Super User

Super User

الإمام الخامنئي يستقبل مجموعة من الطلبة الجامعيين في لقائه الرمضاني السنوي بهم

التقى نحو ألف طالب جامعي من مختلف الجامعات و مراكز التعليم العالي عصر يوم الأحد 28/07/2013 م لقاء صميمياً صريحاً مع سماحة قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي، و أعربوا عن وجهات نظر شرائح الطلبة الجامعيين في مختلف الموضوعات العلمية و الجامعية و الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية.

في هذا اللقاء الذي استمر من الساعة الخامسة عصراً إلى موعد صلاتي المغرب و العشاء، تحدث 12 طالباً جامعياً من ممثلي التنظيمات و الاتحادات الطلابية مفصحين عن قضاياهم و همومهم و مطاليبهم و مواقفهم.

و أجاب سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي عن بعض الأسئلة المطروحة في كلمات الطلبة الجامعيين، و أشار إلى بعض النقاط حول الموضوعات و النقاط المطروحة، و أوضح طبيعة العلاقة بين و المُثُل و الواقع، و تطرّق كذلك إلى واجبات شريحة الطلبة الجامعيين، و سبل إيجاد و مضاعفة النشاط و الحراك الحقيقي في الجامعات.

و شكر سماحته الباري عزّ و جلّ على لقائه بهذه الجماعة المخلصة و الصميمية و المتوثبة من الطلبة الجامعيين، معتبراً النقاط و الآراء المذكورة في هذا اللقاء من قبل الطلبة الجامعيين في غالبها ناضجة و مدروسة و جيدة جداً، و أوصى الأجهزة المختلفة بدراسة سبل تحقيق اقتراحات الطلبة الجامعيين.

و في معرض إجابته على طالب جامعي طالب بتبيين معنى الاعتدال، أوضح قائد الثورة الإسلامية: رئيس الجمهورية المنتخب الذي رفع هذا الشعار سوف يعرب بالتأكيد عن المعنى و المفهوم الذي يقصده من شعار الاعتدال.

و أشار آية الله العظمى السيد الخامنئي إلى كلام طالب جامعي آخر حول التعامل الصحيح مع حكومة رئيس الجمهورية المنتخب، مردفاً: كما جرى التأكيد بخصوص كل الحكومات، يجب دعم هذه الحكومة أيضاً و مساعدتها.

و أضاف قائلاً: البعض يقولون إذا كانت الحكومة على هذا النحو أو ذاك نساعدها، و إلّا سننقدها. إنني لا أعارض النقد، و لكن أولاً النقد يختلف عن تسقّط العثرات، و ثانياً يجب أولاً منح الفرصة للعمل و السعي و التحرّك.

و عدّ سماحة الإمام الخامنئي عمل السلطة التنفيذية صعباً و عسيراً بحق، منوّهاً: ما من أحد ليس في نقطة ضعف، لذلك يجب عدم رفع سقف التوقعات بنحو يخرج عن القدرات المنطقية للأشخاص.

و ألمح قائد الثورة الإسلامية إلى ضرورة أخذ مشكلات البلاد و حقائقها بنظر الاعتبار، مردفاً: لتتعاضد القوى السياسية و العملية و الجامعية الناشطة ليمكن بفضل من الله التقدم بالأعمال و الأمور إلى الأمام.

و كان طالب جامعي آخر قد تحدث عن بروز حالات كدر بين الطلبة الجامعيين بسبب اختلافات في التحليلات السياسية و الاجتماعية.

و قد أكد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي على تجنّب تبديل الاختلاف في وجهات النظر إلى كدر و خصومات، قائلاً: إنني أطلب بكل جدّ من الطلبة الجامعيين الأعزاء و أنصار الأذواق المختلفة بأن لا يسمحوا بتحوّل اختلاف وجهات النظر في التحليلات و التصورات و التفاسير إلى أحقاد و عداء.

و أضاف سماحته في هذا الصدد: حسب توصية الإمام الخميني، كونوا كطلبة العلوم الدينية حيث هم جادون تمام الجد عند مباحثة دروسهم، لكنهم في سائر الأوقات أصدقاء و رفاق و أصحاب لبعضهم.

و ألمح قائد الثورة الإسلامية إلى النقاط التي طرحها بعض الطلبة الجامعيين حول فتنة عام 1388 هـ ش قائلاً: في دراسة تلك الأحداث المريرة، يلوح أن القضية الأصلية و الأساسية هي خرق القانون و السلوك غير النجيب لجماعة وقفت بوجه السياق القانوني، و وجّهت لإيران العزيزة ضربات و خسائر.

و أردف سماحته قائلاً: طبعاً على هامش و جوانب حدث كبير، قد تكون وقعت أمور ظُلم فيها شخص أو كان ظالماً، و لكن يجب عدم ضياع القضية الأصلية بذريعة هذه الأمور.

و في هذا المضمار طرح سماحته السؤال الأساسي: لماذا عمد أدعياء التلاعب في انتخابات سنة 88 في مواجهتهم للقضية إلى التحشيدات الشوارعية؟!

و لفت قائد الثورة الإسلامية: مرات و مرات طرحنا هذا السؤال لا في المحافل العامة بل بشكل يمكن الإجابة عنه، فلماذا لا يجيبون إذن، و لماذا لا يعتذرون؟

و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: يقولون في جلساتهم الخاصة إنه لم يحصل تلاعب و غش، إذن لماذا تسببتم للبلاد بكل تلك الخسائر، و أخذتموها إلى حافة الهاوية؟

و أشار سماحته إلى الأوضاع المضطربة و الدامية لبعض بلدان المنطقة ملفتاً: أتعلمون أنه لو لا معونة الله سبحانه و تعالى في فتنة سنة 88 ، و لو كانت قد اشتبكت المجاميع الجماهيرية في ما بينها، ماذا كان سيحلّ بالبلاد؟ لكن الله طبعاً لم يشأ ذلك، و أبدى الشعب عن نفسه البصيرة اللازمة.

