emamian

emamian

وأعرب القائد في رسالته عن شكره وتقديره لتعاطفهم ولطفهم إثر تعزيتهم باستشهاد القائد الشهيد آية الله السيد "علي الخامنئي"، فيما أعلن ممثل الولي الفقيه في محافظة هرمزجان جنوبي البلاد حجة الإسلام "محمد عبادي زادة"، عن تلقي هذه الرسالة، مؤكدا على المكانة الرفيعة للوحدة بين الأمة الإسلامية.

وصرح ممثل الولي الفقيه حجة الإسلام "عبادي زادة"،قائلا: إن رسالة قائد الثورة الإسلامية تحمل قيمة كبيرة، وقد صدرت في إطار تعزيز الانسجام الوطني، وترسيخ التعاطف، وتعميق الروابط بين مختلف أطياف الأمة الإسلامية.

وأشار حجة الإسلام عبادي زادة إلى البيانات التي أصدرها علماء أهل السنة في هذه المحافظة، والتي أدانت العمليات الإرهابية للكيان الصهيوني والولايات المتحدة في اغتيال قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد "علي الخامنئي" والقادة العسكريين المقتدرين، وكذلك إعلان مبايعتهم لخلفه الصالح سماحة آية الله السيد "مجتبى الخامنئي"؛ معتبرا هذا الإجراء دليلا على الوعي والوفاء والالتزام بقيم الثورة الإسلامية.

واعتبر الرد المكتوب من قائد الثورة الموجه إلى علماء أهل السنة في هرمزجان تأكيدا هاما على الدور الذي يقوم به النخبة وعلماء الدين في المجتمع من أجل السمو في طريق العزة والاقتدار والدفع بأهداف البلاد نحو القائد الشهيد.

الجمعة, 17 نيسان/أبريل 2026 16:10

الإمام الصادق عليه السلام سيرة ومسيرة

عاصر إمامنا الصادق (ع) عشرة من حكام بني أميّة وكان أولهم عبد الملك بن مروان حيث تزامنت ولادة الإمام عليه السلام أواخر حكمه، أما بقية من عاصرهم (ع) فهم الوليد بن عبد الملك، وسلمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وابراهيم بن الوليد، ومروان الحمار، كما عاصر (ع) اثنين من خلفاء بني العباس هما ابو العباس السفاح وأخوه أبو جعفر المنصور، وكانت مدة إمامة إمامنا الصادق (عليه السلام) أربع وثلاثين سنة وهي المدة التي عاشها بعد أبيه الإمام الباقر (ع).

عاش الصادق (عليه السلام) مع أبيه وجده إثنتي عشر سنة ومع أبيه بعد جدِّه تسع عشر سنة وبعد أبيه أربع وثلاثين سنة وحين توفي (ع) كان عمره الشريف خمسا وستين سنة.

شهد الإمام عليه السلام في العهد الأموي الظلم والقتل والتشريد والسجن والتعذيب الذي كان يمارسه الأمويون ضدّ خصومهم بصورة عامة وضدَّ العلويين بصورة خاصة، فضلا عن التعذيب النفسي الذي كان يقوم به الولاة والمتزلفون للحكام حيث كانوا يجمعون كل من يمت بصلة لأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام ويضعونهم قريباً من المنبر يوم الجمعة ويقوم الخطيب بسب الإمام علي عليه السلام, واستمر هذا الأمر إلى حكم عمر بن عبد العزيز الذي منع السب.

وقد عاصر إمامنا عليه السلام ثورة زيد بن علي بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك وما رافق هذه الثورة من قمع أدى إلى استشهاد زيد ومطاردة العلويين بأشد مما كان من ذي قبل.

كما شهد إمامنا الصادق (ع) في العهد الإنتقالي تحرّك أبي سلمة الخلال وأبي مسلم الخراساني والإطاحة بحكم بني أمية فكان موقفه (ع) تجاه هذه الحركة موقف الرافض؛ لعلمه بعاقبة الأمر.

وفي العهد العباسي قام السفاح بإشخاص إمامنا الصادق عليه السلام من المدينة إلى الهاشمية وإلزامه بالإقامة الجبرية في الكوفة لمدة قصيرة ثم أرجعه إلى المدينة، فالسفاح لم يعلن العداء لولد علي عليه السلام عند وصوله للسلطة، بل كان يتظاهر بالولاء لهم إذ أنه يعلم أن الثورة ضد الأمويين إنّما نجحت تحت لواء شعار الولاء لآل محمد وعليّ – صلوات الله عليهم أجمعين - وكان ذلك سبباً في إشخاصه الإمام الصادق عليه السلام وإلزامه بالأقامة الجبرية.

لم تدُم أيّام السفاح إلّا نحو أربع سنوات ثم جاء المنصور واشتدّ الأمر على العلويين فاُخذوا واُبعدوا عن الكوفة وسجنوا في سجن مظلم حتى مات بعضهم فيه وبقيت جثثهم في السجن حتى مرض بعضهم من ذلك فعمد المنصور إلى هدم السجن على باقيهم.

شهد الإمام ذلك كله ولاقى من المنصور أذىً كثيراً وكان الوشاة يحيطون به من كل جانب وينقلون إلى المنصور من التهم ما هو بريء منها، فيزداد الطاغي بذلك غيظاً على الإمام (ع) ومن نماذج ما لاقاه إمامنا الصادق عليه السلام من أنواع الظلم، ما رواه الشيخ المفيد وغيره: (من أن داود بن علي بن عبد الله بن عباس قتل المُعلّى بن خنيس مولى الإمام (ع) وأخذ ماله فدخل عليه (ع) وهو يجهر وراءه فقال له: قتلت مولاي وأخذت مالي، أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب، أما والله لأدعونَّ عليك الله، فقال له داود: أتهدِّدُنا بدعائك.. كالمستهزئ بقوله، فرجع أبو عبد الله إلى داره فلم يزل ليله كله قائماً وقاعداً حتى إذا كان السَّحر سُمِع وهو يقول بمناجاته: يا ذا القوة القوية، يا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي كل خلقك لها دليل، إكفني هذا الطاغية وانتقم لي منه، فما كان إلا ساعة حتى ارتفعت الأصوات بالصياح وقيل قد مات داود بن علي الساعة.

ومن ذلك - أيضا - ما رواه الكليني باسناده عن المفضّل بن عمر قال: وجّه أبو جعفر المنصور الحسين بن زيد وهو واليه على الحرمين: أن احرق على جعفر بن محمد داره فألقى النار في دار أبي عبد الله فأخذت النار في الباب والدهليز فخرج أبو عبد الله (ع) يتخطّى النار فيها ويقول: أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله.

هذا وقد اتسّعت الحركة العلمية في أيام الإمام الصادق عليه السلام حيث تزعّمَ الحركة الفكرية والعلمية مع ما لاقاه من الأذى وما شاهده من الظلم تجاه أهل بيته وسائر العلويين فكان (عليه السلام) الذروة العليا في علم الفقه حيث أتيحت له بعض الفرص لإظهار هذا العلم لم يقدر مثلها لغيره من الائمة (عليهم السلام) فتربّى على يديه جمع غفير من الفقهاء الإماميين فضلاً عن فقهاء المذاهب الإسلامية الأربعة أمثال أبي حنيفة، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج، وروح ابن القاسم، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جابر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن طهمان، وأشخاص آخرين لا يسعنا ذكرهم في هذه العجالة.

وتربّى على يدي إمامنا الصادق (ع) جماعة امتازوا وتميّزوا في علم الكلام وتفوّقوا على من سواهم أمثال: مؤمن الطاق، وهشام بن الحكم، وهشام بن سالم، وحمران بن أعين، والطيار، وغيره..

هذا ولم ينحصر الدور القيادي للأمام الصادق عليه السلام في علمي الفقه والكلام بل شمل مختلف العلوم أيضاً كالتفسير والسيرة وآداب اللغة والعلوم الغريبة، وكان له تلاميذ مختصون بهذه العلوم.

توفي إمامنا الصادق عليه السلام في الخامس والعشرين من شوال سنة مائة وثمان وأربعين ودفن بالبقيع بجوار أبيه وجده الحسن صلوات الله عليهم أجمعين. وروى المسعودي في مروج الذهب: أن الإمام عليه السلام قد دُسّ إليه سماً، كما ورد في الصواعق المحرقة ومناقب آل أبي طالب.

وختاماً نشير إلى فطنة الإمام عليه السلام وحكمته بما سيجري من بعده على وصيه الإمام موسى الكاظم عليه السلام، فقد روى ثقة الإسلام الشيخ الكليني رحمه الله وغيره عن أبي أيوب النحوي أنه قال: بعث إليَّ أبو جعفر المنصور في جوفِ الليل فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب فلما سلمت عليه رمى الكتاب إليّ وهو يبكي فقال لي: هذا كتاب محمد بن سلمان يخبرنا أنّ جعفر بن محمد مات، فاِنا لله وإنا إليه راجعون – ثلاثاً - وأين مثل جعفر؟ ثم قال: اكتب، قال: فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إنْ كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدّمه واضرب عنقه، قال: فرجع إليه الجواب: إنه قد أوصى إلى خمسةٍ وأحدهم أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبد الله، وموسى، وحميدة.

فسلام على الصادق جعفر يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.

الأربعاء, 15 نيسان/أبريل 2026 20:10

ما هي معاني النصر في القرآن الكريم؟

ما هي معاني النصر في القرآن الكريم؟

أهمّ هذه المعاني التي وردت في القرآن لكلمة نصر ما يأتي:

1- الحماية والدفع: استُخدِمت مادّة نصر في القرآن الكريم في هذا المعنى مرّاتٍ عدة، في أكثر من سياقٍ ربّما كان أكثرها في سياق تهديد الكافرين أو العاصين بعدم قدرة أحدٍ على حمايتهم من عذاب الله إذا نزل بهم. وأمثلة ذلك في القرآن كثير، منها:

أ- نفي الحماية من عذاب الآخرة: ورد هذا المعنى في عدد من آيات القرآن يخبرنا الله فيها عن حتميّة عذاب الآخرة لمستحقّيه، وعجز أيّ قدرة أو جهة عن التدخّل للتخفيف من هذا العذاب أو دفعه عمّن يستحقّه، ولا إمكان تبديله بغيره إن لم يرد الله تعالى ذلك، وهذا كما في قوله عزّ وجلّ في وصف يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾[1]. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾[2].
 
