Super User
السيد نصرالله: الصهاينة سيبنون الكثير من الجدران
أكد الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد نصر الله ان بناء الجدار على الحدود اللبنانية الفلسطينية هو اعتراف بهزيمة "اسرائيل" ومشاريعها واطماعها في المنطقة، مشددا على ان الصهاينة سيبنون الكثير من الجدران.
ولفت السيد نصر الله في كلمة له في الاحتفال الذي يقيمه حزب الله في الذكرى السنوية الاولى لاستشهاد القائد الجهادي السيد مصطفى بدر الدين(السيد ذوالفقار)، ان الشهيد الحبيب كان مضحيا في الشدائد، وقائدا في تحرير الارض واسترجاع الاسرى بكرامة وقائدا في تفكيك شبكات العملاء والتكفيريين وفي الدفاع عن محور المقاومة.
السيد نصرالله: سنكمل طريق السيد ذو الفقار ونبلغ غايته ان شاء الله
وأشار سماحته الى أن الشهيد ذو الفقار كان قائداً في تحرير الارض واسترجاع الاسرى بكرامة وتفكيك شبكات العملاء والتكفيريين والدفاع عن الوجود والكرامة ومحور المقاومة. وأضاف "كان عام 1996 قائد معركتنا في مواجهة عناقيد الغضب الصهيونية والتي هزمت بها "اسرائيل" واتفق فيها على تفاهم نيسان الذي اسس للتحرير عام 2000". وتابع القول "السيد ذو الفقار كان قائد مجاهدينا في سوريا وانتصارات مقاومتنا الى جانب الجيش السوري وكل الحلفاء أكثر من خمسة أعوام وألحق الهزيمة بجماعات التكفير".
وأكد السيد نصر الله أن "السيد ذور الفقار يبقى قائداً ملهمًا أجل شأناً وأبهى صورة من أن يصل اليه غبار من ضوضاء "اسرائيل" وإعلام السعودية"، وشدد على أنه "سنكمل طريقه ونبلغ غايته ان شاء الله".
السيد نصرالله: عندما تختبئ "اسرائيل" وجيشها خلف الجدران العالية أصبحت ضعيفة
وفيما لفت سماحته الى أن "بناء العدو جدار قرب الحدود اعتراف بانتصار لبنان الساحق وهزيمة "اسرائيل" ومشاريعها وأطماعها"، أكد ان "إجراءات العدو "الإسرائيلي" الهشة هي التي سرعت ببناء الجدار قرب الحدود الجنوبية للبنان"، وأشار الى أن "بناء الجدار قرب الحدود دليل على هزيمة "إسرائيل" الساحق وسقوط مشروع "إسرائيل" الكبرى".
واعتبر سماحته أنه "عندما تختبئ "اسرائيل" وجيشها خلف الجدران العالية أصبحت ضعيفة وهي تكشف عن الحقيقة التي قيلت في مثل هذه الأيام عام 2000 انها اوهن من بيت العنكبوت"، وأضاف "بناء الجدران قرب الحدود يؤكد ان العدو "الاسرائيلي" خائف وقلق من أي مواجهة مقبلة".
السيد نصرالله: في أي مواجهة داخل الارض الفلسطينية المحتلة لن يكون هناك مكان بمنأى لا عن صواريخ المقاومة ولا عن أقدام المقاومين
وعن التهويل "الاسرائيلي" بشن حرب على لبنان، قال السيد نصر الله ""اسرائيل" تهول بشن عدوان على لبنان منذ عشر سنوات ولا تنفذ كلامها"، وأضاف "في أي مواجهة داخل الارض الفلسطينية المحتلة لن يكون هناك مكان بمنأى لا عن صواريخ المقاومة ولا عن أقدام المقاومين".
واذ دعا سماحته اللبنانيين الى أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي، قال "ثقوا بقوتكم وأنفسكم وجيشكم ومقاومتكم وبمعادلتكم الذهبية".
السيد نصرالله: هل سيكون للأسرى الفلسطينيين مكان في القمة العربية والإسلامية مع ترامب في السعودية؟
وحول معركة الحرية والكرامة للاسرى الفلسطينيين، قال سماحته "ننحني باحترام وتعظيم أمام إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام في السجون "الإسرائيلية"، وسأل "هل سيكون للأسرى الفلسطينيين مكان في القمة العربية والإسلامية مع ترامب في السعودية؟".
السيد نصرالله: الحدود الشرقية مع سوريا أصبحت آمنة بدرجة كبيرة
وفيما أعلن السيد نصر الله أن "الحدود الشرقية مع سوريا أصبحت آمنة بدرجة كبيرة"، قال "لم يعد من داع لوجودنا على الحدود الشرقية للبنان بعد أن باتت آمنة وفككنا قواعدنا هناك". وأضاف "المهمة المتعلقة بالحدود الشرقية انجزت والآن المسؤولية مسؤولية الدولة".
ورأى سماحته أن "الدولة يجب أن تبادر وتعرف ان هناك قرية اسمها الطفيل كانت في دائرة الخطر اصبحت الآن آمنة مستقرة وهادئة مطمئنة"، وأشار الى أن وجود حزب الله العسكري في القرى المحاذية للحدود السورية لا يتنافى مع دور الدولة في تقديم المساعدة لسكانها".
السيد نصرالله ردًا على اتهام حزب الله بالسعي للتغيير الديموغرافي: كل المنطقة الحدودية السورية لا يزال اهلها فيها
وعن اتهام حزب الله بالسعي للتغيير الديموغرافي، ردّ سماحته بالقول "أنتم من يتهمنا بالتغيير الديموغرافي نحن نستعجل عودة أهل الطفيل الى بلدتهم"، وأضاف "كل المنطقة الحدودية السورية لا يزال اهلها فيها"، وشدد على أن "الجماعات المسلحة التي تمارس التطهير العرقي هي الجماعات الموالية لتركيا والسعودية وقطر وأمريكا".
السيد نصرالله للمسلحين الموجودين في جرود القلمون: لا أفق لمعركتكم
وبخصوص المسلحين في جرود القلمون، أكد سماحته أن لا أفق لمعركة المسلحين الموجودين في جرود القلمون، وأضاف "نحن جاهزون لأن نضمن تسوية تخرجون بموجبها"، معلناً عن جهوزية حزب الله للتفاوض على الاماكن التي سيذهب اليها المسلحون وعائلاتهم لاقفال هذا الملف.
السيد نصرالله عن قانون الانتخاب: هناك أمل حقيقي في الوصول الى قانون جديد
أما فيما يتعلق بقانون الانتخاب، اعتبر السيد نصر الله أن "هناك أملاً حقيقياً في الوصول الى قانون انتخاب جديد والامور اقتربت كثيراً من بعضها البعض"، ودعا لمواصلة الحوار وتهدئة الخطاب السياسي في البلد واستنفاد كل الفرصة الزمنية للوصول الى قانون انتخاب جديد".
السيد نصرالله: حلفاء سوريا في سوريا هم أكثر انسجاماً وتفاهمًا في هذه المرحلة من أي وقت مضى
ورحّب سماحته بأي وقف اطلاق نار في سوريا توافق عليه القيادة السورية، واعتبر أن "أي فرصة لحقن الدماء في سوريا هي إيجابية ويجب اغتنامها"، ولفت الى أنه "في كل ما يجري في سوريا لسناً طرفا لا في التفاوض الامني ولا السياسي"، وشدد على أن "حلفاء سوريا في سوريا هم أكثر انسجاماً وتفاهمًا في هذه المرحلة من أي وقت مضى"، وأكد أنه "دخلنا الى مرحلة جديدة وحساسة في سوريا والجماعات المسلحة بالعموم باتت في أسوأ حال".
السيد نصرالله لولي ولي العهد السعودي: خروج الامام المهدي (عج) أمر قطعي وسيخرج من مكة المكرمة وعندما يخرج لن يبقى ملك ظالم ولا طاغية
وعلّق السيد نصرالله على كلام ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقال "موضوع الامام المهدي (ع) يجمع عليه المسلمون"، وأضاف "الامام المهدي (ع) الذي ينتظره المسلمون جميعًا سيخرج من مكة لا من طهران ولا من دمشق ولا من بيروت".
وتابع سماحته القول "انت (لولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان) تقول ان مشكلتك ليست سياسية تخوض حرباً دينية وتحول النزاع السياسي الى نزاع طائفي ومذهبي"، وأضاف "خروج الامام المهدي (عج) أمر قطعي وسيخرج من مكة المكرمة وسيواليه أهل شبه الحزيرة العربية وعندما يخرج لن يبقى ملك ظالم ولا طاغية وسيملأ الارض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلأت ظلماً وجوراً وهذا اليوم آت ولن تستطيع أنت ولا أولادك ولا أحفادك أن تغيّر شيئاً من هذا القدر الالهي".
الامام المهدي(عليه السلام) في روايات اهل السنة
المدخل
الإيمان بحتمية ظهور المصلح العالمي ودولته العادلة لا يختصّ بالأديان السماوية، بل يشمل المدارس الفكرية والفلسفية غير الدينية، فالمادية الجدلية التي فسّرت التاريخ على أساس التناقضات، تؤمن بأن هناك يوماً موعوداً تتلاشى فيه التناقضات ويسوده الوئام والسلام [1] .
كما نجد عدداً من المفكّرين غير الدينيين يذهبون إلى هذه الحتمية، فمثلاً يقول المفكّر البريطاني الشهير برتراندراسل : (إن العالم في انتظار مصلح يوحّده تحت لواء واحد وشعار واحد) [2] .
وبنفس هذا المعنى يقول العالم الفيزياوي المعروف آلبرت أنشتاين: (إن اليوم الذي يسود العالم كلّه فيه السلام والصفاء ويكون الناس متحابّين متآخين ليس ببعيد) [3] .
أما المفكّر الايرلندي برناردشو فقد صرّح بأكثر من هذين التصريحين وأدقّ منهما، فقال في وصفه للمصلح ولزوم أن يكون عمره طويلاً قبل ظهوره: (إنه إنسان حيّ ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، إنسان أعلى يترقى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل، وأنه يطول عمره حتى ينيف على ثلاثمائة سنة، ويستطيع أن ينتفع بما استجمعه من أطوار حياته الطويلة) [4] .
أما الديانات السماوية فقد أشارت إلى حتمية ظهور المصلح العالمي، والمتتبع للبشارات السماوية في الكتب المقدّسة سيجدها تهدي إلى أن هذا المصلح هو المهدي الذي يقول به مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، كما أثبتته دراسات متعددة في نصوص تلك البشارات [5] .
فقد تناول القاضي الساباطي إحدى البشارات الواردة في كتاب أشعيا من العهد القديم من الكتاب المقدّس بشأن المصلح العالمي، وقال: هذا نص صريح في المهدي(عليه السلام) ، إلى أن قال:
وقال الإماميون: بل هو محمد بن الحسن العسكري الذي ولد سنة خمس وخمسين ومائتين، من جارية للحسن العسكري اسمها نرجس، في (سُر من رأى) في عصر المعتمد ثم غاب سنة [6] ثم ظهر ثم غاب وهي الغيبة الكبرى ، ولا يرجع بعدها إلاّ حين يريد الله تعالى.
ولما كان قولهم أقرب لما يتناوله هذا النص وإن هدفي الدفاع عن اُمّة محمد(صلى الله عليه وآله)، مع قطع النظر عن التعصّب لمذهب، لذلك ذكرت لك أن ما يدّعيه الإمامية يتطابق مع هذا النص [7] .
كما توصّل العلاّمة محمد رضا فخر الإسلام، الذي كان نصرانيّاً واعتنق الإسلام وانتمى إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، إلى نفس النتيجة التي توصل إليها الساباطي ، وقد أ لّف كتاباً موسوعيّاً (أنيس الإسلام) في الردّ على اليهود والنصارى وتناول في دراسته البشارات; وانتهى بأنها تنطبق على المهدي بن الحسن العسكري(عليه السلام) [8] .
فالذي يمعن النظر في نصوص تلك البشارات; يجد أنها تقدّم مواصفات للمصلح العالمي لا تنطبق على غير المهدي المنتظر، طبقاً لعقيدة مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، لذلك فإن مَن لم يتعرّف على هذه العقيدة لا يستطيع التوصّل إلى المصداق الذي تتحدث عنه تلك البشارات ، كما نلاحظ ذلك مثلاً في أقوال مفسّري الإنجيل بشأن الفقرات من (1 ـ 17) من سفر الرؤيا، الفصل الثاني عشر (مكاشفات يوحنا اللاهوتي)، فهم يصرّحون بأن الشخص الذي تتحدث عنه البشارات الواردة في هذه الفقرات لم يُولد بعد، لذا فإن تفسيرها الواضح ومعناها البيِّن موكول إلى المستقبل والزمان المجهول الذي سيظهر فيه [9] .
وهناك عدد من علماء أهل السنّة يذهبون إلى نفس تلك الدراسات ونتائجها ، فقد اهتدى مثلاً الاُستاذ سعيد أيوب بأن المصداق الذي تتحدث عنه الفقرات السابقة من سفر الرؤيا، هو المصداق الذي تعتقده مدرسة أهل البيت، إذ يقول: (مكتوب في أسفار الأنبياء، المهدي ما في عمله عيب) ، ثم علّق على هذا النصّ بالقول: (وأشهد أني وجدته كذلك في كتب أهل الكتاب لقد تتبع أهل الكتاب أخبار المهدي كما تتبعوا أخبار جدّه(صلى الله عليه وآله) ، فدلّت أخبار سفر الرؤيا إلى امرأة، يخرج من صلبها إثنا عشر رجلاً)، ثم أشار إلى امرأة اُخرى، أي التي تلد الرجل الأخير الذي هو من صلب جدّته، وقال السِفر: إن هذه المرأة ستحيط بها المخاطر، ورمز للمخاطر باسم «التنين» وقال: (والتنين وقف أمام المرأة العتيدة حتى تلد، يبتلع ولدها متى ولدت) [10] .
أي أن السلطة كانت تريد قتل هذا الغلام، ولكن بعد ولادة الطفل; يقول باركلي في تفسيره: (عندما هجمت عليها المخاطر اختطف الله ولدها وحفظه) . والنص : (واختطف الله ولدها) [11] أي : «إن الله غيّبَ هذا الطفل»، كما في قول باركلي:
وذكر السِفر: (أن غيبة الغلام ستكون ألفاً ومائتين وستين يوماً [12] ، وهي مدّة لها رموزها عند أهل الكتاب، ثم قال باركلي عن نسل المرأة ] الاُولى [ عموماً: إن التنين سيعمل حرباً شرسة مع نسل المرأة، كما قال في السفر:
فغضب التنين على المرأة، وذهب ليضع حرباً مع باقي نسلها، الذين يحفظون وصايا الله) [13] .
وعقب الاستاذ سعيد أيوب على ما تقدم بالقول: هذه هي أوصاف المهدي، وهي نفس أوصافه عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية [14] .
ودعم قوله بتعليقات أوردها في الهامش بشأن انطباق الأوصاف على مهدي آل البيت [15] .
لذا فقد أكدت كثير من الدراسات بأن البشارات تومئ إلى شخص المهدي المنتظر بعينه على طبق ما تذهب إليه مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، فلنتّجه الآن نحو روايات أهل السنّة التي صدرت في شخص الإمام وهويته، لنلاحظ هل أنها تعدّت التصريح بالعنوان فتحدثت عن شخصه بعد أن حصل التواتر في ظهوره، أم توقفت عند العنوان فقط؟
والجواب: من المعلوم أن الذي يعتقد بالظهور ويقطع بحدوثه، لكن لم يتعيّن له من هو المهدي الموعود آخر الزمان، على طبق الواقع فهذا لا يُعدّ معتقداً بالمهدي، كما تريده الرسالة الإسلامية، لأنه آمن واعتقد بالمهدي كعنوان ، لكنه لا يعتقد بالمضمون، وعملية التجزئة بين الاعتقاد بشخص الإمام وبين الاعتقاد بالظهور تفسد الاعتقاد بالمهدي كالذي يعتقد بوجوب الصلاة ، ولكنه يجهل أركانها.
ولأجل التوصّل إلى معرفة الإمام المهدي بشخصه وعلى طبق الواقع من خلال روايات أهل السنّة، سيتوزع البحث على عدّة اُمور:
الأمر الأول
اعتراف علماء أهل السنّة بولادة الإمام المهدي(عليه السلام)
هناك اعترافات ضافية سجّلها الكثير من أهل السنّة بأقلامهم بولادة الإمام المهدي(عليه السلام)، وقد قام البعض باستقراء هذه الاعترافات في بحوث خاصة، فكانت متصلة الأزمان، بحيث لا تتعذر معاصرة صاحب الاعتراف اللاحق لصاحب الاعتراف السابق بولادة المهدي(عليه السلام)، وذلك ابتداءً من عصر الغيبة الصغرى للإمام المهدي(عليه السلام) (260 هـ ـ 329 هـ ) وإلى الوقت الحاضر.
وسوف نقتصر على ذكر بعضهم ـ ومن أراد التوسعة فعليه مراجعة الاستقراءات السابقة لتلك الاعترافات [16] ـ وهم:
1 ـ ابن الأثير الجزري عز الدين (ت / 630 هـ ) قال في كتابه (الكامل في التاريخ) في حوادث سنة (260 هـ ): «وفيها توفي أبو محمد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمة الإثني عشر على مذهب الإمامية، وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر» [17] .
2 ـ ابن خلكان المتوفى سنة (681 هـ ) قال في وفيات الأعيان: «أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمة الإثني عشر على اعتقاد الإمامية المعروف بالحجة... كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين» ثم نقل عن المؤرخ الرحّالة ابن الأزرق الفارقي المتوفى سنة (577 هـ ) أنه قال في تاريخ مَيَّافارقين : «إنّ الحجة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل في ثامن شعبان سنة ست وخمسين، وهو الأصح» [18] .
أقول: الصحيح في ولادته(عليه السلام) هو ما ذكره ابن خلّكان أولاً، وهو يوم الجمعة منتصف شهر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وعلى ذلك اتفق جمهور الشيعة، وقد أخرجوا في ذلك روايات صحيحة في ذلك مع شهادة أعلامهم المتقدمين ، وقد أطلق هذا التاريخ الشيخ الكليني المعاصر للغيبة الصغرى بكاملها تقريباً، إطلاق المسلمات وقدّمه على الروايات الواردة بخلافه، فقال في باب مولده(عليه السلام) : «ولد(عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين» [19] .
وقد روى الصدوق المتوفى سنة (381 هـ ) عن شيخه محمد بن محمد بن عصام الكليني، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن علي ابن محمد بن بندار قال: «ولد الصاحب(عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين» [20] .
والكليني لم ينسب قوله إلى علي بن محمد لشهرته وحصول الاتفاق عليه.
3 ـ الذهبي المتوفى سنة (748 هـ ) اعترف بولادة المهدي(عليه السلام)في ثلاثة من كتبه، ولم نتتبع كتبه الاُخرى.
قال في كتابه العبر: «وفيها ]أي في سنة 256 هـ [ ولد محمد بن الحسن بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أبو القاسم الذي تلقّبه الرافضة الخلف الحجة، وتلقّبه بالمهدي، والمنتظر، وتلقّبه بصاحب الزمان، وهو خاتمة الإثني عشر» [21] .
وقال في تاريخ دول الإسلام في ترجمة الإمام الحسن العسكري:
«الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، أبو محمد الهاشمي الحسيني، أحد أئمة الشيعة الذي تدّعي الشيعة عصمتهم، ويقال له: الحسن العسكري، لكونه سكن سامراء، فإنها يقال لها: العسكر، وهو والد منتظر الرافضة، توفي إلى رضوان الله بسامراء في ثامن ربيع الأول سنة ستين ومائتين وله تسع وعشرون سنة، ودفن إلى جانب والده.
وأما ابنه محمد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجة فولد سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستّ وخمسين» [22] .
وقال في سير أعلام النبلاء: «المنتظر الشريف أبو القاسم محمد ابن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن زيد العابدين بن علي بن الحسين الشهيد ابن الإمام علي بن أبي طالب، العلوي، الحسيني خاتمة الإثني عشر سيّداً» [23] .
أقول: ما يعنينا من رأي الذهبي في ولادة الإمام المهدي قد بيّناه، وأما عن اعتقاده بالمهدي فهو كما في جميع أقواله الاُخرى كان ينتظر ـ كغيره ـ سراباً كما أوضحناه في مَن يعتقد بكون المهدي (محمد بن عبدالله).
4 ـ ابن الوردي المتوفى سنة (749 هـ ) في ذيل تتمة المختصر المعروف بتاريخ ابن الوردي: «ولد محمد بن الحسن الخالص سنة خمس وخمسين ومائتين» [24] .
5 ـ أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي المتوفى سنة (974 هـ ) قال في كتابه (الصواعق المحرقة) في آخر الفصل الثالث من الباب الحادي عشر ما هذا نصّه: «أبو محمد الحسن الخالص، وجعل ابن خلّكان هذا هو العسكري، ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين... مات بسُرَّ من رأى، ودفن عند أبيه وعمّه، وعمره ثمان وعشرون سنة، ويقال: إنّه سُمّ أيضاً، ولم يخلّف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن أتاه الله فيها الحكمة، ويسمى القائم المنتظر، قيل: لأ نّه سُتِرَ بالمدينة وغاب فلم يعرف أين ذهب» [25] .
