Super User

Super User

الإثنين, 09 تشرين1/أكتوير 2017 04:58

الشهادة

"من التحق بي منكم استُشهد..".

إنّها مقدمة الرسالة التي جعل فيها الإمام الحسين عليه السلام الاستشهاد في مقام البشرى.

"قد أهدى الله إليك كرامة،.. هذا الحسين بن علي يدعوك إلى نصرته، فإن قاتلت بين يديه أُجرت، وإن متَّ فقد استشهدت".

إنّه قول الحجّاج بن مسروق الجحفي لعبيد الله بن الحر، يُخبره عن كرامة أهداها الله إليه وهي: إمّا أجر القتال وإمّا الاستشهاد.

"...مصارع عشاق شهداء لم يسبقهم من كان قبلهم، ولا يلحقهم مَنْ بَعدهم".

إنه استشراف الإمام علي عليه السلام للمستقبل الذي رأى فيه الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه شهداء.

"حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى عليّين"

إنه دعاء للإمام المهدي عليه السلام أثناء زيارته لشهداء كربلاء.

وهكذا نلاحظ عنوان الشهادة سمةً بارزةً لأبطال الملحمة الكربلائية، كما نجد عنوان الشهيد لصيقاً بالإمام الحسين عليه السلام في نصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليه السلام، التي منها:

1- ما أورده الشيخ الطوسي في كتابه "الغيبة" أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في الليلة التي كانت فيها وفاته، للإمام علي عليه السلام: "يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة، فأملى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيته" إلى أن قال:"يا علي، إنه سيكون من بعدي اثنا عشر إماماً" إلى أن قال:"فإذا حضرتك الوفاة فسلِّمها إلى ابني الحسن البرّ الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلِّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول...".

2- ما ذكره الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في حديث السلسلة الذهبية التي وصف فيها كل إمام من آبائه بأبرز صفاته التي تُعبِّر عن دوره الأساس، أو مقامه الخاص، فقال عليه السلام للحشود المجتمعة في نيشابور -وبينهم عشرون ألف كاتب يناشدونه أن يحدِّثهم بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فإذا به يقول:"حدّثني أبي موسى الكاظم عليه السلام، عن أبيه جعفر الصادق عليه السلام، عن أبيه محمد الباقر عليه السلام، عن أبيه علي زين العابدين عليه السلام، عن أبيه الحسين شهيد كربلاء عليه السلام، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام، أنه قال: حدّثني حبيبي، وقرة عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل عليه السلام أنه قال: سمعت ربَّ العزّة سبحانه يقول: كلمة لا إله إلا الله حصني، ومن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن عذابي".

3- ما ورد في لوح فاطمة عليها السلام الذي ورد فيه أسماء الأئمة المعصومين عليهم السلام مع عرض لأبرز صفاتهم ومحطّات حياتهم ففيه: "...وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استُشهد، وأرفع الشهداء درجة...".
إنَّ كل هذا يدعونا إلى دراسة حقيقة الشهادة التي نالها الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه في كربلاء، وحرم الكثير أنفسهم من نيلها.

الشهيد والشهداء في القرآن الكريم


أطلق القرآن الكريم صفة الشهيد على الإنسان في مقام حضوره ومشاهدته حدثاً ما بحيث يؤهِّله ذلك ليُدليَ بإفادة حول ما حصل، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

كما أطلق هذه الصفة على العارف المتيقِّظ غير الغافل، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .

وقد تحدّثت بعض الآيات عن مقام الشهداء عند الله تعالى بالمعنى المعرفي للشهادة دون تحديد للسبب الذي أوصلهم إلى هذه المكانة، قال تعالى:
1- ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقً .
2- ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .
3- ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور .

وقد وردت صفة الشهيد باعتبارها من صفات الله تعالى، قال عزَّ وجلَّ:
1- ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ .
2- ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
3- ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ .
4- ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ .
5- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
6- ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
7- ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
8- ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
9- ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .

ويلاحَظ في ألفاظ الشهيد والشهداء في الآيات السابقة أنها وإن كانت ترجع إلى معنى واحد يتعلّق بنوع من المعرفة، إلا أنّ هذه المعرفة تختلف في درجتها بلحاظ ما نُسبت إليه، فالمعرفة الإنسانية، في مقام شهادة الإنسان على حدث ما كالبيع، تكون من خلال الحواس، بينما حينما تُطلَق الشهادة المعرفية على الله تعالى يجب أن "تُعشَّب"، وتنقَّح من كل ما لا يتلاءم مع الكامل المطلق الذي لا يتوسَّط شيء بينه وبين معلومه.

وهذا هو حال العديد من الصفات والأفعال المنسوبة إلى الله تعالى كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدً . فكيد الله تعالى ومكره هو نوع من التخطيط الإلهي الإيجابي في مقابل إبطال كيد الأعداء.

وبناءً على ما تقدم، فإنّ شهادة الله تعالى في الآيات المتقدمة تعني أعلى حالات المعرفة الحضورية، فالوجود كله حاضر عند الله تعالى بنفسه بدون أي وسيط.

الشهيد في السُنَّة

على الرغم من الحشد الكبير من الآيات التي تحدّثت عن الشهيد والشهداء والشهادة فإنه لم يُصرِّح أيٌّ منها بكون الشهيد هو المقتولَ في ساحة الجهاد، أو ما يشابه ذلك، وإن كانت بعض الآيات تتحمل كون المقتول كذلك من مصاديق الشهيد أو الشهداء الوارد فيها، إلا أنّ السُنَّة النبوية والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت المعصومين عليهم السلام أكثرت من استعمال لفظ الشهيد بمعنى المقتول في سبيل الله ممّا أدَّى إلى انصراف هذا المعنى من كلمة الشهيد. ونذكر من تلك الأحاديث ما يلي:

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "للشهيد سبع خصال من الله: أول قطرة من دمه مغفور له كل ذنب...".

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يُعطى للشهيد ست خصال: يُغفر له في أول دفعة من دمه...".

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من نفس تموت لها عند الله خير يَسُرُّها أن ترجع إلى الدنيا، وأنّ لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يتمنّى أن يرجع، فيُقتل في الدنيا لما يرى من فضل الشهادة".

عن أمير المؤمنين عليه السلام:"إنّ الجهاد أشرف الأعمال بعد الإسلام...فيه حسنات والبُشرى بالجنة بعد الشهادة".

عن أمير المؤمنين عليه السلام:"إن أفضل الخلق بعد الأوصياء الشهداء، ألا وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد الله، وجعفر بن أبي طالب....".

الشهيد وسبب التسمية

لعلّ إصرار النصوص الشريفة على إطلاق الشهيد عن المقتول في سبيل الله تعالى لما لهذا اللفظ من صفة معرفية إدراكية خاصة، أراد الإسلام أن يؤكِّد عليها لما تحمله من معنى يدلُّ على المقام والخصوصية للشهيد.

ويظهر هذا المقام وتلك الخصوصية من خلال التأمل بالألفاظ التي استُعملت بمعنى الإدراك والمعرفة، وقد ذكر العلامة الطباطبائي (ره) "أنّ الألفاظ المستعملة في القرآن الكريم من أنواع الإدراك كثيرة ربما بلغت العشرين، كالظن، والحسبان، والشعور، والذكر، والعرفان، والفهم، والفقه، والدراية، واليقين، والفكر، والرأي، والزعم، والحفظ، والحكمة،والخبرة، والشهادة، والعقل....".

وعند المقارنة بين هذه الألفاظ في مدلولاتها الإدراكية، وبين الشهادة التي من مادتها صيغت صفة الشهيد، يتبيَّن الفرق المقامي. وهذا يظهر من العرض الآتي الذي فصَّله صاحب الميزان وهو:

الظنّ: التصديق الراجح، وإن لم يبلغ حدّ الجزم والقطع.
الحسبان: مثل الظنّ بفارق بسيط.
الشعور: الإدراك الدقيق، أُخِذ من الشَّعر لدقَّته، ويغلب استعماله في المحسوس دون المعقول.
الذكر: استحضار الصورة المخزونة في الذهن بعد غيبته عن الإدراك، أو حفظه من أن يغيب عن الإدراك.
العرفان وكذا المعرفة: تطبيق الصورة الحاصلة في المدركة على ما هو مخزون في الذهن.
الفهم: انفعال الذهن عن الخارج بانتقاش الصورة فيه.
الفقه: التثبُّت في هذه الصورة المنتقشة فيه، والاستقرار في التصديق.
الدراية: التوغُّل في ذلك التثبُّت حتى يدرك خصوصية المعلوم، وخباياه، ومزاياه، ولذا يستعمل في مقام تضخيم الأمر وتعظيمه. قال الله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ .
اليقين: اشتداد الإدراك الذهني، بحيث لا يقبل الزوال.
الفكر: سير ومرور على المعلومات الموجودة الحاضرة لتحصيل ما يلازمها من المجهولات.
الرأي: التصديق الحاصل من الفكر والتروِّي، غير أنه يغلب استعماله في العلوم العملية مما ينبغي فعله، وما لا ينبغي، دون العلوم النظرية الراجعة إلى الأمور التكوينية، ويقرب منه البصيرة، والإفتاء، والقول.
الزعم: هو التصديق من حيث إنه صورة في الذهن سواء كان تصديقاَ راجحاَ أو جازماً قاطعاً.
العلم: الإدراك المانع من النقيض.
الحفظ: ضبط الصورة المعلومة بحيث لا يتطرق إليه التغيير والزوال.
الحكمة: الصورة العلمية من حيث إحكامها وإتقانها.
الخبرة: ظهور الصورة العلمية بحيث لا يَخفى على العالم ترتّب أيّة نتيجة على مقدماتها.

فالملاحَظ في هذه الألفاظ الإدراكية أنّ بعضها يُعبِّر عن ترجيح إدراكي بدون يقين وقطع فيه، وبعضها يُعبِّر عن إدراك يحصل من خلال حضور صورة الشيء إلى الذهن بنحو من أنحاء الحضور المتقدمة. وعليه فأرقى معاني هذه الألفاظ الإدراكية لا يتعدَّى حضور صورة الشيء في الذهن.

وهنا يبرز معنى الشهادة، لأنّ الشهادة هي نيل نفس الشيء وعينه.

ولعلّ المعنى يتضح من خلال التمييز بين ثلاث مراتب من المعرفة اليقينية:
الأولى: أن نتيقَّن بوجود النار بدون أن نراها وهو علم اليقين.
الثانية: أن نتيقَّن بوجود النار من خلال رؤيتها بالعين المجرّدة، وهو عين اليقين.
الثالثة: أن نتيقَّن بوجود النار من خلال وضع اليد فيها، وهو حقّ اليقين، وفي هذه المرتبة فإنّ المعرفة تعني نيل نفس الشيء وعينه، لا صورته وماهيته.

السرُّ في الوصف الشهودي

إنّ اختيار الإسلام لصفة الشهيد للمقتول في سبيل الله تعالى يُشِعر بأنّ قيمة الإنسان المضحِّي تنبع من معرفته ووعيه قبل أن يتجسّد في سلوكه العملي، وذلك يتضح من خلال معرفة البنية النظرية التي من خلالها تمَّ تشريع العمل الاستشهادي في الإسلام.

فمن الواضح في شرع الله الحنيف أنَّ الله تعالى لم يُسلِّط الإنسان على نفسه بالمطلق، فحرّم عليه الانتحار، فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمً معتبراً أنه من موجبات العذاب الإلهي، ففي الرواية المعتبرة عن الإمام الصادق عليه السلام: "من قتل نفسه متعمِّداً فهو في نار جهنم خالداً فيها". وعن الإمام الباقر عليه السلام: "إنّ المؤمن يُبتلى بكل بليّة، ويموت بكل ميتة، إلا أنه لا يقتل نفسه".

وورد نفس المضمون في روايات أهل السُنَّة، ففي مسند أحمد ابن حنبل بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من تردَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنَّم خالداً مُخلَّداً فيها أبداً، ومن تحسَّ سماً فقتل نفسه، فسمُّه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة... كانت حديدته في يده يُجَأُ بها في بطنه في نار جهنم خالداً".

وهذا الأمر مبنيٌّ على تقدير إلهي خاص لحياة الإنسان التي لا يجوز له أن يجازف بها، بل له أن يدافع عنها حتى لو قضى ذلك قتل المتعرِّض له بالقتل، كما أفتى بذلك الفقهاء.

وبناءً عليه، فإنّ السير في الطريق الذي يؤدّي حتماً إلى قتل النفس كالعمل الاستشهادي، أو يُظَنُّ فيه ذلك ظنَّاً معتدًّا به كأغلب الأعمال الجهادية العسكرية يحتاج إلى مسوِّغ شرعي واضح يرجح على محافظة الإنسان على حياته، لذا فإنّ شرعيَّة هذا العمل الجهادي الشهادتي يحتاج إلى قضية كبرى تخرج عن نطاق الذات والفرد لتطال المبدأ الأساس كالدفاع عن الإسلام والدِّين، أو المجتمع الإسلامي، على أساس الأولوية في مقام التزاحم بين تلك القضية الكبرى والحفاظ على النفس.

ومن الواضح أنَّ تحديد هذه الأولوية لا يتوفَّر للفرد العادي من المجتمع، بل لا بدّ لتحديدها من قائد إلهي كُفْء عالم بالخطوط والقواعد الشرعية، قادر على تطبيقها في الزمان والمكان المناسبين على أساس أولويات الأمة.

من هنا ورد عن الإمام علي عليه السلام في وصيته: "... الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم، وأنفسكم، فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان، إمام هدى، ومطيع له مقتدٍ بهداه".

ومن لطيف ما أشار إلى هذا المعنى ما ورد عن عبّادٍ البصري أنه قال للإمام زين العابدين عليه السلام في موسم الحج: تركتَ الجهاد وصعوبته، فأقبلت على الحج ولينه، وإنّ الله عزَّ وجل يقول: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فقال له الإمام عليه السلام: أتمَّ الآية، فقال عبَّاد: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . فقال له الإمام عليه السلام: "إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحج".

إذاً فالجهاد والشهادة بحاجة إلى دقّة في تحديد المسار. وهذا ما يتطلَّب من المجاهد طالب الشهادة وعياً دينياً من جهة ضمانة شرعية عمله، ووعياً اجتماعياً يدرك من خلاله قيمة عمله الذي يدخل في كبرى قضايا الدين وأولويات الأمة، بحيث يقرِّر أن يقدِّم الخاص العزيز عليه، وهو نفسه لأجل العام الأعزّ، وهو الدين أو المجتمع الذي تمثّل خدمته والتضحية لأجله اختزالاً لمسيرة كماله في سبيل الله تعالى.

إذاً معرفة طالب الشهادة ووعيه الواسع في مسيره الجهادي شرط أساس في نيله مراتب الشهيد، ولذا استحقّ أن ينال مقاماً، ويوسم بصفة تنطلق من المعرفة، فينال بذلك الشهادة ويوصف بالشهيد.