ب- نفي القدرة الذاتيّة على دفع العذاب: ورد في قصّة النبيّ نوح عليه السلام أنّ قومه طلبوا منه إبعاد بعض المقرّبين من المؤمنين به، بحجّة أنّهم أراذل القوم[3]، فردّ عليهم بمطالبتهم بحمايته من آثار هذا الطرد ودفع العذاب الإلهيّ عنه إن طرد هؤلاء المؤمنين المحيطين: ﴿وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾[4]. ومعنى هذه الآية هو نفي وبيان عجز أيّ قدرة على حماية النبيّ نوحٍ من عذاب الله ودفعه عنه إن هو خالف إرادة الله واستجاب طلب الكفّار الذين كانوا يأنفون من مجالسة فقراء القوم وضعفائهم، وبعبارة أخرى هو استفهام في معنى النفي[5]. والموقف النبويّ الحاسم نفسه يتكرّر من النبيّ صالح عليه السلام في الردّ على قومه عندما أعلنوا سأمهم من إصرارهم على دعوته وترغيبه في الميل إلى دينهم[6].
 
2- الانتقام: استُخدمت مادّة "نصر" في هذا المعنى في آيات عدّة من القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾[7]. وقد وردت هذه الآية في سياق الحديث عن الشعراء الذين كانوا يهجون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فواجههم المسلمون بالسلاح نفسه وانتصروا لرسولهم ولأنفسهم[8]. ومن أمثلة استعمال هذه المادّة في هذا المعنى أي الانتقام قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾[9].
 
3- العون والمساعدة: من المعاني الأساسيّة لمادّة "نصر" العون والمساعدة. وقد نصّ عدد من علماء اللغة على هذا المعنى عندما تعرّضوا لهذه الكلمة في معاجمهم. وقد تقدّم بعض ذلك. ونزيد الأمر وضوحًا هنا، فنشير إلى عدد من أقوال اللغويّين، منهم مثلًا، يقول ابن منظور: "النصر: إعانة المظلوم، نصره على عدوّه ينصره ونصره ينصر نصرًا... والاسم النُّصرة... والأنصار أنصار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غلبت عليهم الصفة فجرى مجرى الأسماء... وتناصروا: نصر بعضهم بعضًا"[10].
 
وتوقّف بعض علماء اللغة عند قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾[11] ويجعلها أحد الشواهد على استخدام هذه المادة في هذا المعنى فيقول: "قوله: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ﴾ ويعينه في الدنيا والآخرة ويغيظه أن يظفر بمطلوبه..."[12]. وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم لإحصاء المعاني التي تستخدم فيها هذه المادّة نجد أنّ القسم الأكبر من موارد استخدامها هو استخدامها في هذا المعنى، وهاك بعض النماذج التي تؤيّد هذه الدعوى:
 
قال الله تعالى:
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ﴾[13].
 
﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾[14].
 
﴿وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾[15].
 
﴿جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّه﴾[16].
 
وغير هذه الآيات كثير يكشف عن استخدام هذه الكلمة في هذا المعنى أي معنى المساعدة والعون. وفي إحصاء نتجنّب وصفه بالدقيق تبيّن أنّ هذه الكلمة استُخدمت ما يقرب من مئة وخمسين مرّة في القرآن الكريم ربّما كان أكثر من نصفها دالًّا على هذا المعنى الأخير. وفي عدد كبير من الموارد الباقية هو الاحتمال الأرجح. وقبل الانتقال إلى النقطة اللاحقة لا بأس من الإشارة إلى الفرق بين النصر ومشتقّاته وبين العون. ونستند في هذا التمييز إلى ما قاله أبو هلال العسكري: 

الفرق بين النصرة والإعانة: أن النصرة لا تكون إلا على المنازع المغالب والخصم المناوئ المشاغب، والإعانة تكون على ذلك وعلى غيره، تقول أعانه على من غالبه ونازعه ونصره عليه وأعانه على فقره إذا أعطاه ما يعينه وأعانه على الأحمال. ولا يقال نصره على ذلك فالإعانة عامة والنصرة خاصة. والفرق بين النصر والمعونة: "النصر: يختص بالمعونة على الأعداء. والمعونة: عامة في كل شيء. فكل نصر معونة ولا ينعكس..."[17].
 
4- الغلبة والظفر: رابع المعاني التي تُستخدم فيها كلمة "نصر" ومشتقّاتها التغلّب على العدوّ والظفر عليه. وهذا المعنى الأخير هو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عندما تُسمع كلمة "نصر" ومشتقّاتها في هذا العصر بين أهل العربية. وربّما يفهم هذا المعنى من بعض الآيات في القرآن الكريم التي وردت فيها كلمة نصر. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾[18]، ويكشف تتبّع كلمات المفسّرين عن أنّهم يرون أنّ هذه الكلمة تدلّ على هذا المعنى الأخير. يقول السيد الطباطبائي في شرح الآية المشار إليها أعلاه: "بيان انحصار حقيقة النصر فيه تعالى، وأنّه لو كان بكثرة العدد والقوّة والشوكة كانت الدائرة يومئذ للمشركين بما لهم من الكثرة والقوّة على المسلمين على ما بهم من القلّة والضعف"[19]. ويقول مفسّرٌ آخر: "ولمّا كان ذلك فهمنا أنّ النصر ليس إلا بيده، وأنّ شيئًا من الإمداد أو غيره لا يوجب النصر بذاته"[20].
 
المعنى الأساس لكلمة النصر
في ختام الحديث عن المعنى اللغوي لكلمة نصر ثمّة تساؤلٌ يستحقّ أن يطرح مع محاولة الجواب عنه وهو أنّه هل يمكن ردّ بعض هذه المعاني إلى بعضها الآخر؟ وهل يصحّ افتراض أنّ المعنى الأصليّ لمادّة "نصر" هو الإعانة على العدوّ بالحدّ الأدنى؟
 
يبدو من خلال التأمّل في موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن الكريم، بالحدّ الأدنى، أنّ الأصل فيها هو العون لتحقيق هدفٍ والوصول إلى غايةٍ ولو في حالة المغالبة والخصام، فإذا تحقّقت هذه الغاية وأثمرت النصرة والمساعدة ثمرتهما قيل عن هذه الحالة الجديدة التي تترتّب عليهما نصرًا بدل أن يُقال غلبة أو ظفرًا أو ما شابههما من الكلمات التي تفيد هذا المعنى.
 
يميّز بعض علماء اللغة بين مصطلحين هما: المصدر واسم المصدر. فيعرّفون الأوّل بأنّه ما دلّ على الحدث مجرّدًا عن الزمان. وتوضيح ذلك أنّ الفعل يدلّ على حصول الحدث في زمنٍ محدّدٍ كالماضي أو الحاضر أو المستقبل. ومثاله في ما نحن فيه: نَصَرَ (ماضٍ)، ينصرُ (حاضر)، انصرْ (مستقبل). هذا بحسب المعنى وأمّا بحسب اللفظ فيشترطون في المصدر أن تتوفّر فيه حروف الفعل ولا يُحذف منها شيءٌ دون التعويض عنه. وأمّا إذا حُذِفت بعض الحروف ودلّت الكلمة على الحديث فتكون اسم مصدرٍ. مثل: توضّأ ووضوء (اسم مصدر).
 
وعلى هذا يتّحد المصدر واسمه في المعنى ويختلفان في عدد الحروف فحسب[21]. هذا ولكن ثمّة من يميّز بين الأمرين بأنّ المصدر يدلّ على الحدث وأمّا اسم المصدر فإنّه يدلّ على نتيجة الحدث والفعل. وفي ما نحن فيه فإنّ الإعانة والمدد يؤدِّيان إلى نتيجة هي الفوز، فنفس عمليّة الإعانة تُسمّى نصرًا ونصرةً فهي مصدرٌ. وأما النتيجة التي تفضي إليها هذه الإعانة فهي النصر بما هو نتيجة وأثرٌ ويُسمّى اسم مصدرٍ[22].
 


[1]  سورة الدخان، الآية 41.
[2] سورة الطور، الآية 46.
[3] انظر: سورة هود، الآية 27.
[4] سورة هود، الآية 30.
[5] للاطلاع على كلام المفسّرين على هذه الآية انظر: السيد محمد حسن الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 10، ص 208، الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، ج 5، ص 266.
[6] ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (سورة هود: الآية 63).
[7] سورة الشعراء، الآية 227.
[8] انظر: مجمع البيان، ج 7، ص 360.
[9] سورة الشورى، الآية 41.
[10] لسان العرب، ج 5، ص 210، مادّة: "نصر". ويشبهه قول أبي بكر الرازي، مختصر الصحاح، ص 239.
[11] سورة الحجّ، الآية 15.
[12] فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، ج 3، ص 494.
[13] سورة التوبة، الآية 40.
[14] سورة الصافات، الآية 116.
[15] سورة الحشر، الآية 12.
[16] سورة آل عمران، الآية 81.
[17] أبو هلال العسكري، الفروق اللغويّة، ص 540.
[18] سورة الأنفال، الآية 10.
[19] الميزان في تفسير القرآن، ج 9، ص 21، وانظر أيضًا: المصدر نفسه، ج 4، ص 9.
[20] البقاعي، نظم الدرر في تفسير الآيات والسور، نقلًا عن برنامج المكتبة الشاملة الإلكتروني.
[21] انظر مثلًا: ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ج 2، ص 98.
[22] هذا وقد يخالف كثير من علماء النحو واللغة العربية في هذا الأمر. وزيادة التدقيق في هذا المبحث تحتاج إلى بحثٍ تخصّصيّ ليس هذا محلّه. للمزيد انظر: عباس حسن، النحو الوافي، ط 4، دار المعارف، مصر، لا تاريخ، ج 3، ص 208، مصطفى جمال الدين، البحث النحوي عند الأصوليّين، ط 2، دار الهجرة، قم، 1405 هـ.ق.، ص 98-114.