و في معرض إجابته عن طالب جامعي آخر، اعتبر الإمام علي الخامنئي «التشدّد» بمعنى الجدّ و المقاومة المنطقية في البحث و النقاش أمراً مقبولاً، لكنه أكد قائلاً: إذا كان المراد بالشدة و التشدّد المعارضة المصحوبة بالعنف و القوة فأنا أعارض ذلك تماماً.

و أيّد قائد الثورة الإسلامية رأي طالب جامعي آخر بخصوص ضرورة الإشراف على كل السلطات و الأجهزة بما في ذلك مجلس الشورى الإسلامي، و السلطة القضائية، و مؤسسة الإذاعة و التلفزيون، لكنه لفت قائلاً: كيفية الإشراف على مجلس الشورى الإسلامي و الجهاز القضائي قضية مهمة بوسع الناشطين من الطلبة الجامعيين العمل عليها بطريقة ناضجة و تقديم اقتراحاتهم.

و تابع قائد الثورة الإسلامية حديثه بطرح عدة أسئلة و الإجابة عنها، مطالباً بالبحث الدقيق في الجامعات بخصوص هذه الموضوعات.

و كان السؤال الأول حول العلاقة بين الطالب الجامعي و العناصر الثورية و بين مبادئ الثورة؟ و في إطار الإجابة عن هذا السؤال تحدّث قائد الثورة الإسلامية أولاً عن مبادئ الثورة و علاقتها بواقع المجتمع.

كما ذكّر قائد الثورة الإسلامية بنقطة فحواها أن تحقيق مبادئ الثورة و أهدافها غير متاح من دون قوى الشباب و نشاطهم و جرأتهم و اقتحاميتهم.

و أضاف سماحته: على هذا الأساس يجب أن يؤخذ دور الشباب في تحقيق أهداف الثورة و مبادئها مأخذ الجد، لأنني أعتقد أن بمقدور الشباب حلّ العقد و معالجتها.

الإمام الخامنئي يستقبل مجموعة من الطلبة الجامعيين في لقائه الرمضاني السنوي بهم

و بعد هذه المقدمة تطرق آية الله العظمى السيد الخامنئي لتبيين و عرض مبادئ الثورة الإسلامية و أهدافها، قائلاً: للنظام الإسلامي منظومة من المبادئ و الأهداف يجب السعي للوصول إليها، لكن لهذه المبادئ تراتبيتها و درجاتها المختلفة في الأولوية.

و عدّ سماحته الوصول إلى مجتمع عادل و متقدم و معنوي من المبادئ الأصلية للنظام الإسلامي و التي تصنف على مبادئ الدرجة الأولى للثورة، و نوّه في معرض شرحه لهذا المبدأ: المجتمع العادل مجتمع يتصرّف فيه المسؤولون بشكل عادل و يتعامل فيه الناس أيضاً بنحو عادل مع بعضهم. مضافاً إلى أن هذا المجتمع متقدم في الميادين العلمية و السياسية و الحضارية، و مستفيض أيضاً على الصعيد الروحي و المعنوي.

و أكد قائد الثورة الإسلامية على أن تحقيق مثل هذا المبدأ و الهدف ممكن تماماً، و قد أنجزت على هذا الصعيد لحد الآن الكثير من الأمور، و أردف قائلاً: مثل هذا المجتمع سيكون نموذجياً للبلدان الإسلامية و غير الإسلامية.

و أشار آية الله العظمى السيد الخامنئي إلى مجموعة من مبادئ النظام الإسلامي التي تأتي في ترتيبها بعد هذا المبدأ الأصلي، قائلاً: الاقتصاد المقاوم، و السلامة و الصحة في المجتمع، و الصناعة المتطورة، و الزراعة المتقدمة، و التجارة المزدهرة، و العلوم المتفوقة، و النفوذ الثقافي و السياسي في العالم، تقع كلها في منظومة مبادئ النظام الإسلامي، و هي ممكنة التحقيق.

و كان السؤال الثاني الذي طرحه قائد الثورة الإسلامية أمام جماعة الطلبة الجامعيين عن العلاقة بين المبادئ و الواقع؟

و قال آية الله العظمى السيد الخامنئي: الحظر الاقتصادي مثلاً واقع، و من ناحية أخرى التقدم الاقتصادي أحد مبادئ الثورة و طموحاتها. و السؤال الآن: كيف يمكن التوفيق بين التقدم الاقتصادي و واقع مثل واقع الحظر؟

و أكد سماحته: في موضوع العلاقة بين النزعة المبدئية و النزعة الواقعية، نؤيد تماماً النزعة المبدئية و كذلك النظر للواقع و الواقعيات.

و لفت قائد الثورة الإسلامية قائلاً: المبدئية من دون رؤية الواقع تؤدّي إلى نوع من الخيال و الأوهام، و طبعاً يجب التمييز بين الواقع و ما يُحاول الإيحاء به على أنه واقع.

و أوضح سماحته أن من الأساليب الدارجة في الحرب النفسية الإيحاء بواقع غير واقعي، مؤكداً: من فاعليات البصيرة و ثمارها أن يرى الإنسان الواقع كما هو، و لا يقع في الخطأ.