مقام الشهيد

قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ .

في هذه الآيات خصائص ومراتب للمقتول في سبيل الله هي:
1 –الحياة.
2- الاطمئنان.
3- النعيم المتواصل.
4- الفرح بالثواب.
5- الاستبشار بالتحاق رفاق الجهاد.
6- الاستبشار بالنعيم المستقبلي.

وتفصيل ذلك في ما يلي:

1- حياة الشهيد

نهى القرآن الكريم عن أمرين يتعلقان بحياة الشهيد:
الأول: الاعتقاد بموته، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .
الثاني: التعبير عن الشهيد بأنه ميت، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ .

والسبب في ذلك أنّ معنى الموت في أصله -كما نص عليه ابن فارس في معجم مقاييس اللغة- هو ذهاب القوة من الشيء، وقد استشهد لذلك بما رُوي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حول نبتة الثوم: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنَّ مسجدنا، فإن كنتم لا بدَّ آكليها، فأميتوها طبخاً". فمن الواضح أنّ معنى أميتوها أي اذهبوا ما فيها من قوة الرائحة.

وعليه فإن القرآن الكريم ينفي عن الشهيد ذهاب قوته، بل يُخبر عنه بأنه ما زال في موقع القوة الحياتية، والتي هي باقية، ليس في الجسد المادي الذي يتغيَّر ويتحوَّل، وإنما في النفس الإنسانية، وهذا ما قد تختلف معه الحياة، وبالتالي القوَّة، إذ إنَّ هذه النفس لن تكون بلبوس مادي، وإنما بجسم مثالي برزخي كما نصَّت عليه الروايات، فعن الإمام الصادق عليه السلام حينما سُئل: أين هي أرواح المؤمنين؟ أجاب عليه السلام: "في روضة كهيئة الأجساد في الجنة"، وفي رواية أخرى "في أبدان كأبدانهم".

الشهداء وموتى البرزخ

وهنا يطرأ تساؤل عقيديٌّ يستند إلى ما ثبت في العديد من الروايات التي تتحدث عن الحياة البرزخية، إما لكلِّ الموتى، أو لمن محض الإيمان، أو محض الكفر، ولكن على كلا الاحتمالين، فإنّ هذه الحياة لا تختص بالشهداء.

ومن تلك الروايات التي تعمِّم الحياة البرزخية:
1- ما ورد عن أمير المؤمنين: "القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار".
2- ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ أرواح المؤمنين لفي شجرة من الجنة، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون: "ربَّنا أقم الساعة لنا، وأنجز لنا ما وعدتنا، وألحق آخرنا بأوَّلنا".
3- ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً: "إنّ الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة تعارف وتساءل، فإذا قدمت الروح على الأرواح يقول: دعوها، فإنها قد أفلتت من هول عظيم. ثم يسألونها: ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فإن قالت لهم: تركته حياً، ارتجوه، وإن قالت لهم: قد هلك، قالوا: قد هوى هوى".

ما ورد عن أبي بصير أنه سأل أبا عبد الله عن أرواح المؤمنين فأجاب عليه السلام: "في حجرات في الجنة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها، ويقولون: ربَّنا أقم الساعة لنا، وأنجز لنا ما وعدتنا، وألحق آخرنا بأوَّلنا".

ومن الروايات التي تخصِّص الحياة البرزخية بمن محض الإيمان ومحض الكفر، ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
1- "لا يُسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، والآخرون يلهون عنهم".
2- "إنما يُسأل في قبره من محض الإيمان محضاً، والكفر محضاً، وأما ما سوى ذلك فيُلهى عنهم".
3- "لا يُسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً".


ويمكن الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات بأنّ المقصود من الإلهاء في الطائفة الثانية ليس نفي إحساسهم وحياتهم نهائياً، بل المقصود هو تركهم من دون سؤال، ومن دون نقلهم إلى جنَّة البرزخ ونار البرزخ، بل يُتركون في قبورهم.

ويشهد لهذا الجمع ما ورد في صحيح ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام قال: "قلت له: جُعلت فداك، ما حال الموحّدين المقرّين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين المذنبين الذين يموتون وليس لهم إمام، ولا يعرفون ولايتكم؟ فقال: أمّا هؤلاء، فإنهم في حفرهم لا يخرجون منها، فمن كان له عمل صالح، ولم يظهر منه عداوة، فإنه يُخدّ له خدّاً إلى الجنة التي خلقها الله بالمغرب، فيدخل عليه الروح في حفرته إلى يوم القيامة حتى يلقى الله، فيحاسبه بحسناته وسيئاته، فإمّا إلى الجنّة وإما إلى النار، فهؤلاء الموقوفون لأمر الله. قال: وكذلك يفعل بالمستضعفين والبله والأطفال وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم، وأمّا النُّصّاب من أهل القبلة، فإنه يُخدّ لهم خدّاً إلى النار التي خلقها الله في المشرق، فيدخل عليهم اللهب والشرر والدخان وفورة الحميم إلى يوم القيامة، ثم بعد ذلك مصيرهم إلى الجحيم".

فهذه الرواية تصلح كشاهد على أنّ الذين يُلهى عنهم هم "الموقوفون لأمر الله".

وعليه فإن كان الموتى بشكل عام تبقى أنفسهم حيَّة إمَّا في جنة البرزخ أو ناره وإما في قبورهم، فما الوجه لتخصيص الحديث عن الشهداء بأنهم أحياء ؟!!!

يُقال في مقام الجواب: إنّ نوعية الحياة للشهداء تختلف، فهي حياة قوية، خاصة، فيها نعيم استثنائي تُعبِّر عنه العندية ﴿عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، وهذا جواب صحيح، نضيف إليه أنَّ هناك ميزة أُخرى تتعلق بحياة الشهداء، وهي تتعلق بالفترة الواقعة بين نفخ صور الإماتة، ونفخ صور الإحياء يوم القيامة، ففي هذه الفترة يتم صعق جميع الأحياء سوى استثناء قليل، إذ يقول تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ، فالذي يظهر من إطلاق هاتين الآيتين أنّ الصعق يشمل كل من في السموات والأرض بمن فيهم الذين ماتوا قبلاً، وانتقلوا إلى البرزخ، وهذا ما رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام حينما سأله أحدهم: "أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟، قال عليه السلام: "بل هو باق إلى وقت يُنفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى، فلا حسَّ ولا محسوس، ثم أُعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها، وذلك أربع مئة سنة يسبت فيها الخلق وذلك بين النفختين.

وممّا ينسجم بل يؤيِّد ما تقدم تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ بأنّ المُراد من الموت الأول فصل الروح عن الجسد في الدنيا، ومن الموت الثاني هو الصعق والسبات بعد النفخ الأول". وبناءً عليه فعند النفخ الأول يكون هناك سبات عام، وعدم حياة عام لجميع الكائنات، لكن يوجد استثناء من هذا السبات، ومن فقدان الحياة عبَّر عنه سبحانه في ما مرّ بـ "من شاء الله". وقد فسّر البعض المُستثنى في الآية بالشهداء، فقد نقل الشيخ الطبرسي في تفسير جوامع الجامع عن ابن جبير في تفسيره لـ: "من شاء الله":"هم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش"، وهذا يعني قوَّة في حياة الشهداء تؤهلهم لبقاء حياتهم بين النفختين.

2- اطمئنان الشهيد.

تصف الآيات الكريمة السابقة حال الشهداء بأنهم ﴿أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، وحينما نتأمل في معنى الخوف والحزن نلاحظ أنّ الأول يتعلق بحذر الإنسان أن يفقد في المستقبل ما يملكه أو له حقٌّ فيه، فمن عنده ولد، فإنه يخاف عليه المرض والموت، ومن عنده أموال، فإنه يخاف أن يفقدها وهكذا، أما الحزن فهو يتعلق بالحالة النفسية التي تعتري الإنسان حينما يفقد شيئاً قد ملكه، أو كان له حق فيه، فمن فقد ولده يحزن عليه، ومن فقد ماله يحزن عليه وهكذا، فمتعلَّق الحزن الماضي، ومتعلَّق الخوف المستقبل، وكلاهما يعتريان من يعتقد بملكه لشيء أو حقّه فيه.

لكنّ هذا الشعور لا يعتري ثلة من الناس سمَّاهم الله تعالى في كتابه بأولياء الله، فقال عنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، لأنّ وليَّ الله يعتقد اعتقاداً عقلياً وقلبياً بأنّ كلَّ شيء هو ملكٌ لله وحقٌّ له تعالى، فلا يحزن على ما مضى حزن الفاقد الذي كان يملك، أو كان له حق فيه، ولا يخاف على شيء خوف المعتقد بملكه أو حقِّه، وهذا غير خوفه وحذره العقلائي، وحزنه الإنساني العاطفي.

من هنا فإنّ وليَّ الله يعيش اطمئناناً في حياته، لا يزعجه فيه خوف ولا حزن، لأنّ ذكر الله تعالى ملأ حياته، فكان قلبه مصداقاً لقوله عزَّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب .

والآية السابقة على تفسير رجوع الضمير "عليهم" إلى "الذين قُتلوا في سبيل الله" تصف حال الشهداء بهذا الاطمئنان، فهم في حياتهم البرزخية لا يحزنون على ما فاتهم، وقد وجدوا خيراً منهم كثيراً، ولا يخافون من مستقبل وهم في كنف الله تعالى، وعنده عزَّ وجل.

إنَّ اطمئنان الشهداء هو أحد الأسباب الرئيسية لقوَّة الحياة عندهم، فإنّ المطمئن الحقيقي يشعر بتلك القوة النابعة من ذكره لله واستحضاره الدائم له. فيكون بهذه القوة مصداقاً للقويّ بالقوة التي بحث عنها ذلك الحكيم القائل في رحلة بحثه:

"بحثت عن أقوى الأشياء فوجدته الحديد..
نظرت إلى الحديد فوجدت أن النار تمدده، فعلمت أنّ النار أقوى من الحديد.
نظرت إلى النار، فوجدت أنّ الماء يطفئها، فعلمت أنّ الماء أقوى من النار..
نظرت إلى الماء، فوجدت أنّ السحاب ينزله، فعلمت أنّ السحاب أقوى من الماء..
نظرت إلى السحاب، فوجدت أنّ الرياح تجره، فعلمت أنّ الرياح أقوى من السحاب..
نظرت إلى الرياح، فوجدت أنّ الجبال تصدُّها، فعلمت أنّ الجبال أقوى من الرياح..
نظرت إلى الجبال، فوجدت أنّ الإنسان يعلوها، فعلمت أنّ الإنسان أقوى من الجبال..
نظرت إلى الإنسان، فوجدت أنّ النوم يسكته، فعلمت أنّ النوم أقوى من الإنسان..
نظرت إلى النوم، فوجدت أنّ القلق يذهبه، فعلمت أنّ القلق أقوى من النوم..
نظرت إلى القلق، فوجدت أنّ الاطمئنان يعدمه، فعلمت أنّ الاطمئنان أقوى من القلق..

عندها علمت معنى قول ربّي: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ .

ومن هنا كان مشهد الاطمئنان والقوة بادياً على معالم الإمام الحسين عليه السلام الذي تعجَّب من رآه قبيل شهادته، إذ كان كلَّما اشتدّ عليه الأمر سكنت نفسه، وهدأت جوارحه، وأشرق لونه نوراً وبهاءً، فقيل: انظروا إليه. لا يُبالي بالموت، فقال لهم عليه السلام:"صبراً بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة يعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائم، فأيُّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟! وما هو لأعدائكم، إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، إنَّ أبي حدَّثني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ الدنيا سجن المؤمن وجنَّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم".

3-النعيم المتواصل

فقد وصفتهم الآية السابقة بأنهم "يُرزقون"، فرزقهم بحسب مفاد الفعل المضارع متواصل مستمر.

وأيُّ رزق هو رزق الشهداء!

إنه الرزق الحسن من خير الرازقين الذي ورد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ .

إنَّه الرزق الذي يتمنّى الشهيد أن يرجع لأجله إلى الدنيا ليدخل باب الشهادة من جديد، كما ورد في الحديث السابق عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بأنه "ما من نفس تموت لها عند الله خير يَسُرُّها أن ترجع إلى الدنيا، وأنّ لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يتمنّى أن يرجع، فيُقتل في الدنيا لما يرى من فضل الشهادة".

من هنا نفهم بعضاً من سرِّ روحية الشهادة لدى شهيد الإسلام الأكبر علي بن أبي طالب الذي شكا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد إحدى الغزوات لكونه لم يُستشهد فيها، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أبشر فإنّ الشهادة من ورائك، فطالبه بذلك في معركة أُخرى قائلاً: يا رسول الله أوليس قد قلت لي حيث استُشهد من استُشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة، فشقَّ ذلك عليَّ فقلت لي: أبشر فإنّ الشهادة من ورائك؟!!!، فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذاً؟ فقال عليه السلام:"يا رسول الله، هذا ليس من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر".

4-الفرح بالثواب

يكمل القرآن الكريم وصفه للشهداء ب ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ، وكيف لا يفرحون، وقد وصف الله تعالى أجرهم بالعظيم في قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمً .

وقد تحدَّثت بعض الروايات عن بعض معالم ذلك الأجر والثواب الإلهي للشهيد. فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "للشهيد سبع خصال من الله،

الأولى: أول قطرة من دمه مغفور له كلّ ذنب.
الثانية: يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين، تمسحان الغبار عن وجهه، وتقولان: مرحباً بك، ويقول هو مثل ذلك.
الثالثة: يُكسى من كسوة الجنة.
الرابعة: تبتدره خزنة الجنة بكل ريحٍ طيبة، أيّهم يأخذه إليه.
الخامسة: أن يرى منزله.
السادسة: يقال لروحه: اسرح في الجنة حيث شئت.
السابعة: أن ينظر في وجه الله، وإنها لراحة لكل نبيٍّ وشهيد".