الأربعاء, 15 نيسان/أبريل 2026 20:08

أخلاقيات الإنسان العامل وروح التضحية

أخلاقيات الإنسان العامل وروح التضحية

الاتصال بالله تعالى يجعل الإنسان قادراً على أن يدعو ويترقّب من الله الاستجابة، أمّا إذا كان نسي الله تعالى أيّام رخائه، وقد ترك الله ودينه ومِحنته ومشاكل رسالته، وكان يفكّر في نفسه لا في الله... حينئذٍ كيف يمكن أن يرجو هذا الإنسان حينما يقع في مِحنةٍ أن يمدّ يده إلى السماء فيستجيب الله دعاءه؟ ولماذا يستجيب الله دعاءه؟! لماذا يستمع إلى لسان لم يلهج بذكر الله؟! وإلى يدين لم تتحرّكا في طاعة الله؟ وإلى قلبٍ لم ينبض بالحبّ لله تعالى؟

نحن لا يمكننا أن نترقّب استجابة الدعاء إلا إذا كنّا نعيش حالة الاتصال بالله وكنّا قد عبّأنا وجودنا وقِوانا بالله سبحانه وتعالى، وحينئذٍ يمكن أن نطلب من الله سبحانه وتعالى الإمداد والمعونة والتغلّب على كلّ المشاكل والمِحن.

ما هي أخلاقيّة الإنسان العامل؟

هناك مظاهر أساسيّة للأخلاقيّة التي كنّا نعيشها، وهذه المظاهر هي أبعد ما تكون عن أخلاقيّة الإنسان العامل الذي يريد أن يحمل رسالة الله. هذه الأخلاقيّة لا بدّ لنا من أن نطوّرها في نفوسنا، لا بدّ لنا من أن نغيّر هذه الأخلاقيّة ونفتح بالتدريج أخلاقيّة الإنسان العامل لكي نهيّئ الأرضيّة النفسيّة التي يقام على أساسها العمل الصحيح.

أ- روح التضحية والإيثار بالمصالح الخاصّة
الأخلاقيّة التي كنّا نعيشها من نقاطها الرئيسيّة الارتباط بالمصلحة الشخصيّة بدلاً عن الاستعداد للتضحية. نحن بحاجةٍ إلى أخلاقيّة التضحية بدلاً عن أخلاقيّة المصلحة الشخصيّة، بحاجةٍ إلى أن نكون على استعدادٍ لإيثار المصلحة العامّة للكيان على المصلحة الخاصّة لهذا الفرد أو لذاك الفرد، نحن لا بدّ لنا من أخلاقيّة التضحية بالمصالح الخاصّة في سبيل المصالح العامّة، أمّا ما كان موجوداً فهو على الغالب إيثار للمصلحة الخاصّة على المصلحة العامّة. كنّا نعيش لمصالحنا وكنّا لا نعيش للمصلحة العامّة حينما تتعارض مع مصالحنا الخاصّة.

وهذه النزعة الأخلاقيّة (النزعة الأخلاقيّة التي تتّجه نحو المصلحة الخاصّة لا نحو المصلحة العامّة) تجعل القدر الأكبر من طاقتنا وقِوانا وإمكانيّاتنا في سبيل تدعيم المصالح الخاصّة أو في سبيل الدفاع عنها.

حينما تتوجّه الاتجاهات من المصلحة العامّة إلى المصلحة الخاصّة، سوف يضطرّ كلّ إنسانٍ يعيش في جوٍّ عامرٍ بهذا الاتجاه، سوف يضطرّ كلّ إنسان منهم إلى التفكير في نفسه، وإلى الدفاع عن نفسه، وإلى تثبيت نفسه، وبذلك نصرف ثمانين بالمائة من قِوانا وطاقتنا بالمعارك داخل هذا الإطار، بينما هذه الثمانين بالمائة من القوى والطاقات التي تصرف في معارك داخل هذا الإطار كان بالإمكان ـ لو أنّنا نتحلّى بأخلاقيّة الإنسان العامل، أعني بأخلاقيّة التضحية بالمصلحة الخاصّة في سبيل المصلحة العامّة ـ أن نحوّل هذه الثمانين بالمائة للعمل في سبيل الله بتدعيم الإطار ككلّ، وترسيخه، وتكديسه وتوسيعه. وبذلك ـ لو كنّا نعقل ـ لكنّا نستفيد أيضاً حتّى بحساب المقاييس العاجلة أكثر مما نستفيد ونحن نتنازع ونختلف داخل إطارٍ معرّضٍ لخطر التمزّق، داخل إطارٍ مهدّدٍ بالفناء.

إلى متى نحن نعيش المعركة داخل إطارٍ يُحكم عليه بالفناء يوماً بعد يومٍ، ولا نفكّر في نفس الإطار، ولا نفكّر في أن نتناسى مصالحنا الصغيرة في سبيل المصلحة الكبيرة؟

أخلاقيّة الإنسان العامل أو شروطها هو أن يكون عند الإنسان شعورٌ واستعدادٌ للتضحية بالمصالح الصغيرة في سبيل المصلحة الكبيرة، وهذا ما لا بدّ لنا من ترويض أنفسنا عليه.

ب- نزعة التجديد في أساليب العمل
المظهر الثاني من مظاهر أخلاقيّة الإنسان العامل هو الاتجاه إلى التجديد في أساليب العمل (نزعة التجديد في أساليب العمل). نحن عندنا (نظريّة) وعندنا (عمل).

1ـ النظريّة: هي الإسلام ولا شكّ ولا ريب في أنّ ديننا ثابتٌ لا يتغيّر ولا يتجدّد، ولا شكّ أنّ هذا الدين هو أشرف رسالات السماء وخاتم تلك الأديان الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى للإنسان في كلّ مكانٍ وفي كلّ زمانٍ. ولهذا فالصيغة النظريّة للرسالة صيغةٌ ثابتةٌ لا تتغيّر ولا يمكن أن نؤمن فيها بالتجدّد. من الخطأ ألف مرّة أن نقول إنّ الإسلام يتكيّف وفق الزمان، الإسلام فوق الزمان والمكان لأنّه من وضع الواضع الذي خلق الزمان والمكان، فقد قدّر لهذه الرسالة القدرة على الامتداد مهما امتدّ المكان والزمان.
الصيغة النظريّة للإسلام صيغةٌ ثابتةٌ فوق التجدّد وفوق التغيّر. لا بدّ لها هي أن تحكم كلّ عوامل التغيّر وكلّ عوامل التجدّد لا أن تحكم عوامل التجدّد والتغيّر الرسالة وتحكم الإسلام، بل الإسلام يحكم كلّ عوامل التجدّد. هذا واضحٌ على مستوى النظريّة ولا بدّ أن يكون واضحاً عندنا جميعاً.

2ـ وأمّا العمل في سبيل هذه النظريّة: ففي أساليب العمل الخارجيّ كانت لدينا حالةٌ، أنا استطيع أن اسمّيها "حالة النزعة الاستصحابيّة" ، فكنّا نتّجه دائماً إلى ما كان ولا نفكّر أبداً في أنّه هل بالإمكان أن يكون أفضل ممّا كان؟ وهذه النزعة الاستصحابيّة إلى ما كان والحفاظ على ما كان يجعلنا غير صالحين لمواصلة مسؤوليّتن، وذلك لأنّ أساليب العمل ترتبط بالعالَم، ترتبط بمنطقة العمل، ترتبط بالبستان الذي تريد أن تزرع فيه، وهذا البستان هي الأمّة التي تريد أن تزرع فيها بذور الخير والتقوى والورع والإيمان... ليست لها حالةٌ واحدةٌ، الأمّة تتغيّر، نعم إسلامك لا يتغيّر، لكن الأمّة تتغيّر، الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس في مستواها الأخلاقيّ، في علائقها الاجتماعيّة، في أوضاعها الاقتصاديّة، في كلّ ظروفها، الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس، وحيث إنّ الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس، لا يجوز لك أن تتعامل مع الأمّة اليوم كما تعاملت مع الأمّة بالأمس، أنت اليوم حينما تريد أن تتصّل بإنسانٍ من أبناء الأمّة في بلدٍ آخر لا تمشي على رجليك، ولا تركب حيواناً، وإنّما تركب سيارةً لكي تصل إلى هناك، يعني أنّك غيّرت أساليب عملك مع أبناء الأمّة، لماذا؟ لأنّ الأمّة تغيّرت، فحيث إنّ منطقة العمل هي الأمّة، حيث إنّك تريد أن تزرع بذورك، (بذور التقوى والورع والإيمان) في الأمّة... لهذا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الظروف والتغيّرات والتصوّرات التي توجد في الأمّة، هذه التصوّرات والتغيّرات التي توجد في الأمّة، تحدّد لنا أساليب العمل، وليس بالإمكان أن يكون هناك أسلوبٌ واحدٌ يصدق على الأمّة اليوم، وعلى الأمّة بالأمس، وعلى الأمّة غداً.

مرتكزات الرؤية الإسلاميّة في بناء الدولة المعاصرة

تستند مرتكزات الدولة الإسلاميّة في عصر غيبة المعصوم عليه السلام إلى المنظومة التشريعيّة الشموليّة لكلِّ مناحي الحياة، والّتي قد وضع معالمها وقواعدها الله تعالى في القرآن الكريم، ثمّ قام رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام من بعده بتفصيلها وتبيانها للناس، لكي يسيروا على هديها نحو بناء الدولة الإسلاميّة.
 
وتُقسّم هذه المرتكزات إلى ثلاث ركائز أساس في الفقه الإسلاميّ، على النحو التالي:
 
1 - الله تعالى مصدر السلطات جميعاً.
 يقوم التشريع الإسلاميّ على ركيزة أساس وأوّليّة، ألا وهي الإيمان المطلق بأنّ الله تعالى هو مصدر السلطات جميعاً، و هو المصدر الّذي يستمدّ منه الدستور شرعيّته، وتُشرّع على ضوئه القوانين[1] في بناء الدولة.
 
وهذه الحقيقة الكبرى تُعتبر أعظم ثورة قام بها الأنبياء عليهم السلام، ومارسوها في معركتهم، من أجل تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، أي إنّ الإنسان حرٌّ ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأيّ مجموعة بشريّة عليه، وإنّما السيادة لله وحده، وبهذا يوضع حدّ نهائيّ لكلِّ ألوان التحكُّم وأشكال الاستغلال وسيطرة الإنسان على الإنسان.
 
