردوا لزيارة قبر الحسين(ع) ، فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا في كربلاء ينوحون على الحسين(ع)  ثلاثة أيام([3]).

ووقف جابر الأنصاري على القبر فأجهش بالبكاء وقال: «يا حسين..» ثلاثاً.

ثم قال: «حبيب لا يجيب حبيبه! وأنّى لك بالجواب وقد شحطت أوداجك على أثباجك، وفُرِّق بين رأسك وبدنك، فأشهد أنك ابن خاتم النبيين، وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة الزهراء سيدة النساء..

وما لك لا تكون كذلك وقد غذّتك كف سيد المرسلين، ورُبِّيت في حجر المتقين، ورُضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام، فطبت حياً وطبت ميتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك، ولا شاكة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا».

ثم جال ببصره حول القبر، وقال: «السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف ونهيتهم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين».

ثم قال: والذي بعث محمداً (ص)  بالحق نبياً، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

فقال له عطية العوفي: كيف! ولم نهبط وادياً ولم نعلُ جبلاً ولم نضرب بسيف، والقوم فُرِّق بين رؤوسهم وأبدانهم وأُوتمت أولادهم وأُرملت الأزواج؟!

فقال له: «إني سمعت حبيبي رسول الله(ص)  يقول: من أحب قوماً كان معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم، والذي بعث محمداً بالحق نبياً إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه»([4]).

رأس الحسين(ع)  مع رؤوس أهل بيته وأصحابه تعاد للأجساد

لما عرف زين العابدين(ع)  الموافقة من يزيد طلب منه الرؤوس كلها ليدفنها في محلها، فلم يرفض يزيد رغبة الإمام (ع) ، فدفع إليه رأس الحسين مع رؤوس أهل بيته وصحبه فألحقها بالأبدان.

وقد نصّ على مجيء علي بن الحسين السجاد(ع)  بالرؤوس إلى كربلاء، المصادر التالية من علماء العامة:

1- قال ابن شهر آشوب في (المناقب: 2/200): «ذكر المرتضى في بعض رسائله أن رأس الحسين أعيد إلى بدنه في كربلاء».

2- والقزويني في (عجائب المخلوقات: 67)، قال: «في العشرين من صفر ردّ رأس الحسين(ع)  إلى جثته».

3- وفي (تذكرة الخواص) لسبط ابن الجوزي: 150، قال: «الأشهر أنه رُدَّ إلى كربلاء فدفن مع الحسين».

وبناء على ذلك فإنه لا يعبأ بما يقال خلافه من أن الرأس قد دفن في مكان آخر بعيداً عن الجسد. ولعلّ من الجميل إيراد ما تمثله أبو بكر الآلوسي عندما طُرحت عليه هذه المسألة، فعبّر عن شدّة ولائه وحبه للحسين بغض النظر عن محلّ دفن الرأس، قائلاً هذين البيتين:

لا تطلبوا رأس الحسين
ودعوا الجميع وعرّجوا

 

بشرق أرض أو بغرب
نحوي فمشهده بقلبي

أما من علماء الإمامية فنذكر منهم: الفتال في (روضة الواعظين: 165)، وابن نما الحلي في (مثير الأحزان)، وابن طاووس في (اللهوف: 112) حيث قال: «عليه عمل الإمامية». والطبرسي في (إعلام الورى: 151)، و(مقتل العوالم: 154)، حيث قال: «إنه المشهور بين العلماء».

وأخيراً، يستحب في هذا اليوم زيارة الحسين(ع)  والمعروف بزيارة الأربعين. وقد حثّ عليها الأئمة(ع)، فقد روي عن الإمام العسكري(ع)  قوله:

«علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم»([5]).

 

([1]) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 139.

([2]) إرشاد المفيد.

([3]) رياض الأحزان: 157.

([4]) بشارة المصطفى: 89.

([5]) بحار الأنوار 95: 346.

الأحد, 09 كانون1/ديسمبر 2018 12:12

سقوط الأندلس ( 17/ صفر / السنة 636 هـ )

سقطت الأندلس في يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر صفر عام 636هـ، وفي هذا اليوم، حيث وقع الاتفاق بين زيان وملك الروم خايمي، إلا أن خايمي دخل دخول الفاتحين هو وجنده إلى بلنسة في يوم الجمعة (27 صفر سنة 636هـ)، الموافق لليوم التاسع من أكتوبر سنة (1238م).

فكانت بلنسية، بعد قرطبة ثانية القواعد الأندلسية العظيمة التي سقطت في تلك الفترة في أيدي الأسبان، وقد كان انهيارها في القواعد الأولى من الصرح الأندلسي الشامخ مقدمة لانهيار معظم القواعد الباقية تباعاً في فترة قصيرة، لا تتجاوز العشرة أعوام.

وجدير بالذكر أن المسلمين في كل الأمصار التي احتلوها لم يذكر عنهم أنهم تنبأوا بمصيرها سوى الأندلس.

فقد شعر المسلمون بأنّ نجمهم بدأ يأفل في الأندلس منذ بدأت الطوائف في أواخر القرن الخامس الهجري في دويلات، فقد أخذ المسلمون يترقّبون ذلك اليوم الذي سيغادرون فيه إسبانيا (الأندلس)، مما ألجأ الكثير منهم إلى التحالف مع العرب في المغرب العربي وعبر البحر.

فعقب سقوط طليطلة (478هـ /1085م) واشتداد الوطأة النصرانية على ملوك الطوائف، صارت الكارثة قاب قوسين أو أدنى، استنجد المسلمون بإخوانهم المغاربة عبر البحر (المرابطين)، واستجاب المرابطون إلى غوث إخوانهم في الأندلس وعبروا البحر إلى إسبانيا، والتقوا بالجيوش النصرانية إلى جانب الطوائف الضئيلة في موقعة الزلاقة الكبرى، وأحرزوا فيها نصرهم الباهر بسحق جيوش النصرانية (479هـ/1086م)، وأنقذت الأندلس بذلك من الفناء المحقق، ثم استولى المرابطون على الأندلس، وحكموها زهاء نصف قرن آخر، وخلفهم الموحدون وحكموا زهاء قرن آخر، ثم جاشت الأندلس بالثورة ضد حكامها المغاربة، واجتمعت فلول الثورة آخر الأمر في الجنوب، حيث قامت مملكة غرناطة آخر الممالك الأندلسية، وقدر لها أن تعيش مائتين وخمسين عاماً أخرى.

وقد ورد الإنذار بالخطر على الأندلس، قبل سقوط طليطلة، في أقوال ابن حيان المؤرخ الأندلسي الكبير في تعليقه على موقعة (بريشتر) من أعمال الثغر الأعلى (أراغون) وسقوطها في يد النصارى سنة (456هـ/1063م) في وابل من القتل والسبي وشنيع الاعتداء.