و بيّن قائد الثورة الإسلامية أن من أساليب الحرب النفسية تضخيم بعض الواقعيات بشكل كبير جداً و تجاهل واقعيات أخرى، مردفاً: كنموذج لذلك، من الأمور الواقعية أن مجموعة من نخبة البلاد تخرج إلى الخارج، و لكن ثمة إلى جانب ذلك واقع آخر هو الزيادة الملحوظة في عدد الطلبة الجامعيين النخبة، و لكن في الإعلام يجري تضخيم الواقع الأول و تجاهل الواقع الثاني تجاهلاً تاماً.

و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي كاستنتاج لهذا الموضوع: الناشط المبدئي من الطلبة الجامعيين و الذي ينظر للواقع أيضاً، لا يشعر بالانفعال أبداً لا في ظروف الانتصارات الحلوة، و لا في ظروف الهزائم المُرّة، و لا يعتريه اليأس و الشعور بأن الطريق أمامه طريق مسدود، ففي النزعة المبدئية الصحيحة و النزعة الواقعية لا توجد طرق مسدودة.

و لفت قائد الثورة الإسلامية: توقعي من الطلبة الجامعيين الأعزاء أن يسعوا دائماً و في كل الظروف نحو المبادئ بنظرة واقعية.

و طرح آية الله العظمى الخامنئي سؤاله الثالث على النحو التالي: «ما هي العلاقة بين التكليف و النتيجة؟» و في معرض إجابته عن هذا السؤال أشار سماحته إلى جملة معروفة للإمام الخميني (رض) حيث يقول: «إننا نعمل بتكليفنا و واجبنا» مضيفاً: هل تعني هذا الجملة أن الإمام الخميني بكل ما تحمّله من صعاب و جهود على مدى سنوات طويلة، لم يكن يهتم للنتائج؟ لا مراء أن الأمر لم يكن كذلك.

و قال قائد الثورة الإسلامية: نزعة التكليف الصحيحة هي أن يعمل الإنسان بتكليفه و واجبه في سبيل الوصول إلى النتيجة المطلوبة، و يتجنّب الأعمال غير المشروعة و المضادة للتكليف.

و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي: الإنسان الذي يعمل بواجبه من أجل الوصول للنتيجة، حتى لو لم يصل للنتيجة فلن يشعر بالندم و الخسارة.

و قال سماحته ملخصاً هذه الفكرة: نزعة التكليف لا تتنافى أبداً مع السعي لتحقيق النتائج المرجوّة.

ثم تطرق قائد الثورة الإسلامية لموضوع «ضرورة توفر أجواء النشاط و الحراك و الحيوية في الجامعات».

و لفت الإمام الخامنئي قائلاً: هذه الفاعلية و الحيوية يجب أن تظهر في البيئة الجامعية و في شتى المجالات العلمية و الاجتماعية و السياسية.

و أوضح سماحته بأن الجامعة بيئة باحثة و متطلعة في مختلف قضايا البلاد الكبرى و الشؤون السياسية، مضيفاً: البحث و التحليل و الفهم الصحيح للقضايا الداخلية و الدولية المختلفة من سبل توفير الحراك و النشاط في الجامعات.

و اعتبر قائد الثورة الإسلامية معرفة القضايا الأصلية و تمييزها عن المسائل الفرعية، و عدم الانشغال بالقضايا التي لا تتمتع بالأولوية، من الأمور الأخرى التي توفر أرضيات الحيوية و الحراك في الجامعات.

و استطرد قائلاً: بمستطاع الأجواء الجامعية و الطلابية عن طريق النقاشات و البحوث الزاخرة بالحيوية و الحراك، مساعدة مسؤولي الدولة في تشخيص الأولويات بشكل صائب.

و في معرض بيانه للمصاديق التي أن تشكل في الجامعات محاور للبحوث الحقيقية الباعثة على الحيوية و النشاط، أشار السيد القائد لموضوع الملحمة الاقتصادية.

و أضاف يقول: الملحمة الاقتصادية من جملة القضايا المصيرية التي بوسع الطلبة الجامعيين دراسة حدودها و آلياتها بدقة و عمق، و المساعدة بذلك في تقدم البلاد.

و ألمح آية الله العظمى السيد الخامنئي: طبعاً الملحمة الاقتصادية ليست قضية تؤتي ثمارها في غضون عدة أشهر، إنما هي حركة طويلة الأمد يجب البدء بها في هذه السنة.

و اعتبر سماحته الاقتصاد المقاوم، و أسلوب الحياة، من الموضوعات الواقعية الأخرى التي يمكن لدراسة أبعادها و جوانبها المختلفة ضخّ دماء جديدة في جسد الأجواء الطلابية و الجامعية.

و دعا قائد الثورة الإسلامية الأجواء و المحافل الطلابية الجامعية لدراسة «الصحوة الإسلامية» دراسة عميقة، و البحث في تداعياتها على بلدان المنطقة، مؤكداً: الصحوة الإسلامية ظاهرة مهمة جداً لا تزول بالمضادات الاستكبارية.

و أشار سماحته إلى الأحداث الجارية في بعض بلدان المنطقة مردفاً: تدل هذه الأحداث على عمق الصحوة الإسلامية في هذه البلدان، و لكن بسبب عدم إدارة الأمور بشكل صحيح و ارتكاب بعض الممارسات الصبيانية، نرى أن أوضاع بلد مصر الكبير اليوم مؤلمة جداً.

و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: بمقدور التنظيمات و المحافل الطلابية الجامعية ببحوثها العميقة حول «سياق الصحوة الإسلامية، و الخنادق الطويلة للاستكبار مقابل هذه الظاهرة، و الأخطاء التي ارتكبت في بلدان المنطقة، و مقارنة أحداثها بسياق استقرار و استمرار الجمهورية الإسلامية في إيران»، تقديم خدمة لبلادها و شعبها.