من هنا كان الخُلَّص من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصرُّون على الاستشهاد في سبيل الله تعالى لما يعرفون من فضل الشهادة، ومن هؤلاء عمرو بن الجموح الذي كان رجلاً أعرج، فلما كان يوم "أُحد"، وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المََشَاهد أمثال الأسد، وأراد قومه أن يحبسوه، وقالوا: أنت رجل أعرج، ولا حرج عليك، وقد ذهب بنوك مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فأجابهم: بخٍ، يذهبون إلى الجنة، وأجلس أنا عندكم!! فقالت: هند بنت عمرو امرأته: كأني أنظر إليه مولِّياً قد أخذ درقته، وهو يقول: اللهم لا تردَّني إلى أهلي. فخرج ولحقه بعض قومه يكلِّمونه في العودة. فأبى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "يا رسول الله، إنَّ قومي يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك، والله لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة". فقال صلى الله عليه وآله وسلم له: "أما أنت فقد عذرك الله، ولا جهاد عليك"، فأبى، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقومه وبنيه: "لا عليكم أن تمنعوه، لعلّ الله يرزقه الشهادة"، فخلّوا عنه، فقُتِلَ يومئذ شهيداً، فحملته هند بعد شهادته، مع ابنها خلاد، وأخيها عبد الله على بعير، فلما بلغت منقطع الحرة برك البعير، فكان كلَّما تُوجِّهه إلى المدينة برك، وإذا وجّهته إلى أُحد أسرع، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الجمل لمأمور. هل قال عمرو شيئاً"؟ قالت: نعم، إنه لما توجَّه إلى "أُحد" استقبل القبلة، ثم قال: اللهم لا تردَّني إلى أهلي، وارزقني الشهادة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "فلذلك الجمل لا يمضي. إنّ منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم عمرو بن الجموح".

ومما مرَّ نفهم سرَّ ذلك الفرح الذي كان يظهر على ملامح شهداء كربلاء قبيل شهادتهم حتى إنَّ البعض تعجَّب من ذلك.

فها هو برير قبيل شهادته يضاحك عبد الرحمن الأنصاري، فقال له عبد الرحمن: "يا برير، ما هذه ساعة باطل"! فأجاب برير: "لقد عَلِمَ قومي أني ما أحببت الباطل كهلاً ولا شابّاً، وإنما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه، فوالله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة، ثم نعانق الحور العين"

وها هو يزيد بن الحصين يرى حبيب بن مظاهر يضحك في كربلاء، فيقول له: "يا أخي ليست هذه بساعة ضحك! فيجيبه حبيب: فأيُّ موضع أحق من هذا بالسرور؟ والله ما هو إلا أن يُقبل علينا هؤلاء القوم بسيوفهم فنعانق الحور".

وقد تعلَّم مجاهدو المقاومة الإسلامية في لبنان من هؤلاء الشهداء كيف يفرحون، ويضحكون على عتبة شهادتهم. ومن جميل تلك المواقف ما حصل مع الاستشهادي الأول في هذه المقاومة وهو الشهيد أحمد قصير الذي استشهد في سن التاسعة عشر ربيعاً، فقد رآه رفيقه في الجهاد الذي كان يجهِّز العبوة في السيارة يضحك ويضحك، فسأله عن سبب ذلك، فأجابه: ثقِّل العبوة تحت مقعدي، فإني أريد أن أطير بسرعة.

5- الاستبشار بالتحاق رفاق الجهاد

تشير الآية السابقة إلى أنَّ الشهداء مع ما يعيشونه من نعيم متواصل وسعادة غامرة، فإنهم لا يعيشون أنانية النعمة التي تنسيهم الآخرين، بل يبقون على تواصل روحي معنوي مع رفاقهم المؤمنين، لذا هم ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

وقد ورد في بعض الروايات بأنّ أرواح المؤمنين تسأل القادم إليها في جنتهم البرزخية عن بعض رفاقهم المؤمنين، فإن قالت لهم "تركته حيّاً ارتجوه".

وفي كربلاء صرَّح الإمام الحسين عليه السلام لأصحابه أنَّ الشهداء يتوقعون قدومهم وذلك بعد أن فرغ من الصلاة، وقال لهم: "يا كرام، هذه الجنة قد فتحت أبوابها، واتصلت أنهارها، وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله، ودين نبيِّه، وذبّوا عن حرم الرسول".

6-الاستبشار بالنعيم المستقبلي

ورغم كل النعيم والثواب الجزيل الذي يؤتيه الله تعالى للشهداء تصفهم الآية أنهم "يستبشرون بنعمة من الله وفضل...".

ومن النعم القادمة على الشهداء هو مقام الشفاعة الذي ورد فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاثة يشفعون إلى الله فيُشفَّعون: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء".

وتنطلق الشفاعة يوم القيامة في كثير من مجرياتها بسبب فعل الهداية الذي كان يمارسه الشفيع في حياته الدنيا، فالأنبياء والعلماء كان دورهم الأساس هو هداية الناس، لذا فإنَّ شفاعتهم للناس تكون في ضوء تجاوب الناس معهم من خلال اهتدائهم، وهذا ما يوضِّح ميزة تقدم الأنبياء عليهم السلام والعلماء في موقع الشفاعة.

ولكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو أنَّ مقام شفاعة الهداية واضح من خلال دور الأنبياء عليهم السلام والعلماء، ولكن كيف نتعقَّل شفاعة الهداية في الشهيد الذي قد يكون غير عالم، بل قد يكون صغيراً لم يكتب كتاباً، ولم يعتلِ منبراً، ولم يُقدِّم محاضرة، كذلك الشهيد الصغير الذي قام بالعملية الاستشهادية وهم لم يتخطَّ زمن بلوغه إلا بفترة قليلة، فنوَّه به الإمام الخميني(ره) واصفاً إياه بـ "قائدنا ذلك الطفل الذي فجّر نفسه، تحت دبابات العدو في خرمشهر".

فالسؤال هو: كيف نتعقَّل مقام شفاعة الهداية له؟ هنا يُنقل عن الإمام الخميني(ره) مطلب لطيف يجيب فيه عن هذا السؤال وهو أنَّ الشهيد يهدي بدمه.

وفعلاً صدق الإمام الخميني قدس سره ، فكم رأينا من أناس انقلبت حياتهم نحو الإيمان، ببركة دم الشهيد، من أقربائهم أو جيرانهم! وكم رأينا شباناً تأثّروا بالشهداء، فاهتدوا نحو التدين والالتزام! بل لقد رأينا بركات الشهداء في التحوُّل الاجتماعي الإيماني العامّ الذي ما فتئ يتقدّم ببركة دمائهم الطاهرة.

ومن هنا نطلّ على:

مسؤولياتنا تجاه الشهداء

المسؤولية الأولى: هي حفظ القضية التي استُشهدوا من أجلها. فإذا كان "من بلّغ رسالة غازٍ كمن أعتق رقبته، وهو شريكه في ثواب غزوته"، فكيف بمن حمل وبلَّغ القضية التي كانت نصب عين الشهيد حينما قُتِلَ في سبيل الله؟!

رحم الله سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي الذي كان يقول: "الوصية الأساس: حفظ المقاومة".

المسؤولية الثانية: هي حفظ عوائلهم وتكفّل أيتامهم، لقد كان ا

نفى وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، مساء السبت، تعرض حكومة بلاده "لضغوطات أو قبولها بشروط غير معلنة" من نظيرتها الأمريكية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

وقال غندور، خلال حديثه في منتدى اقتصادي بالعاصمة الخرطوم، إن "بعض المعلقين والناشطين على وسائط التواصل الاجتماعي (لم يسمهم) أشاروا إلى قبول الحكومة السودانية بشروط غير معلنة قادت إلى رفع العقوبات عن البلاد".

وأعلنت واشنطن، الجمعة، رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ العام 1997، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 12 أكتوبر/تشرين أول الجاري، ولم يتضمن القرار رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية الخاصة بالدول الراعية للإرهاب.

وأضاف غندور: "لم تكن هنالك أي شروط غير خطة المسارات الخمس التي اتفق عليها الطرفان".

ومن بين هذه المسارات: تعاون الخرطوم مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، والمساهمة في تحقيق السلام بدولة جنوب السودان، التي انفصلت عن السودان عام 2011، إضافة إلى تسهيل إيصال المساعدات إلى المتضررين من النزاعات المسلحة بالسودان.

ومضى الوزير السوداني في حديثه قائلا: "الحكومة الأمريكية كانت متعاونة والتزمت بكل ما تم الاتفاق عليه"، دون تفاصيل.

وقال إن "دول محيطة بالسودان (لم يسمها) كانت تقدم تقارير لأمريكا تفيد بدعم وإيواء السودان لقائد جيش الرب الأوغندي جوزيف كوني (يقود مجموعة مسلحة متمردة أوغندية تتهمها واشنطن بالإرهاب)"، إضافة إلى "اتهام تلك التقارير حكومة السودان بدعم وإيواء المعارضة المسلحة من دولة جنوب السودان".

وأكد غندور أن "متابعة الإدارة الأمريكية لجهود الحكومة السودانية حول ملفي جيش الرب ودعم سلام جنوب السودان، وهما أحد المسارات الخمس، أوضحت أن تلك التقارير لا أساس لها من الصحة وكل تلك التقارير التي كانت تكتب كاذبة".

وأشار المسؤول السوداني إلى أن "الحكومة الأمريكية تدرج السودان في قائمة وزارة خارجيتها للدول الراعية للإرهاب، وفي نفس الوقت تقر بأن السودان يعد من أفضل الدول المتعاونة في مجال مكافة الإرهاب".

وأردف: "تلك متطلبات السياسة وينبغي علينا التعامل معها حتى يتم إزالة السودان من تلك القائمة".

ويشمل قرار رفع العقوبات الاقتصادية في جانب منه إنهاء تجميد أصول حكومية سودانية، في وقت يعاني فيه اقتصاد السودان، منذ انفصال جنوب السودان عنه، عام 2011، حيث استحوذت الدولة الوليدة على ثلاثة أرباع حقول النفط.

ولم يتضمن القرار الأمريكي رفع السودان من قائمة الدول التي تعتبرها وزارة الخارجية "راعية للإرهاب"، والذي تم إدراجه عليها في عام 1993.

ويعني بقاء السودان في هذه القائمة استمرار فرض قيود عليه، منها حظر تلقيه المساعدات الأجنبية، أو بيع السلاح إليه.

أعلنت وزرة الداخلية السعودية، مساء السبت، مقتل رجلي أمن وإصابة 3 آخرين في هجوم استهدف نقطة حراسة تابعةً للحرس الملكي بقصر السلام في مدينة جدة، غربي المملكة، تم خلاله أيضا مقتل المهاجم وهو سعودي الجنسية.

ونقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) عن المتحدث الأمني لوزارة الداخلية اللواء منصور التركي بأن الهجوم وقع عند الساعة (الثالثة وخمسة وعشرين دقيقة) من فجر السبت (00:25 ت.غ).

وفي التفاصيل، أوضح "التركي" أنه "تعرضت نقطة حراسةً خارجية تابعةً للحرس الملكي الموجودة أمام البوابة الغربية لقصر السلام بمدينة جدة، لإطلاق نار من شخص ترجل من سيارة كان يقودها".

وأضاف أنه "تم التعامل مع المهاجم على الفور من قبل رجال الحرس الملكي وفق ما يقتضيه الموقف؛ ما نتج عنه مقتله بنفس مكانه في الحال".

وأشار كذلك إلى أنه "نتج عن هذا العمل الجبان استشهاد كلٍ من: وكيل رقيب حماد بن شلاح المطيري، والجندي أول عبدالله بن فيصل السبيعي".

وبين أن الهجوم أسفر أيضا عن "إصابة كلٍ من: العريف وليد بن علي شامي ، والجندي أول أحمد صالح القرني، والجندي أول عبدالله هندي السبيعي"؛ حيث يتلقون حالياً العلاج اللازم (دون ذكر مدى خطورة إصاباتهم).

وأفاد المتحدث الأمني بأنه اتضح من إجراءات الثتبت من هوية ذلك الشخص (المهاجم) أنه يدعى "منصور بن حسن بن علي آل فهيد العامري" (سعودي الجنسية)، ويبلغ من العمر 28 عاماً.

وأشار إلى أنه ضبط بحوزة المهاجم، بالإضافة لسلاح رشاش من نوع كلاشنكوف، 3 قنابل حارقة (مولوتوف).

وقال إن "الجهات الأمنية ما تزال تباشر تحقيقاتها وسيتم الإعلان عما يستجد لاحقاً".

ولم يعرف يعد دوافع الهجوم، كما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه.

وفي وقت سابق من اليوم، طالبت القنصلية الأمريكية في جدة المواطنين الأمريكيين بتوخي الحذر في المنطقة المحيطة بقصر السلام الملكي في مدينة جدة، إثر تقارير إعلامية عن الهجوم الذي أعلقنت عنها الداخلية السعودية لاحقا.

ويكتسب قصر السلام أهمية خاصة كونه مقر الديوان الملكي، وكذلك مكان انعقاد مجلس الوزراء بمدينة جدة، وفيه يتم استقبال الوفود الزائرة، وهو يعد من القصور الحديثة.

وكانت آخر جلسة لمجلس الوزراء، التي ترأسها الملك سلمان بن عبد العزيز قبل سفره إلى روسيا، انعقدت في هذا القصر الثلاثاء الماضي.

وقبل اجتماع مجلس الوزراء بيوم، استقبل الملك سلمان في القصر ذاته عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة.

ويقوم العاهل السعودي حاليا بزيارة إلى روسيا، بدأها الأربعاء الماضي، وتعد الأولى لملك سعودي إلى روسيا، وقد أناب ولي عهد الأمير محمد بن سلمان بإدارة شؤون المملكة خلال فترة غيابه.

محامي جماعة الإخوان المسلمين في مصر عبد المنعم عبد المقصود ينعي المرشد العام السابق للجماعة محمد مهدي عاكف الذي وافته المنية في سجنه، حيث اتهمته السلطات المصرية بالتحريض على العنف بعد أن ألغت محكمة النقض المصرية حكماً ضده بالسجن المؤبد.

عاكف وقف مواقف مؤيدة للمقاومة في لبنان وفلسطين في فترة توليه مسؤولية الإرشاد في الجماعة

قال محامي جماعة الإخوان المسلمين في مصر عبد المنعم عبد المقصود إنّ المرشد العام السابق للجماعة محمد مهدي عاكف توفي الجمعة عن عمر ناهز الـ89 عاماً.

وأضاف عبد المقصود أنه تلقى اتصالاً من مصلحة السجون يفيد بوفاة عاكف في مستشفى قصر العيني بالقاهرة.

وكان عاكف قد نقل من السجن إلى المستشفى للعلاج، وهو من قادة الجماعة الذين أُلقي القبض عليهم بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي للإخوان في منتصف عام 2013 بعد احتجاجات حاشدة على حكمه الذي استمر عاماً.

يشار إلى أنّ عاكف شغل منصب المرشد العام للجماعة في الفترة من عام 2004 إلى 2010، وكان محبوساً على ذمة إعادة محاكمته في قضية اتهم فيها بالتحريض على العنف بعد أن ألغت محكمة النقض أعلى محكمة مدنية مصرية حكماً ضده بالسجن المؤبد.

كلمة الإمام الخامنئي في حفل تخريج دفعة من كلية علوم الشرطة 17/9/2017

أية حماقة أميركية في "الملف النووي" ستواجه برد مناسب من الجمهورية الإسلامية


بسم الله الرحمن الرحيم(1)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، لا سيما بقية الله في الأرضين.