ولما سقطت طليطلة وارتجت الأندلس فرقاً ورعباً، قال شاعرهم:

يا أهل الأندلس شدّوا رحالكم
السلك ينشر من أطرافه وأرى
من جاور الشرّ لا يأمن بوائقه

 

فما المقام بها إلا من الغلط
سلك الجزيرة منشور من الوسط
كيف الحياة مع الحيّات في سقط

وكان آخر ملوك غرناطة لا يجازفون بالذهاب إلى الحج خوفاً من وقوع المكروه والهجوم عليها من قبل النصارى، وكانوا يكتفون بكتابة الرسائل إلى التربة النبوية، ويرسلون المصاحف المذهبة كهدايا.

وعندما نرجع إلى التاريخ نجد أن سبب النكبة في الأندلس، هو انفصال الأندلس عن الدولة الإسلامية وقيامها ككيان مستقل لا تربطه بالقاعدة أية رابطة.

فالإسلام الذي حرّر أوروبا ابتداءً من الأندلس إلى جنوب فرنسا والذي كان يتوقع له أن يجتاز كل أوروبا توقف أولاً ثم عاد إلى الانحسار في الوقت الذي وصل فيه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام إلى الأندلس، فقامت الفتن بين المسلمين داخل إسبانيا وانشغلوا في تعزيز الانفصام عن جسد الدولة الإسلامية، ومنذ ذلك اليوم وقفت الأندلس لوحدها في مواجهة أوروبا الغربية كلها، ولم تعد الدولة الأم مسؤولة عنها، وصار عليها أن تواجه مصيرها بنفسها.

آن لنا أن نعيد النظر في دراسة التاريخ ونواجه الحقائق كما هي فلا نتغاضى عنها، وأن نأخذ من كل ذلك العبرة، وما أكثر ما يمكن أن نأخذ منه العبر([1]).

 

([1]) عن دائرة المعارف الشيعية 3: 261.

ولادته ونشأته

نشأ محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة، في بيت النبوة والخلافة، في بيت تربّى فيه الحسن والحسين(ع) . وترعرع عندهم وهو يرتشف من منهل أخلاقهم ويسمو بعزّ فضائلهم، وشرف مكانتهم.

ربّاه أمير المؤمنين(ع)  كأحد أبنائه ينفق عليه كما ينفق عليهم ويعلمه كما يعلمهم، وقد قال (ع) : «محمد ابني من ظهر أبي بكر»([1]).

فشبّ وهو عارف بحقيقة أهل البيت(عليهم اسلام)، ومكانتهم من الله ورسوله، وفضلهم على بقية الناس، وخصائصهم التي خصّهم الله تعالى بها.

روى ابن سعد في (طبقاته): إنّ أبا بكر تزوّج أسماء بنت عميس فولدت له محمداً، ثم توفي عنها أبو بكر فتزوجها علي بن أبي طالب فأنجبت له يحيى.

وقد رضع محمد بن أبي بكر الولاء والحب لأهل بيت النبوة(عليهم اسلام) من ثدي أمه، وتعلم الإسلام والإيمان من مربيه علي(ع).

وقعة الجمل:

شهد محمد بن أبي بكر وقعة الجمل، وقاتل بكل بسالة وشجاعة إلى جانب مولاه أمير المؤمنين(ع) . ولما استعر القتال واشتبكت الصفوف، نادى أمير المؤمنين(ع)  بعقر الناقة.

فكان محمد بن أبي بكر من بين المتقدمين في الصفوف لعقر الناقة، وبعد أن عقرت، وفرّ أصحاب الجمل، قطع محمد بن أبي بكر البطان وأخرج الهودج، فقالت عائشة: من أنت؟

فقال محمد: أبغض أهلك إليك.

فقالت عائشة: ابن الخثعمية.

فقال محمد: نعم، ولم تكن دون أمهاتك.

فقالت عائشة: لعمري، بل هي شريفة، دع عنك هذا، الحمد لله الذي سلمك.

فقال محمد: قد كان ذلك ما تكرهين.

فقالت عائشة: يا أخي لو كرهته ما قلته.

فقال محمد: كنت تحبين الظّفر، وأني قتلت؟

فقالت عائشة: قد كنت أحب ذلك، ولكنه لما صرنا إلى ما صرنا إليه، أحببت سلامتك لقرابتي منك، فاكفف ولا تعقب الأمور، وخذ الظاهر ولا تكن لومة ولا عذلة، فإنّ أباك لم يكن لومة ولا عذلة([2]).

ولايته على مصر:

ولّى أمير المؤمنين محمد بن أبي بكر على مصر، بعد أن عزل عنها واليها قيس بن سعد([3]).

ولما وصل محمد بن أبي بكر إلى مصر قرأ على أهلها كتاب أمير المؤمنين(ع):

«بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاّه مصر وأمره بتقوى الله في السر والعلانية وخوف الله عز وجل في الغيب والمشهد وباللين على المسلمين، وبالغلظة على الفجار، وبالعدل على أهل الذمّة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدة على الظالم، وبالعفو عن الناس، وبالإحسان ما استطاع، والله يجزي المحسنين..» إلى آخر الكتاب.

ثم إن محمد بن أبي بكر قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

«الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيراً مما عمي عنه الجاهلون.

ألا إن أمير المؤمنين ولاّني أمركم وعهد إليّ ما قد سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهة، ولن آلوكم خيراً ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله وتقوى فاحمدوا الله عز وجل ما كان من ذلك فإنه هو الهادي، وإن رأيتم عاملاً لي عمل غير الحق زائغاً فارفعوا إليّ وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون»([4]).

ولم يتخذ محمد بن أبي بكر مواقف حازمة تجاه الأوضاع في مصر، لا سيما تجاه الذين اعتزلوا عن قبول ولايته وخلافة أمير المؤمنين(ع) ، وعملوا على بث الدعايات المغرضة المطالبة بدم عثمان مما أضعف مركز محمد بن أبي بكر ووصلت أخبار ذلك وانفضاض أهل مصر من حول محمد بن أبي بكر إلى أمير المؤمنين(ع)  فبعث مالك الأشتر والياً عليها، فعظم ذلك الخبر على معاوية لمعرفته بمقام مالك وسعى لقتله بكل وسيلة لئلا يصل إلى مصر.

