Super User
نور البصيرة
أكّد القرآن وأهل البيت(ع) على ضرورة البصيرة، نظراً لأثرها في توضيح طريق الحقّ وإرشاد الناس إلى أن تكون مواقفهم صحيحة حيث يقع الالتباس واختلاط الحقّ بالباطل عند فقدان البوصلة التي ترشد إلى الإستقامة، قال تعالى: {قُلْ هذِهِ سَبِيلي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكينَ}[يوسف: 108]
البصيرة: هي قوّة عند الإنسان توجد نوعاً من الرؤية الواضحة للأمور حسنها وقبيحها جيّدها ورديئها صحيحها وسقيمها، وهي نظرة تنكشف بها للمتبصّر عواقب الأمور فيرى ما وراء الأعمال نتيجة إعمال الفكر فيصبح على يقين منها كمن يعاينها، فإذاً البصيرة هي قدرة على الرؤية الصحيحة التي يساعد في تشكلّها العقل والتجربة والتربية والعلم والثقافة والتي يصطلح على تسميتها في هذا الزمن بالوعي.
فالذي يفقد البصيرة كالذي يفقد البصر، لأنّ من يفقد البصيرة يقع في ضعف بل الخطأ في تشخيص الأمور، ولذا يخدعه الخادعون ويدلّس عليه المدلّسون، ويوقعه في الشبهات المشبِّهون، فإذا كان فاقد البصر أعمى العين، فإنّ فاقد البصيرة أعمى القلب، وماذا ينفع البصر مع عمى البصائر، قال الله تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} [الحج: 46]
للبصيرة ميادين وساحات نقتصر هنا على ثلاثة منها هي:
1 ـ البصيرة على النفس
إنّ من أوضح معارف الإنسان معرفته بنفسه، فالإنسان يعرف نفسه بالعلم الحضوريّ، أي ليس من خلال استحضار صورة الشيء إلى النفس، وكذا يعلم الإنسان بعدّة أمور تتعلّق بنفسه من خلال حضورها عند نفسه، لا بحضور صورها، فالواحد منا يعرف نفسه بأنّه جائع أو عطشان، من خلال حضور نفس الجوع والعطش لديها، من هنا نعرف كثيراً من الصفات الراجعة إلى نفس الإنسان، فإنّ الإنسان يعرف صفات نفسه الواقعيّة، وإنْ أظهر خلافها أمام الناس، فهو يعرف ضعفها، وإن أظهر القوة، ويعرف بخلها، وإن أظهر الكرم، ويعرف جبنها، وإن أظهر الشجاعة، فهو قد يظهر ما ليس واقعًا في نفسه، ويلقي لذلك المعاذير، لكنّه في الواقع هو كما قال الله تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14 ـ 15].
2- البصيرة في الدين
بما أنّ الدين يشكّل الطريق القويم الذي يوصل الإنسان إلى كماله الذي يمثّل غاية وجوده، وبما أنّ الدين لم يجعله الله تعالى نصّاً واحداً لا يمكن أن تحرّف مفاهيمه، فإنّ معرفة الدين الحقّ دون تحريف تحتاج إلى آليّة صحيحة، ومسار متقن لتتحقّق من خلال ذلك البصيرة فيه، وهذا المسار، وإن أوضحت بنوده العامّة، إلا أنّ أئمة أهل البيت(ع) أكّدوا على أنّ ذلك يحتاج إلى تسديد إلهيّ للإنسان، فأكّدو من خلال الدعاء:>اللهم إنّي أسألك أن تجعل النور في بصري، والبصيرة في ديني< [بحار الأنوار ج73 ص96]
ولعلّ هذا التأكيد بسبب المحاولات الحثيثة من إبليس ومن قد يساعده من شياطين الإنسان لتحريف صورة الدين عبر محاولة تأثيره في النظام الإدراكي الوسيط، فإنّ تأثير إبليس في الإنسان يقتصر على الإدراك، ومحاولة إراءة الصورة على غير واقعها، كإراءته ما انجذب إليه الناس من بيان القرآن الإعجازي، في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه نوع من السحر. وقد عبّر القرآن الكريم عن دور إبليس هذا بقوله عزّ وجل: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39ـ 4]. فالمخلَصون هم الذين ثبتت عندهم الحقائق بحيث لا يستطيع إبليس أن يغيّرها، أمّا غير المخلَصين، فهو يسعى جاهداً نحو تغييرها من خلال التأثير على النظام الإدراكي لديهم.
3 ـ البصيرة الاجتماعيّة
إنّ وعي الأمور الاجتماعيّة على حقيقتها، أي البصيرة فيها، تحتاج إلى السير في ضوء البنود الأربعة، والتي هي:
1ـ التأكّد مما أواجهه.
2ـ صحة المعلومات.
3ـ استحضار الاحتمالات الأخرى.
4ـ التحليل الصحيح على ضوء ما تقدّم.
وهنا لا بدّ من ملاحظة أمر يتعلّق بالبند الثاني، وذلك أنّ من ضمن المعلومات التي لا بدّ من الاعتماد عليها، وعدم إغفالها هو ناتج البصيرة في الدين، فالبصيرة الاجتماعيّة تعتمد على البصيرة الدينيّة، إذ الأخيرة تُشكّل أساساً ومدماكًا في البصيرة الاجتماعية.
وتَكوُّن البصيرة الاجتماعيّة، لا سيّما في نطاقها الأوّل في الأسرة والأصدقاء والأقرباء والجيران، يحتاج -عادةً- إلى تدخّل الواعين من الأهل والمعلّمين وغيرهم لتوجيه الأبناء والتلامذة نحو الوعي الاجتماعي من خلال السير في ضوء البنود الأربعة.
أمّا في الدائرة الاجتماعية العامّة، فإنّ البصيرة لا يكفي فيها توجيه الأهل والمعلّمين والمربّين، بل تحتاج إلى توجيه الوليّ العام للأمّة الذي يشكّل ضامنًا ضروريًا لتحصين بصيرتها، لا سيّما مع الجهود الكبيرة التي تبذل من شياطين الإنس والجن، كي يحرفوا القضايا عن حقيقتها.
وفي عصرنا شاهد عظيم على ذلك، ألا وهو الإمام الخميني+ الذي نقل الأمّة من حالة الإغلاق والتيه والانجذاب إلى الهاوية إلى البصيرة والوعي والإدراك لمحاولات شياطين الجنّ والإنس للتأثير في النظام الإدراكي للأُمّة فرسم خطوطًا حدّد من خلالها:
ـ عدوّ الأمة الوجودي، وهو إسرائيل.
ـ عدوّ الأمّة السياسي، وهو أمريكا.
- قضيّة الأُمّة الأساسيّة، وهي القدس.
- واجب الأمّة الأساس، وهو وحدتها.
واسترجع في منهجه العالم والمرأة والمسجد إلى أدوارهم الأصيلة.
وأوضح المعالم التي تحتاج الأُمّة إلى الاستنارة بها. وقد عرفت هذه الخطوط بخطّ الإمام الخمينيّ الذي اعتبره ولي الأمر الإمام الخامنئيّ شاخصًا ضروريًا في صيانة بصيرة الأُمّة وحمايتها من أي انحراف.
فإن أردنا أن نكون من أهل البصائر، فمدرستهم عاشوراء، وصفتهم الشجاعة، وقائدهم وليّ الأُمّة، ومحصّن بصيرتها وهدفهم إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، فهم فرسان المصر، وأهل البصائر، وقوم مستميتون.
آثار البصيرة:
1 ـ المساعدة على تشخيص خطّ المواجهة مع العدو، لأن هناك مَن يكون في صفّنا لكن حنجرته تردد حديث الأعداء.
2 ـ البصيرة تهدي إلى الحق وتؤدي إلى الرؤية الحقيقية للاعتماد على المسار الصحيح، وهي التي تنطلق من عقيدة سليمة ومنهج سليم وقد أنعم الله تعالى علينا بنعمة الإسلام ذلك الدين الكامل التام الذي يبيّن لنا طريق الحقّ ويعرّفنا على كيفية التعاطي مع الأحداث وتقييمها.
3 ـ البصيرة هي كشّاف النور، الذي يحتاج الإنسان إليه ليرسم هدفه في هذه الدنيا وليعرف الهدف ويحدّد الطريق، فالبصيرة تدلّ على الطريق، وإنّ أعظم ثروة يمتلكها الشباب المؤمن هي ما يجعله يزداد نوراً على نور. فإذا تمكّن الشاب من معرفة الله تعالى وعرض قلبه عليه من خلال الخشوع والذكر والتضرّع والتوسّل سيكون مصداقاً لقوله تعالى: {نُّورٌ عَلَى نُور}[النور: 35[
4 ـ البصيرة ضرورية لمواجهة الحرب الناعمة
فإنّ الأولوية الرئيسة في بلاد المسلمين اليوم هي مواجهة الحرب الناعمة للعدو، والتي تهدف إلى بثّ الريبة والتفرقة والتشاؤم بين أبناء الشعوب، وأن أهم سُبل مواجهة هذا الهجوم هو حفظ وتقوية البصيرة والروح التعبوية والأمل الكامل في المستقبل، والمراقبة الجادّة في حالات التشخيص.
البابا يصف سوريا بـ"البلد الشهيد" بعد مجزرة حافلات الفوعة وكفريا
دعا البابا فرنسيس، اليوم الأحد، إلى عودة السلام إلى الشرق الأوسط، خاصا بالذكر سوريا، التي وصفها بـ" البلد الشهيد" الذي يعاني من نزاع زرع "الرعب والموت".
وأمام 60 ألف شخص تجمعوا في ساحة القديس بطرس، تضرع البابا الى الله بمناسبة إحياء قداس عيد الفصح، لينهي النزاعات في العالم وتهريب الأسلحة والمعاناة التي تلحق بالأكثر ضعفا.
وإذ ندد مرة جديدة بمأساة سوريا حيث يقع المدنيون "ضحايا حرب لا تكف عن زرع الرعب والموت"، رفع دعاءه حتى يجلب الله "السلام الى كل الشرق الاوسط بدءا بالأراضي المقدسة، وكذلك في العراق واليمن".
ودان البابا في هذه المناسبة "الهجوم الشنيع" الذي وقع السبت في حلب "ضد لاجئين فارين".
واستشهد نحو 110 اشخاص اغلبهم اطفال، من اهالي الفوعة وكفريا في تفجير انتحاري استهدف السبت حافلات غرب حلب كانت تقلهم بعيدا عن بلدتيهما اللتان تعانيان مرارة الحصار منذ عامين.
وابتهل البابا إلى الله أن "يهب المسؤولين عن الأمم الشجاعة لتجنب اتساع النزاعات ووقف تهريب الاسلحة".
السودان يجري تعديلات على دستوره.. وهذا اهم ماجاء في التعديلات
أجاز المجلس الوطني السوداني الثلاثاء، بعض التعديلات على دستور البلاد الانتقالي لعام 2005، بأغلبية كاسحة وسط أعضاء المجلس، وقد أوكلت التعديلات الدستورية مهام جديدة للأجهزة الأمنية السودانية، متمثلة بمحاربة الإرهاب وتجارة البشر والأسلحة وجرائم المنظمة الدولية.
وقد أجُريت التعديلات على 14 مادة دستورية، من أبرزها أدوار ومهام جهاز الأمن والمخابرات الوطني وعلى الحريات الصحفية والسياسية وحريات التعبير.
وقالت نائبة رئيس مجلس الوطني، ورئيسة اللجنة الطارئة لإجراء التعديلات الدستورية، الدكتورة بدرية سليمان، اليوم ، أثناء تلاوتها المواد الدستورية المعدلة في مرحلة القراءة الرابعة والأخيرة، بالمجلس الوطني، إن المهام الجديدة التي أُوكلت لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، هي” أن يعمل جهاز الأمن والمخابرات الوطني على مكافحة مهددات الأمن القومي، بما في ذلك جرائم الإرهاب وغسيل الأموال وتهريب البشر الجريمة المنظمة الدولية ومنها الوطنية، بالتنسيق مع القوات النظامية الأخرى وبالتعاون الثنائي والإقليمي والدولي مع الجهات ذات الصِّلة واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة”، وهذا إلى جانب مهامها الأساسية في التركيز على جمع المعلومات وتحليلها وتبويبها وتقديمها للأجهزة المختصة.
وفي زاوية الحريات العامة، أعطت التعديلات الدستورية الحريات الكاملة، ” لكل مواطن حق التعابير الحر وعكس ما يمثله للرأي العام عبر وسائل الإعلام والخطاب العلني والنشر المكتوب والمسموع والمرئي والتظاهر في موكب لبسط دعائية، وفقاً لما ينظمه قانون يوازن بين الحرية التعبير وحرمة وعموم الأشخاص من الطعن للأعراض وإشاعة المفتريات وبين الطمأنينة وحركة المجتمع وأخلاقه ومناشط التظاهر”
فلسطين على أبواب البيت الأبيض.. القادة العرب يطلبون لأنفسهم.. على حسابها!
يواصل العدو الإسرائيلى نهش أراضى السلطة التى لا سلطة لها على ما تبقى من فلسطين، مستغلا انشغال أهل النظام العربى عنها، بل واستعدادهم للتضحية بها من أجل «سلام» يحفظ لهم عروشهم والرئاسات فى الجمهوريات والممالك والمشيخات على حد سواء.
.. ويواصل الشعب الفلسطينى الأعزل إلا من حقه التاريخى فى أرضه مقاومته بما تيسر له من أسباب المقاومة: الإضراب والتظاهر وهجمات الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى بالسكاكين والحجارة.