طبعاً إنّ هذه السيادة لله تعالى والّتي دعا إليها الأنبياء والأولياء عليهم السلام على مرّ التأريخ، تختلف اختلافاً أساساً عن نظريّة الحقّ الإلهيّ، الّتي استغلّها الطغاة والملوك قروناً من الزمن للتحكُّم والسيطرة على الآخرين، فإنّ هؤلاء وضعوا السيادة اسميّاً لله لكي يحتكروها واقعيّاً، ويُنصّبوا أنفسهم خلفاء الله على الأرض.
 
أمّا الأنبياء والأولياء عليهم السلام وكلُّ من سار على خطاهم في طريق تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، فقد آمنوا بهذه السيادة الإلهيّة، وحرّروا بها أنفسهم الإنسانية وغيرهم من سلطة الإنسان المزوّرة على مرّ التأريخ. إنّهم أعطوا لهذه الحقيقة مدلولها الموضوعيّ المُتمثِّل في الشريعة النازلة بالوحي من السماء، فلم يعد بالإمكان أنْ تُستغلّ لتكريس سلطة فرد أو عائلة أو طبقة بوصفها سلطة إلهيّة، بل إنّما السيادة والسلطة لله وحده.
 
والنتيجة: ما دام الله تعالى مصدر السلطات، وكانت الشريعة هي التعبير الموضوعيّ المحدّد عن الله تعالى، فمن الطبيعيّ أنْ تحدّد الطريقة الّتي تُمارَس بها هذه السلطات عن طريق الشريعة الإسلاميّة.
 
2 - المرجعيّة الرشيدة (الوليّ الفقيه):
 تُعتبر المرجعيّة الدينيّة حقيقة اجتماعيّة موضوعيّة في الأمّة، وتقوم على أساس الموازين الشرعيّة العامّة، بمعنى أنّ المرجعية الرشيدة هي المُعبِّر الشرعيّ عن الإسلام، والمرجع هو النائب العامّ عن الإمام عليه السلام من الناحية الشرعيّة، وله الولاية والقيمومة على تطبيق الشريعة، وحقّ الإشراف الكامل من هذه الزاوية، وهذا ما نصَّ عليه إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف حينما قال: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله"[2].
 
لذا لا بُدَّ أن تتّصف هذه المرجعيّة الرشيدة بمجموعة صفات محدَّدة، منها:
 
1 ـ الاجتهاد الفقهيّ المطلق.
 
2 ـ العدالة والكفاءة.
 
3 ـ الإيمان بالدولة الإسلاميّة وضرورة حمايتها.
 
4 ـ أن تُرشّحه أكثرية أعضاء مجلس المرجعيّة (مجلس الخبراء).
 
ومن هذا المنطلق تتولّى المرجعيّة الرشيدة وظائف عدّة، منها:
 
1 ـ المرجع هو المُمثِّل الأعلى للدولة والقائد الأعلى للجيش.
 
2 ـ المرجع هو الّذي يُرشِّح أو يُمضي ترشيح الفرد الفائز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذيّة.
 
3 ـ على المرجعيّة البتّ في دستوريّة القوانين الّتي يُعيّنها مجلس أهل الحلّ والعقد (مجلس الشورى الإسلاميّ) وذلك لملء منطقة الفراغ التشريعيّ.
 
3 - دور الأمّة (الشعب):
 أُسندت السلطة التشريعيّة والسلطة التنفيذيّة ممارستها إلى الأمّة، فالأمّة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة الّتي يُعيِّنها الدستور الإسلاميّ.
 
وهذا الحقّ حقّ استخلاف ورعاية مستمدّ من مصدر السلطات الحقيقيّ وهو الله تعالى، وبهذا ترتفع الأمّة وهي تُمارس السلطة إلى قِمّة شعورها بالمسؤوليّة، لأنّها تُدرك أنّها تتصرّف بوصفها خليفة الله في الأرض.
 
 ولذا ليست الأمّة هي صاحبة السلطان، وإنّما هي المسؤولة أمام الله سبحانه عن حمل الأمانة وأدائها، قال تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ"[3].
 
طرق ممارسة حقّ الرعاية:
 
ويُمكن للأمّة (الشعب) أن تُحقِّق هذه الرعاية وتُمارِس حقّ الاستخلاف بالطرق التالية:
 
1 - يعود إلى الأمّة انتخاب رئيس السلطة التنفيذيّة بعد أن يتمَّ ترشيحه من قبل المرجعيّة ـ كما أشرنا سابقاً ـ ويتولّى الرئيس المُنتَخَب بعد ذلك بنفسه تكوين أعضاء الحكومة.
 
2 - ينبثق عن الأمّة بالانتخاب المباشر مجلس أهل الحلّ والعقد (مجلس الشورى الإسلاميّ)، ويقوم هذا المجلس بوظائف عدّة، منها:
 
أ - إقرار أعضاء الحكومة الّتي شكّلها رئيس السلطة التنفيذيّة.
 
ب - ملء منطقة الفراغ بتشريع قوانين مناسبة.
 
ج - الإشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين.
 
د - مراقبة أداء السلطة التنفيذيّة ومساءلتها.
  
* من كتاب: نظرية الدولة في الإسلام - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] - ملاحظة هامّة: تقسم قوانين الشريعة الإسلاميّة إلى قسمين:
أ ـ قوانين ثابتة، أي لا تتغيّر مع تغيّر الزمان أو المكان، وليس لأحد حقّ التصرُّف فيها (مثال: قوانين الإرث والنكاح وغيرها...).
ب ـ قوانين متغيّرة، أي تتغيّر مع تغيّر الزمان والمكان وتواكب المتغيّرات والمستجدّات، بحيث يستطيع الفقيه سنّ مثل هذه القوانين انطلاقاً من الالتزام بالأصول والثوابت الإسلاميّة العامّة وما تتطلبه ضرورات المجتمع الإسلامي. (مثال: تقديم الأهمّ على المهمّ في مسألة هدم منزل شخص ما بغية توسيع طريق لعموم الناس وتحقيقاً لمصلحتهم). وهذه القوانين يُطلق عليها (الأحكام الولائيّة) ضمن منطقة الفراغ كما يُسميّها الشهيد الصدر قدس سره.
[2] - المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية المصحَّحة، ج35، ص180.
[3] - سورة الأحزاب، الآية: 72 .

كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، عن تفاصيل مكالمة هاتفية "حازمة" جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تركّزت حول التصعيد العسكري الأخير في لبنان.

"مكالمة مقتضبة ورسالة حادّة"

ووصف التقرير المكالمة، بأنها كانت أقصر من المعتاد بين الجانبين، حيث عبّر فيها ترامب عن قلقه البالغ من أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية في لبنان إلى تقويض اتفاق وقف إطلاق النار القائم حالياً.

كما شدّد ترامب وفقاً للصحيفة، على ضرورة تجنّب أيّ خطوات من شأنها توسيع دائرة الصراع في المنطقة.

وأشارت الصحيفة إلى أنّ الرسالة الأميركية تضمّنت تحذيراً واضحاً من تداعيات القتال على الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظلّ تصاعد التوترات على عدّة جبهات في "الشرق الأوسط".

يُذكر أنّ باكستان كانت قد أعلنت في 8 نيسان/أبريل الجاري أنّ إيران والولايات المتحدة إلى جانب حلفائهما اتفقوا على وقف فوري لإطلاق النار في كلّ مكان، بما في ذلك لبنان، على أن يسري مفعوله فوراً.

بينما انتهك نتنياهو هذا الاتفاق بدعم أميركي، ادّعت خلاله واشنطن أنّ الاتفاق لا يشمل لبنان. وارتكب كيان الاحتلال في اليوم نفسه لإعلان الاتفاق اعتداءات واسعة على الأراضي اللبنانية ومجازر بحقّ المدنيين، ولا سيما في بيروت.

في المقابل، تتمسّك إيران بالتزام الولايات المتحدة و"إسرائيل" بشمول لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصّل إليه بوساطة باكستان.

كتب الرئيس بزشكيان في منشور على منصة “إكس” أن العدوان المتجدّد للكيان الصهيوني على لبنان يمثل خرقاً سافراً للاتفاق الأوّلي لوقف إطلاق النار.

وتابع: إن هذا التطور يشكل علامة خطيرة على الخداع وعدم الالتزام بالاتفاقات المحتملة. إن استمرار هذه الإجراءات يُفرغ المفاوضات من معناها. لا تزال أيدينا على الزناد.

وأضاف رئيس الجمهورية أنّ إيران لن تخذل مطلقاً الأخوات والإخوة اللبنانيين، ولن تتركهم وحدهم.

أصدر قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي مساء اليوم الخميس، بياناً بمناسبة مرور أربعين يوماً على استشهاد قائد الأمة العظيم (قدّس الله نفسه الزكية) أكد فيه ان الجمهورية الاسلامية أشرقت اليوم كقوة عظمى فيما اصبح الاستكبار في منحدر الضعف أمام أعين الجميع.

 ان سماحة قائد الثورة الاسلامية شدد  في هذا البيان ايضا على ضروة استمرار تواجد الشعب في الساحات.

وفي ما يلي نص بيان قائد الثورة الاسلامية:

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّا فَتَحنا لَكَ فَتحا مُّبِينا لِّيَغفر لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذنبك وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعمته ۥعَلَيك وَيَهديك صِرَٰاطا مُّستقيما وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصرا عَزِيزًا.

لقد مضى أربعون يوماً على واحدة من كبرى جرائم أعداء الإسلام وإيران، وعلى واحد من أثقل الأحزان العامة في تاريخ هذا الشعب. لوعة الشهادة المفجعة لقائد الثورة الإسلامية عظيم الشأن، وأب الشعب الإيراني، وزعيم الأمة الإسلامية، وإمام طالبي الحق في العصر الراهن، سيد شهداء إيران وجبهة المقاومة، الخامنئي الكبير (قدس الله نفسه الزكية).

أربعون يوماً وروح قائدنا الشهيد السامية في جوار القرب الإلهي، ضيفةً على مأدبة الأولياء والصديقين والشهداء، وفي الوقت ذاته ولحق به جمع غفير من الأنصار والقادة ومجاهدي الإسلام، والمواطنين المظلومين من الرضع ذوي الأيام القليلة إلى المسنين، الذين نالوا هم أيضاً شرف الشهادة العظيم.