6 ـ الشبراوي الشافعي المتوفى سنة (1171 هـ ) صرّح في كتابه (الاتحاف): بولادة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري(عليه السلام)في ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين من الهجرة [26] .
7 ـ مؤمن بن حسن الشبلنجي المتوفى سنة (1308 هـ ) اعترف في كتابه (نور الأبصار) باسم الإمام المهدي، ونسبه الشريف الطاهر، وكنيته، وألقابه في كلام طويل إلى أن قال: «وهو آخر الأئمة الإثني عشر على ما ذهب إليه الإمامية» [27] .
8 ـ خير الدين الزركلي المتوفى سنة (1396 هـ ) قال في كتابه (الأعلام) في ترجمة الإمام المهدي المنتظر: «محمد بن الحسن العسكري الخالص بن علي الهادي أبو القاسم، آخر الأئمة الإثني عشر عند الإمامية... ولد في سامراء ومات أبوه وله من العمر خمس سنين.. وقيل في تاريخ مولده: ليلة نصف شعبان سنة 255، وفي تاريخ غيبته، سنة 265 هـ » [28] .
أقول: ابتداءً تاريخ الغيبة الصغرى هو 260 هـ ، باتفاق الشيعة أجمع وسائر من أرّخ لتاريخ الغيبة في ما اطّلعنا عليه. ولعلّ ما ورد في الأعلام من غلط المطبعة، لأنّ الزركلي لم يكتب سنة الغيبة كتابةً بل رقماً، واحتمال الغلط في طباعة الأرقام ممكن جداً. إلى غير ذلك من الاعترافات الكثيرة الاُخرى التي لا يسعها البحث [29] .
الأمر الثاني
مـاهـو اسـم الإمـام ونسبه ؟
المتتبع للأحاديث الصحيحة الواردة في اسم ونسب المهدي في كتب أهل السنّة; سيجدها على كثرتها أ نّها تؤكّد حقيقة واحدة هي: أن نسب المهدي يرجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ،وأنه من أهل البيت ومن الأئمة الإثني عشر المعصومين، وهو آخرهم ( وهو محمد بن الحسن العسكري(عليه السلام)ابن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين الشهيد بكربلاء بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)).
وهو الملقّب بالمهدي المنتظر، المنسجم مع ما تعتقد به الشيعة الإمامية، وإليك الروايات التي تحدّثت عن اسمه ونسبه:
المهدي: كناني، قرشي، هاشمي
عن قتادة، قال قلت لسعيد بن المسيب: المهدي حقّ؟
قال: حقّ.
قلت: ممّن هو؟ قال : من كنانة.
قلت: ثم ممّن؟ قال: من قريش.
قلت: ثم ممّن؟ قال: من بني هاشم [30] .
فالمهدي حسب هذه الرواية إنه كناني، قرشي، هاشمي، ولا فرق بين هذه الألقاب ، لأن كل هاشمي هو من قريش وكل قرشي هو من كنانة، لأن قريشاً هو النضر بن كنانة باتفاق أهل الأنساب.
المهدي من أولاد عبدالمطلب
روى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «نحن ولد عبدالمطلب سادة أهل الجنة، أنا، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي» [31] .
وبهذه الرواية يكون الإمام المهدي من أولاد عبدالمطلب.
المهدي من ولد أبي طالب
عن سيف بن عُمَير قال: كنت عند أبي جعفر المنصور فقال لي ابتداء: يا سيف بن عميرة! لابدّ من مناد ينادي من السماء باسم رجل من ولد أبي طالب.
فقلت: جعلت فداك يا أمير المؤمنين تروي هذا؟
قال: إي والذي نفسي بيده; لسماع اُذُني له.
فقلت: يا أمير المؤمنين! إن هذا الحديث ما سمعته قبل وقتي هذا.
فقال: يا سيف! إنه لحقّ، وإذا كان فنحن أول من يجيبه، أما إنّ النداء إلى رجل من بني عمّنا.
فقلت: رجل من ولد فاطمة؟ فقال: نعم يا سيف، لولا أنني سمعت من أبي جعفر محمد بن علي يحدّثني به، وحدّثني به أهل الأرض كلهم ما قبلته منهم، ولكنه محمد بن علي [32] .
وهذا الحديث يؤكّد أن الإمام المهدي من ولد أبي طالب.
المهدي من أهل البيت(عليهم السلام) :
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
«لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً»، قال: «ثم يخرج رجلٌ من عترتي أو من أهل بيتي يَمْلؤُها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً» [33] .
ومثله عن عبدالله عن النبي(صلى الله عليه وآله) :
«لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» [34] .
عن علي عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «المهديّ منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة» [35] .
المهدي من ولد رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
«يخرج في آخر الزمان رجلٌ من ولدي، اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً فذلك هو المهدي» [36] .
المهدي من ولد فاطمة(عليها السلام) :
1 ـ عن اُمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) عن النبي(صلى الله عليه وآله) : «المهدي حقٌّ وهو من ولد فاطمة» [37] .
2 ـ وعن اُمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» [38] .
المهدي من ولد الحسين (عليه السلام) :
عن حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فذكّرنا رسول الله بما هو كائن، ثم قال: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاًمن وُلدي اسمه اسمي» فقال سلمان الفارسي(رضي الله عنه) : يا رسول الله من أيّ ولدك؟ قال: «من ولدي هذا» وضرب بيده على الحسين(عليه السلام) [39] .
عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة(عليها السلام) تعوده وأنا جالس عن يمين رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فلما رأت ما برسول الله(صلى الله عليه وآله) من الضعف خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدّها، فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله): «ما يبكيكَ يا فاطمة؟ أما علمت أنّ الله تعالى اطّلع إلى الأرض اطلاعةً فاختار منها أباك فبعثه نبيّاً، ثم اطلع ثانيةً فاختار بعلك، فأوحى اليّ فأنكحته واتخذته وصيّاً، أما علمت أنكِ بكرامة الله تعالى بأنّ أباكِ زوّجك أعلمهم علماً وأكثرهم حلماً وأقدمهم سلماً». فضحكت واستبشرت، فأراد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يزيدها مزيد الخير كلّه الذي قَسَمه الله لمحمد وآل محمد، فقال لها: يا فاطمة! ولعلي ثمانية أضراس ـ يعني مناقبـ : إيمان بالله ورسوله، وحكمته، وزوجته، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
«يا فاطمة! إنّا أهل بيت اُعطينا ست خصال لم يعطها أحدٌ من الأولين، ولا يدركها أحدٌ من الآخرين غيرنا أهل البيت: نبيّنا خير الأنبياء وهو أبوكِ، ووصيّنا خير الأوصياء وهو بعلكِ، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمّ أبيكِ، ومنّا سبطا هذه الاُ مّة وهما ابناكِ، ومنا مهدي الاُ مّة الذي يُصلّي عيسى خلفه، ثم ضرب على منكب الحسين(عليه السلام) فقال: من هذا مهدي الاُمّة» [40] .
اسم والدة الإمام المهدي(عليه السلام) والمهدي من ولد الصادق(عليه السلام)
عن المفسّر اللغوي المعروف بابن الخشاب، قال: حدثني أبو القاسم الطاهر بن هارون بن موسى الكاظم عن أبيه عن جدّه، قال: قال سيدي جعفر بن محمد: «الخلف الصالح من ولدي وهو المهدي اسمه محمد وكنيته أبو القاسم، يخرج في آخر الزمان، يقال لاُ مّه نرجس وعلى رأسه غمامة تظلّه عن الشمس، تدور معه حيثما دار تنادي بصوت فصيح هذا المهدي فاتبعوه» [41] .
المهدي من ولد الرضا (عليه السلام) :
عن الحسن بن خالد، قال : قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام): «لا دين لمن لا ورع له، وان أكرمكم عند الله أتقاكم ـ أي أعلمكم بالتقوى ـ ، ثم قال: إن الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء يطهّر الله به الأرض من كل جور وظلم...» [42] الحديث
اسم والد الإمام المهدي (عليه السلام)
وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدرّيّ ، اللون لون عربي ، والجسم جسم إسرائيلي ـ أي طويل ـ يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ، يرضى لخلافته أهل السماء وأهل الأرض . وورد أيضاً في حليته: أنه شاب أكحل العينين أزج الحاجبين أقنى الأنف كثّ اللحية على خدّه الأيمن خال.
وقال الشيخ القطب الغوثي سيدي محيي الدين ابن العربي في الفتوحات : اعلموا أنّه لا بد من خروج المهدي، لكن لا يخرج حتى تملأ الأرض جوراً وظلماً فيملأها قسطاً وعدلاً وهو من عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله) من ولد فاطمة رضي الله تعالى عنها، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب ووالده الإمام الحسن العسكري ابن الإمام علي النقي ـ بالنون ـ ابن الإمام محمد التقي ـ بالتاء ـ ابن الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، يواطئ اسمه اسم رسول الله(صلى الله عليه وآله) يبايعه المسلمون بين الركن والمقام ، يشبه رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الخَلق ـ بفتح الخاء ـ وقريباً منه في الخُلق ، أسعد الناس به أهل الكوفة ، يقسم المال بالسوية ، ويعدل به في الرعية يمشي الخضر بين يديه [43] .
الأمر الثالث
صفـات الإمـام المهـدي
بعد أن اتضح اسم الإمام المهدي ونسبه، نتناول في هذا الأمر الروايات الواردة في كتب أهل السنّة، حول صفات الإمام(عليه السلام)الجسمية، من حيث صفة الوجه ولونه والشعر وما شابه ذلك، ضمن عدّة روايات.
1 ـ عن أبي سعيد الخدري عن رسول لله(صلى الله عليه وآله) قال: «المهدي منّي أجلى الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما مُلئت جوراً وظلماً...» [44] .
2 ـ عن حذيفة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
«المهدي رجلٌ من ولدي وجهه كالقمر الدرّي، اللون لون عربي والجسم جسم اسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً، كماملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الهواء...» [45] .
3 ـ عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
«المهدي منّا أهل البيت، أشمّ الأنف أقنى، أجلى، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يعيش هكذا ـ وبسط يساره واصبعين من يمينه ـ المسبّحة والإبهام وعقد ثلاث» [46] .
4 ـ عن قتادة عن عبدالله بن الحرث قال: «يخرج المهدي وهو ابن أربعين سنة كأنّه رجل من بني اسرائيل» [47] .
5 ـ عن محمد بن جبير قال: «المهدي أزج، أبلج، أعين، يجيء من الحجاز حتى يستوي على منبر دمشق، وهو ابن ثمان عشرة سنة» [48] .
6 ـ عن عبدالله بن بشير عن كعب قال: «المهدي خاشع لله كخشوع النسر جناحيه» [49] .
7 ـ عن ابن عباس قال: «المهدي شابٌ منّا أهل البيت» [50] .
8 ـ عن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «ليبعثنّ الله تعالى من عترتي رجلاً، أفرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويفيض المالَ فيضاً» [51] .
9 ـ عن محمد بن جعفر عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «إن ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) سيّداً وسيخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيّكم، يشبهه من الخَلق والخُلق ، يخرج على حين غفلة من الناس، وإماتة للحق وإظهار للجور، والله لو لم يخرج لضربت عُنقه، يفرح بخروجه أهل السماوات وسكّانها، وهو رجلٌ أجلى الجبين، أقنى الأنف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، بفخذه اليمنى شامة ، أفلج الثنايا، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً» [52] .
10 ـ عن سليمان بن حبيب قال: سمعت أبا اُمامة الباهلي يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):
«بينكم وبين الروم أربع هدن في يوم، الرابعة يفتح على يدي رجل من آل هرقل يدوم سبع سنين، فقال له رجل من عبد القيس يقال له المستورد بن غيلان: يا رسول الله! مَن إمام الناس يومئذ؟ قال: المهدي من ولدي ابن أربعين سنة، كأن وجهه كوكب دريّ في خدّه الأيمن خال أسود...» [53] .
11 ـ عن الهيثم بن عبدالرحمن، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)قال: «المهدي مولده بالمدينة، من أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله) واسمه اسم النبي(صلى الله عليه وآله)ومهاجره بيت المقدس، كثّ اللحية أكحل العينين، برّاق الثنايا، في وجهه خال، أقنى أجلى، في كتفه علامة النبي(صلى الله عليه وآله)، رايته من مرط مخملة سوداء مربعة فيها جمم لم تنتشر منذ توفي النبي(صلى الله عليه وآله) ولا تنشر حتى يخرج المهدي(عليه السلام)، يمدّه الله بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وجوه من خالفهم وأدبارهم» [54] .
الأمر الرابع
مقام الإمام المهدي(عليه السلام) عند الله تعالى
بعد أن عرفنا اسم الإمام المهدي وصفاته، نتحدث في هذه الفقرة عن القيمة الإلهية التي يكتسبها الإمام المهدي(عليه السلام)، والموقع الإلهي الذي ينطلق منه لأداء مهمّته، وكونه الخليفة الحق الموعود، الذي تجب طاعته بأمر منه سبحانه، ضمن عدّة روايات.
1 ـ عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «نحن ولد عبدالمطلب سادة أهل الجنة، أنا، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي» [55] .
2 ـ عن ابن عباس عن النبي(صلى الله عليه وآله): «المهدي طاووس أهل الجنة» [56] .
3 ـ عن أبي هريرة عن النبي(صلى الله عليه وآله)، قال: «يكون في هذه الاُمّة خليفة، لا يَفْضُلُ عليه أبو بكر ولا عمر» [57] .
4 ـ عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «يخرج المهدي على رأسه غَمامَةٌ، فيها مناد ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه» [58] .
5 ـ عن عبدالله بن عمرو عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: «يخرج المهدي وعلى رأسه ملكٌ ينادي: إنّ هذا المهدي فاتبعوه» [59] .
الأمر الخامس
المهدي(عليه السلام) خليفة الله وخاتم الأئمة
إذا كان الإمام المهدي الموعود هو محمد بن الحسن العسكري(عليه السلام) ، ومقامه عند الله هو الخليفة الحق الذي تجب طاعته.
عندئذ نتساءل: هل هناك إمام يأتي بعده، أم هو آخر الخلفاء من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)وخاتمهم، طبقاً لما تعتقده الشيعة الإمامية وتنتظره؟
الروايات الآتية الواردة في كتب أهل السنّة، تتحدث عن كون المهدي الموعود هو خاتم الأئمّة والخلفاء(عليهم السلام).
1 ـ عن ثوبان قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة، ثم لا تصير إلى واحدة منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونهم قتلاً لم يقتله قوم، ـ ثم ذكر شيئاً لا أحفظه ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي» [60] .
2 ـ عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، قال: قلت يا رسول الله(صلى الله عليه وآله): المهدي منا أئمّة الهدى أم من غيرنا؟ قال: «بل منّا، بنا يختم الدين، كمابنا فَتَح،وبنا يُستنقذون من ضلالة الفتنة، كما استُنقِذوا من ضلالة الشرك،وبنا يؤلّف الله بين قلوبهم في الدين بعد عداوة الفتنة، كما أ لّف الله بين قلوبهم ودينه بعد عداوة الشرك» [61] .
3 ـ وقال ابن حجر الهيثمي ـ المتوفّى سنة 974 هـ ـ : «قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار، واستفاضت بكثرة رواتها، عن المصطفى(صلى الله عليه وآله)بخروجه ـ أي المهديّ ـ وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملأ الأرض عدلاً ، وأنّه يخرج مع عيسى على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فيساعده على قتل الدجّال بباب لد بأرض فلسطين، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة ، ويصلّي عيسى خلفه» [62] .
4 ـ وقال الشيخ الصبّان ـ المتوفى سنة 1206 هـ : «وقد تواترت الأخبار عن النبي(صلى الله عليه وآله)بخروجه ـ أي المهديّ ـ وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملأ الأرض عدلاً، وأنّه يساعد عيسى على قتل الدجّال بباب لد بأرض فلسطين ، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة ، ويصلّي عيسى خلفه» [63] .
5 ـ حديث أبي سعيد : «تملأ الأرض جوراً وظلماً ، فيخرج رجل من عترتي...» [64] .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] بحث حول المهدي، السيد الشهيد محمد باقر الصدر : 87 .
[2] المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه، للسيد عبدالرضا الشهرستاني: 6.
[3] المصدر السابق.
[4] برناردشو: عباس محمود العقاد: 124 ـ 125.
[5] راجع كتاب بشارات عهدين للشيخ الصادقي وترجم للعربية بعنوان (البشارات والمقارنات).
[6] الثابت إن غيبة الإمام المهدي بعد وفاة أبيه استمرت 69 سنة.
[7] البراهين الساباطية: نقلاً عن كشف الأستار للميرزا النوري: 84.
[8] بشارات عهدين لمحمد الصادقي : 232.
[9] بشارات عهدين لمحمد الصادقي : 264.
[10] سفر الرؤيا: 12 / 3.
[11] سفر الرؤيا: 12 / 5 .
[12] المدة رمزية وقد وردت في الأصل العبري بتعبير : «وسيغيب عن التنين زماناً وزمانين ونصف زمان». راجع بشارات العهدين: 263.
[13] سفر الرؤيا: 12/ 13.
[14] المسيح الدجال/ سعيد أيوب: 379 ـ 380 نقلاً عن (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي)/ اصدار مركز الرسالة: 13 ـ 14 .
[15] راجع الإمام المهدي ضمن سلسلة أعلام الهداية / المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام) : 9 ـ 24.
[16] راجع كتاب الإيمان الصحيح للسيد القزويني، وكتاب الإمام المهدي في نهج البلاغة للشيخ مهدي فقيه ايماني، وكتاب من هو الإمام المهدي للتبريزي، وكتاب إلزام الناصب للشيخ علي اليزدي الحائري، وكتاب الإمام المهدي للاُستاذ علي محمد دخيل، وكتاب دفاع عن الكافي للسيد ثامر العميدي. وقد ذكر في هذا الأخير مائة وثمانية وعشرين شخصاً من أهل السنّة من الذين اعترفوا بولادة الإمام المهدي(عليه السلام) مع ترتيبهم بحسب القرون، فكان أولهم (أبو بكر محمد بن هارون الروياني (ت / 307 هـ ) في كتابه المسند (مخطوط) وآخرهم الاُستاذ المعاصر يونس أحمد السامرائي في كتابه: سامراء في أدب القرن الثالث الهجري، ساعدت جامعة بغداد على طبعه سنة 1968 م . انظر دفاع عن الكافي: 1 /568 ـ 592 تحت عنوان: الدليل السادس: اعترافات أهل السنّة.
[17] الكامل في التاريخ: 7 / 274 في آخر حوادث سنة 260 هـ .
[18] وفيات الأعيان : 4 / 176 ، 562.
[19] اُصول الكافي : 1 / 514 باب 125.
[20] كمال الدين : 2/430، 4 باب 42.
[21] العبر في خبر من غبر : 3 / 31.
[22] تاريخ الإسلام / الجزء 19 في حوادث ووفيات (251 ـ 260 هـ ) : 113 .
[23] سير أعلام النبلاء : 13 / 119 ، الترجمة رقم 60.
[24] نور الأبصار : 186.
[25] الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيثمي ، الطبعة الاولى : 207، والطبعة الثانية : 124، والطبعة الثالثة: 313 ـ 314.
[26] الإتحاف بحب الأشراف: 68.
[27] نور الأبصار : 186.
[28] الأعلام : 6 / 80.
[29] راجع المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، اصدار مركز الرسالة: 123 ـ 127.
[30] عقد الدرر: 42 ـ 44 الباب الأول، ومستدرك الحاكم: 4/ 553، ومجمع الزوائد: 7/ 115.
[31] سنن ابن ماجة 2: 1368 ، ح 4087، باب خروج المهدي، ومستدرك الحاكم: 3/ 211، وجمع الجوامع للسيوطي: 1/ 851 .
[32] عقد الدرر للمقدسي الشافعي: 149 ـ 150 الباب الرابع.
[33] مسند أحمد: 3/424، ح 10920 ومسند أبي يعلى: 2/274 ح 987، والمستدرك: 4/577، وعقد الدرر: 36 باب 1 وموارد الظمآن: 464 ح 1879 و 1880 ومقدمة ابن خلدون: 250 فصل 53 وجمع الجوامع: 1/902 وكنز العمال: 14/271 ح 38691 وينابيع المودّة: 433 باب 73.
[34] مسند البزاز: 1/281، ومسندأحمد: 3761 وسنن الترمذي: 4/505 باب 52 ح2230 والمعجم الكبير: 10/135 ح10221 مع اختلاف يسير وتاريخ بغداد: 4/388 وعقد الدرر: 38 باب 3 ومطالب السؤول: 2/81 والبيان في أخبار صاحب الزمان : 91 لمحمّد النوفلي القريشي الكنجي الشافعي، وفرائد السمطين: 2/327 ح 576 والدر المنثور: 6/58، وجمع الجوامع: 1/903 وكنز العمال: 14/271 ح 38692 وبرهان المتقي: 90 باب 2 ح 4.