بالمقابل، يستعد رئيس السلطة الفلسطينية لزيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وهو يكاد يطير فرحا فالصورة فى البيت الأبيض «إنجاز» تاريخى يعوض تضاؤل الأمل بالتحرير والسيادة وقيام الدولة الوطنية على كامل الأرض الفلسطينية..
ها هو رئيس السلطة يلقى مثل تكريم من سبقه من الملوك والرؤساء وأولياء العهود العرب: يجلس فى مواجهة رئيس الكون فى المكتب البيضاوى وتلتقط له الصور وهو يصافح «نظيره» الأمريكى والابتسامات العريضة ترفرف بالزهو من حولهما.
أما المواقف فمعلنة سلفا: لم يحدث أن أشار أى رئيس أو مسئول أمريكى إلى «الدولة الفلسطينية» فى أى يوم مضى، وبالتأكيد فإن ترامب الصديق الصدوق للوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة الأمريكية كما لرئيس حكومة العدو الإسرائيلى بنيامين نتنياهو لن يشذ عن القاعدة، وإن كان قد تجاوز أسلافه من الرؤساء «فتجرأ» على دعوة رئيس السلطة الفلسطينية والتقاه فى البيت الأبيض، من دون أن تكون هناك معاهدة جديدة مع الحكومة الإسرائيلية معدة للتوقيع، كما حصل مع الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات... اللهم إلا إذا كانت سوف تأتى لاحقا لهذا اللقاء التاريخى، وثمرة له ودائما بشروط إسرائيل.
لا مجال للمصادفات والمجاملات فى هكذا لقاء، فلا هذا الرئيس الأمريكى، على وجه التحديد، «متعاطف» مع نضال الشعب الفلسطينى وحقه فى أرضه الوطنية، ولا هو متمرد على النفوذ الصهيونى ويريد أن يسجل موقفا بطوليا بنصرة الشعب المظلوم..
ثم إن زيارة رئيس السلطة التى لا سلطة لها تأتى فى سياق محدد: فهى، من جهة، تأتى فى أعقاب قمة التنازلات العربية عن حق الفلسطينيين (والعرب) فى أرضهم، وهى التى عقدت فى عمان لتكمل ما كان بدأ فى القمة العربية فى بيروت قبل خمس عشرة سنة، وقد تجاوزتها فى تأكيد حق إسرائيل فى الوجود إلى التسليم بأن يكتفى الفلسطينيون ببعض البعض فى أرضهم التاريخية فى فلسطين... بموافقة عربية إجماعية كادت تتصرف مع إسرائيل وكأنها «دولة شقيقة».
ثم إنها تأتى، من جهة ثانية، فى سياق تحرك مستجد للبيت الأبيض فى ما يتصل بالقضية الفلسطينية.. وهو سياق دلالاته الكاملة فى غياب صوت الاعتراض العربى على ما يدبر فى واشنطن (وتل أبيب، طبعا) متصلا بهذه القضية التى كانت مقدسة والتى تطرح الآن فى سوق النخاسة تتلاعب بها المناقصات بعدما شغل عنها قادة العرب الذين يتنافسون فى التنازل عن «الحق التاريخى» فى الأرض الفلسطينية.
كذلك فهى تأتى فى سياق المواكب الملكية والرئاسية العربية التى «حجت» من قبل أو ستحج إلى «البيت الأبيض» فى المستقبل القريب والتى شملت إلى جانب ولى ولى العهد السعودى الملك الأردنى ورئيس الوزراء العراقى والرئيس المصرى، ثم الملك الأردنى مجددا، وبعد القمة العربية لطمأنة ترامب إلى الالتزام العربى بالوعود والعهود التى قطعت له.
***
.. وبالتأكيد فإن «تحرير فلسطين» ليس بين هذه العهود!
ولن يستطيع محمود عباس أن يأخذ من ترامب أكثر مما أعطاه أقرانه العرب، وأكثر مما أعطى هو نفسه لتحرير فلسطين.
إن الرئيس الأمريكى الجديد الذى وصل عبر موجة عالية من الشعارات المتطرفة إلى حد الاستحالة، والذى تعهد بأن يكون نقيض سلفه باراك أوباما، والذى زاد عدد قواته العسكرية (ولو باسم «الخبراء») فى العراق، والذى قصف مطارا عسكريا من على بعد فى سوريا، والذى يتحايل للتملص من موجبات الاتفاق النووى مع ايران، ويتعهد بحماية التدخل العسكرى السعودى بل الخليجى على اليمن.
إن مثل هذا الرئيس الآتى من عالم المضاربات فى البورصة، وهو عالم اخترعه اليهود وما زال الصهاينة يتحكمون، لن تشغل وجدانه قضية الحق المضيع فى فلسطين لأهلها، خصوصا أن القادة العرب باتوا يضيقون بأثقالها ويتمنون الخلاص منها بأى ثمن.
من غير المنطقى أن نطالب الرئيس الأمريكى بأن يكون إلى جانب فلسطين أكثر من القادة العرب، وأن يخاصم إسرائيل نتنياهو ويذهب إلى الحرب معها وعليها بينما الملوك والرؤساء والأمراء والشيوخ يتسابقون إلى طلب «الصلح» معها وبشروطها.. لا سيما بعدما تخلصوا من «مزايدات» القيادة الفلسطينية التى كانت تقول بالثورة والتحرير ثم «تحررت» من عبء الشعارات الثقيلة لتقول بـ «التسوية» وتقبل بما هو دون ما نصت عليه قرارات الأمم المتحدة.!
لقد اندثر «العرب»!. ضربهم الانقسام وشرذمتهم الحروب ضد الذات، ومزقت احتمالات تلاقيهم لمواجهة عدوهم الإسرائيلى، فأخذوا يتسابقون أو يتسللون، لا فرق، إلى طلب الصلح معه، بشروطه، وتحت تسمية «التسوية» التى تكاد تماثل «الاستسلام»، وأفدح الأثمان هى تلك التى سيدفعها شعب فلسطين والتى ستنال من كرامة الأمة جميعا.
لقد بات لقاء المسئولين العرب مع الرئيس الأمريكى، وتحديدا هذا الرئيس الصريح فى إعلان مواقفه، مكلفا.. فهو يعنى، بالضرورة، قدرا من التنازل، سواء بطلب المساعدة بشروطه، وغالبا ضد «الأشقاء» أو «الجيران» وإيران تحديدا، أو بطلب الإغاثة لإنقاذ أوضاعهم الاقتصادية من كارثة تتهددها.
بكلام آخر: إن الذاهب ليطلب لنفسه لن يتذكر فلسطين ولن يطلب لها، بل إنه فى الغالب الأعم سيأخذ على حساب التنازل عن جوهر قضيتها.
***
مع أن رصيد فلسطين، كقضية تحرر وطنى، عظيم لدى شعوب العالم والعديد من حكوماته، إلا أن الأنظمة العربية (فضلا عن «السلطة الفلسطينية») تكاد تستهلكه جميعا خارج أهدافه الأصلية.
إن الأنظمة العربية تحاول تغطية تقصيرها الفاضح تجاه القضية المقدسة بادعاء بذل الجهود لدى واشنطن من أجلها.. فى حين أنها تسحب من رصيد فلسطين لحساب أنظمتها المأزومة، ثم تحاول إيهامنا بأنها إنما تحاول التخفيف من الانحياز الأمريكى إلى العدو الإسرائيلى... بينما مواقفها المستجدية تأخذ من رصيد فلسطين وتضيف إلى رصيد العدو، مقابل ثلاثين من الفضة لن تسهم فى حماية نضالات الشعب الفلسطينى أو فى تمكينه من استعادة الحد الأدنى من حقوقه فى وطنه الذى سيظل وطنه.
كل «زيارة ناجحة» لملك أو رئيس أو أمير عربى للبيت الأبيض فى واشنطن إنما تحسم من رصيد قضية فلسطين بدلا من أن تعطيها.. فالذاهب ليطلب العون العسكرى أو الاقتصادى أو الحماية السياسية لا يستطيع الادعاء مطلقا أنه بهذا الموقف إنما يعطى فلسطين، بل إنه فى الغالب الأعم يأخذ منها أو يحسم من رصيدها لدى الأمريكيين أو سائر دول العالم، والغربى على وجه الخصوص.
والمسألة لا تتصل بمن هو الرئيس فى البيت الأبيض، بل بماذا فعلنا ونفعل نحن من أجل فلسطين أو لحمايتها من الضياع.
طلال سلمان
أميركا والصهاينة يعادون الجمهورية الإسلامية لأن أبرز ما فيها هو الإسلام
مناسبة حلول ذكرى المبعث النبوي الشريف التقى قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي صباح يوم الثلاثاء ٢٥/٤/٢٠١٧ بعدد من مسؤولي النظام وسفراء البلدان الإسلاميّة في حسينيّة الإمام الخميني (قدّس سرّه).
استهلّ الإمام الخامنئي اللقاء بتبريك البعثة النبويّة العظيمة للشعب الإيراني والمسلمين في جميع أقطار العالم معتبراً أنّ بعثة الرسول الأكرم محمّد (صلیاللهعلیهوآله) خطّة نورانية، خالدة ومنعطف لكافة المجتمعات البشريّة.
وأكمل قائد الثورة الإسلامية حديثه حول البعثة قائلاً: لقد جاءت بعثة خاتم الأنبياء في عالم غارق في الظلمة والجهل والظّلم والغرور وقد أثبت نبيّ الإسلام بدعوته إلى النّور أي تأسيس حكومة ترتكز على العدل والإنصاف والوحدة والثبات في وجه الظّلم أنّ مخطّط البعثة في كافة المجتمعات البشريّة وفي جميع المراحل والأزمنة قابلة للتحقق والتنفيذ ويمكن لها أن تكون مرتكزاً لتأسيس أعظم حضارة إنسانيّة.
وأكّد سماحته على حاجة البشر العميقة اليوم لمخطّط البعثة معتبراً أن تعرّف الرأي العام العالمي على ما تعنيه البعثة وما تحتويه من مفاهيم في غاية الأهمّية.
وخلال اللقاء أكّد قائد الثورة الإسلامية على أنّ الإسلام يشكّل العامل الأبرز للعداء الذي تضمره الحكومات المستكبرة للجمهوريّة الإسلامية موضحاً: بعد تشكيل الجمهورية الإسلامية التي تشكّلت فيها رشحة من رشحات الحكومة النبوية ولا زالت مستمرّة، بدأ أعداء المجتمعات البشرية بمكافحة ما يمهّد لنمو وتقدّم المجتمعات البشريّة، أعني "الإسلام". لأن الإسلام قادرٌ على الحدّ من الظلم الممارس ضدّ البشريّة.
واعتبر سماحته أنّ "قدرة الإسلام الفريدة في تنمية وتسامي المجتمعات البشريّة"، "قابليّته في بلورة حضارة تجمع بين الماديّة والأمور المعنويّة" وأيضاً "قدرة الإسلام على مواجهة الظلم والانتهاك" من الأسباب الأساسيّة التي تدفع المتغطرسين لمعاداة دين الإسلام المبين.
واستطرد الإمام الخامنئي قائلاً: إنّ تأسيس مجموعات إرهابيّة تحمل اسم الإسلام وبثّ الفرقة والنّزاع داخل دول إسلاميّة كالعراق وسوريا والبحرين واليمن من المؤامرات الأمريكية والصهيونيّة الظالمة والخبيثة التي تهدف إلى مواجهة الإسلام، طبعاً فإنّ الظّلَمة العالميين يعادون الجمهوريّة الإسلاميّة أكثر من غيرها لكن مشكلتهم الأساسيّة هي أصل الإسلام ويجب على جميع المسلمين أن يدركوا هذه الحقيقة.
كما لفت قائد الثورة الإسلاميّة أنّ أمريكا ومعها الكيان الصهيوني الغاصب تشكّلان رأس الحربة في عذا العداء حيث قال سماحته: تمسك أمريكا اليوم ومعها الصهاينة بزمام هذه العداوات، يحاربون الجمهورية الإسلامية اليوم أكثر من غيرها لأن الإسلام أشدّ بروزاً في إيران وأرضيّة العمل به موفّرة فيها بشكل أكبر. يعارضونها لأنها تحدّ من مطامعهم.
وأعرب الإمام الخامنئي عن أسفه لنجاح سياسات الأمريكيين الهادفة إلى بثّ الفرقة في المنطقة وأضاف قائلاً: يضع الناهبون أيديهم في جيوب بعض دول المنطقة ويسعون لإظهار الجمهوريّة الإسلاميّة أو إيران أو التشيّع كعدوٍّ بغية استمرارهم في هذا العمل لكن على الجميع الالتفات إلى هذه النقطة أنّ الاتحاد والثبات في وجه المتجبّرين هو سبيل تقدّم وتطوّر العالم الإسلامي.
واعتبر قائد الثورة الإسلاميّة أن إرادة الشعب الإيراني في مواجهة التغطرس راسخة لا تتزعزع ولفت سماحته قائلاً: لقد ثبتت وصمدت جميع أطياف الشّعب، الشباب والناس الثوريّون المؤمنون في وجه المستكبرين وحينما يتحقق هذا الثبات المنبثق من بعثة الرسول الأكرم في أيّ بلد، لا يمكن لأي عدوٍّ ارتكاب أيّ اعتداء وأيّ حماقة.
وعلى مشارف انتخابات رئاسة الجمهورية في إيران خاطب الإمام الخامنئي المرشّحين بالقول: أودّ أن أخاطب جميع السادة المرشّحين للانتخابات وقد قلت هذا سابقاً، عليهم أن يقرّروا ويبلغوا الشعب بذلك وينشروه في دعاياتهم، أن يقدّموا الوعود بأنّهم لن يتخطّوا بأنظارهم هذه الحدود متى ما عقدوا النيّة بتطوير شؤون البلاد، تنمية اقتصادها وحلّ العُقد والمشاكل بل أن تنصبّ أنظارهم على الشّعب.