فبعث معاوية إلى الجايستار رجلاً من أهل الخراج، فقال له: إنّ الأشتر قد ولي مصر فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت. فخرج الجايستار حتى أتى القلزم، وكان الأشتر قد خرج من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال له: هذا منزل وهذا طعام وعلف. فنزل به الأشتر، وأتاه الرجل بعسل جعل فيه سم، فسقاه إياه فلما شربها مات. ولما سمع معاوية بن أبي سفيان ذلك قال: إن لله جنوداً من عسل. ثم أقبل على أهل الشام، وقال: كان لعلي بن أبي طالب يمينان أحدهما قطعت في صفين وهو عمار بن ياسر، والآن قطعت الثانية وهو مالك الأشتر([5]).

خبر شهادة محمد بن أبي بكر

وأما مسلمة بن مخلد ومن شايعه من العثمانية في مصر فقد كتبوا كتاباً إلى معاوية بن أبي سفيان: عجّل علينا خيلك ورجلك.

فقال معاوية لعمرو بن العاص: تجهز يا أبا عبد الله.

فبعثه إلى مصر في ستة آلاف رجل، فلما وصل عمرو بن العاص إلى مصر، اجتمعت إليه العثمانية، وكتب إلى محمد بن أبي بكر كتاباً:

«أما بعد؛ فتنحّ عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، إنّ الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك...».

فلما قرأ محمد بن أبي بكر الكتاب، كتب كتاباً إلى أمير المؤمنين(ع)  يطلب فيه العون والمدد، ويخبره بالموقف عنده.

وبعد أن وصله كتاب أمير المؤمنين(ع)  كتب إلى معاوية يردّ فيه بما قاله، وينتدب لقتاله، ثم قام خطيباً في الناس، يحضّهم فيه على جهاد أعداء الله.

فانتدب معه نحو ألفي رجل، وخرج محمد بن أبي بكر لمقاتلة الخارجين عليه. وكان على رأس جيش الشام عمرو بن العاص الذي خرج لقتال محمد ابن أبي بكر.

والتقى الجيشان ودارت بينهما معركة عظيمة، فكانت الغلبة في البداية لجيش محمد، إلا أن عمرو بن العاص استنجد بجيش الشام، فجاءه المدد وكان يفوق جيش محمد أضعافاً، فاحتوشوا جيش محمد من كل مكان وقتلوا معظم رجاله وفرّ الباقون، وانسحب محمد بن أبي بكر.

فخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر، فمرّ في قوم في قارعة الطريق فسألهم: هل لمح أحدكم غريباً؟ فقال أحدهم: إني دخلت الخربة فوجدت فيها رجلاً جالساً. فقال ابن حديج: هو وربّ الكعبة. فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد أهلكه العطش، فطلب محمد أن يشرب، فقال له ابن حديج بوجود عمرو بن العاص: لا سقاه الله من سقاك قطرة، منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائماً، ثم قتله وألقاه في جيفة حمار وألقاه في النار وهو حي.

وقيل إن معاوية بن حديج قطع رأس محمد بن أبي بكر وأرسله إلى معاوية ابن أبي سفيان بدمشق، وطيف برأسه وهو أول رأس طيف به في الإسلام([6]).

 

([1]) بحار الأنوار 42: 162.

([2]) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 2: 404.

([3]) أعيان الشيعة السيد محسن الأمين 1: 137.

([4]) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 6: 66.

([5]) الاختصاص: 79، وبحار الأنوار 33: 555.

([6]) النجوم الزهراء 1: 11.

النهروان موقع بين بغداد وحلوان من محافظة في العراق بعد بعقوبة إلى خانقين، وفيها جرت الوقعة المعروفة بين الإمام علي أمير المؤمنين(ع)  والخوارج.

والخوارج، هم الذين أنكروا التحكيم الذي وقع بعد معركة صفين، واتخذت حركتهم بعد أن تحرك موكب الإمام من صفين شكلاً جديداً، فاعترفوا بخطئهم في قبول التحكيم وأعلنوا توبتهم وجاءوا إلى أمير المؤمنين(ع)  يطلبون منه أن يتراجع ويتوب كما تابوا. فلم يستجب لطلبهم لأنه لم يخطئ إنما خالفوا أمره الذي تابوا إليه الآن، فانفصلوا عنه قبل أن يدخل الكوفة في مكان يدعى حروراء، ومن أجل ذلك سمّاهم المؤرخون بالحرورية([1])، وسُمّوا بالخوارج لأنهم خرجوا على إمامهم أمير المؤمنين(ع) ، وقد رفعوا شعاراً: «لا حكم إلا لله».

بعد أن رفع الخوارج شعارهم ذلك، حاورهم أمير المؤمنين(ع)  بالتي هي أحسن وفنّد معتقداتهم وآراءهم، إلاّ أنهم لم يصغوا إلى توجيهات أمير المؤمنين(ع)  واستمرّوا في غيّهم، وتعاظم خطرهم بعد انضمام أعداد جديدة لمعسكرهم، وراحوا يعلنون القول بشرك المنتمين إلى معسكر الإمام علي(ع) ، بالإضافة إلى الإمام (ع) ورأوا استباحة دمائهم!

وقد كان أمير المؤمنين(ع)  عازماً على عدم التعرّض لهم ابتداءً، ليمنحهم فرصة التفكير جدياً بما أقدموا عليه عسى أن يعودوا إلى الرأي السديد.

ولكن هذه الفئة الخارجة عن الطاعة المارقة عن الدين تمادت في غيّها فقامت بقتل الأبرياء وتهديد أمن البلاد، وقد قتلوا الصحابي عبد الله بن خباب وبقروا بطن زوجه الحامل، كما قتلوا نسوة من طي.

وعندما أرسل إليهم الإمام (ع)  الحارث بن مرّة العبدي ليتعرّف على حقيقة موقفهم، قتلوا رسول أمير المؤمنين(ع) .

وعندها كرّ (ع)  راجعاً من الأنبار (حيث كان اتخذها مركزاً لتجميع قواته المتجهة نحو الشام) وتوجه إلى قتالهم، والتقى الجيشان فأمر الإمام (ع)  أصحابه بالكفّ عنهم حتى يبدؤوا القتال.

فتنادى الخوارج من كلّ جانب: «الرواح إلى الجنة»، وشهروا السلاح على أصحابه وأثخنوهم بالجراح، فاستقبلهم الرماة بالنبال والسهام، وشدّ عليهم أمير المؤمنين(ع)  وأصحابه فما هي إلا سويعات حتى صرعهم الله كأنما قيل لهم: موتوا فماتوا..

ومن كرامات أمير المؤمنين(ع)  في هذه الوقعة أنه كان قد أخبر أصحابه قبل المعركة بأنه لا يقتل منكم عشرة ولا يفلت منهم عشرة، وكان الأمر كما أخبرهم، فلم ينج منهم إلا تسعة أو ثمانية، ولم يقتل من أصحابه إلا تسعة كما روى ذلك أكثر المؤرخين.