[35] ابن أبي شيبة : 8/678 ح 190 وفتن ابن حماد: ومسند أحمد: 1/84 وتاريخ البخاري: 1/371 ح 994 وسنن ابن ماجة: 2/1367 باب 34 ح 4085 ومسند ابو يعلى: 1/359 ح 465 وحلية الأولياء: 3/177 والكامل لابن عدي: 7/2643 والفردوس: 4/222 ح 6619 والبيان في اخبار صاحب الزمان: 100 للكنجي الشافعي وعقد الدرر: 183 باب 6 والعلل المتناهية: 2/2856 ح 1432 وفرائد السمطين: 2 / 331 ح 583 وميزان الاعتدال: 4/359 ح 9444 ومقدمة ابن خلدون : 1/396 باب 53 و تهذيب التهذيب: 11/152 ح 294 وعرف السيوطي الحاوي: 2/213 والدر المنثور: 6/58 وجمع الجوامع: 1/449 والجامع الصغير: 2/672، ح 9243 وصواعق ابن حجر: 163 باب 511 فصل 1 وكنز العمال: 14/264، ح 38664 وبرهان المتقي: 87 باب 1، ح 43 ومن ص: 89، باب 2، ح 1، ومرقاة المفاتيح: 9/349 مع اختلاف يسير وفيض القدير: 6/278، ح 9243.
[36] تذكرة الخواص: 363، وعقد الدرر: 43 باب 1 ومنهاج السنّة، ابن تيمية: 4/ 86 ـ 87.
[37] تاريخ البخاري: 3/364، المعجم الكبير: 23/267 ح 566، ومستدرك الحاكم: 4/557.
[38] سنن أبي داود: 4/104 ح 4284 و سنن ابن ماجة: 2/1368 باب 34 ح 4086 والفردوس: 4/497 ح 6943 ومصابيح البغوي: 3/492 باب 3 ح 4211 وجامع الاُصول: 5 / 343 ومطالب السؤول: 8 وعقد الدرر: 36 باب 1 وميزان الاعتدال: 2/87 ومشكاة المصابيح: 3/24 فصل 2 ح 5453 وتحفة الأشراف: 13/7 ح 18153 والجامع الصغير: 2/672 ح 9241 والدر المنثور: 6/58 وجمع الجوامع: 1/449 وصواعق ابن حجر: 141 باب 11 فصل 1 وكنز العمال: 14/264 ح 38662 ومرقاة المفاتيح: 9 / 350 واسعاف الراغبين: 145 وفيض القدير: 6/277 ح 9241 والتاج الجامع للاُصول: 5/343.
[39] المنار المنيف لابن القيم: 148 ، 329 فصل 50، عن الطبراني في الأوسط، عقد الدرر: 45 من الباب الأوّل وفيه: (أخرجه الحافظ أبو نعيم في صفة المهدي) ، ذخائر العقبى، المحب الطبري : 136، وفيه : (فيحمل ما ورد مطلقاً فيما تقدم على هذا المقيّد)، فرائد السمطين: 2/325، 575 باب 61، القول المختصر لابن حجر: 7/37 باب 1، فرائد فوائد الفكر: 2 باب 1، السيرة الحلبية: 1/193، ينابيع المودّة: 3/63 باب 94، وهناك أحاديث اُخرى بهذا الخصوص في مقتل الإمام الحسين(عليه السلام)للخوارزمي الحنفي : 1/196، وفرائد السمطين: 2/310 ـ 315 الأحاديث 561 ـ 569 ، وينابيع المودّة: 3/170 / 212 باب 93 وباب 94.
[40] البيان : 120 باب 9 والفصول المهمة: 286 ط دار الأضواء فصل 12، ينابيع المودّة: 490 و 493 باب 94 مع اختلاف.
[41] ينابيع المودّة: 491 عن أربعين الحافظ أبي نعيم الاصبهاني.
[42] ينابيع المودّة: 448 و 489 عن كتاب فرائد السمطين.
[43] مشارق الأنوار في فوز أهل الاعتبار، للشيخ حسن العدوي الحمزاوي المصري: 476 ـ 477، فصل في المهدي(عج) ، يواقيت الجواهر: ج562، باب في بيان أن جميع أشراط الساعة، نقلاً عن الفتوحات المكيّة ، باب ست وستين وثلاثمائة.
[44] سنن أبي داود: 4/107 ح 428 ومستدرك الحاكم مع اختلاف يسير : 4/557 ومعالم السنن: 4/344 ومصابيح البغوي: 3/492 ح 4212 والعلل المتناهية: 2/859 ح 1443 وجامع الاُصول: 5 / 343 باب 7. ومطالب السؤول: 2/80 باب 12 والبيان: 117 وعقد الدرر: 59 باب 3 ومشكاة المصابيح: 3/171 باب 2 فصل 2 ح 5454، والجامع الصغير: 2/672 ح 9244 وجمع الجوامع: 1/449 وكنز العمال: 14/264 ح 38665 ومرقاة المفاتيح: 9 / 351 ح 5454 وفيض القدير: 6/278 ح 9244 والتاج الجامع للاُصول: 5/343 باب 7.
[45] الفردوس: 4/496 ح 6940 والعلل المتناهية: 2/858 ح 1439 والبيان : 118 باب 8 وذخائر العقبى: 136 وعقد الدرر: 60 باب 3 وفيه «كالكوكب الدرّي» وميزان الاعتدال: 3/449 ولسان الميزان: 5/24 والفصول المهمة: 284 والجامع الصغير: 2/672 ح 9245 وصواعق ابن حجر: 164 باب 11 فصل 1 وكنز العمال: 14/264 ح 38666 ومرقاة المفاتيح: 9 / 350 ولوائح السفاويني: 2/4 واسعاف الراغبين: 146 ونور الأبصار: 187 وفيض القدير: 6/279 ح 9245.
[46] مستدرك الحاكم: 4/557 وعقد الدرر: 60، باب 3 (مع اختلاف يسير) وفرائد السمطين: 2/330 ح 580 وبرهان المتقي: 98 باب 2 ح 28 و 99 باب 3 ح 3 وينابيع المودّة: 488 باب 94.
[47] فتن ابن حماد: 258 ح 1008 وعرف السيوطي، الحاوي: 2/232 وبرهان المتقي: 99 باب 3، ح 2 وكنز العمال: 14/586 ح 39660.
[48] برهان المتقي: 100 باب 3 ح 5 وعقد الدرر: 63 ـ 64، باب 3 وعرف السيوطي، الحاوي: 2/232 وفرائد فوائد الفكر: 4 باب 2.
[49] ابن حماد: 258، وعقد الدرر: 65 باب 3 وعرف السيوطي، الحاوي: 2/232 والقول المختصر: 98، باب 3 ح 29 وبرهان المتقي: 101، باب 3 ح 10.
[50] ابن حماد: 102 وعرف السيوطي، الحاوي: 2/232 وبرهان المتقي: 98، باب 2 ح 26 و 27 وكنز العمال: 14/585 ح 39658 مع اختلاف يسير، وفرائد فوائد الفكر: 2 باب 1.
[51] البيان: 139 باب 19 وعقد الدرر: 37، باب 1 وفرائد السمطين: 2/331 ح 582 مع اختلاف يسير وعرف السيوطي، الحاوي: 2/220 وصواعق ابن حجر: 164 باب 11 فصل 1 والقول المختصر: 43، باب 1 ح 33 وبرهان المتقي: 84 باب 1 ح 32 واسعاف الراغبين: 146 وينابيع المودّة: 433 و 436 باب 73 فصل 2 وفرائد فوائد الفكر: 4 باب 2.
[52] سنن أبي داود: 4/108 ح 4290 مع اختلاف وجامع الاُصول: 5/343 ومختصر أبي داود: 6/162 ح 4121 وعقد الدرر: 45 باب 1 وفتن ابن كثير: 1 / 38 ومقدمة ابن خلدون: 391 فصل 53 وعرف السيوطي الحاوي: 2/214 والدر المنثور: 6/39 ذيل الآية 18 وجمع الجوامع: 2/35 وكنز العمال: 13/647، ح 37636 ومرقاة المفاتيح: 9/363 ح 5462 وينابيع المودّة: 432 باب 72 والتاج الجامع للاُصول: 5/343 ح 10.
[53] البيان: 137 ـ 138 باب 18 عن المعجم الكبير ومناقب المهدي لأبي نعيم.
[54] البيان: 140 عن المعجم للطبراني ومناقب المهدي لأبي نعيم.
[55] سنن ابن ماجة: 2/1368 باب 34 ح 4087 ومستدرك الحاكم: 3/211 وتاريخ بغداد: 9/434 ح 5050 ومطالب السؤول: 2/81 باب 12 والبيان: 101 باب 3 وذخائر العقبى: 15 و 89، والرياض النضرة: 3/4 و 182 فصل 8 وعقد الدرر: 194، باب 7 وفرائد السمطين: 2/32، باب 7 ح 370 ومقدمة ابن خلدون: 398 باب 53 والفصول المهمة: 284 ط دار الأضواء فصل 12 وجمع الجوامع: 1/851 وصواعق ابن حجر: 160 باب 11 فصل 1 وفي ص 187 باب 11 فصل 2، ح 19 وبرهان المتقي: 89 باب 2 ح 3 واسعاف الراغبين: 124 وعرف السيوطي ، الحاوي: 2/214.
[56] الفردوس: 4/222 ح 6668 والبيان: 118 باب 8 وعقد الدرر: 199 باب 7 والفصول المهمة: 284 فصل 12 وبرهان المتقي: 171 باب 12، ح 2 وكنوز الدقائق: 152 ونور الأبصار: 187 وينابيع المودّة: 181 باب 56 .
[57] ابن أبي شيبة: 15/198 ح 19496 والكامل، ابن عدي: 6/2433 وعقد الدرر: 199 باب 7 وبرهان المتقي: 172، باب 12 ح 6.
[58] البيان : 132 باب 15 وعقد الدرر: 183 باب 6 وفرائد السمطين: 2/316 باب 61 ح 566 ـ 569 والفصول المهمة: 298 فصل 12 وعرف السيوطي، الحاوي: 2/217 وتاريخ الخميس: 2/288 ونور الأبصار: 188 ـ 189.
[59] تخليص المتشابه: 1/417 والبيان: 133 باب 16 وفرائد السمطين: 2/316 باب 61 ح 569 وعرف السيوطي، الحاوي: 2/217، والقول المختصر: 39 باب 1 ح 24 وبرهان المتقي: 72 باب 1 ح 2 وينابيع المودّة: 447 باب 78 .
[60] البيان: 104، باب 3 وسنن ابن ماجة: 2/1367 ح 4084 والمستدرك: 4/463 وتخليص المستدرك: 4/463 و464 ومسند أحمد بن حنبل: 5/277 (مع اختلاف يسير).
[61] المعجم الأوسط: 1/136 ح 157 والبيان : 125 باب 11 وعقد الدرر: 192 باب 7 ومجمع الزوائد: 7/316 ـ 317 ومقدمة ابن خلدون: 396 و 397 باب 53 والفصول المهمّة: 288 مع اختلاف يسير فصل 12 وعرف السيوطي، الحاوي: 2/217 وجمع الجوامع: 2/67 وصواعق ابن حجر: 163، باب 11 فصل 1، كنز العمال: 14/598 ح 39682 وبرهان المتقي: 91 باب 2 ح 7 و 8 وفرائد فوائد الفكر: 3، باب 1 ونور الأبصار: 188.
[62] الصواعق المحرقة ، ابن حجر: 165 طبع مصر .
[63] اسعاف الراغبين، الصبّان: 140.
[64] مستدرك الحاكم : 4/558.
قائد الثورة: هدف العدو هو اثارة الفوضى والفتنة في ايران
أكد قائد الثورة الاسلامية آية الله السيد علي الخامنئي بان هدف العدو على الامد القصير هو زعزعة الامن والاستقرار واثارة الفوضى والفتنة في ايران.
وخلال رعايته صباح اليوم الاربعاء لحفل تخريج دفعة جديدة من الضباط في جامعة "الامام الحسين (ع)"، قال سماحته حول الانتخابات الرئاسية المرتقبة، ان الانتخابات يمكنها ان تكون مصدر الرفعة والسمو ويمكنها كذلك ان تؤدي الى الضعف والمشاكل.
واكد بانه لو تحرك الشعب وفق النظام ومبادئ الاخلاق والتزم الحدود الاسلامية والقانون فان ذلك سيكون مبعث عزة للجمهورية الاسلامية.
واكد قائد الثورة الاسلامية الاهمية القصوى لقضية الامن واضاف، انه على المرشحين للرئاسة الحذر كي لا يعملوا على اكمال مخطط العدو عبر الخطأ في التشخيص.
واشار سماحته الى عوامل اقتدار البلاد والشعب الايراني والسبب في معارضة المناوئين لعوامل الاقتدار هذه، وشرح اهداف الاعداء القصيرة والمتوسطة وبعيدة الامد واكد بانه في ظروف الفوضى التي تعم المنطقة الان فان الامن والاستقرار السائدين في البلاد يعدان من مفاخر الجمهورية الاسلامية الايرانية المستهدفة من قبل قوى الاستكبار.
واوصى المرشحين لرئاسة الجمهورية بعدة قضايا مهمة منها "الاعلان الصريح والحازم بان القضايا الاقتصادية ومعيشة المواطنين تعد اولوية لهم" وقال، ان الامن القومي واستقرار البلاد مهمان جدا وينبغي على المرشحين المحترمين الحذر كي لا يعملوا بسبب خطأ في التشخيص على اثارة التفرقة العقائدية والجغرافية واللغوية والقومية وان لا يصبحوا في مسار مخطط العدو غير المكتمل، لان من يريد العمل خلافا لامن البلاد سيتلقى صفعة قوية بالتاكيد.
واكد قائد الثورة الاسلامية بان العدو يحمل الحقد والضغينة دوما تجاه عوامل قوة البلاد واضاف، ان حرس الثورة الاسلامية يعد احد عوامل قوة البلاد وان المؤشر لغضبهم واستيائهم واضح تماما في الاعلام الدولي وتصريحات سياسيي الاستكبار.
واكد سماحته بان "الاقتصاد القوي والمستقل" يعد من عوامل القوة وقال، ان هذا هو السبب وراء فرض الحظر على ايران واتخاذ الاجراءات المختلفة لضرب اقتصاد البلاد، وحبذا لو شرح الاقتصايون الملتزمون للشعب في البلاد مختلف تدابير المناوئين الرامية لضرب الاقتصاد.
واعتبر قائد الثورة "القوة العسكرية" احد العوامل الاخرى لاقتدار البلاد واضاف، ان الضجيج الواسع المفتعل حول قدرات البلاد الصاروخية يعود للحقد والغضب اللذين يحملهما الاعداء في نفوسهم تجاه عوامل القوة هذه.
واكد القائد العام للقوات المسلحة، اننا نمتلك صواريخ دقيقة جدا حيث بامكانها استهداف الاهداف المطلوبة من مسافة آلاف الكيلومترات بدقة عالية وسنصون هذه القوة ونعمل على تعزيزها ايضا.
واعتبر آية الله الخامنئي "العسكريين المضحين" كالشهيد صياد شيرازي والشهيد شوشتري من عوامل القوة الاخرى واضاف، ان "ايمان وحياء واخلاق الشباب" وكذلك "روح الجهاد والمقاومة لدى الشعب" تعد من عوامل القوة الاخرى ولهذا السبب فانهم يتهمون روح المقاومة والجهاد بتهمة "العنف والتطرف" وللاسف ان البعض يكرر هذه الادبيات الاستعمارية في الداخل.
واكد سماحته بان "المؤسسات الحافظة للامن" من ضمنها "القوات المسلحة" من عوامل القوة الاخرى وقال، ان ارضية الامن اكثر ضرورة واهمية من اي امر اخر، لانه من دون الامن لن يتحقق التقدم العلمي والاقتصادي.
وبعد تبيينه لعوامل اقتدار البلاد، شرح القائد موضوع "حكومة المقاومة" وقال، ان الجمهورية الاسلامية الايرانية هي "حكومة مقاومة" وهي تعني عدم الرضوخ للغطرسة والثبات من موقف القوة والاقتدار.
واكد بان حكومة المقاومة في الجمهورية الاسلامية الايرانية لا تقاس باي عنصر او مؤسسة مقاومة في البلد الفلاني واضاف، ان حكومة المقاومة ذات سياسة واقتصاد وقوات مسلحة وتحرك دولي ومنطقة نفوذ واسعة.
واكد سماحته بان حكومة المقاومة مستهدفة دوما من قبل قوى الهيمنة واذنابها واضاف، ان حكومة المقاومة، لا هي ساعية للهيمنة والسيطرة على الدول الاخرى ولا هي تعتمد موقف الدفاع والانفعال.
واضاف آية الله الخامنئي، ان البعض يتصور انه علينا التقوقع في الموقف الدفاعي لنبعد عن انفسنا تهمة الهيمنة والسيطرة الاقليمية والدولية، في حين ان مثل هذا التصور خاطئ.
واشار الى آيات من القرآن الكريم، مؤكدا بان موقف حكومة المقاومة هي "القوة الرادعة" و"اقتدار الردع" وان الجمهورية الاسلامية الايرانية كما في الماضي ستواصل طريق "القوة الرادعة" باعتمادها على عزمها وجهودها وابداعاتها.
واعتبر قائد الثورة الاسلامية الهدف من سياسة "قوة النظام الاسلامي الرادعة" بانها للحيلولة دون التفكير بالتعرض لايران من جانب قوى الغطرسة الدولية واكد بان على الاعداء ان يعرفوا بانه لو فكروا بالتعرض لايران سيتلقون ردا قاسيا لانه مثلما قيل سابقا فقد ولى زمن "اضرب واهرب" ومن الممكن ان يكونوا هم البادئين الا ان نهاية العمل لن تكون بايديهم.
واشار آية الله الخامنئي كذلك الى اهداف العدو في مواجهة الجمهورية الاسلامية الايرانية واضاف، ان العدو قد جعل في جدول اعماله ثلاثة اهداف وهي قصيرة ومتوسطة وطويلة الامد وان هدفهم على الامد القصير هو "زعزعة امن البلاد وخلق الفوضى والفتنة فيها".
واكد سماحة القائد بان من مفاخر الجمهورية الاسلامية الايرانية ايجاد اجواء آمنة في هذه المنطقة التي تعمها الاضطرابات والعالم المليء بالتوتر وقال، ان هذا الامن اوجده الشعب والمسؤولون المتفانون في ظل الوعي واليقظة والمواكبة المستمرة للامور.
واعتبر قائد الثورة الاسلامية موضوع "الاقتصاد ومعيشة الشعب" بانه يمثل الهدف متوسط الامد للاعداء واضاف، انه في مخطط المناوئين، لا ينبغي ان يتحرك اقتصاد البلاد وان تكون معيشة الناس عرجاء ولا يزدهر العمل والانتاج وان تعم البطالة كالوباء كي ييأس الناس من الجمهورية الاسلامية الايرانية تاليا.
واكد بان الطريق الوحيد للتصدي لهدف الاعداء هذا هو "تنفيذ شعار العام" و"العمل بسياسات الاقتصاد المقاوم" و"ازدهار الانتاج الوطني وتوفير فرص العمل" واضاف، انه لو تمت متابعة هذا المسار فمن المؤكد ان العدو لن يصل الى هدفه.
واعتبر هدف الاعداء طويل الامد بانه يتمثل في "القضاء على اساس النظام" واشار الى ان هذا الموضوع اصبح لا يطرح الان صراحة خلافا لما كان عليه الامر في الاعوام الاولى للثورة واضاف، ان مواجهة "اساس النظام" مدرج الان في جدول اعمالهم عن طريق "تغيير السلوك" وهذا يعني الابتعاد تدريجيا من طريق الاسلام والثورة ونهج الامام الراحل (رض) ومن ثم التحرك في النهاية في المسار المقابل للثورة.
واشار قائد الثورة الى موضوع الانتخابات الرئاسية المقررة اجراؤها في 19 ايار / مايو الجاري وقال، ان الانتخابات تعد احدى الارضيات التي يمكنها ان تفضي الى سمو وشموخ البلاد ويمكنها ايضا ان تؤدي الى الضعف والانحلال وايجاد المشاكل.
واكد آية الله الخامنئي بانه لو شارك الشعب في الانتخابات وترافقت هذه المشاركة مع "النظام والاخلاق والتزام الحدود الاسلامية والقانون" فمن المؤكد ان هذه الانتخابات ستكون مبعث رفعة وعزة لنظام الجمهورية الاسلامية الايرانية ولكن لو تم في الانتخابات خرق القانون وجرت ممارسات سيئة وزرعنا بكلامنا الامل في نفوس العدو فان الانتخابات ستعود بالضرر علينا.
واكد سماحته بان النظام الاسلامي ليس حديث العهد باجراء الانتخابات وقد اجرى العديد من العمليات الانتخابية على مدى الاعوام الـ 38 الماضية وهي تعرف الاجواء الفكرية والوساوس جيدا وقال، ان لي بعض التوصيات للسادة المرشحين المحترمين؛ الاولى ان يقولوا بحزم في برامجهم وتصريحاتهم بان "القضايا الاقتصادية والمعيشية للمواطنين تاتي في اولوية اهتماماتم وانهم سيبذلون الجهود لحل المشاكل الاقتصادية".