كما أشار سماحته إلى جوانب الانتخابات المتعدّدة قائلاً: المشاركة في الانتخابات في النظام الإسلامي تكليف النّاس وتبلور "لشأنهم وحقّهم وقدرتهم" في تشكيل الرأس التنفيذي للدولة، وهي أيضاً ثبات وتكاتف شعبي يسلب العدو قدرته على التحرّك والتعدّي.
وفي معرض حديثه تطرّأ الإمام الخامنئي إلى سياسات المسؤولين الأمريكيين السابقين والحاليين المشتركة والتهديديّة للشّعب الإيراني معتبراً إيّاها دليلاً على نوايا مسؤولي جميع الحراكات السياسية الخبيثة والقذرة في هذا البلد وقال سماحته: لقد بادر الأمريكيون في الفترات السابقة إلى القيام بأي عمل من شأنه توجيه صفعة لإيران لكن فليعلم الجميع أنّ كلّ من يعتدي على الشّعب الإيراني سيلقى الخيبة ولن يكون الأمر في صالحه لأنّ ردّة فعل الشّعب الإيراني ستكون قويّة.
واعتبر سماحته أنّ مستقبل الشعب الإيراني سيكون أفضل من السابق بفضل الله وفي ظلّ إيمان وثبات الشعب وأكّد قائلاً: يجب الحفاظ على هذا "الإيمان، الإتحاد، الثبات والمشاركة في الساحات" وتدعيم بنية النظام الداخليّة من خلال استغلال القدرات والطاقات المحليّة والتخطيط العاقل بحيث ييأس العدو ويكفّ عن عدائه.
انطلاق مؤتمر الأزهر العالمى للسلام بمشاركة بابا الفاتيكان
ينطلق فى القاهرة، الخميس المقبل مؤتمر الأزهر العالمى للسلام، تحت رعاية شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين الدكتور أحمد الطيب، بحضور عدد من القيادات الدينية من أنحاء العالم فى مقدمتهم البابا فرنسيس الثانى بابا الفاتيكان، الذى من المقرر أن يلقى كلمة فى ختام المؤتمر، عقب زيارته الرسمية للإمام الأكبر بمشيخة الأزهر الشريف.
جاء ذلك فى بيان للأزهر الشريف، موضحا أن المؤتمر يناقش 4 محاور رئيسية، تتمثل فى: معوقات السلام فى العالم المعاصر.. المخاطر والتحديات، إساءة التأويل للنصوص الدينية وأثره على السلم العالمى، الفقر والمرض بين الحرمان والاستغلال وأثرهما على السلام، ثقافة السلام فى الأديان بين الواقع والمأمول.
كما يوجه المؤتمر، الذى ينعقد على مدار يومين، رسالة مشتركة للعالم كله بأن رموز وممثلى الأديان المجتمعين فى رحاب الأزهر الشريف يجمعون على الدعوة إلى السلام بين قادة الأديان وجميع المجتمعات الإنسانية، ويؤكدون انطِلاقا من الثقة المتبادلة بينهم، على دعوةِ أتباعِ الأديانِ للاقتِداء بهم، والعمل بهذه الدعوَةِ يدا واحدة من أجلِ نبذ كلّ أسباب التعصب والكراهيةِ، وترسيخِ ثقافة المحبة والرحمة والسلام بين الناس.
يأتى هذا فى إطار الجهود الحثيثة التى يقودها شيخ الأزهر الشريف لنشر ثقافة المحبة والتسامح والتعايش المشترك وتحقيق سلام عادل وشامل للبشرية جمعاء. من جهة أخرى، قال سفير الفاتيكان لدى مصر، برونو موزارو، إن الهدف من زيارة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان إلى القاهرة، يتمثل فى «طمأنة الأقباط»، مشيرا إلى أن الجانب الأكثر أهمية فى هذه الزيارة يتمحور حول «الالتقاء بالجماعة الكاثوليكية التى تمثل أقلية فى الجماعة المسيحية».
الصبر والثبات
معنى الصّبر
الصّبر هو"كفُّ النفس عن الجزع عند حلول مكروه"، وقيل إنّه: "امتناع النفس عن الشكوى على الجزع المستور". والمراد من الشكوى هنا الشكوى إلى المخلوق، وأمّا الشكوى عند الخالق المتعالي وإظهار الجّزع والفزع أمام قدسيّته فلا تتنافى مع الصّبر. كما اشتكى النبيّ أيوب عليه السلام عند الحقّ سبحانه قائلاً: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾1 رغم أنَّ الله تعالى أثنى عليه بقوله ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾2. وقال النبيّ يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾3 مع أنّه كان مع الصّابرين. بل إنّ ترك الشكوى إلى الحقّ المتعالي إظهارٌ للجلادة وللدعوى.
ويبدو من تراجم حياة الأنبياء العظام والأئمة المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - أنّهم على الرغم من أنّ مقاماتهم كانت أرفع من مقام الصّبر ومقام الرضا والتسليم، إلَّا أنهم لم يمتنعوا عن الدعاء والتضرّع والعجز أمام المعبود. وكانوا يطلبون حاجاتهم من الحقّ سبحانه. وهذا لا يكون مغايراً للمقامات الروحية، بل إن تذكّر الحقّ جلّ وعلا والخلوة والمناجاة مع المحبوب وإظهار العبودية والذلّ أمام عظمة الكمال المطلق، غاية آمال العارفين وثمرة سلوك السالكين. وعلى أيّ حال فالحقيقة أنَّ الصّبر هو الامتناع عن الشكوى على الجزع الكامن.
مراتب الصبر
مراتب الصّبر كثيرة، نذكر هنا بعض المراتب التي تطابق الحديث النبويّ الشريف: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصّبر ثلاثة: صبرٌ عند المصيبة، وصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتّى يردّها بحسن عزائها، كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض. ومن صبر على الطاعة، كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش. ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش"4.
ونعلم من هذا الحديث الشريف ثلاث درجات للصبر، وهي مبادئ الصّبر:
المرتبة الأولى: الصّبر على البليّات والمصائب
وذلك بأن يكون الإنسان في هذا النوع من الواردات متملّكاّ نفسه، فلا يجزع ولا يشكو عند الخلق. أمّا الجزع والشكاية عند الخالق فهي ليست نقصاً. وإن كانت عيباً عند أهل المعرفة، لأنّه تجلّد وتصلّب، وفي مذهب العشق والمحبة يعتبر التجلّد عيباً كبيراً، لأنّ المطلوب هو فقط إظهار العجز والفقر، والتجلّد هو الغرور وإظهار الوجود، وهذا عند أهل المعرفة من أكبر الجنايات. وللصّبر في المصيبات ثلاثمائة درجة من الثواب ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض.
المرتبة الثانية: الصّبر على الطاعة
وذلك بأن يكون الإنسان في طاعة الحقّ تعالى متمالكاً لنفسه، فلا تأخذ النفس الأمّارة بالسوء الزّمام من يد الإنسان ويطلق لها العنان. وإطلاق العنان بشكلٍ عام يكون في مقامين، والصّبر في أحدهما أصعب كثيراً منه في الآخر:
المقام الأوّل: وهو الذي يكون الصّبر فيه سهلاً، وهو الصّبر عن إطلاق العنان للنّفس في ترك الطاعات. والصّبر في هذه المرحلة عبارة عن مقاومة النفس الأمّارة والشيطان، والإتيان بالوظائف الإلهية بحدودها الشرعيّة وآدابها القلبية، وهذا من المصاعب.
المقام الثاني: والصّبر فيه يكون أصعب، وهو منع إطلاق العنان للنفس بعد الإتيان بالعمل والطاعات، وهو حبس النفس بعد القيام بآداب العمل وشرائطه الظاهرة والباطنة لكي لا تبتلى بالعجب والكبر وغيرهما. وربما يدعو الشيطان والنفس الأمّارة الإنسان إلى الأعمال الصالحة، والأخلاق الحميدة والتبعيّة للشريعة المطهّرة لسنواتٍ طويلة رجاء أن يبتلى بالإعجاب وحب النفس فيسقط رغم جميع مشقّاته ورياضاته.
المرتبة الثالثة: الصّبر عن المعصية
بمعنى أنّ الإنسان يصبر في مجاهدة نفسه وجنود إبليس، وبواسطة الاستقامة والمثابرة يتغلّب عليهم. ولهذه الدرجة مقاماتٌ وحقائق ولطائف كثيرة، والصّبر في كل درجةٍ منها أصعب وأدقّ من الصّبر على الطاعات. بل إنّ الموفّق في الصّبر في هذه المرتبة يسهل عليه الصّبر على الطاعات.
آثار الصّبر ونتائجه
للصّبر نتائج كثيرةٌ أهمها:
1- ترويض النفس وتربيتها:
فالإنسان إذا صبر حيناً من الوقت على المفاجآت المزعجة ونوائب الدهر، وعلى مشاقّ العبادات والمناسك، وعلى مرارة ترك الملذّات النفسيّة امتثالاً لأوامر وليّ النعم، وتحمّل الصّعاب مهما كانت شديدة ومؤلمة، اعتادت النفس شيئاً فشيئاً وتروّضت، وتخلّت عن التمرّد، وتذلّلت صعوبة تحمّل المشاق عليها، وحصلت للنفس ملكةٌ راسخة نورانية، بها يتجاوز الإنسان مقام الصّبر ليبلغ المقامات الأخرى الشامخة. بل إنّ الصّبر على المعصية يبعث على تقوى النفس، والصّبر على الطاعة يسبّب الاستيناس بالحق عزّ وجلّ، والصّبر على البلايا يوجب الرضا بالقضاء الإلهيّ. وكل ذلك من المقامات الشامخة لأهل الإيمان، بل لأهل العرفان.
يقول المحقّق الخبير نصير الدين الطوسي: "الصّبر حبس النفس عن الجزع عند المكروه. وهو يمنع الباطن عن الاضطراب، واللسان عن الشّكاية، والأعضاء عن الحركات غير المعتادة"5. وعلى العكس، فإنّ الإنسان غير الصابر، قلبه مضطرب، وباطنه موحش، ونفسه قلقة ومهزوزة. وهذا بنفسه بليّةٌ فوق جميع البلايا، ومصيبةٌ من أعظم المصائب التي تحلّ بالإنسان وتسلب منه الراحة والقرار. وأمّا بالصّبر فتخفّ الرزيّة، ويتغلّب القلب على النّوائب والبلايا، وتنتصر إرادة الإنسان على المصائب. ولذا نجد الإنسان غير الصّابر يشكو عند من هو أهلٌ للشكاية، ومن ليس بأهلٍ للشكاية، وهذا الأمر بالإضافة إلى أنّه يؤدّي إلى الفضيحة لدى الناس، والاشتهار بالضعف بينهم، وعدم الجلادة، فإنه سيسقطه من أعين الناس ويحطّ من كرامته لدى ملائكة الله، وأمام جلال القدس الربوبيّ.
2- تثبيت الإيمان في النفس:
ورد في الأحاديث الشريفة عن أهل بيت العصمة ثناءٌ بليغٌ على الصّبر. فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "الصّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وكذلك إذا ذهب الصّبر ذهب الإيمان"6.
وعن الإمام السّجاد عليّ بن الحسين عليهما السلام قال: "الصّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبرَ له"7. إنّ الصّبر مفتاح أبواب السعادات، وباعثٌ للنجاة من المهالك، بل إنّ الصّبر يهوّن المصائب، ويخفّف الصعاب، ويقوّي العزم والإرادة، ويبعث على استقلالية مملكة الروح. وأمّا الفزع والجزع فبالإضافة إلى أنَّهما عيبٌ، وكاشفان عن الضعف في النفس، فإنّهما يجعلان الإنسان مضطرباً، والإرادة ضعيفةً والعقل موهوناً.
إنّ العبد الذي لا يتحمّل مصيبةً واحدةً نازلةً عليه من الحقّ المتعالي والحبيب المطلق، والذي إذا واجه بليّةً واحدةً رفع صوته بالشّكوى من وليّ نعمه أمام المخلوق رغم نزول البركات عليه وتلقّيه آلاف آلاف آلاف النّعم، مثل هذا العبد أيّ إيمانٍ له؟ وأيّ تسليمٍ له أمام المقام القدسيّ للحقّ؟ فيصحّ أن يقال إذاً: إنّ من لا صبر له لا إيمان له. لو كنت مؤمناً بالحضرة الربوبية، ورأيت أنّ مجاري الأمور بيد قدرته الكاملة، وأنّه لا يكون لأحدٍ يدٌ في الحوادث والأمور لما اشتكيت من حوادث الأيّام والبليّات أمام غير الحقّ تعالى، بل لاستقبلتها بكل حفاوةٍ وتكريم، وشكرت نعم الحقّ سبحانه. فكلّ الاضطرابات النفسية والشكاوى اللسانية والحركات غير اللائقة وغير المعتادة للأعضاء، تشهد بأنّنا لسنا من ذوي الإيمان.
فما دامت النّعمة موفورة، شكرنا ربنا شكراً ظاهرياً لا لبّ له، بل يكون لأجل طمع الزيادة، وحينما تواجهنا مصيبةٌ واحدةٌ أو يحلّ بنا ألمٌ ومرضٌ، اشتكينا من الحقّ تعالى لدى الناس وغمزنا فيه، واعترضنا عليه، وأبدينا الشكوى أمام كلّ من هو أهل، ومن ليس بأهل. وتتحوّل الشكاوى والجزع والفزع الحاصل في النفس، إلى بذور البغض تجاه الحقّ والقضاء الإلهيّ، ثمّ ينمو شيئاً فشيئاً، ويشتدّ حتّى يتحوّل إلى ملكة، بل لا سمح الله، تتحوّل الصورة الداخلية للذات إلى صورة البغض لقضاء الحقّ، والعداء للذات المقدّسة.
