emamian
من صفات شهر رمضان المبارك وخصائصه
من صفات شهر رمضان المبارك وخصائصه
الصفة الأولى: شهر رمضان شهر الله
إنّ إضافة الأشياء إلى الذات المقدّسة ليست إضافةً تشريفيّةً فقط، بل لها أبعادٌ أخرى، فعندما يُقَال: بيت الله، وشهر الله... فالمقصود من ذلك أنّ هذا المكان، وهذا الزمان، لهما خاصّيّات تجعلهما، كمًّا وكيفًا، أقرب إلى الفيوضات الإلهيّة، والرحمات الربّانيّة، فشهر الله تعالى هو شهرٌ من الناحية الزمانيّة، يكون فيه عباد الله أقرب لنيل الفيوضات التي هي أعظم وأتمّ في هذا الشهر من غيره، يقول النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "دُعِيتُمْ فِيهِ إلى ضِيَافَةِ اللَّه"[1].
إضافة "الشهر" إلى الضمير العائد إليه تعالى، إمّا لتعظيمه، أو لبيان أنّ الصوم يختصّ به تعالى، زيادة عن باقي العبادات. وهذا المعنى يُفهَم ممّا نطق به الحديث القدسيّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ حَسَنَاتِ بَنِي آدَمَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ قَالَ: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أُجْزَى بِهِ"[2].
ومعنى الحديث -بعد العلم بالأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في آداب الصائم، كقول الإمام الصادق(عليه السلام): "إِذَا صُمْتَ، فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَشَعْرُكَ وَجِلْدُكَ..."، وقَالَ: "لا يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِكَ كَيَوْمِ فِطْرِكَ"[3]، وكقوله (عليه السلام) أيضًا: "إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُ، إِنَّ مَرْيَمَ قَالَتْ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾[4], أَيْ صَمْتًا، فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَازَعُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ"[5]- أَنَّ كَفَّ النَّفْسِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الصَّوْمُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ. وَلِذَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَنَا أُجْزَى بِهِ»".[6]
قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "صِيَامُ الْقَلْبِ عَنِ الْفِكْرِ فِي الْآثَامِ، أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ الْبَطْنِ عَنِ الطَّعَامِ"[7].
الصفة الثانية: شهر رمضان
في اشتقاق شهر رمضان، أقوالٌ عديدة، أهمّها:
الأوّل: من الرمض، وهو حرّ الحجارة من شدّة حرّ الشمس، فسُمّيَ هذا الشهر رمضان، لأنّ وجوب صومه صادف شدّة الحرّ.
الثاني: مأخوذ من الرميض، وهو السحاب والمطر في آخر القيظ وأوّل الخريف، سُمّي رميضًا، لأنّه يدرأ سخونة الشمس، فسُمِّيَ هذا الشهر رمضان، لأنّه يغسل الأبدان من الذنوب والآثام، عَنِ النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنَّهُ قَالَ: "وَإِنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ تُرْمَضُ فِيهِ الذُّنُوبُ، أَيْ تُحْرَقُ"[8].
الصفة الثالثة: شهر الصيام
و"شهر الصيام" إمّا بدلٌ من "شهر رمضان"، أو عطفُ بيانٍ على جهة المدح، كما قيل في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾[9]. ولعلّ بيان هذه الصفة للتنبيه على أنّ أهمّ وظيفة عظيمة في هذا الشهر هي الصيام.
الصفة الرابعة: شهر الإسلام
و"شهر الإسلام"، أي الانقياد والطاعة، الذي هو أعلى مراتب الإيمان، وهو المراد من قوله تعالى حكايةً عن خليله: ﴿حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾[10]. ويجوز أن يُرَاد به معناه العامّ، فإنّ هذا الشهر من شعائر المسلمين، يُعرَفون به ويُمَيَّزون به عن غيرهم من ذوي الملل والأديان.
فشهر رمضان هو شهر الإسلام، لأسبابٍ متعدّدة، نذكر منها:
أوّلًا، الإسلام - بالمعنى اللغويّ - هو التسليم، فهذا الشهر هو شهر التسليم والطاعة والانصياع لأوامر الله ونواهيه.
ثانيًا، بمعنى ما اختصّت به هذه الأمّة من بين الأمم بفريضة الصوم، فالصوم آخر الزمان من مختصّات الأمّة الإسلاميّة.
ثالثًا، هو شهر ظهور آثار الإسلام، من صلة الرحم، والعبادة في المساجد، ومساعدة الفقراء، وقراءة القرآن...
الصفة الخامسة: الطهور
لتطهير الخلائق عن دنس المعاصي. و"الطَهور"- بالفتح والضمّ، على الروايتين: مصدرٌ بمعنى: الطهارة.
يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾[11], فالصوم، وقراءة القرآن، والصدقات...كلها لتطهير الإنسان من دنس العصيان.
الصفة السادسة: التمحيص
و"شهر التمحيص" لاختبارهم وتمحيصهم عن الذنوب، "والتمحيص: الابتلاء والاختبار"[12]، كقوله -تعالى-: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾[13]، أي وليبتلي اللّه الّذين آمنوا، أو محو الذنوب، قال في التحقيق في كلمات القرآن: "التمحيص هو التخليص من العيب والشوب، مع التجلية"[14]. ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[15]. ويُقَال في الدعاء: اللهمّ محّص عنّا ذنوبنا، أي: أزل ما علّق بنا من الذنوب"، وفي الكشّاف: "التمحيص: التطهير والتصفية"[16].
الصفة السابعة: القيام
"شهر القيام"، لأنّه ينبغي أن يقوم الشخص بالليل، أو القيام بالعبادة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[17].
ثانيًا: شهر نزول القرآن
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[18].
"قال المفسّرون: فائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيهُ على علّة تخصيصه بالصوم فيه، وذلك أنّه لمّا خُصَّ بأعظم آيات الربوبيّة (وهو القرآن الكريم)، ناسب أن يخصّ باشق سمات العبوديّة (وهي الصوم)، فبقدر هضم النفس يترقّى العبد في مدارج الأنس، ويصل إلى معارج القدس[19]"[20].
القرآن نُزِّل فيه جملةً واحدةً إلى سماء الدنيا، ثمّ نُزِّل نجومًا إلى الأرض، وهو مرويٌّ عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).
وقيل: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ جَمِيعَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) نُجُوماً فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً ."[21]
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: "سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[22] كَيْفَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؟ فَقَالَ( عليه السلام): "نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ أُنْزِلَ مِنَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ: قالَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ الْإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ"[23].
﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ حالان من "القرآن"، أي حال كونه هاديًا لهم ومشتملًا على علاماتٍ ظاهرةٍ وآياتٍ باهرةٍ من"الهداية"، و"ما يفرّق به بين الحقّ والباطل".
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الْقُرْآنِ وَالْفُرْقَانِ، قَالَ: "الْقُرْآنُ جُمْلَةُ الْكِتَابِ وَأَخْبَارُ مَا يَكُونُ، وَالْفُرْقَانُ الْمُحْكَمُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَكُلُّ مُحْكَمٍ فَهُوَ فُرْقَانِ"[24].
[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج 10، ص313.