و عدّ قائد الثورة الإسلامية دراسة و شرح العمق الاستراتيجي للنظام الإسلامي من الموضوعات الأخرى التي بوسعها المساعدة على تكريس الحراك و النشاط الفكري في الجامعات.

و لفت سماحته قائلاً: النظرة الواقعية لأوضاع المنطقة تشير إلى أن بعض الأمور عامل متانة للنظام الإسلامي، و دليل على العمق الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية.

و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: الهدف من الكلام الصريح للإمام الخميني حول الخلايا الثورية خارج البلاد هو تشكيل هذا العمق الاستراتيجي الذي يحاول الاستكبار اليوم محاربته بتخبّط و اضطراب، لكنه لن يصل إلى نتيجة.

و لفت قائد الثورة الإسلامية إلى مساعي أعداء الإسلام الرامية إلى بث الخلافات و العداء بين الشيعة و السنة مردفاً: يوجّهون الضربات للشيعة في مختلف المناطق لأنهم يتصورون أن الشيعة هم الأرضية الطبيعية للجمهورية الإسلامية، لكن الأعداء لا يعلمون أن الإخوة من أهل السنة في الكثير من البلدان يدافعون عن النظام الإسلامية بشدة أكبر.

و أكد قائد الثورة الإسلامية ملخصاً هذا الجانب من حديثه: «القضايا السياسية - الاجتماعية المتعلقة بواقع الحياة» يمكنها أن تؤدي إلى حراك الجامعات و نشاطها و توثبها، و تقديم نتائج الأبحاث للمسؤولين كنتاجات علمية.

و تابع الإمام الخامنئي حديثه معتبراً الجهود و المساعي العلمية ساحة أخرى لزيادة النشاط الحقيقي في الجامعات.

و أضاف قائلاً: الحاجة العلمية من الحاجات الأساسية و الأولى لأيّ بلد من البلدان، و يجب أن نسعى لمواصلة سياق التقدم الذي تحقق في الأعوام العشرة الأخيرة بشكل مضاعف.

و عدّ قائد الثورة الإسلامية التطور العلمي حلالاً للمشكلات الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية مؤكداً: يجب النهوض بالعمل و التقدم العلمي في الجامعات و البلاد على نحو جهادي.

و في ختام حديثه دعا سماحته الطلبة الجامعيين لمضاعفة تواصلهم مع الأساتذة المتدينين، و تعزيز ارتباطهم بالمراجع الفكرية الموثوقة و السليمة، و رفع مستوى بحوثهم و دراساتهم الفكرية.

الإثنين, 29 تموز/يوليو 2013 07:28

شبح الدماء يخيّم على «رابعة»

شبح الدماء يخيّم على «رابعة»

تتجه مصر نحو احتمال الانفجار الأكبر في تاريخها بين جماعة «الإخوان المسلمين» من جهة، ومعارضيها والجيش المصري من جهة ثانية. وذلك بسبب إصرار قيادة الإخوان في مصر والخارج على المواجهة وعدم القبول بخريطة الطريق التي أقرها الجيش بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي، بالتحالف مع قوى مصرية معارضة لحكم الإخوان. ويبدو أن قرار قيادة الإخوان يتجاوز الحسابات الداخلية المصرية، إذ إن جميع قيادات الحركة الأكثر عراقة في التيارات الإسلامية العربية، والأكثر انتشاراً، تدفع باتجاه «عدم السماح بإقصائهم من جديد عن الحكم بعد عقود طويلة من النضال للوصول الى المواقع الرئيسية فيه» على ما يقول مصدر متابع. ويضيف إن الخشية تتعلق بالمسرح المصري، حيث يكثر الحديث بين قيادات الإخوان عن حملة اضطهاد جديدة، لكن الخشية هي من أن تكر السبحة على عواصم عربية أخرى في المغرب العربي، وأن تنتقل العدوى الى تركيا والعراق. ومن الجانب الآخر، يبدو أن قيادة القوات المسلحة المصرية أخذت تفويضاً كاملاً من قوى المعارضة السياسية وقبل تظاهرات حركة «تمرد» بالتعامل مع معارضة الإخوان لخريطة الطريق بالأسلوب المناسب، بما في ذلك العمل على منع «نشوب حرب أهلية متنقلة بسبب قرار الإخوان الاستمرار بشل الحياة العامة من خلال الاعتصامات والمسيرات». إن جميع المؤشرات تدل على أن القوات المسلحة المصرية في صدد اللجوء الى «إجراءات قاسية ضد الإخوان في حالة عدم الخروج من الشارع خلال الأيام القليلة المقبلة»

وجهت وزارة الداخلية رسائل شديدة الى مناصري «الإخوان المسلمين»، وطلبت منهم فض الاعتصامات، والا فمواجهة القوة الضاربة، رغم المجزرة التي وقعت فجر أول من أمس، وسط استنكار القوى السياسية والدينية التي طالبت بالتحقيق. واستفاق المصريون عقب مليونية «التفويض» التي دعا إليها قائد الجيش الجمعة على مجزرة راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى، بعدما وقعت اشتباكات بين الشرطة ومناصري الرئيس المعزول محمد مرسي. واعلن مسؤول رفيع المستوى في وزارة الصحة المصرية أن الاشتباكات في مدينة نصر أدت الى 72 قتيلا واكثر من 400 جريح.

وبدأت الاشتباكات بعد منتصف ليل الجمعة ــ السبت عندما حاولت مجموعة من المتظاهرين المناصرين لمرسي، قطع مطلع جسر «٦ اكتوبر»، الحيوي الذي يربط شمال وشرق القاهرة بوسطها وجنوبها. وبحسب شهود عيان، فان الشرطة و«البلطجية» اطلقوا الرصاص الحي والخرطوش على المتظاهرين الاسلاميين.