فالجزع والفزع لا يجديان نفعاً، بل لهما أضرارٌ مخيفة، ومهالك تنسف الإيمان. وأمّا الصّبر والجلادة فلهما الثواب الجزيل، والأجر الجميل، والصورة البهيّة البرزخية الشريفة، كما ورد في الحديث الشريف: "... الصّبر يعقب خيراً، فاصبروا ووطّنوا أنفسكم على الصّبر تؤجروا"8.
فعاقبة الصّبر هي الخير في هذه الدنيا، كما يستفاد من التمثيل بالنبيّ يوسف عليه السلام، ويبعث على الأجر والثواب في يوم الآخرة. وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من ابتلي من المؤمنين ببلاءٍ فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد"9. ووردت أحاديث كثيرة في هذا المضمار. وأمّا أنّ للصّبر صورةً بهيةً برزخية، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إذا دخل المؤمن في قبره، كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبرّ مطلّ عليه، ويتنحّى الصّبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته، قال الصّبر للصلاة والزكاة والبرّ: دونكم صاحبكم، فإن عجزتم عنه فأنا دونه"10.
كيفيّة التحقّق بمقام الصّبر
إنّ من النتائج الكبيرة والثمار العظيمة لتحرّر الإنسان من عبودية النفس، الصّبر في البلايا والنوائب. فالإنسان إذا أصبح مقهوراً لهيمنة الشهوة والميول النفسية، كان رقّه وعبوديته وذلّته بقدر مقهوريّته لتلك السلطة الحاكمة عليه. ومعنى العبودية لشخصٍ هو الخضوع التّام له وإطاعته. والإنسان المطيع للشهوات المقهور للنفس الأمّارة يكون عبداً منقاداً لها. وكلّما أوحت هذه السلطات بشيءٍ أطاعها الإنسان وخضع لها منتهى الخضوع، حتى يغدو عبداً خاضعاً ومطيعاً أمام تلك القوى الحاكمة. ويبلغ به الأمر إلى مستوى يفضّل طاعتها على طاعة خالق السماوات والأرض، وعبوديتها على عبودية مالك الملوك الحقيقيّ.
وفي هذه الحالة تزول عن نفسه العزّة والكرامة والحرية، ويحلّ محلها الذلّ والهوان والعبودية، ويخضع لأهل الدنيا، وينحني قلبه أمامهم وأمام ذوي الجاه والحشمة، ولأجل بلوغ شهواته النفسية يتحمّل الذلّ والمنّة، ولأجل الترفيه عن البطن والفرج يستسيغ الهوان، ولا يتضايق من اقتراف ما يخالف الشرف والفتوّة، عندما يكون أسيراً لهوى النفس والشهوة.
وينقلب إلى أداةٍ طيّعة أمام كل صالحٍ وطالح، ويقبل امتنان كلّ وضيعٍ عنده لمجرّد احتمال نيل ما يبتغيه حتّى إذا كان ذلك الشخص أحطّ وأتفه إنسان. إنّ عبيد الدنيا وعبيد الرغبات الذاتية، والذين وضعوا رسن عبودية الميول النفسية في رقابهم، يعبدون كلّ من يعلمون أنّ لديه الدنيا أو يحتملون أنّه من أهل الدنيا، ويخضعون له، وإذا تحدّثوا عن التعفّف وكبر النفس، كان حديثهم تدليساً محضاً، وإنّ أعمالهم وأقوالهم تكذب حديثهم عن عفّة النفس ومناعتها.
إنّ هذا الأسر والرّق للشهوات وأهواء النفس، من الأمور التي تجعل الإنسان دائماً في المذلّة والعذاب والنصب. ويجب على الإنسان ذي النبل والكرامة أن يلتجئ إلى كلّ وسيلةٍ لتطهير نفسه منها. ويتمّ التطّهر من هذه القذارات والتحرّر من كلّ خسّةٍ وهوانٍ بمعالجة النفس، وهي لا تكون إلَّا بواسطة العلم والعمل النافع.
أمّا العمل: فيكون بالرياضة الشرعية وبمخالفة النفس فترةً يتمّ فيها صرف النفس عن حبّها المفرط للدنيا والشهوات والأهواء حتّى تتعوّد هذه النفس على الخيرات والكمالات.
أمّا العلم: فيتمّ بتلقين النفس وإبلاغ القلب بأنّ الناس الآخرين يضاهونه في الفقر والضعف والحاجة والعجز، وأنّهم يشبهونه أيضاً في الاحتياج إلى الغنيّ المطلق القادر على جميع الأمور الجزئية والكليّة. وأنّهم غير قادرين على إنجاز حاجة أحدٍ أبداً، وأنّهم أتفه من أن تنعطف النفس إليهم ويخشع القلب أمامهم. وإنّ القادر الذي منحهم العزّة والشرف والمال والوجاهة قادرٌ على أن يمنح الجميع.
ومن العار حقيقةً على الإنسان أن يتذلّل وينحطّ في سبيل بطنه وشهوته ويتحمّل الامتنان من مخلوقٍ فقيرٍ ذليلٍ لا حول له ولا علم ولا وعي. إذا أردت أيّها الإنسان أن تقبل المنّة فلتكن من الغنيّ المطلق وخالق السموات والأرض، فإنّك إذا وجّهت وجهك إلى الذات المقدسة، وخشع في محضره قلبك، تحرّرت من العالمين11، وخلعت من رقبتك طوق العبودية للمخلوق لأنّ العبودية لله وحده لا شريك له.
* أخلاقنا الإسلامية، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- سورة ص، الآية 41.
2- سورة ص، الآية 44.
3- سورة يوسف، الآية 86.
4- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 91.
5- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 68، ص 68.
6- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 87.
7- م.ن، ص 89.
8- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 89.
9- م.ن، ص 92.
10- م.ن، ص 90.
11- أي كل ما سوى الله عزّ وجل
محکّم مصري للقرآن: مسابقة إیران الدولیة للقرآن تعکس وحدة الشعوب في تجمع فرید
عبّر المحکّم المصري والقارئ البارز الأستاذ "طه عبدالوهاب" عن سروره لإختیار شعار "کتاب واحد؛ أمة واحدة" لهذه الدورة من مسابقة ایران قائلاً: ان القرآن هو الوحید الذی یجمع الشعوب الإسلامیة ویوحّدها.
وقال إننی قلت مراراً ان من یقول ان الریاضة تجمع الشعوب هو علی خطأ إنما القرآن الکریم هو الوحید الذی یجمع الشعوب الإسلامیة، مبيناً: لن تشاهدوا هکذا إجتماع في أي بقعة من الأرض حیث یجتمع الشباب برغبة وحماس علی مائدة واحدة متفقین علی أمر واحد وهو القرآن الکریم.
وإستطرد المحکم المصری الشهیر للقرآن، قائلاً: ان هذا التجمع هو إجماع علی الأمور التی تجمعنا وهو أمر لا نشاهده في أي مسابقة ریاضیة.
وأردف أن الله عز وجل الذي جمع الأحرف لیجعل منها الکلمات ثم جمع الکلمات لیجعل منها آیات ثم جمع الآیات لیجعل منها سور وثم من السور جعل القرآن أیصعب علیه أن یجمع البشریة أجمع علی کتاب واحد؟
وأشار الی دور المسابقة القرآنیة في تعزیز التواصل بین المسلمین وتعزیز التضامن فیما بینهم مبیناً ان للمسابقات القرآنیة دوراً في وحدة المسلمین لأن القرآن الکریم یجمع قلوب الناس والأمة.
هذا ویذکر أن الأستاذ طه عبدالوهاب هو من القراء المصریین الکبار وأیضا محکم دولي لدیه بحوث کثیرة في مجال المقامات القرآنیة کما أنه قد نظم دورات کثیرة في الصوت والنغم ومقامات قراءة القرآن الکریم في العدید من الدول.
وافتتحت الدورة الـ34 من مسابقة القرآن الدولية للذكور في الجمهورية الاسلامية الايرانية، الأربعاء الماضي 19 ابريل / نیسان الجاری في مصلى الامام الخميني(رض) وسط العاصمة الايرانية طهران، وستقام بالتزامن مع هذه المسابقة، أربع منافسات قرآنية دولية أخرى وهي الدورة الأولى من مسابقة القرآن الدولية للإناث، والدورة الخامسة من مسابقة القرآن الدولية للتلاميذ، والدورة الأولى من مسابقة القرآن الدولية لطلبة المدارس الدينية والحوزات العلمية، والدورة الثانية من مسابقة القرآن الدولية للمكفوفين.
وستستمر فعاليات النسخة الرابعة والثلاثين لمسابقة القرآن الدولية التي تنظمها منظمة الأوقاف والشؤون الخيرية في ايران لغاية الأربعاء المقبل 26 ابريل الحالي.
الفتنة الطائفية
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (92) سورة الأنبياء
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (52) سورة المؤمنون
الفتنة الطائفية بين المسلمين اليوم حقيقة قائمة على وجه الأرض، لا يمكن تجاهلها، ولا يجوز التغاضي عنها، ولا يصح التسامح معها.
هذه الفتنة قائمة في كل زمان، وقلما يتفق أن يخلو عنها زمان، ولكنها اليوم تختلف من أي وقت مضى في تاريخنا المعاصر على الأقل.
إن الفتنة الطائفية اليوم تتفجر في العراق، وباكستان، وأفغانستان، وأقاليم أخرى من العالم الإسلامي أكثر من أي وقت آخر، وتتسبب في مذابح وحرائق وانتهاك للحرمات وتكفير للمسلمين من أهل القبلة وأهل (لا إله إلاّ الله)، من غير ذنب.
وأضرى مشاهد هذه الفتنة في العراق، حيث تجري يومياً مذابح همجية، فاقدة لكل قيم الدين والأخلاق، في المحافظات المختلطة ـ مذهبيّاً ـ يجري القتل على الهوية، وعلى الاسم، والانتماء، والمحافظة التي ينتمي إليها الإنسان، ويتم تهجير آلاف العوائل من المناطق المختلطة الساخنة، بسبب الانتماء المذهبي فقط.
وإن كل الجهود التي بذلها علماء المسلمين من الشيعة والسنة خلال هذا القرن للتقريب بين المسلمين يتعرض لتهديد وخطر حقيقيين، وإن لم يعصمنا الله من هذه الفتنة ويتصدى رجال من المسلمين لمواجهة هذه الفتنة وإحباطها والسيطرة عليها... لأصابنا من هذه الفتنة شرّ كثير.
وسوف نتحدث في هذا المقال عن هذه الفتنة في ثلاث نقاط:
1ـ آثار هذه الفتنة على حاضر العالم الإسلامي ومستقبله.
2ـ أسباب الفتنة وخلفياتها.
3ـ علاجها ومكافحتها.
الآثار الحالية والمستقبلية للفتنة
فإن لهذه الفتن تاريخ طويل، ومن يُلمّ بهذا التاريخ يعرف الأخطار الكبيرة الناجمة من هذه الفتن. هذه الفتن سريعة الاشتعال. صعبة الإخماد. خسائرها واسعة وكبيرة. تتسع رقعتها بسرعة. لا تندمل جراحها إلاّ بعد زمن طويل وبجهد كبير. تكتسح حتى الطبقة الواعية المعتدلة. تسلب الاعتدال والتوازن والرؤية الموضوعية حتى من دعاة الاعتدال، إلاّ من عصم الله.
يقول أمير المؤمنين(ع):(إن الفتن إذا أقبلت شبّهت وإذا أدبرت نبّهت)([1]).. وهو مما ذكرناه: أن هذه الفتن تسلب الرؤية الموضوعية والاعتدال، حتى من أصحاب الرؤى الموضوعية ومن أصحاب الاعتدال.
أول هذه الخسائر إحباط مشاريع التقريب والتوحيد الذي أنجزه العلماء وقادة المسلمين في هذا القرن والقرن الذي مضى مثل السيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ سليم البشري والشيخ محمود شلتوت شيخي الأزهر الشريف والسيد البروجردي والشيخ حسن البنّا وكاشف الغطاء، والإمام الخميني رحمهم الله ونظرائهم من دعاة التقريب والتوحيد.
إنَّ الفتنة الطائفية، إذا اشتعلت فيما بين المسلمين تحبط هذه المشاريع الكبيرة التي تمت على يد هؤلاء الأعلام من دعاة التوحيد والتقريب.
والخسارة الثانية إحباط المشروع السياسي الإسلامي الكبير.
وهي خسارة كبرى في حياة الأمة... إن الإسلام اليوم يدخل في مواجهتين صعبتين، من الخارج والداخل، مواجهة أنظمة الاستكبار العالمي، مثل النظام الأمريكي وإسرائيل، من الخارج، ومواجهة عملاء الاستكبار العالمي في العالم الإسلامي، من الداخل... والمشروع الإسلامي السياسي في هاتين المواجهتين هو إنهاء النفوذ الاستكباري في العالم الإسلامي سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً، وأسلمة الأنظمة الحاكمة تبعا لإرادة الأمة في العالم الإسلامي... إن الإسلام اليوم يقود أوسع معارضة في التاريخ للنفوذ الاستكباري في عالمنا.
إن الفتنة الطائفية التي تشتعل اليوم في العالم الإسلامي تهدد هذا المشروع السياسي الكبير بالإحباط الكامل...