واضاف، ان التوصية الثانية هي ان موضوع "الاستقلال الوطني وعظمة ورفعة الشعب الايراني" يجب ان يبرز في تصريحات وبرامج المرشحين.
واكد آية الله الخامنئي بان الشعب الايراني شعب ثوري وشامخ ولا ينبغي اجبار هذا الشعب على الرضوخ امام القوى الكبرى وإضعافه واذلاله لانه شعب حي باقتداره ولو لم يكن هذا الاقتدار لهيمن العدو على البلاد مثلما هيمن على بعض الدول العميلة في المنطقة.
واضاف، انه على السادة المرشحين ان يعلنوا صراحة بانهم سيقفون امام اطماع اميركا وخبث الصهاينة.
وكانت التوصية الثالثة لقائد الثورة لمرشحي الانتخابات الرئاسية هي "صون الامن القومي واستقرار البلاد" واكد انه على المرشحين عدم اثارة التباينات "العقائدية والجغرافية واللغوية والقومية" في البلاد، واضاف، ان العدو كان اعواما طويلة وراء هذا الهدف الا ان المواطنين المؤمنين الكرد واهالي اذربيجان الغيارى واهالي خوزستان العرب واهالي بلوجستان والتركمان، بصفتهم اصحاب الثورة قد صفعوا العدو وتصدوا له بقوة واقتدار.
واكد الاهمية الفائقة لقضية الامن واضاف، انه على المرشحين الحذر كي لا يكملوا مخطط العدو غير المكتمل بتشخيصهم الخاطئ.
ودعا قائد الثورة الاسلامية مسؤولي الامن والاستقرار في البلاد خاصة السلطة القضائية وقوى الامن الداخلي ووزارة الداخلية للحذر وصون الامن الكامل في البلاد وقال، انه لو اراد احد القيام في الانتخابات خلافا لامن البلاد فمن المؤكد انه سيتلقى صفعة قاسية.
واكد آية الله الخامنئي بان الاعداء ارتكبوا حماقة في العام 2009 حينما تصوروا ايران بانها كبعض الدول التي خلقوا فيها الاضطرابات والفوضى الامنية بعدة عشرات الملايين من الدولارات واضاف، ان نتيجة تلك الحماقة هي اصطدامهم بالجدار المنيع لارادة الشعب الايراني وعزمه الوطني.
واكد سماحته بان الامن مهم جدا للشعب والبلاد ويجب حفظ الامن تماما في الانتخابات.
صحيفة البصر
نصّ الوصيّة
من جملة ما أوصى به مولانا الإمام أبو عبد الله جعفر بن مُحمد الصادق عليهما السلام صاحبه النجيب عبد الله بن جندب الكوفي أن حكى له وصيّة السيّد المسيح عليه السلام لأصحابه عندما حذّرهم قائلاً: "وإيّاكم والنظرة فإنّها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه، ولم يجعل بصره في عينه، لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب، وانظروا في عيوبهم كهيئة العبيد، إنّما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى، واحمدوا الله على العافية"1.
مقدّمة
صاحب الموعظة والوصيّة التي سنتشرّف بخدمتها هو روح الله وكلمته التي ألقاها إلى البتول العذراء مريم ابنة عمران عليهما السلام، ورابع أولي العزم من الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم سيّدنا المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام الذي جاء داعياً إلى الله تعالى من لحظة إطلالته على الوجود حين نادى2 أمّه المصطفاة الطاهرة: ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّ﴾3، وكان عليه السلام يسير في سبيل الدعوة إلى الله سيراً حثيثاً "يتوسّد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشِبَ، وكان إدامُهُ الجوع، وسِراجُهُ بالليل القَمَر، وظِلالُهُ في الشتاء مشارِقُ الأرضِ ومغارِبُها، وفاكهتُهُ وريْحانُهُ بالليل ما تُنْبِتُ الأرضُ للبهائم، ولم تكن له زوجة ٌ تَفْتِنُهُ، ولا وَلَدٌ يُحْزِنُهُ، ولا مالٌ يَلْفِتُهُ، ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دابَّتُهُ رجْلاه، وخادمهُ يداه"4.
وأمّا وصيّته المباركة، فكانت للحواريّين الذين قال لهم: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾5، أوصاهم بها كي يأخذوا العبرة من مضامينها، ومن ثم ينقلوها إلى سائر الأمم، فيُخاطبوا بها ذوي القلوب الواعية، والنفوس المتطلّعة إلى ما عند الله، في أن يبذلوا جهودهم من أجل تحرير عقولهم، وتطهير نفوسهم، وقد وصلت إلينا هذه الوصيّة المباركة عبر الرجل النجيب عبد الله بن جندب، وهو قد نقلها لنا عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، وهو الذي إذا أردنا أن نُسلّم عليه أو على أحد من آبائه الطيّبين الطاهرين قلنا السلام عليك يا وارث عيسى روح الله.
إيّاكم والنظرة
لقد زوّد الله تعالى الإنسان بالعين ليعرف طريقه إلى العالم المحيط به، وهي من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الخلائق، ولكن قد يُسيء الإنسان الاستفادة من هذه العين، فيقع في ظلمات كفران النعم، وذلك حين يُصرّ على أن يُبصر بهذه العين ما يُغضب الجبّار جلّ جلاله، فيعصيه بنعمه بدل أن يشكره عليها. وربما يتغافل أو يغيب عنه أنّ الله تعالى يقول وقوله الحق: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولً﴾6.
فمن يفتح عينه في الحرام يُعمي الله بصيرته عن الحقّ، لأنّ الجزاء من جنس العمل، ومَن غضّ بصره فتح الله بصيرته، ومن أطلق بصره أغلق الله بصيرته، وطمس على قلبه والعياذ بالله، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾7. نعم إنَّ الله خبير بما يصنعون يرى أعمالهم مهما دقّت وصغُرت، ويعلم حركاتهم وسكناتهم، ومطَّلع عليها لا يغيب عنه شيء منها: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾8.
وقد روي عن حكيم الأمّة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال: "من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته"9. هذا من كرمت عليه نفسه، وأمّا من هانت عليه نفسه، وكانت بدايته اتباع الهوى، فسوف تكون نهايته الذلّ والبلاء المتبوع بحسب ما أتبَع هواه، ويصير له ذلك عذاباً يُلازم قلبه، وقديماً قد قيل:
مآرب كانت في الشباب لأهلها*** عِذاباً فصارت في المشيب عَذاباً
ومن المأثور من سيرة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ترحّمه على من يُسيطر على شهوته، ويقمع نفسه، فيقول عليه السلام: "فرحم اللّه رجلاً نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه، فإنّ هذه النّفس أبعد شيء منزعاً، وإنّها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى"10.
مصحف البصر
إنّنا نتحدّث عن موضوع مهمّ قد ابتُلي به الكثير من الناس، وهو مَدّ العين بالنظر إلى ما حرّم الله تعالى، وقد ارتأينا أن نبدء هذا الفصل الهام بما روي عن مولانا الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال: "القلب مصحف البصر"11، وقد سُمِّيَ المُصْحَفُ مُصْحَفاً لأنَّه أُصْحِفَ، أي جُعِلَ جامعاً للصُّحُف المكتوبة بين الدَّفَّتَيْن12، وأصبح علماً على القرآن الكريم، فيُقال قرأتُ المصحف ...
وأحد وجوه معنى قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "القلب مصحف البصر" هو: أنّ القلب صحيفة ينتقش فيه ما يُدرك بالبصر، فالإدراك البصري يقع بالقلب والبصر آلية له، فكأنّ البصر قلم يرسم المحسوسات في صحيفة القلب13.
وممّا يجدر الإشارة إليه مطلوب منّا أن نتدبّر المصحف الشريف القرآن الكريم"، وما يحتويه من آيات، وكذلك يتوجّب علينا أن نُراقب ما يرِد عليه من أفكار ومفاهيم في كلّ زمان، فإمّا أن نوافق عليها ونتبنّاها، أو نردّها ونُفندها، فلماذا لا نُكلّف أنفسنا بتدبّر ما احتواه القلب من صور، وبمراقبة ما يرد عليه من أفكار وواردات وصور جديدة، وبالتّالي الرضى بها أو ردّها من حيث أتت. وإنّ أيّ شخص قادر بما آتاه الله تعالى على أن يقوم بمفرده بعمليّات مراقبة وفرز، وتنظيم وتقويم للأفكار الواردة على القلب، وبالتّالي إلغاء موافقات قديمة على استخدام أفكار قلبية14 سابقة، وكلّ ذلك دون أن يُطلع أو يَطلِع أحد على ما يُجريه في داخله، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "من رعى قلبه عن الغفلة، ونفسه عن الشهوة، وعقله عن الجهل، فقد دخل في ديوان المتنبّهين"15.
النظرة تزرع في القلب الشهوة
ممّا تسالم عليه العقلاء في كلّ زمان أنّ النظر الحرام أصل كثير من المصائب التي يقع فيها الناس، وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال: "عمى البصر خير من كثير النظر"16.
وأنت تعلم أيّها القارئ الكريم أنّ أيّ معصية من اللمم قد يفعلها الإنسان، وينتهي أثرها، لكن النظرة الحرام ليست كذلك، فلا ينتهي أثرها، إذ ليست القضية أنّك عندما تنظر إلى تلك الفتاة أو عندما تنظر الفتاة إلى ذاك الشاب تكتب عليهما سيّئة وينتهي الأمر عند هذا الحد، نعم هي سيّئة تُكتب عليهما وسيُحاسبان عليها، فإنْ شاء الله عفا عنهما بكرمه، أو عاقبهما بعدله لكن هناك ثمّة سؤال يطرح نفسه، وهو: هل تقف القضية عند هذا الحد؟
الجواب لا، فإنّ هذه النظرة يعقبها ما بعدها، فأنت تنظر النظرة ويزول أمامك من قد نظرت إليه، وفيما بعد يبدأ الشيطان بتحريك هذه الصورة في الذهن ويُزيّن صورة المنظور، ويجعله صنماً يعكف عليه القلب، ثم يعِدهُ ويُمنِّيه، ويوقد على القلب نار الشهوات، ويُلقي حطب المعاصي التي لم يكن يتوصّل إليها بدون تلك الصورة، ومن ثم تتدرّج الحالة إلى التفكير الطويل الذي يأسر لُبّ هذا الشاب أو تلك الفتاة، فيوصلهم إلى مرحلة تستولي فيها عليهم الشهوات، فيبحثوا عن سُبل قضائها، فإنْ قضوها فيما حرّم الله، وقعوا في المعصية التي تُغضب الباري سبحانه وتعالى، ووقوعهم في هذه المعصية يُسهّل لهم ما بعدها، ثم بعد ذلك يتدرّج بهم الأمر أكثر من السابق حتى يهويان في وادٍ سحيق، كان بدء السقوط فيه تلك النظرة العابرة التي كانت باباً عريضاً لمعصية الله عزَّ وجلَّ، وأعمت القلب عن الإبصار الحقيقي، ولذا ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "العيون طلائع القلوب".
كلّ الحوادث مبداها من النَّظَر***ومعظمُ النار مِن مستصغَر الشَّرَرِ
كم نظرةٍ فَتَكَتْ في قلب صاحبها*** فَتْكَ السهامِ بِلا قوسٍ ولا وَتَر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها في*** أعين الغيد موقوف على الخطرِ
يَسُرُّ مقلتَه ما ضَرَّ مهجتَه لا*** مرحباً بسرور جاء بالضَّرَرِ
كفى بها لصاحبها فتنة
إنّ غلبة الشهوة على عقل الإنسان، وقلبه تجعله يتخبّط في مستنقع آسن يصعب الخروج منه، وقد أطلق الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وصفاً غير محمود على ذلك الإنسان الذي حَمّلَ قلبه دوام الحسرات، وأتعب عقله إلى يوم الممات عندما أذن لتلك الصورة التي التقطتها النظرة الحرام أن تنطبع في عقله وقلبه، وبالتّالي أضحت فكرة - شهوة - تُبنى عليها جملة من الأفكار السلبية، وذلك من اللحظة التي جعلها صاحبها جزءاً من منظومته الفكرية. وقد نَبَّه الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى خطورة هذا الأمر، وذلك فيما روي عنه عليه السلام: "من أطلق ناظره أتعب حاضره، ومن تتابعت لحظاته دامت حسراته"17.
ولأنّ العلاقة بين الشهوة والنظرة علاقة مترابطة متينة لا تنفكّ أبداً كان أخطر شيء على القلب إطلاق العنان للنظر؟! فالنظرة تُكلّم القلب كلماً بليغاً، وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذا الباب، وقد روي عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه جلّ وعزّ إيماناً يجد حلاوته في قلبه"18، والنكتة في إطلاق لفظ السهم على النظر هي تأثيره في قلب الناظر وإيمانه، كتأثير السهم الخارجي في الغرض، ومن هنا أُطلق عليه زنا العين19.
فيا طرف قد حذّرتك النظرة التي*** خلست فما راقبت نهياً ولا زجراً
ويا قلب قد أرداك طرفي مرة*** فويحك لم طاوعته مرّة أخرى
ومن تأمّل كيف تزرع النظرة في القلب الشهوة، عَرف كيف ستُشغل القلب وتُنسيه مصالحه، فتُفسد الإيمان وتُنسي الآخرة والحساب، فينفرط على صاحب ذلك القلب أمرُه، ويقع في مرديات اتباع الهوى والغفلة، والحسرات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطً﴾20.
روي عن مولانا الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال: "إذا أبصرتْ العين الشهوة عمي القلب عن العاقبة"21، ولا يغيبنّ عنكم قول سيّدنا المسيح عليه السلام: "وإيّاكم والنظرة فإنّها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، .."، ونختم هذا الفصل بما رواه الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد لم يره"22.
مضغة الجسد
القلب معدن المعرفة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾23، وقال عزّت آلاؤه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾24، والقلب لغة: خالص الشيء وشريفه، قلب الإنسان وغيره، سُمّي به لأنّه أخلص شيء فيه وأرفعه. وخالص كلّ شيء وأشرفه قلبه25.
وجاء في وصيّة النبيّ الأكرم مُحمد صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه: "إنّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"26، وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "قلوب العباد الطاهرة مواضع نظر الله سبحانه، فمن طهّر قلبه نظر الله إليه"27.
وقال الإمام الصادق عليه السلام: "اعلم: أنّ منزلة القلب من الجسد بمنزلة الإمام من الناس الواجب الطاعة عليهم، ألا ترى أنّ جميع جوارح الجسد شرط للقلب وتراجمة له مؤدّية عنه"28.
لأجل ما تقدّم يُمكننا القول إنّ الله تعالى قد جعل مدار السعادة أو الشقاوة على القلب، فإذا لم يتعهّده صاحبه بذكر الله تعالى ومراقبته، ودوام الخشية منه، فإنّ الشهوات سرعان ما تتسرّب إليه، وتبدأ بوادر المرض تغزوه بواسطة المعاصي والذنوب والمخالفات فيمرض القلب ويفسد، وإذا فسد صار مهبط الظلم الذي يحدث صاحبه بباطلات يغيب عنها الرشد، وينتفي معها السعد، وقد ورد في الحديث النبويّ المرويّ عن النبيّ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "ألا وإنَّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدَت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب"29، وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "أشدّ من مرض البدن مرض القلب، وأفضل من صحّة البدن تقوى القلوب"30.
القلب البصير
إذا مُلئ القلب إيماناً وتصديقاً وفقهاً وإدراكاً لمراد الله، ومراد الذين عصمهم الله عليهم السلام صار القلب مهبط الوحي والأسرار والأنوار، وأخبر صاحبه بما وراءه وأمامه، ونبّهه على أمور لم يكن ليعلمها بشيء دونه يعرف ذلك صاحب كل قلب صالح ذكي ألهمه الله صحة الفراسة الناتجة عن استنارة القلب، والتي يصير القلب فيها بمنزلة المرآة المجلوة حيث تظهر فيها المعلومات كما هي، هذا وقد روي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عيني قلبه، فيُشاهد بها ما كان غائباً عنه"31، وقال حفيده الإمام زين العابدين علي بن الحُسين عليهما السلام: "إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه، فأبصر بهما الغيب في أمر آخرته، وإذا أراد غير ذلك ترك القلب بما فيه"32.
وهذا ما يُطلق عليه نور عين البصيرة، والذي يتّصل بقضاء الغيب اتصال الشعاع بالزجاجة الصافية حال مقابلتها إلى فيضه، ثم ينصرف نوره منعكساً بضوئه على صفاء القلب، ثم يترقّى ساطعاً إلى عالم العقل فيتّصل به اتصالاً معنوياً له عظيم الأثر في استفاضة نور العقل على ساحة القلب، فيُشرق القلب، وعندها يرى ما خفي عن الأبصار موضعه، ودقّ عن الأفهام تصوّره، واستتر عن الأغيار مرآه، ولا غرابة فإنّ الأمر كما روى مولانا الإمام الصادق عليه السلام عن جدّه أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: "وأنّ قلوب المؤمنين مطوية بالإيمان طيّاً، فإذا أراد الله إنارة ما فيها فتحها بالوحي، فزرع فيها الحكمة زارعها وحاصدها"33، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾34، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾35.
فطوبى لمن جعل بصره في قلبه، فإنّه من الذين عناهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾36، على عكس من جعل بصره في عينه، فإنّه يُصيب به حلالاً وحراماً، وقد يعوّده على الحرام والعياذ بالله، وعندها تطبع مرآة بصيرة قلبه بتراكم صدأ الغفلة عن الربّ عزّت آلاؤه، فتتوارى وجوه الحقائق عن بواطن الإفهام، ويمتنع عنها آنذاك إنفاذ نور الإلهام، ولمثل هذا والله أعلم قال السيد المسيح عليه السلام: "طوبى لمن جعل بصره في قلبه، ولم يجعل بصره في عينه" هذا كلامه عليه السلامبعين لفظه، فأمعن النظر فيه، وفيما تلوناه عليك من كلام النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام تجده قد صدر من مشكاة واحدة: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُزَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾37.
النظر في عيوب الناس
"لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب"، تحذير أطلقه روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم عليها السلام، ومن الملاحظ أنّ السيّد المسيح عليه السلام قد استخدم في هذه الفقرة من وصيّته لفظ "الأرباب"، وكأنّه يريد الذين نزعت أرواحهم إلى دعوى الربوبية بسبب محبّتهم للعلوّ على غيرهم من الخلق، أو أنّه عليه السلام أراد أصحاب العبيد الذين ملكوهم بالاسترقاق أو عبر النخاسة، والله تعالى أعلم بمراد السيّد المسيح عليه السلام، ولكنّنا ذكرنا هذين الاحتمالين لأنّنا نعلم أنّ السيّد المسيح وإخوانه الكرام من أنبياء الله ورسله عليه السلام قد أخبرونا أنّ الله كتب على نفسه الرحمة، وقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لمّا رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض: أشرف على رجل على معصية من معاصي الله، فدعا عليه فهلك، ثم أشرف على آخر، فذهب يدعو عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم إنّك رجل مستجاب الدعوة، فلا تدع على عبادي، فإنّهم منّي على ثلاث: إمّا أن يتوب فأتوب عليه، وإمّا أن أُخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح، وإمّا أن أقبضه إليّ، فإنْ شئتُ عفوتْ، وإن شئتُ عاقبتْ"38.
إنّ الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة للمبتلى والمعافى من خلقه، وهو جلّ شأنه يُمهل ولا يُهمل، على عكس الذين يُراقبون الناس ويحصون عليهم عيوبهم، ويستعلون ويتكبّرون عليهم، ولا يُقيمون وزناً للآخرين، ويُسارعون إلى محاكمتهم ومحاسبتهم، فهؤلاء هم من حذّرنا ونهانا السيّد المسيح عليه السلام أن لا ننظر إلى عيوب الناس كنظرتهم حيث إنّ نظرهم هذا مزلّة قدم لا ينزلق فيها إلا جاهل، وخذ إليك مثالاً ما جرى مع سحرة فرعون، وأمرهم لم يكن غائباً عن سيّدنا المسيح عليه السلام عندما أوصى بهذه الوصيّة، فإنّهم قبل لحظات من مواجهتهم وتحدّيهم لكليم الله موسى عليه السلام كانوا لا همّ لهم إلا المال: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾39، فماذا يقول من يتسرّع في الحكم عليهم؟ سيقول هؤلاء كذا وكذا، وينعتهم بأبشع الأوصاف، ويصدر عليهم أقسى الأحكام، والحقّ أنّهم ما إنْ عرفوا الحقّ حتى وقعوا سجّداً، وهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾40، فتأمّل قولهم لما تهدّدهم وتوعّدهم فرعون قائلاً: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾41، ردّ عليه هؤلاء الأولياء بقولهم: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾42.
