emamian
قائد الثورة: لن نتراجع أمام الأعداء.. نؤيّد احتجاج التجار.. ونحذّر المشاغبين
التقى قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي، صباح السبت 3/1/2026، بعائلاتِ شهداء حرب الاثني عشر يوماً (شهداء الاقتدار)، وذلك بمناسبة الذكرى المباركة لميلاد مولى الموحدين الإمام علي بن أبي طالب (ع) وذكرى استشهاد الشهيدين الحاج قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس ورفاقهما.
وعدّ سماحته يومَ مولد أمير المؤمنين يوماً استثنائياً في التاريخ، مضيفاً: «من بين سماته الفريدة، نحن اليوم بحاجة ماسة إلى سمتين، وهما العدالة والتقوى».
كما أشار الإمام الخامنئي إلى تجمعات الأسبوع الماضي للتجّار، موضحاً: «أهل السوق والتجّار من أكثر الفئات وفاءً للنظام والثورة الإسلامية، وبالتالي لا يمكن باسم السوق والتجار مواجهة الجمهورية الإسلامية».
ورأى سماحته أن احتجاج التجّار على انخفاض قيمة العملة الوطنية وعدم استقرار بيئة الأعمال، هو احتجاجٌ في محله، مضيفاً: «التاجر صادقٌ حين يقول إنه لا يستطيع ممارسة تجارته في هذه الظروف، ومسؤولو البلاد، بمن فيهم رئيس الجمهورية المحترم وكبار المسؤولين، يسعون لمعالجة هذه المشكلة».
وأضاف قائد الثورة الإسلامية: «ما لا يُقبل هو أن يتستر خلف التجّار بعض الأشخاص المحرَّضين أو مرتزقة العدو ليرفعوا شعارات ضد الإسلام، وضد إيران، وضد الجمهورية الإسلامية».
وأكد سماحته أن «الاحتجاج في محله، لكنه يختلف عن إثارة الشغب. يجب على المسؤولين التحاور مع المحتجّين، أما التحدث مع مثيري الشغب فلا فائدة فيه، بل يجب ردعهم ووضع حدّ لتصرفاتهم».
واستطرد قائد الثورة الإسلامية قائلاً: «لا يُسمح مطلقاً للبعض باستغلال احتجاجات التجار المؤمنين والصالحين والثوريين للتستر خلفَهم بهدف التخريب وزعزعة الأمن وإثارة الشغب تحت مسميات وذرائع مختلفة».
وأشار قائد الثورة الإسلامية إلى إملاءات الأعداء، قائلاً: «إنّ المعيار الأساس هو أنه على الفرد، حينما يشعر بسعي العدو لفرض إرادته على البلاد بمنطق الغطرسة، أن يقف بوجهه بمنتهى القوة. وعلى المسؤولين والحكومة والشعب أن يتصدوا لهذا السعي بالصمود والوحدة».
وأردف سماحته: «نحن لا نتراجع أمام العدو؛ وبالاتكال على الله المتعالي، والاعتماد عليه، والثقة بمؤازرة الشعب، سنُركع العدو، بعون الله وتوفيقه».
وتحدث قائد الثورة الإسلامية عن ضرورة أن يقتدي الجميع –والمسؤولون على وجه الخصوص– بسيرة أمير المؤمنين (ع)، قائلاً: «إنّ العدالة العلوية هي من أوجب احتياجات البلاد وأكثرها إلحاحاً، ونحن اليوم، وخلافاً لما كان عليه أتباع أمير المؤمنين عبر التاريخ، لا نملك أي ذريعة للتقاعس عن إرساء العدالة أو تنفيذها؛ لأن الحكم هو حكم الجمهورية الإسلامية والنظام العلوي».
كما ذَكَرَ سماحته أن الإمام علياً (ع) لم يُهزم في أي معركة، لا في عهد النبي (ص) ولا في سنوات حكمه، مؤكدًا أنه ظلَّ فاتحاً مظفراً، وبيّن أنَّ «الأساليب المختلفة التي انتهجها الأعداء المهزومون لخداع الناس وتثبيط عزائمهم حالت، في موارد كثيرة، دون تحقق كامل أهداف الإمام علي (ع)».
ورأى الإمام الخامنئي أن ترويج الشائعات، والكذب والخداع، والاختراق وما شابهها، أو ما يُعرف اليوم بـ «الحرب الناعمة»، كانت هي سياسة أعداء مولى المتقين لإضعاف الدوافع وبث الشك في مجتمع ذلك الزمان، وقال: «عندما تضعف عزائم الناس، يصبح تحقق الأهداف مستحيلاً؛ لأن العمل، بحسب السنن الإلهية، منوطٌ بالناس ويُنجز بسواعدهم».
ولفت سماحته إلى أن غاية العدو في الحرب الناعمة هي إحباط الناس ونزع الأمل من نفوسهم وبث الشك والريبة فيهم، قائلاً: «كان أعداء أمير المؤمنين (ع) يتربصون عبر الإشاعات والأكاذيب لبثّ سوء الظن. وتُنفَّذ اليوم الإجراءات ذاتها في الحرب الناعمة. غير أن الشعب الإيراني يقف بثبات في كل موضع يقتضي حضوره، لِيُحبط مؤامرات العدو، كما أثبت صموده في الميادين الصعبة».
وعدّ قائد الثورة الإسلامية إرسال ثلاثة أقمار اصطناعية إلى الفضاء في يوم واحد، والتقدم المذهل في مختلف المجالات العلمية في البلاد، بما في ذلك الجو-فضاء، والتقنيات الحيوية، والطب والعلاج، وتقنيات النانو، والصناعات الدفاعية والصاروخية، نماذجَ لأعمال عظيمة قام بها الشعب الإيراني وشبابه النخبة.
وأشار الإمام الخامنئي إلى طلب العدو وقف إطلاق النار في حرب الإثني عشر يومًا، وقال: «العامل الذي جعل العدو يطلب وقف الحرب، وبعد ذلك يرسل رسالة مفادها أننا لا نريد أن نحاربكم، هو قوة وقدرة الشعب الإيراني».
وأضاف قائد الثورة الإسلامية: «طبعًا، نحن لا نثق بالعدو الخبيث المخادع والكاذب. لقد رأى الناس في حرب الإثني عشر يومًا حقيقة أمريكا بأعينهم. بل حتى الذين كانوا يعتقدون أن حل مشكلات البلاد يكمن في التفاوض معه، أدركوا أنه في أثناء المفاوضات كانت الإدارة الأمريكية منشغلة بإعداد خطة الحرب».
وأكد سماحته ضرورة الحذر من الحرب الناعمة وزرع الشبهات والشائعات من قبل العدو، وقال: «هدفهم هو إضعاف البلاد وضعضة الوحدة الإعجازية للشعب في حرب الـ12 يومًا. لذلك، أهم مسألة هي الانتباه لعداء العدو، والوحدة والتلاحم الداخلي، وبتعبير القرآن: {أشداء على الكفار رحماء بينهم}».
وفي جزء آخر من حديثه، أشار سماحته إلى تزامن ذكرى استشهاد الشهيد الحاج قاسم سليماني مع مناسبة 13 رجب، ذكرى مولد أمير المؤمنين (ع)، وقال: «ثلاث خصائص، هي الإيمان والإخلاص والعمل، كانت السمات الرئيسية لذلك الشهيد العزيز، الذي كان يُعدّ إنسانًا جامعًا وشاملًا في زماننا. كان الحاج قاسم رجل الإخلاص للّه، ولم يكن يفعل شيئًا لطلب الشهرة أو الثناء عليه من الآخرين».
كما أشاد الإمام الخامنئي، بحضور الحاج قاسم سليماني في جميع الساحات اللازمة، وقال: «على عكس بعض الأشخاص الذين يفهمون جيدًا ويتحدثون جيدًا ولكن لا يقومون بأي عمل، كان هو حاضرًا في كل الميادين التي تتطلب ذلك؛ سواء في الحفاظ على الثورة وتوجيه حركتها ومواجهة الأشرار في محافظة كرمان، أو في قوة القدس، والدفاع عن المقدسات، ومواجهة داعش، وغيرها من الساحات».
[يُذْكَرُ أن الاحتجاجات الإيرانية على خلفية الغلاء المعيشي استمرت لعدة أيام خلال الأسبوع الماضي، حيث تحوّلت بعض شعارات المحتجين من المطالب المعيشية إلى السياسية. وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تدخل واشنطن في حال استخدام طهران القوة ضد المتظاهرين، مما أثار ردود فعل رافضة من قبل ساسة إيرانيين.]
كلمة الإمام الخامنئي في مناسبة ولادة أمير المؤمنين (ع) وذكرى استشهاد الحاج قاسم سليماني
بسم الله الرحمن الرحيم،
والحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، [ولا] سيما بقية الله في الأرضين.
يصادف اليوم ذكرى ميلادٍ منقطع النظير؛ فهو فريدٌ من حيث المَولِد، وفريدٌ من حيث المَولود؛ المَولِد والمَولود معاً. أما المَولِد، فهو الكعبة؛ فمن ذا الذي نعرفه في التاريخ قد وُلد في بيت الله، في الكعبة؟ وأما المَولود، فهو عليٌّ المرتضى (سلام الله عليه)، الذي سأعرض لذكره بضع جملٍ لاحقاً. بناءً على ذلك يُعدّ يوم الثالث عشر من رجب يوماً استثنائياً وفريداً من حيث ولادة هذا العظيم. كذلك، اليوم ذكرى شهيدنا العزيز رفيع القدر، الشهيد سليماني. لقد قيل كثير، ولله الحمد، وكُتب كثير عن الشهيد سليماني. إذا أردتُ أن أتحدّث بكلمةً عن هذا الشهيد العزيز، الذي عاينتُ حياته وعمله من كثب، فيجدر بي القول: كان سليماني رجلَ الإيمان والإخلاص والعمل؛ هذه الخصائص الثلاث. كان رجلَ الإيمان، أي كان يؤمن بالعمل الذي يؤديه، ويؤمن بالهدف الذي كان يسعى من أجله من أعماق قلبه، وكان يؤمن بالله وبالعون الإلهي؛ كان رجلَ الإيمان. كان رجلَ الإخلاص؛ فلم يكن يعمل طلباً للشهرة أو للمدح أو لاكتساب مكانة بين الناس. كان يجتهد ويعمل مخلصاً لله تعالى، مخلصاً للهدف. كان رجلَ العمل؛ فبعض الناس صالحون جداً ويملكون مستوى عالياً من الفهم، ولكن ما يُلاحظ منهم ليس عملًا، أي النهج الذي يرسمونه لأنفسهم في أذهانهم وعلى ألسنتهم وأفعالهم، لا أثر له [عمليًّا]. لكن الشهيد سليماني كان من أهل العمل؛ كان حاضراً حيثما استشعر ضرورة وجوده؛ سواء في حفظ حركة الثورة الإسلاميّة في كرمان وتوجيهها، أو في التصدي للمعتدين الظالمين والجائرين في تلك المنطقة، أو في قوة القدس، أو في الدفاع عن المقدسات، أو في مواجهة «داعش». لقد كان رجل العمل؛ في الميدان العسكري، والسياسي، والتربوي على حد سواء. لم يقتصر عمله على الشأن العسكري، فنحن نعرفه بصفته عسكرياً، ولكن الشهيد سليماني كان عاملًا مؤثراً ومفيداً في أكثر قضايا المنطقة السياسية حساسية وأهمية، وفي حالاتٍ كثيرة كان دوره فريداً لا بديل له. كما كان رجل العمل في الشأن التّربوي أيضاً؛ فمن يعملون تحت إمرته والشباب الذين كانوا يلتحقون به وأولئك الذين كانوا يقاتلون معه، كانوا يستلهمون منه الدروس؛ فقد كان يربي هؤلاء. لقد كان إنساناً جامعًا وكاملاً في زماننا.
قبل أيامٍ قليلة، نطق أولئك، الذين ما يزالون مدينين لدمائه، بترّهاتٍ وأباطيل بحقّه،[1] ولكن الشهيد سليماني -بعمله، وبإقدامه، وطوال حياته المباركة- قد دحض مزاعمهم. بحمد الله، ورغماً عن أنوف الأعداء، يزداد في كل عام قداسةً وتكريماً عما كان عليه في العام الذي سبقه. انظروا هذا العام – حسبما شاهدتُ في التلفاز – إلى ذلك الحشد العظيم من الناس الذين يتوافدون من مسافات بعيدة، وأحياناً من بلدان أخرى، إذ يسيرون ويتحركون لزيارة مرقد هذا الرجل؛ رجل الإيمان، ورجل الإخلاص، ورجل العمل.