وانهدام المشروع السياسي الإسلامي بمعنى الإبقاء على نفوذ الاستكبار الغربي، وحماية العدوان والاحتلال الإسرائيلي، وتمكين الأنظمة العميلة للغرب في مواقع النفوذ والسلطة في العالم الإسلامي، واستمرار عمليات النهب والسلب لثروات المسلمين من قبل الغرب، والإبقاء على حالة التخلف والتبعية للغرب، في كل شيء، في عالمنا الإسلامي.
والخسارة الثالثة تعطيل الترافد الثقافي بين المسلمين... إنّ ساحتنا الثقافية اليوم تشهد ترافداً ثقافياً واسعاً بين المسلمين، وشهدت انتعاشاً ثقافياً محسوساً بسبب هذا الترافد وإثراء للثقافة الإسلامية المعاصرة.
وإذا اجتمعت العقول... تأتلف القلوب كذلك، كما أن العكس صحيح أيضاً.
فكان لهذا الترافد الثقافي دور كبير في تأليف قلوب المسلمين.
والفتنة الطائفية اليوم تعيد الحواجز النفسية والثقافية بين المسلمين مرة أخرى، وتعزل الثقافة الإسلامية بعضها عن بعض... بل تتجاوز هذه الخسارة إلى خسارة اعظم من ذلك، وهي استبدال حالة الترافد الثقافي بالتقاطع الثقافي وثقافة التقاطعات... كما حصل ذلك بين المسلمين في شبه القارة الهندية أيام الاحتلال الإنجليزي.
أسباب الفتنة
أ ـ دور الاستكبار العالمي في إثارة الفتنة الطائفيّة
من الخطأ أن ننظر إلى هذه الفتنة نظرة تجريدية سطحية معزولة عن الأسباب والخلفيات التي تكمن وراءها، وبمعزل عن اللعبة السياسية الدولية التي تمارسها أنظمة الاستكبار الغربي في العالم الإسلامي.
إن الآثار التخريبية والحرائق الواسعة التي تتعقب كل فتنة طائفية، وسهولة إشعال هذه الحرائق في الفتنة في لحظات الغفلة والانفعال... مما لا يمكن أن تغيب عن عيون دهاة الاستكبار العالمي.
ولا تعجب إذا هدّد السفير الأمريكي (انديك) العالم الإسلامي باستخدام كل الأوراق الاستكبارية حتى إثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين.
ب ـ الانغلاق، والتكفير، والإرهاب:
هذا المسلسل الثلاثي من أخطر أسباب الفتن الطائفية في التاريخ الإسلامي. (الانغلاق) على الرأي الآخر، و(التكفير والإرهاب) في التعامل مع الرأي الآخر. ينبغي للإنسان أن يكون منفتحا دائما على الرأي الآخر، يستمع إليه، ويحاور أصحابه.
يقول تعالى في عباده الصالحين {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}([2]).
والاستماع هو (الانفتاح)، وإتبّاع الأحسن هو (الموضوعية) وابتغاء الحق فيما بين الآراء... والقرآن يجعل >الانفتاح< و>الموضوعية< في الاختيار هو المقياس الدقيق للهداية (الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ).
وبعكس ذلك الانغلاق على الرأي الآخر يجرّ الإنسان إلى ضلالات ومتاهات كثيرة.
ويتبع (الانغلاق)... (التكفير) و(الإرهاب).
(التكفير) في التعامل مع الرأي الآخر و(الإرهاب) في التعامل مع أصحاب الرأي الآخر.
ودين الله أوسع صدرا وأرحب في التعامل مع الرأي الآخر وأصحابه من التكفير والإرهاب ويبقى الرأي الآخر في دائرة الإسلام إذا كان يقر صاحبه بشهادة أن لا اله إلا الله وأنَّ محمدا رسول الله، فلا يجوز إخراج هذا الرأي من دائرة الإسلام إلى الكفر، ولا يجوز استباحة دم صاحبه... فإنَّ شهادة أن لا اله إلا الله تعصم صاحبها في دمه وماله.
وقد أصبحت اليوم هذه المسألة من كبرى قضايا العالم الإسلامي... فهم يمتلكون شبكة تنظيمية واسعة في العراق وباكستان والسعودية، ولهم امتداد في المغرب الأفريقي، مثل الجزائر، والمغرب، وامتدادات في جنوب شرق آسيا مثل اندونيزيا وماليزيا، ولهم حضور في بعض الدول الأوروبية.
وحيث أن هذه الحركة حركة سياسية وثقافية منظمة تحت الأرض... فهي تبقى بعيدة عن النور، والحوار والنقد.
وقد تسببت هذه الحركة لأضرار كبيرة وكثيرة في العالم الإسلامي اذكر منها:
1 ـ تعميق الفجوة الطائفية بين المذاهب الإسلامية وإثارة الفتنة الطائفية وتأجيجها في بلاد وأقاليم كثيرة من العالم الإسلامي مثل العراق وأفغانستان وباكستان
2 ـ تمكين دول الاستكبار العالمي من العالم الإسلامي
3 ـ كان لهذه الحركة دور واسع في تشويه صورة (الإسلام) و(الحركة الإسلامية المعاصرة) في العالم. فقد اقترنت صورة الإسلام والحركة الإسلامية المعاصرة في العالم من خلال الفضائيات بالتفجيرات والتفخيخات والدماء والأجساد المضرّجة بالدماء، والتهديد والحرائق والتخريب... والفضائيات الموالية للغرب تعرف كيف تعرض هذه الصور وكيف تستخدمها لتشويه صورة الإسلام والحركة الإسلامية.
علاج الفتنة
إن مكافحة الفتن الطائفية والسعي إلى التقريب والتفاهم والتضامن والتعاون بين المسلمين من ثوابتنا السياسية والحضارية والاقتصادية.
وتدخل في تكوين الأمة الإسلامية الواحدة. ومن دونه لا تتحقّق الأمة الواحدة التي جعلها الله أمة وسطاً، وشاهدة على سائر الأمم.
من أبرز النقاط التي تساهم في علاج الفتنة الطائفية وإخمادها هي:
1 ـ الوعي والخطاب
2 ـ اللقاء والحوار
3 ـ العمل المشترك
أولاً: الوعي والخطاب
الفتنة الطائفية، كأية فتنة أخرى، تنشأ وتنمو في غياهب الجهل والجهالة.. والفتن في حياة الناس كثيرة، وكلها تتكون وتظهر وتنمو في ظلمات الجهل.
وأفضل العلاج لها ولأمثالها من الفتن هو المعرفة والوعي، فأن النور يكسح الظلمة، والمعرفة والوعي نور يزيل ما يعترضه من الظلمات،والفتن تراكم من الظلمات بعضها فوق بعض.
إن تحصين المجتمع من الفتن يتم بعاملين اثنين مع بعض، وهما عامل التقوى والمعرفة، فإذا اجتمعتا فأنهما يحصّنان المجتمع من أمثال هذه الفتن.
فهما يحصّنان المجتمع من كل فتنة، ويمنحان صاحبهما بصيرة وفرقاناً، إذا ادلهمت الخطوب والظلمات على الناس.
ومن أهم وجوه الوعي اليوم الوعي السياسي، فان عامل الاستكبار العالمي والمخابرات والمنظمات الجاسوسية العالمية تكمن خلف هذه الفتن.
والمؤسسات الإعلامية (الصحف والفضائيات ودور النشر) تبثّ هذه الفتن بين الناس، وتقوم بتأجيج حرائق الفتنة الطائفية بين المسلمين.
والأداة المفضّلة لمواجهة هذه الفتن هي الوعي السياسي الذي يمكن الناس من معرفة خلفيات هذه الفتن وجذورها، والمنظمات الجاسوسية التي تخطط لها هناك في الغرب عبر المحيطات.
ومن واجب العلماء والخطباء والمثقفين الإسلاميين نشر الوعي السياسي بين الناس، وتمكين الناس من اختراق الغطاء الإعلامي وتمكينهم من الدرك الصحيح لما يحصل في الساحة العالمية من فنون اللعبة السياسية، وتحذير الناس من أن يكونوا ضحايا هذه اللعب والخطط التي تنتجها باستمرار العقلية الغربية تجاه العالم الإسلامي.
ولابد للوعي من خطاب، كما أن للتضليل السياسي خطاب، ولإثارة الفتنة بين الناس خطاب، ولتغرير الناس وتجهيلهم خطاب، كذلك للوعي خطاب.
ولغة هذا الخطاب لغة العقل، وهي اللغة المفضّلة في خطاب الوعي... إن العاطفة جزء ضروري من خطاب الجمهور لاشك في ذلك، ولكن من الخطأ الاقتصار على العاطفة في خطاب الجمهور.. ولابد من استخدام لغة العقل في خطاب الناس، إلى جانب لغة العاطفة، ولابد أن تكون لغة العقل هي الحاكمة وهي الأصل، ولغة العاطفة تأتي في امتداد لغة العقل، ولإسناد العقل عندئذ يكون الخطاب العاطفي خطاباً صالحاً للجمهور... وأمّا عندما يتمحّض خطاب الجمهور في الخطاب العاطفي فلا يكون مثل هذا الخطاب خطاباً راشداً أميناً غالباً، ولا يكون قادراً على توجيه الجمهور إلى الوجهة الصحيحة...
وعلى علماء المسلمين أن يتقوا الله في الخطاب، ولا يبتغوا مرضاة الناس في ذلك، فقد يكون في الناس من يستجيب للشعار والعاطفة، وقد يكون الخطاب العاطفي والشعاري أسرع قبولاً في وسط الجمهور.. ولكنه على كل حال خيانة يجب أن يحذرها العلماء الراشدون.
والجمهور الذي يتثقف من خلال الخطاب العقلائي اكثر ثباتاً وصلابة في الموقف، والجمهور الذي يتلقى الخطاب العاطفي الشعاري جمهور متقلب في الرأي، لا يثبت على موقف ورأي، ومسؤولية هذه الحالة المتقلّبة على عهدة الخطاب العاطفي والشعاري الذي يتلقاه هذا الجمهور من حملة الخطاب الطائفي المتشنّج.
وكما يجب الاهتمام بلغة الخطاب في حياتنا الثقافية والسياسية المعاصرة، كذلك يجب الاهتمام بمصدر الخطاب... هناك خطابات سياسية وثقافية كثيرة معاصرة صادرة من (الولاءات) المنتحلة الوهمية، كالولاء للقوم والوطن والعشيرة، وهي ولاءات منتحلة كاذبة في مقابل الولاء لله ولرسوله ولائمة المسلمين وللمؤمنين، وهو الولاء الراشد الصحيح الذي جاء به الوحي من عند الله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}([3])... وهذا هو الولاء الحق الذي جاء به رسول الله(ص) من عند الله، وهو الولاء الذي يوحّد صف المسلمين، ويجعل منهم أمة واحدة في صف مرصوص، مقابل أعداء هذه الأمة.
ونحن عندما نتحدث عن الخطاب السياسي الذي يجب أن نلقيه إلى جمهورنا يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار مصدر هذا الخطاب... هذا الخطاب يجب أن يكون صادراً عن الولاء لله ولرسوله في قوله تعالى:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ}([4]).
وقوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}([5]).
وقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}([6]).
وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} كَذَل وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}([7]).
وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}([8]).
وقوله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}([9]).
وقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ}([10]).
وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}([11]).
أمّة واحدة، وطاعة واحدة، وولاء واحد.
ثانياً: الجماعة ، واللقاء ، والحوار
هذه ثلاثة عناوين يحبها الله تعالى، وهي أساس التقريب والتفاهم وجمع الشمل وهي:
(الجماعة) و(الاجتماع واللقاء) و(الحوار والتفاهم).
وهذه الثلاثة هي الأداة المفضلة في دين الله لمكافحة الفتن الطائفية، وإزالة التقاطعات، والوصول إلى الانسجام والتفاهم والتعاون.
الجماعة (الأمّة)
نقصد بالجماعة: الأمّة الإسلامية الواحدة ، وتتميز هذه الأمّة من سائر الأمم في العقيدة والشريعة والرسالة ، ورسالتها التعاون والتضامن الاجتماعي علی أداء هذه الرسالة والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}([12]).
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}([13]).
{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}([14]).
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}([15]).
هؤلاء ، جماعة هذه الأمة، يحملون هماً واحداً، ومسؤولية واحدة، هي الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم أُسرة واحدة، متعاونة ومتفاهمة ومتعاطفة (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)، وهم يؤمنون جميعاً بالله ورسوله، ويطيعون الله ورسوله، فأن الدعوة إلى الله ورسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون إلا مع الإيمان بالله ورسوله وطاعة الله ورسوله.
إذن هذه الجماعة تحمل ثلاث خصال:
1 ـ الإيمان بالله ورسوله، وطاعة الله ورسوله.
2 ـ الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة..
3 ـ التفاهم والتعاون والتعاضد والتواصي بالحق والصبر فيما بينهم.
{إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}([16]).
وعليه فأن مفهوم (الجماعة)بهذا التوضيح يلتقي مفهوم (الأمة).
وهذه الأمة أمة واحدة، وليست أمماً شتى، لا ريب في ذلك.
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}([17]).
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}([18]).
وهذه الأمة بعرضها العريض أمّة واحدة، لها عقيدة واحدة وشريعة واحدة ومنهاجاً واحداً ، ودعوة واحدة، وسبيل واحد، ورسالة واحدة، يؤدّونها مجتمعين.
وهذه الوحدة والاجتماع في الأداء، وتحمّل المسؤولية، والعقيدة والشريعة والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي تجعل من هذه الأمة جماعة واحدة.