وهنا يروي المؤرخون حديث المُخْدَج المعروف بـ(ذي الثديَّة)، أحد القتلى في هذه المعركة، حيث كان النبي(ص)  قد أخبر أمير المؤمنين(ع)  بقتل الخوارج وقتل المُخْدَج
معهم، لذلك فإنه بعد انتهاء المعركة فتش عنه وألحّ في طلبه حتى وجدوه بين القتلى، وهو يقول (ع) : «والله ما كَذبت ولا كُذبت»([2]).

فكانت من كرامات أمير المؤمنين(ع)  الباهرة التي أبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكارهون.

 

([1]) سيرة الأئمة الاثني عشر 1: 441.

([2]) أشار إلى نحوه أبو يعلى في (مسنده) 1: 371- 374، وابن أبي الحديد في (شرح النهج) 2: 276، ونقله المجلسي في (البحار) 41: 283، ورواه المفيد في (الإرشاد) 1: 371.

النهروان موقع بين بغداد وحلوان من محافظة في العراق بعد بعقوبة إلى خانقين، وفيها جرت الوقعة المعروفة بين الإمام علي أمير المؤمنين(ع)  والخوارج.

والخوارج، هم الذين أنكروا التحكيم الذي وقع بعد معركة صفين، واتخذت حركتهم بعد أن تحرك موكب الإمام من صفين شكلاً جديداً، فاعترفوا بخطئهم في قبول التحكيم وأعلنوا توبتهم وجاءوا إلى أمير المؤمنين(ع)  يطلبون منه أن يتراجع ويتوب كما تابوا. فلم يستجب لطلبهم لأنه لم يخطئ إنما خالفوا أمره الذي تابوا إليه الآن، فانفصلوا عنه قبل أن يدخل الكوفة في مكان يدعى حروراء، ومن أجل ذلك سمّاهم المؤرخون بالحرورية([1])، وسُمّوا بالخوارج لأنهم خرجوا على إمامهم أمير المؤمنين(ع) ، وقد رفعوا شعاراً: «لا حكم إلا لله».

بعد أن رفع الخوارج شعارهم ذلك، حاورهم أمير المؤمنين(ع)  بالتي هي أحسن وفنّد معتقداتهم وآراءهم، إلاّ أنهم لم يصغوا إلى توجيهات أمير المؤمنين(ع)  واستمرّوا في غيّهم، وتعاظم خطرهم بعد انضمام أعداد جديدة لمعسكرهم، وراحوا يعلنون القول بشرك المنتمين إلى معسكر الإمام علي(ع) ، بالإضافة إلى الإمام (ع) ورأوا استباحة دمائهم!

وقد كان أمير المؤمنين(ع)  عازماً على عدم التعرّض لهم ابتداءً، ليمنحهم فرصة التفكير جدياً بما أقدموا عليه عسى أن يعودوا إلى الرأي السديد.

ولكن هذه الفئة الخارجة عن الطاعة المارقة عن الدين تمادت في غيّها فقامت بقتل الأبرياء وتهديد أمن البلاد، وقد قتلوا الصحابي عبد الله بن خباب وبقروا بطن زوجه الحامل، كما قتلوا نسوة من طي.

وعندما أرسل إليهم الإمام (ع)  الحارث بن مرّة العبدي ليتعرّف على حقيقة موقفهم، قتلوا رسول أمير المؤمنين(ع) .

وعندها كرّ (ع)  راجعاً من الأنبار (حيث كان اتخذها مركزاً لتجميع قواته المتجهة نحو الشام) وتوجه إلى قتالهم، والتقى الجيشان فأمر الإمام (ع)  أصحابه بالكفّ عنهم حتى يبدؤوا القتال.

فتنادى الخوارج من كلّ جانب: «الرواح إلى الجنة»، وشهروا السلاح على أصحابه وأثخنوهم بالجراح، فاستقبلهم الرماة بالنبال والسهام، وشدّ عليهم أمير المؤمنين(ع)  وأصحابه فما هي إلا سويعات حتى صرعهم الله كأنما قيل لهم: موتوا فماتوا..

ومن كرامات أمير المؤمنين(ع)  في هذه الوقعة أنه كان قد أخبر أصحابه قبل المعركة بأنه لا يقتل منكم عشرة ولا يفلت منهم عشرة، وكان الأمر كما أخبرهم، فلم ينج منهم إلا تسعة أو ثمانية، ولم يقتل من أصحابه إلا تسعة كما روى ذلك أكثر المؤرخين.

وهنا يروي المؤرخون حديث المُخْدَج المعروف بـ(ذي الثديَّة)، أحد القتلى في هذه المعركة، حيث كان النبي(ص)  قد أخبر أمير المؤمنين(ع)  بقتل الخوارج وقتل المُخْدَج
معهم، لذلك فإنه بعد انتهاء المعركة فتش عنه وألحّ في طلبه حتى وجدوه بين القتلى، وهو يقول (ع) : «والله ما كَذبت ولا كُذبت»([2]).

فكانت من كرامات أمير المؤمنين(ع)  الباهرة التي أبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكارهون.

 

([1]) سيرة الأئمة الاثني عشر 1: 441.

([2]) أشار إلى نحوه أبو يعلى في (مسنده) 1: 371- 374، وابن أبي الحديد في (شرح النهج) 2: 276، ونقله المجلسي في (البحار) 41: 283، ورواه المفيد في (الإرشاد) 1: 371.

كان عمار بن ياسر  من السابقين الأولين هاجر الهجرتين إلى الحبشة والمدينة وصلى إلى القبلتين وشهد بدراً واليمامة وأبلى فيهما بلاءاً حسناً وكان هو وأمه ممن عذّبوا في الله فأعطاهم ما أرادوا بلسانه، فنزل فيه: (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالإِيمَانِ)([1]).

وقال رسول الله(ص)  كما رواه ابن حجر في الإصابة: «من عادى عماراً عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله»([2]).

قال: وتواترت الأحاديث عن النبي(ص)  «إنّ عماراً تقتله الفئة الباغية» وأجمعوا على أنه قتل مع علي(ع)  بصفين.

وفي (الاستيعاب): هذا من إخباره (ص)  بالغيب وإعلام نبوته وهو من أصحّ الأحاديث.

وقال رسول الله(ص) : «إن عماراً ملىء إيماناً إلى مشاشه»([3]).

ويروى: «إلى أخمص قدميه».

وقال (ص) : «عمار جلدة ما بين عيني»([4]).

ورآه النبي(ص)  يوم بناء المسجد يحمل لبنتين لبنتين وغيره لبنة لبنة، فجعل ينفضّ التراب عنه ويقول (ص): «ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار».

وقيل لحذيفة حين احتضر وقد ذكر الفتنة إذا اختلف الناس بمن تأمرنا؟ قال: عليكم بابن سمية (يعني عماراً) فإنه لن يفارق الحق حتى يموت.