[2] الطبرسيّ، الميرزا حسين النوريّ، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408ه - 1987م، ط1، ج7، ص501.
[3] الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح عليّ أكبر الغفاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1363ش، ط5، ج4، ص87.
[4] القرآن الكريم، سورة مريم، الآية 26.
[5] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج2، ص108.
[6] الشيرازيّ، السيد محمّد باقر الحسينيّ، لوامع الأنوار العرشيّة في شرح الصحيفة السجّاديّة، صحّحه وعلّق عليه: مجيد هادي زاده، مركز البحوث الكمبيوتريّة التابع لحوزة أصفهان العلميّة، ج5، ص16.
[7] الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص422.
[8] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج7، ص546.
[9] القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 97.
[10] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 67.
[11] القرآن الكريم، سورة الفرقان، الآية 48.
[12] الجوهريّ، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم للملايين، لبنان - بيروت، 1407ه - 1987م، ط4، مادّة (محص)، ج 3، ص1056.
[13] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 141.
[14] الشيخ حسن، المصطفويّ، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مصدر سابق، ج6، ص208.
[15] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 154.
[16] الزمخشريّ، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، شركة مكتبة ومطبعة الحلبيّ، مصر، 1385ه - 1966م، لا.ط، ج1، ص466.
[17] القرآن الكريم، سورة المزمل، الآيات 1-4.
[18] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 185.
[19] فسلوك المراتب العالية يحتاج إلى مجاهدة النفس والجِدِّ والتعب في العبادة.
[20] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص26.
[21] الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، مصدر سابق، ج2، ص14.
[22] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 185.
[23] العيّاشيّ، محمّد بن مسعود، تفسير العيّاشيّ، تحقيق الحاج السيّد هاشم الرسوليّ المحلّاتيّ، المكتبة العلميّة الإسلاميّة، إيران - طهران، لا.ت، لا.ط، ج1، ص80.
[24] تفسير العياشيّ، مصدر سابق، ج1، ص9.
القيم الأخلاقية والاجتماعيّة لشهر رمضان
القيم الأخلاقية والاجتماعيّة لشهر رمضان
عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):"أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ"[1].
1- بناء الإرادة والتمرّس على الصبر
قال عزّ وجلّ: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[2]. فقد ورد في تفسير الآية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: "إِذَا نَزَلَتْ بِالرَّجُلِ النَّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ﴾، يعني الصيام[3]. وورد في الحديث القدسيّ أن الله (عزّ وجلّ) قال: "كُلُّ أَعْمَالِ ابْنِ آدَمَ بِعَشَرَةِ أَضْعَافٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصَّبْرَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصَّبْرُ، الصَّوْم"[4].
2- التحلّي بالفضائل
التخلّي عن الأخلاق السيّئة والتحلّي بمكارم الأخلاق، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَام"[5].
3- محاسبة النفس
إنّ من أهمّ ما تؤخذ به النفس هو المحاسبة لها دائماً على أفعالها، لأنَّ المحاسبة تساهم:
- في إظهار رغبة الإنسان في الفضيلة، وحرصه على أخذ نفسه بالحقّ، فيتعهّد منها ذلك دائماً.
- في مراقبة نموّ الكمال في نفسه، فيشتدّ في مزيد من فعل الخير وتلافي النقص الواقع فيه، ويشتدّ في مواجهة الرذائل الموجودة واستئصالها إذا أمكن، أو التخفيف منها حسب الوسع والطاقة.
- إنّ هذه المحاسبة تجسّد خشية الإنسان من الله تعالى والخوف من الموقف للحساب أمامه، ليكون دائماً مستعدّاً للموت، واعياً لمخاطره وعواقبه. روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ"[6].
وعن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّه قال: "مَا أَحَقَّ الْإِنْسَانَ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَةٌ لَا يَشْغَلُهُ شَاغِلٌ، يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، فَيَنْظُرُ فِيمَا اكْتَسَبَ لَهَا وَعَلَيْهَا فِي لَيْلِهَا وَنَهَارِهَا"[7].
وعن الإمام عليّ (عليه السلام) أنَّه قال: " "ثَمَرَةُ الْمُحَاسَبَةِ صَلَاحُ النَّفْسِ "[8].
4- تكثيف الحضور المسجديّ في شهر الله
إنّ المساجد من أهمّ الأماكن المليئة بالأجواء الإيمانيّة التي تساهم في الرقيّ الروحيّ للمؤمن. جاء عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): "مَنِ اخْتَلَفَ إِلَى الْمَسْجِدِ أَصَابَ إِحْدَى ثَمَانٍ: أَخاً مُسْتَفَاداً فِي اللَّهِ، أَوْ عِلْماً مُسْتَطْرَفاً، أَوْ آيَةً مُحْكَمَةً، أَوْ يَسْمَعُ كَلِمَةً تَدُلُّ عَلَى هُدًى، أَوْ رَحْمَةً مُنْتَظَرَةً، أَوْ كَلِمَةً تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، أَوْ يَتْرُكُ ذَنْباً خَشْيَةً أَوْ حَيَاء"[9].
ومن الأعمال المهمّة في شهر رمضان طلب العلم والمعرفة، والتفقّه في الدين، والتحلّي بالثقافة الدينيّة الصحيحة. قال أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): "يَا كُمَيْلُ، مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ"[10].
القيم الاجتماعيّة
شهر رمضان إلى جانب كونه مناسبة دينيّة، فهو مناسبة لها طابعها الاجتماعيّ، الذي يجعل من شهر رمضان مناسبة اجتماعيّة لتحقيق العديد من الأمور، ومنها:
أ- عن الفضل بن شاذان عن الإمام علي الرضا (عليه السلام) قال: ""إِنَّمَا أُمِرُوا بِالصَّوْمِ لِكَيْ يَعْرِفُوا أَلَمَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، فَيَسْتَدِلُّوا عَلَى فَقْرِ الْآخِرَةِ، وَلِيَكُونَ الصَّائِمُ خَاشِعاً، ذَلِيلاً، مُسْتَكِيناً، مَأْجُوراً، مُحْتَسِباً، عَارِفاً، صَابِراً عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، فَيَسْتَوْجِبَ الثَّوَابَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ وَاعِظاً لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ وَرَائِضاً لَهُمْ فِي أَدَاءِ مَا كَلَّفَهُمْ، وَدَلِيلاً لَهُمْ فِي الْآجِلِ، وَلِيَعْرِفُوا شِدَّةَ مَبْلَغِ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فِي الدُّنْيَا، فَيُؤَدُّوا إِلَيْهِمْ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ"[11] .
ب- المساواة بين الغنيّ والفقير: إنّ الصوم من أهم الوسائل الاجتماعيّة التي تجعل الغنيّ والفقير في مرتبة واحدة، فكلاهما ممنوع من تناول الطعام والشراب، وغير ذلك، فالأحكام الشرعيّة لكليهما متساوية، ورد عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصيام؟ فقال: "إِنَّمَا فَرَضَ الصِّيَامَ لِيَسْتَوِيَ بِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَنِيَّ لَمْ يَكُنْ لِيَجِدَ مَسَّ الْجُوعِ فَيَرْحَمَ الْفَقِيرَ لِأَنَّ الْغَنِيَّ كُلَّمَا أَرَادَ شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَأَنْ يُذِيقَ الْغَنِيَّ مَسَّ الْجُوعِ وَالْأَلَمِ لِيَرِقَّ عَلَى الضَّعِيفِ وَيَرْحَمَ الْجَائِعَ"[12].