ورد في النصوص الإسلامية التأکيد علی اللقاء والاجتماع والنهي عن الاختلاف والتفريق والتقاطع داخل الجماعة المسلمة، والنهي عن الخروج عن جماعة هذه الأمة والشذوذ عنها.
عن رسول الله(ص): (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة)([19]).
وعنه (ص): (اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة. فعليكم بالجماعة، فان يد الله مع الجماعة، ولم يجمع الله أمتي إلا على هدى، واعلموا أن كل شيطان (: البعيد من الحق) هوى في النار)([20]).
وعنه (ص) أيضاً’: (لا يجمع الله أمر أمتي على ضلالة أبدا، اتبعوا السواد الأعظم، من شذّ في النار)([21]).
وعن أمير المؤمنين(ع): (الزموا السواد الأعظم، فان يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة، فان الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب، فلا تكونوا أنصاف الفتن، وأعلام البدع، والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة)([22]).
إن اجتماع المؤمنين واللقاء بينهم أمر يحبّه الله تعالى، وما يحبّه الله يجعل فيه البركة والخير، ويجعله من منازل رحمته.
وهذا اللقاء، وما يستتبعه من الحوار يدخل في صلب التشريع.. فقد شرَّع الله في هذا الدين للمسلمين (الجماعة) و(الجمعة) و(الحج)..
ويدخل في (الجمعة) صلاة العيدين الفطر والأضحى.
وهذه الثلاثة (الجماعة، والجمعة، والحج) تجمعات إسلامية ثلاثة تجمع المسلمين من مختلف المذاهب والاتجاهات والاجتهادات.. ولاشك أن الحالة العبادية والذكر جزء لا يتجزأ من هذه الثلاثة... إلا أن حالة اللقاء والاجتماع أمر مقصود في هذه التشريعات الثلاثة من دون شك.
الجماعة والجمعة تجمعان كل الشرائح والمذاهب
وقد حرص الإسلام أن يحضر المسلون بكل مذاهبهم واتجاهاتهم هذه الاجتماعات الثلاثة لأداء الفريضة اليومية وصلاة الجمعة وفريضة الحج مجتمعين.
وكان أئمة أهل البيت(ع) يؤكدون لشيعتهم حضور الجماعات والجمعات لأهل السنة.
عن الإمام الصادق(ع): (من صلّى خلفهم كان كمن صلّى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
ويقول الإمام الصادق(ع) لإسحاق بن عمار: (يا إسحاق أتصلي معهم في المسجد؟ قال: قلت نعم، قال صلّ معهم فان المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله).
كان أهل البيت(ع) يوجهون شيعتهم واتباعهم دائماً إلى اللقاء والاجتماع بأهل السنة، والحضور معهم في جوامعهم، واجتماعاتهم، ومجالسهم، وندواتهم، وينهونهم عن الابتعاد عنهم، ويؤكدون لهم بضرورة التواجد في الساحة الإسلامية العامة، وحضور الجمعات والجماعات، وتوحيد المواقف في الحج، ولم يردنا ـ ولا حديث واحد ـ عن انفراد أئمة أهل البيت(ع) في موقف من مواقف الحج عن الموقف العام الذي كان يحدده الحكام في تلك البرهة، لعامة المسلمين.
وكانوا لا يرضون لشيعتهم أن يعتزلوا الوسط الإسلامي العام، فهم جزء من هذه الأمة الكبيرة، واختلافهم عن أهل السنة في بعض الفروع والأصول، ومقاطعتهم للحكام الظلمة الذين كانوا يحكمون المسلمين في العصر الأموي والعباسي لم يكن يحمل معنى الاعتزال عن الساحة والانقطاع عنها.
وقد كان أئمة أهل البيت(ع) يعيشون معهم وفي أوساطهم، ويجتمع إليهم المسلمون من كافة المذاهب والاتجاهات، ويحضرون مجالسهم، ويأخذون منهم العلم، ولو أحصينا أهل العلم الذين أخذوا العلم عن الإمام الباقر والصادق‘ لوجدناهم اُمة كبيرة من أهل العلم، وكانت مجالسهم ومحاضرهم عامرة بفقهاء المسلمين وحملة الحديث النبوي وأهل العلم من كل اتجاه ومن كل بلد... وهذه الحالة يعرفها جيداً من يعرف حديث أئمة أهل البيت(ع) وسيرتهم، وهي تعبّر عن حالة الانفتاح والتعايش المذهبي الإيجابي السليم لكل الاتجاهات والمذاهب الإسلامية. في الوقت الذي كان أهل البيت^ يرسمون ويوضحون لشيعتهم وللمسلمين عامة الخط الفكري الصحيح في الاُصول والفروع بوضوح وصراحة وبشكل دقيق.
ثالثا ـ الأعمال والمشاريع المشتركة
وقد تحدثنا فيما مضى عن النقطة الأولى والثانية، وها نحن نتحدث إن شاء الله عن النقطة الثالثة، وهي العمل المشترك، سواءً كان العمل في المجال العملي والثقافي أم في مساحة العمل السياسي، أم في المساحة الاقتصادية.
والتجارب العديدة التي مارسها المسلمون في الآونة الأخيرة في المشاريع الاقتصادية والفقهية تؤكد هذا المعنى.
ونظراً للتحديات العظيمة التي يواجهها المسلمون اليوم لابد من مواجهة هذه التحديات بالمشاريع الإسلامية السياسية والاقتصادية والثقافية التي يشترك فيها عامة المسلمين من كل المذاهب والشرائح الإسلامية. فلم تعد الأعمال الفردية والتي تقوم بها طائفة من المسلمين كافية لمقابلة هذه التحديات، فإن التحديات التي تواجهنا في ساحتنا أكبر من أن نقابلها بمثل هذه المشاريع.
إن مشاريعنا السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية يجب أن تكون بحجم الأمة كلها.. عندئذ تكون يد الله مع هذه المشاريع، وعليها، إن شاء الله تعالى.
وعندئذ تكون هذه المشاريع والأعمال قادرة على مقابلة التحديات القويّة التي تواجهنا في ساحة عملنا.
جدلية الشرعية والواقع:
وسوف أتحدّث عن واحدة من هذه التحدّيات التي تواجهنا في حياتنا السياسية والثقافية، ولا يتأتّى لنا مقاومتها وإحباطها إلاّ ضمن مشروع سياسي وثقافي كبير، وبتضامن إسلامي واسع على قدر سعة هذه الأمة.
أمامنا قضيتان متخالفتان ومتقاطعتان، في ساحة حياتنا ويتوجّب علينا أن نتعامل معها بالضرورة، وليس بوسعنا التشكيك في أي منهما، وليس بوسعنا الإعراض عن أي منها أو كليهما ومقابلته باللامبالاة.
القضية الأولى: وحدة الأمة الإسلامية
وليس بوسع أحد أن يشك في هذه الحقيقة، وقد تلوت عليكم قريباً قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.
وهذه حقيقة من حقائق الوحي.
إذن لهذه الأمة، طبقاً لهاتين الآيتين الكريمتين من سورتي الأنبياء والمؤمنون قيادة واحدة صالحة.. وهذه هي الحالة الشرعية التي نطلبها في نظام الحكم والقيادة السياسية للعالم الإسلامي.
هذه هي القضية الأولى (: الشرعية).
القضية الثانية: قيام أنظمة متعددة من الحكم في طول العالم الإسلامي وعرضها...
وهذه الأنظمة ـ في الأغلب ـ لا تمثّل الحالة الشرعية لأنها غير صالحة، وغير مؤتمنة على دين الناس ودنياهم، وغير منتخبة من قبل الناس، وإنما تُفرض على الناس بآليات عسكرية، أو عبر وسائل أنظمة الاستكبار العالمي... وهذه الأنظمة تفرض طاعتها والالتزام بقراراتها على الناس بالنار والحديد والعنف.. والتغرير والتجهيل الإعلامي.
ولابد للناس من الالتزام بقرارات هذه الأنظمة: وهذا هو (الأمر الواقع) اللاشرعي.
وبين هذا (الأمر الواقع) و(الشرعية) تقاطع شديد ولكل منهما ثقافة، وسياسة، وقوانين، وأنظمة، وآليات، وقوة للتنفيذ.
هذه هي الجدلية القائمة بين (الشرعية) و(الأمر الواقع).
فما هو موقف (الفقه الإسلامي) تجاه هذه الجدلية الصعبة.
منهج أهل البيت(ع) الفقهي
إن منهج أهل البيت(ع) الفقهي تجاه هذه الجدلية في الفترة الطويلة التي عاشوها في العصر الأموي والعباسي، تتلخص في ثلاث نقاط:
1 ـ النهي عن إسناد هذه الأنظمة ودعمها، وتحريم (التعاون مع الظلمة)، فلا يجوز للمسلم أن يقوم بأي عمل فيه إسناد ودعم لهذه الأنظمة غير الصالحة بأي شكل، ولو كان ذلك بإعداد ليقة دواة للحاكم الظالم.. وقد وردت روايات كثيرة عن أهل البيت^ في هذا المعنى. (راجع أبواب حرمة التعاون مع الظلمة في مباحث المكاسب المحرمة). وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في وسائل الشيعة وسائر كتب الحديث والفقه.
2 ـ الأمر بمعايشة الواقع السياسي الاجتماعي لأن الانفصال عنه بمعنى الخروج من ساحة الحياة والانتحار السياسي والاقتصادي.
فلا يستغني الناس عن المدارس والجامعات وجهاز الشرطة والمستشفيات والمؤسسات الخدمية وغيرها وكل هذه المؤسسات مؤسسات قائمة ضمن هذه الأنظمة الفاسدة... لا حيلة للناس عنها فيجوز الدخول في هذه المؤسسات لخدمة الناس ويجوز الاستفادة من هذه المؤسسات، ومن دون ذلك تتعطل حياة الناس، والله تعالى لا يريد تعطيل حياة الناس.
وبين الأمر الأول (المحظور) والأمر الثاني (السائغ) فرق واضح.
3 ـ العمل على تحويل هذا الواقع الفاسد إلى نظام صالح وقيادة صالحة وقوانين وتشريعات صالحة.
وهذه النقطة الأخيرة تختلف من مجتمع إلى مجمع فقد يتم ذلك عن طريق ثورة مسلحة، وقد يكون ذلك عن طريق الترحيل الثقافي والتبليغي للناس، وقد يكون بالوسائل الديمقراطية الحديثة، التي تمكّن الأكثرية الصالحة من الوصول إلى مواقع الحكم وتغيير الحكم إلى نظام صالح وقيادة صالحة، بصورة سليمة، أو غير ذلك من الوسائل والآليات. (راجع روايات باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبواب الجهاد)
وهذه ثلاثة مشاريع عمل إسلامية سياسية تتطلب مشاركة عامة من المسلمين، من كل المذاهب والفرق والشعوب الإسلامية التي تعاني من سلطة الحكومات الظالمة.
1 ـ مقاطعة الأنظمة الفاسدة وتحريم دعمها وإسنادها، ووجوب عزل هذه الأنظمة عن الأمة والتشهير بها وتسقيطها.
2 ـ المشاركة الإيجابية في كل مسالك الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والنفوذ إلى مواقع مختلفة من الحكم بهذه الذهنية ولهذه الغاية.
3 ـ مشاريع اسلمة الأنظمة وإقامة الدولة الإسلامية على أسس شرعية وترحيل الحالة السياسية إلى قيام حكومة عالمية إسلامية صالحة، كما وعدنا الله تعالى في كتابه.. وهذا المشروع يختلف من بلد إلى بلد ومن حالة سياسية إلى حالة أخرى، ولا يخضع لوصفة سياسية أو حركية واحدة.
الهوامش:
[1] ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 : 44 خطبة 92. شبهت: اشتبه فيها الحق بالباطل، وإذا أدبرت وخلص الناس منها تميز حقها من باطلها
[2] ـ الزمر: 17 ـ 18.
[3] ـ المائدة: 55.
[4] ـ المائدة: 55.
[5] ـ الأنبياء: 92.
[6] ـ المؤمنون: 52.
[7] ـ التوبة: 71.
[8] ـ الحجرات: 10.
[9] ـ الأنفال: 46.
[10] ـ النساء: 59.
[11] ـ الأنفال: 72.
[12] ـ يوسف: 108.
[13] ـ آل عمران: 104.
[14] ـ آل عمران: 110.
[15] ـ التوبة: 71.
[16] ـ العصر: 3.
[17] ـ الأنبياء: 92.
[18] ـ المؤمنون : 52.
[19] ـ ميزان الحكمة 1: 765.
[20] ـ كنز العمال 1: 205 ح1025.
[21] ـ ميزان الحكمة 1: 406.
[22] ـ نهج البلاغة: الخطبة 127.
أسس النظرة الصحيحة حول المرأة وقضاياها
كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء مجموعة من النساء النخبة، على أعتاب ذكرى الولادة السعيدة للسيّدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)
أسس النظرة الصحيحة حول المرأة وقضاياها
بسم الله الرحمن الرحيم
مقام الزهراء (ع) المعنوي وخصالها السامية
أوّلًا؛ إنّ المقامات المعنويّة لفاطمة الزهراء (سلام الله عليها) هي بين المقامات المعنويّة الأسمى لعددٍ محدودٍ من البشر. إنّها معصومة. العصمة هي ميزة خاصّة للمختارين الإلهيّين من بين البشر. وهذه العظيمة – فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) - هي من جملة أولئك. وبالالتفات إلى هذه الحقيقة وهي أنّ هذه المرأة المسلمة المجاهدة في سبيل الله، كانت تبلغ العشرين من عمرها فقط - على اختلاف الروايات؛ امرأة شابّة لديها هذه المرتبة المعنويّة العالية التي تضعها في الصف الأوّل بين الأولياء والأنبياء؛ بحيث سمّاها سيد الرسل الإلهيّون "سيّدة نساء العالمين".