وروى نصر بن مزاحم أنه لما كانت وقعة صفين، ونظر عمار إلى راية عمرو بن العاص قال: «والله هذه الراية قد قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهنّ».

ولما كان يوم صفين خرج عمار إلى أمير المؤمنين(ع)  فقال: يا أخا رسول الله أتأذن لي في القتال. فقال (ع) : «مهلاً رحمك الله». فلما كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله فأعاده ثالثاً فبكى أمير المؤمنين(ع)  فنظر إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إنه اليوم الذي وصفه لي رسول الله(ص) ، فنزل أمير المؤمنين(ع)  عن بغلته وعانق عماراً وودعه، ثم قال: «يا أبا اليقظان جزاك الله عنا وعن نبيك خيراً فنعم الأخ كنت ونعم الصاحب كنت» ثم بكى أمير المؤمنين(ع)  وبكى عمار.

ثم ركب أمير المؤمنين(ع)  وركب عمار.

وبرز عمار إلى القتال وكان قد جاوز التسعين، وأنشأ يقول:

نحن ضربناكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله

 

فاليوم نضربكم على تأويله
ويُذهل الخليل عن خليله

أو يرجع الحق إلى سبيله([5])

ثم قال: والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحق وإنهم على الباطل. ثم قال:

الجنة تحت ظلال الأسنة

 

اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه

واشتدّ به العطش فاستقى فأتي إليه بلبن فشربه، ثم قال: «هكذا عهد إليّ رسول الله(ص)  أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن».

وحمل عليه ابن جون السكسكي، وأبو العادية الفزاري، فأما أبو العادية فطعنه وأما ابن جون فاحتزّ رأسه.

وروى ابن سعد بسنده قال: لما بلغ علياً(ع)  نعي عمار قال: «إن امرءاً من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمار، ولم يدخل عليه بقتله مصيبة موجعة لغير رشيد! رحم الله عماراً يوم أسلم، ورحم الله عماراً يوم قتل، ورحم الله عماراً يوم يبعث حياً، فوالله لقد رأيت عماراً وما يُذكر من أصحاب النبيّ ثلاثة إلا كان رابعاً، ولا أربعة إلا كان خامساً!»([6]).

إنّ عمّاراً قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا موطنين ولا ثلاث! فهنيئاً له الجنّة، فقد قُتل مع الحقّ والحقّ معه، يدور الحقَّ معه حيثما دار، فقاتل عمّار وسالبه في النار([7]).

ثم تقدم علي(ع)  فجمع عمّار بن ياسر إلى هاشم المرقال أمامه ثم صلى عليه فكبّر خمساً أو ستاً أو سبعاً([8])، ورثاه الحجّاج بن عمرو الأنصاري بأبيات مشجية.

وقال المسعودي في (مروج الذّهب): وكان قَتْلهُ عند المساء، ولم يغسله علي(ع)  وصلى عليه ودفنه في صفّين([9]).ويُنسب إلى عمّار من الشعر قوله:

تَوَقَّ من الطُّرْق أوساطها
وسمْعَك صُن عن سماع القبيح
فإنّك عند سماع القبيح

 

وعُدَّ من الجانب المشتَبِه
كصون اللسان عن النُطق به
شريك لقائله، فانتبه([10])

فسلام الله على عمّار وأبويه الشهيدين ياسر وسُميّة، يوم ولدوا، ويوم استشهدوا، ويوم يبعثون أحياء، بل هم اليوم أحياء عند ربّهم يرزقون (وَلَكِن لاّ تَشْعُرُونَ).

مقام عمار بن ياسر في الرقة

أما اليوم فقد تحوّل مكان استشهاد عمار إلى مزار يؤمّه المحبّون والموالون، وذلك في مدينة الرقة السورية في منطقة صفين التي شهدت أحداث تلك الوقعة الشهيرة، وقد حاز هذا المقام اهتماماً بالغاً من قبل الجمهورية الإسلامية حيث تمّ بناؤه وتشييده على أحسن ما يكون.

 

([1]) سورة النحل: الآية 106.

([2]) بحار الأنوار 31: 196، وقعة صفين: 341.

([3]) المصدر السابق.

([4]) المصدر السابق.

([5]) وقعة صفين: 341.

([6]) الطبقات الكبرى 2: 363.

([7]) عن الفتوح لابن الأعثم الكوفي 3: 368.

([8]) الطبقات الكبرى 3: 363 عن الأشعث بن قيس، والشك في التكبيرات منه، وأنظر أنساب الأشراف 3: 318.

([9]) مروج الذهب 2: 381 ط بيروت، بتحقيق أسعد داغر.

([10]) الدرجات الرفيعة في طبقات أعلام الشيعة، للسيد المدني الشيرازي: 283، ط بغداد.

إنّ دراسة حياة الأفذاذ من الرجال، إنّما تصبح ضرورة ملحّة، حينما تكون فرصة لاستيعاب كثير من المعاني البناءة، وللتعرف على حقائق الحياة، والوقوف على عميق أسرارها، من خلال دراسة فكر ورؤية، ثم حركة وموقف هؤلاء القمم؛ ليكون ذلك رافداً ثرّاً للجانب العاطفي، ومسهماً في تعميق الوعي العقيدي، المهيمن على هذا الإنسان في كل شؤونه، ومختلف أحواله وأطواره..

دراستنا لسلمان المحمّدي

ومن هنا.. فاننا لن نسمح لدراستنا لحياة سلمان المحمّدي، أن تتخذ إلا طابع الاستفادة من التجربة الفاضلة، لتسمو بنا، ونسمو نحن بها، لتكون ربيعاً لنا نتخير من أزهاره، ونجني من أثماره، ونلتذ بأفانين تغريد أطياره.

ونكون نحن لها التجسيد الحي، والنموذج الفذ، والمثل الأعلى..

ولكننا.. إذ نؤمن بأن قضايا التاريخ، مما لا يمكن حسم الأمر فيها، بسهولة، الأمر الذي يتخذ صفة الضرورة، قبل أن يمكن استيحاء العبرة والفكرة من أية قضية..

معلومات أولية:

 اسمه: سلمان([1]).

كنيته: أبو عبد ا‏لله، أو أبو الحسن، أو أبو إسحاق.

 ولادته: لا مجال لتحديدها.

 وفاته: في الثامن من شهر صفر سنة أربع وثلاثين للهجرة.

بلده: جي (قرية في أصفهان). وقيل: إنه من رامهرمز، من فارس.

 محل دفنه: المدائن.. بلد قرب بغداد، فيه قبره رحمه الله، وقبر حذيفة بن اليمان..