أربعون ليلةً ويوماً منذ أن دعا الله تعالى إمام هذه الأمة إلى ميقاته؛ ولكن هذه المرة، وعلى عكس ما حدث في عصر كليم الله، انبعث أصحاب القائد الشهيد وأمته لإقامة الحق ومواجهة الباطل، ووقفوا كالجبال الراسخة في وجه السامري وعجله، وهبطوا كالحمم البركانية على رؤوس المعتدين والفراعنة.

أربعون يوماً بلياليها والمستكبرون في العالم قد نزعوا الأقنعة المخادعة والزائفة عن وجوههم، ليعرضوا الوجه القبيح والشيطاني للقتل والظلم، والعدوان والكذب، والغطرسة وقتل الأطفال، والاستبداد والفساد.

أما في المقابل، فقد مضى أربعون يوماً وليلة وأبناء الخميني الكبير والخامنئي العزيز الشهيد الغيورون، وأتباع الإسلام المحمدي الأصيل (صلى الله عليه وآله وسلم)، حاضرون في الميادين والشوارع وخنادق القتال بهمة وشجاعة مثالية. وعلى الرغم من الضربات والخسائر الناجمة عن الهجوم الوحشي للعدو، فقد حولوا الحرب المفروضة الثالثة إلى ساحة لملحمة الدفاع المقدس الثالثة. لقد أظهر الشعب الإيراني الواعي واليقظ أنه وإن كان مفجوعاً في مصابه العظيم بفراق إمامه الشهيد، إلا أنه وبالاقتداء بالورثة المباشرين لعاشوراء الحسين (ع)، صنع من هذا المصاب ملحمة ومن الرثاء أهازيج حرب.

وكل هذا جعل العدو المدجج بالسلاح في حالة من الحيرة والعجز، ودفع أحرار العالم إلى الإعجاب والثناء. هذه المرة، أدت جهالة وحماقة المستكبرين إلى أن يصبح شهر مارس 2026 بداية لفصل جديد من اقتدار وبروز اسم إيران والثورة الإسلامية، ليرتفع علم إيران الإسلامية ليس فقط في الجغرافيا الترابية لبلادنا، بل في أعماق قلوب الباحثين عن الحق في العالم.

تعد هذه المناسبة فرصة طيبة لتقديم عرض موجز عن القائد عظيم الشأن. الحديث هنا عن رجل لم يُعرف بقدر ما اشتهر. الكل يعلم أن قائدنا الشهيد كان فقيهاً عارفاً بزمانه وبصيراً، ومجاهداً لا يكلّ، وصامداً وراسخاً كالجبل، وعالماً عاملاً وربانياً، ومن أهل الذكر والتهجد والتضرع إلى الباري عز وجل والتوسل بذوات المعصومين المقدسة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومؤمناً بوعود الله من أعماق قلبه. ومن صفاته الأخرى حبه لإيران وسعيه المستمر لتحقيق أقصى درجات الاستقلال لإيران العزيزة، وإلى جانب ذلك كان يؤكد على وحدة الكلمة والانسجام الوطني.

لقد قضى عمره في السعي لإقامة النظام الإسلامي وتثبيت ركائزه وبقائه، وفي الوقت نفسه، كانت الجمهورية الإسلامية بنظره لا معنى لها بدون الشعب. وفي عين امتلاكه للاقتدار والصلابة، كان يتمتع بنصيب وافر من الدقة والظرافة في الفكر والرؤية تجاه الأمور. كان يولي اهتماماً خاصاً بقدرات البلاد، لا سيما الشباب. كان يعطي أهمية كبيرة للعلم والتكنولوجيا والتقدم المحرز في ظلهما. كان يكنّ تقديراً خاصاً لعوائل الشهداء المعظمة والجرحى والمضحين الأعزاء. كان يمتلك تجارب قيمة ومتراكمة في مجالات مختلفة، يعود بعضها إلى عدة عقود، بالإضافة إلى صفات عديدة أخرى تشكل قائمة طويلة.

يدور الحديث هذه الأيام تكراراً في بعض وسائل الإعلام عن فنه ومعرفته بالفن ورعايته له. هذا العنصر، رغم أنه يمكن أن يضفي بحد ذاته قيمة كبيرة على شخصية الفرد، وقد وجد بالتأكيد في قائدنا العزيز بمعناه الحقيقي وبأعلى مستوياته، إلا أنه يبدو صغيراً مقارنة بسائر عناصر وجوده ومميزاته. أنا شخصياً أعرف عنه فنوناً متعددة:

أحد فنونه العظيمة التي نالت اهتماماً أقل، هو فن تربية وتنشئة المجتمع من خلال بناء أفكار ومعنويات وعواطف الجماهير الغفيرة والمجموعات الاجتماعية. وفنه الآخر تمثل في بناء المؤسسات الهادف، والذي بادر إليه لا سيما في السنوات الأولى من عهد زعامته وقيادته، نظراً منه إلى الآفاق البعيدة. أما فنه الآخر فكان المبادرة إلى تقوية البنية العسكرية للبلاد، وهو ما اطلع الشعب الإيراني على آثاره الإيجابية واستفاد منها خلال الحربين المفروضتين الأخيرتين.

كذلك كانت القدرة على الإبداع والابتكار في مختلف الأبعاد، سواء العلمية أو الاستراتيجية أو وضع السياسات، من فنونه الأخرى التي انعكس جانب منها في صياغة السياسات العامة للنظام. وكذلك القدرة على خلق المعاني من خلال الصياغة المناسبة للمفردات والتراكيب البديعة، التي كانت كل واحدة منها تخلق وتحمل دلالات جمة، وينبثق عنها خطاب عام عملي. ومن جملتها، الفن الذي تحقق نتيجة صقل روحه السامية في الشدائد والامتحانات والابتلاءات وبسبب صبره واستقامته في طريق الحق، وهو فن التنبؤ بالأحداث البعيدة، فـ "اَلمُؤمِنُ يَنْظُرُ بِنورِ الله". وفنون أخرى لا يتسع المجال لحصرها في هذا الموجز.

ولم يكن لكل هذه المناقب منشأ سوى العنايات الإلهية الخاصة والتوجه الخاص من مولانا الحجة (عج) وآبائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

وربما يمكن تلخيص ما جلب هذه العنايات والتوجهات نحو ذلك العظيم في سعيه ومجاهدته الدؤوبة والمخلصة في سبيل إعلاء كلمة الحق. لكن على وجه الخصوص، وعلاوة على صعوبات النضال ضد جهاز نظام بهلوي الخائن، فقد استفاد من فرصة خاصة أخرى في مسار أداء الواجب، لا يعلم عنها عامة الناس عادةً.

لقد قُدّر لهذا السيد الشاب التواق بشدة للعلم والعمل، في الوقت الذي كان فيه والده المكرم معرضاً لفقدان بصره، وبعد سنوات من التلمذة على يد أساتذة رفيعي المستوى، أن يترك كل مجالات التقدم العلمي الظاهري والمستقبلي في "قم"، ويقف نفسه لخدمة والده واضعاً ثقته في الفضل الإلهي. لقد تجلى التفضل الإلهي إثر هذا الإيثار بأن بَزَغَ السيد علي الخامنئي فجأة قبل سن الثلاثين كشمسٍ من خراسان، وسرعان ما عُدّ أحد أركان الفكر والنضال.

وفي الوقت ذاته، حقق تقدمًا ملحوظًا في العلوم المتداولة؛ لدرجة أن جهاز "الساواك" وصفه في سنوات السبعينيات بـ "خميني خراسان". يجب أن أؤكد على أن مسيرة الرقي الباطني والظاهري لهذا العظيم استمرت في المراحل اللاحقة أيضاً. الآن، وفي مقام استلهام الدروس من سلوك العظماء ولاسيما شخصية كهذه، فمن الأجدر بنا أن نجعل خصلة الخير الخالص لبعضنا البعض والمواساة نهجاً لنا. فإن هذه الميزة، وملازمة النظر إلى رحمة الله الواسعة لها، تشكل فارقاً جوهرياً بين من يقف تحت راية الحق وبين أولئك الذين تحلقوا حول راية الباطل. من المؤكد أن اتباع مثل هذا النهج سيكون مفتاحاً لأبواب السماء ومنزلاً لأنواع الإمداد الإلهي والغيبي؛ بدءاً من نزول مطر الرحمة وصولاً إلى الغلبة على العدو وحتى التقدم العلمي والتكنولوجي.

يُسمع هذه الأيام تكراراً أن فئات مختلفة من الشعب العزيز يذكرون ذلك فريد عصره بحسرة مُحقّة، ورويداً رويداً تظهر جوانب أكثر من جوهر شخصيته السامية المتألق. كما بدأ الاقتداء بأفعال معينة لهذا السيد ينتشر تدريجياً؛ ومن ذلك أن شعبنا العزيز استلهم الدروس من قبضته المحكمة لحظة استشهاده. والآن أصبحت هذه القبضة المحكمة لدى البعض بمثابة رمز عقائدي مشترك. وهكذا يثبت مرة أخرى أن تأثير "الشهيد" أقوى من تأثير "الفرد الحي". وصوته الصداح في الدعوة إلى التوحيد وطلب الحق ومحاربة الظلم والفساد، أصبح أكثر دويّاً ورسالته أكثر نفوذاً مما كانت عليه في فترة حياته. وكذلك فإن الأمنية القلبية لهذا الشهيد عظيم القدر، والتي كانت سعادة هذا الشعب وسائر الشعوب المسلمة، باتت اليوم أقرب إلى الواقع من ذي قبل.

أيها الإخوة والأخوات المواطنون! اليوم، وحتى هذه النقطة من ملحمة الدفاع المقدس الثالث، يمكن القول بجرأة إنكم، يا شعب إيران البطل، كنتم المنتصر الحتمي في هذا الميدان. لقد بانت اليوم أمام أعين الجميع بشائر بزوغ الجمهورية الإسلامية كقوة عظمى، ووقوع الاستكبار في منحدر الضعف.

إن هذا بلا شك نعمة إلهية وُهبت للشعب الإيراني ببركة دماء قائدنا الشهيد وسائر الشهداء المضرجين بالدماء والمواطنين المظلومين والأزهار المتناثرة في مدرسة "شجرة طيبة" في ميناب، وإثر توسلات وتضرعات آحاد الشعب إلى الباري عز وجل وحضورهم المجاهد في الميادين والأحياء والمساجد، وبسبب التضحيات السخية والمخلصة لمقاتلي الإسلام البواسل في الحرس والجيش وقوى الأمن الداخلي والجنود المجهولين وحرس الحدود.