اليوم، وإلى جانب الشهيد سليماني، يبرز ذكرُ شهداءَ أعزاءَ آخرين في هذا المحفل؛ حيث تحضر عائلات بعض هؤلاء الشهداء؛ سواء منهم شهداء الميدان العسكري، أو شهداء الميدان العلمي، أو آحاد أبناء شعبنا العزيز الذين التحقوا بركب الشهداء في هذه الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً. أولئك الذين كنا نعرفهم من كثب، في وسعنا أن نشهد بأن حياتهم كانت جهاداً من أقصاها إلى أقصاها؛ فكانوا لا يفكرون إلا بالجهاد. لم يكن لديهم أدنى تردد أو توقف في سبيل الله، بل كانوا يعملون، وكانت الشهادة أمنيتهم؛ كانت الشهادة هي المنى. سواء شهداء المجال العسكري أو العلمي - وقد كنتُ أعرف بعض هؤلاء العلماء من قرب - فقد كانوا عشاقاً للشهادة، يرتقبون نيلها. إن هذا اللقاء هو مجلسُ تجليل وتكريم وتعظيم لهؤلاء الشهداء الأعزاء الذين ستبقى أسماؤهم خالدة في التاريخ، وعلينا النّهل من أسمائهم المباركة لمواصلة الحركة في التاريخ.
أما الموضوعات التي أودّ طرحها اليوم، فأريد أن أعرض عليكم موضوعين أو ثلاثة باختصار؛ أحدها حديثٌ مقتضب في رحاب أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)؛ والآخر حديثٌ عن عاملٍ مؤثر في المواجهة بين الحق والباطل ينبغي لكم الالتفات إليه، سواء ما كان منه في عهد أمير المؤمنين (ع) أو ما هو قائمٌ اليوم؛ والثالث نظرةٌ إلى الأحداث الأخيرة في الأسبوع الماضي وتجمّعات شعبنا، إذ سأتحدّث بعبارة عن هذا الشأن أيضاً.
في ما يرتبط بأمير المؤمنين، فإن ما قيل وكُتب في التاريخ والأدب والحديث من الضخامة والوفرة إذ لا أظن أنه قد قيل هذا القدر من الكلام أو سُطر هذا المديح في حق أي شخص آخر؛ حتى من غير المسلمين، ومن غير الشيعة، فقد ألف كبار العلماء والجهات كتباً؛ فشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد سِفرٌ ضخم بمجلدات عدة، وشروح نهج البلاغة وشروح كلمات ذلك العظيم وشروح عهده لمالك الأشتر وسيرته في التاريخ والأدب بلغت من الكثرة حداً لا يمكن معه العثور له على نظير. حسنًا، من بين هذه الخصال جميعها المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، اخترت خصلتين يتربع أمير المؤمنين (ع) على قمتيهما ونحن اليوم بحاجة إليهما، لأتحدث عنهما بكلمات موجزة: الأولى هي أن أمير المؤمنين (ع) في ذروة «العدالة»؛ والأخرى هي أن أمير المؤمنين (ع) في ذروة «التقوى»؛ العدالة والتقوى.
الجمهورية الإسلامية بحاجة اليوم إلى العدالة وهي بحاجة إلى التقوى؛ والجمهورية الإسلامية اليوم، وبالمقارنة مع الماضي، قد أحرزت تقدماً في كل من العدالة والتقوى، ولكننا لا نزال بعيدين عما هو مأمول ومُتوقع. يجب أن نتخذ من أمير المؤمنين (ع) أسوة لأنفسنا، وأن نتحرك في هذا المسار نحو تلك القمة.
قمّة «العدالة» التي قلنا إن أمير المؤمنين (ع) يتربع عليها وهي أعلى مراتب العدالة؛ كيف كان أمير المؤمنين يطبقها؟ لقد كان يطبقها بأساليب متنوعة؛ تارةً بالأيدي الحانية، عبر خدمة الضعفاء والأيتام والعائلات التي لا معيل لها؛ هكذا كان يطبق العدالة أحياناً. تارةً أخرى كان يطبقها بـ«ذو الفقار»؛ أي في النقطة المقابلة، بذلك السيف القاطع ذي الحدّين، إذ لم يُمدح سلاحٌ على مرّ التاريخ بقدر ما مُدح ذو الفقار. تارةً باللسان البليغ والحكمة؛ بعبارات تتجاوز آفاق الأدب العربي، كما في نهج البلاغة. هكذا [يبين] العدالة؛ فيكتب لعماله وولاته رسائل هي دروسٌ في العدالة. أي حين ينظر المرء، يجد حقاً أن كتاب أمير المؤمنين إلى مالكالأشتر[2] - الذي هو أمر تولّيه الحكم، إذ يُطلق عليه خطأً «العهد»، بينما هو ليس عهداً بل هو أمر، أمرٌ بالحكم - مفعمٌ بالمفاهيم التي تعود غالبيتها إلى العدالة، وتجعل المجتمع مجتمعاً عادلاً؛ هكذا كان يمضي بالعدالة أيضاً. أي باللين تارة، وبالصلابة الإلهية والغيرة الدينية تارة أخرى، وبالبيان البليغ والحكمة والتبيين. إن مصدر «جهاد التبيين» هذا هو أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام).
أمّا التقوى؛ فكيف كان يمارسها؟ كان يمارس التقوى تارةً في محراب العبادة؛ تلك العبادات التي كانت الملائكة تغبطه عليها؛ أي إن عبادة أمير المؤمنين (ع) وصلاته وتضرّعه ومناجاته لله كانت تثير حيرة الملائكة. تارةً أخرى كان يمارس التقوى بالصبر والسكوت صوناً لوحدة المسلمين؛ وهذا أيضاً أحد المصاديق المهمة لتقوى أمير المؤمنين (ع). حين يكون هناك حقٌّ عائدٌ له ومرتبطٌ به، ثم يُسلب منه هذا الحق، ويصبح في إمكانه انتزاعه بالسيف، ولكن حدوث الاختلاف بين المسلمين سيكون هو الثمن؛ فإنه يصبر ويسكت ويتعاون لئلا يحدث ذلك الاختلاف. يُقال أحياناً إن أمير المؤمنين (ع) اعتزل في بيته خمسة وعشرين عاماً؛ كلا، لم يعتزل أمير المؤمنين (ع) في بيته، بل كان حاضراً في الساحة وفي الميدان، يأمر ويوجّه، ويرشد خلفاء وقته والناس. أي إنه كان يُظهر تقواه بالصبر والصّمت؛ هذه هي التقوى.
هذه هي التقوى؛ أن يرى الإنسان حقاً له يُسلب، ولكنه يصمت من أجل مصلحةٍ أسمى وأكبر. نحن لا نطيق الصمت؛ فإذا سُلب منا حقٌّ، ظننا أن الدنيا قد قامت ولم تقعد، ولا نراعي المصالح؛ أما ذلك العظيم، فكان يراعيها. في مواضع أخرى، تجلت تقواه (عليه السلام) في فداء نفسه أمام الأحداث الجسام، كما في «ليلة المبيت»؛ لقد كانت تلك تقوى؛ إذ ذهب ونام في فراش النبي (ص)، في وقتٍ كان فيه من المفترض طبيعياً أن يفقد حياته في تلك الليلة. في «أُحُد» أظهر التقوى فثبت؛ وفي «حُنين» أظهر التقوى وثبت؛ وفي «خيبر» أظهر التقوى فأذلّ العدو؛ وفي غالبية غزوات النبي (ص) كان هو السبّاق والمقدام؛ [ذلك كله] كان تقوى. التقوى ليست في محراب العبادة فحسب؛ بل في ميدان الحرب أيضاً ثمة تقوى هي التي تُثبّت الإنسان وتحفظه وتمضي به قدماً؛ لذا كان (عليه السلام) يتصدّى للعدو.
هاتان هما السمتان؛ عدالةُ أمير المؤمنين وتقواه. نحن نحتاج اليوم في بلدنا ومجتمعنا إلى العدالة وكذلك إلى التقوى. نحتاج تقوى الناس كافةً، وبخاصةٍ تقوى مسؤولي البلاد؛ ويجب أن يتحقق ذلك تحقّقاً تامّاً. بحمد الله، يجد المرء من يعملون بتقوى في حالات كثيرة ومواضع متعدّدة، ولكن يجب أن يصبح هذا النهج عاماً وشاملاً. هذا الإمامُ الذي نتشوّق لاسمه وذكره، ونذكر اسمه على ألستنا ونلهج بمدحه، هو إنسانٌ من هذا الطراز؛ ذاك سلوكُه في العدالة، وذاك سلوكُه في التقوى.
لم تُتح للشيعة طوال هذه الألف عام ونيّف الفرصة لتطبيق عدالة أمير المؤمنين في المجتمع؛ لأنهم لم يمتلكوا حكومة. أمّا اليوم، فلم تعد هذه الذريعة قائمة؛ اليوم لا يوجد أيّ عذر. اليوم الحكومة هي حكومة إسلامية، حكومة علوية، حكومة ولائية. اليوم علينا أن نسعى وراء العدالة. العدالة هي أوجب السمات وأولاها لإدارة المجتمع التي يجب أن تسعوا إليها. طبعًا، ثمّة عوامل تقف حائلًا دون تقوانا؛ فأحيانًا يراودنا الخوف، وأحيانًا يداخلنا الشكّ في مبادئنا، وأحيانًا نراعي المحسوبيات والصداقات، وأحيانًا نراعي العدو؛ هذه الأمور كلّها يجب أن تُنحّى جانبًا، وينبغي ألا تكون. لا بُدّ من المضيّ قُدمًا - من دون مراعاة غير مبرّرة - نحو البرنامج الذي يحقّق العدالة وذاك الذي ينشر التقوى. حسنًا، كان هذا في ما يتعلّق بأمير المؤمنين.
لقد ذكرتُ أنّ هناك نقطةً في ما يتعلّق بأمير المؤمنين (عليه السلام) ينبغي اليوم أيضًا أن تحظى بالاهتمام في مجتمعنا وفي حكومتنا وفي النظام الإسلامي؛ وهذه النقطة هي أنّ أمير المؤمنين لم يُغلَب في أيّ مواجهة عسكرية، إطلاقًا. كان فاتحًا وغالبًا في كلّ موضع. حتى في أُحُد؛ ففي أُحُد فرّ الآخرون، ولكنّ أمير المؤمنين (ع) غلب. لقد عوّضت شجاعته وثباته، ومعه واحد أو اثنان ممّن كانوا حول النبي الأكرم (ص)، ذلك الهروب الذي ابتُلي به الضعفاء. أي إنّ أمير المؤمنين (ع) انتصر في الغزوات جميعها - كما حدث نظير ذلك في حُنين أيضًا وفي مواضع أخرى - انتصر في الغزوات كلّها. في مدة الخلافة حدثت ثلاث حروب، وفي الحروب الثلاث كان أمير المؤمنين (ع) منتصرًا. في صفّين أيضًا كان منتصرًا؛ إذ لم يكن قد بقيَ في صفّين سوى خطوة واحدة لتغيير مسار التاريخ، ولو تمكّن مالك الأشتر من الوصول إلى تلك النقطة - لقد كان على وشك الوصول - لتغيّر التاريخ، ولكنّه عاد بأمر أمير المؤمنين (ع). تلك المشكلة التي كانت قائمةً آنذاك موجودةٌ اليوم أيضًا، وهي أنّ أميرَ المؤمنين (ع)، هذا الذي لم يُغلَب في أيّ مواجهةٍ عسكرية، تمكّنوا في مواضع كثيرة من منعه من بلوغ هدفه. أي إنّهم وجدوا سبيلًا لذلك، وهذا السبيل نسمّيه اليوم «الحرب الناعمة»، الحرب الناعمة. بعض الأشخاص يظنّ أنّ الحوادث من هذا النوع - هذه الاتهامات وهذه الخِدع وهذه الخباثات وهذه الاختراقات - هي أمورٌ تخصّ زماننا فقط؛ لا، ففي زمن أمير المؤمنين (ع) أيضًا كانت هذه الأمور هي العوامل المؤثّرة. الأمر بيد الناس، ووليّ الله لا يمكنه أن يفعل شيئًا من دون مساعدة الناس؛ {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال، 62).
لم يكن أمام العدوّ، في مواجهة شجاعة أمير المؤمنين وقوّته وإرادته الفولاذيّة، سبيل سوى أن يلجأ إلى خداع البيئة المحيطة بأمير المؤمنين؛ وهو ما حدث في حرب صفّين عبر رفع المصاحف على أسنّة الرماح؛ ثمّ حدث بعد ذلك، وفي زمن الإمام الحسن كذلك؛ هذه هي «الحرب الناعمة». ما هي الحرب الناعمة؟ هي أن يُضلِّلوا الناس بالخداع وبالكذب وبالافتراء وبالإغواء وبالاستدلالات المغالِطة، فيجعلونهم مرتابين تجاه الطريق الذي يسيرون فيه، ويزرعوا الشكّ في نفوسهم. هذه هي الحرب الناعمة. هذه الحرب اليوم جارية، فاليوم أيضًا يُمارَس هذا العمل. إن الهدف من الحرب الناعمة هو سلب الناس دوافعهم؛ فأولئك الحاضرون في الميدان والمستعدون للبذل والعمل، يدخل [الأعداء] لمواجهتهم بأدوات الحرب الناعمة من أجل سلب دوافعهم، وإحباطهم وتيئيسهم وإيقاعهم في الشك والريبة. لقد فعلوا ذلك في ذلك الزمان، في عهد أمير المؤمنين (ع)، وهو أمرٌ وردت تفاصيله في التاريخ بدقة؛ فقد كان بعض الأشخاص يذهبون إلى المدن والقرى ويهاجمون الناس ويظلمونهم، ثم يروج شخص ما شائعة بأن هؤلاء يرسلهم علي (ع)؛ فكانوا يجعلون الناس في شكّ وريبة. اليوم أيضاً، يُمارس هذا الأمر ذاته تمامًا. لقد أثبت الشعب الإيراني اليوم أنه يقف بصلابة في الميادين الصعبة حيثما تبرز الحاجة إلى وجوده، وهذا هو دأب الشعب الإيراني، ولا يقتصر الأمر على فئة أو جماعة خاصة. حيثما لزم الوقوف يقف، وحيثما وجبت المساعدة يساعد، وحيثما تعيّن إطلاق الشعارات يطلقها، وحيثما وجب إحباط العدو المواجه له فإنه يفعل ذلك. هذه الدوافع تقلق العدو، لذا يحاولون إضعاف هذه الدوافع وزعزعتها لدى الناس بمختلف الذرائع.