وفي وقت لاحق، وقعت اشتباكات بين معارضين ومؤيدين لمرسي، في مدينتي بورسعيد (شمال شرق) وكفر الزيات (شمال)، ادت إلى مقتل شخصين بطلق ناري واصابة ٢٨ آخرين بجروح.

ويبدو أن السلطات تصر على التعامل مع تظاهرات «الإخوان» بالقوة وبقبضة حديدية، حيث أعلن وزير الداخلية محمد ابراهيم في مؤتمر صحافي، أنه سيُفَض اعتصاما الاسلاميين في القاهرة في «القريب العاجل» و«بأقل قدر من الخسائر». وقال «نتمنى ان يتعقلوا وان يفضوا هذا الاعتصام قبل ان نفضه بالقوة حفاظا على الدم».

كذلك اتهم الوزير أنصار جماعة «الإخوان» «بافتعال واقعة (الاشتباكات الدامية) لاستثمارها سياسيا». واضاف إن قوات الشرطة «كانت حاضرة في شارع النصر وبينها وبين ميدان رابعة العدوية، حيث الاعتصام، مسافة كبيرة، ولم تتقدم القوات نحو المعتصمين، بل هم الذين تحركوا حتى مكان القوات من اجل ان يستثمروا ذلك سياسيا».

كما كشف إبراهيم عن إعادته إدارات مكافحة التطرف ورصد النشاط السياسي والنشاط الديني التي تم إلغاؤها بعد ثورة 25 يناير، مشيراً إلى أن حركة تشكيلات الضباط، بينهم ضباط جرى استبعادهم، ستعلن الإثنين المقبل.

وحول وضع الرئيس المعزول، قال ابراهيم إن من يملك قرار إيداع مرسي في السجن هو قاضي التحقيق، لافتاً إلى أنه من المتوقع أن يودَع في أحد سجون طرة، بحيث يكون مؤمناً جيداً.

وفي حفل تخريج دفعة جديدة من طلبة كلية الشرطة، وصف وزير الداخلية عن وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، بأنه «ابن مصر البار الذي حمى مصر من خطر يعلم الله وحده مداه».

بدوره، ندد الامام الاكبر لجامع الازهر الشيخ احمد الطيب، بما جرى، وقال في بيان إن «الازهر الشريف، وقلبه يتمزق الماً بسبب تلك الدماء الغزيرة التي سالت على ارض مصر اليوم، يستنكر ويدين بقوة سقوط هذا العدد من الضحايا»، مطالبا «الحكومة الانتقالية بالكشف فورا عن حقيقة الحادث من خلال تحقيق قضائي عاجل وانزال العقوبة الفورية بالمجرمين المسؤولين عنه مهما كانت انتماءاتهم او مواقعهم».

كذلك أكد نائب الرئيس المؤقت للعلاقات الدولية محمد البرادعي، أنه «يدين بكل قوة الاستخدام المفرط للقوة وسقوط الضحايا». وقال «أعمل بكل جهد وفي كل اتجاه لانهاء المواجهة بأسلوب سلمي».

وعبرت جبهة الانقاذ الوطني المصرية عن «الحزن» على مقتل عدد كبير من المصريين في القاهرة، منددة في الوقت نفسه بجماعة الاخوان المسلمين لاستمرارها في «نهج عدائي تحريضي»، ومطالبة بتحقيق قضائي مستقل في الاشتباكات.

من جهتها، أعلنت حملة «تمرد» رفضها الحديث عن عودة حالة الطوارئ أو عودة إدارة لمكافحة النشاط الديني والسياسي في وزارة الداخلية، كما ورد عى لسان وزير الداخلية، وعدته «حديثاً مرفوضاً ويعارض مبادئ ثورة 25 يناير، التي كانت الحرية أحد أهم مطالبها». وقال مؤسس الحملة، محمود بدر، «إنها وإن كانت تدعم خطوات الدولة المصرية وأجهزتها في مكافحة الإرهاب، إلا أنها سبق أن أكدت أن هذا الدعم لا يشمل أي إجراءات استثنائية أو مناقضة للحريات العامة وحقوق الإنسان».

في المقابل، اتهم المرشد العام للإخوان، محمد بديع، السيسي بارتكاب مجازر «لم نر مثلها إلا على يد الصهاينة الأعداء الألداء، وأيضا على يد عملائهم الخونة». وقال عن السيسي إنه «تفوّق على فرعون الذي كان يقتل الأبناء ويستحي النساء، بعدما قام السيسي وجنوده بقتل الكل». وأضاف إن «المعركة الآن تدور بين الحق والباطل»، وإن الخيار بات بين «إما حكم الحرية والديموقراطية والكرامة التي تحملنا فيها لمدة سنة كاملة اتهامات باطلة، وبذاءات وحرقاً وتدمير ممتلكات وتضليلا إعلاميا أساء استخدام حريته، ولم يسجن أحد ولم يدافع عنا حتى واحد، وإما البديل الآن قتل ودماء وصوت واحد وتكميم أفواه وإغلاق قنوات وتلفيق تهم، وسجن واعتقال لقيادات إسلامية وسياسية».

وأشار المرشد إلى «الأصابع الصهيونية باللعب في دول الربيع العربي بنفس السيناريو الذي جربوه في مصر، وظنوا أنه يحقق إسرائيل الكبرى»، مشيرا إلى أنهم «يسلطون بعض القتلة في ليبيا وتونس ليغتالوا نشطاء سياسيين معارضين للتيار الإسلامي، وبعدها مباشرة يبدأ حرق المقارّ ومحاولات إبعاد الإسلاميين وإحلال غيرهم مكانهم».