إضافةً إلى هذا المقام المعنوي، فإنّ كلّ واحد من خصال وأعمال هذه السيّدة العظيمة : تقواها وعفّتها وطهارتها وجهادها وتبعّلها وتربية أولادها ووعيها السياسي وحضورها في الساحات الأهمّ لحياة الإنسان في تلك المدّة - سواء في مرحلة طفولتها وصباها أم في مرحلة زواجها - كلّها دروسٌ وعبرــ ليس فقط لكُنَّ أيّتها السيّدات ـــ بل هي دروسٌ لكلّ البشريّة. يجب علينا التمحيص في حياة فاطمة الزهراء. وجعل تلك الحياة نموذجًا وقدوةً بكلّ معنى الكلمة، من خلال نظرة جديدة إليها.
المرأة في ظلّ نظام الجمهورية الإسلاميّة
حقًّا إنّها إحدى أكبر افتخارات النظام الإسلامي: إنّه في ظلّ النظام الإسلامي، لدينا كلّ هذه النساء الحكيمات والمتعلّمات وذوات الفكر النيّر والمستوى العالي فكريًّا وعمليًّا في مجتمعنا.
واليوم حين ننظر فنرى أنّ أسماء نسائنا تزيّن أغلفة الكتب المتنوّعة: الكتب العلميّة والبحثيّة والتاريخيّة والأدبيّة والسياسيّة والفنيّة؛ نلاحظ أنّ أفضل الكتابات والآثار المكتوبة للنظام الإسلاميّ اليوم- سواء المقالات أو الكتب- هي من تأليف سيّداتنا. الأمر الذي لا نظير له في كلّ تاريخنا. وهذا مصدر افتخار حقًّا. لم يسبق أن كان لدينا كلّ هذه الشخصيّات من النساء البارزات في المجالات المتنوّعة - سواء في المسائل الحوزويّة أم في المسائل الجامعيّة. وإضافةً إلى هذا، كان البروز والظهور الناصع للهويّة والشخصيّة المستقلّة للمرأة الإيرانيّة، في ميادين الجهاد، ومنها ما ظهر في الدفاع المقدّس وما تلاه حتّى أيّامنا هذه. كلّ زوجات الشهداء، زوجات الجرحى، أمّهات الشهداء، البقيّة الرائدة للذّين ضحّوا بأنفسهم في سبيل الله، ممّن تحلّوا بالإرادة المتينة والعزم الراسخ والصبر فجعلوا كلّ إنسانٍ يخشع فيخضع أمام تضحياتهم.
إنّ هذه حقائق واقع النساء في مجتمعنا وهي مهمّة وتبعث على الافتخار. حسنٌ، إنّ هذا هو الجانب المنير والمتألّق لمسألة المرأة في البلاد.
قضيّة المرأة في العالم اليوم
ولكنّ قضيّة المرأة في العالم اليوم ــ ومنها بلادناــ هي من القضايا التي لا تزال، ــ ومن جهاتٍ متعدّدة ــ تستحقّ المتابعة والتأمّل.
أوّلًا؛ إنّ نصف عدد سكّان البلدان المختلفة هو من النساء. كيف يمكن الاستفادة بشكلٍ سليم من هذه الإمكانات والموارد العظيمة لما فيه مصلحة أيّ بلد، ومنها بلادنا؟
ثانيًا؛ إنّ مسألة الهويّة الجنسيّة هي إحدى أكثر مسائل الخلق حساسيّة ودقّة. فكيف يمكن جعلها في خدمة سموّ الإنسان وتعاليه، بدل أن تصبح في خدمة انحطاط البشر والتسافل الأخلاقيّ؟
ثالثًا؛ بسبب الفروقات الطبيعيّة بين جنس المرأة وجنس الرجل، كيف يمكن- سواء في المحيط الاجتماعي أم في داخل الأسرة- أن يؤسّس لسلوكٍ ويُصبح ملزِمًا بأن لا تتعرّض المرأة لأيّ ظلم؟ هذه مسائل بالغة الأهميّة.
لا يتخيّلنّ أحد بأنّ ظلم النساء مسألة خاصّة بالمجتمعات المتخلّفة أو المجتمعات المتوحّشة مثلًا. كلّا، ففي المجتمعات التي يصطلح على تسميتها بالمتحضّرة؛ إن لم يكن ظلم النساء فيها أكثر، فإنّه بالتأكيد ليس أقلّ من المجتمعات الأخرى.
قضية المرأة وقضية الاسرة قضيتان متلازمتان
بالطبع فإنّ مسألة المرأة لا يمكن فصلها ولا تفكيكها عن مسألة الأسرة. إن أراد أحد أن يبحث في قضيّة المرأة منفصلة عن قضيّة الأسرة فإنّه سيتعرّض لاختلالٍ في فهمها وكذلك في تشخيص العلاج والحلول المناسبة لها. يجب النظر في هاتَين المسألتين جنبًا إلى جنب على أنّهما مسألتان متصلتان.
متطلبات تكوين النظرة الصحيحة حول المرأة وقضاياها
أولاً، التفكير بشكل مستقل عن الأفكار الغربية
إذا أردنا أن نفكّر بشكلٍ صحيح حول مسألة المرأة وأن نتحرّك ولا نقع في الأخطاء، يجب علينا أوّلًا أن نخلّي أذهاننا بشكلٍ كامل من الكلام والشعارات الفارغة التي أنتجها الغربيّون. حيث إنّ الغربيّين في قضيّة المرأة أساؤوا الفهم وأساؤوا العمل ثمّ طرحوا هذا الفهم الخاطئ والعمل الخاطئ المضلّ والمهلِك الخاصّ بهم كعملة رائجة في العالم. وكلّ من ينطق بكلمة تخالف رأيهم يهاجمونه بواسطة أجهزتهم الإعلاميّة الواسعة الانتشار ويعرّضونه لأشنع الحملات والتهويل. لا يُفسح الغربيّون المجال لأحد كي يتكلّم ويُظهر رأيه. إن كنتنّ تردن إيجاد استراتيجيّة صحيحة حول مسألة المرأة، فإنّ عليكنّ أن تخلّين أذهانكنّ من الأفكار الغربيّة حول المرأة. لا أقول أن نبقى دون اطّلاع ومعرفة، كلّا. نحن لسنا أنصار عدم الاطّلاع. إنّني مناصر للوعي والمعرفة ولكن نرفض مرجعيّة تلك الأفكار بشكلٍ كامل. إنّ أفكار الغربيّين وآراءهم في مجال قضيّة المرأة لا يمكنها مطلَقًا أن تكون مصدرًا للسعادة ولهداية المجتمع الإنسانيّ.
ألأسباب التي تدعو لاجتناب النظرة الغربية
ـــ نظرة ماديّة خاطئة
أولا،إنّ أفكارهم قائمة على نظريّة معرفة ماديّة وغير إلهيّة. إنّ أيّ نظام علميّ وفكريّ يُبنى على أساس معرفة ماديّة ، فإنّ نتيجته خطأ وغلط بالتأكيد. ينبغي أن يتمّ النظر إلى حقائق الخلق وفهمها ومتابعتها من خلال النظرة المعرفيّة الإلهيّة والاعتقاد بوجود الله وقدرته والحضور الإلهيّ والربوبيّة الإلهيّة. وعليه، فإنّ أساس وأصل وجذور الأفكار الغربيّة خاطئة كونها ماديّة.
ـــ نظرة كسب وربح ماديّ
وثانيًا: إنّ في التوجّه الغربيّ إلى مسألة المرأة - كما يلاحظ الإنسان بوضوح في تاريخ الثورة الصناعيّة - تدخل نظرة التكسّب والربح الماديّ والاقتصاديّ. أي إنّه في أوروبا لم يكن للمرأة فيها حقّ التملّك وكلّ أملاكها كانت تصبح ملكًا للرجل وزوجها. وإلى الوقت الذي جرى فيه إقرار الديمقراطيّة في الغرب، لم يكن للمرأة حقّ المشاركة في الانتخابات. في هكذا عالم ــ وفي ظل الثورة الصناعيّة والمصانع ــ فجأة يتمّ طرح مسألة الحضور المؤثّر للمرأة العاملة في المصانع ولكن من أجل لعمل بأجرٍ أقلّ ولمصلحة الرأسماليّين! حينها فقط أقرّوا حقّ التملّك للمرأة، كي يتمكّنوا من جرّها إلى المصنع، فيعطونها أجرًا وحقوقًا أقلّ. وبالطبع، فإنّ نزولها إلى ميدان العمل والشغل كان له مستلزمات وتبعات ونتائج لا تزال تظهر تباعًا. بناءً عليه، إضافةً إلى أنّ النظرة للمرأة هي نظرة غير إلهيّة ونظرة ماديّة في الأساس، إنّ السياسات التي أوصلت أوروبا إلى الوضع الحالي وسادت في الغرب، ترافقت دومًا مع نظرة الكسب والربح الماديّ والاقتصاديّ.
ـــ النظرة الغربية تعتبر المرأة وسيلةٌ لإخماد الشهوة
هناك بُعدٌ آخر يدفعنا إلى اجتناب النظرة الغربيّة هذه. وهو أنّ المرأة في النظرة الغربيّة هي وسيلة لإخماد الشهوة. وهو أمرٌ لا يمكن إخفاؤه وإنكاره. إذا ادّعى أحدٌ هذا فمن الممكن أن يقوم أشخاصٌ بالاعتراض والتهويل عليه بأنّه كلّا، الأمر ليس كذلك أيّها السيّد! ولكن عندما يشاهد الإنسان حياتهم، يدرك بوضوح أنّ هذه النظرة هي الحاكمة والسائدة.
في المحيط الاجتماعيّ عندهم كلّما كان لباس المرأة أقلّ كانت مرغوبة أكثر. إنّهم لا يتحدّثون هكذا عن الرجل. وهذا الأمر لا يوجد له أيّ فلسفة وحكمة أخرى غير تمتّع العيون المهووسة والخليعة للرجال. الوضع اليوم هكذا في عالم الغرب. وعمليًّا فإنّ أكبر ظلم تتعرّض له المرأة اليوم في العالم الغربي هو من هذا القبيل.
"كارتر" يعرض لموضوع الاعتداءات الوحشية ضد النساء
أنا لستُ من هواة اقتطاع المطالب من الصحف. ولكن بالأمس أو أمس الأوّل رأيتُ مطلبًا في صحيفة، وكان بالغ الأهميّة. فأحضرته كي أقرأه لكُنَّ هنا. فقد صدر كتاب للرئيس الأميركي السابق "جيمي كارتر" بعنوان "طلبٌ بالتحرّك" تعرّض فيه لموضوع انتهاك حقوق البشر والاعتداءات الوحشيّة ضدّ النساء. يقول جيمي كارتر في هذا الكتاب: في كلّ عام يتمّ شراء مئة ألف فتاة تمامًا كالإماء والرقيق. في أميركا يستطيع صاحب " بيتٍ للدعارة " أن يشتري فتاة- تكون عادةً من أمريكا اللّاتينيّة وإفريقيا- بمبلغ ألف دولار. كذلك يشير الكاتب إلى الاعتداءات الجنسيّة التي تحصل في أجواء الجامعات والكليّات؛ حيث يتمّ إثبات حالة واحدة فقط من كلّ خمسة وعشرين حالة اعتداء. كذلك يذكر "كارتر" بأنّه في الجيش الأميركي يتمّ محاكمة واحد في المئة فقط من المعتدين جنسيًّا. تدمع عين الإنسان عند قراءة هذه الوقائع. أنتنّ تشاهدن في الصحف الكثير من هذه المعلومات، وأنا كذلك ولكنّي لا أستند إليها، ولكن حسنٌ، إنّها وقائع وحقائق و"جيمي كارتر" بالنهاية هو شخصيّة معروفة وهذا كتابه. ما هذا الوضع الرائج في العالم؟ ما هذا التكريم للمرأة؟ يَكتبُ روائيّ غربيّ مشهور رواية كي يدلّ على أنّ "الدعارة" هي عملٌ شريف! وقد تمّ ترجمة روايته هذه إلى اللّغة الفارسيّة. ويشير فيها بالطبع، كيف أنّ سماسرة الجنس يأتون من أمريكا اللّاتينيّة ويغرون الفتيات بالوعد والوعيد ويأخذوهنّ ويبيعوهنّ إلى هذه النوادي. هذه الرواية عن أوروبا وليست عن أمريكا. ويتمّ في هذا الكتاب إظهار الدعارة بأنّها مهنة شريفة. هذه هي ثقافة الغرب بالنسبة إلى المرأة. وهذا هو الاحترام الذي يكنّونه للمرأة هناك.