إن إحدى أدوات الحرب الناعمة اليوم لدى العدو، ولدى بعض الأشخاص غير الصالحين أو الغافلين، تتمثل في تجاهل مكتسبات هذا الشعب ومقدراته وقدراته، وإنكار إمكاناته. هذا الشعب شعبٌ عظيم، وهو قادر على العمل، وهو يعمل بالفعل؛ إنه يعمل اليوم. إذا غفل شعبٌ عن مقدراته، ولم يرَ قدراته، ولم يؤمن بتقدمه، فسيُذلّ. عندما يُذلّ الشعب ويرى نفسه صغيرًا، سيصبح مستعدًا للاستسلام أمام العدو. هذه هي الحيلة التي يسعى الأعداء وراءها وينفذونها.
إنّ الشاب النخبوي اليوم، الشاب النخبوي الكفؤ، يُطلق في يوم واحد ثلاثة أقمار اصطناعية إلى الفضاء؛[3] وهذا ليس بالأمر الهيّن، بل هو أمر عظيم جداً. الشاب النخبوي اليوم، يضيف في بضعة أشهر أربعة آلاف ميغاواط إلى قدرة الكهرباء في البلاد، معززاً بذلك شبكتها الوطنيّة. لقد أدهش الشاب النخبوي اليوم العالم في مختلف العلوم، في مجال الجو-فضاء، وفي التكنولوجيا الحيوية، وفي العلاج والطب، وفي النانو، وفي صناعة الصواريخ والصناعات العسكرية، وذلك كله في زمن الحظر. هذه ثروات فريدة، وتجب رؤيتها، فنحن نمتلكها. لعلّي ذكرت هذا مرّة أو مرّتين في كلماتي؛[4] قبل بضع سنوات من الآن، أنّ أحد علماء[5] الصواريخ الصهاينة أعلن بنفسه وقال: عندما كانوا يجرّبون [إطلاق] ذلك الصاروخ الإيراني، ورأيتُ [مشاهده] حين كانت تُبَثّ، رفعتُ قبعتي احترامًا لذلك الذي صنعه، وأبديتُ له الاحترام؛ لأنّه استطاع، في ظلّ الحظر وفي زمن الحظر، أن ينجز مثل هذا العمل الكبير. تُنجَز اليوم أعمال كبيرة في الصناعات الدفاعيّة، وفي أساليب العلاج الطبّي؛ العدوّ يتكتّم على هذه الأمور، وبعضهم للأسف في الداخل يتكتّم عليها أيضًا. في الداخل، للأسف، يتكتّم بعضهم على أنواع التقدّم هذه والإنجازات الكبيرة هذه، ولا يُطلعون الناس عليها. ثمة أعمال كبيرة تُنجَز في البلاد، والبلاد تتقدّم.
إن العامل الذي يدفع العدو - وفي مواجهته الشعب الإيراني – إلى المطالبة أولًا بوقف الحرب العسكرية، ثم يبعث برسالة يقول فيها: إنني لا أريد أن أقاتلكم؟ العدو خبيث بطبيعة الحال مخادع وكذاب، ونحن لا نثق بكلامه؛ فما هو العامل الذي يدفعه إلى ذلك؟ إنه قوة الشعب الإيراني، إنها قدرة الشباب الإيرانيين. لقد سمعتُ بشأن هؤلاء الذين أطلقوا هذه الأقمار الاصطناعية إلى الفضاء في الأسبوع الماضي، هؤلاء الشباب الذين أطلقوا ثلاثة أقمار اصطناعية في يوم واحد واستقرت في الفضاء، أي لقد نُقِل إليّ أن متوسط أعمارهم هو 26 عاماً. هذه ثروات عظيمة؛ فثروة الموارد البشرية ليست بالثروة الهيّنة. في المقابل، يجلس ذلك الأمريكي[6] الذي يتفوّه بالترّهات ليتحدث عن الشعب الإيراني، فيكيل الإساءات تارة ويقدّم الوعود تارة أخرى؛ وعود كاذبة! وخداع! اليوم ولحسن الحظ، لقد عرف الشعب الإيراني أمريكا، فقد كان هناك زمن لم يكن يعرفها فيه، أما اليوم، فقد سقط قناع الزيف وانفضحت أمريكا في العالم؛ الجميع باتوا يعرفونها، وهذا الأمر لا يقتصر على إيران فحسب. لقد عرف الناس العدو، وهذا نجاح كبير جدًا.
لقد كنا نصرّ كثيرًا على تقديم الأدلة والبراهين للناس، ولكن الناس شاهدوا ذلك بأنفسهم في حرب الاثني عشر يومًا. أولئك الذين كانوا يقولون إن حل مشكلات البلاد يكمن في التفاوض مع أمريكا، رأوا ما الذي حدث؛ ففي خضم التفاوض مع أمريكا، وبينما كانت الحكومة الإيرانية منشغلة بالتفاوض، كانت الإدارة الأمريكية منشغلة خلف الكواليس بإعداد خطة الحرب. إن الناس يقظون وواعون.
لذلك يجب أن نكون يقظين من الحرب الناعمة، يقظين من التشكيك الذي يزرعه العدوّ، ويقظين من الشائعات التي يروّجها. هذه الأموال التي تُنفق - ملياراتٌ تُنفق - على هذا التلفزيون أو تلك الإذاعة أو هذا المركز الإعلامي وما إلى ذلك، والتي تنشر باستمرار أخبارًا كاذبة ومعادية لإيران، ليست بلا سبب؛ بل هي قائمة على استدلال مهمّ جداً؛ يريدون إضعاف الداخل. لقد رأوا أنّ وحدة الشعب في حرب الاثني عشر يومًا كانت تصنع المعجزات، لذا يريدون العبث بهذه الوحدة. على الشعب الإيراني أن يكون يقظًا. أهم مسألة هي الانتباه إلى عداء العدوّ وإلى التلاحم والوحدة الداخليّة؛ {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح، 29).
حسنًا، سأقول بضع جمل أيضًا بشأن تلك التجمعات التي حدثت الأسبوع المنصرم. أولًا، تُعدّ فئة السوق والتجّار من أكثر فئات البلاد وفاءً للنظام الإسلامي وللثورة الإسلامية. نحن نعرف السوق جيداً، فلا يمكن لأحد أن يواجه الجمهورية الإسلامية أو النظام الإسلامي باسم السوق والتجّار. نعم، كانت هذه التجمّعات في معظمها من التجّار، ولكن كلامهم كان كلامًا صحيحًا. لقد سمعت كلامهم في التلفزيون، ورأيته أيضًا في الحسابات وفي مجريات العمل. عندما ينظر التاجر إلى الوضع النقدي في البلاد، وإلى تراجع قيمة العملة الوطنية، تَقلُّب سعر العملة الوطنية والعملات الأجنبية، بما يؤدّي إلى زعزعة الاستقرار في بيئة الأعمال، فيقول: لا أستطيع أن أزاول تجارتي؛ فهو صادق في ذلك. هذا الأمر يعترف به مسؤولو البلاد، وأنا أعلم أنّ رئيس الجمهورية المحترم وسائر المسؤولين الكبار في الدولة يسعون إلى معالجة هذه المشكلة. هذه مشكلة حقيقية، ولكنّ يد العدو حاضرة فيها أيضًا، وهذا ما أردت أن أبيّنه لكم. إنّ هذا الارتفاع في أسعار العملات الأجنبية، والصعود المتفلّت للعملات الأجنبية وتَقلُّبها، إذ ترتفع وتنخفض باستمرار فلا يعرف التاجر ما العمل، هو أمر غير طبيعي، وهو من فعل العدو. طبعًا، يجب التصدّي له، وهم يعملون على ذلك عبر تدابير متنوّعة؛ فالرئيس، وكذلك رؤساء السلطات الأخرى وبعض المسؤولين الآخرين، يبذلون جهودًا لكي يُعالج هذا الأمر. وعليه، إنّ احتجاج التجّار كان على هذه المسألة، وهذه مسألة محقّة وصحيحة. لكن المهمّ هو أنّ بعض الأشخاص المحرِّضين، بعض مرتزقة العدو، يتستّرون خلف التجار، ويرفعون شعارات ضد الإسلام، وضد إيران، وضد الجمهورية الإسلامية. هذا هو المهم في الأمر. الاعتراض حقٌّ مشروع، ولكنّ الاعتراض شيء، والشغب شيء آخر. نحن نتحدّث مع المحتجّين، وعلى المسؤولين أن يتحاوروا مع المحتجّين؛ أمّا الحديث مع مثيري الشّغب، فلا جدوى منه. يجب وضع حدّ لمثيري الشّغب.
إنّ وقوف بعض الأشخاص، تحت عناوين مختلفة وأسماء متنوّعة، وبنيّة التخريب وبقصد زعزعة أمن البلاد، خلف التجّار المؤمنين والطيّبين والثوريّين، ثم استغلال اعتراضاتهم لإثارة الشغب هو أمر غير مقبول بتاتًا، إطلاقاً. ينبغي معرفة كيفيّة عمل العدو؛ فالعدو لا يهدأ، ويتحيّن كلّ فرصة. لقد رأوا هنا فرصةً فحاولوا استغلالها. على كلّ حال، مسؤولونا كانوا في الميدان وسيبقون؛ ولكنّ الأهم هو الشعب. المهمّ هو تلك الأمور نفسها التي صنعت سليماني: الإيمان والإخلاص والعمل. المهمّ ألّا يكون الإنسان غير مبالٍ بالحرب الناعمة للعدو، وألّا يكون غير مبالٍ حيال إشاعات العدو. هذه هي الأمور المهمّة. المهمّ أنّه عندما يشعر الإنسان بأنّ العدو، يسعى إلى فرض أمرٍ على البلاد وعلى المسؤولين وعلى الحكومة وعلى الشعب بمنطق الغطرسة، فعليه أن يقف بوجه العدوّ بمنتهى القوّة، ويتصدّى له. نحن لا نتراجع أمام العدو؛ وبالاتّكال على الله المتعالي، والاعتماد عليه، والثّقة بمؤازرة الشعب، سنُركّع العدوّ، بعون الله وتوفيقه.
نرجو أن يحشر الله المتعالي شهداءنا الأعزاء مع أوليائه، وأن يحفظ شبابنا؛ وأن يوفقكم أعزائي، إن شاء الله، للاستفادة من بركات مولد أمير المؤمنين، وأن ينزل الله المتعالي الصبر والسلوان والسكينة والطمأنينة على قلوب عائلات الشهداء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[1] إشارة إلى تصريحات دونالد ترامب (رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة) عقب لقائه بنيامين نتنياهو (رئيس وزراء الكيان الصهيوني)، التي كرر فيها مزاعمه السابقة عن الشهيد سليماني بأنه كان وراء مقتل جنود أمريكيين.
[2] نهج البلاغة، الرسالة 53.
[3] في إشارة إلى إطلاق ثلاثة أقمار اصطناعية إيرانية «بايا»، «ظفر 2» و«كوثر» إلى الفضاء في 28/12/2025.
[4] من جملتها، كلمته في لقاء التعبويين المشاركين في مؤتمر «خدمة التعبويين»، 4/10/2018.
[5] عوزي روبين (المدير السابق للبرنامج الصاروخي التابع للكيان الصهيوني).
[6] دونالد ترامب (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية).
آثار العفّة في الدنيا والآخرة
في زمنٍ امتلأت فيه الحياةُ بانشغالاتٍ لا تنتهي حيث تتزاحم الضغوط، وتتداخل الأصوات، وتتشابه الطرق… تحدث لكلّ امرأة لحظة صادقة مع نفسها… لحظة تبحث فيها عمّا يحفظ قلبها قبل خطواتها.
فالحماية ليست غطاءً للجسد فحسب، بل صيانة شيء أغلى وأندر: العفّة.
العفّة ليست قيدًا، بل قيمة تبني القلب قبل أن تبني السلوك.
هي القوة الناعمة التي تمنح المرأة حضورًا نظيفًا، وراحةً داخلية، ونظرةً واثقة أمام المرآة.