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، وجه رئيس حزب مصر القويةعبد المنعم أبو الفتوح، نداءً إلى المعتصمين في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالاحتكام إلى المنافسة السياسية، لأن الموضوع ليس معركة بين الإسلام والكفر.

وفي سيناء، أعلن مصدر أمني مقتل عشرة مسلحين «ارهابيين وإلقاء القبض على عشرين آخرين في الـ 48 ساعة الاخيرة في شمال سيناء، بحسب ما نقلت وكالة انباء الشرق الاوسط».

الإثنين, 29 تموز/يوليو 2013 07:19

الخالدية: معركة على أسوار «سيدي خالد»

الخالدية: معركة على أسوار «سيدي خالد»

يمسك الضابط قلم تلوين أحمر. يقف أمام الخريطة العسكرية لحيّ الخالدية المشتعل وسط حمص. في يده الأُخرى يحمل مؤشراً معدنياً يستخدمه في شرح الخطط لبقية العسكريين. بفرحة يظلّل بقعة صغيرة وسط الخريطة بلون أحمر فاتح، كناية عن التقدّم البرّي الجديد. بالاقتراب قليلاً من الخريطة تلمح كلمات كتبت وسط البقعة الصغيرة: «جامع خالد بن الوليد»

حمص | رغم الأحاديث المتكررة عن قرب انتهاء العمليات العسكرية في المنطقة الوسطى في حمص، وهزيمة المعارضة المسلحة منذ ما بعد انتصار القصير وبدء الإعداد لإعادة الإعمار، يبدو أنّ الانتظار لن يكون قصيراً على أعتاب جامع خالد بن الوليد كي يعلن الجيش السوري انتصاراً حقيقياً في الخالدية. ومع تسجيل عناصر الجيش السوري دخولاً إلى المسجد والخروج منه، واعتبار الضباط تقدّمهم هذا نصراً أولياً قاهراً لغرفة عمليات المسلحين العصية في الخالدية، إلا أنّ الواقع الميداني يقول إنّ الجامع يرزح الآن تحت السيطرة النارية للمعارضة المسلحة.

الضابط المختص في غرفة عمليات الجيش السوري وسط حيّ الخالدية يشرح توزّع الجيش السوري المسيطر على معظم أحياء الخالدية وحمص القديمة. بالأحمر تتبيّن الكتل التي سيطر الجيش عليها أخيراً، بالأحمر الغامق تلمح المناطق التي ثبّت الجيش قواته فيها وسيطر عليها منذ مدّة. أما بالأحمر الفاتح، فتجد مناطق ملونة حديثاً، وهي صغيرة نسبياً، بين المساحات السابقة والمساحات غير الملوّنة التي يسيطر عليها مسلّحو المعارضة، وهي ترمز إلى المناطق التي عادت إلى سيطرة الدولة خلال اليومين الأخيرين. المساحات غير الملوّنة تبدو وسط الخريطة على شكل مستطيل طولي مفتوح على بساتين ومزارع تؤدي إلى منطقة الوعر، حيث تتركز أعداد كبيرة من المسلحين. يضيق المستطيل، تدريجاً، في المنتصف. وفي منتصفه تماماً الجامع. كتلة جديدة هي التي سيطر عليها الجيش السوري، وجرى تلوينها سريعاً إثر دخول عناصر الجيش إلى وسط الجامع. من جورة الشياح، تتقدم قوات الجيش السوري ببطء باتجاه الجامع أيضاً. القوات هُناك قليلة، لا تقارن بحجم القوات من جهة الخالدية، إلا أن إحراز التقدم ضمن كتلة تضم بضعة جدران، جدير بالذكر على اعتبار أن المعركة هُناك أشدّ صعوبة، بسبب تثبيت الطرفين المتحاربين عسكرياً، كلّ ضمن كُتله. «الصلاة الليلة في جامع سيدي خالد»، عبارة يقولها أحد العسكريين. ضابط يقف بالقرب منه، ويرفع حاجبيه بطريقة يُستنتَج منها أن الأُمنية ما زالت سابقة لأوانها، إذ إنّ جولة ميدانية خطرة تثبت ذلك سريعاً. يبادر الضابط إلى القول: «قد تكون الصلاة في الجامع غداً أو بعد غد». يصمت الآخرون أمام العبارة المتعقلة.