الناس مبتلى ومعافى
ثم وجّهنا السيّد المسيح عليه السلام قائلاً: "وانظروا في عيوبهم كهيئة العبيد، إنّما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى، واحمدوا الله على العافية"، والنظر في عيوب الناس كهيئة العبيد يوجب الستر عليهم، ورحمتهم، والاستفادة من هذا النظر بأخذ العبرة ممّا ابتلوا به، فبعد أنْ نحمد الله تعالى على أنْ عافانا ممّا ابتلى به غيرنا، يجب علينا أن نسعى لإصلاح عيوب أنفسنا، وقد رُوي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "طوبى لمَن منعه عيبه عن عيوب المؤمنين"43، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك"44، أي: ليمنعك عن أذى الناس والنظر في عيوبهم. ما تعلمه من نقصك في حقّ نفسك، وأنّك في حاجة إلى إصلاحها، فعليك أنْ تشتغل بهذا عن النظر إلى عيوب الناس، وقد أجاد القائل:
إذا شئتَ أن تحيا ودينك سالم*** وحظُّك موفور وعرضك صَيِّنُ
لسانك لا تذكُرْ به عورة امرئ*** فكلُّك عورات وللناس ألسُنُ
وعينك إن أبدتْ إليك مساوئاً*** فصُنْها وقل يا عينُ للناس أعينُ
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإيّاكم ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.
* طلائع القلوب، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- الفقيه المُحدث أبن شعبة الحراني، تحف العقول، ص305، طبعة:2، جماعة المدرسين، قم.
2- يقول أكثر المفسِّرين إنّ الذي ناداها من تحتها هو عيسى المسيح أو جبريل عليهما السلام، وعلّل بعضهم هذا القول بأن الفاعل مستتر، وقال آخرون إنّ الذي نادها هو جبرائيل عليه السلام لأنّ العذراء عليه السلام لحظة ولادتها كانت أعلى الأكمة، وجبريل عليه السلام كان تحتها أسفل الأكمة، ولكن من تأمّل الآيات الواردة في هذا الشأن العظيم يعلم أنّ كلام جبريل قد خُتم بما نقله الله تعالى عنه: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّ﴾، وجاء بعده قول الله سبحانه: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّ﴾ ومن استنطق سياق الآيات التي أتت بعد هذه الآية المباركة، وأعاد الضمائر إلى الآية السالفة الذكر يجزم أنّ الذي نادى البتول العذراء من تحتها هو ولدها العظيم عيسى المسيح عليه السلام.
3- سورة مريم، الآية 24.
4- من كلام مولانا الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، يراجع شرح نهج البلاغة، ج9، ص229، ومن خطبة له عليه السلام رقم 161.
5- سورة الصف، الآية 14.
6- سورة الإسراء، الآية 36.
7- سورة النور، الآية 30.
8- سورة الحديد، الآية 4.
9- عبد الواحد بن محمد الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، ص637، طبعة: دار الكتاب الإسلامي، قم، وابن أبي الحديد المدائني، شرح نهج البلاغة، ج20، ص99، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص13.
10- ابن أبي الحديد المدائني، شرح نهج البلاغة، ج10، ص16.
11- م.ن، الحكمة 409، الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الحكم، ج1، ص273، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج71، ص328 .
12- الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، العين، ج2، ص120، طبعة دار ومكتبة الهلال.
13- حبيب الله الهاشمي الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج21، ص489، طبعة المكتبة الإسلامية، طهران.
14- قال مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام: "العقول أئمّة الأفكار، والأفكار أئمّة القلوب، والقلوب أئمّة الحواسّ، والحواسّ أئمّة الأعضاء.." يراجع محمد بن علي أبو الفتح الكراجكي، كنز الفوائد، ج1، ص200، الطبعة 1: دار الذخائر، قم.
15- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج70، ص68 .
16- الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، ص464، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج74، ص284.
17- محمد بن محمد الشعيري، جامع الأخبار، ص93، الفصل الحادي والخمسون في النظر.
18- محمد بن محمد الشعيري، جامع الأخبار، ص145، الفصل السابع والمائة، والحاكم في المستدرك، ج4، ص249.
19- السيد أبو القاسم الخوئي، مصباح الفقاهة، ج1، ص214، المطبعة الحيدرية، النجف.
20- سورة الكهف، الآية 28.
21- الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، ص285.
22- الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، الإختصاص، ص233.
23- سورة ق، الآية 37.
24- سورة الحج، الآية 32.
25- أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، ج5، ص 17، طبعة دار الفكر 1979 م.
26- الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه، الأمالي، ص 536، الطبعة 1: دار الثقافة، قم.
27- الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، ص 501، طبعة دار الكتاب الإسلامي، قم.
28- الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه، علل الشرائع، ج1، ص109، باب علة الطبائع والشهوات والمحبات.
29- أحمد بن الحسين بن علي الخرساني البيهقي، السنن الصغير، ج2، ص237، طبعة:1، جامعة الدراسات الإسلامية، كراتشي، باكستان، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج58، ص23، باب حقيقة النفس والروح وأحوالهما.
30- ابن أبي الحديد المدائني، شرح نهج البلاغة، ج19، ص337، طبعة 1 : مكتبة المرعشي النجفي، قم.
31- محمد بن زين الدين بن أبي جمهور، عوالي اللئالي، ج4، ص116، حديث 183، طبعة:1، دار سيد الشهداء للنشر، قم.
32- الشيخ الصدوق محمد بن علي، الخصال، ج1، ص240، حديث رقم 90، طبعة:1، جماعة المدرسين، قم.
33- عبد الله بن جعفر الحميري، قرب الإسناد، ص34-35، طبعة:1، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم.
34- سورة محمد، الآية 17.
35- سورة آل عمران، الآية 198.
36- سورة الرعد، الآية 29.
37- سورة النور، الآية 35.
38- جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج3، ص302، طبعة دار الفكر، بيروت.
39- سورة الأعراف، الآيتان113-114.
40- سورة طه، الآية 70.
41- سورة طه، الآية 71.
42- سورة طه، الآيتان 72-73.
43- الشيخ الكليني، الكافي، ج8، ص169.
44- الشيخ الصدوق، الخصال، ج2، ص526، والشيخ الطوسي، في الأمالي، ص541.
بهذا جاء النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
نصّ الوصيّة
من جملة ما أوصى به مولانا الإمام أبو عبد الله جعفر بن مُحمد الصادق عليهما السلام صاحبه النجيب زيد الشحّام1: "اقرأ من ترى أنّه يُطيعني منكم ويأخذ بقولي السلام، وأوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحُسن الجوار، فبهذا جاء محمّد صلى الله عليه وآله وسلم2. أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برَّاً أو فاجراً، فإنّ رسول الله كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صِلوا عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعُودوا مرضاهم، وأدّوا حُقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدقَ الحديث وأدَّى الأمانة وحسُنَ خُلقه مع الناس قيل: هذا جعفريّ، ويَسُرّني ذلك، ويدخل عليّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإِذا كان غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعارُه وقيل: هذا أدب جعفر، فوالله لحدّثني أبي أنّ الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي عليه السلام فيكون زينها، أدَّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تُسأل العشيرة عنه، ويقولون : من مثل فلان؟ إِنّه أدّانا للأمانة، وأصدقنا للحديث"3.
مقدّمة
إنّ نظرية أئمة أهل البيت عليهم السلام في إمامة المسلمين تقوم على أساس أنّ الإمامة منصب إلهي، حيث يتمّ تعيين الإمام بالنصّ عليه من قِبَل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو من قِبَل الإمام الذي قبله، وقد جعل الله طاعة الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام نظاماً للملّة الإسلامية كما بَيّنت سيّدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام. وعلى الرغم من أنّ أئمة أهل البيت قد تركوا هذا المنصب الإلهي بسبب الظروف السياسية التي عاشها المسلمون بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنّ ولاية أهل البيت - التي هي بالأصل ولاية الله تعالى ورسوله -، والممارسة الواقعية لأئمّة أهل البيت عليهم السلام كانت تؤكّد هذا الدور للأمّة تأكيداً واضحاً.
ثم إلى من يفزع خلف هذه الأمة، وقد درست أعلام هذه الملّة، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف؟ ومن الموثوق به على إبلاغ الحجّة وتأويل الحكم إلا أشقاء القرآن وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتجّ الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدىً من غير حجّة، فكانوا فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً وبرّأهم من الآفّات وافترض مودّتهم في الكتاب؟
وانطلاقاً من هنا لم يكن لأئمة آل البيت عليهم السلام همّة إلا تهذيب المسلمين وتربيتهم تربية صالحة كما يريدها الله تعالى منهم، فكانوا مع كلّ من يواليهم، ويأتمنونه على سرّهم يبذلون قصارى جهدهم في تعليمه الأحكام الشرعية، وتلقينه المعارف المحمّدية، ويُعرّفونه ما له وما عليه، ولا يعتبرون الرجل تابعاً وشيعة لهم إلا إذا كان مطيعاً لأمر الله مجانباً لهواه آخذاً بتعاليمهم وإرشاداتهم، ولا يعتبرون حبّهم وحده كافياً للنجاة كما قد يُمنّي نفسه بعض من يسكن إلى الدعة والشهوات، ويلتمس عذراً في التمرّد على طاعة الله سبحانه. إنّهم لا يعتبرون حبّهم وولاءهم منجاة إلا إذا اقترن بالأعمال الصالحة، وتحلّى الموالي لهم بالصدق والأمانة والورع والتقوى"4.
دور الوصيّة في المحافظة على وحدة الأمّة
تَكتسِب أيّ وصيّةٍ أهميتّها الخاصّة - غالباً - من سببَيْن: الشَّخص المُوصي، ومضمون الوصيّة، وقد يُسهِم سببٌ ثالث في هذه الأهميَّة، هو الشخص المُوصَى إليه. المُوصي، فهو أمين الله في أرضه الإمام جعفر بن مُحمد الصادق ع، وقد كانت مضامين وصاياه لشيعته ومواليه ومريديه أن يتّقوا الله تعالى، ويكونوا القدوة الصالحة والأسوة في السلوك بين المسلمين، من أجل المحافظة على الإسلام المحمّدي الأصيل وبالتّالي المحافظة على كيان الأمّة. هذا من ناحية، وهداية الناس إلى طريق الحقّ من ناحية أخرى، وقد التزم أتباع أهل البيت عليهم السلام هذه التوصيات التي تُعدّ من غُرر مكارم الأخلاق، وطبّقوها من موقع القوّة والقدرة، كما التزموا بها في مواضع الضعف والمطاردة، ولذلك لم يُعرف عن شيعة أهل البيت عليهم السلام أنّهم مارسوا عمليّات القمع والاستئصال ضدّ أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى حتى في الحالات التي كانوا يُمسكون فيها بأزمّة الأمور، وإنّما كانوا دائماً يتمسّكون بنهج الدفاع عن النفس عندما يتعرّضون للعدوان في أشدّ الحالات، وقد يتمسّكون بالصبر والسكوت، وتحمّل ألوان الأذى والهضم لحقوقهم الطبيعية تأثّراً بالنهج الذي تبلّغوه عن أئمّتهم المعصومين عليه السلام. وقد أسهم ذلك التزاماً عالياً بسلوكهم الفرديّ والاجتماعيّ بين الناس، فكانوا قدوة لبقية الناس، وأصحاب دور فاعل وتأثير بارز عليهم في الهداية إلى الإسلام الأصيل. والأمثلة في ذلك كثيرة يعرفها المنصفون من المطّلعين على التراجم والطبقات، وعلم الرجال.
محاور الوصيّة
إنّ طاعة الأئمة من آل مُحمد صلى الله عليه وآله وسلم، والوصيّة بتقوى الله تعالى، والورع في الدين، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحسن الجوار، بهذا جاء مُحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم التركيز مرة ثانية وثالثة ورابعة على الأمانة وأدائها، ومضرب المثل في ذلك، وصلة الأرحام، وشهود جنائز عامة المسلمين، وعيادة مرضاهم، وأداء حقوقهم، وحسن الخلق معهم، وبيان أنّ تلك هي صفات شيعة أهل البيت عليهم السلام التي تُدخل السرور على قلوب أئمّتهم سلام الله عليهم.ونحن بدورنا حين نستقرىء هذه الوصيّة الهامّة يتّضح لنا أنّها جملة من مكارم الأخلاق التي لا بدّ لكلّ مؤمن من التخلّق بها، ففكّر أيّها القارئ الكريم في هذه النصائح القدسيّة، وأعد النظر في فقراتها، وانظر ماذا سيبلغه البشر من نهاية السعادة لو طبّقوها، واعلم أنّ من أراد الكمال كلّ الكمال في الفضائل الإنسانية، فعليه بالتدبّر في كلمات أهل بيت العصمة عليهم السلام، ودراية رواياتهم، ومواعظهم ووصاياهم، فإنّها معدن العلم والحكمة.
سلام الإمام عليه السلام
من الملاحظ في هذه الوصيّة أنّ الإمام الصادق عليه السلام ابتدأها بقوله لصاحبه زيد الشحّام: "أقرِأ من ترى أنه يُطيعني منكم، ويأخذ بقولي، السلام"أي: بلِّغ السلام عنّي أصحاب الطاعة في سلوكهم التابعين لنا بالقول والفعل، وبذلك يؤكّد الإمام عليه السلام أنّ التشيّع لهم وموالاتهم ليس مجرّد محبّة تُدَّعى بل هو طاعة لهم فيما يأمرون، لأنّ طاعتهم طاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وطاعة رسول الله طاعة لله عزّ وجلّ5، فمن التزم ذلك، فهو لهم وليّ، ويستحقّ أن يُبلَّغ السلام من الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، وأمّا من كان لله عاصياً ومخالفاً، فهو لهم عدوّ، حتى لو ادّعى مشايعتهم، وحاول أن يُصوّر للناس أنّ مجرّد محبّتهم وممارسة بعض الأعمال البسيطة، كفيل بغفران ذنوبهم، وكان من نتاج دعواه الباطلة أن شجَّع الكثير من الموالين على التساهل في أمور الدّين، وغرّر بهم وأوقعهم في متاهات لا نهاية لها، وأبعدهم كلّ البعد عن أهداف الأئمة المعصومين عليهم السلام.
أجمع الوصايا
إنّ المسلم في حاجة دوماً إلى التذكير والإرشاد، وإنّ أجمع الوصايا وأنفعها، الوصيّة بتقوى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا الله﴾6. وروى أبو بصير، فقال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾7، فقال: "يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر"8. وشدّة التقوى تُسمّى بالورع، ويحصل من خلال شدّة الاحتياط وترك الإنسان لكلّ ما يريبه. روي عن الإمام أبي مُحمد الحسن بن علي عليهما السلام قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك، فإنّ الصدق طمأنينة، والكذِب ريبة"9.
وهذه قاعدة مهمّة في الورع، فكلّ شيء اشتبهتَ فيه اتركه إلى شيء لا تشتبه فيه، ومن مزايا المسلم: شدّة الورع والاحتياط، فإنّه يرى الذنب اليسير القليل عظيماً، لأنّه كما قيل: لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر من عصيت، وهذا الأمر من أهمّ القضايا وأعظمها، ولذلك ما كان المؤمنون الصادقون يستصغرون الذنوب ولو كانت صغيرة هيّنة، وإنّ الذي نفهمه جميعاً ويفهمه كثير من الناس في معنى الورع أن تترك أمراً من الأمور تورّعاً لاحتمال أن يكون محرّماً، أو لاحتمال أن يكون مكروهاً، فقد رُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أنهُ قال: "الوَرَعُ يَحجُز عنِ ارتكاب المحارم"10.
الاجتهاد لله
هذا مطالبة وتوجيه من الإمام الصادق عليه السلام لكلّ مسلم أن يكون مجتهداً لله تعالى في كلّ أقواله وأعماله، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾11.
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "وإذا رأيتَ مجتهداً أبلغ منك في الاجتهاد، فوبِّخ نفسك ولُمها وعيِّرها تحثيثاً على الازدياد عليه، واجعل لها زماماً من الأمر وعناناً من النهي، وسُقها كالرائض للفاره التي لا يذهب عليه خطوة من خطواتها إلا وقدصحّح أوّلها وآخرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُصلّي حتى تتورّم قدماه، وقال: أفلا أكون عبداً شكوراً. أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن تعتبر به أمّته، فلا يغفلوا عن الاجتهاد والتعب والرياضة بحالٍ، ألا وإنّك لو وجدت حلاوة عبادة الله، ورأيتَ بركاتها، واستضأت بنورها لمتصبر عنها ساعة واحدة، ولو قُطّعت إرباً إرباً"12.
صدق الحديث
إنّه عزّ الإنسان وأقوى دعائم الإيمان، وأخو العدل وزينة الحديث، وأمانة اللسان وحلية أهل الإيمان. وتُحدّثنا سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّ السمة الأبرز التي اشتُهر بها قبل النبوّة، والتي كانت إحدى أكبر ركائز الجذب في شخصيّته هي صدق الحديث. وهذا الأمر إنّما يدلّ على استبطان هذه الفضيلة للكثير من مكارم الأخلاق التي يتمتّع بها الأمين الصادق صلى الله عليه وآله وسلم وذلك ممّا دفع أمّ المؤمنين خديجة الكبرى عليها السلام للاقتران بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّ أكثر ما كان يبلغها عنه صدق الحديث، وأداء الأمانة، وكرم الأخلاق.ويكفي في بيان مقام الصدق أنّ الله أشار إلى هذه الصفة في ذاته سبحانه، وأكّد على اتصاف أنبيائه ورسله وأوليائه بها، فقال عزّت آلاءه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلً﴾13، والآيات الكريمة الواردة في ذلك، ومنظومة الأحاديث الشريفة كثيرة وكبيرة جدّاً.
أداء الأمانة
يقول الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً﴾14 ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَ﴾15. لكنّ على الرغم من هذا الأمر الإلهيّ يوجد من يخون الأمانة، فعوضاً عن أدائها إلى أصحابها، فهو يُنكرها أو يُنقص منها أو يُقصّر في حفظها وصيانتها، وهذا من مصاديق الخيانة، فأكثر الأمثلة شيوعاً للخيانة هي خيانة الأمانة، لأنّ القيمة التي تقوم الحياة الاجتماعيّة عليها هي أداء الأمانة.
يقول الإمام زين العابدين علي بن الحُسين عليهما السلام: "لو أنّ قاتل أبي الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأدّيته إليه"16.
وما أكثر الروايات الشريفة التي وردتنا عن أهل بيت النبوّة بشأن الأمانة وأدائها، إلّا أنّنا سننتقي بعض الروايات الّتي تُدلّل على عظمة الأمانة، ووجوب أدائها:
روى مولانا الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس منّا من أخلف بالأمانة"17.
وكذلك روى مولانا الإمام محمد بن علي الجواد عليهما السلام عن أبيه عن آبائه الكرام، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف، وطنطنتهم بالليل، انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة"18.
وروي عنه عليه السلام أنه قال: "ثلاث هنّ زين المؤمن: تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة"19.
وقال مولانا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "أُقسم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثا: "يا أبا الحسن أدِّ الأمانة إلى البرّ والفاجر فيما جلّ أو قلّ حتى في الخيط والمخيط"20.
وقال أبي كهمس: قلتُ لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: عبد الله بن أبي يعفور يُقرؤك السلام، قال: "وعليك وعليه السلام، إذا أتيتَ عبد الله، فأقرأه السلام، وقل له: إنّ جعفر بن محمد يقول لك: انظر ما بلغ به علي عليه السلام عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالزمه، فإنّ عليّاً عليه السلام إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدق الحديث وأداء الأمانة"21.
وديني رعْيُ العهد والود والصفا فما لي ومُختار الخيانة والغدْر
طول السجود
أُمرنا به لما فيه من فضل وكرامة، ومكانة في الانقياد الصادق والكامل للمعبود سبحانه وتعالى، وهو بحدّ ذاته منتهى العبادة، وقد روى ناقل هذه الوصيّة زيد الشحّام عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام فقال: سمعتُه يقول: "أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ الصلاة، وهي آخر وصايا الأنبياء عليهم السلام، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضّأ، فيُسبغ الوضوء، ثم يتنحّى حيث لا يراه أنيس، فيشرف عليه وهو راكع أو ساجد. إنّ العبد إذا سجد، فأطال السجود نادى إبليس: يا ويلاه أطاع وعصيت، وسجد وأبيت"22.
إنّ المصلّي عزيز عند الله تعالـى لأنّه يضع أشرف وأكرم أعضاء بدنه على التراب عبوديةً لله تعالـى، ويُنكّس جوارحه خاضعاً متذلِّلاً له سبحانه، وقد جاء السجود في كتاب الله تعالى مقترناً بالقرب من الله عزّ وجلّ لذلك قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾23، فالمصلّي يلقى من الله الكرامة ظاهراً وباطناً عاجلاً وآجلاً فـي الدنيا والآخرة.
حُسن الجوار
قال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً وسلمان، وأبا ذر والمقداد أن يُنادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه: لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه، فنادوا بها ثلاثاً، ثم أومأ بيده إلى كلّ أربعين داراً من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعنشماله يكون ساكنها جاراً له"24.
وقال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: "ليس منّا من لم يأمن جاره بوائقه"25، ولأنّ حسن الجوار شعبة من شعب الإيمان بالله واليوم الآخر قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيُحْسِنْ إِلى جَارِهِ"26.
وروى الإمام علي الرضا عليه السلام عن آبائه الكرام عليهم السلام عن أمير المؤمنين علي عليه السلام عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنّه سيُورِّثه"27.