كلّ امرأة تعرف في لحظةٍ ما من حياتها أن العفّة ليست حكمًا فقهيًا فحسب، بل هي درعٌ روحيّ يحفظ كرامتها اليوم… ويرفع درجتها غدًا يوم تلقى ربّها.
ولذلك، فإنّ هذا المقال يدعوكِ إلى رحلة قصيرة، ولكن أثرها طويل: رحلة تتأمّلين فيها لماذا حفظ الله لكِ هذه القيمة، وما الثمرات التي تجنيها في الدنيا من صفاءٍ وطمأنينة، وفي الآخرة من نورٍ ورضوان.
آثار العفة في الدنيا
العفّة من الأخلاق القيّمة التي ليس مجرد امتلاكها حسنًا فحسب، بل لها آثارٌ وفوائد عديدة في الدنيا والآخرة تُسهم في تقدم حياة الإنسان وبلوغِه الكمال والسعادة. هنا سُعِيَ إلى الإشارة بإيجاز إلى بعض آثار وثمار العفّة.
١. السكينة النفسية
الغريزةُ الجنسية إحدى أقوى غرائز الإنسان، وبحسب قول العلماء المسلمين، فإنّ أعظم المنحدرَاتِ التي تقف في طريق حياة الناس، خصوصًا الشباب، وما غالبًا ما يُسقطهم هو الإشباع غير المشروع والمبالغة في هذا المجال.
الإسلامُ لا يعترف بكبت هذه الغريزة كحرمانٍ مطلق، بل يرى أنَّ أفضلَ وأصحّ طريقٍ لإشباعها هو الزواج. فالزواجُ يحفظ الإنسانَ من الانحراف والفساد الأخلاقي، ويمنح المجتمع عفّة وسلامًا وراحةً نفسية. من أهم فوائدِ الزواج ونتائجه: الراحة والسكينة. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (1).
في هذه الآية يعتبر اللهُ ـ تعالى ـ رابطةَ الزواج من آياته، ويُحصِي أثرَها في السكون والطمأنينة، ويعدّ البقاءَ أعزبَ وتركَ الزواجَ علامةَ اضطرابٍ وعدمِ سكينة. وهذه السكينة ناتجةٌ عن أنَّ الجنسينِ يكملان بعضهما البعض، ويُزهران وينموان معًا بحيث يكون كلٌّ منهما ناقصًا إلى حدٍّ ما بدونه الآخر. من الطبيعيِّ أن توجد قوةُ جذبٍ قويةٌ بين المكمِّل والُمكمّل له.
قد نستنتجُ أنّ الأشخاص الذين يَتَخَلّون عن هذه السنّة الإلهية يعيشون حالةً من النقص، لأنّ مرحلةَ كمالهم توقّفت. حين ينتقلُ الإنسانُ من مرحلة العُزوبة إلى الحياة الأسرية، يظهر في نفسهُ شخصيةٌ جديدة وتزدادْ لديه حساسيةُ المسئولية، وهذا ما نسمّيه شعورَ الراحةِ والأمنِ الروحي في ظل الزواج والحياة الأسرية.
٢. الأمن الاجتماعي
من المسائل المهمة لجميع الناس، وخاصة النساء، هي الراحةُ والأمنُ في المجتمع. وبعد أن يأمر الله نساءَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونساءَ المؤمنين بأن يُدينَ جلابيبهن قربَ وجوههن وصدرهن حتى يتغطينَ تمامًا، يذكر سبحانه سببَ هذا الحكم بقوله: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (2).
يشرحُ اللهُ تعالى فلسفةَ هذا الحكم بأنه إذا كانَ السترُ الكاملُ قد تمّ، تُعرَف المرأةُ بعفافها، فلا يجرؤ الفسقَةُ وذوو الأخلاق الرديئة على مضايقتها بالمزاحِ أو الكلامِ الفاحش، ولا يُنقَضُ حرمتُها أو كرامتُها.
العفّةُ من أهم الأمور التي تحتضن المجتمعَ وتُوصِلُه إلى الأمن الاجتماعي، والمُدهِش أنّ النساءَ أنفسهنّ يمكنهنَّ بناء هذا الحصن الحصين والعملَ على حفظه.
٣. تماسكُ نظامِ الأسرة
تشكيلُ الأسرة أقدسُ الروابط، وفي الإسلام يُعدّ الزواج أمراً مقدّسًا بل وعبادةً في نظرِ الشريعة. وللحفاظ على ثباتِ هذا الأساس، تُعدّ العفّةُ والحياءُ بين الزوجين أهم العوامل. العفّةُ والحياء داخل الأسرة تجعل الملذات الجنسية مختصا في البيتِ، وهذا يُؤدّي إلى تقويةِ الروابطِ بين الزوجين. ونتيجةً لذلك يتحقّقُ تماسكٌ أكبرُ لِحاضنةِ الأسرة وأساسِها.
أمّا إذا غابت العفّةُ، وامتدّت إشباعاتُ الزوجين الجنسية إلى خارج البيت، فإنّ ذلك يُفضي إلى تَفَكُّكِ العلاقاتِ العائلية وانهيارِها. هذا الأمر، بالإضافة إلى إضعافِ بنيانِ الأسرة وارتفاعِ نسبِ الطلاق، يترك أثرًا مدمرًا على تربيةِ الأولاد؛ لأنّ الأطفال عادةً ما يقلّدون سلوكَ الكبارِ ووالديهم في أقوالِهم وأفعالِهم.
الآثار والبركات الأخروية
العفّةُ من الأمور التي آثارُها دائمةٌ وباقية، فهي توصِلُ الإنسانَ إلى السعادةِ والنجاةِ ومكافأةِ الآخرة. وذكر الله تعالى في آياتٍ كثيرة ثمراتِ هذه الصفةِ الأخلاقيةِ الباقية. فجنةُ النعيمِ هي نتيجةُ عملِ العفيفين.
في سورةِ المؤمنون يعددُ اللهُ صفاتِ المؤمنين، ومن صفاتهم البارزة العفّةُ وحفظُ الفَرج، ثم قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (3).
يقولُ اللهُ تعالى إنَّ هؤلاء هم الورثةُ— أي الذين انتُهِيَتْ إليهم هذه الصفاتُ والقيمُ — فيرثونَ الفردوس ويخلدون فيه. وهو أطيب موضع في الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها، وإقامتهم فيه ليست مؤقتةً بل أبدية.
وفي سورةِ النور، بعد بيان الأحكامِ التي تهدفُ إلى حفظِ العفّةِ والطّهارة، يقولُ الله: ﴿ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ((4).
أي إنّ التزامَ العفّةِ وما يَؤدّي إليها من أعمالٍ هو تَزكِيةٌ وطهارةٌ لكم. كلمةُ «زكو» في اللغة تدلُّ على النماءِ والنموّ، وتُؤخذُ في معاني الدنيا والآخرة. في هذه الآيةِ يعتبرُ اللهُ أنَّ الالتزامَ بهذه الأمور يَؤدّي إلى نموٍّ ورَقيٍّ في الدنيا والآخرة.
قد يُعدّ أحدُ أمثلةِ هذه الآيةِ تنميةَ مواهبِ الإنسان؛ لأنَّه أغلب مواهبِ الإنسان يحتاجُ إلى بيئةٍ مناسبةٍ للنموّ والارتقاء. فإذا حكمت في حياةِ الناس الشهوةُ والتبرّج بحيث تُوجَّه جهودُهم لعرض النفسِ وإثارةِ الشهواتِ، فلن يبقى مكانٌ لتفتحِ المواهبِ؛ ولن تنمو روحُ التعليم والتعلّمِ. أمّا إذا استُخدِمَتْ النِعَمُ الإلهيةُ بالشكلِ الصحيحِ، فإنّ الإنسان سيجدُ أمامَه مواهبَ كثيرةً قابلةً للانطلاقِ والاكتشافِ، فيحرّكها دافِعٌ سليمٌ فينميها ويُثمرها. لذلك، إنّ مراعاةَ ما يُحفظُ به العفّةُ وسلامةُ الفردِ والمجتمع تُؤدّي إلى نموٍّ وتفتحٍ للبشر.
ونجدُ أن اللهَ ذكرَ (المغفرة) كأحد ثمراتِ العفّةِ الأخروية، و(الرزق الكريم) كثمرةٍ أخرى إذ يقول تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (5).
الخاتمة
بعد كلّ ما تقدّم… يتبيّن لنا أنّ العفّة ليست مجرد قيمة دينية أو سلوك اجتماعي؛ بل هي أسلوب حياة يحفظ للمرأة صفاءها، وكرامتها، وراحتها الداخلية.
العفّة تمنحكِ أمانًا لا يقدر عليه أيّ سند خارجي، وتمنع عنكِ متاعب كثيرة قبل أن تقع، وتفتح لكِ أبواب احترامٍ وثقةٍ لا تُشترى.
وليس عجيبًا أن تكون المرأة العفيفة في نظر الإسلام ذات نورٍ يوم القيامة، وذات هيبةٍ اليوم في الدنيا؛ لأنّ من حافظت على أثمن ما لديها… استحقت أن يكرمها الله في الدارين.
لكن الأهمّ من كل ذلك:
أنّ العفّة قرارٌ يتجدّد كل يوم.
قرارٌ تختارينه عندما ترفعين من قدرك، وتحفظين قلبك، وترفضين ما لا يشبه قيمكِ ولا يليق بروحك. العفّة ليست شيئًا نُحافظ عليه لأجل الآخرين، بل لأجل أنفسنا.
أسئلة وأجوبة
1. ما معنى العفّة في المفهوم الإسلامي؟
العفّة هي ضبط النفس وحفظ الجوارح من كلّ ما لا يرضي الله، وهي ليست مجرد سلوك ظاهري بل موقف قلبي وروحي يعكس الطهارة والكرامة.
2. لماذا تُعَدّ العفّة قيمةً أساسية للمرأة؟
لأنها تحمي كرامتها، وتجعلها مطمئنة في قراراتها وعلاقاتها، وتمنحها احترامًا ثابتًا في المجتمع.
3. ما الذي تكسبه المرأة من العفّة في حياتها اليومية؟
تكسب صفاء النفس، الثقة بالذات، راحة الضمير، وابتعاد القلق الناتج عن العلاقات غير المستقرة أو التصرفات غير المنضبطة.
4. كيف ترتبط العفّة بالسعادة الزوجية؟
العفّة قبل الزواج تبني الاختيار السليم، والعفّة داخل الزواج تزيد المودّة والاحترام بين الزوجين، وتُبعد المشكلات الناتجة عن الشكّ أو الخيانة.
5. هل العفّة تقي المرأة من الاستغلال؟
نعم، فالعفّة تجعل المرأة واضحة الحدود، محترمة لنفسها، مما يصعّب استغلالها ويُبعد عنها أصحاب النوايا السيئة.
6. كيف يمكن للمرأة اليوم أن تحفظ عفّتها وسط الفتن؟
بالوقاية الرقمية، اختيار الصحبة الصالحة، تنظيم الوقت، الدعاء الدائم، والالتزام بقيمها دون مجاراة ضغط الآخرين.
1. سورة الروم، الآية: 21.
2. سورة الأحزاب، الآية: 59.
3. سورة المؤمنون، الآيتان: 10 و 11.
4. سورة البقره، الآية: 232.
5. سورة النور، الآية: 26.
العقيق في روايات أهل البيت عليهم السلام: فضائل وفوائد التختم
يُعدّ العقيق من الأحجار الكريمة المباركة التي حظيت بمكانة خاصة في الثقافة الإسلامية، لا سيما في تراث أهل البيت عليهم السلام. فقد ذكر العلماء أن للتختم بالعقيق فوائد روحية وجسدية ونفسانية متعددة، وأنه وسيلة للارتباط بالقرب من الله عز وجل ووسيلة للبركة والرزق والسلامة.
التختم بالعقيق لم يكن مجرد زينة أو عادة، بل هو عمل ذو دلالة رمزية وروحية، يمثل الثبات على طريق الحق والاقتداء بالأئمة عليهم السلام. فقد ورد عنهم أن العقيق يجلب البركة، ويزيد من الرزق، وينفي الفقر والنفاق، ويحفظ من المخاطر والمكروهات، ويعدّ حرزًا للمسافر، وهو بذلك امتداد لمفهوم التوسل والتعلق بما يقرّب الإنسان إلى الله عز وجل.
في الثقافة الإسلامية، اكتسب التختم بالعقيق أهمية خاصة، حيث اعتبر وسيلة لتحقيق الأمن الروحي والمادي، وجعل من ارتداه ممن ينالون فضل الله وبركاته. ويأتي هذا في سياق التراث الإسلامي الذي يولي اهتمامًا بالغًا للرموز الروحية التي تجمع بين الجمال الظاهر والفائدة الباطنة.
في هذه المقالة، سنتناول الأحاديث المتعلقة بالعقيق كما وردت في المصادر الشيعية، مع شرح مبسط لكل حديث لبيان فوائده وخواصه.