ج- التصافي النفسيّ: التصافي بين المؤمنين (إبراء الذمم المتبادل) بالعفو عنهم وطلب العفو عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: "قَالَ لِي النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَكْرَمِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَنْ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَأَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ "[13] .
د- حلّ الخلافات: حلّ الخلافات وفكّ المنازعات بين الناس، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[14].
هـ- صلة الأرحام: إنّ صلة الأرحام من المفاهيم الإسلاميّة الأساسيّة في العلاقات الاجتماعيّة، وخصوصاً في شهر رمضان، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ"[15]. "وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ، وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ.."
و- التواصل مع الأصدقاء: إنّ النفوس في شهر رمضان تكون بحسب العادة أكثر اطمئناناً وسكينة، فإنّ التلاقي بين المؤمنين سيكون أكثر مودّة ومحبّة واحتراماً. روي عن بكر بن محمّد الأزدي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: "مَا زَارَ مُسْلِمٌ أَخَاهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا نَادَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَيُّهَا الزَّائِرُ طِبْتَ، وَطَابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ"[16].
ز- تفقّد المحتاجين: تفقّد الضعفاء والفقراء والمحتاجين وذوي المسكنة من أبناء المجتمع، ممّن هم بأمسّ الحاجة للمعونة والمواساة، قال رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا السياق أيضاً: "وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ"[17].
ح- حسن التعامل مع الكبار والصغار: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ" "[18].
ط- إكرام الأيتام: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً، أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ "[19] .
ي- تفطير الصائم: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وَمَنْ فَطَّرَ مِنْكُمْ مُؤْمِناً صَائِماً فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ"[20].
[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص228.
[2] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 45.
[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص298.
[4] المصدر نفسه، ص295.
[5] المصدر نفسه، ص228.
[6] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج11، ص380.
[7] الطبرسي، الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408هـ، ط1، ج12، ص155.
[8] المصدر نفسه، ج12، ص155.
[9] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج3، ص480.
[10] المجلسيّ، العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403ه - 1983م، ط2، ج74، ص267.
[11] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص4.
[12] المصدر نفسه، ص3.
[13] الطبراني، المعجم الأوسط، قسم التحقيق بدار الحرمين، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 - 1995م، لا.ط،ج5، ص364.
[14] القرآن الكريم، سورة الأنفال، الآية 46.
[15] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق،ج7، ص227.
[16] الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، مصادقة الإخوان، إشراف: السيّد عليّ الخراسانيّ الكاظميّ، مكتبة الإمام صاحب الزمان العامّة، لا.ت، لا.ط، ص56.
[17] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.
[18] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.
[19] المصدر نفسه، ص 228.
[20] المصدر نفسه، ص99.
ما هو أدب دخول الشهر الكريم؟
ما هو أدب دخول الشهر الكريم؟
حيث إنّ الذهاب إلى المساجد باعتبارها بيوتاً نسبها الله إلى نفسه يستدعي أدباً خاصاً، من تطهير الثوب وتنظيفه، إلى التطهّر من الحدثين الأصغر والأكبر، إلى تطهير البدن. ويستدعي أيضاً تهيئة النفس واستحضار المهابة الإلهية.
وحيث إنّ شهر رمضان المبارك هو شهر نسبه الله تعالى إلى نفسه دون بقية الشهور، فيجب أنْ نراعي آداباً خاصة في استقباله والدخول إليه، إذاً "هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ" "[1]
ومن هذه الآداب:
١- إخلاص النيات في الأعمال المنوي القيام بها في شهر رمضان، فريضة أو تطوّعاً. قال النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): " "فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ"[2]، ويجب أن يُخلي المرء قلبه من غلّ الأحقاد والضغائن والكراهية، وأن يُخرج من قلبه كل المشاعر التي تخدش طهارته وتُسيء إلى نقائه.
٢- توطين النفس على تحمّل مستلزمات الصوم ومشاقّه، وما يتطلّبه القيام بالأعمال المستحبة من جهدٍ وتقديم له على راحة النفس والبدن. والاقتناع بأنّ ما يُعدّ الله من ثواب لقاء هذه الأعمال الصالحة والخالصة لوجهه الكريم، لا يقاس به كل ما يدفعه المكلّف من أثمان، من الوقت إلى الجهد، إلى المال "وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ"[3].
" وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً، أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ"[4]،"وَمَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِماً مُؤْمِناً فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عِتْقُ نَسَمَةٍ، وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَيْسَ كُلُّنَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ"[5]
٣- البدء بتعويد النفس على هذه الأعمال، فإنّ من المعلوم أنّ من لم يهيّئ نفسه لتحمّل مشقّات الطريق، فإنه لن يتمكن من مواصلتها، بل على المرء أنْ يتعوّد الأعمال التي تقرّب من الله ويستحضر رضا رب العالمين، حتى يستشعر اللذة في الطاعة، ويستزيد الله تعالى التوفيق إلى المزيد، وإلاّ فإنّ همّته سوف تضعف والفتور سوف يصيبه، وهذا ما يراه أكثر المكلّفين قد اعتراهم، ومعلوم أنّ ذلك يكون لسببين:
أ- الأول عدم تعويد النفس على مثل هذه الأعمال.
ب- تسويلات النفس الأمارة بالسوء، حيث يكون شرط الإخلاص ضعيفاً، أو غير متوفر أصلاً.
قال (عليه السلام) في دعاء نهار شهر رمضان "... وَأَذْهِبْ عَنِّي فِيهِ النُّعَاسَ وَالْكَسَلَ، وَالسَّآمَةَ وَالْفَتْرَةَ وَالْقَسْوَةَ، وَالْغَفْلَةَ وَالْغِرَّةَ..."[6].
ويتحدث العلامة المجلسي(رحمه الله) عن "صنف من الصائمين دخلوا دار ضيافة الله في شهر رمضان، والقلوب غافلة والهمم متكاسلة، والجوارح متثاقلة، فحالهم كحال من حمل هدايا إلى ملك ليُعرض عليها وهو كاره لحملها إليه، وفيه عيوب تَمنع من قبولها والإقبال عليها"[7].
٤- الاستغفار والتوبة، حتى يُقبل المرء على شهر رمضان، مغفور الذنوب، نقيّ القلب، عازماً على الطاعة وترك المعصية بتوفيق من الله. عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: "دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، في آخر جمعة من شهر شعبان، فقال لي: "يَا أَبَا الصَّلْتِ، إِنَّ شَعْبَانَ قَدْ مَضَى أَكْثَرُهُ، وَهَذَا آخِرُ جُمُعَةٍ فِيهِ، فَتَدَارَكْ فِيمَا بَقِيَ تَقْصِيرَكَ فِيمَا مَضَى مِنْهُ، وَعَلَيْكَ بِالْإِقْبَالِ عَلَى مَا يَعْنِيكَ. وَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَتُبْ مِنْ ذُنُوبِكَ، لِيُقْبِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ إِلَيْكَ وَأَنْتَ مُخْلِصٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَا تَدَعَنَّ أَمَانَةً فِي عُنُقِكَ إِلَّا أَدَّيْتَهَا، وَفِي قَلْبِكَ حِقْداً عَلَى مُؤْمِنٍ إِلَّا نَزَعْتَهُ، وَلَا ذَنْباً أَنْتَ مُرْتَكِبُهُ إِلَّا أَقْلَعْتَ عَنْهُ. وَاتَّقِ اللَّهَ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾"[8].