وهذه النعمة، كأي نعمة أخرى، يجب شكرها لتنعم بالبقاء والنمو، فـ "لئن شكرتم لأزيدنكم". والشكر العملي لهذه النعمة هو السعي الدؤوب للوصول إلى إيران القوية. إن ما يبدو ضرورياً في المرحلة الراهنة لنيل هذا الشعار والهدف الاستراتيجي للقائد الشهيد، هو استمرار حضور شعبنا العزيز تماماً كما فعلوا خلال الأربعين يوماً الماضية. هذا الحضور هو ركن أساسي من المكانة التي استقرت فيها إيران المقتدرة الآن.

بناءً على ذلك، لا ينبغي أن يُتصور مع الإعلان عن نية التفاوض مع العدو، أن الحضور في الشوارع لم يعد ضرورياً. بل على العكس، فلو افترضنا جدلاً أن أوان فترة الصمت في ساحة المعركة العسكرية قد حان ضرورةً، فإن مسؤولية آحاد الشعب ممن لديهم القدرة على الحضور في الميادين والأحياء والمساجد، تبدو أثقل مما مضى. من المؤكد أن صرخاتكم في الميادين مؤثرة في نتائج المفاوضات؛ كما أن العدد المذهل والمتزايد بالملايين لحملة "فداء الروح من أجل إيران" هو أيضاً من العناصر المؤثرة في هذا المضمار. بإذن الله تبارك وتعالى، وبفضل هذه الأدوار واستمرارها، فإن الأفق الذي يرتسم أمام الشعب الإيراني يبشر ببزوغ عهد مجيد ومشرق، مفعم بالعزة والشموخ والرخاء.

عندما تولى قائدنا الشهيد مقاليد القيادة، كان نظام الجمهورية الإسلامية كشتلةٍ تلقت جراحاً عديدة من أعداء الإسلام وإيران، لكنها تحملتها جميعاً بصبر وثبات. ولكن حين غادر كرسي زعامة الأمة بعد قرابة 37 عاماً، خلف وراءه شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها يظلل أجزاءً مهمة من المنطقة والعالم. إن نهج الوصول إلى "إيران أكثر قوة" يمر عبر طريق الوحدة بين مختلف فئات المجتمع، وهو الأمر الذي أكد عليه مراراً.

لقد تحقق جانب كبير من هذه الوحدة خلال هذه الأيام الأربعين: تقاربت قلوب الناس، وبدأ الجليد يذوب بين مختلف الفئات ذات التوجهات المتباينة، واجتمع الجميع تحت راية الوطن، ويزداد هذا الجمع عدداً ونوعاً يوماً بعد يوم. والكثيرون ممن لم يشاركوا في هذا الحضور بعد، هم في قلوبهم رفاق وأصحاب قول مع الحشود الحاضرة في الميادين. في هذه الأيام، يخوض الكثيرون تجربة الرؤية الحضارية عبر رنوّ أبصارهم نحو الآفاق البعيدة، ويرسمون لأنفسهم صورة ليست وهمية، بل مرتكزة على حقائق الحاضر والمستقبل. هذه الخصلة كانت تُرى حتى وقت قريب لدى قلة قليلة كان القائد الشهيد على رأسهم. هكذا يدرك كل مراقب النمو السريع والإعجازي لهذا الشعب، وليس من قبيل الصدفة أن تخنق العبرة حكيم العصر الشهير والفقيه عظيم الشأن، ويغصّ صوته مراراً حين يتحدث إليكم عن هذه المكانة.

في هذا المقام، أقول لجيران إيران الجنوبيين إنكم تشهدون معجزة الآن. فانظروا بتمعن وأدركوا الحقيقة جيداً وقفوا في الجانب الصحيح، وكونوا سيئي الظن بوعود الشياطين الكاذبة. نحن لا نزال ننتظر منكم رداً مناسباً لنظهر لكم صدق أخوتنا ونوايانا الحسنة. وهذا لن يتحقق إلا بإعراضكم عن المستكبرين الذين لا يفوتون فرصة لإذلالكم واستغلالكم.

يجب على الجميع أن يعلم أننا بإذن الله تعالى لن نترك المعتدين المجرمين الذين هاجموا بلادنا وشأنهم. سوف نطالب حتماً بتعويضات عن كل ضرر لحق بنا، وبدماء الشهداء وديات جرحى هذه الحرب. وسوف ننقل بكل تأكيد إدارة مضيق هرمز إلى مرحلة جديدة.

نحن لم نكن يوماً ولن نكون دعاة حرب، لكننا لن نتنازل أبداً عن حقوقنا المشروعة، وننظر في هذا السياق إلى كل جبهة المقاومة كجسد واحد متكامل. في هذه المرحلة، وإلى حين استعادة ما هو حق لنا، أولاً: على جميع آحاد الشعب السعي لمراعاة بعضهم البعض، لتقليل الضغط الناجم عن النقص الذي يعد أثراً طبيعياً لأي حرب على مختلف الفئات. بالطبع، فإن هذا النقص -الذي يوجد أحياناً وبشكل أكبر بكثير في الجبهة المقابلة لكم- قد تمت إدارته إلى حد كبير بفضل جهود إخوانكم وأخواتكم في الحكومة والمؤسسات الأخرى.

ثانياً: من الضروري حماية آذاننا، التي هي نافذة العقل والقلب، من وسائل الإعلام المدعومة من العدو أو المتماشية معه. من المؤكد أن تلك الوسائل الإعلامية لا تريد الخير لإيران وشعبها، وقد ثبت هذا الأمر مراراً. لذا، إما أن نترك متابعتها واستخدامها تماماً، أو على الأقل أن نتعامل بسوء ظن شديد مع كل ما تقدمه.

ثالثاً: الشعب العزيز، وإن كان سينزع ثياب الحداد مع انتهاء فترة العزاء الرسمي لشهادة قائده العظيم، إلا أنه سيبقي العزم القاطع على الانتقام لدمائه الطاهرة ودماء جميع شهداء الحربين المفروضتين الثانية والثالثة حياً في روحه وقلبه، وسيظل مترصداً لتحقيق ذلك باستمرار.

في الختام، أخاطب مولانا الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف قائلاً: إننا بإيماننا بالله تعالى وتوسلنا بالأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم، وبالاقتداء بقائدنا الشهيد، واقفون تحت لوائكم في مواجهة جبهة الكفر والاستكبار. وقد قدمنا في هذا الطريق شهداء كراماً من مختلف الطبقات في سبيل عزة البلاد واستقلالها وإعلاء شأن الإسلام والثورة الإسلامية، كما لحقت بنا خسائر أخرى. والآن، نحن متمسكون بكل وجودنا بدعائكم الخاص لتحقيق الغلبة الحاسمة على العدو، سواء في ساحة المفاوضات أو في ميدان المعركة. ونأمل أن نشهد نحن وأعداؤنا الأثر الإعجازي لذلك في أقرب وقت، إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السيد مجتبى الحسيني الخامنئي

منذ بداية العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني على إيران، لم تتحقق الأهداف المعلنة لهذه العملية فحسب، بل تتزايد الأدلة على وصول المعتدين إلى طريق مسدود استراتيجي وهزائم ميدانية وسياسية. هذه الحرب، التي بدأت بهجمات واسعة النطاق وقتل مدنيين، بمن فيهم طلاب أبرياء، سرعان ما اكتسبت أبعادًا إنسانية وأمنية واقتصادية واسعة النطاق، وأثارت ردود فعل متباينة في وسائل الإعلام الدولية. ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، لا يزال الطريق أمامنا معقدًا حتى النهاية الحقيقية لهذا العدوان.

حاولت وسائل الإعلام العالمية، كلٌّ منها بمنهجها الخاص، تشكيل سردية هذه الحرب؛ ويمكن أن يوفر فحص هذه التأملات صورة أوضح عن الوضع الحقيقي للحرب وآفاقها.

وسائل الإعلام الغربية

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الهجمات العنيفة المتواصلة التي يشنها الكيان الصهيوني على لبنان تُهدد بشكلٍ خطير وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران. وكتبت وسائل الإعلام الأمريكية أنه بينما تستعد إدارة ترامب للمفاوضات مع طهران، لا تزال حالة عدم اليقين قائمة بشأن وضع حركة الملاحة في مضيق هرمز.

ووفقًا للتقرير، يزعم مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون أن وقف إطلاق النار الذي يستمر أسبوعين لا يشمل لبنان، وهو ادعاء رفضته الجمهورية الإسلامية الإيرانية وباكستان بصفتهما وسيطين. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن وزير الخارجية البريطاني قوله إن استبعاد لبنان من وقف إطلاق النار من شأنه أن يُزعزع استقرار المنطقة بأسرها.

وأقر مركز التقدم الأمريكي، وهو مركز أبحاث، في تحليل شامل، بأن موقف الولايات المتحدة أضعف في نهاية الحرب التي استمرت ستة أسابيع ضد إيران مما كان عليه قبل بدء النزاع. ويشير مركز الأبحاث الأمريكي إلى أنه على الرغم من الغارات الجوية واسعة النطاق والقضاء على بعض القادة والبنية التحتية، فقد حللت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تقرير لها تأثير وقف إطلاق النار المؤقت في مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي. بحسب التقرير، أدى إغلاق هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو 800 ناقلة نفط وغاز، خلال الأسابيع الستة الماضية، إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات، فضلاً عن ارتفاع معدلات الفائدة على قروض الرهن العقاري عالمياً. وذكرت وسائل الإعلام أن إعلان وقف إطلاق النار الليلي قد فتح الطريق أمام تخفيف حدة التوتر، ولاقى استحساناً في الأسواق، حيث انخفضت أسعار النفط والغاز بنسبة 15%. مع ذلك، حذرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، نقلاً عن محللين اقتصاديين، من هشاشة الوضع، وأشارت إلى أن الأمر سيستغرق سنوات قبل أن يعود إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى طاقته الإنتاجية قبل الحرب.