العقيق وولاية أمير المؤمنين عليه السلام
جاء في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام ـ في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : « يا علي ، تختّم باليمين فإنّها فضيلة من الله عزّ وجلّ للمقرّبين ، قال : بم أتختّم يا رسول الله ؟ قال : بالعقيق الأحمر فإنّه أوّل جبل أقرّ لله بالربوبية ، ولي بالنبوّة ، ولك بالوصيّة ، ولولدك بالإمامة ، ولشيعتك بالجنّة ، ولأعدائك بالنار» (1).
هذا الحديث يوضح أن التختم بالعقيق الأحمر ليس مجرد زينة، بل له دلالة رمزية عظيمة ترتبط بولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام وولاية أهل البيت عليهم السلام. فالعقيق الأحمر يمثل الاستقامة على الحق، والارتباط بالإمام، والبركة في الدنيا والآخرة، وهو وسيلة للتقرب إلى الله وللحصول على الحماية من الأعداء.
وروي عن الإمام الكاظم عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام قال : « لمّا خلق الله موسى بن عمران عليه السلام كلّمه على طور سيناء ، ثمّ اطّلع إلى الأرض اطّلاعة فخلق من نور وجهه العقيق ، ثم قال الله عزّ وجلّ : آليت على نفسي أن لا أُعذّب كفّ لابسه ـ إذا تولّى علياً ـ بالنار » (2).
يوضح الحديث القدسية أن الله جعل للعقيق منزلة عظيمة، وأن من يرتديه من محبي وموالي أمير المؤمنين علي عليه السلام يضمن حماية من النار. وهذا يربط بين العقيق والولاية الإلهية، ويبين أن له دورًا وقائيًا من العقاب الأخروي.
العقيق وزيادة الرزق
عن بشير الدهّان قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : أي الفصوص أركب على خاتمي ؟ فقال : « يا بشير ، أين أنت عن العقيق الأحمر والعقيق الأصفر والعقيق الأبيض ، فإنّها ثلاثة جبال في الجنّة ـ إلى أن قال ـ فمن تختّم بشيء منها من شيعة آل محمّد لم ير إلاّ الخير والحسنى ، والسعة في الرزق ، والسلامة من جميع أنواع البلاء ، وهو أمان من السلطان الجائر ، ومن كلّ ما يخافه الإِنسان ويحذره» (3).
يشير الحديث إلى أن للعقيق الأحمر والأصفر والأبيض دورًا في جلب البركة والرزق. فالارتباط الروحي بالمقدسات والأحجار المباركة يجلب الخير والسعة في الرزق، ويحفظ من المصائب والسلطان الجائر، ما يجعل التختم بالعقيق وسيلة للحماية والتوفيق في الحياة اليومية.
وجاء في الخبر عن سيدة نساء العالم السيدة فاطمة عليهما السلام قالت : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من تختّم بالعقيق لم يزل يرى خيراً » (4).
يؤكد الحديث أن التختم بالعقيق سبب دائم للخير، أي أن من يلتزم بهذا العمل المبارك يظل يجد البركة والنعيم في حياته، ما يعكس ارتباط التختم بالاستقرار النفسي والرضا الروحي.
العقيق ينفي الفقر والنفاق
عن الإمام الرضا عليه السلام قال : « العقيق ينفي الفقر ، ولبس العقيق ينفي النفاق » (5).
يبرز الحديث القدسية أن للعقيق تأثير على النفس والمجتمع؛ فهو ينفي الفقر المادي ويرسخ الصدق في القلب، ويمنع النفاق. وبذلك يصبح التختم بالعقيق وسيلة للتطهر الداخلي ورفع الحاجات المادية.
وجاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : تختّموا بالعقيق فإنّه مبارك ، ومن تختّم بالعقيق يوشك أن يقضى له بالحسنى » (6).
يوضح الحديث أن التختم بالعقيق مبارك ووسيلة لتحقيق ما يطمح إليه الإنسان من الخيرات والحسنات، أي أن ارتداء العقيق مرتبط بالفضل الإلهي والنجاح الروحي والمادي.
العقيق في السفر
شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله أنّه قطع عليه الطريق ، فقال : « هلا تختّمت بالعقيق ، فإنّه يحرس من كلّ سوء » (7).
وورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : « العقيق حرز في السفر » (8)
وعن الرضا عليه السلام من أصبح وفي يده خاتم فصّه عقيق متختّماً به في يده اليمنى وأصبح من قبل أن يراه أحد فقلب فصّه إلى باطن كفّه وقرأ : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ) إلى آخرها ثمّ يقول : « آمنت بالله وحده لا شريك له ، وآمنت بسرّ آل محمد وعلانيتهم » وقاه الله في ذلك اليوم شرّ ما ينزل من السماء وما يعرج فيها وما يلج في الأرض وما يخرج منها ، وكان في حرز الله وحرز رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يمسي (9).
توضح هذه الأحاديث أن التختم بالعقيق يحمي المسافر من المخاطر والشرور، ويعتبر حرزًا يحفظ الإنسان في سفره من كل سوء، ويشمل الحماية الروحية والجسدية على حد سواء.
العقيق أمان من المكروهات
الحسن بن الفضل الطبرسي في ( مكارم الأخلاق ) نقلاً من كتاب ( اللباس ) للعياشي عن الأعمش قال : كنت مع جعفر بن محمّد عليه السلام على باب أبي جعفر المنصور فخرج من عنده رجل مجلود بالسوط فقال لي : « يا سليمان ، أنظر ما فصّ خاتمه ، فقلت : يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله فصّه غير عقيق ، فقال : يا سليمان ، أمّا أنّه لو كان عقيقاً لما جلد بالسوط ، قلت : يا بن رسول الله زدني ، قال : يا سليمان ، أمّا أنّه لو كان عقيقاً لما جلد بالسوط ، قلت : يا بن رسول الله زدني ، قال : يا سليمان ، هو أمان من قطع اليد ، قلت : يا بن رسول الله زدني ، قال : هو أمان من إراقة الدم ، قلت : زدني ، قال : إنّ الله يحبّ أن ترفع إليه في الدعاء يد فيها فصّ عقيق ، قلت : زدني ، قال : العجب كلّ العجب من يد فيها فصّ عقيق ، كيف تخلو من الدنانير والدارهم ، قلت : زدني ، قال : إنّه حرز من كلّ بلاء ، قلت : زدني ، قال : هو أمان من الفقر » (10) .
يشير الحديث إلى أن العقيق وسيلة للسلامة من المكروهات والأذى، بما في ذلك الحوادث الجسدية والسرقات والفقر. ويؤكد أيضًا دور التختم في الدعاء والتقرب إلى الله عز وجل، إذ يصبح العقيق رمزًا للبركة والحماية.
خاتمة
يتضح من خلال هذه الأحاديث المباركة أن العقيق ليس مجرد حجر كريم أو زينة، بل هو وسيلة للتقرب إلى الله ووسيلة للبركة الروحية والمادية. فالتختم بالعقيق الأحمر أو الأصفر أو الأبيض يجلب الخير والسعة في الرزق، ويحفظ من الفقر والنفاق، ويكون حرزًا وحماية للمسافر، وأمانًا من المكروهات والشرور.
كما يبرز العقيق مكانة خاصة في التراث الشيعي، كرمز للارتباط بأهل البيت عليهم السلام، وحصن للمؤمنين ضد المخاطر الدنيوية والأخروية. وبهذا يكون التختم بالعقيق عملًا روحانيًا متكاملاً يجمع بين الجمال الخارجي والفائدة الروحية الباطنة، ويمثل سلوكًا حضاريًا دينيًا متجذرًا في الثقافة الإسلامية.
إنّ من يرتدي العقيق متخذًا يدًا فيه في الدعاء، يكون بذلك ملتزمًا بسنن أهل البيت عليهم السلام، ويحصل على فضائل عديدة في الدنيا والآخرة، ويعيش في طمأنينة وحماية الله عز وجل وحرز رسوله صلى الله عليه وآله، فتكون حياته مملوءة بالخير والبركة، وقلوبهم مطمئنة، وأرزاقهم واسعة، وقلوبهم خالية من الشرك والنفاق.
وفي الختام، يظهر لنا أن التختم بالعقيق ليس مجرد عادة، بل هو رابط روحي متين بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان وأهل البيت عليهم السلام، ووسيلة لتحقيق الأمان النفسي والجسدي، والنجاح في الدنيا والآخرة، مما يجعل من العقيق حجرًا مباركًا ووسيلة للارتقاء الروحي والحياة السعيدة.
1. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 82 / ط-آل البیت.
2. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 87 / ط-آل البیت.
3. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 88 / ط-آل البیت.
4. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 88 / ط-آل البیت.
5. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 85 / ط-آل البیت.
6. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 86 / ط-آل البیت.
7. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 89 / ط-آل البیت.
8. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 90 / ط-آل البیت.
9. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 91 / ط-آل البیت.
10. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 5 / الصفحة : 92 / ط-آل البیت.
معاجز الإمام الهادي عليه السلام ودلالاتها على الإمامة الإلهية
تُعدّ معاجز الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام من أهمّ الشواهد العقديّة التي أكّد بها الله تعالى حجّيتهـم، وجعلها دلائل حيّة على اتصالهم بعالم الغيب وتسديدهم الإلهي. وقد تجلّت هذه المعاجز في سيرة الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام بوضوح لافت، رغم الظروف السياسيّة الخانقة التي أحاطت به، ولا سيّما في زمن المتوكّل العبّاسي، حيث سعى الحكم إلى محاصرته وتشويه مقامه.
ومع ذلك، فإنّ الإمام الهادي عليه السلام مارس دوره الإلهي بهدوء وثبات، فظهرت على يديه كرامات ومعاجز متنوّعة، شملت العلم بما في النفوس، والإخبار بالمغيّبات، واستجابة الدعاء، ومعرفة اللغات، والتصرّف في الكون بإذن الله تعالى، لتكون هذه الوقائع حججًا دامغة على إمامته، وبراهين ساطعة على أنّ الإمامة ليست منصبًا سياسيًا، بل مقام إلهي ربّاني.
ويهدف هذا العرض إلى تسليط الضوء على نماذج من معاجز الإمام الهادي عليه السلام، مرتّبة في عناوين مستقلّة، تبرز تنوّع هذه المعاجز وعمق دلالتها العقديّة.
علم الإمام الهادي عليه السلام بما في النفوس واستجابة دعائه
حدّث جماعة من أهل أصفهان، منهم أبو العبّاس أحمد بن النصر، و أبو جعفر محمّد بن علويّة، قالوا: كان باصفهان رجل يقال له: عبد الرحمن، و كان شيعيّا.
قيل له: ما السبب الذي أوجب عليك به القول بإمامة عليّ النقيّ عليه السلام دون غيره من أهل الزمان؟
قال: شاهدت ما أوجب ذلك عليّ، و ذلك إنّي كنت رجلا فقيرا، و كان لي لسان و جرأة، فأخرجني أهل أصفهان سنة من السنين مع قوم آخرين إلى باب المتوكّل متظلّمين.
فكنّا بباب المتوكّل يوما إذ خرج الأمر بإحضار عليّ بن محمّد بن الرضا عليهم السلام.
فقلت لبعض من حضر: من هذا الرجل الذي قد أمر بإحضاره؟
فقيل: هذا رجل علويّ تقول الرافضة بإمامته.
ثمّ قيل: و يقدّر أنّ المتوكّل يحضره للقتل.
فقلت: لا أبرح من هاهنا حتّى أنظر إلى هذا الرجل أيّ رجل هو؟
قال: فأقبل راكبا على فرس، و قد قام الناس يمنة الطريق و يسرته صفّين ينظرون إليه، فلمّا رأيته وقع حبّه في قلبي، فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع اللّه عنه شرّ المتوكّل، فأقبل يسير بين الناس و هو ينظر إلى عرف (1) دابّته، لا ينظر يمنة و لا يسرة، و أنا دائم الدعاء له، فلمّا صار بإزائي أقبل إليّ بوجهه، و قال: استجاب اللّه دعاءك، و طوّل عمرك، و كثّر مالك و ولدك.
قال: فارتعدت من هيبته و وقعت بين أصحابي، فسألوني و هم يقولون: ما شأنك؟ فقلت: خير، و لم أخبرهم بذلك.
فانصرفنا بعد ذلك إلى أصفهان، ففتح اللّه عليّ الخبر بدعائه، و وجوها من المال، حتّى أنا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم، سوى مالي خارج داري، و رزقت عشرة من الأولاد، و قد بلغت الآن من عمري نيّفا و سبعين سنة، و أنا أقول بإمامة هذا الذي علم ما في قلبي، و استجاب اللّه دعاءه فيّ ولي (2).
معجزة الإمام الهادي عليه السلام مع المشعبذ في مجلس المتوكّل
عن زرّافة حاجب المتوكّل أنّه قال: وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند إلى المتوكّل يلعب لعب الحقّة (3) لم ير مثله، و كان المتوكّل لعّابا، فأراد أن يخجل عليّ بن محمد بن الرضا عليهم السلام، فقال لذلك الرجل: إن أنت أخجلته أعطيتك الف دينار زكيّة، قال: تقدّم بأن يخبز رقاق خفاف، و اجعلها على المائدة و اقعدني إلى جنبه، ففعل و أحضر عليّ بن محمّدعليه السلام للطعام و جعلت له مسورة (4) عن يساره، و كان عليها صورة أسد و جلس اللاعب إلى جانب المسورة.