وأكثر من أنْ تقول فيما بقي من هذا الشهر:
اللهم، "إِنْ لَمْ تَكُنْ غَفَرْتَ لَنَا فِيمَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ، فَاغْفِرْ لَنَا فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ. فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُعْتِقُ فِي هَذَا الشَّهْرِ رِقَاباً مِنَ النَّارِ لِحُرْمَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ".[9]
[1] م.ن، ص 84.
[2] م.ن، ص 84.
[3] م.ن، ص 84.
[4] م.ن، ص 85.
[5] م.ن، ص 85.
[6] دعاء نهار شهر رمضان، في كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي، ص 300، نقلاً عن مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي، وكتاب إقبال الأعمال الحسنة للسيد ابن طاووس.
[7] بحار الأنوار للعلامة محمد باقر المجلسي، ج94، ص 345.
[8] القرآن الكريم، سورة الطلاق، الآية 3.
[9] عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق، ج2، ص 51، والإقبال، ج1، ص 42.
روسيا تؤكد دعم حقوق ايران المشروعة في المفاوضات النووية
اعلنت الخارجية الروسية عن اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي اليوم الجمعة.
وقالت الخارجية الروسية لافروف وعراقجي تبادلا خلال هذا الاتصال الهاتفي وجهات النظر يوم الجمعة حول المسألة النووية.
وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن لافروف، خلال اتصاله الهاتفي مع عباس عراقجي، أكد على دعم روسيا لعملية المفاوضات بهدف إيجاد حلول عادلة واحترام الحقوق المشروعة لإيران.
يُذكر أن سيرغي لافروف، وزير خارجية روسيا، كان قد صرح يوم الأربعاء في مقابلة مع إحدى القنوات السعودية، بأن الولايات المتحدة و"إسرائيل" ارتكبتا عملاً خطيرًا بمهاجمة المواقع النووية الإيرانية، مشيرًا إلى أن طهران أعلنت دائمًا التزامها بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
الإمام الخامنئي يشكر الشعب الإيراني على المشاركة المليونية في مسيرات ذكرى انتصار الثورة الإسلامية
في رسالة متلفزة بثّت عصر اليوم (الخميس)، التجمع الجماهيري الحاشد والمليوني للشعب في يوم 11 فبراير بأنه مدعاة للفخر، وعاملٌ في تعزيز قوة وعزة الجمهورية الإسلامية، ومصدرٌ لخيبة أمل الأعداء من إخضاع الشعب الإيراني، مقدماً شكره لجميع المشاركين في هذه الحركة الكبرى، وداعياً الجميع إلى الحفاظ على التماسك الوطني القيّم.
وخاطب آية الله الخامنئي في رسالته الشعب الإيراني العزيز قائلاً: لقد أنجزتم عملاً عظيماً في يوم 11 فبراير هذا العام؛ رفعتم رأس إيران عالياً، وكما في كل مرة عززتم قوة الجمهورية الإسلامية بدعمكم لها، كما أصيب الأعداء الذين كانوا يسعون في تصريحاتهم وخططهم إلى إخضاع الشعب الإيراني بخيبة أمل.
واعتبر قائد الثورة الإسلامية أن ثواب هذه الحركة العظيمة يتمثل في مزيد من العزة والاقتدار، وتعزيز استقلال إيران بشكل أكبر، وأضاف: علينا جميعاً أن نسعى للحفاظ على هذا الترابط والتلاحم الوطني، الذي يعد بالغ القيمة والأهمية.
وأشاد سماحته بحضور الشعب في الشوارع وترديد شعار وكلمة واحدة، وإظهار هويتهم وشخصيتهم في وجه الأعداء، قائلاً: أتقدم بالشكر إلى الشعب الإيراني كله، وأبعث تحياتي الحارة إلى كل فرد من الحاضرين في هذا التجمع العظيم والمليوني في مختلف أنحاء البلاد.
الشعب الايراني خيب آمال العدو/ مسیرات مليونية حاشدة في جميع أنحاء البلاد
ملايين الإيرانيين في مسيرات حاشدة في جميع أنحاء البلاد، إحياءً للذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، وذلك عبر مسارات محددة. ووفقًا لمجلس تنسيق الدعاية الإسلامية في طهران، سيتجمع المشاركون على الطرق المؤدية إلى ميدان آزادي بدءًا من الساعة 9:30 صباحًا، لتكريم هذا اليوم الوطني مجددًا.
وفي احتفالات هذا العام، ستُقام المسيرات في أكثر من 1400 موقع في جميع أنحاء البلاد، ووفقًا للإحصاءات الرسمية، سيغطي نحو 7200 صحفي محلي ونحو 200 صحفي أجنبي الفعاليات لإطلاع العالم على الحضور الجماهيري والبرامج.
وفي الأيام الأخيرة، أصدرت جهات ومنظمات مختلفة رسائل تدعو فيها الناس للمشاركة بأعداد غفيرة. بما في ذلك قائد الثورة الاسلامية الذي وصف في رسالته قبل بدء المراسم الحضور الكبير بأنه رمز للوحدة الوطنية ومصدر يأس للأعداء، كما اعتبر الرئيس هذا الحضور استجابةً للضغوط الخارجية.
لا تقتصر فعاليات الاحتفال بذكرى عشرة الفجر ١٤٠٤ على المسيرات؛ ففي الليلة الماضية، في محافظة طهران، ومع إضاءة الأنوار ودعوة التكبير، سادت أجواء من الاستعداد والحماس الثوري في المدن؛ وهو حدثٌ دأبت عليه فعاليات هذه المناسبة الوطنية لسنوات.
تشمل مسارات المسيرات في العاصمة عدة محاور من مساجد مختلفة إلى ميدان آزادي، حيث تتجه الحشود المشاركة من مختلف أنحاء المدينة إلى نقطة التجمع المركزية؛ من مسجد الإمام الحسين (عليه السلام) ومسجد أبو ذر إلى مسجد الإمام السجاد (عليه السلام) ومسجد نظام مافي.
وتترافق هذه المسيرات، في ظل الظروف الراهنة، مع العديد من الرسائل السياسية والثقافية التي تُمثل جهدًا لتعزيز التضامن الوطني وإظهار حضور الشعب في الساحات الاجتماعية والسياسية.
شعار مقارعة الاستكبار في كلام قائد الثورة الإمام الخامنئي (دام ظله)
شعار مقارعة الاستكبار في كلام قائد الثورة الإمام الخامنئي (دام ظله)
الكلام في هذه المقالة هو عن مقارعة العدو المتربص بنا الدوائر، ونستقيه من منبع الولاية ومَعين ولي أمر المسلمين الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله).