لقد أدّيتم اليوم مراسم عظيمة وجميلة وعميقة جدًا: كانت التمارين جيدة جدًا، اصطفاف الميدان كان جميلًا جدًا، والعروض التي قدمتموها كانت مبتكرة وزاخرة بالمعاني بشكل كامل. إن الإبداع جذّاب ولافت للنظر في كل القضايا العملية والتعليمية والبحثية وفي الإدارات الصغيرة والكبيرة. وقد شاهدنا اليوم علامات الإبداع في هذه الساحة في مجالات مختلفة؛ أشكركم كثيرًا.

إنها أيام حساسة ومهمة. إنَّ تخرجكم أيها الخرّيجون وحصولكم على الرتب العسكرية أيها المتدرّجون قد جرى في مناسبة مهمة للغاية: أولًا إنه شهر ذي الحجة، وهو شهر كثير المناسبات والكرامات وغزير المعاني والمضامين؛ شهر عيد الأضحى وعيد الغدير ويوم عرفة وذكرى يوم المباهلة وذكرى ولادة بعض الأئمة المعصومين (عليهم السلام). وقد صادف آخر شهر شهريور (أواسط أيلول) حيث أسبوع الدفاع المقدس وعلى أعتاب شهر محرم بداية السنة الهجرية القمرية وشهر الإمام الحسين (عليه السلام) شهر الشهادة والفخر. في مناسبات كهذه، توفقتم أيها الشباب الأعزاء لنيل رتبكم العسكرية، إننا نتفاءل خيرًا بهذا ونسأل الله تعالى ثبات أقدامكم في هذا الدرب الذي سلكتموه وهو طريق مفعم بالمفاخر وهو سبيل سعادة الدنيا والآخرة.

حفظ الأمن قاعدة لمختلف أشكال التقدم في البلد
يا أعزائي: إن الأمر المهم هو التنبه إلى أهمية المسؤولية التي أصبحتم في مسارها؛ مسؤولية الحفاظ على الأمن والنظام في البلاد. الأمن في عداد نعم الله الأساسية. إذا توافر الأمن في بلد ما، سيصبح التقدم العلمي والتقدم العملي والتقدم الأخلاقي والتقدم الإنساني ممكنًا في ذلك البلد. وإذا لم يكن يتوافر الأمن، لم يكن أيّ من تلك الأمور ممكنًا أو لكان صعبًا جدًا.

لقد قررتم أن تؤمّنوا للناس هذا العامل الأساسي لسعادة البلاد والشعب. إنها مسؤولية مهمة للغاية. سوف تعينكم هممكم العالية وقدراتكم المعنوية والجسمانية لأداء هذه المسؤولية إن شاء الله.

يا أعزائي: إن الأمن بقدر ما هو مهم، هو عرضة لعدوانية الأعداء. يحاول العدو دائمًا القضاء على الأمن في البلد الذي يخاصمه. أعداؤنا الدوليون الشيطانيون؛ أي نظام الهيمنة وزعماء نظام الهيمنة والشيطان الأكبر ـ أمريكا وأتباعها ـ ومنذ اليوم الأول لانتصار هذا الشعب في الثورة الإسلامية قد عملوا وسعوا لضرب الأمن في هذا البلد. لقد كان الحفاظ على الأمن من مشكلاتنا الأساسية طوال هذه الأعوام الثمانية والثلاثين. لقد قاتل شبابنا بكل وجودهم من أجل حفظ الأم؛ سواء في الأشهر الأولى لانتصار الثورة حيث تشكلت حركات شريرة وانفصالية في بعض المناطق الحدودية من هذا البلد بتحريض من الأعداء. أو بعد ذلك خلال فترة الدفاع المقدس والحرب المفروضة التي استمرت ثمانية أعوام. أو بعد ذلك وإلى اليوم حيث حاول الأعداء سلب الأمن من هذا البلد. وقد وقف شبابنا المؤمن في القوات المسلحة ومنها الشرطة بكل بسالة وقوة ودافعوا عن أمن هذا البلد.

ماء وجه نظامنا منوط بنجاحكم في مهمتكم
أريد أن أقول لكم يا أبنائي الأعزاء، يا شبابي الأعزاء أنتم القوة الوحيدة الحاضرة أمام أنظار الناس في كل أنحاء البلاد. الناس يرون خدماتكم وجهودكم وتضحياتكم في المدن والقرى والطرق والحدود وفي محطات السفر وفي كل مكان. في الجبال والسهول والمناطق الخطرة وفي كل فصول السنة يشاهد الناس قوات الشرطة أمام أعينهم. ليس لدينا أي مؤسسة تحضر هكذا بهذه السعة أمام أنظار الشعب دائمًا.

إن قوتكم هي ماء وجه نظام الجمهورية الإسلامية. قدرتكم وبسالتكم ومبادرتكم وتحركاتكم في الوقت المناسب مبعث فخر وعنفوان لنظام الجمهورية الإسلامية. عندما تواجهون بشكل مباشر تيارات مُفسدة - مثل تيار تهريب المخدرات أو الأشرار في المدن أو السرقات أو الإخلال بالأمن بأشكال مختلفة - وتضحون وتتحملون الصعاب والمشاق في هذا السبيل، فإن الناس يرون بأعينهم جهودكم. فضلًا عن تأمينكم حاجة الشعب؛ أي الأمن، فإنكم تحفظون ماء وجه النظام الإسلامي. هذا مصدر كرامة لأي بلد. الحمد لله أنّ بلادنا اليوم وفي هذه المنطقة غير الآمنة؛ في هذه المنطقة التي نثرت فيها الأيدي الملوثة للعدو المتجاوز بذور الإرهاب. في مثل هذه المنطقة الحافلة بالمشاكل والأحداث استطعتم أنتم والشباب المسؤولون في هذا البلد الحفاظ على أمن يضرب به المثل. هذا أمر بالغ الأهمية.

أرى لزامًا عليّ أن أتقدم بالشكر لجهود قوات الشرطة في الوحدات والأقسام المختلفة، على عملها في مواجهة المفاسد والشرور.

أرفقوا اقتدراكم بمحبة الناس تنجحوا
يجب تقوية هذه الأدوار يومًا بعد يوم. يجب القيام بالأعمال بمنهجية علمية. التقرير الذي قدّم لي عن هذه الجامعة وما ذكره المسؤولون المحترمون اليوم هنا، يدلان على أن الأعمال التي يتم إنجازها أعمال مطلوبة وقيمة. الأعمال العلمية والأعمال البحثية والأعمال التجريبية وتعلم المهارات وإتقانها، كلها ضرورية ومطلوبة ويجب متابعتها دائمًا بمنتهى الجدية. يجب أن يكون لدينا قوات شرطة تليق بمستوى الجمهورية الإسلامية والدولة الإسلامية وبمستوى مجتمع قرآني وإسلامي. بالطبع هناك مسافة تفصلنا عن ذلك المستوى. عليكم أنتم أيها الشباب الأعزاء أن تتقدموا وتعبروا هذه المسافة. وأنا أعلم أنكم قادرون وسوف تحققون هذا بتوفيق إلهي.

الأمر المهم هو الاستمداد من الله تعالى والمحافظة على العلاقة بالله تعالى. والمهم بالدرجة التالية هو علاقة المحبة للناس. أرفقوا الاقتدار بالمحبة والعلاقة الحميمية مع الناس.

لا تأخذكم لومة لائم في تطبيق القانون
المهم هو الالتزام بالقانون؛ فلا يتم أي عمل من دون القانون. وبالتالي فما هو مهم الجرأة اللازمة والحزم في تطبيق القانون؛ حينما يكون هناك قانون لا تأخذكم لومة لائم؛ بل قوموا بالعمل بجرأة وشجاعة، ونفذوا الواجب الذي ألقاه القانون على عاتقكم. ينبغي عدم تجاوز القانون، كما يجب عدم التردد أبدًا في تطبيق القانون. عندما يكون هناك قانون فيجب تنفيذ القانون. المشكلة الأساسية في البلدان وعند الشعوب هي هذه ؛ أن يصيبها التردد والتريث في تنفيذ واجباتها، في تنفيذ واجباتها الدينية وواجباتها الوجدانية وواجباتها العقلانية، وواجباتها الإنسانية.

سننتصر على زعماء نظام الهيمنة مرة أخرى
أ ــ منطقتنا غير آمنة بسبب تدخلات أميركا والصهيونية
وأقولها لكم بالنسبة إلى الأمن. إن الأمن جزء منه الأمن في داخل البلاد وجزء منه أمن المنطقة. منطقتنا اليوم منطقة غير آمنة. فما هو السبب؟ أولًا؛ بسبب التدخلات الشيطانية والشريرة لقوى الهيمنة؛ تدخل أمريكا والصهيونية. فهم يستخدمون أي وسيلة للنفوذ ولتأمين مصالحهم غير الشرعية ولإضعاف الشعوب وللقضاء على الكرامة والشجاعة والقدرات الوطنية. في يوم من الأيام يخلقون "داعش"، وعندما تبدأ داعش وأمثال داعش بلفظ أنفاسها الأخيرة بهمة قوى المقاومة وعزم الشباب المؤمن، يبحثون عن طرق خبيثة أخرى. هذا هو دور أمريكا اليوم.

عندما ييأسون من طريق ما يبحثون في طريق آخر. وبالتأكيد، وبتوفيق من الله فإن الشعب الإيراني والشباب الإيراني وشباب المقاومة في المنطقة المنجذبين للشعارات الإسلامية والقرآنية سوف يمرِّغون مرة أخرى أنوف زعماء نظام الهيمنة بالتراب وينتصرون عليهم. المهم هو أن تشعر شعوب المنطقة وحكومات المنطقة بالقوة وأن تستخدم هذه القدرات التي هي موهبة إلهية. وعندها سيضطر العدو المتجاوز الطامع وخبيث القلب للتراجع والانهزام. أما إذا تراجعنا نحن وتنازلنا فسوف يتقدم العدو أكثر فأكثر.

ب ــ أميركا تتعامل بغطرسة مع "القضية النووية"
لاحظوا وقاحة زعماء نظام الهيمنة ! في قضية المفاوضات النووية هذه والمعاهدة النووية التي تسمى "برجام" (2). إنهم يقومون كل يوم بعمل شرير جديد، ويظهِرون في كل يوم وجهًا من شيطنتهم، ويثبتون صحة قول الإمام " إن أمريكا هي الشيطان الأكبر" (3). الحقُّ أن أخبث الشياطين هو نظام الولايات المتحدة الأمريكية.

حول قضية الحظر، اعلموا أيها الشباب الأعزاء: أن القضية واضحة والمعادلة بسيطة جدًا. الشعب الإيراني ولأجل تأمين حاجاته السلمية تابع نشاطاته النووية ولا يزال. إننا نحتاج بعد بضع سنين إلى ما لا يقل عن عشرين ألف ميغاواط من الطاقة الكهربائية ، يتم إنتاجها من الأجهزة النووية والطاقة النووية. هذا ما عدا المقدار من الطاقة الذي يتم إنتاجه من الأجهزة غير النووية. طبقًا لحسابات متخصصينا وخبرائنا يجب إنتاج عشرين ألف ميغاواط من المفاعلات النووية. وهكذا سار نظام الجمهورية الإسلامية في حركته العلمية والعملية بهذا الاتجاه. وهي عملية مشروعة وصحيحة وعديمة الضرر وعديمة الخطر ولا ضرر ولا خطر فيها على أي شعب وعلى أي بلد. لكن نظام الولايات المتحدة الأمريكية الذي يقلقه التقدم العلمي لهذا الشعب وكل الشعوب الأخرى، ولا يرغب في تقدمها علميًا، ولا يسمح للشعوب بالتقدم، سواء من الناحية العلمية أو من الناحية العملية أو من الناحية الاقتصادية، فرض حظرًا ظالمًا مقابل هذا المسار المشروع والصحيح للجمهورية الإسلامية. توصل مسؤولو البلاد إلى نتيجة أن يتفاوضوا، ويغضوا النظر عن جزء من حقهم من أجل رفع الحظر، وهذا ما فعلوه. واليوم فإن نظام الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من كل العهود والعقود والتعهدات وكل المباحثات الطويلة التي حصلت، يتعامل مع هذه المفاوضات ومع نتيجة المفاوضات تعاملًا ظالمًا ومتغطرسًا ومتعجرفًا بشكل كامل.

1 ــ لتعلم أميركا أن سياسة التسلط لن تنجح مع إيران
ما الذي ينبغي أن يفعله الشعب الإيراني مقابل هذا التعامل العدواني؟ وما الذي ينبغي للمسؤولين أن يفعلوه. يجب على المسؤولين أن يثبتوا لزعماء النظام الفاسد في الولايات المتحدة الأمريكية بأنهم يستندون إلى شعبهم وأنّ هذا الشعب هو شعب قوي مقتدر. يجب أن يثبتوا أن الشعب الإيراني ببركة الإسلام لا يخضع للهيمنة والتسلط ولمنطق القوة ولا يركع أمام القوى العالمية. يجب أن يثبتوا هذا ويظهروه بشكل جلي. يجب أن يعلم الأمريكيون أن شعب إيران سيبقى صامدًا وثابتًا على مواقفه الشريفة المقتدرة، فلا معنى للتراجع في قاموس الجمهورية الإسلامية الإيرانية في القضايا المهمة الخاصة بالمصالح الوطنية للبلاد. سوف نواصل مسيرتنا باقتدار. يجب أن يشعر العدو بهذا. وليعلم أن أسلوب التسلط إن كان يعطي نتيجة في أي مكان في العالم، فإنه لن ينجح وسينهزم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

2 ــ أية حماقة أميركية ستواجه برد مناسب
الجمهورية الإسلامية تقف شامخة مقتدرة، ولأنها ملهمة للشعوب الأخرى فإنَّ العدو يستهدفها أكثر. المسؤولون الفاسدون المُفسدون الكاذبون المخادعون في الولايات المتحدة الأمريكية لا يخجلون ويقفون بوقاحة ويتهمون شعب إيران ونظام الجمهورية الإسلامية في إيران بالكذب. لقد سار الشعب الإيراني بصدق، وعمل بصدق، وتقدم بصدق، واختار طريق الله بصدق، وسوف يمضي في هذا الطريق إلى نهايته بصدق بتوفيق من الله. أنتم الكاذبون، والكاذبون هم زعماء نظام الهيمنة، الكاذبون هم أولئك الذين لا يتحملون رؤية السعادة والفرح عند أي شعب، ويريدون تأمين مصالحهم غير المشروعة بأي ثمن وعلى حساب مصالح الشعوب. هؤلاء هم المخادعون والكاذبون، الشعب الإيراني واقفٌ بصلابة وصمود. وفيما يتعلق بالاتفاق النووي ليعلموا أنَّ أي عمل أحمق من نظام الهيمنة سيُواجه برد فعل مناسب من الجمهورية الإسلامية.