وسائل الإعلام العربیة

وكتبت قناة الجزيرة، في تقرير لها حول فرض إيران شروطها العشرة على الولايات المتحدة: "إن قبول الولايات المتحدة لشروط إيران يُظهر قدرة إيران على تحديد إطار عمل المفاوضات وجدول أعمالها، وموافقة ترامب على تسوية ضمن هذه الشروط. وهذا يُعد انتصاراً لإيران". يُظهر هذا أن ترامب لم يعد يربط وقف العمليات العسكرية باستسلام إيران الكامل، وتخليها التام عن برنامجها النووي، وتقليص برنامجها الصاروخي، وقطع علاقاتها مع الجماعات المسلحة المتحالفة معها.

وصرح السيناتور الديمقراطي كريس مورفي بأن منح ترامب السيطرة على مضيق هرمز لإيران يُعد انتصارًا تاريخيًا لها. ومن منظور أوسع، يكشف الاتفاق حدود القوة العسكرية الأمريكية: فهو لم يمنع إيران من الدفاع عن نفسها، ولم يُجبرها على الاستسلام، ولم يُشل قدراتها تمامًا. بل يُعزز فكرة قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة ورفض الاستسلام لها. وهناك طرق أخرى لجعل الحرب مكلفة للولايات المتحدة، لا سيما الوسائل غير المباشرة كالوسائل الاقتصادية. كما كشفت الحرب عن تردد الولايات المتحدة في خوض معارك برية، مفضلةً الاعتماد على القوة الجوية والعمليات البحرية بعيدة المدى.

كشفت صحيفة العربي الجديد، في تقرير حصري، أن مصدراً رفيع المستوى في وزارة الخارجية الباكستانية أكد أن موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرافض لإدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار كان "صادماً للغاية" للوسيط الباكستاني.

وكانت إسلام آباد قد أثارت مسألة إدراج لبنان في وقف إطلاق النار مع الجانب الأمريكي عدة مرات. وأشار المصدر إلى أن الجانب الإيراني غير مستعد لقبول أي اتفاق لا يشمل جميع الجبهات، بما فيها لبنان واليمن.

وفي تقرير نشرته صحيفة القدس العربي حول الهجمات الإسرائيلية على لبنان، كتبت: "قبل تسعين دقيقة من تنفيذ تهديده بـ"تدمير الحضارة الإيرانية"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبوله وقف إطلاق النار مقابل فتح إيران مضيق هرمز لمدة أسبوعين، تُجرى خلالها مفاوضات حول النقاط العشر التي قدمتها طهران لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف".

وعقب الاتفاق، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية نحو مئة غارة جوية على لبنان في غضون عشر دقائق، ما أسفر في البداية عن مقتل 254 شخصاً وإصابة 1165 آخرين.

أكدت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، نقلاً عن "مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى"، أن وقف إطلاق النار سيشمل لبنان. إلا أنه خلال الهجمات على لبنان، أصدر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، بياناً من قيادة القوات الجوية يفيد بأن الضربات ستستمر في المرحلة المقبلة. وبعد ساعات قليلة من تأكيد يديعوت أحرونوت، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن وقف إطلاق النار "لا يشمل لبنان". وبعد ذلك بوقت قصير، صرّح الرئيس الأمريكي في تصريحات متلفزة بأن الاتفاق مع طهران "لا يشمل لبنان"، وأن "سبب عدم إدراج لبنان في هذا الاتفاق هو حزب الله"، وأن هذه "مواجهة منفصلة".

وفي مقال لفؤاد البطاينة، في إشارة إلى وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، كتبت صحيفة رأي اليوم: "انتهت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ونظام الاحتلال ضد إيران، بمشاركة دول المنطقة، بالفشل". أدركوا أن إيران لن تكون هدفًا سهلًا أو عقبة بسيطة أمام نزعة الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة، وأنها لن تُقضى عليها بسهولة. لم تسعَ إيران إلى وقف إطلاق النار أو مفاوضات في خضم الحرب؛ بل، بصفتها المنتصرة، استجابت لمطالب الولايات المتحدة بهذه الشروط - وهو موقف لم تكن تتبناه قبل الحرب. انتصرت إيران دون امتلاكها أسلحة نووية كوسيلة للتهديد، وبهذا الانتصار، أحبطت المشاريع التاريخية الكبرى التي كانت مُصممة للمنطقة والإسلام. منذ عام ١٩٧٧، اتسمت إيران بالشفافية والوضوح في سياستها وأهدافها الدولية.

لقد كانت صادقة، مخلصة، ودودة، ومتسامحة تجاه الدول العربية، وسعت إلى التعاون معها في بناء نظام أمني مشترك والدفاع عن نفسها من أجل المنطقة. وبينما كانت الأنظمة العربية على يقين من ذلك، سعت إلى زرع الشكوك حول إيران وخلق خلافات معها بدافع الخوف والخضوع لإرادة الولايات المتحدة. اليوم، تقف إيران في أقوى مواقعها في التاريخ الحديث، وهو موقع تشكل بفضل مثابرتها وتضحياتها.

إيران في أقوى مواقعها في التاريخ الحديث، موقع تشكل بفضل مثابرتها وتضحياتها. كتب محمد علي غولر، كاتب عمود في صحيفة جمهوريت التركية: حتى لو انتظرت الولايات المتحدة 15 يومًا لكسب الوقت ثم شنت هجومًا آخر، فلن تتغير النتيجة: لقد فشلت الولايات المتحدة. والسبب:

ظنت الولايات المتحدة أنه تحت وطأة القصف المكثف، ستنتفض المعارضة الداخلية الإيرانية وتسقط الحكومة، لكنها كانت مخطئة. بل على العكس، توحدت المعارضة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل دفاعًا عن البلاد.

وسائل الإعلام الصينية والروسية

أوضحت قناة CGTN الصينية، في مقابلة مع اثنين من المحللين الأكاديميين، العوامل التي أدت إلى وقف إطلاق النار: يعتقد وانغ جين (من جامعة نورث وسترن في الصين) وسون تايي (من جامعة كريستوفر نيوبورت في الولايات المتحدة) أن السبب الرئيسي لوقف إطلاق النار كان توفير "مخرج استراتيجي" لترامب. فقد كان بحاجة إلى هذا الوقف للانسحاب دون الاعتراف بالهزيمة، وهذا ليس حلاً مستداماً. كما أن الدافع الرئيسي لوقف إطلاق النار كان التحديات السياسية، مثل أزمة الائتمان التي واجهها ترامب، وليس فقط القضايا العسكرية. فبدلاً من السعي لتحقيق السلام، يتنافس الطرفان على خلق "رواية انتصار" لكسب تأييد الرأي العام المحلي. أما بالنسبة لمستقبل مضيق هرمز، فلن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب.

ستحافظ إيران على سيطرتها على المضيق، وبدلاً من إعادة فتحه بالكامل، سنشهد "مروراً مشروطاً ومُداراً" بتنسيق من القوات الإيرانية. هذان الأسبوعان فرصة مؤقتة، وليست نقطة تحول. لا تزال الخلافات الجوهرية (النووية، والنفوذ الإقليمي، وقواعد مضيق هرمز) قائمة دون حل. ويزداد خطر تجدد التوتر، لا سيما من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة اللتين تسعيان لاستعادة زمام الضغط. بعد انتهاء فترة وقف إطلاق النار هذه، ستستمر المفاوضات المتقطعة دون إحراز أي تقدم ملموس، لكن من غير المرجح اندلاع حرب واسعة النطاق جديدة.

وتكتب قناة روسيا اليوم في تحليل لها: أصبحت إيران، بوصفها إحدى أقدم الحضارات المستمرة في العالم، "العقبة الأخيرة" أمام مشروع الولايات المتحدة للهيمنة العالمية. هذه المواجهة هي في الواقع مواجهة بين "القديم" (إيران) و"الحداثة" (الولايات المتحدة التي يبلغ عمرها 250 عامًا). على عكس القوى الأوروبية العظمى وروسيا والهند والصين، التي شهدت فترات من التفكك، لم تختفِ إيران قط ككيان سياسي موحد. لقد برزت أمريكا في "لحظة تاريخية فريدة" واستثنائية، لا على أساس عمق حضاري راسخ. إن نظام الهيمنة الأمريكية، المبني على "التوقيت والظروف المواتية"، آخذ في الانهيار. الأزمة الداخلية، والاستقطاب السياسي، والقصور في التفكير الاستراتيجي، ومقاومة الولايات المتحدة حتى في أوروبا، كلها مؤشرات على نهاية هذا الوهم الأمريكي.

قد لا تصل إيران إلى مستوى الصين من حيث الموارد الاقتصادية، ولن تتمكن من أن تصبح قوة مهيمنة عالميًا، لكنها تمتلك "الثقل المطلق" الذي سيُسقط بنية الهيمنة الأمريكية. إن نهاية هذا الوهم هي النهاية الحقيقية للقرن العشرين (عصر الهيمنة الأحادية القطبية)، وبداية نشأة عالم متعدد المراكز، تتنافس فيه القوى على نحو متنوع، وتشهد فيه التحالفات تحولات مستمرة.

بغض النظر عن النتيجة الرسمية للحرب، فقد تغير العالم. ليس بسبب الدمار أو الدبلوماسية، بل لأن فكرة "الهيمنة العالمية المطلقة" تتلاشى.

وسائل الإعلام الصهيونية

كتب إسرائيل هيوم في مقال بعنوان "إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها وستدفع ثمنًا باهظًا على الأرجح": لقد وضع وقف إطلاق النار مع إيران إسرائيل في موقف استراتيجي هش. لم تحقق إسرائيل أيًا من أهدافها الحربية (مثل إسقاط النظام الإيراني أو الوقف الكامل لبرنامجه النووي)، ولم تحقق أي مكاسب دبلوماسية، ولم تتمكن من الرد على التهديدات الرئيسية الموجهة ضدها. فُرض وقف إطلاق النار فعليًا على إسرائيل، وقد زادت الفجوة بين النجاحات العسكرية المحدودة والنتيجة النهائية من خطر تصعيد الصراع. كما تضرر الاقتصاد الإسرائيلي، لا سيما على الصعيد الداخلي، وتراجعت الثقة بين الحكومة والشعب (خاصة في الشمال) بشكل كبير.

وأشارت صحيفة تايمز أوف إسرائيل إلى إمكانية إنهاء الصراع الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، والذي لم ينتهِ بـ"تدمير الحضارة الإيرانية" (كما هدّد ترامب)، بل بوقف إطلاق نارٍ لمدة أسبوعين يسمح للجمهورية الإسلامية بالبقاء وإعادة البناء.