 أبوه: كان أبوه دهقان أرضه. وهو يعدّ من موالي رسول الله(ص) .

 وكان قد تداوله بضعة عشر مالكاً، حتى أفضى إلى رسول الله(ص)  وعتقائه وأصحابه بل من خواص أصحابه.

 وكان قد قرأ الكتب في طلب الدين.

 حرفته: كان يسفّ الخوص، ويبيعه ويأكل منه، وهو أمير على المدائن.

 إسلامه: عدّ في بعض الروايات من السابقين الأولين. كما قال ابن مردويه ويقال: بل أسلم أوائل الهجرة.

 مشاهده: روي: أنه شهد بدراً وأحداً، ولم يفته بعد ذلك مشهد.

عطاؤه: في عصر الخلافة: خمسة آلاف، وكان يتصدق بها، ويأكل من عمل يده.

 بيت سكناه: لم يكن له بيت يسكن فيه، إنما كان يستظل بالجدر والشجر، حتى أقنعه البعض بأن يبني له بيتاً، إن قام أصاب رأسه سقفه، وإن مدّ رجليه أصابهما الجدار.

من خصائص سلمان:

 قد عرفنا من بيت سكناه ومن حرفته، ومما يصنعه بعطائه زهد سلمان، وعزوفه عن الدنيا، ولا نريد استقصاء ذلك هنا أكثر من ذلك..

وقد وصفه البعض بأنه: كان خيراً فاضلاً، حبراً عالماً، زاهداً، متقشّفاً([2]). وكانت له عباءة يفرش بعضها، ويلبس بعضها...

 كان يحب الفقراء ويؤثرهم على أهل الثروة والعدد. وكان، كما يقال، يعرف الاسم الأعظم. وكان من المتوسّمين، وقد قيل: الإيمان عشر درجات، وكان سلمان في الدرجة العاشرة([3])، وكان يحب العلم والعلماء.

 إنّ سلمان - كما روي عن الإمام الصادق(ع)  - كان عبداً صالحاً، حنيفاً، مسلماً، وما كان من المشركين. وفي حديث رسول الله(ص) : «لا تغلطنّ في سلمان، فإنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أطلعه على علم البلايا والمنايا والأنساب، وفصل الخطاب..»([4]).

منزلته ومقامه:

بعض ما سبق يشير إلى علو مقامه، وسامق منزلته، ولا نرى أننا بحاجة إلى المزيد، ولكننا ننقل هذا الخبر عن عائشة:

عن عائشة، قالت: «كان لسلمان مجلس من رسول الله(ص)  ينفرد به بالليل، حتى يكاد يغلبنا على رسول الله(ص) »([5]).

 وقد قال رسول الله(ص)  - كما سيأتي: «سلمان منّا أهل البيت»([6]).

 وعن الصادق(ع) : «كان رسول الله(ص) ، وأمير المؤمنين(ع)  يحدثان سلمان بما لا يحتمله غيره، من مخزون علم الله، ومكنونه»([7]).

 ويأتيه الأمر: «يا سلمان، ائت منزل فاطمة بنت رسول الله(ص) ، فإنها إليك مشتاقة، تريد أن تتحفك بتحفة قد اُتحفت بها من الجنة..»([8]).

 وعلَّمته صلوات الله وسلامه عليها أحد الأدعية المهمة أيضاً..

 وعن النبيّ(ص): «سلمان منّي، ومن جفاه فقد جفاني، ومن آذاه فقد آذاني»([9]) الخ..

 وقال الإمام الصادق(ع)  لمنصور بن بُزُرْج - كما روي - : «لا تقل: سلمان الفارسي، ولكن قل: سلمان المحمّدي»([10]).

من لطائف الإشارات:

ونذكر من لطائف الإشارات، وطرائف الأحداث:

إن رسول الله(ص)  قد آخى بين سلمان، وأبي ذر، وشرط على أبي ذر: أن لا يعصي سلمان.

 ويقال: إن تاج كسرى وضع على رأس سلمان، عند فتح فارس، كما قال له رسول الله(ص) . وكان سلمان أحد الذين استقاموا على أمر رسول الله(ص)  بعد وفاته..

وكان  من المعترضين على صرف الأمر عن علي أمير المؤمنين إلى غيره، وله احتجاجات على القوم في هذا المجال.

وفاة سلمان

 وحين توفي سلمان تولى غسله وتجهيزه، والصلاة عليه ودفنه، علي أمير المؤمنين(ع) ، وقد جاء من المدينة إلى المدائن من أجل ذلك. وهذه القضية من الكرامات المشهورة لأمير المؤمنين(ع) ([11])، بل من الكرامات المؤكدة لسلمان.

 

([1]) ويكفي للاطلاع على جانب من حياته رحمه الله مراجعة كتاب (بحار الأنوار)، وكتاب سفينة البحار1: 647، وكتاب نفس الرحمان في فضائل سلمان.

([2]) الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 58، وسفينة البحار 1: 647.

([3]) كما في باب الخصال العشرة من كتاب الخصال للشيخ الصدوق عن الصادق.

([4]) بحار الأنوار 22: 347.

([5]) الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 59، وسفينة البحار 1: 648.

([6]) بحار الأنوار 17: 169 ب1. والمناقب 1: 85.

([7]) بحار الأنوار 22: 331.

([8]) بحار الأنوار 92: 36.

([9]) بحار الأنوار 22: 346، والاختصاص: 221.

([10]) بحار الأنوار 22: 327.

([11]) بحار الأنوار 22: 347.

هو الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) . السابع من أئمة أهل البيت المعصومين المطهرين.

ولد في الأبواء([1]) سنة ثمانٍ وعشرين ومئة للهجرة، وقبض(ع)  ببغداد في حبس السندي بن شاهك، لستٍ بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومئة للهجرة. وله من العمر يومئذٍ خمس وخمسون سنة، وأمه أم ولد يقال لها: حميدة البربرية، ويقال لها حميدة المصفاة وكانت من خيار النساء، وقد مدحها الإمام الصادق(ع)  فقال فيها:

«حميدة المصفاة من الأدناس كسبيكة الذهب. ما زالت الأملاك تحرسها حتى أديت إليّ، كرامة من الله لي والحجة من بعدي»([2]).

وكانت مدة إمامته (ع)  خمساً وثلاثين سنة، وكان يكنى أبا إبراهيم وأبا الحسن وأبا علي، وكان يعرف بالعبد الصالح، ويلقّب بالكاظم(ع) .