هنا تشعرون بأهمية الأمن في المنطقة. هذا الأمن غير المتوافر في المنطقة متوافرٌ والحمد لله في داخل البلاد. وهذا بفضل مساعيكم وجهادكم أيها الشباب المؤمن ومسؤولو ومديرو القوات المسؤولة عن هذه الأمور. نسأل الله أن يعين ويوفق.

سهم الشرطة في الحدّ من الحوادث المريرة
إحدى القضايا الأساسية هي أن تبحثوا عن النقاط الحساسة ونقاط الضعف وأن تعثروا عليها. لنفترض مثلًا قضية الطرق والشوارع وحوادث السير التي تحدث على الجادات. كم هو دور قوات الشرطة في الحيلولة دون وقوع هذه الحوادث على الطرق؟ يجب دراسة هذا الموضوع. بالطبع فإن هناك عوامل كثيرة وأجهزة متنوعة لها دورها في هذا الموضوع،. كم هو دور قوات الشرطة، وكم هو سهم وزارة المواصلات، والقطاعات الصناعية المتنوعة الأخرى في هذه الحوادث؟ لنعمل على إزالة العوامل المؤدية للحوادث المريرة والمؤلمة من حياة الناس. أو فيما يتعلق بالمحافظة على أمن الحدود أو في مجال تهريب المخدرات، أو على صعيد التعامل مع مستهلكي وموزعي المخدرات، أو في ما يتعلق بمواجهة العصابات والأشرار والمجرمين، هذه الأعمال التي تقوم بها قوات الشرطة والحمد لله باقتدار في مختلف مناطق البلاد وقطاعاتها، ينبغي التقدم فيها بمنتهى الدقة والسرعة وبشكل شامل وبأقصى درجات المتابعة. وعلى المسؤولين المحترمين أن يساعدوا قوات الشرطة في ذلك.

اللهم بمحمد وآل محمد ثبت أقدام هؤلاء الشباب الأعزاء على طريقك.

اللهم بمحمد وآل محمد اشمل هؤلاء الشباب الأعزاء بعونك ولطفك وعنايتك الخاصة.

اللهم اشملهم ومديريهم ومدربيهم وقادتهم والقطاعات المختلفة الأخرى من القوات المسلحة بعناياتك الخاصة.

أرضِ عنهم القلب المقدس لسيدنا الإمام المهدي المنتظر، وأرضِ عنهم أرواح الشهداء الطيبة.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

السبت, 23 أيلول/سبتمبر 2017 06:43

خلود الأطروحة الحسينية

الإحياء العاشورائي
رافدية ذكرى عاشوراء تتمثّل في إحياء حقبة تاريخية عاشها الإمام الحسين(عليه السلام) وما جرى فيها من أحداث، ومن المثمر أن يهتمّ الإنسان لإحياء التاريخ، لا سيّما إذا كان يتعلّق بسيّد شباب أهل الجنّة وباقي الأئمّة(عليهم السلام).
 
تأثير إحياء التاريخ في شخصية الإنسان وهويّته
عموماً إحياء التاريخ وتعايش الإنسان معه له أبعاده في شخصيته وهويّته، حيث إنّه لابدّ أن نفرّق بين حياة الإنسان كروح وعقل وذات حيويّة مدركة من جهة وبين حياة البدن من جهة أُخرى.
 
الفرق بين طبيعة البدن وطبيعة الروح وأحكامهما
الكثير من الناس يخلط بين أحكام البدن وأحكام الروح، البارىء قدّر للروح أن تعيش في نشأة تتجاوز أُفق البدن سواء من جهة البدء أو من جهة الانتهاء; لأنّ طبيعة الروح هي أنّها موجود غريب جدّاً عن البدن ; لأنّها مخلوق ذو أفق كبير واسع، والبدن في تواجده ونموّه واستوائه وتطوّره يعيش هذه الحقبة من العمر ربّما ستّين أو سبعين أو مائة سنة، فهو موجود محدود بوقت معيّن، بينما الروح تبقى ومداها يكون واسعاً جدّاً. والأجيال السابقة مؤثّرة في البدن من ناحية الجينات الوراثية.
 
التاريخ بالنسبة للروح شيء حاضر
الروح شرّفها الله تعالى بشرف خاص وأضافها إلى ذاته، وقد أطلق لفظ الروح على الذات الإلهية المقدّسة فقال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[1]، إنَّ التاريخ بالنسبة للروح ليس تاريخاً، بل شيء حاضر، والمستقبل بالنسبة للروح ليس مستقبلا، بل شيء حاضر، والإنسان يتفاعل مع الشيء الحاضر بصورة مرنة، والروح بالنسبة إلى ما مضى وما سيأتي من خلال إدراكاتها ومواقفها شيء حاضر لديها وليس شيئاً ماضياً.
 
القرآن الكريم يخاطب الروح
والقرآن الكريم لا يخاطب البدن، وإنّما يخاطب الروح، والروح حاضرة في كلّ هذه الخطابات، وترتبط الروح بالأحداث الخارجية عن طريق قناة الإدراك، وهذه القناة كما هي موجودة بين الروح وبين الأحداث الراهنة، هي موجودة أيضاً بين الروح وبين ما مضى على البدن وما سيأتي عليه، فالروح على استواء في التفاعل والإدراك والتعايش والتأثير والتأثّر مع كلّ أحداث العالم الجسماني فيما مضى وفيما سيأتي، وهذا ما يفسّر لنا القاعدة الاعتقادية الفكريّة الشريفة التي تقول: إنَّ الإنسان ملزم بأن يحبّ الصالحين، ويكره وينفر ويتبرّأ ويشجب ويستنكر الظالمين، وأنّ من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حبّ المعروف قلباً، كما أنّ من مراتب النهي عن المنكر كراهة المنكر قلباً، فإن كان المعروف واجباً كان حبّه واجباً وإن كان المنكر حراماً فكرهه يكون واجباً أيضاً، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال في حديث: "يا عطيّة، سمعت حبيبي رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: من أحبّ قوماً حشر معهم، ومن أحبّ عمل قوم أشرك في عملهم"[2].
 
الحبّ والبغض مسؤولية كبيرة
وهذا يفسّر لنا لماذا يتعلّق الحبّ بهذه المرتبة الكبيرة؟ وقد تميّزت مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) بهذه القضية، فلا تجد مذهباً من المذاهب التي تنتمي إلى الديانات السماوية أو من غيرها من الملل والنحل يتحسّس من موضوع الحبّ والبغض كما هو مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فهو مذهب يحثّ على التضامن والمساندة ووحدة الموقف كما هو في المصطلحات الحديثة، أو التولّي كما هو في المصطلح الديني، وفي مقابل ذلك الاستنكار والشجب والإدانة، وبالمصطلح الديني التبرّي، وسواء استخدمنا المصطلح الحديث أم المصطلح الديني فالموقف المطلوب الذي يطلبه أهل البيت(عليهم السلام) من أتباعهم هو موقف واحد يتمثّل في التضامن مع المظلوم والبراءة من الظالم انطلاقاً من مسؤولية الموقف تجاه الظالم والمظلوم.
 
الروح هي المسؤولة عن الحبّ والبغض
والروح هي المسؤولة عن الحبّ والبغض، وما حدث في التاريخ وما سيحدث له أثره الكبير على الروح وتلوين الروح وتشخيص هويّة الروح، فالحوادث التاريخية ليست شيئاً أكل الدهر عليها وشرب، وإنّما هي حوادث حاضرة ومؤثّرة على الروح، وقد يعبّر عن الروح بأنّها حصيلة معلومات، ولا يمكننا أن نتصوّر الروح من غير معلومات.
 
خلود الروح الحسينية
والحسين مخلّد، والخلود هنا هو خلود الروح، يعني خلود الروح والأطروحة الحسينية، فعاشوراء لا زالت حيّة وغضّة وطريّة تربّي الأجيال على قيم الثورة والتحرّر ورفض العبودية.
 
معياريّة الثورة الحسينية
ونستطيع من خلال الثورة الحسينية أن نكتشف الزلاّت والثغرات في الأطروحات المنحرفة، ونستطيع أن نجعل الثورة الحسينية معيار الإصلاح الذي نقيس به أيّ حركة إصلاحية، وعندما يقع الفساد فإنّنا بحاجة إلى رايات الإصلاح، نحن نمتلك برامج ثريّة وغنيّة لا يمكن أن يدخلها الفساد. ونستطيع من خلال الحسين(عليه السلام) أن نسابق البشرية على صعيد حقوق الإنسان، وعلى صعيد السلم البشري.

ومدرسة سيد الشهداء(عليه السلام) فيها ما شاء الله من الكنوز والعطايا، وعندما نتكلّم عن الإحياء العاشورائي فإنّنا لا نقصد بذلك حضور المجالس الحسينية فحسب، بل قراءة الوقائع التاريخية الحسينية وتحليلها وتطبيقها على الواقع من مصاديق الإحياء أيضاً، ونشر هذه الثقافة وتداولها يصبّ في مصبّ الإحياء.
 
* آية الله الشيخ محمد سند - بتصرف

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود برزاني يعبر عن استعداده للحوار الجدي مع بغداد "لكن بعد إجراء الاستفتاء على استقلال الإقليم، ويشير إلى أن البشمركة لن تسمح بأن تقع كردستان بيد "الأعداء"، ورئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم يعتبر أن الكل خاسر في تنازع الإخوة في الوطن الواحد.

عبر رئيس إقليم كردستان العراق مسعود برزاني عن استعداده للحوار الجدي مع بغداد "ولكن بعد إجراء الاستفتاء"، مشيراً إلى أن حكومة الإقليم ليست مستعدة للتفاوض بشأن الخط الأخضر ليكون حداً بين الإقليم وبين العراق، كما ستتفاوض مع حكومة بغداد حول النفط والغاز.

ولفت برزاني في كلمة له خلال تظاهرة مؤيدة للاستفتاء في أربيل إلى أنه بعد عام 2003 اعتقد الكرد أن هناك فرصة لعراق جديد "بعد كل الظلم الذي تعرض له شعب كردستان"، مضيفاً أنه "حتى في الحرب الطاحنة مع داعش كانت بغداد لا تسمح بإيصال طلقة واحدة للبيشمركة دون المرور بها".

وأوضح برزاني أن قرار الاستفتاء اتخذ قبل 7 حزيران/يونيو، لكنهم في الحكومة المركزية كانوا يظنون أنه مجرد ورقة ضغط أو مخرج للخلاص من الأزمات الداخلية، معتبراً أن "الاستفتاء ليس مجازفة والمجازفة أن تترك غيرك يقرر مصيرك"، على حد تعبيره.

ودعا رئيس إقليم كردستان الأكراد للتعبير عن آرائهم في الاستفتاء "وليتعرضوا لعمليات أنفال أخرى"، في إشارة إلى عمليات الإبادة التي شنها ضدهم الرئيس العراقي الأسبق عام 198، وتابع برزاني قائلاً إن "البشمركة لن تسمح أن تقع كردستان بيد الأعداء".

من جهته قال رئيس تيار الحكمة الوطني في العراق السيد عمار الحكيم إن كركوك هي رمز العراق الموحد وأنه يجب ترك الضغائن والثارات، معتبراً أن ليس هناك رابح في تنازع الإخوة في الوطن الواحد.

وتوجه الحكيم في كلمة له إلى أبناء كردستان بالقول "أنتم أبناء العراق وحقكم في هذا الوطن متساو مع حقوق إخوتكم في الوطنية العراقية"، وأضاف "عراقيتنا هي عنوان عزتنا وكرامتنا وهيبتنا".

 كما خاطب الحكيم أبناء المناطق المحررة من داعش في ديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى بالقول "لقد عدتم للعراق وعاد العراق إليكم، وانكسرت شوكة الباطل والإرهاب والتكفير.. تمسكوا بوحدة وطنكم، وأعملوا من أجل مستقبلكم ومستقبل أبنائكم واتركوا وراء ظهوركم الأحقاد والضغائن والثارات، فإنها لا تبني دولةً ولا تنمّي مجتمعاً، ولا تستوفي حقوقاً".

 وتابع الحكيم "إننا نتفهم تماماً الحلم الذي قاتلتم من أجله عشرات السنين وقدمتم عشرات الآلاف من الشهداء، لكننا نحتاج أن نتفق، وأن نضع مصالح شعبنا قبل مصالحنا وأن لا نحسب حركة الشعوب بسنوات عمرنا فنتخذ قرارات مضغوطةً قد تطيح بكثير من الإنجازات".

واعتبر أن سياسة الأزمات لن تؤدي إلا لمزيد من الدمار وفقدان الثقة بين أبناء الوطن الواحد والجغرافية الواحدة، وسيكون الجميع خاسراً.

أهم أهداف الإمام الحسين (عليه السلام)

الإمام الحسين (عليه السلام) لدى خروجه من المدينة كتب وصيته التاريخية لأخيه محمد بن الحنفية والتي قال فيها: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».
فأبو عبد الله (عليه السلام) قد أوصى أخاه محمداً بن الحنفية، مرّتين: الأولى عند خروجه من المدينة، والثانية عند خروجه من مكّة، وأتصوّر أنّ هذه الوصيّة كانت عند خروجه من مكّة في شهر ذي الحجّة ـ فبعد الشهادة بوحدانية الله ورسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و... يقول الإمام (عليه السلام): «وإنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنّما خرجت أريد الإصلاح في أمّة جدّي» أي أريد الثورة لأجل الإصلاح لا للوصول إلى الحكم حتماً أو للشهادة حتماً، والإصلاح ليس بالأمر الهيّن، فقد تكون الظروف بصورة بحيث يصل الإنسان إلى سدّة الحكم ويمسك بزمام السلطة وقد لا يمكنه ذلك ويستشهد، وفي كلتا الحالتين فالثورة تكون لأجل الإصلاح. ثمّ يقول (عليه السلام): «أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي». والإصلاح يتمّ عن هذا الطريق، وهو ما قلنا إنّه مصداق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إنَّ الحسين بن علي (عليه السلام) لم يتوجه إلى كربلاء بهدف القتال؛ فالذي يذهب إلى ميدان القتال لابد له من الجنود؛ ولكن الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) كان قد حمل معه أهل بيته من النساء والأطفال، مما يعني أن حادثة ستقع في ذلك المكان وستدغدغ عواطف البشرية على طول التاريخ حتى تتضح عظمة ما قام به الإمام الحسين.. لقد كان الإمام الحسين يعلم أن أعداءه حقراء وسفهاء، وكان يرى أن الذين جاؤوا لقتاله ليسوا سوى شرذمة من أراذل وأوباش الكوفة طمعاً في الحصول على عطية تافهة وحقيرة هي التي دفعتهم إلى هذا المسلك وارتكاب مثل هذه الجريمة العظمى، وكان يعلم بما سيحلّ بنسائه وأبنائه. فالإمام الحسين لم يكن غافلاً عن كل هذا، ولكنه لم يكن مستعداً للاستسلام والعودة عن قراره، بل كان يحثّ على مواصلة السير مما يدل على أهمية هذا الطريق وعظمة هذا العمل.
لقد وردت عبارة في زيارة أربعين الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) تنطوي على مغزى عميق وهي جديرة بالتأمل والتدبر كسواها من العبارات الكثيرة الواردة في مثل هذه الزيارات والأدعية... وإنها ناظرة إلى أهداف النهضة الحسينية. وهذه العبارة هي «وبذل مهجته فيك». وقد وردت في زيارة الأربعين التي تأتي فقراتها الأولى على صورة دعاء يناجي به المتكلم المولى سبحانه وتعالى فيقول «وبذل مهجته فيك»  أي الحسين بن علي (عليهما السلام) «ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة». فهذا هو أحد جوانب القضية وهو المتعلق بصاحب النهضة أي الحسين بن علي (عليه السلام). وأما الجانب الآخر فيرد في الفقرة التالية التي تقول «وقد توازر عليه من غرّته الدنيا وباع حظه بالأرذل الأدنى» في وصف للواقفين على الجبهة المضادة، وهم الذين غرتهم الدنيا بالمطامع المادية والزخارف والشهوات والأهواء النفسية فباعوا حظهم من السعادة الدنيوية والأخروية بالأرذل الأدنى. وهذه هي خلاصة النهضة الحسينية.