من حقوق الجار احتمال أذاه: وذلك بأن يُغضيَ عن هفواته، ويتلقّى بالصفح كثيراً من زلّاته، ولا سيّما إساءةً صدرت من غير قصد، أو إساءةً ندم عليها، وجاء معتذراً منها، فاحتمالُ أذى الجارِ ومقابلةُ إساءتِه بالإحسان من أرفع الأخلاق، وأعلى الشيم.ومن وجوه الإحسان إلى الجار: تعزيته عند المصيبة، وتهنئته عند الفرح، وعيادته عند المرض، وبداءته بالسلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، ومواصلته بالمستطاع من ضروب الإحسان.
ماذا يريد أئمّة الهدى منّا؟
إنّ هذه الوصيّة العظيمة التي وجّهها الإمام الصادق عليه السلام إلينا يحتاج شرحها لمجلد كامل إذا لم نقل عدّة مجلّدات، وبسبب تعذّر إكمال شرح هذه الوصيّة الجامعة نكتفي بإيراد شطر من توصيات أئمة الهدى عليهم السلام التي وجّهوها إلى شيعتهم ومواليهم، والتي تُبيّن بعضاً ممّا يريده الأئمة المهديّين عليهم السلام منّا:
قال مولانا الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: "لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة، وليس أمري وأمركم واحداً. إنّي أُريدكم لله، وأنتم تُريدونني لأنفسكم. أيّها الناس أعينوني على أنفسكم،.."28.
وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال لفضيل: "بلّغ موالينا عنّا السلام، وقل لهم إنّي لا أُغني عنكم من الله شيئاً إلاّ بورع، فاحفظوا ألسنتكم وكفّوا أيديكم، وعليكم بالصبر والصلاة إنّ الله مع الصابرين"29.
وقال مولانا الإمام الباقر عليه السلام لصاحبه خيثمة: "أبلِغ شيعتنا أنّه لا يُنال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أنّ أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره، وأبلِغ شيعتنا أنّهم إذا قاموا بما أُمروا أنّهم هم الفائزون يوم القيامة"30.
وقال عليه السلام لجابر الجعفي: "أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران منالفقراء وأهل المسكنة، والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكَفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء..."31.
اللهمّ إنّا نُقسم عليك بحقّ محمّد وآل محمّد عليهم السلام أن تمنّ علينا بحقيقة الولاية، وأن توفّقنا للسير على نهج أهل بيت نبيّك عليهم السلام بالقول والعمل.
* طلائع القلوب، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- أبو أسامة زيد الشحّام بن يونس الكوفي، من أصحاب الإمامين أبي عبد الله الصادق، وأبي الحسن الكاظم عليهما السلام وقد روى عنهما جملة من الآثار الشريفة، وأورد له الكشّي رواية نقلها عن الإمام أبي جعفر مُحمد بن علي عليه السلام بلا واسطة، وفي ذلك دليل على أنّه ممّن رأى وسمع الإمام الباقر عليه السلام، وقد نقل عنه الكثير من الثقات من أصحاب الأئمة عليهم السلام، وهو ثقة عين له كتاب يرويه عنه جماعة، وقد بَشّره الإمام الصادق عليه السلام بأنّه "معهم" أهل البيت، وقد نقلنا هذه الترجمة بتصرّف، يراجع رجال الكشي، محمد بن عمر، ج1، ص13، وج2، ص627-628، طبعة: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، تحقيق السيد مهدي الرجائي، قم، والشيخ عباس القمي، الكنى والألقاب، ج1، ص6، باب الأول، تقديم محمد هادي الأميني.
2- كذلك هي ممّا أوصى به الإمام أبو محمد علي بن موسى الرضا والإمام أبو محمد الحسن بن علي الزكي العسكري عليهم السلام، يراجع فقه الرضا، ص356، طبعة:1، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص372.
3- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص636،باب ما يجب من المعاشرة.
4- الشيخ محمد رضا المظفر رحمه الله، عقائد الإمامية، ص134-135، طبعة:2، مركز الأبحاث العقائدية.
5- قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أطاعـني، فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن أطاع عـليّاً، فقد أطاعني، ومن عصى عـليّاً، فقد عصاني"، يراجع الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج3، ص130، حديث 4617، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلق الذهبي في تلخيصه للمستدرك: صحيح، والروايات من طريق العترة الطاهرة متواترة متظافرة في وجوب طاعة الأئمة من آل مُحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
6- سورة النساء، الآية، 131.
7- سورة آل عمران، الآية 102.
8- الشيخ المُحدث الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي، الزهد، ص17، حديث رقم 37، طبعة:2، المطبعة العلمية، قم.
9- محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج4، ص110، حديث 7046، طبعة 1: دار الكتب العلمية، بيروت،والحسين بن محمد بن حسن بن نصر الحلواني، نزهة الناظر وتنبيه الخواطر، ص28، طبعة:1، مدرسة الإمام المهدي عليه السلام، قم، وأبو الفتح محمد بن علي الكراجكي الطرابلسي، كنز الفوائد، ج1، ص351، طبعة:1، دار الذخائر، قم.
10- عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد التميمي الآمدي، غرر الحكم ودرر الكِلم، ص77، طبعة: دار الكتاب الإسلامي، قم.
11- سورة العنكبوت، الآية 69.
12- منسوب للإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ص170، باب الثمانون، طبعة: 1، مؤسسة الأعلمي.
13- سورة النساء، الآية 122.
14- سورة الأحزاب، الآية 72.
15- سورة النساء، الآية 58.
16- الشيخ الصدوق، الأمالي، ص246، طبعة:1، تحقيق ونشر مؤسسة البعثة، قم.
17- الشيخُ مُحمّدْ بن الحسن الحُر العاملي، وسائل الشيعة، ج 19، ص 57 ـ 78.
18- الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه، الأمالي، ص302-303، المجلس الخمسون، طبعة6، كتابجي، طهران.
19- الآمدي التميمي، غرر الحِكم ودرر الكلم، الفصل السابع في المؤمن صفاته وعلائمه، الحكمة 1558.
20- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 74، ص 273.
21- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص104، باب الصدق وأداء الأمانة.
22- م.ن، ج3، ص264، باب فضل الصلاة .
23- سورة العلق، الآية 19.
24- الشيخ المُحدث الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي، الزهد، ص42، باب حق الجوار، حديث رقم 113.
25- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 68، ص 260.
26- أبو القاسم الطبراني، مكارم الأخلاق، ج1، ص388، حديث 211، طبعة:1، دار الكتب العلمية، بيروت.
27- الشيخ أبو جعفر مُحمد بن الحسن الطوسي، الأمالي، ص520، المجلس الثامن عشر، طبعة:1، دار الثقافة، قم.
28- أبن أبي الحديد المدائني، شرح نهج البلاغة، ج9، ص31.
29- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج79، ص232.
30- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 1، ص 93.
31- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 74.
ماكرون بعد انتخابه: سنكون في الخط الأمامي لمواجهة الإرهاب وندافع عن أوروبا
فوز المرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية إيمانويل ماكرون بنسبة تجاوزت 65% بينما حصلت منافسته مارين لوبان على 35% من أصوات المقترعين.
فاز المرشح إيمانويل ماكرون بالانتخابات الرئاسية الفرنسية بنسبة تجاوزت 65.5% من مجمل أصوات الناخبين، فيما حصلت منافسته مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان على 34.5%.
وذكرت وسائل إعلام فرنسية أن نسبة المشاركة في التصويت بلغت 74%، فيما وصل عدد الأوراق اللاغية والممتنعة عن التصويت 4.2 مليون ورقة.
وفي أول خطاب له بعد بعد انتخابه رئيساً لفرنسا توجه إيمانويل ماكرون بالشكر إلى كل الفرنسيين، الذين وعدهم بأن يعمل كي يكون أهلاً لثقتهم.
كما وجه ماكرون التحية لمنافسته مارين لوبن، وقال "سأعمل على تعزيز التضامن بين الفرنسيين وسأدافع عن أوروبا ووحدة المصير".
وأكد ماكرون التزام فرنسا بأن تكون في الخط الأمامي لمواجهة الإرهاب وأولاً على أرضها.
ونقلت وكالة فرانس برس عن ماكرون قوله فور إعلان نتائج الانتخابات إن "صفحة جديدة تفتح في فرنسا هي صفحة الأمل والثقة المستعادة".
وعلى الفور هنّئ الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الرئيس المنتخب، كما رحبت برلين بانتخاب ماكرون، وأكدت أنّ فرنسا تبقى "في قلب أوروبا".
من جهته غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على موقع "تويتر" مهنئاً ماكرون، وقال "تهانينا لماكرون على فوزه الكبير كرئيس مقبل لفرنسا، وأتطلع كثيراً إلى العمل معه".
كما هنأت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ماكرون على انتخابه رئيساً، وكذا فعل رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، الذي قال إن الفرنسيين اختاروا "مستقبلاً أوروبياً".
لوبان: سنكون قوة المعارضة الرئيسية لماكرون
من جهتها ظهرت مارين لوبان أمام مناصريها في مقر حملتها الانتخابية وقالت إنها اتصلت بماكرون وهنأته بالفوز، وأوضحت أن "الفرنسيين صوّتوا للاستمرارية"، وأضافت "الفرنسيون أمام رهانات جديدة في الانتخابات التشريعية المقبلة".
لوبان أشارت إلى أنّ الجبهة الوطنية التي تقودها ستكون قوة المعارضة الرئيسية لماكرون.
استراتيجية أميركا في العراق بعد "داعش"
بعد الهزائم المتكررة التي مني بها تنظيم "داعش" الإرهابي على يد القوات العراقية لاسيّما في مدينة الموصل شمال غربي البلاد، وظهور بوادر كثيرة لإمكانية اضمحلال هذا التنظيم كوجود عسكري في العراق، أخذت الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة "دونالد ترامب" تخطط لما بعد "داعش" الذي يعتقد معظم المراقبين بأنه سيبقى يمارس أعماله الإجرامية بحق المدنيين للتعويض عن خسائره وهزائمه في العراق وسوريا.
ووفقاً للمعطيات الميدانية والسياسية التي أفرزتها التطورات الأخيرة يبدو أن واشنطن مقبلة على تنفيذ عدد من السيناريوهات في العراق لتثبيت وجودها في هذا البلد. ويمكن تلخيص هذه السيناريوهات بما يلي:
- تعزيز التواجد العسكري الأمريكي خصوصاً في محافظة الأنبار غرب العراق وتحديداً في قاعدة "عين الأسد"، وكذلك في أطراف مدينة الموصل وتحديداً في القاعدة الجوية في قضاء القيّارة "جنوب الموصل".
- التحرك باتجاه تقسيم العراق في إطار المشروع الأمريكي المسمى بـ "الشرق الأوسط الكبير أو الجديد" خصوصاً مع وجود مساعي للانفصال من قبل بعض المكونات العراقية لاسيّما المكون الكردي الذي يطمح الكثير من قادته إلى إعلان الانفصال عن العراق رغم التحديات التي تواجههم في هذا المجال وفي مقدمتها رفض الحكومة المركزية في بغداد والمكونات الأخرى لهذا المشروع لاسيّما من قبل الشيعة في الجنوب والوسط باعتباره يمثل مقدمة لتقسيم العراق.
وما يعزز الاعتقاد بوجود هذا السيناريو هو المؤتمرات التي رعتها الدول الغربية وفي مقدمتها أمريكا والتي عقدتها بعض الأطراف السياسية العراقية التي تعيش خارج البلاد، كالتي حصلت مؤخراً في تركيا والتي تهدف إلى تكريس فكرة التقسيم من خلال الدعوة إلى إقامة إقليم "سنّي" في المناطق الغربية من العراق وتحديداً في الموصل والأنبار.
ويعتقد المحللون بأن هذا الإقليم في حال حصوله سيحظى بدعم تركيا في الموصل والمناطق التابعة لها ودعم السعودية في الأنبار والمناطق المحيطة بها وذلك من خلال التنسيق مع الإدارة الأمريكية التي يهمها ترتيب أوراقها في المرحلة الراهنة بما يضمن لها السيطرة على مقدرات المنطقة في إطار مشروعها الأوسع المعروف بـ "الشرق الأوسط الكبير أو الجديد".
ومما يساعد على افتراض مثل هذه السيناريوهات هو رغبة الإدارة الأمريكية بإبقاء العراق تحت هيمنتها بحجة محاربة الإرهاب، في حين أثبت العراقيون وقواهم الشعبية والمسلحة قدرتهم الفائقة على دحر الإرهاب دون الحاجة للاستعانة بالقوات الأمريكية التي تسعى للعب دور أكبر في العراق في إطار ما يسمى بـ "التحالف الدولي" الذي تقوده واشنطن لضمان بقائها مدة أطول في هذا البلد.
وما يدعو إلى الاستغراب هو انضمام بعض الأطراف السياسية خصوصاً المحسوبة على المكونين السنّي والكردي لدعم هذا السيناريو، في وقت يفترض فيه أن تقف جميع الأطياف العراقية صفاً واحداً لرفض التقسيم والدفاع عن وحدة البلد وسيادته تمهيداً لإعادة بنائه وتعزيز الأمن والاستقرار في ربوعه بعيداً عن أي تدخل أجنبي.
والأمر الآخر الذي ينبغي الإشارة إليه في هذا المضمار هو محاولة أمريكا لتوظيف العناصر الإرهابية من بقايا "داعش" وغيره من التنظيمات المرتبطة به لزعزعة الاستقرار في مناطق مختلفة من العراق، خصوصاً القريبة من الحدود الإيرانية كديالى ضمن خطتها الرامية إلى إشغال المنطقة عن قضاياها الرئيسية وفي مقدمتها التصدي للكيان الإسرائيلي ومشروعه "من النيل إلى الفرات" الرامي إلى التمدد على حساب دول المنطقة وتقويض استقرارها والعبث بأمنها ومقدراتها.
ويرجح البعض أن تلجأ أمريكا مرة أخرى إلى إثارة النعرات الطائفية بين العراقيين كما فعلت في الآونة الأخيرة خلال عمليات تحرير الموصل لمنع الحشد الشعبي من المشاركة في هذه العمليات، وكما فعلت في السابق وتحديداً خلال عامي 2006 و 2007 والتي أودت بحياة الكثير من المدنيين في مختلف مناطق البلاد.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن الكثير من المتابعين للشأن العراقي يعتقدون بأن الإدارة الأمريكية ستسعى أيضاً لتوظيف فترة إعادة إعمار العراق لتكريس وجودها بحجة المشاركة في هذا المجال، في حين يعتقد الكثيرون بأن أمريكا هي التي ساهمت في تدمير الكثير من البنى التحتية في العراق بحجة ضرب مقرات ومواقع الجماعات الإرهابية كما حصل في الموصل مؤخراً ومن بينها ضرب الجسور التي تربط بين شقي المدينة وباقي المؤسسات الحيوية كجامعة الموصل.
أخيراً ينبغي التأكيد على أن العراقيين وبما عرف عنهم من وعي وذكاء وحرص على بلادهم سيفشلون أي مخطط يرمي إلى تقسيم العراق مهما كانت التحديات التي تواجههم في هذا المجال، وما يؤكد هذا الاعتقاد هو الوقفة والثبات البطولي الذي أبداه العراقيون في محاربة الإرهاب خلال السنوات الماضية.
کلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء جمع من قادة وضباط وجنود الجيش
کلمة الإمام الخامنئي في لقاء جمع من قادة وضباط وجنود الجيش بمناسبة يوم جيش الجمهورية الإسلامية في إيران (1) ــ 19-4-2017
أميركا لا تستطيع إرتكاب حماقة ضد نظام يحظى بدعم شعبه
المحاور الرئيسية
• جيشنا اليوم جيش عقائدي يتمتع بدوافع معنوية نبيلة
• جهوزيّة الجيش واقتداره ضمانُ أمن البلاد
• الوضع الإقتصادي مستهدف فلنعمل على تحصينه
• الإقتصاد المقاوم سبيل منعة البلاد وعزتها
• الخوف من تهديد الأعداء يفتح بابا لتسلطهم وهيمنتهم
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين وعلى آله الطيّبين الطّاهرين المعصومين لا سيّما بقيّة الله في الأرضين.
زوجاتكم وأولادكم رفاق سلاح لكم
أعيادكم مباركة؛ مبارك لكم يوم الجيش، مبارك العام الجديد، مبارك عيد المبعث في السابع والعشرين من رجب وعيد مولد المولى في الثالث عشر منه. أعياد مباركة عليكم وعلى عائلاتكم المحترمة. مبارك لأولادكم وزوجاتكم. والحقيقة أنّ عائلاتكم وزوجاتكم وأبناءكم هم رفاق سلاح وشركاء لكم في الكفاح في حياتكم كمقاتلين، بكل ما تحمله كلمة حياة المقاتل من صعوبات ومشقات وضغوط وجهاد وما شابه. إنّ زوجاتكم وأولادكم الذين يواسونكم ويدعمونكم في هذه الظروف، هم حقًّا رفاق سلاح لكم وشركاء قتال معكم.
"عيد الجيش" إعلان بإحتضان الإمام له بهويته وتشكيلاته
إن تحديد يوم كعيد للجيش، كان من أفضل وأذكى الأعمال الكبرى لإمامنا العزيز؛ فإنّ هذا العمل قد عزز ثبات قواعد الجيش وعمّق جذوره في هذه البلاد وأدخل اليأس إلى قلوب الكثير من المتآمرين والمتوهّمين الذين كانوا قد خطّطوا وحضّروا لأمور أخرى مغايرة.
كان تحديد الإمام ليوم الجيش يعني أنّ الثورة ونظام الجمهورية قد قبلا بالجيش،: بهويته هذه وبتشكيلاته وارتضيا به، وأن الجيش مؤيَّد من قبل الثورة والنظام. حسنًا، تلك الهوية من حيث تركيبها البشري وهيكليّاتها وتشكيلاتها كانت موضع تأمّل وتردّد. جسم مؤلف من مجموعة عناصر مؤمنة مثل بقية أفراد الشعب ولكن رأس ذلك الجسم غير جدير بالثقة، مع وجود بعض الخلل والآفات داخل تلك المنظمة. هكذا كان. لكن الإمام قام، ولكي يبطل مفعول أي مؤامرة ضد القوات المسلحة وجيش الجمهورية الإسلامية، حدّد يومًا للجيش. أي إنّني أقبل وأرتضي بهذا الجيش وبهذه الخصوصيات والمواصفات وإنّ النظام يؤمن بهذا الجيش. وبالطبع أنا العبد كنت قد تحدثت مع الإمام (رضوان الله عليه) عشرات المرات، وفي عشرات الاجتماعات -إما بشكل ثنائي أو بحضور بعض الأشخاص الآخرين– وأعرف حق المعرفة، أنّ فكر الإمام وإرادته القلبية ونظره العميق "أنه يجب دعم الجيش والمحافظة عليه، يجب تقوية الجيش". الحق والإنصاف أنّ رأي الإمام كان رأيًا صائبًا وصحيحًا.
أ ــ الجيش أوّل من تصدّى لمؤامرة تغيير هويته
ولقد تألق هذا الجيش في الأحداث التي تلت انتصار الثورة. إذا أراد المرء بيان بعض القضايا بالتفصيل، فسيكون الأمر صعبًا. على سبيل المثال، بالنسبة للمؤامرة التي حيكت داخل الجيش، فقد واجهها الجيش قبل الجميع. هذا أمر بالغ الأهمية. كان هناك الكثير من الأشخاص –وهم الآن موجودون أيضًا- داخل المؤسسات التابعة لنظام الجمهورية الإسلامية، يريدون إيجاد اختلال من الداخل. في ذلك الزمان كانوا أكثر من الآن وقد كانت الدوافع أكثر والجهود أكبر كذلك. كانوا يريدون خلق مشكلة للجيش من داخله. أي أن يصيغوا للجيش هوية غير منسجمة مع النظام الإسلامي. أول من قام وتصدى لهذه الدوافع وهذا الإخلال، كان الجيش نفسه. لم يكن باستطاعة أي قوة خارج الجيش -سواء الأجهزة الأمنية والمخابرات أو القوات العسكرية– أن تواجه مثل هذه المؤامرة على القوات المسلحة. أما الجيش فكان قادرًا على المواجهة. وقف وتصدّى بقوة. يوجد العديد من هذه الأمثلة والنماذج الشبيهة.
ب ــ نماذج من أفراد الجيش يتمتعون بمراتب معنوية عالية
الحق والإنصاف، فإنّ تجربة الجيش في أيام الدفاع المقدس هي تجربة مليئة بالفخر والعنفوان. وهذا ما شاهدته، أنا العبد، عن قرب وها أنا أنقله لكم. الكثير منكم شباب ولم تعايشوا ذلك الزمان –لم تكونوا في الجيش وحتى أنّ بعضكم لم يكن قد ولد حينها– نحن كنا نرى هذه الأمور عن كثب. لقد أدّى الجيش أدوارًا طيبة وقدّم لوحات رائعة. وفضلًا عن دوره في المسائل العسكرية والحرب والقتال، فقد أظهر مشاهد جميلة مدهشة. على سبيل المثال لا الحصر، إن أردت أن أذكر بعضها، لقد أظهر أفراد من الجيش أنهم يتمتعون بمراتب معنوية وأخلاقية عالية؛ أثبتوا هذا عمليًا. حسنًا، في مقام الكلام، كلّنا يمكن أن نتحدث أو ننطق بهذا. أنا العبد أيضًا، أتكلم بكل هذا عن الله والقيامة والجنة والنار، يجب اختبار هذا أثناء الحوادث وفي التجارب، ليظهر حقًا كم أخشى الله، كم أراعي الأصول، كم أخاف من جهنم. هذه هي المسألة؛ يجب مشاهدة هذه الأمور عمليًا.