صفت نفسه الطاهرة، وخلصت سريرته، فكان أحد كواكب البيت النبوي، يضيء طريق الأجيال، وينوّر ظلمات الدنيا بعطائه السيّال، تألّق نجمه في عنان السماء، وارتقى إلى مشارف العلى، علماً وحلماً، شجاعة وسماحة، فضلاً وكرماً، مضافاً إلى انقطاعه التام إلى الله سبحانه وتعالى، فصار مهوى للقلوب والأفئدة، ولذلك تسابقت الأقلام على مختلف انتماءاتها تشيد بفضله وتذكر مناقبه وعلوّ شأنه.

عاش الإمام الكاظم(ع)  مدة مديدة من حياته في ظلمات السجون، فقد سجنه المهدي العباسي ثم أطلقه، ولما آلت الأمور إلى هارون الرشيد أعاد اعتقال الإمام (ع) ، وظلّ ينقله من سجن إلى آخر حتى استشهد في سجن السندي بن شاهك في بغداد بسم دسّه له الرشيد.

وكانت شهادته (ع)  في الخامس والعشرين من شهر رجب لسنة مئة وثلاث وثمانين للهجرة (183هـ)([3]).

ودفن في مقبرة قريش في بغداد، في جانب الكرخ، والتي تعرف اليوم بالكاظمية ومرقده معروف يؤمّه الزوار من كل حدبٍ وصوب ومن مختلف المذاهب الإسلاميّة، وله كرامات مشهودة.

قال الإمام الشافعي (المتوفى: 204هـ) كما في (تحفة العالم): «قبر موسى الكاظم الترياق المجرّب»([4])، يقصد به استجابة الدعاء عنده.

وقال الحسن بن إبراهيم، أبو علي الخلال، شيخ الحنابلة (من علماء القرن الثالث الهجري): «ما همّني أمر، فقصدت قبر موسى بن جعفر، فتوسّلت به، إلاّ سهّل الله تعالى لي ما أحب»([5]).

وقال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفى: 597هـ) في كتابه (صفة الصفوة) عن الكاظم(ع): «كان يدعى العبد الصالح لأجل عبادته واجتهاده وقيامه بالليل وكان كريماً حليماً، إذا بلغه عن رجل ما يؤذيه بعث إليه بمال»([6]).

وجاء عن ابن الأثير الجزري في كتابه (الكامل في التاريخ): «وكان يلقّب بالكاظم لأنه يحسن إلى من يسيء إليه، كان هذا عادته أبداً»([7]).

وهناك ما لا يحصى من نصوص علماء أهل السنة في الثناء على الإمام الكاظم(ع).

واللافت في حياة هذا الإمام العظيم الذي قضى معظم حياته في السجون حتى قضى فيها، أنه أكثر الأئمة ذرية، وما ذلك إلا ليظهر الله أمره ولو كره الكارهون.

فقد جاء في كتاب (الإرشاد) للمفيد: وكان لأبي الحسن موسى(ع)  سبعة وثلاثون ذكراً وأنثى منهم: علي بن موسى الرضا(ع) ، وإبراهيم، والعباس، والقاسم لأمهات أولاد، وإسماعيل وجعفر وهارون والحسين لأم ولد. وأحمد ومحمد وحمزة لأم ولد. وعبد الله وإسحاق، وعبيد الله، وزيد، والحسن، والفضل، وسليمان لأمهات أولاد. وفاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، ورقية، وحكيمة، وأم أبيها، ورقية الصغرى، وكلثوم، وأم جعفر، ولبابة، وزينب، وخديجة، وعُليّة، وآمنة، وحسنة، وبُريهة، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، وأم كلثوم، لأمهات أولاد.

وكان أفضل ولد أبي الحسن موسى(ع) ، وأنبههم وأعظمهم قدراً، وأعلمهم وأجمعهم فضلاً أبو الحسن علي بن موسى الرضا(عليهم السلام)  ([8]).

فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً.

 

([1]) الأبواء: قرية من أعمال الفُرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً (معجم البلدان 1/79)، وفي الأبواء مدفن آمنة بنت وهب أم الرسول الأعظم (ص).

([2]) أصول الكافي للكليني 1: 550.

([3]) إعلام الورى للطبرسي 2: 6.

([4]) أئمتنا لمحمد دخيل: 65 نقلاً عن تحفة العالم: 22، ونقله أيضاً أحمد زيني دحلان في الدرر السنية في الرد على الوهابية 4: 6.

([5]) نقل قوله الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 1: 120، وابن الجوزي في المنتظم 9: 89.

([6]) صفوة الصفوة 2: 184 ترجمة رقم 191 راجع فهناك المزيد من كرامات الإمام يذكرها الشيخ. كما أن ابن الجوزي ترجم للإمام الكاظم(ع) في كتابه (المنتظم) ومدحه بكلمات تقرب مما نقلناه من النص.

([7]) الكامل في التاريخ لابن الأثير 6: 14.

([8]) الإرشاد 2: 244.

من هي السيدة رقية؟

السيدة رقية طفلة لأبي عبد الله الحسين(ع) ، من زوجته أم إسحاق وذكروا ارباب المقاتل أنّ عمرها خلال السبي وبعد حادثة الطف كان يبلغ ثلاث سنين.

وكانت هذه الطفلة مثالاً للمظلومية، فقد رافقت ركب السبايا إلى الشام في رحلة مريرة شاقة، حتى إنها فارقت الحياة في خربة الشام، في موقف مؤثّر لم يشهد التاريخ مثيلاً له.

ففي الخربة، حيث مستقر السبايا استفاقت رقية (عليهاالسلام) ليلاً من منامها، وهي مضطربة اضطراباً شديداً، وهي تقول: أين أبي الحسين؟ فإني رأيته الساعة في المنام.

فلما سمعت النسوة ذلك صرخن وأعولن وارتفعت أصواتهن بالبكاء، فانتبه يزيد من نومه، وقال: ما الخبر؟ فأعلموه بما جرى، فأمر أن يذهبوا برأس أبيها إليها، فجاءوا بالرأس ووضعوه في حجرها، فرفضته وكانت تظن أنه طعام لأنه كان مغطى بمنديل، ولما رفعوا المنديل عنه، احتضنته ووضعت فمها على فمه وهي تبكي بحرقة وتخاطب الرأس بكلمات ملؤها الأسى والحسرة، وما هي إلا لحظات حتى فارقت روحها جسدها رحمة الله عليها..