أبعاد حركة الإمام الحسين (عليه السلام)

يدرك المرء أن بإمكانه النظر إلى النهضة الحسينية بمنظارين في الواقع، وكلاهما صحيح، سوى أن مجموعهما يكشف عن الأبعاد العظيمة لهذه النهضة؛ فالنظرة الأولى تكشف عن الحركة الظاهرية للحسين بن علي(ع)، والتي قام بها في مواجهة حكومة فاسدة ومنحرفة وظالمة وقمعية وهي حكومة يزيد. وأما باطن القضية وعمقها فتكشف عنه النظرة الثانية، وهي الحركة الأعظم والأعمق، لأنها ضد جهل الإنسان وضلالته. فمع أن الإمام الحسين قام بمقارعة يزيد في الواقع، إلا أن هذه المقارعة الواسعة التاريخية لم تكن ضد يزيد الفرد الفاني الذي لا يساوي شيئاً، بل كانت ضد جهل الإنسان وانحطاطه وضلالته وذلّه، وهو ما يكافحه الإمام الحسين في الحقيقة.

ونهضة الإمام الحسين لها بعدان آخران يمكن أن يسفر كل منهما عن نتيجة طيبة؛

الأول: أن يستطيع الإمام الحسين (عليه السلام) التغلب على حكومة يزيد واسترداد السلطة من يد أولئك الذين يقمعون الناس ويتلاعبون بمصيرهم ووضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فلو كان قد حدث ذلك لتغيرت مسيرة التاريخ.
وأما الثاني فكان عدم تمكن الإمام الحسين من إحراز هذا النصر السياسي والعسكري لأي سبب من الأسباب، وعندئذ لم يكن أمامه سوى استبدال القول بالدم والمظلومية وتحمّل الخسارة التي لن ينساها التاريخ على مدى الزمان، لتبقى كلمته تياراً جارفاً لا ينقطع إلى أبد الدهر. وهذا هو ما فعله الإمام الحسين.

وفي الحقيقة لو كان الذين يدعون الإمام قد وقفوا موقفاً آخر غير الذي اتخذوه مع الإمام الحسين(ع) لتحقق البعد الأول للثورة ولاستطاع الإمام إصلاح الدنيا والآخرة في ذلك الوقت، ولكنهم قصروا في حقه!
أما لماذا قصروا، وكيف قصروا، فإن ذلك من الأبحاث الطويلة والمريرة، وقد تحدثت عن بعض جوانبه منذ عدة سنوات تحت عنوان (الخواص والعوام)؛ أي من الذين قصروا، وعلى من يقع هذا التقصير، وكيف كان، وأين كان؟ وهو ما لا أريد الخوض فيه مرة أخرى.. وعلى هذا الأساس فقد وقع التقصير من البعض وهو ما حال دون تحقق الهدف الأول، بينما تحقق الهدف الثاني، وهو ما لم يكن بوسع أية قوة كانت سلبه من الإمام الحسين(ع)، حيث إن قوة التوجه إلى ميدان الشهادة، والتضحية بالنفس والأعزة، هو ذلك الحدث العظيم الذي تضاءلت وتلاشت أمام عظمته قوة العدو وجبروته، وهو الذي يمنح الشمس المزيد من الازدهار والتألّق يوماً بعد آخر في عالم الإسلام ويحيط بكل البشرية.

خصائص واقعة كربلاء
علينا الإمعان والتأمّل قليلاً في قضية الإمام الحسين(عليه السلام).
لقد ثار الكثيرون في العالم وقتلوا وكان لهم قادة، وكان بينهم الكثير من أبناء الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، لكن سيد الشهداء (عليه السلام) فرد واحد، وواقعة كربلاء فريدة في نوعها، ومكانة شهداء كربلاء منحصرة بهم، لماذا؟
يجب البحث عن الإجابة فـي طبيـعة هـذه الواقعة لتكون لنا  درساً.
إن إحدى خصائص هذه الواقعة هي أنَّ خروج الإمام الحسين(عليه السلام) كان خالصاً للّه، ولإصلاح المجتمع الإسلامي، وهذه خصيصة هامّة.. فعندما يقول الإمام (عليه السلام): «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً» فمعناه أن ثورتي لم تكن للرياء والغرور وليست فيها ذرّة من الظلم والفساد، بل «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي» أي أن هدفي هو الإصلاح فقط ولا غير.
إن القرآن الكريم حينـما يخـاطب المسلمـين في صدر الإسلام يقول: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس} ، وهنا الإمام (عليه السلام) يقول: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً». تأمّلوا جيداً، فهنا نهجان وخطّان.. القرآن يقول لا تكونوا مثل الذين خرجوا «بطراً» أي غروراً وتكبّراً، ولا أثر للإخلاص في تحرّكهم، وإنّما المطروح في هذا المنهج الفاسد هو «الأنا» و«الذات»، و«رئاء الناس»، أي انّه تزيَّنَ ولبس الحلي وامتطى جواداً غالياً وخرج من مكّة وهو يرتجز، إلى أين؟ إلى الحرب، التي يهلك فيها أمثال هؤلاء أيضاً، فهذا خطّ .

وهناك خطّ ونهج آخر ومثاله ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، والتي لا وجود للـ«أنا» وللـ«ذات» والمصالح الشخصية والقومية والحزبية فيها أبداً، إذاً هذه أول خصّيصة من خصائص ثورة الحسين بن علي (عليه السلام).

فكلّما ازداد الإخلاص في أعمالنا كلّما ازدادت قيمتها، وكلّما ابتعدنا عن الإخلاص كلّما اقتربنا من الغرور والرياء والعمل للمصالح الشخصية والقومية، وكلّما ازدادت الشوائب في الشيء كلّما أسرع في الفساد، فلو كان نقيّاً وخالصاً لما فسد أبداً.

وإنْ أردنا إعطاء مثال بالأمور المحسوسة، نقول: إذا كان الذهب خالصاً ونقياً فلا يقبل الفساد والصدأ أبداً، وإنْ كان مخلوطاً بالنحاس والحديد وبقية المواد الرخيصة الثمن، احتمل الفساد أكثر، فهذا في المادّيات.. أمّا في المعنويات فانّ هذه المعادلة أكثر دقّة، إنما نحن لا نفهمها بسبب نظرتنا المادية، لكن يدركها أهل الفن والبصيرة، وانّ اللّه تعالى هو الناقد في هذه الواقعة، «فانّ الناقد بصير»، فوجود شائبة بمقدار رأس إبرة في العمل يقلّل من قيمة العمل بالمقدار نفسه، وحركة الإمام الحسين (عليه السلام) من الأعمال التي ليست فيها شائبة ولو بمقدار رأس إبرة، لذا هو باقٍ إلى الآن وسيبقى خالداً إلى الأبد.
فمن توقّع خلود اسم وذكر أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) وأنصاره في التاريخ؟ أولئك الذين قُتِلوا غرباء في تلك الصحراء وحيث دفنوا فيها رغم كلّ الإعلام المعادي في ذلك الوقت، وكيف أنهم أحرقوا المدينة بعد استشهاد هذا العظيم بسنة في واقعة الحرّة، أي أنهم نتفوا الورود بعد أن خرّبوا الروضة، فمن توقّع أن يفوح عطرها؟ وبأيّة قاعدة مادّية يُتصور بقاء وردة في هذه الروضة؟ لكن تلاحظون انّه كلما مرّ الزمان عليها كلّما أصبحت تلك الروضة أكثر عطراً.

فهناك أناس لا يعتقدون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو جدّ الحسين (عليه السلام) والحسين سائر على نهجه، ولا يعتقدون بأبيه علي (عليه السلام) ولا يؤمنون بحرب الحسين (عليه السلام)، لكنهم يقبلون الحسين (عليه السلام) ويعظّمونه، فهذا هو الخلوص.
وفي ثورتنا العظيمة كان الإخلاص سبباً لبقائها، ذلك الجوهر الخالص الذي كان الإمام مظهره. ارجعوا إلى تلك الذكريات وتلك التضحيات في سوح الحرب، ذلك الحر المهلك في الصحاري والبراري، ذلك الشتاء القارس في الجبال، ذلك الرعب والخوف والخطر المستمر في سوح القتال، تلك المحاصرة، قلة القوات التي كنّا نتحمّس كثيراً لإعداد عدد قليل منها، عدم امتلاك الأسلحة حيث كنا نركض وراء مسدس أو قذيفة.. تذكّروا كلّ هذا واستشعروا تلك الأيام، لتدركوا لماذا كانت كلّ هذه المؤامرات ضدّ الثورة؟ ولماذا تستمر إلى الآن؟ لكن بقيت هذه الشجرة راسخة.

إن هذا الجوهر (الإخلاص) هو الذي حفظها، إن إخلاص الإمام الخميني (رض) والشعب خاصة إخلاص أولئك المقاتلين في سوح القتال... هو الذي حفظ الثورة ودعم استمرارها، إذاً هذه نقطة يجب الاهتمام بها دائماً، وأنا أحوج من غيري إلى هذا الاهتمام.
إن النقطة الأخرى في ثورة الحسين (عليه السلام) ـ وهي مهمة أيضاً ـ وهذه النقطة وإنْ كانت ترجع إلى قوة الإخلاص، لكنها في نفسها مهمة نظراً لوضعنا اليوم.. هي غربة الحسين (عليه السلام)، فلا يوجد في أيّة واقعة من الوقائع الدامية في صدر الإسلام غربة ووحدة كما في واقعة كربلاء، فمن رغب فليتأمل في تاريخ الإسلام.
إنني أمعنت جيداً فلم أجد واقعة كواقعة كربلاء.. ففي حوادث صدر الإسلام وغزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحروب أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت حكومة ودولة وجنود يشاركون في الحرب، ومن ورائهم أدعية الأمهات، آمال الأخوات، تقدير الحضور وتشجيع القيادة العظيمة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لأمير المؤمنين (عليه السلام)، كانوا يضحّون بأنفسهم أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا ليس صعباً.
فكم من شبابنا قدّموا أرواحهم لدى سماعهم نداءاً من الإمام الخميني، وكم منّا من يأمل في إشارة من الولي الغائب (عج) لنضحّي بأنفسنا.. فعندما يرى الإنسان القائد بعينه ويشاهد تقدير وثناء من خلفه ويعلم انه يقاتل ليهزم العدو ويأمل بالنصر، فإنّه يقاتل براحة أكبر، وهكذا حرب ليست صعبة، طبعاً هناك حوادث في التاريخ فيها الغربة نسبياً كحوادث أبناء الأئمة والحسنيّون في عصر الأئمة عليهم السلام، لكن هؤلاء كانوا يعملون في ظلّ إمام كالإمام الصادق (عليه السلام)، والإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، والإمام الثامن (عليه السلام)، وقائدهم وسيّدهم حاضر يسندهم ويتفقّد عيالهم، فكان الإمام الصادق(عليه السلام) يأمرهم بقتال الحكام الفسدة ويقول «وعليّ نفقة عياله» وكان المجتمع الشيعي ظهراً لهم، وبالنهاية كان لهم أمل خلف ساحات الحرب، لكن في واقعة كربلاء، فانّ أس القضية ولب لُباب الإسلام المقبول من الجميع أي الإمام الحسين (عليه السلام) في ميدان الحرب، ويعلم هو وأصحابه انه سيستشهد ولا أمل له في أي أحد في هذا العالم الواسع وهو غريب ووحيد. ومن "رجالات الإسلام" ذلك اليوم من لا يغتمّ لقتل الحسين (عليه السلام) بل يعتبر وجوده مضراً بحاله، ومنهم من لا يبالي بالقضية وإن حزن لقتله (عليه السلام) (كعبد اللّه بن جعفر وعبد اللّه بن عباس وأمثالهم).
فلم يكن للإمام (عليه السلام) أدنى أمل بمن هم خارج ميدان القتال المليء بالمحن، فما كان موجوداً فهو في ميدان القتال فقط. والأمل مقتصر على هذا الجمع، والجمع مسلّم للشهادة، وبعد الاستشهاد لا يقام لهم مجلس فاتحة حسب الموازين الظاهرية، فيزيد متسلّط على كلّ شيء، وتُساق نسائهم أسرى ولا يُرْحَم أطفالهم «لا يوم كيومك يا أبا عبد اللّه» فلولا الإيمان والإخلاص والنور الإلهي في قلب الحسين ابن علي (عليهما السلام) والذي بعث الحرارة في قلوب الصفوة المؤمنة حوله لما تحقّقت تلك الواقعة، فانظروا إلى عظمة هذه الواقعة.

منـزلة شهداء واقعة كربلاء

يمكن مقارنة شهدائنا بشهداء بدر وحنين واُحد وشهداء صفين والجمل، بل شهدائنا أرفع منـزلة من كثير من هؤلاء الشهداء، لكن بشهداء كربلاء، فلا..
فلا يقارن أحد بشهداء كربلاء، لا اليوم ولا في الماضي، لا في صدر الإسلام ولا أبداً إلى أن يشاء اللّه.. إنّ هؤلاء هم صفوة الشهداء، فلا نظير لعلي الأكبر ولحبيب بن مُظاهر. فهذه واقعة كربلاء وهذه هي القاعدة الراسخة والمتينة التي حفظت الإسلام على مدى ألف وثلاثمائة وعدّة سنوات رغم كلّ العداء له.. فهل تتصورون أن الإسلام يبقى لولا تلك الشهادة وذلك اليوم وتلك الواقعة العظمي؟
تيقّنوا بمحو الإسلام في أتون الأحداث، نعم قد يبقى العنوان كدين تاريخي مع عدد قليل من الأتباع في زاوية من زوايا العالم، وقد يبقى اسم وذكر للإسلام لكن تمحى حقيقته.. انظروا إلى الإسلام في هذا العصر كيف انّه حيّ وبنّاء.. وكيف تتفاءل الشعوب بأنواره الساطعة بعد(1400) سنة، وكلّ هذا من بركات واقعة كربلاء ومن استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام).