شعار مقارعة الاستكبار
قد يسأل البعض لمَ الشعار؟ وما الهدف من الشعارات التي ترفع في وجه الاستكبار، كشعار "الموت لأمريكا" أو "الموت لإسرائيل"؟ فهل أن هذه الشعارات ستحل المشكلة وستنهي أطماعهم التاريخية في بلادنا وثرواتنا، وهل من الممكن أن تكون السد المنيع في مقابل سيل الغزو المتعدد الوجوه؟ هذا السؤال يجيبنا عليه سماحة الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) حيث يقول: "للشعارات التي ترفع في أي بلد وفي أي نظام، أهمية فائقة، والتعامل مع الشعارات المختلفة في أي بلد يحظى بحساسية ورونق خاص. وإذا كان ذلك الشعب أو المسؤولون لا يتقنون كيفية التعامل مع الشعارات، فإنّهم سيتعرضون لأضرار جسيمة.
وبطبيعة الحال يتناهى إلى الأسماع أحياناً ما يردِّده البعض: أنّ اليوم ليس يوم شعارات وإنّما يوم عمل . وهذا الكلام غير صحيح، وإن كان بعض من يتلفظ به تحدوه نيّة مخلصة، ومراده أنّ البلد لا يمكن إدارته بالشعارات وحدها، وهو كلام صحيح، إذ إطلاق الشعارات لا يُصلح شأن البلد، بل ولا يصلح حتّى شأن قرية ولا يديرها ولا يبنيها، فلابدّ إلى جانب الشعار من العمل، إلاّ أنّ البعض يفسّر هذا الكلام عن سذاجة بشكل آخر، أو ربما فسّره البعض الآخر عن غرض، وكأنّهم يريدون الإيحاء إلى الشعب بوجوب التخلّي عن الشعارات. وهذا خطأ، فالشعار كالراية، مرشد ودليل، والعمل بلا شعار كالشعار بلا عمل.
ولأجل أن يعرف شعب مَساره، وما ينبغي له فعله، فلابدّ له من الحفاظ على شعاراته بصراحة ووضوح. وإذا فقدت الشعارات، يصبح الحال كحال جماعة من الناس تسير في الصحراء من غير دلالة. الخاصية المميّزة للشعار أنّه لا يدع شعباً أو بلداً يسير في الطريق المنحرف. إذن فليكن هذا شعاراً أيضاً: الشعار والعمل، الشعار إلى جانب العمل، والعمل في ظل الشعار "[1].
مقارعة الاستكبار أمر طبيعي
يظن بعض البسطاء من الناس أن الشعوب الإسلامية تختلق العداء مع الدول الاستكبارية كأمريكا وغيرها، وهذا التفكير ساذج للغاية فمن الواضح أن العداء مع دول الاستكبار إنما نشأ من معاداتهم لنا ومحاولتهم ضرب كل ما يمت إلى ثقافتنا ومحاولاتهم الدؤوبة للسطو على ثرواتنا الاقتصادية، يقول الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) لهؤلاء البسطاء: "... يقوم بعض البسطاء بالتفوّه ببعض الكلمات أو كتابة بعض الأشياء، أنْ لماذا أنتم هكذا مع أمريكا والى متى وكيف و….؟ إن هؤلاء لا يدركون ما يحدث في العالم، وما يتوقع هذا العدو المتغطرس الجاهل اللامنطقي الذي يطمع بأكثر من حقّه، ويتصورون أن مشاكلنا ستنتهي فور بدء المفاوضات مع أمريكا . كلا، إن القضية ليست هكذا، أجل إن القادة الأمريكان يصرّحون رسمياً ويعلنون استعدادهم للتفاوض مع إيران، لماذا التفاوض؟ معلوم أنهم يريدون بالمفاوضات العثور على منفذ لممارسة الضغط على النظام الإسلامي، إنهم يريدون المفاوضات لهذا الأمر، انه ليس لنا معكم شيء ولا حاجة لنا بكم. ولا نخشاكم، ولا نودكم إطلاقاً.
فإنكم الذين أسقطتم طائرتنا المدنية في وضح النهار وأمام أنظار العالم بذريعة كاذبة وواهية، وقتلتم العشرات من الأبرياء ولم تكلّفوا أنفسكم بالاعتذار أبداً .
فأي نظام هو هذا النظام؟ وأية ثقافة هذه؟ وكيف يمكن لإنسان أن يودّ مثل هذا النظام؟ لذا لا توجد أدنى علاقة محبة ومودّة وصداقة بيننا وبين الأمريكان، بل هي علاقة كراهية واشمئزاز من جانبنا وعلاقة عداء وخبث من جانبهم!!"[2].
كيف نقارع الاستكبار؟
النقطة الأساسية تكمن في معرفة الأمور التي نقارع بها هذا الاستكبار، وسنشير فيما يلي إلى العديد منها، والتي أشار إليها سماحة الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) من خلال توجيهاته المستمرة لأبناء الأمة الإسلامية.
أ ـ الوحدة والتماسك:
فمن الطبيعي أن منعة القلعة من الداخل تمنع دخول المتسللين إليها، يقول (دام ظله): "حافظوا على وحدة الصف وأحيوا ذكرى الإمام والسابقين الأوائل من رجال الثورة، وكذا ذكرى الشهداء العظام، والذكريات الحماسية للثورة والحرب المفروضة في محيط الحوزات والجامعات وفي ساحات العمل والحياة العامة، فإن أصبح هكذا، فسيتّم بفضل الله في العقود المقبلة بناء صرح حضارة رفيعة في إيران وفي أماكن كثيرة أخرى، وستكون للإسلام والمسلمين عظمة ومكانة وقوة لا تبقى أمامها حقيقة وواقع للاستكبار بل لا يبقى للاستعمار وجود "[3].
ب ـ التحلي بالشجاعة:
فلو شعرنا بالهزيمة قبل أن تقوم المعركة، أو اعترانا الخجل في رفض الطلبات التي يطلبها الاستكبار فسنكون حينئذٍ مجرد أدوات تخدم مصالحه، وسيذكرنا التاريخ عند ذلك باللعنات، وهنا تبرز أهمية الشجاعة في قول كلمة لا بأعلى أصواتنا ليفهم العدو أننا من النوع الذي لا تغريه العروض ولا يُستدرج بأنصاف الحلول. يقول (دام ظله): "إن الأعداء ليضغطون، وهنالك مصاعب يتحتم تحملها من أجل الاستقلال والمحافظة على الهوية الوطنية وتفادي الخجل أمام التاريخ، تصوروا لو أن الشاه سلطان حسين الصفوي قد فكر مع نفسه قبل أن يفتح أبواب أصفهان أمام الغزاة ويضع تاج الملوكية على رؤوسهم بعد دخولهم لها، وقال: لو فكرت بنفسي بأنني لا أملك سوى روح واحدة وقد عشت هذا العمر بأكمله فكم سأعمر يا ترى؟ ولو أنني فكرت بالناس فإن البلاء الذي سيحل بهم في حالة تسليمي أصفهان للغزاة لا يقل عن البلاء الناجم عن مقابلة الغزاة، لم يكن ليسلم المدينة أبداً . طالعوا تاريخ أصفهان وانظروا أي بلاء أنزله الغزاة بعد دخولهم أصفهان وكاشان والمناطق الوسطى من إيران وفارس وغيرها من المناطق، وأي مذابح اقترفوها بحق الناس بعد الاستسلام؟ فلم يقل الغزاة: بما أنكم قد استسلمتم فإن جزاءكم أن تعيشوا جميعاً آمنين، وهكذا اليوم، فانظروا ماذا يفعلون بالشعب العراقي، إذ إن هذا هو فعلهم أينما فرضوا سيطرتهم .