سقط الجامع... لم يسقط الجامع

مفارق مفتوحة المجال أمام القنص في شوارع الخالدية المتهدّمة. الركض مقابل الفتحات يحتاج إلى خفض الرأس طوال الوقت، ما يسبب الكثير من الإرهاق، ويجعل احتمال الخطر أكبر. العبور إلى المنطقة المطلوبة باستخدام مدرّعة هو الحلّ الأسلم. المدرّعة تعبر فوق الأحجار التي خلّفها الدمار وتجعل إمكانية الإصابة برصاص القناص معدومة، إنما الحرّ الخانق داخلها يفتح الاحتمالات على قذيفة مشؤومة، تشعل المعدن وتحيل من بداخلها إلى جثث ملتصقة بجدران المدرعة. الوصول إلى الكتلة الأخيرة، حيث سيطر الجيش على الحديقة الخلفية للجامع. «سقط الجامع»، عبارة تسمعها وتسمع نفيها مرات عدة. الحديقة الخلفية مكشوفة على النيران كسائر زوايا الجامع. يلوح الجامع واقفاً على حاله. بضعة قذائف أصابت قبابه، لكنه لا يزال قائماً بما يرمز إليه من بعد ديني وعسكري. لا نيّة للجيش السوري بالقصف المباشر. الأمر يبدو واضحاً من مجرّد محاولة الاقتحام براً، والإصابات المباشرة التي تصيب محيطه. مصدر ميداني يخالف الكلام السابق عن أن الجيش السوري يريد شخصيات محددة، ممن يتحصنون داخل الجامع، على قيد الحياة. كلام المصدر يبدو واقعياً أكثر من الإيمان بأن الدولة السورية تحرص على الحفاظ على جامع يستخدم كواحدة من أشرس غرف العمليات العسكرية الناشطة ضد الدولة في المنطقة الوسطى. المعركة على أبواب الجامع تكلّف الكثير من الدماء. الجرحى يقدرون بالعشرات. شهيد سقط برصاص قناص. لا أحد سيهتم لخبر استشهاد «المتطوّع كرم» الذي وصل إلى أرض القتال منذ أسبوع واحد فقط، وسقط مُحدثاً مفاجأة لرفاقه والضابط المسؤول عنه، الذي كان مهتماً بتأمين سرعة انسجامه في الخدمة. يتأثر الضابط بالخبر، لكنه يتابع الرفاق خلال دقائق تقدّمهم مبتسمين للموت الذي يواجههم أيضاً. لا وقت للحزن هُنا. سقطت ذراعك أو رأسك أو كُلّك، هُناك من سينبري لإسعافك أو دفنك، إنما لكلّ عمله، والمقاتل لن يتوقف تحت أي ظرف. القرار بالتقدّم لن يتوقف تحت أي ظرف أيضاً، و«سنصلّي في جامع سيدي خالد»، بحسب ضابط يقف قريباً من الحديقة الخلفية للجامع. وسائل إعلامية ازدادت حماسة مراسليها، فأذاعت خبر سقوط الجامع بأيدي جنود الجيش السوري، قبل سقوطه بساعات، ما أربك القياديين وأحرجهم ودعاهم إلى سحب الصحافيين من منطقة الحدث. خروج موقت من أرض المعركة، مع وعود لم تبدُ جدّية بالعودة فور تحرير الجامع.

السيطرة على الجامع من الجهة الشرقية لم تكن كافية فعلياً، فقد سمحت للمسلحين بالهرب، ما أبعد عن الأذهان صحة فرضية وجود مطلوبين يريدهم الجيش أحياءً. والعبارة المتكررة على ألسنة ضباط بنيّة الصلاة داخل حرم الجامع، تعيد فرضية عدم تفكير الجيش بضرب المكان ذي البعد الديني المعروف. الجامع فارغ من مسلّحيه الآن، لكنه مكشوف من جميع الاتجاهات، عدا الشرقية، على النار. إنه تحت السيطرة النارية للمعارضة المسلحة، ما يجعل السيطرة الفعلية عليه من قبل الجيش السوري ما زالت حلماً قريباً من التحقيق. محاولة العبور إلى الداخل، رغم كل التحذيرات، تفتح طرق العبور إلى احتمالات عديدة، قد يكون آخرها حياةً جديدة.

الجامع المحاصر بالجحيم

اللحظات القليلة التي يمكن خلالها ركض مسافة تتجاوز 200 متر برأس خفيض مثقل بخوذة، بالإضافة إلى درع ثقيلة، هي لحظات العبور خلال الحديقة الخلفية والدخول إلى الجامع. الجامع هذه المرة تحت نار المعارضة التي تباكت على الضريح طوال أيام العملية العسكرية المتواصلة. لا يمكن ملاحظة الكثير بوجود ملاك الموت المخيّم الذي يؤرق المزاج الفضولي لبعض الواصلين إلى هذه النقطة، ونشوة الانتصار بالوصول إليها، بالنسبة إلى البعض الآخر. ولا تفكّر أن يدعك الهاربون من الجامع، والمتربصون بمن فيه الآن، تهنأ بوجودك داخله. عليك أن تلتجئ إلى الوقوف دقائق، تشعر بها سنوات، وراء عمود ما، حيث يدخل الرصاص من جميع النوافذ. جحيم يفتحه المسلحون على العابرين إلى ساحة الجامع من جهات عدة داخل حمص القديمة. لا تسمح لقدمك بأن تنزلق على غبار الرخام في باحة المسجد، فلن يرحمك القنّاصون. وإن حصل وفعلتَ، فستكون في موقف صعب. ستلمح رجلاً هُنا أو هُناك يقفز قفزات عالية، ما كان لينجح فيها لو شارك في مسابقة الوثب العالي. سيكتشف هُنا أنه مؤهل لأن يشارك بمثل هذه المسابقات، أو سيتلمّس شغف الحياة بداخله. يمكنك أن تلحظ سريعاً ضريح خالد بن الوليد، وقد نال حصّته من الإصابات، والسجّاد الأحمر المفروش، موحياً للوهلة الأولى وكأنه أنهار من الدماء. وأنت تعبر للخروج من باب الجامع المثقّب بالرصاص، قد يصدمك أحد الزملاء بسقوطه أرضاً برصاصة دخلت في الفخذ اليمنى وخرجت من اليسرى. بعد الانتهاء من صدمة نجاتك، ستكتشف أن الزميلة التي أصيبت هي مراسلة إحدى المحطات غير السورية. لكن إصابتها ستصيب الجميع بالخيبة، فتلك المغامرة لن تبقى ذكرى أو لعبة إذاً، بل ملوّنة بالمرارة، مرارة نسيتَ للحظة أن أهل «المتطوّع كرم» يواجهونها الآن، لمجرد أنك تعرف الزميلة ولا تعرف «كرم». البعض يَبِس بمكانه رافضاً عبور أمتار الموت تلك. البعض الآخر تجمعت الدموع في عينيه، وركض صارخاً. أقسى سيناريوات الموت ستواجهها في جامع «سيدي خالد»، كما يحلو لأبناء الخالدية تسميته.