عزّة وشموخ الإمام الحسين (عليه السلام)
إن سلوك الإمام الحسين منذ خروجه من المدينة وحتى يوم استشهاده في كربلاء كان منطوياً على المعنويات والعزة والشموخ وفي نفس الوقت مغموراً بالعبودية والتسليم المطلق لأمر الله، وهكذا كان دائماً وفي كل المراحل.
ففي ذلك اليوم الذي جاءته مئات وربما آلاف الرسائل تحمل نداء القائلين بأنهم شيعته وأنصاره وأنهم في الكوفة والعراق بانتظار وصوله، فإنه لم يصب بالغرور. وعندما قال «خطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة» فإنه كان يتحدث عن الموت ولم يهدد الأعداء وينذرهم بالويل والثبور، كما أنه لم يقم بترغيب أصحابه ولم يقم بتقسيم مناصب الكوفة بينهم.
لقد كانت حركته حركة إسلامية مفعمة بالعلم والمعرفة والعبودية والتواضع في ذلك اليوم الذي مد فيه الجميع إليه أيديهم وأظهروا له الود والإخلاص. وحتى في كربلاء عندما حاصره ثلاثون ألفاً من الأراذل والأوباش مع أصحابه الذين لم يبلغوا المائة وهددوه هو ومن معه من أعزائه بالموت، كما هددوا نساءه وحرمه بالأسر، فإن هذا الرجل الإلهي والعبد الرباني العزيز في الإسلام لم تبد عليه ذرة من الاضطراب.
يقول ذلك الراوي الذي ينقل أحداث يوم عاشوراء التي تناقلتها الألسن والكتب «فو الله ما رأيت مكسوراً أربط جأشاً من الحسين». فالإنسان يلتقي الكثيرين في ميادين الحرب المختلفة وفي الساحات الاجتماعية والعرصات السياسية وسواها من المجالات الأخرى التي تضم ذوي الابتلاءات المختلفة؛ ولكن الراوي يحكي عن عدم مشاهدته لأحد مثل الحسين بن علي في موقفه هذا، حيث نـزلت عليه شتى المصائب، غير أنه واجهها بوجه مستبشر قاطع، مما يدل على قوة العزيمة ورسوخ الإرادة والتوكل على الله.. فهذه هي العزة الإلهية، وهذا هو الموقف الذي خطّه الإمام الحسين في سجل التاريخ.

إن الحسين (عليه السلام) مصباح الهدى وسفينة النجاة
لقد قيل الكثير عن نهضة هذا العظيم، لكنّ الإنسان كلّما فكّر وتدبّر في هذا الموضوع، كلّما اتّسع مجال التفكير والبحث والتحقيق والمطالعة عنده، فقد بقي الكثير ممّا لم يقال عن هذه الحادثة العظيمة والعجيبة الّتي لا نظير لها. فعلينا أن نتدبّر ونتفكّر فيه ثمّ نقوله للآخرين.
لو نظرنا الحادثة منذ أن خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المدينة وتوجّه نحو مكّة إلى أن استُشهد في كربلاء، لأمكننا أن نقول إنّ الإنسان يستطيع عدّ مائة درس مهمّ في هذا التحرّك الّذي استمرّ شهراً فقط. ولا أودّ القول آلاف الدروس وإن أمكن قول ذلك حيث تعتبر كلّ إشارة من ذلك الإمام العظيم درساً، لكن عندما نقول مائة درس أي لو أردنا أن ندقّق في هذه الأعمال لأمكننا استقصاء مائة عنوان وفصل، وكلّ فصل يعتبر درساً لأمة وتاريخ وبلد ولتربية النفس وإدارة المجتمع وللتقرّب إلى الله.
هكذا هو الحسين بن علي (أرواحنا فداه وفداء اسمه وذكره) كالشمس الساطعة بين القديسين، أي إن كان الأنبياء والأئمّة والشهداء والصالحين كالأقمار والأنجم، فالحسين (عليه السلام) كالشمس الطالعة بينهم.
وإلى جانب المائة درس هذه، هناك درس رئيسي في هذا التحرّك، سأسعى لتوضيحه لكم وهو لماذا ثار الحسين(عليه السلام)؟ لماذا ثرت يا حسين رغم كونك شخصيّة لها احترامها في المدينة ومكّة، ولك شيعتك في اليمن، إذهب إلى مكان لا عليك بيزيد ولا ليزيد عليك شيء، تعيش وتعبد الله وتبلِّغ؟
هذا هو السؤال والدرس الرئيسي، ولا نقول إنّ أحداً لم يشر إلى هذا الأمر من قبل، فقد حقّقوا وتحدّثوا كثيراً في هذه القضيّة، وما نودّ قوله اليوم ـ وفي رأيي ـ هو استنتاج جامع ورؤية جديدة للقضيّة.
إنّ البعض يقول: إنّ هدف ثورة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) هو إسقاط حكومة يزيد الفاسدة وإقامة حكومة بدلها.
هذا القول شبه صحيح وليس خطأ، لأنّه لو كان القصد من هذا الكلام هو أنّ الحسين(عليه السلام) ثار لأجل إقامة حكومة وعندما يرى عدم إمكانيّة ذلك، يقول لم نتمكّن من ذلك، فلنرجع.

إنّ من يثور لأجل إقامة حكومة، سيستمرّ مادام يرى إمكانية ذلك، فإن احتمل عدم الإمكان أو عدم وجود احتمال عقلائي، فوظيفته أن يرجع. فالّذي يقول إنّ هدف الإمام (عليه السلام) من هذه الثورة هو إقامة الحكومة العلويّة الحقّة، فهذا غير صحيح؛ لأنّ مجموع هذا التحرّك لا يدلّ على ذلك. وسأبين ذلك لاحقاً.
والبعض على العكس من ذلك، قالوا: ما الحكومة؟ إنّ الحسين كان يعلم بعدم تمكّنه من إقامة الحكومة، إنّه جاء لأجل أن يقتل ويستشهد.. لقد شاع هذا الكلام على الألسن كثيراً فترةً من الزمن، وكان البعض يصنع ذلك بتعابير جميلة، ثمّ رأيت أنّ بعض كبار العلماء قد قالوا ذلك أيضاً، فهذا لا يعتبر كلاماً جديداً وهو أنّ الإمام (عليه السلام) ثار لأجل أن يستشهد، لأنّه رأى أنّه لا يمكنه عمل شيء بالبقاء، فقال يجب أن أعمل شيئاً بالشهادة.
هذا الرأي أيضاً لا يوجد في المصادر الشرعيّة الإسلاميّة ما يؤّيد حجّة إلقاء الإنسان نفسه للقتل. إنّ الشهادة الّتي نعرفها في الشرع المقدّس والآيات والروايات معناها أن يتحرّك الإنسان ويستقبل الموت لأجل هدف مقدّس واجب أو راجح، هذه هي الشهادة الإسلاميّة الصحيحة. أمّا أن يتحرّك الإنسان لأجل أن يقتل فلا، إذن هذا الأمر وإن كان فيه جانباً من الحقيقة لكن لم يكن هدف الحسين (عليه السلام).
إذن ـ باختصار ـ لا يمكننا القول: إنّ الحسين (عليه السلام) ثار لأجل إقامة الحكومة، ولا أن نقول: إنّه ثار لأجل أن يستشهد. وإنّني أتصوّر أنّ القائلين بأنّ الهدف هو الحكومة أو الهدف هو الشهادة قد خلطوا بين الهدف والنتيجة. فالهدف لم يكن ذلك، بل كان للإمام الحسين (عليه السلام) هدف آخر، كان الوصول إليه يتطلّب طريقاً وحركة تنتهي بإحدى النتيجتين: الحكومة أو الشهادة، وكان الإمام مستعدّاً لكلتا النتيجتين، فقد أعدّ مقدّمات الحكم وكذا مقدّمات الشهادة، فإذا تحقّق أيّ منهما، كان صحيحاً، لكن لم يكن أيّ منهما هدفاً، بل كانا نتيجتين.
إذن ما هو الهدف؟ أقول باختصار ثم أبداً بتوضيحه قليلاً.
لو أردنا بيان هدف الإمام الحسين (عليه السلام)، فينبغي أن نقول هكذا: إنّ هدف ذلك العظيم كان أداء واجب عظيم من واجبات الدين لم يؤّده أحد قبله، لا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، واجب يحتلّ مكاناً مهمّاً في البناء العام للنظام الفكري والقيمي والعملي للإسلام. ورغم أنّ هذا الواجب مهمّ وأساسي، لكنّه لماذا لم يُقَمْ بهذا الواجب حتّى عهد الإمام الحسين (عليه السلام)؟ كان ينبغي على الإمام الحسين (عليه السلام) القيام بهذا الواجب ليكون درساً على مرّ التاريخ، مثلما أنّ تأسيس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحكومة الإسلاميّة أصبح درساً على مرّ تاريخ الإسلام، ومثلما أصبح جهاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سبيل الله درساً على مرّ تاريخ المسلمين وتاريخ البشريّة إلى الأبد. فكان ينبغي أن يُودّي الإمام الحسين (عليه السلام) هذا الواجب ليصبح درساً عمليّاً للمسلمين على مرّ التاريخ.
ولماذا قام الإمام الحسين (عليه السلام) بهذا الواجب؟ لأنّ أرضية هذا العمل قد مُهِّدت في زمن الإمام الحسين (عليه السلام)، فلو لم تمهّد هذه الأرضيّة في زمن الإمام الحسين (عليه السلام)، كأن مُهّدت ـ وعلى سبيل المثال ـ في زمن الإمام علي الهادي (عليه السلام) لقام الإمام علي الهادي (عليه السلام) بهذا الواجب، لصار هو ذبيح الإسلام العظيم، ولو حدث ذلك في زمن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) لقام به، أو حدث في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) لقام به الإمام الصادق (عليه السلام)، لكنّ لم يحدث ذلك في زمن الأئمّة حتّى عصر الغيبة إلاّ في عصر الإمام الحسين (عليه السلام).
إذن كان الهدف أداء هذا الواجب، فعندها تكون نتيجة أداء الواجب أحد الأمرين إمّا الوصول إلى الحكم والسلطة وكان الإمام الحسين (عليه السلام) مستعدّاً لذلك؛ ليعود المجتمع كما كان عليه في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، أو يصل إلى الشهادة وكان الإمام الحسين مستعدّاً لها أيضاً.
فإنّ الله قد خلق الحسين والأئمة بحيث يتحمّلون مثل هذه الشهادة لمثل لهذا الأمر، وقد تحمّل الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك.. وهذا خلاصة الأمر.

وأمّا توضيح ذلك:
انظروا أيّها الإخوة والأخوات، إنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بعث، أتى بمجموعة من الأحكام، بعضها فرديّة لإصلاح الفرد، وبعضها اجتماعية لبناء المجتمعات البشريّة وإدارة الحياة البشريّة. هذه المجموعة من الأحكام يقال لها النظام الإسلامي.
فعندما نـزل الإسلام على القلب المقدّس للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجاء بالصلاة والصوم والزكاة والإنفاقات والحجّ والأحكام الأسرية والعلاقات الفرديّة، ثمّ جاء بالجهاد في سبيل الله وإقامة الحكومة والنظام الاقتصادي وعلاقات الحاكم بالرعيّة ووظائف الرعية تجاه الحاكم. هذه المجموعة من الأحكام عرضها الإسلام على البشر، وبيّنها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويبعدكم من النار إلاّ وقد أمرتكم به». ولم يبيّن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ ما يسعد الإنسان والمجتمع الإنساني فحسب، بل طبّقها وعمل بها، فقد أقام الحكومة الإسلاميّة والمجتمع الإسلامي، وطبّق الاقتصاد الإسلامي، وأقيم الجهاد واستحصلت الزكاة، فشيّد نظاماً إسلاميّاً وأصبح النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفته من بعده معمار وقائد هذا النظام.
كان الطريق واضحاً وبيّناً، فوجب على الفرد وعلى المجتمع الإسلامي أن يسير في هذا الطريق وعلى هذا النهج، فإن كان كذلك بلغ الناس الكمال، أصبحوا صالحين كالملائكة، وذهب الظلم والشرّ والفساد والفرقة والفقر والجهل بين الناس، ووصل الناس إلى السعادة الكاملة ليصبحوا عباد الله الكُمّل.
حسناً، يبقى ـ هنا ـ سؤال وهو: لو قامت يد أو حادثة القطار الّذي وضعه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على سكته، فما هو التكليف؟.. لو انحرف المجتمع الإسلامي وبلغ الانحراف درجةً بحيث يخاف معه انحراف أصل الإسلام والمبادئ الإسلاميّة ـ لأنّ الانحراف على قسمين، فتارة ينحرف الناس، وهذا ما يقع كثيراً، لكن تبقى أحكام الإسلام سليمة، وتارة ينحرف الناس ويفسد الحكّام والعلماء ومبلّغو الدِّين، فيحرّفوا القرآن والحقائق، وتبدّل الحسنات سيّئات والسيّئات حسنات، ويصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ويحرَّف الإسلام 180 درجة ـ فلو اُبتلي النظام والمجتمع الإسلامي بمثل هذا الأمر، فما هو التكليف حينئذ؟
لقد بيّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحدّد القرآن التكليف ﴿من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾. إضافة إلى آيات وروايات كثيرة أخرى.