لو كان الشاه سلطان حسين قد فكر هكذا: بأن النفس لا قيمة لها، وأن المرء ليفتدي حاكمية الإسلام ورضا الله ورفعة الشعب بألف من الأنفس، وأن البلاء الذي مقدر له أن يحل بالناس نتيجة الاستسلام لهو أشد وطأة، ومقروناً بالذلة، أما البلاء الذي يحل نتيجة المقاومة فهو خالٍ من الذلة على أقل تقدير، لاقتحم ساحة الحرب وقاتل.
إنني وبسبب ما يمتلكه الشعب من عزيمة للصمود أحتمل وبشدة عدم سقوط أصفهان على أيدي الغزاة، وإن كان هنالك الكثير من القادة والمسؤولين الخونة الضعفاء غير أن أفراد الشعب كانوا مستعدين، وكان عليه الانضمام إلى أوساط الناس وأن يقاتل . هذه هي قضية التاريخ وهذه هي المسؤولية التي تقع على عاتق المسؤولين في الحكومة والدولة سواء منها السلطة التشريعية أو القضائية أو التنفيذية، فالجميع جزء من هذه المنظومة .
إن مسؤوليتنا ـ أنا وأنتم ـ اليوم في غاية الخطورة، فيجب شق الطريق بعقل وتدبر إلى جانب التوكل على الله والتحلي بالشجاعة وليس الجبن، وأول المهام هو التماسك الداخلي، فلا تَدَعوا هذه الجدالات والسجالات تتحول إلى مواجهة ونزاع وخصام وهذه وصيتي الوحيدة لكم "[4].
ج ـ اليقظة والحذر:
وهذا ما يفوِّت على العدو أن يصل إلى أهدافه على حين غرة منا. ومن توجيهات الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) في هذا الإطار قوله: "إن اليقظة والحذر هما من أهم العوامل التي تؤدّي إلى إحباط مخططات الأعداء وفشلها .
يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ" ويعني: لابد لنا من الحذر واليقظة في مقابل المؤامرات التي يحيكها العدو الغادر والحاقد "[5].
د ـ الحفاظ على الالتزام الديني:
يقول الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) بعبارة مختصرة ولكنها تتضمن البعد المعنوي الكبير: "إننا إذا سرنا في صراط الله المستقيم والتزمنا طريق التقوى فإن الإمدادات الغيبية الإلهية سوف تتوالى بالنزول علينا لحظةً بعد أخرى، لأن الله سبحانه وتعالى يحب عباده الصالحين والمتقين ويعينهم على قضاء أمورهم "[6].
[1] - المناسبة: (13 آبان) اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، الزمان والمكان:17 جمادى الثانية 1417هـ ـ طهران .
[2] - المناسبة: اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، الزمان والمكان:27 جمادى الأولى 1415هـ ـ طهران .
[3] - المناسبة: اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، الزمان والمكان: 27 جمادى الأولى 1415هـ ـ طهران .
[4] - المناسبة: لقاء قائد الثورة الإسلامية مع أعضاء مجلس الشورى الإسلامي، الزمان والمكان: 26 ربيع الأول 1424هـ ـ طهران .
[5] - المناسبة: الاحتفال بيوم الجيش، الزمان والمكان:2 ذي القعدة 1414هـ ـ طهران .
[6] - المناسبة: الاحتفال بيوم الجيش،الزمان والمكان: 2 ذي القعدة 1414هـ ـ طهران .
العدلُ المنشودُ
العدلُ المنشودُ
عنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «إِذَا قَامَ الْقَائِمُ (عجّل الله تعالى فرجه) حَكَمَ بِالْعَدْلِ، وَارْتَفَعَ فِي أَيَّامِهِ الْجَوْرُ، وَأَمِنَتْ بِهِ السُّبُلُ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ بَرَكَاتِهَا، وَرَدَّ كُلَّ حَقٍّ إِلَى أَهْلِهِ»[1].
لقد عدَّ القرآنُ الكريمُ القيامَ بالقسطِ والعدلِ أحدَ الأهدافِ الأصليّةِ لبعثةِ الأنبياءِ (عليهم السلام)، قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[2]، وهذا الأمرُ من أهمِّ مميّزاتِ دولةِ الإمامِ المهديِّ (عجّل الله تعالى فرجه) العالميّةِ. وقد أكّدتِ العديدُ منَ الرواياتِ ذلكَ، وهيَ مئةٌ وثلاثونَ روايةً تقريباً؛ فعنِ الإمامِ الكاظمِ (عليه السلام) في تفسيرِ الآيةِ الكريمةِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾[3]، قالَ: «لَيْسَ يُحْيِيهَا بِالْقَطْرِ، وَلَكِنْ يَبْعَثُ اللَّهُ رِجَالاً فَيُحْيُونَ الْعَدْلَ، فَتُحْيَا الْأَرْضُ لِإِحْيَاءِ الْعَدْلِ»[4].
ومن تلكَ الرواياتِ التي أكّدتِ انتشارَ مظاهرِ العدلِ، أنَّ الإمامَ المهديَّ (عجّل الله تعالى فرجه) هوَ الحيلولةُ بينَ الناسِ وبينَ ممارسةِ التعدّي على عبادِ اللهِ عزَّ وجلَّ أو على حقوقِهِم، وسيقضي على الظاهرةِ التي كانَت تهيمنُ على الناسِ قبلَ ظهورِه، رُويَ عنِ الإمامِ الرضا (عليه السلام) أنَّهُ قالَ: «وَوَضَعَ مِيزَانَ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ أَحَداً»[5].
هذا العدلُ سوفَ يكونُ شاملاً، يجري ويُنفَّذُ في حقِّ الناسِ جميعِهِم، فقد رُويَ عن أبي جعفرٍ الباقر (عليه السلام) أنَّهُ قالَ: «وَيَعْدِلُ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ، الْبَرِّ مِنْهُمْ وَالْفَاجِرِ»[6]، بل إنَّ سعةَ انتشارِهِ كما يصفُها (عليه السلام): «… حتّى لا يُرى أثرٌ منَ الظلمِ»[7].