فمدّ عليّ بن محمّد عليهما السلام يده إلى رقاقة فطيّرها ذلك الرجل في الهواء، و مدّ يده إلى اخرى فطيّرها فتضاحك الجميع، فضرب عليّ بن محمّد عليهما السلام يده على تلك الصورة التي في المسورة و قال: خذ عدوّ اللّه، فوثبت تلك الصورة من المسورة فابتعلت الرجل، و عادت في المسورة كما كانت، فتحيّر الجميع، و نهض عليّ بن محمّد عليهما السلام يمضي.
فقال له المتوكّل: سألتك ألّا جلست و رددته، فقال: و اللّه لا يرى بعدها، أ تسلّط أعداء اللّه على أولياء اللّه؟! و خرج من عنده فلم ير الرّجل بعد ذلك (5).
علم الإمام الهادي عليه السلام بنزول المطر وكشفه ما في الضمير
قال عليّ بن مهزيار: وردت على أبي الحسن و أنا شاكّ في الإمامة، فرأيت السلطان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع إلّا أنّه صائف، و الناس عليهم ثياب الصيف، و على أبي الحسن عليه السلام لبّادة و على فرسه تجفاف لبود، و قد عقد ذنب الفرس و الناس يتعجّبون منه و يقولون: أ لا ترون إلى هذا المدنيّ و ما قد فعله بنفسه؟ فقلت في نفسي: لو كان هذا إماما ما فعل هذا.
فلمّا خرج النّاس إلى الصحراء لم يلبثوا إلّا أن ارتفعت سحابة عظيمة هللت، فلم يبق أحد إلّا ابتلّ حتى غرق بالمطر، و عاد عليه السلام و هو سالم من جميعه، فقلت في نفسي: يوشك أن يكون هو الإمام، ثمّ قلت: اريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب، فقلت في نفسي: إن كشف وجهه فهو الإمام.
فلمّا قرب منّي كشف وجهه ثمّ قال: إن كان عرق الجنب في الثوب و جنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه، و إن كان جنابته من حلال فلا بأس، فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة (6).
معرفة الإمام الهادي عليه السلام باللغات غير العربيّة
عن عليّ بن مهزيار قال: أرسلت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام غلامي و كان صقلبيّا فرجع الغلام إليّ متعجّبا، فقلت له: مالك يا بنيّة؟ فقال: و كيف لا أتعجّب ما زال يكلّمني بالصقلبيّة كأنّه واحد منّا! و إنّما أراد بهذا الكتمان عن القوم (7).
إخراج سبيكة الذهب من الأرض كرامةً وعنايةً إلهيّة
عن داود بن القاسم الجعفري قال: دخلت عليه بسرّ من رأى و أنا اريد الحجّ لاودّعه، فخرج معي، فلمّا انتهى إلى آخر الحاجز نزل و نزلت معه، فخطّ بيده الأرض خطّة شبيهة بالدائرة، ثمّ قال لي: « يا أبا هاشم خذ ما في هذه تكون في نفقتك و تستعين به على حجّك »، فضربت بيدي فإذا سبيكة ذهب فكان فيها مائتا مثقال (8).
إخبار الإمام الهادي عليه السلام عمّا في نفس أصحابه
محمد بن اللّيث المكّي قال: حدّثني أبو إسحاق ابن عبد اللّه العلويّ العريضي قال: وحك في صدري ما الأيّام التي تصام؟ فقصدت مولانا أبا الحسن عليّ بن محمّد عليهما السلام و هو بصريا، و لم ابد ذلك لأحد من خلق اللّه، فدخلت عليه فلمّا بصر بي عليه السلام قال: يا أبا إسحاق جئت تسألني عن الأيّام التي يصام فيهنّ؟ و هي أربعة: أوّلهنّ يوم السابع و العشرين من رجب، يوم بعث اللّه تعالى محمّدا صلّى اللّه عليه و آله إلى خلقه رحمة للعالمين، و يوم مولده صلّى اللّه عليه و آله و هو السابع عشر من شهر ربيع الأوّل، و يوم الخامس و العشرين من ذي القعدة فيه دحيت الكعبة، و يوم الغدير فيه أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله- أخاه عليّا عليه السلام علما للناس و إماما من بعده، قلت: صدقت جعلت فداك، لذلك قصدت، أشهد أنّك حجّة اللّه على خلقه (9).
إخبار الإمام الهادي عليه السلام عن القائم وغيبته وصفته
قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر عليه السلام يقول: « الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم بالخلف بعد الخلف، قلت: و لم جعلت فداك؟ قال: لأنّكم لا ترون شخصه و لا يحلّ لكم تسميته و لا ذكره باسمه، قلت: كيف نذكره؟
قال: قولوا: الحجّة من آل محمد صلّى اللّه عليه وآله » (10).
الخاتمة
إنّ التأمّل في هذه المعاجز يكشف بوضوح أنّ الإمام الهادي عليه السلام لم يكن عالمًا عاديًا ولا زاهدًا منزويًا، بل كان حجّة الله على خلقه، مؤيَّدًا بعلم لدنّي وقدرة إلهيّة، تظهر عند الحاجة لإقامة الحجة وإزالة الشبهة. وقد تنوّعت معاجزه بين ما يرتبط بعالم الغيب، وما يتعلّق بالتصرف في الكون، وما يكشف عن علمه بما في الضمائر، وكلّها تصبّ في إثبات مقام الإمامة الإلهيّة.
كما أنّ هذه الكرامات لم تكن استعراضًا للقدرة، بل كانت مواقف هادفة، تهدف إلى هداية القلوب، وتثبيت المؤمنين، وفضح محاولات الطغاة في النيل من مقام أولياء الله. ومن هنا، فإنّ دراسة معاجز الإمام الهادي عليه السلام تمثّل بابًا مهمًا لفهم حقيقة الإمامة، وتعميق الارتباط الواعي بأئمّة أهل البيت عليهم السلام، بوصفهم الامتداد الشرعي والروحي لرسالة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا معرفة أوليائه، والثبات على ولايتهم، والاقتداء بسيرتهم في الدنيا، والشفاعة بهم في الآخرة.
1. العرف بضمّتين: شعر عنق الفرس. أقرب الموارد: 3/ 524، (عرف).
2. الخرائج و الجرائح / قطب الدين الراوندي / المجلّد : 1 / الصفحة : 392 ـ 393.
3. الحقّ و الحقّة- بالضمّ-: الوعاء من الخشب و غيره، و كان المشعبذين يلعبون بالحقّة نحوا من اللّعب.
4. متّكأ من جلد.
5. الخرائج و الجرائح / قطب الدين الراوندي / المجلّد : 1 / الصفحة : 401.
6. مدينة معاجز / السيد هاشم البحراني / المجلّد : 7 / الصفحة : 499.
7. مدينة معاجز / السيد هاشم البحراني / المجلّد : 7 / الصفحة : 504.
8. مدينة معاجز / السيد هاشم البحراني / المجلّد : 7 / الصفحة : 504.
9. مدينة معاجز / السيد هاشم البحراني / المجلّد : 7 / الصفحة : 508.
10. مدينة معاجز / السيد هاشم البحراني / المجلّد : 7 / الصفحة : 509.
تربية الأسرة في كلام الامام الجواد عليه السلام
قال أبو جعفر محمد بن على الجواد عليه السلام:« المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال : توفيق من الله ، وواعظ من نفسه ، وقبول ممن ينصحه. » (1).
الأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع، وهي الحاضنة الأولى التي يتلقى فيها الفرد قيمه وأخلاقه ومعارفه. ولذا، فإن تربية الأسرة تعتبر من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق الوالدين. فالأسرة الصالحة هي اللبنة الأساسية لمجتمع قوي ومترابط. وفي خضم هذا الدور الحساس، تبرز أهمية الاستلهام من الرواية المنقولة عن الإمام الجواد عليه السلام: :« المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال : توفيق من الله ، وواعظ من نفسه ، وقبول ممن ينصحه. » (2).
تعتبر الأخلاق والتوجيه الذاتي من الركائز الأساسية في تربية الأسرة، حيث تلعبان دورًا حاسمًا في تشكيل شخصية الأفراد وتوجيه سلوكهم نحو القيم الإيجابية. في عالم سريع التغيرات، حيث تتأثر الأجيال الجديدة بمؤثرات متعددة من وسائل الإعلام والتكنولوجيا، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في أساليب التربية التي نعتمدها. إن التحلي بالأخلاق في الأسرة لا يقتصر فقط على تعليم القيم والمبادئ، بل يتعدى ذلك إلى تعزيز القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة وتوجيه النفس نحو الأهداف النبيلة.
تبدأ عملية التربية الأخلاقية من داخل المنزل، حيث يتعلم الأطفال من سلوكيات والديهم وتجاربهم اليومية. فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتعرض فيها الفرد لمفاهيم الخير والشر، الحق والباطل، مما يجعل من الضروري أن تكون هذه البيئة مليئة بالقيم الإيجابية والمبادئ السليمة. من خلال تعزيز الأخلاق، يمكن للأسرة أن تساهم في بناء جيل قادر على مواجهة التحديات الاجتماعية والنفسية، متسلحًا بالقدرة على التوجيه الذاتي واتخاذ القرارات الصائبة.
توفيق من الله
إن أول ما يحتاجه المؤمن في مسيرة التربية، هو التوفيق من الله سبحانه وتعالى. فمهما امتلك الوالدان من علم وخبرة، ومهما بذلا من جهد وتضحية، فإنهما لن ينجحا في مهمة التربية إلا بتوفيق الله وعونه. وهذا التوفيق لا يأتي إلا بالدعاء والتضرع إلى الله، وبالإخلاص في النية والعمل، وبالالتزام بتعاليم الدين الحنيف. فالتوفيق من الله هو الأساس الذي تبنى عليه كل الجهود التربوية، وهو الذي يبارك فيها ويجعلها مثمرة. فالتوفیق من الله هي الخصيلة التي أكد عليها القرآن والروايت. حيث ورد حول النبي شعيب:﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ (3).
وفي هذا السياق يقول الإمام الرضا عليه السلام:« سَبعَةُ أشياءَ بِغَيرِ سَبعةِ أشياءَ مِن الاسْتِهْزاءِ : مَنِ اسْتَغْفَرَ بلِسانِهِ و لَم يَنْدَمْ بقَلبِهِ فَقدِ اسْتَهْزأ بنَفْسِهِ، و مَن سَألَ اللّه َ التَّوفيقَ و لَم يَجْتَهِدْ فَقدِ اسْتَهْزأ بنَفْسِهِ... » (4).
فيجب على الوالدين أن يلجآ إلى الله بالدعاء والتضرع، وأن يطلبا منه العون والتوفيق في مهمة التربية. فالدعاء هو سلاح المؤمن، وهو الصلة التي تربط العبد بربه. يجب أن تكون نية الوالدين خالصة لله في تربية أبنائهم، وأن يكون عملهم موافقًا لشرع الله. فالإخلاص هو روح العمل، وهو الذي يجعله مقبولًا عند الله.
واعظ من نفسه
المسألة الثانية هي أن يكون للشخص، خصوصا الوالدان، ضمير حي، يوقظه عند الزلل ويذكره بالحق. وفي سياق التربية، يجب أن يكون الوالدان قدوة صالحة لأبنائهم، وأن يكونا حريصين على محاسبة أنفسهما قبل محاسبة أبنائهما. فمن لم يكن واعظًا لنفسه، فلن يكون مؤثرًا في تربية غيره.
فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام:« ألاَ و إنّهُ مَن لَم يَكُن لَهُ مِن نَفسِهِ واعِظٌ لَم يَكُن لَهُ مِن اللّه ِ حافِظٌ » (5). وأيضا روي عنه عليه السلام:« اِعلَموا أنّهُ مَن لَم يُعَنْ على نَفسِهِ حتّى يَكونَ لَهُ مِنها واعِظٌ و زاجِرٌ ، لَم يَكُن لَهُ مِن غَيرِها لا زاجِرٌ و لا واعِظٌ » (6).
فالنكتة المهمة التي يجب التنبه عليها هي أن المؤمن إن لم يكن له واعظ من نفسه ولم يحاسب نفسه بنفسه، لم يتعض من بقية المؤمنين وسيتغلب عليه أعداؤه. فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام:« مَن لَم يَجعَلِ اللّه ُ لَهُ مِن نفسِهِ واعِظا ، فإنَّ مَواعِظَ النّاسِ لَن تُغنيَ عَنهُ شيئا » (7). وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام:« مَن لَم يَكُن لَهُ واعِظٌ مِن قَلبِهِ ، و زاجِرٌ مِن نَفسِهِ ، و لَم يَكُن لَهُ قَرينٌ مُرشِدٌ ، استَمكَنَ عَدُوُّهُ مِن عُنُقِهِ » (8).