لقد كان عندنا ـ ولدينا الآن ـ أفراد في الجيش أثبتوا عمليًا أنهم على مستوى معنوي رفيع. أحدهم هو هذا الـ"صياد شيرازي"، وآخر هو هذا الـ"بابايي". ما لدينا من هذه النماذج ليس بالعدد القليل. من ذكرتهم هما من الأشخاص المعروفين. هناك الكثير من أمثالهما. أنا شاهدت هذه النماذج عن قرب، عندما كنت لفترة في الأهواز. ولقد ذكرت هذا مرارًا، كنت أتفقد في منتصف الليل قوات لواء من الجيش في الأهواز -عتادهم وإمكاناتهم أقل من كتيبة – فشاهدت قائد طاقم دبابة، قد وقف يصلي صلاة الليل قرب دبابته في تلك الصحراء وسط الرياح الباردة؛ منتصف الليل في صقيع الشتاء، وقف يصلي صلاة الليل. أصلًا في تلك الأيام، لم تكن قد راجت بعد ثقافة البكاء والتضرع وأحوال شباب التعبئة وما شابه. لقد رأينا هذا عن قرب. أو ذلك الرائد أو المقدّم كما أعتقد، الذي جاءني متأثّرًا وتكاد دموعه تنهمر، فظننت في البداية أنه يريد أن أساعده ليأخذ مأذونية، يشعر مثلًا بالقلق والتوتر ويريد الانتقال من الأهواز، جاءني وكان طلبه الوحيد:" ساعدوني كي أتمكّن من الالتحاق بهؤلاء الشباب المتطوعين الذين أتوا مع الدكتور مصطفى شمران ويذهبون معه "لصيد الدبابات" -كما كانوا يسمّونها. بالله عليكم ألا يمكنكم عمل شيء لأذهب معهم؟" ضابط في الجيش –لا أذكر الآن رتبته بالضبط، افترضوا أنّه مقدّم – يأتي إلي ويريد التطوع مع شباب التعبئة، الذين أتوا من طهران ويريدون التسلل في ظلام الليل لتوجيه ضربات مركّزة لقوات العدو. هكذا كان الوضع في بدايات الحرب؛ يريد الالتحاق والتعاون معهم.
جيشنا اليوم جيش عقائدي يتمتع بدوافع معنوية نبيلة
حسنًا، لقد أظهر الجيش هويته. أريد ان أقول لكم: إنّ جيشنا اليوم هو جيش عقائدي، إنه جيش معنوي ويتمتع بدوافع طاهرة ومقدسة. هذا أمر ذو قيمة عالية. إذا تأملتم بالقوات المسلحة للكثير من البلدان، سترون التوحش والهمجية وروحية القتل وكأنها قد أصبحت جزءًا من ذواتهم. القوات المسلحة التي يتوقع منها أجواء كهذه، إذا بها تعد وتخرّج من بين أقسام الجيش المختلفة، أفرادًا أخلاقيين وطاهرين وذوي مقامات عالية، شبابًا مؤمنين، لديهم دوافع طاهرة. هذا أمر قيّم جدًا وهو ما نشاهده نحن اليوم. وبرأيي، فإنّ هذا الأمر هو من أهم نتائج العمل الذي قام به إمامنا العظيم في تحديده ليوم الجيش.
حسنًا، إنّ رسالتي لكل أفراد الجيش هي أن يعرفوا قدر وقيمة هذه الموقعية، وقدر خدمة كهذه. أنتم تؤدون الخدمة العسكرية ولديكم مشاركة فعالة في مؤسسة عسكرية، وهذا ما يحسبه الله حسنة وثوابًا لكم. هذا أمر عظيم القيمة، اعرفوا قدر هذا. حافظوا على هذه الحالة. ضاعفوا، يومًا بعد يوم، الاستعداد المعنوي والروحي وحالة الاندفاع لديكم ولدى الأفراد الذين هم تحت مسؤوليتكم.
جهوزيّة الجيش واقتداره ضمانُ أمن البلاد
يحظى الأمن والأمان بأهمية كبرى في أي بلد. قد ينقطع الخبز في بلدٍ ما، يحدث قحط أو مجاعة، يكون هناك مشاكل وأزمات وفقدان للأمن أيضًا. إذا قيل للناس: هل تريدون الخبز أو الأمن؟ لا شك أنّهم سيفضلون الأمن. أي هذا الأمر الذي يضعف حاليًا بسبب تدخل القوى الكبرى في منطقتنا والكثير من مناطق العالم. افترضوا أن حافلة تتحرك من مكان لآخر وكل ركابها لا يشعرون بالأمان ولا يوجد ضمان أن لا يهاجمهم العدو في أي لحظة، الشوارع هكذا أيضًا، وداخل المنازل أيضًا، كيف سيكون الوضع؟ الأمن أمر بالغ الأهمية. دور القوات المسلحة مهم جدًا في ضمان الأمن. من الممكن أن لا يتحرك الجيش أو لا يكون لديه مظاهر مسلّحة يلاحظها الناس، لكنّكم، كلّما كنتم أكثر قوة واقتدارًا، فإن هذا سيرسّخ الأمن والأمان في البلاد. القوات المسلّحة ومن خلال طاقاتها واقتدارها وجهوزية دوافعها، توجد الأمن وتضمنه في البلاد. هذا من جملة المسائل الهامة.
رسالتي لكل أفراد الجيش هي أن يضاعفوا هذه القوة والاقتدار بكل ما يستطيعون. حتى الحارس البسيط الذي يتولى حراسة نقطة ما، بوسعه أن يكون مؤثرًا في تقوية الجيش. فهو حين يحرس جيدًا، فلا يتكاسل، بل يحدّ النظر جيدًا حيث يجب أن ينظر ويحرس، فإنه يساعد وبهذه النسبة في تقوية المؤسسة العسكرية؛ سواء في الجيش أو الحرس أو أي مؤسسة أخرى، وصولًا للقادة وقطاع التصنيع الحربي والمخططين وأمناء المستودعات وصنّاع القرار والاستراتيجيين وغيرهم. يمكن لهؤلاء جميعًا أن يؤثروا في تقوية المؤسسة العسكرية. ولهذا قدّروا هذا واعلموا أن أي حركة يقوم بها أي واحد منكم، إنما هي عمل موجب للرضى الإلهي وتكتب في سجل حسناتكم.
لمضاعفة الأشخاص " القدوة" بين صفوفكم
ضاعفوا عدد الأشخاص البارزين، الذين يمكنهم أن يكونوا قدوة بينكم. فليعمل الجميع على ترويج النموذج. إن الشهيد "بابايي" هو أسوة ونموذج حقًا؛ نموذج أخلاقي وليس نموذجًا عسكريًا فقط. إنه إنسان مقدس. وهكذا هو الشهيد "صياد" والكثير الكثير غيرهم ممن قد لا يذكر الإنسان اسمهم الآن أو أنّ بعضهم لا نعرفه أصلًا. عددهم كبير جدًا، كانوا في الجيش وكان لهم حضورهم وتأثيرهم. ضاعفوا هذه النماذج يومًا بعد يوم، وروّجوها داخل هذه المؤسسة العظيمة والمحترمة ذات الهيبة المادية والمعنوية.
لتكن جميع مؤسسات البلاد ـ متحدة ـ حصونا للرعية
حسنًا، لقد قيل إنّ "الجنود حُصونُ الرعيّة". من المهم جدًا أن نعرف أنّ حصون الرعية لا تنحصر فقط بالقوات المسلحة، فهي من جملة أهم حصون الرعية وضمان أمنها. وهذا أيضًا "بإذن الله ". "فالجنود بإذن الله حُصون الرَعيّة"(2). إنّ كل الأجهزة والقطاعات المختلفة بوسعها أيضًا أن تنسجم وتتكامل مع الجيش؛ القطاعات الاقتصادية، القطاعات الثقافية، القطاعات التعليمية، القطاعات البحثية والتحقيقات، مجموع مؤسسات وقطاعات البلاد. ما ننتظره من القطاعات المختلفة هو هذا. على الجميع أن يسعوا ليقوموا بدور الحصن والسور والحاجب في مواجهة هجمات العدو على بلادهم وشعبهم، فليعملوا وليقوموا بالأنشطة والمشاريع؛ سواء في المنظومة الاقتصادية أو الثقافية أو العلمية والبحثية أو العسكرية. فليكن هذا هدف الجميع.
الأعمال متنوعة ولكن الهدف واحد. بناءً على هذا، إن كان الهدف هو الحراسة والمحافظة على الأمن القومي، على العزة الوطنية، على تنمية البلاد وتقدمها، حفظ البلاد من شر الأعداء، فستعمد كل المؤسسات العسكرية والجامعية والبحثية والثقافية والاقتصادية كلها، وبواسطة الموارد الإنسانية العظيمة العاملة فيها، إلى التكامل وستعمل معًا وتساعد بعضها بعضًا ولن تنظر لبعضها بعضًا نظرة المنافسة ولا الحسد. عند ذلك يتحقق في البلاد انسجام كهذا. وهو الأمر الذي نعتمد عليه.
الوضع الإقتصادي مستهدف فلنعمل على تحصينه
أنا العبد، قد سلّطت الضوء وركزت على الشعارات الاقتصادية في السنوات الثلاثة الماضية، لأني شعرت أن العدو يريد توجيه ضربة إلى هذه المنظومة الوطنية من الناحية الاقتصادية. إن كنا نعاني من مشكلة اقتصادية، فإنّ الأقسام المختلفة لن تتمكّن من القيام بالأعمال الجيدة المطلوبة منها. لذلك، يجب علينا أن نرى اليوم، ما هي تلك النقاط الحساسة والمفتاحية بين مجموعة الواجبات والمسؤوليات الملقاة على عاتق مسؤولي البلاد، على الحكومة، على السلطات الثلاث والمؤسسات المختلفة في هذه المنظومة. فمن الممكن أن تكون هناك نقطة أساسية ومفتاحية اليوم، ويوجد غدًا نقطة غيرها. إن تقوية الاقتصاد هي اليوم نقطة مفتاحية ولها الأولوية. ولهذا فأنا العبد أركز عليها، أؤكد على معيشة الناس، معيشة العاملين في القطاعات المختلفة، معيشة أفراد القوات المسلحة. يجب متابعة هذه الأمور، يجب العمل عليها بمنتهى الجدية. وهذا يقع على عاتق المسؤولين. إذا نظر المسؤولون إلى دوافع العدو، فإنهم سيتصدّون لهذه الأعمال بدافع أقوى. نحن حين نطالع كلام الأعداء أو نستمع إلى تصريحاتهم، نجد أنهم يركزون في الواقع على هذه النقطة بالذات، علّهم يتمكنون من استغلال نقاط الضعف الاقتصادية والنواقص الاقتصادية للتخريب والإخلال بأوضاع البلاد. حسنًا، عندما يفهم الإنسان هذا الأمر، فإنّ دافعه سيزيد ويقوى لأخذ المسألة على محمل الجد أكثر فأكثر.
لتنمية الإنتج المحلي وزيادة فرص العمل
إنّ الاقتصاد المقاوم الذي طرحناه –والذي هو مجموعة أعمال، مجموعة حركات وإجراءات- يحتوي عدة نقاط مفتاحية لليوم ولغدنا القريب. وهي مسائل إيجاد فرص العمل والإنتاج. وأنا العبد قد بيّنت هذا للمسؤولين عن قرب وفي لقاءات خاصة وبشكل تفصيلي. هذه ليست أفكاري وكلماتي؛ فأنا لست خبيرًا اقتصاديًا، هذا كلام المتخصصين وخبراء الاقتصاد، هذه أفكار العلماء النخبة والبارزين الذين يعملون في هذا المجال ويقدمون لنا المشورة. وأنا العبد أنظر على مستوى البلاد ككل، فأجد أنّ هذه هي الأولوية.
لقد وجد العدو سبل طمعه. ونحن يجب علينا أن ننظر لنرى ما هو دافع العدو، أين هي نقطة الضعف التي يمكن للعدو أن يضربنا من خلالها، ويجب أن نقوّي هذه النقطة ونسد تلك الثغرة، أن نقفل ذلك المنفذ. هذا هو توقعي من المسؤولين المختلفين في الأقسام المتعددة. ومن هذه الناحية، فإنّ قضية الاقتصاد هي من مسائل الدرجة الأولى في الأولوية.
وبالطبع، فإنّ لدينا كثيرًا من نقاط القوة. إن نقاط قوة نظام الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني، من الناحية النوعية والكمية، هي أضعاف مضاعفة عن نقاط الضعف والمشاكل. عندنا العديد من نقاط القوة العجيبة والوافرة وهذا ما جعل البلد بنظامه الإسلامي يتمكن، على الرغم من العداوات العجيبة والغريبة، سابقًا وحاليًا ولاحقًا، من النهوض بعزة وصمود واستقامة ورفض للاستسلام والخضوع للعدو.
الخوف من تهديد الأعداء مطيتهم للتسلط والهيمنة
أنظروا جيدًا: إن حيلة القوى الكبرى والدول العدوانية العظمى هي إظهار الغضب ونظرة التهديد. هذا ما كررناه مرارًا.
القوى المتسلطة، والتي تريد التطاول والنهب والتدخل في كل مكان والتواجد في كل البلدان وتحديد منافع خاصة لها على حساب شعوب هذه البلدان، تقول: الحكومة الفلانية أو البلد الفلاني أو النظام الفلاني يعارض مصالحنا. أي إنّهم بدون منطق وبدون أي استدلال صحيح وبدون حق قد حددوا لأنفسهم مصالح في كل منطقة وكل بلد. هكذا هي القوى الكبرى. ولكي تستطيع تأمين هذه المصالح وإجبار حكومات المنطقة على الطاعة والرضوخ، فإن هذه القوى تضخّم حجمها وتبالغ في إظهار قوتها وتنظر بغضب وتقطب حاجبيها. أنتم تذكرون عبوس ونظرات تهديد بعض الحكومات الأمريكية السابقة، والآن يقومون بها بشكل آخر.
إن أسوأ وضع لبلد ما، هو أن يخاف مسؤولو هذا البلد من غضب وعبوس العدو. إذا خافوا، فإنهم يكونون في الواقع، قد فتحوا للعدو باب الدخول والتسلط والاعتداء. يجب القيام بالعمل بعقل ومنطق وحكمة، لا شك في هذا، ولكن يجب القيام به بشجاعة أيضًا. حالة الخوف والهلع والتأثر من نظرات التهديد وقلة الأخلاق والعبوس وتقطيب الحاجبين من قبل أصحاب السلطة في العالم والتأثر بهم، هي أولى مراحل الشقاء والتعاسة.
عداوات أميركا وسواها مستمرة وشعبنا صامد
حسنًا، من يريد أن يخاف، فليخف هو ولكن لا يخاف بالنيابة عن الشعب. لا يخاف على حساب الشعب. الشعب صامد منذ عام 1357 ه.ش (1979) وحتى اليوم وبعد مرور حوالي أربعين عامًا، جرت أنواع وأشكال من المؤامرات علينا وأنفقت الأموال الطائلة وأُنتجت الأسلحة وكل أنواع التهديد والسياسات العدوانية وغيرها. لو كان من المقرّر أن تهتم الجمهورية الإسلامية وتخاف من هذه الأمور فتتراجع وتخضع، لو لم يكن الشعب صامدًا بقوة، ينبغي أن لا يكون الآن قد بقي أي أثر من إيران والإيرانيين.
أميركا لا تستطيع إرتكاب حماقة ضد نظام يدعمه شعبه
لا يستطيع العدو –لا أمريكا ولا من هو أكبر من أمريكا- أن يرتكب أي حماقة ضد النظام المتصل بشعبه، النظام الذي يحب شعبه وناسه وشعبه يحبه كذلك، لا يمكنه أن يخطئ مع مثل هذا النظام ومثل هذا الشعب المقاوم للأعداء.
بالتأكيد، لا يوجد أي شك وتردد في عداوة هؤلاء، وفي أنهم يخطّطون ويدبّرون ويفكّرون ويعادون ويستخدمون كل أجهزتهم المتنوعة. طوال كل هذه المدة التي قاربت الأربعين سنة، هذه العداوات كانت موجودة. كل الحكومات التي تعاقبت على السلطة مارست هذه الأحقاد والعداوات. ليس صحيحًا أن نقول إنّهم يؤيّدون فلانًا أو يراعون فلانًا أو يعارضون فلانًا، كلا. لقد كانت هذه العداوات نفسها موجودة في زمان الإمام (رضوان الله عليه) وبعد رحيل الإمام حين توليت أنا العبد المسؤولية، استمرت هذه العداوات وهي موجودة حاليًا. وجاءت عندنا حكومات متعدّدة بتوجهات وأفكار مختلفة، تصدّت ثم رحلت. وفي جميع هذه الحالات كانت هذه العداوات موجودة ومستمرة. الشيء الذي استطاع أن يواجه ويقف في وجه هذه العداوات، هو اقتدار الشعب الإيراني وقوته وصموده وعدم تأثّره بغضب وعبوس القوى الكبرى مثل أمريكا وغير أمريكا وبعض الدول الأوروبية وغيرها. وهذا النهج يجب أن يستمر. وإن تقرّرت متابعته –بحيث يجب أن تستمر هذه الحالة وهذه الروحية وهذا الاقتدار- فإنّ قسمًا مهمًّا من هذا النهج والمسار يرتبط بكم أنتم في جيش الجمهورية الإسلامية، وقسم أساسي يرتبط بالاقتصاديّين وقسم أساسي آخر يرتبط بالثقافة والتربية والتعليم وما شابه. قسم مهم جدًا يرتبط بالمتصدّين للأعمال البحثية والعلمية والتحقيقات والعلم والتقدم العلمي وما شابه في البلاد. يجب على الجميع العمل معًا ويدًا بيد، والله تعالى سيعين ويساعد كما أعان سابقًا وحتى يومنا الحالي.
رحمة الله على شهدائنا الأعزاء. اليوم، عوائل بعض شهدائنا الأعزاء في الجيش حاضرة هنا. لن تغيب عنا ذكرى هؤلاء الشهداء، لن تغيب ذكرى الشهداء عن ذاكرة الشعب الإيراني، فالشعب الإيراني العزيز، سيتابع مسيره وحركته بروحية المودة والاحترام للشهداء والاقتداء بهم.
الإنتخابات واحدة من مفاخر الشعب الإيراني
حسنًا، الحمد لله إنّ عجلة الانتخابات قد دارت نوعًا ما. وإن كنا لم نصل بعد إلى المرحلة الأساسية ولكن مقدمات الانتخابات قد بدأت. إنّ الانتخابات هي واحدة من افتخارات الشعب الإيراني. هذه الانتخابات هي مدعاة عزة وعنفوان وكرامة الشعب الإيراني بين شعوب العالم في كل الدنيا. كل ذوي النوايا السيئة والأشرار وأعداء الإسلام، كانوا يسعون دومًا لإظهار الدين والإسلام والمعنويات كأمور مخالفة ومعاكسة للسيادة الشعبية. لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية بطلان ادّعاءاتهم هذه. إنّ لدينا مفهومًا باسم "السيادة الشعبية الإسلامية"؛ سيادة شعبية ولكنّها إسلامية في الوقت نفسه ولا يمكن تفكيك إسلاميتها عن سيادة شعبها. هذه الانتخابات هي الدليل على أنّ السيادة الشعبية الإسلامية هي مدعاة للفخر والكرامة والعزة والقوة. يشعر الناس أيضًا في الانتخابات أنّ مفتاح أعمال البلاد بيدهم. يشعرون أنّهم هم أنفسهم من يحدّد العناصر الأساسية للبلاد. هذا أمر بالغ الأهمية.
ليعرف الجميع قدر الإنتخابات وأهميتها
بالطبع، لا يزال هناك متّسع من الوقت حتى يوم الانتخابات. وإن بقينا أحياءً فإن لدي كلامًا سأطرحه خلال مناسبات قادمة. لكني أقول اليوم ما يلي : يجب على الجميع أن يعرفوا قدر الانتخابات. على المسؤولين الرسميّين والحكوميّين أن يقدّروا الانتخابات وكذلك على المرشحين وعلى الناس وعلى العاملين في إجراء العملية الانتخابية أنفسهم، الكل يجب أن يعرف قدر الانتخابات.