ومن أهمِّ مصاديقِ عدالةِ دولةِ الإمامِ المهديِّ (عجّل الله تعالى فرجه) العدلُ في الحياةِ الاقتصاديّةِ والماليّةِ؛ فالثروةُ تُقسَّمُ بصورةٍ عادلةٍ ومتساويةٍ بينَ الناسِ، وكلُّ فردٍ يتناولُ من نصيبِهِ المحدَّدِ لهُ ويتصرّفُ به، ففي روايةٍ عن أبي سعيدٍ الخدريّ، عنِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)، قالَ: «أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ، يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ وَزَلَازِلَ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، يَرْضَى بِهِ سَاكِنُ السَّمَاءِ، يَقْسِمُ الْمَالَ صِحَاحاً»، قُلْنا: وما الصحاحُ؟ قالَ: «بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ. فَيَمْلَأُ اللَّهُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ غِنًى، وَيَسَعُهُمْ عَدْلُهُ، حَتَّى يَأْمُرَ مُنَادِياً فَيُنَادِي: مَنْ لَهُ فِي مَالٍ حَاجَةٌ؟»، قالَ: «فَلَا يَقُومُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رَجُلٌ، فَيَقُولُ: أَنَا، فَيَقُولُ لَهُ: ائْتِ السادِنَ -يَعْنِي الْخَازِنَ- فَقُلْ لَهُ: إِنَّ الْمَهْدِيَّ يَأْمُرُكَ أَنْ تُعْطِيَنِي مَالاً، فَيَقُولُ لَهُ: احْثُ -يَعْنِي خُذْ- حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ، وَأبَرْزَهُ، نَدِمَ، فَيَقُولُ: كُنْتُ أَجْشَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ نَفْساً، أَوَعَجِزَ عَنِّي ما وَسِعَهُمْ؟»، قالَ: «فَيَرُدُّهُ، فَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّا لَا نَأْخُذُ شَيْئاً أَعْطَيْنَاهُ»، قالَ: «فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانيَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ»، أَوْ قَالَ: «ثُمَّ لَا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ بَعْدَهُ»[8]، وعنِ الإمامِ الباقرِ (عليه السلام): «… إِذَا قَامَ قَائِمُنَا، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَعْدِلُ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ، الْبَرِّ مِنْهُمْ وَالْفَاجِرِ... وَتُجْمَعُ إِلَيْهِ أَمْوَالُ الدُّنْيَا كُلُّهَا، مَا فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَهْرِهَا، فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: تَعَالَوْا إِلَى مَا قَطَعْتُمْ فِيهِ الْأَرْحَامَ، وَسَفَكْتُمْ فِيهِ الدِّمَاءَ، وَرَكِبْتُمْ فِيهِ مَحَارِمَ اللَّهِ، فَيُعْطَى شَيْئاً لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ»[9].
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين
[1] النيسابوريّ، روضة الواعظين وبصيرة المتّعظين، ج2، ص265.
[2] سورة الحديد، الآية 25.
[3] سورة الحديد، الآية 17.
[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج7، ص174.
[5] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص372.
[6] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص161.
[7] السيّد عليّ الحسينيّ الأسترآباديّ، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، ج1، ص344.
[8] السيّد ابن طاووس، التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (الملاحم والفتن)، ص323.
[9] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص161.
دَوْلَةُ الخَيْرِ العَمِيمِ
دَوْلَةُ الخَيْرِ العَمِيمِ
قالَ تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾[1].
تُنبِئُ هذهِ الآيةُ الكريمةُ عن إحدى السُّنَنِ الإلهيّةِ، وهيَ أنَّ السَّيرَ على هَدْيِ الصِّراطِ المستقيمِ، بالالتزامِ بما أمرَ اللهُ به، والاجتنابِ عمّا نهى عنه، يُوصِلُ الإنسانَ إلى الخيرِ العميمِ.
ومن خصائصِ الدَّولةِ المهدويّةِ أنَّ الأرضَ ستُعْمَرُ كلُّها، وستُخْرِجُ كنوزَها ومعادنَها وثرواتِها وزخرفَها، وتفتحُ السَّماءُ أبوابَها، وتفيضُ أمطارُها على الأرضِ، فتكثرُ النِّعَمُ والأرزاقُ، ولا تخلو بقعةٌ منَ الأرضِ ليسَ فيها زرعٌ وعِمرانٌ.
وهذا منَ التَّأييدِ الإلهيِّ للإمامِ المهديِّ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريفَ) ودولتِهِ المباركةِ، فقد رُويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «وتُخْرِجُ له الأرضُ أفلاذَ كَبِدِها»[2]؛ أي ما فيها من كنوزٍ ومعادنَ.
ورُويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «يُرْسِلُ السَّماءَ عليهِم مدراراً، ولا تحبسُ الأرضُ شيئاً من نباتِها، ويكونُ المالُ كَدُوساً، يأتيهِ الرَّجلُ فيسألُهُ، فيحثي لهُ في ثوبِهِ ما استطاعَ أن يحملَهُ»[3].
ثمّ تُخْرِجُ لهُ طيِّباتِها، ولا تبخلُ في دولتِهِ بشيءٍ، رُويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «وتزيدُ المياهُ في دولتِهِ، وتَمُدُّ الأنهارُ، وتُضَعِّفُ الأرضُ أُكُلَها، وتُستخرَجُ الكنوزُ كلُّها»[4].
فإذا ما قارَنّا بينَ ما نحنُ فيهِ الآنَ وما عليهِ عصرُ الإمامِ المهديِّ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريفَ)، نُدركُ عظمةَ ما سيحدثُ في عصرِهِ من إعمارٍ للبلادِ، وما سيعمُّها من نِعَمٍ ورزقٍ، حيثُ ستتضافرُ العواملُ والظروفُ جميعُها: الأرضُ، والسَّماءُ، وكلُّ ما على الأرضِ؛ لإعمارِ الكرةِ الأرضيّةِ، حتّى لا تبقى بقعةٌ منها بلا زرعٍ ولا حاصلٍ، فقد وردَ في الأثرِ: «فلا يبقى في الأرضِ خرابٌ إلّا عُمِّر»[5].
سيكونُ النّاسُ في دولةِ الإمامِ المهديِّ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريفَ) متنعِّمينَ في حياتِهِم الاقتصاديّةِ وفي رفاهيّةٍ، فلا أثرَ للبؤسِ والحرمانِ أوِ الجوعِ، ولا يستغلُّ النّاسُ بعضُهم بعضاً في سبيلِ كسبِ الأموالِ، وقد وردَت رواياتٌ كثيرةٌ في هذا الشأنِ، نذكرُ منها ما رُويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «تنعَمُ أمَّتي في زمانِهِ نعيماً لم يَنعَموا مثلَهُ قطُّ، البَرُّ والفاجرُ»[6]، وعنهُ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ) أيضاً: «ويجعلُ اللهُ الغنى في قلوبِ هذهِ الأمّةِ»[7].
فهم لا يستشعرونَ الحاجةَ، بل يعيشونَ جميعاً في غِنىً وسَعةٍ، عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): «تَنعمُ أمَّتي في زمنِ المهديِّ نعمةً لم يَنعموا مثلَها قطُّ؛ يُرسِلُ السَّماءَ عليهم مدراراً، ولا تَدَعُ الأرضُ شيئاً من نباتِها إلّا أخرجَتْهُ، والمالُ يومَئذٍ كَدُوسٌ. يقومُ الرَّجلُ فيقولُ: يا مهديُّ، أعطِني، فيقولُ: خُذْ»[8].
وهذا الخيرُ مرتبطٌ بالسُّنَّةِ الإلهيّةِ الواردةِ في الآيةِ المباركةِ، وهيَ الاستقامةُ؛ فلأنَّها دولةُ العدلِ والصِّراطِ المستقيمِ، ستكونُ دولةَ الخيرِ العميمِ، وفي الروايةِ عن أبي بصيرٍ، قالَ: قالَ أبو عبدِ اللهِ [الإمامُ الصادقُ] (عليهِ السَّلامُ) في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[9]: «واللهِ، ما نزلَ تأويلُها بعدُ، ولا ينزلُ تأويلُها حتَّى يخرجَ القائمُ (عليه السلام)»[10].