وكان مشهداً فيه من القسوة والظلم ما لا يطيقه بشر. ودفنت في المكان الذي قضت فيه([1])، ودارت الأيام والسنون وأبى الله إلا أن تكون كلمته هي العليا، فارتفع فوق ذلك المكان الذي يحتضن الجسد الصغير مقام يناطح السماء في عليائه ويرتّل على مدى الدهور معاني انتصار الحق على الباطل, وما أجمل قول الشاعر([2]) معبّراً عن ذلك بهذه الأبيات:

ويظلّ مجدك يا رقية عبرة

 

للظالمين على الزمان يجـدّد

يزكو به عطر الأذان ويزدهي

 

بجـلال مفرقـه النبي محمد

ويكاد من وهج التلاوة صخره

 

يندى ومن وضح الهدى يتورّد

وعليه أسراب الملائك حوّم

 

وهموم أفئدة الموالي حشّد

و به يطوف فم الخلود مؤرّخاً

 

بالشام قبر رقية يتجدّد

مقام السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليهماالسلام)

يقع مقام السيدة رقية(عليهاالسلام)  على بعد (100م) أو أكثر قليلاً من الجامع الأموي بدمشق في سوق مشهور بدمشق يسمى سوق العمارة، وعندما تريد الدخول إلى صحنها المطهر فإنّ أول ما يلفت نظرك، اللوحة التي على باب مقامها الشريف، مكتوب فيها: «هذا مقام السيدة رقية بنت الحسين(ع)  الشهيد بكربلاء»، وهناك لوحة أخرى بالبرونز على باب الفناء الداخلي للقبة الشريفة فيها شجرة نسبها الطاهر التي تربطها بجدتها الزهراء(عليهاالسلام)  وجدها الأكبر النبي(ص)  وجدها أمير المؤمنين.

وقد ذكرت السيدة رقية(عليهاالسلام)  في كتب أهل السنة، حيث ذكرها الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشافعي المصري المتوفى (973هـ)، في كتابه (المنن)، الباب العاشر، وتحدّث عن مقامها الشريف، فقال: S­هذا البيت بقعة شرفت بآل النبي(ص)  في دمشق، وبنت الحسين الشهيد رقية(عليهاالسلام) ».

وذكرها أيضاً الشيخ القندوزي الحنفي (المتوفى عام 1294هـ)، في (ينابيع المودة: ص416).

 

([1]) لمزيد من الإطلاع راجع كتاب منتهى الآمال للشيخ عباس القمي  1: 327.

([2]) القصيدة للشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين رحمه الله وهي مخطوطة تطوق ضريح السيدة رقيهB.

في هذا اليوم من شهر صفر استشهد زيد بن علي(ع) ، وقبل ذكر خبر استشهاده نورد بعض الأخبار الدالة على فضله وكرامته، فقد روى علي بن العباس (بسنده) عن أبي جعفر قال: قال رسول الله(ص)  للحسين: «يخرج رجل من صلبك يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غراً محجّلين يدخلون الجنة بغير حساب»([1]).

وعن الحسن بن الحسين عن يحيى بن مساور عن أبي الجارود قال: «قدمت المدينة فجعلت كلما سألت عن زيد بن علي قيل لي: ذاك حليف القرآن»([2]).

قصة الاستشهاد

ولإلقاء الضوء على قصة استشهاده نقتبس ما أورده المرحوم السيد محسن الأمين فيه من كتابه (المجالس السنية):

كان زيد بن علي بن الحسين(ع)  عين إخوته بعد أخيه أبي جعفر الباقر(ع)  وأفضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخياً شجاعاً وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويطلب بثارات الحسين(ع)  وكان سبب خروجه مضافاً إلى طلبه بدم الحسين(ع) ، أنه دخل على هشام بن عبد الملك وقد جمع هشام أهل الشام وأمر أن يتضايقوا في المجلس حتى لا يتمكن من الوصول إلى قربه. فقال له زيد: إنه ليس من عباد الله أحد فوق أن يوصى بتقوى الله، ولا من عباده أحد دون أن يوصي بتقوى الله وأنا أوصيك بتقوى الله فاتقه.

فقال له هشام: ما فعل أخوك البقرة؟

فقال: سماه رسول الله(ص)  باقر العلم وأنت تسميه بقرة لشد ما اختلفتما في الدنيا ولتختلفان في الآخرة!

فقال له هشام: أنت المؤهل نفسك للخلافة الراجي لها؟ وما أنت وذاك لا أم لك وإنما أنت ابن أمة!

فقال له زيد: إني لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند الله من نبي بعثه وهو
ابن أمة فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث وهو إسماعيل بن إبراهيم(ع)  فالنبوة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة يا هشام؟ وبعد فما يقصر برجل أبوه رسول الله(ص)  وهو ابن علي بن أبي طالب(ع).

فوثب هشام من مجلسه ودعا قهرمانه وقال: لا يبيتنّ هذا في عسكري.

فخرج زيد وهو يقول: إنه لم يكره قوم قط حد السيوف إلا ذلّوا. فحملت كلمته إلى هشام. فعرف أنه يخرج عليه فأرسل معه من يخرجه على طريق الحجاز ولا يدعه يخرج على طريق العراق. فلما رجع عنه الموكلون به بعد أن أوصلوه إلى طريق الحجاز. رجع إلى العراق حتى أتى الكوفة، وأقبلت الشيعة تختلف إليه وهم يبايعونه، حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة سوى أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان والجزيرة. فحاربه يوسف بن عمرو الثقفي، فلما قامت الحرب انهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة فقاتلهم أشد القتال وهو يقول متمثلاً:

فذل الحياة وعزّ الممات
فإن كان لابد من واحـد

 

وكلاً أراه طعامـاً وبيلا
فسيري إلى الموت سيراً جميلا

وحال المساء بين الصفين، وانصرف زيد وهو مثخن بالجراح وقد أصابه سهم في جبهته، وطلبوا من ينزع السهم فأتي بحجام، فاستكتموه أمره، فأخرج النصل فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش وأجري الماء على ذلك، وحضر الحجام وقيل عبد سندي مواراته فعرف الموضع، فلما أصبح مضى إلى يوسف فدلّه على موضع قبره فاستخرجه يوسف بن عمرو وبعث برأسه إلى هشام وبعثه هشام إلى المدينة فنصب عند قبر النبي(ص)  يوماً وليلة. (ولمّا) قتل بلغ ذلك من الصادق(ع)  كل مبلغ وحزن عليه حزناً عظيماً وفرق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه ألف دينار وكتب هشام إلى يوسف بن عمرو أن اصلبه عرياناً فصلبه في الكناسة فنسجت العنكبوت على عورته من يومه ومكث أربع سنين مصلوباً، حتى مضى هشام وبويع الوليد بن يزيد، فكتب الوليد إلى يوسف بن عمرو: أما بعد فإذا أتاك كتابي فاعمد إلى عجل أهل العراق فاحرقه ثم انسفه في اليم نسفاً. فأنزله وحرقه ثم ذراه في الهواء.

وبالفعل كانت طريقة قتل زيد فظيعة من الفظائع التي يندى لها جبين الإنسانية خجلاً، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

 

([1]) مقاتل الطالبيين.

([2]) المصدر السابق.