تحية واحترام للانتخابات. يجب إجراء انتخابات سليمة وصحيحة في أجواء أمن وأمان وبمشاركة واسعة. وإن شاء الله هذا ما سيحصل بتوفيق الله على الرغم من الأعداء الذين يوسوسون دومًا ويتهامسون. من يتابع الإذاعات ووسائل الإعلام ـ واليوم أصبحت الإذاعات شيئًا صغيرًا أمام كل هذا التوسع الإعلامي المتنوع ـ يرى كيف يوسوس الأعداء ويسعون لتخريب هذه الانتخابات وتشويهها بأشكال مختلف. وإن شاء الله، فإنّ الشعب الإيراني، بهذه الصحوة وهذا الوعي الذي طالما أظهره في مواجهة هذه الحركة العدائية، سيتابع مسيره ويتقدم وستحصل عملية انتخابية واسعة وسليمة، بكل نشاط وحيوية وشوق وحماس ومترافقة مع أجواء آمنة إن شاء الله، وسيكون هذا رصيدًا للبلاد وذخيرة ستشكل ضمانة وصيانة كبيرة للبلاد، وأملنا أنّ هذا ما سيحصل إن شاء الله.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الغناء
تمهيد
في معركة جهاد النفس في ميدانها الظاهريّ تكون الأقاليم السبعة: العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل بين معسكري جنود الرحمن وجنود الشيطان، كلٌّ يحاول أن يجذبها إليه1.
ومن أدوات الجذب إلى معسكر الشيطان أداة لها دور أساس في إضعاف إرادة الإنسان ألا وهي الغناء الذي يجذب الأذن لتستمع إليه، واللسان ليتحرَّك به.
إنّه مسلك من مسالك الشيطان حرّي بنا أن نقف عنده في ضوء الشريعة المباركة.
معنى الغناء
الغناء، بالمعنى العام، مفهومٌ عند الناس، ولعلّه لأجل ذلك لم ترد نصوص واضحة في تحديد معناه الدقيق، وهو ما دعا بعض العلماء أن يكتفوا في تحديد الغناء بالمفهوم منه عُرفاً، فما أطلق عليه العرف الغناء، فهو حرام عندهم2.
إلا أنّ ثلة من الفقهاء اعتبروا أنّ مفهوم الغناء لا بدّ أن يخضع لأدوات الفقاهة الشرعيّة، فقاموا بدراسة مفهومه الشرعيّ وحدّدوه في ضوء ذلك، ومثال على ذلك التحديد ما ذكره الإمام الخامنئيّ دام ظله في كون الغناء المحرّم يتحقّق بوجود عناصر هي:
١- ترجيع الصوت، قال في أجوبة الإستفتاءات في تعريفه للغناء المحرَّم: "الصوت مع ترجيع..."3، أي ترديده في الحلق4، وهو ما يطلق عليه الترنّم5.
٢- كون الصوت مطربًا، والطرب هو "نشوة تصاحبها خفة لشدّة السرور"6. ألا يُلاحظ أنّ الناس الذين يستمعون الغناء يشعرون بخفّة في أجسادهم، وهو ما يدفعهم نحو الرقص والقفز وما شاكل.
٣- الكيفيّة المتناسبة مع مجالس اللهو والمعصيّة7. وهذه الكيفيّة تختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، وهناك العديد من الأمور التي تساهم في صناعة بيئة المعصية اللهويّة هذه، وقد تكون من بين هذه الأمور:
١- هوية المغنِّي كأن يكون من المطربين المعروفين.
٢- إيقاع اللحن.
٣- مضمون الكلام المصحوب بالألحان.
٤- طبيعة المكان الذي يقام فيه حفل الغناء.
٥- شكل اللباس الذي يرتديه المغني أو هو وفرقته على المسرح...الخ.
ومن خلال ما تقدّم يتّضح حكم الموسيقى التي حدّد الإمام الخامنئي دام ظله المحرّم منها بأنّها: "المطربة المتناسبة مع مجالس اللهو والمعصية"8.
حرمة الغناء في الأحاديث الشريفة
لم ترد كلمة الغناء نصًّا في القرآن الكريم، إلاّ أنّ الأحاديث الشريفة فسّرت العديد من الآيات به، وقد تمحورت عناوين تلك الآيات التي فُسِّرت بالغناء بالآتي:
١- لهو الحديث.
٢- اللغو.
٣- قول الزور.
- أمّا تفسير لهو الحديث بالغناء، فقد ورد فيه عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام: سمعته يقول: "الغناء ممّا وعد الله عليه النار"، وتلا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾9.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله، وهو مما قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾10.
- أمّا تفسير اللغو بالغناء، فقد ورد فيه أنّ الإمام الرضا عليه السلام أجاب من سأله عن حكم استماع الغناء: "أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامً﴾11.
- أمّا تفسير قول الزور بالغناء فقد ورد فيه أن عبد الأعلى سأل الإمام الصادق عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾، قال: "... قول الزور الغناء"12.
إضافة إلى تفسير تلك العناوين بالغناء ورد عدد من الأحاديث الشريفة الذامّة للغناء، الناهية عنه، منها:
1- عن الإمام الصادق عليه السلام: "شرُّ الأصوات الغناء"13.
2- عن الإمام علي عليه السلام: "وألذّ المسموعات الغناء والترنّم وهو إثم"14.
3- ورد أنّ رجلاً قال للإمام الصادق عليه السلام: "إنّ لي جيرانًا، ولهم جوارٍ يتغنين ويضربن بالعود، فربّما دخلت المخرج، فأطيل الجلوس استماعًا منّي لهنّ، فقال له الإمام عليه السلام: لا تفعل، فقال الرجل للإمام عليه السلام: والله ما هو شيء آتيه برجلي، إنّما هو سماع أسمعه بأذني، فقال عليه السلام: يا الله! أنت! أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُول﴾؟ فقال الرجل: كأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله عزّ وجلّ من عربيّ ولا عجمي، لا جرم أنّي قد تركتها، وإنّي أستغفر الله تعالى"15.
4- عن عبد الله بن أبي بكر، قال. قمت إلى متوضَّأ لي، فسمعت جارية لجارٍ لي تغنّي وتضرب، فبقيتُ ساعةً أسمع، قال: ثمّ خرجت، فلمّا أن كان الليل دخلتُ على أبي عبد الله عليه السلام، فحين استقبلني قال عليه السلام: "الغناء اجتنبوا، الغناء اجتنبوا، الغناء اجتنبوا، اجتنبوا قول الزور. قال: فما زال يقول: الغناء اجتنبوا، الغناء اجتنبوا، قال: فضاق بي المجلس، وعلمت أنّه يعنيني، فلمّا خرجت قلت لمولاه معتب: والله ما عنى غيري"16.
آثار الغناء
١- إضعاف الإرادة
للغناء ارتباط قويّ بإرادة الإنسان التي هي أساس في حقيقة الإنسانيّة، قال الإمام الخمينيّ قدس سره: "أيُّها العزيز... اجتهد لتصبح ذا عزم وإرادة، فإنّك إذا رحلت من هذه الدنيا دون أن يتحقّق فيك العزم (على ترك المحرّمات) فأنت إنسان صوري بلا لبّ، ولن تحشر في ذلك العالم (عالم الآخرة) على هيئة إنسان، لأنّ ذلك العالم هو محلّ كشف الباطن وظهور السريرة، وإنّ التجرّؤ على المعاصي يفقد الإنسان تدريجًا العزم، ويختطف منه هذا الجوهر الشريف"17.
بعد كلامه هذا يحدِّد الإمام الخمينيّ قدس سره سببًا أساسيًا يعتبر على رأس قائمة الأسباب التي تضعف إرادة الإنسان ألا وهو الغناء، ناقلاً ذلك عن أستاذه الشاه آبادي قدس سره.
قال قدس سره: "يقول الأستاذ المعظَّم دام ظله: (إنّ أكثر ما يسبّب على فقد الإنسان العزم والإرادة هو الاستماع للغناء)"18.
ولعلّ هذا العالم الكبير قد استفاد هذا من بعض الروايات التي ربطت بين الغناء والنفاق.
فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "الغناء يُنبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل"19.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "الغناء عشُّ النفاق"20.
ومن الواضح أنّ النفاق له مراتب تبدأ بالعقيدة، وتستمرّ بالعمل، ومن موارد ذلك حينما يقوم الإنسان ببعض الأعمال مع عدم وجود إرادة داخلية قويَّة تدفعه نحو تلك الأعمال بنفسها، بغضّ النَّظر عن الناس ونظرتهم، فيقوم بها ملاحِظًا نظرة الناس أكثر ممّا هو مريد لها بإرادة مستقلّة جادّة، فيدخل لهذا السبب في مرتبة من النفاق.
والروايات تفيد أن من الأسباب التي تولِّد هذا النفاق، بالشرح السابق، تضعف إرادة الإنسان، هو الغناء، فهو، بحسب الرواية الأولى، "يُنبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل"، وهذا يشير إلى الإنماء البطيء الذي قد لا يشعر به الإنسان كما أنّ الرواية الثانية: "الغناء عشّ النفاق" تشير إلى أنّ الغناء يمثّل البيئة المساهمة في النفاق وضعف إرادة الإنسان، كما يساهم العشّ في نموّ الطير داخل البيضة.
٢- تقسية القلب
ورد في الحديث عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاثة يقسِّين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان"21.
المراد من إتيان باب السلطان إتيانه بخضوع له، والمراد من طلب الصيد هو اللهوي لا بقصد الانتفاع من ما اصطاده، والمراد من استماع اللهو الغناء.
وقسوة القلب سبب للابتعاد عن الله تعالى والتوجّه إليه، وبالتالي تعريض الإنسان نفسه للحرمان من الرحمة الإلهيّة. فالمغني والمستمع للغناء يستخدم نعمة الله تعالى في عكس مسار تكامله، فبدل أن يستثمر صوته في تلاوة القرآن أو الدعاء، أو في مجالس العزاء، أو الأناشيد الهادفة، فإنّه يتسافل بصوته نحو الانحدار المعنويّ، في حين أن الكون يسير نحو التكامل.
من جميل ما ورد في وعظ المغنِّي الحديث الوارد عن أبي عبد الله عليه السلام: "ألا يستحي أحدكم أن يغني على دابّته وهي تسبِّح"22.
وهكذا الحال مع المستمع، فبدل أن يستفيد من أذنه في استماع آيات الله وما يفيده، فإنّ البعض يتسافل باستماع الغناء لينحدر بذلك إلى وادي العصيان.
٣- التوريط في الزنا
ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "الغناء رقية23 الزنا"24، وهو يدلّ على أنّ بيئة الغناء التي تضعف إرادة الإنسان قد تورّطه في خرق حدود الله في العلاقة بين الجنسين، وهذا أمر معروف لدى الناس في مجالس الغناء الصاخبة التي يختلط فيها الجنسان.
٤- جلب الفقر
وروى الإمام الصادق عليه السلام: "الغناء يورث النفاق، ويعقِّب الفقر"25.
وتعقيب الغناء للفقر قد يكون من خلال الشعور النفسي بالحاجة وعدم الغنى، وهو ما يسبّب الاكتئاب لدى الإنسان.
* لا تقربوا، سماحة الشيخ أكرم بركات، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- راجع في معرفة تفصيل ذلك كتابنا: برنامج السير والسلوك.
2- أنظر: الجبعي، علي، مسالك الأفهام، تحقيق ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، ١٤١٣هـ، ج١٤، ص ١٨٠/ الأردبيلي، أحمد، زبدة البيان، تحقيق محمد باقر البهبودي، لا،ط-، طهران، المكتبة المرتضوية، لا،ت-، ص ٤١٣.
3- الخامنئيّ،علي، أجوبة الاستفتاءات، ج٢، ص ٢٧.
4- الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، ط٢، لا،م-، مرتضوي، ١٣٦٢هـ.ش، ج٤، ص ٣٣٤.
5- المصدر السابق، ج٦، ص ٧٦.
6- مركز المعجم الفقهيّ، المصطلحات، لا،ط-، لا،م-، لا،ن-، لا،ت-، ص ١٦٣٤.
7- الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، ج٢، ص ٢٧.
8- الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، ج٢، ص ٢٢.
9- الجبعي، علي، مسالك الأفهام، ج١٤، ص ١٨٠
10- الكليني، محمد، الكافي، ج٦، ص ٤٣٣.
11- الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا، ج٢، ص ١٣٥.
12- الحر العاملي، محمد حسن، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، ج٦، ص ٣٤.
13- الصدوق، محمد، المقنع، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام الهادي عليه السلام، لا،ط-، لا،م-، ١٤١٥هـ، ص ٤٥٦.
14- القمي، محمد، العقد النضيد والدر الفريد، تحقيق علي أوسط الناطقي، ط١، قم، دار الحديث، ١٤٢٣هـ، ص ٤٥.
15- الطوسي، محمد، تهذيب الأحكام، تحقيق حسن الموسوي الخرسان، ط٣، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٦٤هـ. ش، ج١، ص ١١٦.
16- الطوسي، محمد، الأمالي، ص ٧٢٠-٧٢١.
17- الخمينيّ، روح الله، الأربعون حديثاً، ص ٣٥.
18- المرجع السابق نفسه.
19- البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج١٧.
20- الكليني، محمد، الكافي، ج٦، ص ٤٣١.
21- الصدوق، محمد، الخصال، ص ١٢٦.
22- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج٦١، ص ٢٠٥.
23- أي موصل إلى الزنا.
24- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج١٦، ص ٢٩٧.
25- البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج١٧، ص ١٨٨.
أنتم الأحرار ونحن السجناء
اليوم نعيش تجربة جديدة تتطلّب من العرب عزيمة وإيماناً لا سابق لهما، حيث يواجه الفلسطينيون منذ 70 عاماً المحتلّ الإسرائيلي بأجسادهم النحيلة، التي لا يملكون سواها للمقاومة، وقد انتُزعت منهم كلّ أدوات المقاومة إلا عزيمتهم الصلبة.
حدّثتني المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد في لقائي معها عام 2008؛ إذ قالت لي: حين حكم عليّ الاستعمار الفرنسي بالإعدام، وكنت في الثامنة عشرة من عمري، أتت والدتي لتزورني، وكان من المفترض أن تكون تلك الزيارة الأخيرة، وأن يكون ذلك لقاءها الأخير مع ابنتها التي سوف ينفّذ فيها حكم الإعدام قريباً.
قالت لي والدتي لا تخافي يا بنتي ولا تحزني، ستكون مكانتك كبيرةً في الجزائر، والجزائر تستحقّ أرواحنا جميعاً، ولم تضعف والدتي، ولم تبكِ، بل حيّتني تحية المجاهدة الواثقة من النصر وانصرفت.
بعد أن انصرفت، وجدتُ السّجانة الفرنسية، التي كانت تراقب لقاءنا وتسمع كلّ كلمة، وجدتها تبكي، واعتقدتُ أنها ربما تبكي عليّ لأنني سوف أُعدم، فقلت لها لماذا تبكين؛ إذا كانت والدتي لم تبكِ، وأنا لم أبكِ، فلماذا أنتِ تبكين؟ قالت: أبكي على فرنسا؛ لأننا حتماً سنغادر الجزائر إذا كان الجزائريون والجزائريات بهذه العزيمة وهذا الإيمان!
والعزيمة والإيمان هما أساس انتصارات كلّ شعوب العالم على المستعمرين والطغاة والمرتزقة، وهما أساس حركات التحرر الوطنية التي انتشرت في بلدان آسيا وإفريقيا للتخلّص من الاستعمار الغربي الدموي، الذي كان ولا يزال يطمع بثروات الشعوب لبناء مجده وتحقيق ازدهاره.
اليوم نعيش تجربة جديدة تتطلّب من العرب عزيمة وإيماناً لا سابق لهما، حيث يواجه الفلسطينيون منذ 70 عاماً المحتلّ الإسرائيلي بأجسادهم النحيلة، التي لا يملكون سواها للمقاومة، وقد انتُزعت منهم كلّ أدوات المقاومة إلا عزيمتهم الصلبة، وإيمانهم العميق بفلسطين، وأنّ فلسطين تستحقّ منهم التضحية، وأنّ فلسطين باقية، ولا تزيدها معاناة المقاومين ودماء الشهداء إلا ألقاً وكبرياء ورسوخاً في ضمائر البشر، ولكنّ السؤال هو: لماذا افترض العرب والمسلمون أن فلسطين هي مسؤولية هؤلاء الأسرى فقط، على حين ينشغل المعنيون بالشأن الفلسطيني والعربي والإسلامي بتسويات وتنازلات لن تسمن ولن تغني من جوع، معتقدين أن قراراتهم وكلماتهم سوف تغيّر من مجرى المخططات الصهيونية التي لن تتوقف عند قضية فلسطين وحدها، بل هي تطمع بثروات عرب العراق وسورية والخليج، وهم في أضعف حالة من التمزق يساعدها الإرهاب الوهابي العميل؟ أما الاعترافات والتنازلات فهي بوالين فارغة وكلمات مسطحة لا يقيم لها المحتلّ وزناً، فهو ليس خائفاً، وليس قلقاً من صفوف متشرذمة وإرادات مبعثرة ورؤى لا يجمع بينها جامع، ولكنه قلق فقط من أمثال هؤلاء الأسرى المؤمنين بقضيتهم والمستعدّين لبذل آخر يوم من حياتهم في سبيل أن تحيا فلسطين، وأن تستمرّ الشعلة مضيئة في أيدي الأبناء والأحفاد، وكي لا تعتقد الأجيال القادمة أن أحداً لم يقاوم ولم يستبسل في سبيل القضية المقدسة.
لا شكّ أن السجانين الإسرائيليين، وهم يراقبون هؤلاء الأسرى، يشعرون بإحباط وقلق شديدين لأن قضية تمتلك روحاً وإرادةً مثل أرواح وإرادة هؤلاء المدافعين المؤمنين بها لا يمكن أن تموت أو أن تسقط في التقادم.
السؤال الآخر هو أن مليار مسلم ونيّفاً يعيشون اليوم في رحاب شهر شعبان، يستعدّون لاستقبال شهر رمضان المبارك، ومع ذلك لم يحوّلوا صيام الأسرى المقدس إلى صيام تسمع به البشرية في أصقاع الأرض الأربعة، ولم يحوّلوا هذا الاستبسال إلى حركة عالمية من أجل فلسطين ونصرة أسراها، والخاسر هنا ليس الأسرى مطلقاً، ولكنّ الخاسر الأكبر هم هؤلاء المتخاذلون أنفسهم من عرب ومسلمين؛ إذ إنهم يقوّضون مكانتهم في أعين العالم ويتسببون في إلغاء أيّ قيمة لهم في أنظار الآخرين، فأيّ مكانة ستكون للعرب والمسلمين الذين لم ينتصروا لإخوانهم ولقضيتهم، ومنذا الذي سوف يحسب حساباً لهم في أي مسألة أخرى؟
إنّ تجاهل معظم العرب والمسلمين لأهمية هذه المعركة الدائرة التي يخوضها هؤلاء الأبطال العزّل، يشير فقط إلى انفصال هؤلاء العرب والمسلمين عن دورة الحياة الحقيقية، وعن موازين القوى، وعن جوهر التفكير الإستراتيجي الذي يبقي الأمم ذات مكانة ورفعة في أعين الآخرين.
إن إخفاق هؤلاء أن يتجاوبوا بشكل لائق مع التضحيات العظيمة التي يقدّمها هؤلاء الأسرى لفلسطين والعرب جميعاً ولأمة المسلمين، هو أحد أبرز الأوجه للانقراض؛ إذ إن الأمم تنحدر وتنقرض حين تفقد البوصلة الجامعة بين أبنائها، وحين تتفكك الروابط بين أبنائها، ويصبح من شبه المستحيل أن تجتمع على كلمة سواء.
أي إن القصور الذي شهدناه من معظم العرب والمسلمين في التضامن مع الأسرى وحمل قضيتهم إلى رحاب المنطقة والعالم ليس قصوراً فلسطينياً يرتبط بالقرار الفلسطيني المستقلّ الذي أوصل دعاته الفلسطينيين إلى العزلة الحالية، وهو أيضاً قصور ذو دلالات خطيرة على المقصرين أنفسهم، وعلى احتمالات توجّهاتهم وحركاتهم المستقبلية، والمستوى الذي يمكن توقعه لهم: «لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين».
لا شكّ أن المعركة التي يخوضها هؤلاء الأسرى بأجسادهم السجينة وأرواحهم الأبيّة الشامخة هي معركة مشرّفة ومعركة رابحة بكلّ المقاييس، تنتصر بها الروح على الجسد، والعزيمة والإيمان على السلاسل وجدران السجون وقسوة السّجان، ولكنها معركة تدعو للتوقف والتفكير بمستقبل ومصير أمة في غياب أحزابها القومية، وفي ظلّ أحزاب إسلامية طائفية مزّقت الأمة وسلّمتها لقمةً سائغةً للعدوّ الغربي المتربّص بها لنهب واغتصاب الأرض والحقوق العربية.
إنها معركة تدعو للتأمل والتساؤل من السجناء؟ هل هؤلاء الذين يتحدّون أقسى الإجراءات بأجسادهم وإرادتهم؟ أم إنهم أولئك الذين يعيشون في أوهام التسويات والأكاذيب والانتصارات الشخصية الوهمية التي لا تتجاوز حدود تفكيرهم المحدود أصلاً؟ إنها معركة تظهر للعيان أن هؤلاء الأسرى هم الأحرار الحقيقيون، وأنّ من لا يمتلك إرادة وأدوات الانتصار هو السجين جسداً وروحاً وعقلاً وإرادةً وعزيمة.




