وتحذر صحيفة "يديعوت أحرونوت" في تحليل لها من أنه بعد أغلى حرب في تاريخ إسرائيل (بتكلفة تتراوح بين 16 و19 مليار دولار في 40 يومًا)، قد ينتظرنا واقع أمني أسوأ. في البداية، وبعد وقف إطلاق النار المفاجئ، التزم نتنياهو وكبار المسؤولين الإسرائيليين الصمت، وعلم الصهاينة بوقف إطلاق النار من خلال وسائل الإعلام الأمريكية والإيرانية والباكستانية. ولم تصدر القيادة خلف الجبهة أي تعليمات جديدة حتى الآن.

لم تتحقق الأهداف المعلنة للحرب، بما في ذلك الاستيلاء على اليورانيوم المخصب الإيراني، وإسقاط النظام الإيراني، وتدمير منظومات الصواريخ الباليستية، وقطع التمويل عن الجماعات الوكيلة.

كلّفت الحرب ما يُقدّر بنحو 320 مليون دولار يوميًا، وتراوحت بين 650 و970 مليون دولار في بدايتها، ليصل إجمالي تكلفتها إلى ما بين 16 و19 مليار دولار، مع الحاجة إلى 11 مليار دولار إضافية بحلول نهاية العام لتمويل العمليات.

وفي تحليل آخر، تُقدّم "واي نت نيوز" سيناريوهين مختلفين لإسرائيل بعد وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة:

السيناريو الأول: كارثة استراتيجية: بعد تعهّده بضرب البنية التحتية الإيرانية، تراجع ترامب عن الحرب وقبل بوقف إطلاق نار لمدة أسبوعين. لكن إيران لا تزال تسيطر على مضيق هرمز، وتمتلك قدرات صاروخية باليستية، وحق تخصيب اليورانيوم، ولديها نحو 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب . ويبدو أن حربًا بقيادة الولايات المتحدة مستبعدة. وقد يُضطر المفاوضون الأمريكيون إلى قبول مطالب إيران (بما في ذلك ضمانات عدم شن هجمات مستقبلية وانسحاب القوات الأمريكية). وبدعم من روسيا والصين، قد تخرج إيران أقوى من ذي قبل وتُسرّع من سعيها لامتلاك قنبلة نووية. لقد تبددت الآمال في سلام إقليمي بقيادة الولايات المتحدة؛ وتتجه دول الخليج الفارسي نحو طهران؛ وتفقد إسرائيل دعم الديمقراطيين، بل وحتى بعض دعم الإدارة الأمريكية الحالية.

السيناريو الثاني: متفائل (وقف إطلاق نار تكتيكي): تستغل الولايات المتحدة وقف إطلاق النار لإعادة نشر قواتها المستنزفة وتعزيز وجودها، مُظهرةً أن إيران لا يُمكن الوثوق بها في الاتفاقات الدبلوماسية.

فرصة لتحقيق تقدم نووي: تمتلك إيران نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم بنسبة نقاء 60%. خلال فترة وقف إطلاق النار، سيسمح غياب المفتشين وعدم وجود شرط لإيقاف أجهزة الطرد المركزي لإيران بالتحرك بهدوء نحو عتبة عسكرية.

سيطرة إيران الفعلية على مضيق هرمز: يُقال إن إيران وعُمان قادرتان على المطالبة بـ"حق المرور" لأي سفينة تعبر مضيق هرمز. من شأن ذلك أن يُفشل إنذار ترامب (القائم على إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل والفوري وغير المشروط) ويُرسي سابقة دولية خطيرة. ستكتسب إيران فعليًا حق النقض (الفيتو) على أهم ممر مائي استراتيجي في العالم.

مناقشة رفع العقوبات وحتى الحصول على تعويضات: ثمة قلق بالغ من دخول الولايات المتحدة في مفاوضات مع إيران بشأن خطتها ذات النقاط العشر في محادثات إسلام آباد (التي تتوسط فيها باكستان). تتضمن هذه الخطة رفع العقوبات التاريخية (منذ عهد جورج دبليو بوش) بالإضافة إلى دفع تعويضات لإيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل عن الأضرار التي لحقت بمنشآت النفط (وخاصة جزيرة خارك).

غموض بشأن حزب الله: أعلن رئيس الوزراء الباكستاني أن وقف إطلاق النار سيشمل حزب الله أيضاً، لكن المسؤولين الإسرائيليين يدّعون "فصلاً تاماً" بين الجبهتين. إذا انسحب حزب الله من وقف إطلاق النار بالقوة، فسيكون ذلك بمثابة هزيمة لإسرائيل.

استهدفت المقاومة الإسلامية تجمعًا عسكريًا للكيان الصهيوني في منطقة وطيع الخيام بإطلاق عدة صواريخ.

كما استهدفت المقاومة الإسلامية حامية "يعارة" بمجموعة من الطائرات الانتحارية المسيّرة. واستهدفت مواقع مدفعية جيش الكيان الصهيوني شمال بلدة "قرن" بهجوم صاروخي ومجموعة من الطائرات الانتحارية المسيّرة.

واستهدفت المقاومة الإسلامية تجمعًا للقوات الإسرائيلية في بلدة شلومي بهجوم صاروخي ومجموعة من الطائرات الانتحارية المسيّرة.

كما استهدفت المقاومة الإسلامية بلدة المطلّة بهجوم صاروخي. أفادت المقاومة الإسلامية باستهداف تجمع للجيش الإسرائيلي في منطقة ثكنات "بارنيت" بطائرة مسيرة انتحارية.

كما أفادت المقاومة الإسلامية باستهداف تجمع لقوات الاحتلال في منطقة قاعدة المرج بطائرة مسيرة انتحارية. واستهدفت المقاومة الإسلامية تجمعًا للجيش الإسرائيلي في مركز احتجاز الخيام بصاروخ.

ودقت صفارات الإنذار وتوقفت الرحلات الجوية في مطار بن غوريون.

وأعلنت وسائل الإعلام الإسرائيلية: دوّت صفارات الإنذار في الجليل الغربي خشية تسلل طائرات مسيرة. وتوقفت الرحلات الجوية في مطار بن غوريون بعد إطلاق صاروخ من لبنان. ودوّت صفارات الإنذار في مناطق واسعة في الوسط والجنوب بعد إطلاق وابل من الصواريخ من لبنان. وشوهدت صواريخ بعيدة المدى تُطلق من لبنان باتجاه ساحل أشدود. وسُمع دوي انفجار قوي في الوسط بعد إطلاق الصاروخ من لبنان.

كما أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية: دوّت صفارات الإنذار في مسقاف عام والمطلة في إسباى الجليل.

دوت صفارات الإنذار وتوقفت الرحلات الجوية في مطار بن غوريون.

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية: دوت صفارات الإنذار في الجليل الغربي خشية تسلل طائرات مسيرة. وتوقفت الرحلات الجوية في مطار بن غوريون بعد إطلاق صاروخ من لبنان. كما دوت صفارات الإنذار في مناطق واسعة في وسط وجنوب البلاد بعد إطلاق وابل من الصواريخ من لبنان. وشوهدت صواريخ بعيدة المدى تُطلق من لبنان باتجاه ساحل أشدود. وسُمع دوي انفجار قوي في وسط البلاد بعد إطلاق الصاروخ من لبنان.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية أيضاً: دوت صفارات الإنذار في مسقاف عام والمطلة في إسبا الجليل.

وتعرض تجمع عسكري للاحتلال لهجمات صاروخية من حزب الله.

من جهة أخرى، استهدفت المقاومة الإسلامية تجمعاً لقوات جيش الاحتلال في بلدة طيبة للمرة الرابعة. وأعلن حزب الله أنه استهدف تجمعاً لجنود صهاينة في بلدة ميس الجبل بصاروخ. وأعلنت المقاومة الإسلامية أنها استهدفت بلدة عفيفيم بصاروخ للمرة الثالثة.

استهدفت المقاومة الإسلامية تجمعًا للجنود الإسرائيليين في بلدة مارون الراس بعدة صواريخ. كما أعلنت المقاومة الإسلامية استهداف تجمع للجنود الصهاينة حول مجمع موسى عباس وتلة شمران على مشارف بنت جبيل خمس مرات بالصواريخ.

وأعلنت المقاومة الإسلامية استهدافها تجمعًا للجيش الإسرائيلي في بلدة عيناتا أربع مرات بالصواريخ. كما أعلنت استهدافها تجمعًا للجيش الإسرائيلي حول مثلث التحرير على مشارف بنت جبيل أربع مرات بالصواريخ.

واستهدفت المقاومة الإسلامية تجمعًا للجنود الإسرائيليين حول الموقع 17 على مشارف بنت جبيل خمس مرات بالصواريخ. وأعلنت المقاومة الإسلامية استهدافها منشآت للجيش الإسرائيلي في حيفا بعدة صواريخ.

وأعلنت المقاومة الإسلامية استهدافها تجمعًا لقوات الجيش الإسرائيلي على طريق راشاف-سربين بقذائف مدفعية. أعلنت المقاومة الإسلامية استهدافها تجمعًا للجنود الإسرائيليين في بلدة راشاف بهجوم صاروخي.

وأفادت قناة الجزيرة بإطلاق ستة صواريخ من لبنان باتجاه الجليل، نقلاً عن سماع دوي صفارات الإنذار في الأماكن العامة.

وتستمر الهجمات الوحشية للنظام الإسرائيلي.

وأفاد مراسل قناة الميادين في الجنوب بشن غارة جوية إسرائيلية على بلدة البابلية في مدينة صيدا. كما أفاد مراسل الميادين بشن غارة جوية إسرائيلية على بلدة البصالية في منطقة العقل الطاف جنوب لبنان.

وأفاد مراسل الميادين أيضًا بشن غارات جوية إسرائيلية على بلدتي قانا وحناوية في مدينة صور جنوب البلاد. كما أفاد مراسل الميادين بشن غارة جوية إسرائيلية على بلدة ققعية السنار في مدينة صيدا وبلدة الحبوش في مدينة النبطية.
أفادت قناة الجزيرة بأن الجيش الإسرائيلي قصف أحياء سكنية في مدينة عيطة الشعب جنوب لبنان.