لكن هل تمكّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من العمل بهذا الحكم الإلهي؟ كلاّ، لأنّ هذا الحكم الإسلامي يُطبّق في عصر ينحرف فيه المجتمع الإسلامي ويبلغ حدّاً يخاف فيه من ضياع أصل الإسلام، والمجتمع الإسلامي لم ينحرف في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم ينحرف في عهد أمير المؤمنين بتلك الصورة، وكذا في عهد الإمام الحسن (عليه السلام) عندما كان معاوية على رأس السلطة، وإن ظهرت الكثير من علائم ذلك الانحراف، لكنّه لم يبلغ الحدّ الّذي يخاف فيه على أصل الإسلام.. نعم، يمكن أن يقال إنّه بلغ في برهة من الزمن الحدّ، لكن في تلك الفترة لم تتاح الفرصة ولم يكن الوقت مناسباً للقيام بهذا الأمر.
إنّ هذا الحكم الّذي يعتبر من الأحكام الإسلاميّة لا يقلّ أهمّية عن الحكومة ذاتها، لأنّ الحكومة تعني إدارة المجتمع، فلو انحرف المجتمع وفسد، وتعطّل الحكم الإلهي، ولم يوجد عندنا حكم وجوب تغيير الوضع وتجديد الحياة أو بتعبير اليوم (الثورة)، فما الفائدة في الحكومة في الإسلام. فالحكم الّذي يرتبط بإرجاع المجتمع المنحرف إلى الخطّ الصحيح لا يقلّ أهمّية عن الحكومة ذاتها، ويمكن أن يقال إنّه أكثر أهمّية من جهاد الكفّار ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الطبيعيين في المجتمع الإسلامي، بل وحتّى من العبادات الإلهيّة العظيمة كالحج. لماذا؟ لأنّ هذا الحكم ـ في الحقيقة ـ يضمن إحياء الإسلام بعد أن أشرف على الموت أو مات وانتهى.. حسناً، مَنْ الّذي يجب عليه أداء هذا الحكم وهذا التكليف؟

خلود واقعة كربلاء
بلغ الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه ـ الذين نلطم على صدورنا ونبكي لأجلهم ونحبّهم أكثر من أبنائنا ـ قمة الغربة، وكانت نتيجة ثورته بقاء وحيوية الإسلام الى اليوم.. إذاً واقعة كربلاء حيّة وباقية ليس في قطعة من الأرض صغيرة فقط، وإنّما في مساحة مترامية الأطراف من محيط الحياة البشرية.

إنّ كربلاء موجودة في كلّ شيء؛ في الأدب، في الثقافة، في السنن والآثار، في الاعتقادات، في القلوب.

الأربعاء, 20 أيلول/سبتمبر 2017 10:18

ليس خبراً عابراً

 

لعلّ أحد أهم الدروس التي تعلمناها خلال هذه الحرب على سوريا، هو دور الإعلام في عرض الأخبار، وإدارة المعارك على الشاشات بعيداً عن الواقع، بهدف التأثير في نفوس البشر وعقولهم سلباً أو إيجاباً. فقد تمّ اعتماد استراتيجيات وخطط إعلامية، ووضعت لها ميزانيات سخية، وخطط تنفيذية مدروسة، ومتابعة من قبل خبراء ومتخصصين. واكتشفنا بعد معاناة وألم وتضحيات أن فكرة الإعلام الحرّ ما هي إلا وهمٌ يقطن أذهان المستهدَفين منه فقط، أما القائمون على إنشاء وسائل الإعلام وتمويلها وتنفيذها فهم يتقنون استخدامها كأداة من أدواتهم في السيطرة على البشر والحجر، ونهب الشعوب، وشن الحروب عليها باستخدام المرتزقة والخونة والعملاء. ولعلّ المطلوب اليوم وقفة جريئة لإعادة النظر في كلّ حساباتنا ومفاهيمنا بعد أن تمكّن المقاومون والمجاهدون الصابرون من تغيير الواقع الميداني بشكل شبه جذري. المفارقة اليوم هي أن الموقف من الأخبار وطريقة التعامل معها لاتزال  تنتمي إلى مرحلة ما قبل الحرب، وكأن الدروس التي تعلمناها خلال الحرب قد أُفُلت مع أفولِها.

 ذلك لأنّ المفروض اليوم أن هذه الانتصارات الميدانيّة لأصحاب الارض والحقّ وهذه الهزيمة الساحقة للإرهابيين وكلّ من يقف وراءهم، من المفروض أن تُحدث هذه الانتصارات مراجعة عميقة وشاملة لطريقة تعاملنا مع الخبر؛ أي خبر له علاقة بوجودنا ومصيرنا ومعاركنا المستمرة من أجل البقاء والاستمرار على أرضنا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهرت أخبار مؤكدة قُبيل معارك تحرير دير الزور وخلالها ولاسيما بعد الانتصار في تحرير القلمون وهزيمة الإرهابيين كلياً هناك، ظهرت أخبار أن حوامات أميركية تلتقط قادة الارهابيين من مناطق مختلفة على الأرض السورية لتنقذهم من القتل أو الأسر، وأن التعليمات قد صدرت لأعداد منهم بأن يتجمعوا في مناطق معينة من أجل تسهيل عملية إنقاذهم ونقلهم في المروحيات الأميركية إلى مأمنهم، ومرّ هذا  الخبر مروراً عابراً  في الأخبارمن دون أن يتم التوقف عنده ملياً كما يجب، والبحث في أهميته والبناء عليه في تحليل أحداث الماضي ومحاولة استشراف آفاق المستقبل. بل إنّ مثل هذا الخبر لم يغيّر حتى من طبيعة الأسئلة الساذجة التي تُطرح أحياناً متى تبدأ المعركة الكبرى باتجاه العدو الصهيوني، ومتى ستردّون على اعتداءات وضربات إسرائيل على أرضكم؟ مثل هذا الخبر عن إنقاذ قادة داعش يجب أن يطرح تساؤلات عديدة ويجيب في الوقت ذاته على أسئلة عدّة كانت تفرض نفسها طوال  هذه الحرب. ضمن هذه الأسئلة من هي الجهة أو الجهات التي خطّطت لكلّ هذه الحرب الإجرامية التي شنّت علينا؟ ومن هم الذين يقودون فعلاً كلّ هذه المعارك والجرائم الإرهابية على امتداد الأرض السورية؟ أما الرعاع المنفذون فهم حطب حرب من المرتزقة، وهم من حثالات الأرض التي لفظتها المجتمعات والحياة الطبيعية في أكثر من مكان، فوجدت في العمل المرتزق منفذاً لها.

 لقد برهنت عمليات إنقاذ قادة الارهابيين أن هؤلاء القادة المجرمين معروفون لدى السيّد الأميركي ولا شك في أنّ الكيان الصهيوني ضليع في انتقائهم وتدريبهم ومتابعة إجرامهم أو هم من ضباطه المستعربين، لذلك لا يجوز اليوم السؤال متى ستكون المعركة ضد العدو الصهيوني لأنّ كلّ هذه المعارك هي ضدّ العدو الصهيوني وضدّ خططه ومشاريعه في المنطقة وكلّ هذه الانتصارات اليوم من حلب، إلى القلمون، إلى دير الزور هي انتصارات على العدوّ الصهيوني الذي خطّط شن هذه الحرب الارهابية بهدف زرع أدواته في سوريا ولبنان والعراق من أجل استكمال مشروع إسرائيل الكبرى. والقراءة الثانية أو المكمّلة لعملية الإنقاد هذه هي أننا يجب أن ننتظر أين  ستظهر مشاريعهم الداعشية المستقبلية وأين سوف يستخدم قادة الإرهاب هؤلاء لمحاولة تطويع شعب  أو بلد، ونهب ثروات شعب آخر،  أو زعزعة استقرار ثالث، يقف في طريق فرض هيمنتهم على بقع جغرافية مختلفة، فهل سيتم نقل بعض هؤلاء القادة إلى الفيلبين أو ميانمار أو ليبيا أو سيناء أو اليمن أو الاحتفاظ ببعضهم في أوروبا من أجل حدث هنا وآخر هناك يخدم أهدافاً سياسية أكبر أو يحتفظ بهم الأميركيون في المستودع الأفغاني لحين الطلب؟.

 

وبالقياس على هذه الجزئية من أخبار الحرب في سورية يمكن لنا أن نقرأ أيضاً الخطط الأميركية المتعلقة "بقوات سورية الديمقراطية" وكيف تمكّنوا من تحريك هذه القوات عبر مناطق كانت تعتبر حصناً منيعاً لداعش من دون أن يتم إطلاق طلقة واحدة، تماماً كما تم استلام البيشمركة سنجار وتلعفر في العراق من داعش دون معارك أو إطلاق نار، بل من خلال اختفاء الدواعش وعدم إيجاد أثر لهم بعد إعلان بدء المعارك، وما حصل تماماً في مرقده ومناطق أخرى من محافظة دير الزور منذ أيام. ومثل هذه الأخبار ليست أخباراً عادية بل هي أحداث سياسية وعسكرية وتاريخية تتم عبر خطط ولا بد من فهم مدلولاتها والبناء على هذه المدلولات. ففي هذه الحال نكتشف أن الدواعش و"قوات سورية الديقراطية" مجرّد مرتزقة يتحركون بأوامر أميركية ويتجهون حيث يُؤمرون، وهذا  يعني أن المشاريع التي تطرح اليوم من قبل هذا الفريق أو ذاك من فدرلة إلى تقسيم إلى كيان إثني هي مشاريع يُخطّط لها وُيشرف على تنفيذها السيد الأميركي بهدف إضعاف سورية خدمة لإسرائيل ولا يشفع لها أنه اختار أدواته من أبناء جلدتنا أو ممن يدعون الحق في التصرف في التاريخ والجغرافيا لأنهم يعيشون في المكان.

القراءة المعمّقة لهذه الأخبار والأحداث، تمنحنا صفاء  في الرؤية وثباتاً في الرأي وقناعة راسخة بالسير في الوجهة التي تقوّض مخططات أعدائنا والطامعين في أرضنا وثرواتنا بغض النظر عن تشكيلة أدواتهم، أو أسماء عصاباتهم الإرهابية، إلى أن تبسط الدول إرادتها وسلطتها على كامل ترابها المستقل، وتتعاون بكلّ حرية وجرأة مع كل من يشترك معها في الثوابت والأهداف من أشقاء وأصدقاء وحلفاء، وبهذا ندفن وإلى الأبد أبواق من يستهدفُنا، ونلغي وجودها وتأثيرها في معاركنا القادمة.

الأربعاء, 20 أيلول/سبتمبر 2017 10:16

لماذا يغامر برزاني بالانفصال والحرب؟

إصرار مسعود برزاني على الانفصال، ظناً بأن الظرف مؤاتي لغمار حروب بالوكالة مع المحيط. لكن المغامرة إذا لم تكن مناورة لتحسن مواقعه في الحوار مع بغداد، قد تنفجر في أربيل.

في مجرى الأحداث المتعلّقة بالاستفتاء على الانفصال عن العراق، تبدو مجمل الدول المعنية بشؤون المنطقة رافضة أو متحفظة على التوقيت. وتبدو اسرائيل الوحيدة المؤيدة لإعلان الانفصال بل هي تدعو إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول على أساس عرقي ومذهبي لأن العراق كان دوماً في نظر اسرائيل هو خزان دول الطوق بحسب أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي.

الدعم الاسرائيلي للانفصال عن العراق، قد لايكون فحسب نتيجة العلاقات الوطيدة مع أربيل منذ زمن طويل قبل ولادة الإقليم. بل لعله مؤشر على دعم حلفاء اسرائيل وشركائها غير المعلن للانفصال وتقسيم العراق ودول المنطقة. فالولايات المتحدة الأميركية المعارضة لتوقيت الاستفتاء، تختار صياغات الأقلمة والفدرلة التي تؤدي إلى التفتيت والتذرر من دون أعباء التقسيم السياسي وإتاحة المجال لنشوء دول جديدة في المنطقة قد يصعب تحالفات بعضها على المدى الأبعد، كما حدث في رابطة الدول المستقلة بعد تقسيم الاتحاد السوفييتي.

الإقليم الكردي بزعامة البرزاني في إطار عراق فدرالي مكوّن من أقاليم شيعية وسنّية وكردية، تراه الإدارة الأميركية أكثر ضماناً لواشنطن في إقامة حواجز مانعة بين العراق وإيران. إذ أن إعلان الدولة الكردية المستقلة تؤدي لا محالة إلى أن يدافع العراقيون عن وحدة الأراضي العراقية، ولمنع البرزاني من الاستيلاء على كركوك و"أراضٍ أخرى متنازع عليها". وفي هذه الحالة من المحتمل أن يجذب الصراع الكردي ــ العراقي إيران وموسكو وقوى أخرى إلى الصراع. وفي أغلب الظن أن البرزاني يراهن على هذا الاحتمال لخوض مغامرته في حرب واشنطن بالوكالة ضد إيران والقوى المعادية للتوسع الأميركي. ولعلّه يتوقع زيادة التوتر في المدى المنظور بين واشنطن وطهران، ما يعزز هذه الحرب بالوكالة في دعم البرزاني، ولا سيما أن واشنطن تتخوّف من نمو الدور السياسي للحشد الشعبي في الدولة العراقية إثر مساهمته الفعالة في هزيمة "داعش" في الموصل وتلعفر.

تركيا المعارضة للاستفتاء، تحاول ثني البرزاني عن ضم كركوك وسنجار والمناطق التركمانية التي تراها أنقرة مناطق نفوذ حيوية لها في العراق. وهي تسعى في معارضتها للاستفتاء إلى ضمان عدم تأثير انفصال الإقليم على نمو النزعة الانفصالية الكردية في تركيا وفي سوريا المحاذية لتركيا. هذه النزعة يغذيها البرزاني في خوضه معركة قومية لفرض زعامته على أكراد المنطقة وتعزيز مواقعه ضد العراق. لكن البرزاني ربما يعوّل في المطاف الأخير على العلاقة الوطيدة بين أنقرة وأربيل، وربما إجراء صفقة في الوقت المناسب للجم ما تسميه أنقرة "الارهاب الكردي" في تركيا وسوريا. وهذا التعويل له ما يبرره في تركيا المرتبكة في سياستها الخارجية والإقليمية من جرّاء التأرجح بين انعطافة وعكسها.

التفاف أكراد المنطقة حول البرزاني "من أجل حق تقرير المصير"، قد لا يذهب أبعد من ذلك إلى التفاف مماثل في خوض الحرب ضد العراق وإيران من إجل دولة أربيل بزعامة برزانية. فأحزاب الإقليم المناوئة لحزب برزاني تتحفظ على توقيت الاستفتاء لأنها لا تستطيع التحفظ على مبدأ حق تقرير المصير. وهي تتحفظ على التوقيت تعبيراً عما سماه  حزب الاتحاد الوطني "سلطة الحزب الواحد" والتفرّد بالقرارات المصيرية. والمعارضة التي تقوم بحملة "لا للاستفتاء الآن" تتهم البرزاني بالتغطية على مشاكل الإقليم الداخلية. فالإقليم الذي يصدّر 580 ألف برميل من النفط في اليوم هو في حالة انهيار نتيجة فساد حكومة أربيل وتعطيل البرلمان منذ سنتين، بحسب الحزب الاسلامي وحركة التغيير (كوران) وأحزاب السليمانية. ففي هذا المناخ السياسي يذهب البرزاني إلى مغامرة عسكرية في سعيه للانفصال قد لا تكون محسوبة بدقة، إلاّ إذا كان الاستفتاء مناورة لتحسين مواقعه على طاولة الحوار مع بغداد وفرض زعامته على إقليم كردستان. فالبرزاني يسعى لافتعال حرب أهلية في العراق هرباً من تهديد حرب أهلية في داخل الإقليم بعد إزالة خطر "داعش" عن العراق. لكنه ربما يشعل فتيلا يصل إلى أربيل.