" المساواة بين الرجل والمرأة " أكبر اخطاء النظرة الغربية للمرأة
إذا أردنا أن تكون نظرتنا إلى قضيّة المرأة، نظرة سليمة ومنطقيّة ودقيقة، فإنّ الشرط الأوّل أن نخلّي أذهاننا بالكامل من تلك الأفكار التي يطلقها الغرب حول المرأة. حول عمل المرأة والإدارة والمساواة الجنسيّة. من أكبر أخطاء التفكير الغربيّ في مسألة المرأة هو عنوان "المساواة الجنسيّة" هذا. العدالة هي الحقّ. المساواة تكون أحيانًا حقًّا وأحيانًا باطلًا. لماذا ينبغي أن نسحب الإنسان الذي خُلق وأٌعِدَّ من ناحيةٍ طبيعية- سواء في البُعد الجسديّ أو العاطفيّ- من منطقةٍ خاصّة من حياة البشر ونفصله عنها ونقوم بجرّه إلى منطقةٍ أخرى خلقها الله تعالى بميّزاتٍ خاصّة وتركيبٍ آخر؟! لماذا؟ أيُّ منطقٍ عقلائيّ في هذا الأمر؟ أيُّ شفقة وتعاطفٍ هذا؟ لماذا ينبغي أن يوكَل عمل الرجل إلى المرأة؟ أيّ افتخارٍ للمرأة أن تقوم بعمل الرجال؟ إنّني آسف لأنّ السيّدات والنساء أنفسهنّ، يُظهرن أحيانًا حساسيّة تجاه هذه المسـألة ويقلن ما الفرق بيننا وبين الرجال؟
حسنٌ، نعم، في كثيرٍ من المسائل لا يوجد أيّ فرقٍ. نظرة الإسلام إلى المرأة والرجل هي نظرة إلى الإنسان. في مسألة الإنسانيّة وسير وسلوك المقامات المعنويّة والإمكانات والاستعدادات الوافرة فكريًّا ومعنويًّا وعلميًّا لا يوجد أيّ فرق. ولكن القوالب جُعلت في قالبَين: قالبٌ لعملٍ خاصّ ونوعٍ من العمل وقالبٌ آخر لعملٍ آخر مختلف. وبالطبع فإنّ هناك أعمالًا مشتركة أيضًا. هل نحن نقدّم خدمة حين نُخرج أحد القالبَين من منطقته الخاصّة ونأخذه إلى منطقة القالب الآخر؟ هذا هو العمل الذي يقوم به الغربيّون. إنّ الكثير من المعاهدات الدوليّة والعالميّة تهدف إلى هذه المسائل. ولقد خرَّبوا الحياة البشريّة بناءً على هذا الفكر الخاطئ. خرَّبوا أنفسهم ومن ثمّ يريدون أن يخرّبوا حياة الآخرين.
أنتنّ أيّتها السيّدات وبحمد الله عالماتٌ فاضلات وشخصيّات بارزة. وإنّني أكنّ لكنّ الاحترام وأستفيد كلّما عُقدت جلسات ولقاءات تحدّثت فيها السيّدات. ففي هذا المكان الذي نجلس فيه الآن، أُقيمت جلسة للأفكار الاستراتيجيّة حول المرأة والأسرة. عددٌ من السيّدات شاركنَ وألقَين كلمات. بدون مجامَلة، وفي الحقيقة لقد استفدتُ من كلامهنّ ومن تلك المطالب التي ذكرنها. برأيي إن أردتنّ أن تقمن بعملٍ فكريّ بنيويّ لمسألة المرأة ومشاكل المرأة وما يعانيه مجتمع النساء في كلّ مكان- ومن جملته في بلادنا- فإنّ الشرط الأوّل هو أن تخلّصن أنفسكنّ وأذهانكنّ من الأفكار الغربيّة والتي هي أفكارٌ شعاراتيّة خاطئة ومتحجّرة وتدّعي الحداثة. ظاهره حديث وباطنه متحجّر. ظاهره عطوفٌ وباطنه السوء والخيانة. إنّ عليكنّ التفكير بشكلٍ مستقلّ عن الأفكار الغربيّة.
ثانيا، الرجوع للنصوص الإسلاميّة الأصيلة
والأمر الثاني اللّازم هو أن تراجعن النصوص الإسلاميّة. اتّخذن من القرآن والسُنّة والحديث والدعاء والمتون الإسلاميّة ومن كلمات الأئمة (ع) وسلوكهم، تلك الأصول والأُسس الأصليّة. إنّه وحي. والوحي من الله. الله هو خالقي وخالقكنّ. أنا لا أقول بأن يقبل الإنسان بكلّ ما يجري على الألسنة والأفواه باسم الدين. كلّا، بل ينبغي الاستفادة من الدين الصحيح نفسه المستنبط بالأسلوب الصحيح ومن قبل أهل هذا العمل واللّائقين لذلك. في الواقع، يجب الاستفادة من كتاب الله ومن سُنّة الرسول وسيرة الأئمّة المعصومين (ع) وكلماتهم؛ كي نصل إلى الاستراتيجيّة التي علينا اتّباعها في مجال مسائل النساء ونحدّد الخطوط العامّة والأساسيّة من تلك المصادر.
ثالثا، التصدي للمسائل الأساسية في قضايا المرأة وليس المسائل الثانوية
برأيي أنّ هذين هما العملان الأساسيّان، يوجد عملٌ ثالث أيضًا وهو أن نتصدّى لإحصاء المسائل الأساسيّة للنساء، وأن نتناول المسائل الأصليّة في الحقيقة وليس مسائل الدرجة الثانية. إنّ التصدّي لمسألة الأسرة وخاصّة مسألة سلامة وأمن وهدوء وتكريم المرأة في جوّ الأسرة هو من المسائل الأساسيّة. لدينا عدّة مسائل أساسيّة وهذه واحدة منها.
انظروا وابحثوا لتعرفوا ما هي عوامل وأسباب سلب الهدوء والسكينة الروحيّة للمرأة في الأسرة؟ واسعوا على أساسها من خلال القانون والأساليب التبليغية والإعلاميّة وبالوسائل والأدوات المتنوّعة، كي تزيلوا هذه الأسباب والعوامل. هذا هو أساس القضيّة.
أ ـــ السكينة الروحية للمرأة داخل الاسرة
المرأة هي مصدر الهدوء في البيت. مصدر هدوءٍ للرجل وللأبناء؛ صبيانًا وبنات. إن لم تتمتّع المرأة بهدوءٍ نفسيّ ومعنويّ، لا يمكنها أن توفّر هذا الهدوء للأسرة. وإنّ المرأة التي تتعرّض للإهانة والتحقير وتتعرّض لضغوط العمل لا يمكنها أن تكون ربّة منزل ومدير للأسرة. في حين أنّ المرأة هي مديرة الأسرة. هذه مسألة أساسيّة. وهي إحدى أكثر المسائل الأساسيّة والتي لم يتمّ الاهتمام بها كما يجب في محيط حياتنا- سواء في الأجواء القديمة أو في أجوائنا الجديدة- ويجب الالتفات والاهتمام بها.
ب ـــ عمل المرأة داخل الاسرة
إنّ التصوّر بأنّ المرأة في البيت موجود من الدرجة الثانية وهو مكلَّفٌ بخدمة الآخرين، هو تصوّر رائج بين الكثير منّا. البعض يقولونه علنًا والبعض يستحي ولا يقوله ولكنّه يضمره في قلبه. هذا التصوّر هو تمامًا في النقطة المقابلة والمخالفة لما بيّنه الإسلام. لطالما كرّرت هذا الحديث المعروف بأنّ "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة"1. القهرمان في التعابير العربيّة الرائجة هو الموظّف العامل، كما يُقال مثلًا: "أَمَرَ قهرمانه بكذا" أي إنّ فلان صاحب ملك وأملاك كثيرة يأمر عامله المكلّف بمتابعة أمور الأملاك بكذا وكذا. لهذا العامل يُقال "قهرمان" ويشير الحديث إلى أنّه لا تظنّن أنّ المرأة هي عامل لديك في المنزل عليه القيام بأعمال المنزل. الأمر ليس كذلك. حسنٌ، أنظرن. هذا بحدّ ذاته فصل يفتح من عدّة فصول: مسألة احترام عمل المرأة داخل المنزل وعدم إجبارها عليه. قابليّة شراء هذا العمل أي دفع المال مقابله؛ هذا هو. وهذه أشياء موجودة في الإسلام وفي الفقه الإسلاميّ. كما أشارت السيّدة في كلامها؛ الحقّ أنّ فقهنا فقه راقٍ وممتاز. هناك أشياء يأخذ البعض بقسمٍ منها، وأشياء يتمّ نسيانها وتناسيها. وأشياء يتمّ قلبها من هذه الجهة إلى تلك، لأجل الانسجام مع الأفكار الغربيّة الفارغة والتهويليّة. ونحن شاهدنا أيضًا.
يقوم البعض بتبديل وتغيير بعض حقائق وواضحات الأحكام الإسلاميّة كي لا ينزعج الغربيّون. يقول القرآن:(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله إن يتّبعون إلّا الظنّ وإن هم إلّا يخرصون)2. لا ينبغي اتّباع الفكر الرائج في عالم الجهل والخرافة. بل يجب الوصول إلى الفكر الإسلاميّ واتّباعه والسير خلفه، حتى لو انزعج البعض وقالوا ما قالوا. هذه مسألة أيضًا.
بناءً على هذا، ينبغي إيجاد المسائل الأساسيّة. هي مسألة المنزل والأسرة: أمن المرأة في جو الأسرة. فرصة المرأة لظهور استعداداتها في محيط الأسرة وتدبير المنزل. فلا يكون هناك ما يمنعها من الدرس والمطالعة والوعي والفهم والكتابة –لمن هنّ من أهل هذه الأمور- يجب توفير الميدان لهذه الأعمال. هذا هو أساس القضيّة.
ج ـــ مسألة عمل النساء ليست من المسائل الأساسيّة، وبالتأكيد نحن لا نخالف عمل المرأة؛ أنا العبد لله لا أعارض عمل النساء ولا إدارتهنّ؛ طالما لم تتعارض وتتنافَ مع تلك المسائل الأصليّة. إذا تعارضت فالمسائل الأساسيّة مقدّمة.
د ــ عدم إجبار المرأة القيام بأعمال لا تتناسب مع طبيعتها الانثوية
من الأعمال التي يجب أن تتمّ في هذا المجال الثالث الذي أشرت له بأن يتمّ النظر لملاحظة أي أعمال ومهن تتناسب مع هذه الخصوصيّات ( أي فروق الخلقة بين الرجل والمرأة). بعض المهن لا تتناسب مع تركيب المرأة. حسن، لا ينبغي للنساء أن يسعين خلفها.
من الأعمال اللّازمة في هذا المجال أن لا يُفرض على المرأة تلك الإختصاصات التي تنتهي عمليًّا بتلك المهن (أي المهن التي لا تتناسب مع طبيعة المرأة). بحث الجامعة والإختصاصات وما شابه والتي يثير البعض الضوضاء ويفتعل الأزمات حولها بأنّ هناك تمييزًا [بين الشباب والفتيات]. مثل هذا التمييز ليس سيّئًا دائمًا. فالتمييز عندما يخالف العدالة يكون سيّئًا ومرفوضًا. ولكن افرضوا مثلًا، حين يكون هناك فريق كرة قدم، فيُجعل أحد اللّاعبين مهاجمًا والآخر مدافعًا والثالث حارس مرمى، حسن، إنّ هذا تمييز أيضًا. ولو وُضع المدافع مكان المهاجم فإنّ الفريق سيخسر المباراة. إذا وُضع المهاجم مكان حارس المرمى وهو لا يتقن هذه المهمّة، فالفريق حينها سيخسر. هذا تمييز، ولكن هذا التمييز هو عين العدالة.
يوضع أحدهم هنا والآخر هناك وكلٌّ في مكانه. فلنرَ والحال هذه ــ وبالتوجّه إلى الأهداف العلياــ ما هي الدروس والتخصّصات المناسبة للسيّدات. ولنقدّم لهنّ هذه الدروس والتخصّصات؛،ولا نجبرهنّ هكذا: ولأنّكنّ اشتركتنّ في الامتحانات الرسميّة بهذا الشكل وحصلتنّ على هذه العلامات يجب عليكنّ حتمًا أن تدرسن الاختصاص الفلانيّ. بينما هذا الاختصاص لا يتناسب مع طبيعة المرأة الأنثويّة وكذلك لا ينسجم مع أهدافها العليا. ولا المهنة التي يفرضها هذا التخصّص تتناسب معها. برأيي، إنّ هذه الأمور يجب أن تراعى في مجال عمل المرأة.
وخلاصة القول، علينا أن لا نعتبر أنّ عدم قيام المرأة بجميع المهن التي يقوم بها الرجل عيبًا أو نقصًا. كلّا، الأمر السيّئ هو الذي لا يتناسب مع الطبيعة الإلهيّة. هذا مجمل الكلام. وكنت قد دوّنت ملاحظات أخرى، ولكن أعتقد أنّ هذا المقدار كافٍ.
حلّ مشكلات المرأة بيد المرأة نفسها
إنّ مسألة المرأة مسألة مهمّة. وأفضل من يستطيع أن يتابع هذه المسألة ويحلّها هم السيّدات أنفسهنّ. ونحن لا نعاني نقصًا أبدًا في تعداد السيّدات المتعلّمات والمثّقفات وذوات الفكر النيّر والاستعداد وذوات البيان الحسن والقلم المعبّر والحسّ المبادر. بحمد الله، هنّ اليوم كثيرات جدًّا في بلدنا.
يجب علينا أن نشكر الله ونحمده على توفيقاته، ونسأله المزيد من هذا التوفيق. ونشكره على هذا التوفيق. الشكر لله هو ما ذكرته في طيّات كلامي: النظر إلى الإرشادات الإلهيّة وترك النظر إلى التعاليم الماديّة التي يحملها ويروّج لها الغربيّون والأمريكيّون حاليًّا. وبالمناسبة فإنّهم وقحون جدًّا - وكأنّ لهم دَينًا على الآخرين يطلبونه - وفارغون جدًّا أيضًا. وإذا خالف أحدٌ أفكارهم وكلامهم فإنّهم يهاجمونه إعلاميًّا ولكن ينبغي عدم الاعتناء بهم. يجب أن تتقدّمن بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
1- نهج البلاغة، الرسالة 31.
2- سورة الأنعام، الآية 116.




