فلهذا يجب أن يكون الوالدان قدوة حسنة لأبنائهم في أقوالهم وأفعالهم، وأن يتصفا بالأخلاق الحميدة والسلوك القويم. فالأبناء يتأثرون بوالديهم أكثر من أي شخص آخر، وهم يقتدون بهم في كل شيء. وكذلك يجب على الوالدين أن يحاسبا أنفسهما باستمرار، وأن يقوما بتقويم سلوكهما وأخلاقهما. فمحاسبة النفس هي الخطوة الأولى نحو الإصلاح والتغيير. يجب على الوالدين أن لا يترددا في الاعتراف بالخطأ أمام أبنائهما، وأن يعتذرا لهم عند الخطأ. فالاعتراف بالخطأ هو دليل على الشجاعة والصدق، وهو يعلم الأبناء كيف يتعاملون مع أخطائهم.
قبول ممن ينصحه
المسألة الثالثة هي أن يكون المؤمن متواضعًا، ويتقبل النصح والتوجيه من الآخرين، خاصة ممن هم أصحاب علم وخبرة. وفي مجال التربية، يجب على الوالدين أن يكونا منفتحين على النصيحة والتوجيه من أهل الاختصاص، وأن يتقبلا النقد البناء من الآخرين. فالتواضع هو مفتاح العلم والحكمة. وفي هذا السياث يقول أميرالمؤمنين عليه السلام:« العاقِلُ مَنِ اِتَّعَظَ بِغَيره... اَلمواعِظُ شِفاءٌ لِمَن عَمِلَ بها... بِالمَواعِظِ تَنجلي الغَفلةُ.. » (9).
قبول النصيحة يشجع على فتح قنوات الحوار بين أفراد الأسرة. عندما يشعر الأفراد بأن آراءهم تُؤخذ بعين الاعتبار، فإنهم يكونون أكثر استعدادًا للتعبير عن مشاعرهم واحتياجاتهم. هذا التواصل الفعّال يعزز من الروابط الأسرية ويخلق بيئة داعمة. ففي هذا السياق يقول الإمام الباقر عليه السلام:« خُذوا الكَلِمَةَ الطّيِّبَةَ مِمَّن قالَها و إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِها. » (10).
كل فرد في الأسرة يحمل تجارب ومعارف فريدة. من خلال قبول النصيحة، يمكن للأفراد الاستفادة من خبرات بعضهم البعض، مما يسهم في تطوير مهاراتهم وقدراتهم. فالأبناء يمكنهم التعلم من تجارب والديهم، والعكس صحيح. ولهذا يقول أميرالمؤمنين عليه السلام:« إسمعوا النّصيحة ممّن أهداها إليكم و اعقلوها على أنفسكم. » (11). وعنه عليه السلام أيضا:« اِتَّعِظوا مِمَّنْ كان قبلَكُم قَبلَ أَن يَتّعِظَ بِكُم مَن بعدَكُم » (12).
النصيحة التي تُقدم في إطار أخلاقي تساعد في تعزيز القيم مثل الصدق، الاحترام، والتعاون. عندما يتقبل الأفراد النصيحة، فإنهم يتعلمون كيفية التعامل مع الآخرين بطريقة إيجابية، مما يساهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا. والشئ المهم هو أن قبول النصيحة يشجع الأفراد على التفكير النقدي وتطوير مهارات التوجيه الذاتي. عندما يتمكن الأبناء من تقييم النصائح المقدمة لهم، فإنهم يتعلمون كيفية اتخاذ قرارات مدروسة، مما يعزز استقلاليتهم وثقتهم بأنفسهم. ولهذا يقول الإمام الصادق عليه السلام:« عَليكَ بِالنُّصحِ للهِ في خَلقِه فَلَنْ تَلقاهُ بِعَملٍ أَفضلَ مِنه » (13).
هذه كانت جملة من الروايات والنصح في تربية الأولاد في ضمن رواية الإمام الجواد عليه السلام.
1) بحار الأنوار (للعلامة محمد باقر المجلسي) / المجلد: 78 / الصفحة: 358 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
2) بحار الأنوار (للعلامة محمد باقر المجلسي) / المجلد: 78 / الصفحة: 358 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
3) سورة هود / الآية: 88.
4) بحار الأنوار (للعلامة محمد باقر المجلسي) / المجلد: 78 / الصفحة: 356 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
5) بحار الأنوار (للعلامة محمد باقر المجلسي) / المجلد: 41 / الصفحة: 133 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
6) نهج البلاغة (للسيد الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 123 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
7) تحف العقول (لإبن شعبة الحراني) / المجلد: 1 / الصفحة: 294 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
8) الأمالي (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 526 / الناشر: قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة – قم / الطبعة: 1.
9) غرر الحكم ودرر الكلم (لعبدالواحد التميمي) / المجلد: 1 / الصفحة: 407 / الناشر: دار الكتاب الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
10) تحف العقول (لإبن شعبة الحراني) / المجلد: 1 / الصفحة: 299 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
11) غرر الحكم ودرر الكلم (لعبدالواحد التميمي) / المجلد: 1 / الصفحة: 151 / الناشر: دار الكتاب الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
12) غرر الحكم ودرر الكلم (لعبدالواحد التميمي) / المجلد: 1 / الصفحة: 407 / الناشر: دار الكتاب الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
13) سفينة البحار (للشيخ عباس القمي) / المجلد: 8 / الصفحة: 253 / الناشر: دار الأسوة للطباعة والنشر – قم / الطبعة: 2.
عوامل الانحراف في الأمّة الإسلاميّة من منظور نهج البلاغة
حدّد الإمام عليّ )عليه السلام( في نهج البلاغة الأسباب الرئيسة لانحراف الأمّة عن خطّ النبوّة والرسالة، وأرجع جميع الأسباب إلى أصلٍ واحد وهو انحراف الحاكم، يقول (عليه السلام): "وقد علمتم أنّه لا ينبغي أنْ يكون الوالي على الفروج والدِّماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمتهُ[1]، ولا الجاهل فيضلّهُم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف[2] للِدُّولِ[3] فيتّخذ قوماً دون قوم، ولا المُرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع[4] ، ولا المُعطِّل للِسُّنّة فيُهلِكَ الأمَّة"[5].
هذه الصفات العامّة السلبيّة الّتي ذكرها الإمام )عليه السلام (كانت الطابع الّذي تميّز به الولاة والحكّام في تلك الفترة. ويُمكن إيجاز أهمّ الممارسات المنحرفة الّتي قاموا بها بالأمور التالية:
1- العطاء غير العادل
خلافاً لسيرة رسول الله )صلى الله عليه وآله وسلم( وسياسته في التسوية بين الناس في العطاء، وعدم تفضيل أحدٍ منهم على أحد، فقد جرى الخليفة الثاني على خلاف ذلك، وفضّل السابقين على غيرهم، وفضّل المهاجرين على الأنصار، والعرب على العجم...[6]
ولم يكن ذلك على أساس التقوى والعمل الصالح، ما أعاد الروح القبليّة والجاهليّة من جديد.
2 - توزيع المال على الأقرباء
فقد خصّص عثمان آله وذويه وغيرهم من أعيان قريش بالهبات الضخمة، ما أثار اعتراض الناس، وفي ذلك يقول )عليه السلام(: "إلى أنْ قام ثالث القوم... وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع"[7].
3 - نشوء أصحاب الأموال
وذلك بسبب ترك الأغنياء دفع الزكاة (بغطاء من الخليفة الثالث)، وتدفّق الثروات على المدينة ومكّة واستئثار الخواصّ بها، فانتشر في المدينة أنواع اللهو وأوجد الخليفة الثالث طبقتين من الشعب:
الأولى: طبقة الارستقراطيّين، وهم أصحاب الثروات الضخمة.
الثانية: طبقة الفقراء والمحرومين.
يقول المسعوديّ: "وفي أيّام عثمان.. بلغت ثروة الزبير خمسين ألف دينار وألف فرس، وألف عبد... وكانت غِلّة طلحة من العراق كلّ يوم ألف دينار. وحين مات زيد بن ثابت خلّف من الذهب والفضّة ما كان يُكسّر بالفؤوس..."[8].
4- الولاة المعادون للإسلام
ففي عهد عثمان وصل إلى الحُكم مجموعة من الناس عُرِفت بعدائها للإسلام. ومن الطبيعيّ أنْ ينعكس ذلك على كلّ مظاهر العدالة، فقد ولّى عثمان - كما قال ابن أبي الحديد - أمور المسلمين من لا يصلح لذلك ولا يؤتمن عليه، ومن ظهر منه الفسق والفساد، ومن لا علم له عنده، مراعاةً منه لحرمةِ القرابة...[9]
[1] - النهمة، بفتح النون وسكون الهاء، إفراط الشهوة والمبالغة في الحرص.
[2] - الحائف، من الحَيْف، أي الظلم والجور.
[3] - الدُوَل، جمع دُولة بالضم، وهي المال، لأنّه يُتدَاول أي يُنقل من يدٍ ليد، والمراد من يحيف في تقسيم الأموال فيفضِّل قوماً في العطاء على قومٍ بلا موجب للتفضيل.
[4] - المقاطع، الحدود التي عيّنها الله لها.
[5] - نهج البلاغة، الكتاب 131.
[6] - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج8، ص11.
[7] - نهج البلاغة، الخطبة 3.
[8] - مروج الذهب، المسعودي، ج 2، ص 341- 343.
[9] - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 3، ص 11.
ما هي خصائص حكومة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)؟
... ليس علي بن أبي طالب(عليه السلام) بالشخصية التاريخية فحسب، إنما هو أمير المؤمنين، أي أنه بالنسبة لنا الأسوة والقدوة والنموذج. نموذج للحكومة التي ينبغي على حكامها وقادتها أن يقتدوا بسلوكه ومنهجه. وعلى الإسلاميين أن يتخذوا سلوك ومنهج علي بن أبي طالب قدوة ونموذجاً لهم.
والآن إذا أردنا أن نقف على المحطات البارزة واللامعة في حياة مولى المتقين وأن نتعرف على شخصيته وحكومته، أظن أنه علينا أن ندرس نقطتين أساسيتين وحساستين. وأتصور أن شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) بعنوان أنه الحاكم وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تدخل في صلب هذه النقاط، طبعاً لن نتعرض في هذا البحث إلى شخصية علي (عليه السلام) المعنوية والعرفانية، تلك الشخصية التي كانت دائماً مرتبطة بالفيض واللطف الدائم لله سبحانه، بل سنتحدث عن علي (عليه السلام) كحاكم إسلامي حكم الأمة الإسلامية لفترة من الزمن.
النقطة الأولى: البارز في حياة أمير المؤمنين كحاكم هو التزامه وتعبده الكامل بما جاء به الإسلام وما ورد في شريعته، فأمير المؤمنين الذي تربّى في كنف الإسلام وفي الوقت الذي كان الرسول يتولى الحكومة ويتحمل الأذى والمصاعب في سبيل الإسلام، كان علي (عليه السلام) الشاب المقاتل المقدام الذي لم يجلس في بيته وينتظر وقوع الحوادث، بل كان حاضراً في كل المواجهات والتحديات. فلقد سخّر كل إمكاناته وكمالاته الإنسانية في خدمة الإسلام حيث شارك في كل الحروب والغزوات التي جرت في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باستثناء حرب واحدة لم يشارك فيها بناء على طلب الرسول حيث طلب منه البقاء في المدينة. فقدم حياته للإسلام وكان حاضراً دائماً ليضحي بروحه دفاعاً عن الإسلام.
وفي ذلك اليوم الذي اجتمع فيه المسلمون على شخص غير علي (عليه السلام) ليسلموه الإمرة والخلافة حيث اتبع جمع الناس مجموعة صغيرة انسلخت لتبايع غير علي (عليه السلام)، وعلي الذي كان يرى ويعلم بأن الخلافة من حقه وهو اللائق بها، وكان يستطيع إن أراد أن يواجه أولئك ويقوم بدعوة الناس وتحريضهم، لكنه عليه السلام لم يقم بذلك وضحى لمصلحة الإسلام. وكذلك فعل أيضاً بعد وفاة الخليفة الثاني، حيث قال له نبايعك ولكنه (عليه السلام) رفض ذلك فهذا مخالف لما يؤمن به ويتعارض مع تكليفه والتزامه. وأدى هذا الرفض به إلى أن يتأخر باستلام الخلافة 21 عاماً أخرى. وطوال فترة حياته التي سبقت تسلمه الخلافة كان دائماً يجاهد ويتحرك في سبيل خدمة الإسلام والشريعة لذا فمن الطبيعي أن يعمل على تطبيق الأحكام الإسلامية حين تسلمه للخلافة وعلى تحكيم الثوابت الإسلامية وهذه هي الخصوصية الأولى للأمير (عليه السلام)، وأنتم إذا أردتم أن تقارنوا بين علي وبين الأشخاص الذين وقفوا في وجهه، ستجدون فرقاً أساسياً، فعلي (عليه السلام) لم يكن حاضراً إلا ليتحرك ويعمل لأجل الإسلام الذي قد عرفه وامن به.