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين
[1] سورة الجنّ، الآية 17.
[2] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص513.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج36، ص369.
[4] المقدسيّ، عقد الدرر في أخبار المنتظر، ص84.
[5] الشيخ الطبرسيّ، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج2، ص292.
[6] الفتّال النيسابوريّ، روضة الواعظين، ص485.
[7] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج51، ص84.
[8] المقدسيّ، عقد الدرر في أخبار المنتظر، ص169.
[9] سورة التوبة، الآية 33.
[10] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص670.
خيراتُ المساجدِ
خيراتُ المساجدِ
عن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) أنَّهُ قالَ: «مَنِ اخْتَلَفَ إِلَى الْمَسَاجِدِ أَصَابَ إِحْدَى الثَّمَانِ: أَخاً مُسْتَفَاداً فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ عِلْماً مُسْتَطْرَفاً، أَوْ آيَةً مُحْكَمَةً، أَوْ رَحْمَةً مُنْتَظَرَةً، أَوْ كَلِمَةً تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، أَوْ يَسْمَعُ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلَى هُدًى، أَوْ يَتْرُكُ ذَنْباً خَشْيَةً أَوْ حَيَاءً»[1].
ما جعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ من حكمٍ في أحكامِ شريعةِ سيّدِ المرسلينَ محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) إلّا لمصلحةٍ تعودُ إلى العبادِ، فهوَ اللهُ الغنيُّ عنِ العالمينَ، وهذا النفعُ يرتبطُ بخيرِ الدنيا والآخرةِ. وتشريعُ المساجدِ لإقامةِ الصلاةِ فيها، والحثُّ على التردُّدِ إليها، هوَ من أبوابِ الخيرِ والنفعِ الكثيرِ الذي أرادهُ اللهُ عزَّ وجلَّ لعبادِهِ.
إنَّها بيوتُ اللهِ في أرضِهِ، وهذا أوّلُ ما ينبغي أن يلتفتَ إليهِ مَن يرتادُ المساجدَ، فهوَ يذهبُ إلى بيتٍ يتعلَّقُ باللهِ، فعن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ: أَنَّ بُيُوتِي فِي الْأَرْضِ الْمَسَاجِدُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي. أَلَا إِنَّ عَلَى الْمَزُورِ كَرَامَةَ الزَّائِرِ، أَلَا بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلُمَاتِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ السَّاطِعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[2]. والنورُ المرافقُ لهذا العبدِ يومَ القيامةِ هوَ ثمرةُ ما يستفيدُهُ في المسجدِ منَ الأمورِ الثمانيةِ الواردةِ في حديثِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام).
ومن أهمِّها تركُ الذنبِ خشيةً أو حياءً، ويجمعُهُما المرويُّ عنِ الإمامِ زينِ العابدينَ (عليه السلام): «خَفِ اللَّهَ تَعَالَى لِقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، وَاسْتَحْيِ مِنْهُ لِقُرْبِهِ مِنْكَ»[3]. والمسجدُ مكانٌ يُقَرِّب العبدَ من اللهِ عزَّ وجلّ، والإحساسُ بهذا القربِ خيرُ رادعٍ عنِ المعاصي والآثامِ. ولذا، وردَ أنَّ منَ المستحبّاتِ عندَ الحضورِ إلى المسجدِ مراعاةَ الآدابِ العامّةِ للمساجدِ، والخروجَ لابِساً أفضلَ ثيابِهِ، لكي يكونَ لقاؤُهُ بربِّهِ وإخوانِهِ على أفضلِ صورة. ومن أهمِّ الآدابِ التي تحافظُ على الاستفادةِ الصحيحةِ منَ التردّدِ إلى المساجدِ، ما وردَ في الحديثِ عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله): «كُلُّ جُلُوسٍ فِي الْمَسْجِدِ لَغْوٌ إِلَّا ثَلَاثَةً: قِرَاءَةُ مُصَلٍّ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ، أَوْ سَائِلٌ عَنْ عِلْمٍ»[4].
وتجبُ معرفةُ الحدودِ في التعاملِ في المسجدِ، فعلى المؤمنِ المسجديِّ أن يحذرَ من رفعِ الأصواتِ في المساجدِ، أوِ الجدالِ فيها بالباطلِ، ففي وصيّةِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) إلى أبي ذرٍّ، قالَ لهُ:«يَا أَبَا ذَرٍّ، مَنْ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ وَأَحْسَنَ عِمَارَةَ مَسَاجِدِ اللَّهِ، كَانَ ثَوَابُهُ مِنَ اللَّهِ الْجَنَّةَ»، فَقُلْتُ: كَيْفَ يُعْمَرُ مَسَاجِدُ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا تُرْفَعُ فِيهَا الْأَصْوَاتُ، وَلَا يُخَاضُ فِيهَا بِالْبَاطِلِ، وَلَا يُشْتَرَى فِيهَا وَلَا يُبَاعُ، وَاتْرُكِ اللَّغْوَ مَا دُمْتَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُومَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا نَفْسَكَ»[5].
وفي الروايةِ عنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «إِذَا بَلَغْتَ بَابَ الْمَسْجِدِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَصَدْتَ بَابَ بَيْتِ مَلِكٍ عَظِيمٍ، لَا يَطَأُ بِسَاطَهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وَلَا يُؤْذَنُ بِمُجَالَسَةِ مَجْلِسِهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ... وَاعْتَرِفْ بِعَجْزِكَ وَتَقْصِيرِكَ وَفَقْرِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنَّكَ قَدْ تَوَجَّهْتَ لِلْعِبَادَةِ لَهُ وَالْمُؤَانَسَةِ، وَاعْرِضْ أَسْرَارَكَ عَلَيْهِ، وَلْتَعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَسْرَارُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ وَعَلَانِيَتُهُمْ، وَكُنْ كَأَفْقَرِ عِبَادِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخْلِ قَلْبَكَ عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ يَحْجُبُكَ عَنْ رَبِّكَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْأَطْهَرَ وَالْأَخْلَصَ، وَانْظُرْ مِنْ أَيِّ دِيوَانٍ يُخْرَجُ اسْمُكَ، فَإِنْ ذُقْتَ مِنْ حَلَاوَةِ مُنَاجَاتِهِ وَلَذِيذِ مُخَاطَبَاتِهِ، وَشَرِبْتَ بِكَأْسِ رَحْمَتِهِ وَكَرَامَاتِهِ مِنْ حُسْنِ إِقْبَالِهِ عَلَيْكَ وَإِجَابَتِهِ، فَقَدْ صَلَحْتَ لِخِدْمَتِهِ، فَادْخُلْ فَلَكَ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ»[6].
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين
[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص237.
[2] الشيخ الصدوق، الهداية، ص132.
[3] الشهيد الأوّل، محمّد بن مكّي، الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة، ص25.
[4] الأمير ورّام، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، ج2، ص62.
[5] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج5، ص234.
[6] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج80، ص373.




