النقطة الثانية: في شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) والتي ترتبط بكونه حاكماً إسلامياً. فعلي الحاكم لم يكن مستعداً على الإطلاق أن يهادن ويصالح الأشخاص الذين لم يكونوا يتحركون في ضمن خطه ومسيرته. أي الذين لم يتحركوا في خط الإسلام وفي سبيل الله، وحياة علي تشير إلى ذلك، فعليٌ (عليه السلام) تلميذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يكن مستعداً للمسايرة كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، الذي كان يتحرك في سبيل تحقيق الأهداف المقدسة. وحياة النبي كلها شاهدة على رفض المهادنة والأهواء والأنانيات، ولو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مستعداً أن يهادن لكان استطاع أن يحد من نفوذ القادة والشخصيات المعادية له والبارزة في وسط الناس والتي تتمتع بقدر من الاحترام لديهم، وأن يخرس ألسنة الذين انتقدوه، ولو كان أيضاً مستعداً أن يخفف من مواجهته لأعداء الإسلام والحكومة الإسلامية فمن المؤكد لم تكن لتواجهه كل هذه المشاكل والمصاعب له.
وهنا كان امتياز علي (عليه السلام) الحاكم، عن غيره من الحكام، فأولئك كانوا مستعدين أن يتحالفوا مع أي طرف ضد عدوهم فنرى معاوية وعمرو بن العاص المتنافسين والمتخالفين مع بعضهما، يقفان جنباً إلى جنب لمواجهة علي (عليه السلام). وكذلك إذا نظرنا إلى طلحة والزبير من جهة وإلى معاوية من جهة أخرى. فلقد كانوا متعادين، لكنهم كانوا مستعدين أن يتحدوا وأن يقفوا جنباً إلى جنب لمحاربة علي بن أبي طالب (عليه السلام) بينما علي (عليه السلام) رفض أن يتحالف مع طلحة والزبير ضد معاوية. فبالنسبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) هذا التحالف مخالف للنهج الإسلامي، معاوية عدو ومخالف وبنفس الدليل فطلحة والزبير أعداء لا يمكن مسايرتهم والتحالف معهم، هذه أيضاً من خصوصيات علي (عليه السلام).
هيبت الحلبوسي رئيسًا جديدًا لمجلس النواب العراقي
انتخب مجلس النواب العراقي، اليوم الاثنين، النائب هيبت الحلبوسي رئيسًا له للدورة البرلمانية السادسة، بعد عملية عد وفرز أسفرت عن فوزه الساحق بالمنصب، ليعود بذلك إلى قيادة البرلمان.
وكان مجلس النواب قد بدأ قبل قليل، عملية العدّ والفرز لانتخاب رئيس مجلس النواب، والتي أسفرت عن فوز هيبت الحلبوسي برئاسة الدورة السادسة لمجلس النواب.
وفي وقت سابق من اليوم، أعلنت الدائرة الإعلامية في مجلس النواب، انتهاء عملية التصويت الخاصة بانتخاب رئيس المجلس.

وكان قد أغلق رئيس السن عامر الفايز، باب الترشيح لانتخاب الرئيس الجديد للمجلس بعد تقديم ثلاثة مرشحين هم، سالم العيساوي وعامر عبد الجبار وهيبت الحلبوسي.
يشار الى أن رئيس تحالف العزم النائب مثنى السامرائي أعلن قبل قليل سحب ترشحه لمنصب رئاسة البرلمان.
لبنان.. من الرصد إلى الضغط: كيف تحوّلت 'الميكانيزم' إلى أداة تدخّل سيادي
جاء في مقال لجريدة "الاخبار" اللبنانية تحت عنوان "من الرصد إلى الضغط: كيف تحوّلت «الميكانيزم» إلى أداة تدخّل سيادي"، ان ملف لجنة «الميكانيزم» يتقدم إلى واجهة التساؤل عند الرأي العام في لبنان، ليس بوصفه تفصيلاً تقنياً مرتبطاً بوقف إطلاق النار على الحدود الجنوبية، بل كقضية تمسّ جوهر السيادة وحدود السلطة داخل الدولة.
وأوضح المقال، فبينما يُفترض بهذه اللجنة أن تؤدي دوراً تنسيقياً محصوراً في إطار خفض التصعيد، تكشف الممارسة اليومية عن توسّع تدريجي في دورها، يلامس صلاحيات سيادية محفوظة دستورياً للمؤسسات اللبنانية، ويفتح الباب أمام إشكاليات قانونية وسياسية عميقة تتجاوز مسألة الأمن إلى حقوق المواطنين ومرجعية القرار الوطني.
من هنا، تطرح هذه المقاربة سؤالاً أساسياً: أين ينتهي التنسيق المشروع، وأين يبدأ التدخل غير المبرّر، وما الذي يعنيه ذلك لمفهوم الدولة والقانون في لبنان؟
أُنشئت لجنة «الميكانيزم» عقب إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 بوصفها آلية تنسيق تقنية تهدف، نظريًا، إلى خفض التصعيد ومتابعة تنفيذ الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية للبنان. غير أنّ الغموض الذي شاب أساسها القانوني، وحدود صلاحياتها، وطبيعة تركيبها، سرعان ما حوّلها من إطار تنسيقي محدود إلى عنصر إشكالي في البنية السيادية اللبنانية، ولا سيما مع تصاعد الانتقادات حول دورها في تغطية الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، وممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة على الدولة اللبنانية والمؤسسة العسكرية، وصولًا إلى الدفع باتجاه إجراءات تمسّ بحقوق المدنيين، وعلى رأسها اقتحام المنازل وتفتيشها خارج الضوابط الدستورية والقانونية.
غياب السند القانوني
الإشكال الجوهري في لجنة «الميكانيزم» يبدأ من أساسها القانوني. فهي لا تستند إلى أي نص دستوري لبناني، ولا إلى قانون صادر عن مجلس النواب، ولا حتى إلى مرسوم حكومي يحدّد صراحة تشكيلها وصلاحياتها، بحسب ورقة قانونية أعدّها مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير.
ووفقاً لذلك، فإن وجود هذه اللجنة داخل النظام الدستوري اللبناني هو وجود وظيفي - سياسي لا يرقى إلى مرتبة الهيئة الرسمية أو الإدارية ذات الصلاحيات المحددة. هذا الواقع يضع اللجنة في مواجهة مباشرة مع مبدأ المشروعية، وهو أحد أعمدة القانون العام اللبناني، الذي يفرض عدم جواز ممارسة أي سلطة أو وظيفة عامة من دون سند قانوني صريح.
من الناحية القانونية يشكّل أي تفتيش يتم بطلب أو توصية من لجنة «الميكانيزم» ومن دون إذن قضائي انتهاكاً صريحاً لحرمة المسكن
في أفضل توصيف قانوني، يمكن اعتبار لجنة «الميكانيزم» إطاراً تنسيقياً تقنياً غير ملزم، يفتقر إلى الشخصية المعنوية العامة، ولا يتمتع بأي سلطة تقريرية أو تنفيذية داخل الأراضي اللبنانية. وهي، بالتالي، لا تُدرج ضمن فئة القوات الدولية بالمعنى القانوني، ولا ضمن بعثات الأمم المتحدة المخوّلة بموجب قرارات صادرة عن مجلس الأمن، ما ينفي عنها أي صلاحيات ميدانية مباشرة.
نظرياً، تنحصر مهام أي آلية متابعة لوقف إطلاق النار في الرصد والتبليغ بشأن الخروقات من جميع الأطراف، وتسهيل قنوات الاتصال لتجنّب التصعيد غير المقصود، ورفع تقارير تقنية غير ملزمة إلى الجهات السياسية المعنية. ولا تشمل هذه المهام، بأي حال، الإشراف على عمليات أمنية داخلية، أو إعطاء توجيهات للجيش اللبناني، أو اقتراح أو فرض إجراءات تمسّ بالحريات العامة أو الخاصة.
غير أنّ الممارسة الفعلية للجنة أظهرت انزلاقاً واضحاً من التنسيق إلى التدخل. أحد أخطر أوجه هذا الخلل يتمثّل في الأداء الانتقائي، حيث يُلاحظ تجاهل أو تمييع الانتهاكات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية، مقابل تركيز مفرط على مطالب وإجراءات موجّهة حصرياً إلى الجانب اللبناني. هذا السلوك يُفرغ اللجنة من أي ادّعاء بالحياد، ويحوّلها إلى أداة ضغط غير متوازنة، بما يتعارض مع أبسط معايير الوساطة أو الرقابة التقنية.
حرمة المسكن: التفتيش خارج القضاء خط أحمر
إلى ذلك، تُسجَّل ممارسات متكرّرة للجنة تتمثّل في ممارسة ضغوط سياسية وأمنية على قيادة الجيش اللبناني، والدفع باتجاه اقتحام منازل مدنيين وتفتيشها، وتجاوز القنوات الدستورية والقضائية اللبنانية. وهنا يبرز الخلل الجوهري: اللجنة لا تملك أي صفة تخوّلها طلب أو فرض تفتيش منازل، إذ إن هذا الإجراء يخضع حصرياً لإذن قضائي لبناني وفقاً للمادة 14 من الدستور وقانون أصول المحاكمات الجزائية.
من الناحية القانونية، يشكّل أي تفتيش يتم بطلب أو توصية من لجنة «الميكانيزم» ومن دون إذن قضائي انتهاكاً صريحاً لحرمة المسكن، ويُعدّ عملاً غير مشروع، تتحمّل مسؤوليته الجهة المنفّذة والجهة الضاغطة على السواء. كما أنّ إقحام لجنة غير لبنانية في إجراءات أمنية داخلية يمسّ جوهر السيادة، ويخالف مبدأ حصر السلطة بالقوى الدستورية، ومبدأ عدم جواز تفويض الاختصاص السيادي لجهات خارجية من دون سند قانوني.
وتتجلّى خطورة هذا المسار في الاجتماع الأخير للجنة «الميكانيزم» الذي عُقد في 19 كانون الأول 2025 في مقر «اليونيفيل» في الناقورة. فقد تجاوز الاجتماع عملياً حدود التشاور التقني، واتّجه نحو ممارسة ضغوط ذات طابع تنفيذي، تمثّلت في الدفع باتجاه إجراءات تفتيش وتدخلات ميدانية داخل الأراضي اللبنانية تحت عناوين «تنفيذ الترتيبات الأمنية» و«منع الخروقات».
وعلى الرغم من ذلك، فإن أي خلاصات أو توصيات تصدر عن هذا الاجتماع لا تملك أي قوة إلزامية داخل النظام القانوني اللبناني ما لم تُترجم عبر القنوات الدستورية المختصة، وهو ما لم يحصل.
الأخطر أنّ طبيعة النقاشات عكست خللاً بنيوياً في مبدأ الحياد المفترض للجنة، عبر التركيز الأحادي على التزامات الجانب اللبناني مقابل تغييب الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة. وهذا الخلل لا يقتصر على بعد سياسي أو أخلاقي، بل ينعكس مباشرة على مشروعية دور اللجنة، إذ إن أي آلية تنسيق تفقد توازنها تتحوّل تلقائياً إلى أداة ضغط لا إلى إطار احتواء.
في هذا السياق، يبرز سؤال مستقبل لجنة «الميكانيزم». فاستمرارها بالصيغة الحالية، من دون إعادة تعريف مهامها أو ضبط حدود تدخلها، سيؤدي إلى تكريس عرف سياسي خارج الدستور، وإضعاف دور القضاء، وتحويل الجيش إلى منفّذ لضغوط خارجية.
أما السيناريو الأكثر اتساقاً مع القانون، فيقضي بإعادة حصر اللجنة بدور الرصد والتبليغ فقط، ومنع أي تواصل مباشر بينها وبين الوحدات الميدانية، وإلزامها بإحالة أي ملاحظات عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية حصراً.
وفي حال استمرار عدم الحياد، يصبح إنهاء دور اللجنة أو تجميده خياراً سيادياً مشروعاً لا يُعدّ خرقاً لوقف إطلاق النار.
الإشكال الحقيقي في لجنة «الميكانيزم» لا يكمن في وجود آلية متابعة لوقف إطلاق النار بحدّ ذاته، بل في الانزلاق من التنسيق التقني إلى التدخل السيادي، ومن الحياد المفترض إلى الانحياز العملي. وفي ظل غياب أي أساس دستوري أو تشريعي يمنحها صلاحيات تنفيذية، تصبح ممارساتها، حين تتجاوز حدود الرصد والتبليغ، فاقدة للشرعية القانونية، ومهدِّدة لحقوق المواطنين ولمبدأ السيادة الوطنية. حماية الاستقرار لا تمرّ عبر تمييع الدستور أو القبول بإجراءات استثنائية دائمة، بل عبر تثبيت المرجعية القانونية اللبنانية وحصر أي التزام أمني ضمن الأطر الدستورية والقضائية.
المصدر: جريدة الاخبار





