عقدة الوصل بين المسلحين

يتربع جامع «سيف الله المسلول» ضمن أشد النقاط تحصيناً في الخالدية. جزء منه يطلّ على الحي المنكوب، والجزء الآخر يطلّ على جورة الشياح. تقدم الجيش السوري بدا أفقياً على خط حديقة العلو. هرب «أنصار خالد»، تاركين الضريح متهالكاً بعد بكائهم ومرثياتهم عبر المحطات والصفحات الإخبارية المعارضة. ساعات فقط هي المسافة الفاصلة عن السيطرة الكاملة على الجامع، وتحصينه. لم يسيطر الجيش السوري على منطقة الجامع بالكامل، لكن بدأت الكثير من الأصوات الحمصية تنادي بالتحضير لترميم الجامع، وتنظيف ما حوله، بهدف استعادة شيء من قيمته التراثية ومظهره العمراني الحضاري. كرم المسلحين في إطلاق الذخيرة الحية من كل الجهات على الجامع، يصوّر حجم الإمدادات الهائلة لديهم. صوت قائد عسكري ميداني يجهر بصوت عالٍ مختصراً المعركة على طول البلاد وعرضها بالقول: «عندما نستطيع التقدم سنفعل. ما يمنعنا لم يكن قرار قيادة، بل صعوبة الحرب الدائرة بين المباني». لا كلام ميدانياً بعد كلامه. إنما يعني ما ذكره، عجز الجيش عن التقدم في بعض المناطق، وبالتالي لم يكن للجيش فعلياً أن يسيطر على الخالدية خلال ساعتين، لو أراد، كما يحلو للبعض القول.

صدى الحرب لدى «الموالاة»

«إنها الحرب، تدمي القلب» هذا ما أعلنه الشاعر أمل دنقل يوماً، ويعايشه السوريون عموماً، والحمصيون على نحو خاص، كل يوم. وليست كل الحروب، حتماً، كحرب مدينة حمص، «قلب البلاد» الذي ما زال مثخناً بسموم الحرب وأوجاعها. لأصوات القنص والقصف والانفجارات في المدينة المشتعلة، قسوة لا يمكن الإحساس بها في أي مكان آخر. ليس بعيداً عن حيّ الخالدية حيث تشتد المعارك دون توقف، وتحديداً في حيّ الزهراء «الموالي» يمكن سماع أناشيد الحرب المرابطة على تخوم الحيّ. تسأل: «أين هذا القصف العنيف؟»، سيأتيك الجواب سريعاً: «الخالدية». وستسمع، لا شك، الكثير من التذمر والتساؤلات: «ما السبب في كل هذا القصف، فيما الدولة غير عاجزة عن إنهاء مسلحي الخالدية خلال ساعتين؟». وستسمع كثيراً عن وجود مسلحين مسيحيين في حيّ الحميدية القديم، الذين «لا يتعدّون أكثر من 150 مسلحاً»، بحسب أحد أبناء الحيّ النازحين إلى حيّ الأرمن. الحيّ الذي يهجس بأخبار الحرب القريبة، بعيدٌ نسبياً عن مجريات الأحداث الحقيقية، حيث يحاول سكانه الإلمام بأخبار المعارك داخل أحياء المدينة، إلا أن التناقضات تخيّم على كلام الجميع. صاروخ مريع قد يقطع أحاديثهم، يهبط عليهم من السماء، آتياً بلا رحمة من أراضي الأحياء المجاورة، أو ربما حمص القديمة. قدرٌ خيّم على أهالي الحي، والحمصيون عموماً، إنما يعلمون جيداً أنها «الحرب... تدمي القلب».

الأحد, 28 تموز/يوليو 2013 06:56

إطلالة على حياة الإمام علي ( ع )

ذريّة بعضها من بعض

كان عليّ بن أبي طالب من سلالة ذرية طيّبة و عائلة كريمة في صفاتها ، صالحة في أخلاقها و سيرتها ، محمودة في خصالها ، رفيعة في شمائلها ، متميّزة في رجالها و سيادتها ، فبنو هاشم ، سادة قريش بل سادة الدنيا ، « ملح الأرض ، و زينة الدنيا ، و حلى العالم ، و السنام الأضخم ، و الكاهل الأعظم ، و لباب كلّ جوهر كريم ، و سرّ كلّ عنصر شريف ، و الطينة البيضاء ، و المغرس المبارك ، و النصاب الوثيق ، و المعدن الفهم ، و ينبوع العلم ... ».

فقد كان منها أكرم خلق الله تعالى على الإطلاق ، محمّد بن عبدالله و كان منهم آله الطاهرون ، و أعظمهم و أفضلهم سيّدهم عليّ بن أبي طالب الذي اجتمع فيه من الخصال ما لم يجتمع لغيره ، و من المكارم ما لم يحظ بها أحد غيره ، و من السجايا ما لم يحظَ بها الآخرون ، فحسبٌ شريف ، و خلقٌ عال ، و فطرةٌ سليمة لم تتلوّث ببراثن الجاهلية ، و عقيدةٌ صافية ، و علم جمّ ، و شجاعة لا مثيل لها ..

- فأبوه :

شيبة بني هاشم شيخ قريش ، و زعيمها و سيّد قومه أبو طالب ، الذي انطوت نفسه على خصال كريمة كلّها شموخ و عزّة و فضائل .. و هو الكافل المدافع الذابّ عن رسول الله(صلى الله عليه و آله) ، و الذي أحاط رسول الله بعناية عظيمة و رعاية قلَّ نظيرها ، خصوصاً إذا عرفنا مكانته في قريش و بين زعمائها ، و ما سبّبه ذلك من إحراج له و ضيق و أذًى ، و مع هذا كلّه فقد صبر أيما صبر دفاعاً عن محمّد و رسالته ، حتّى إنّ قريشاً لم تكن قادرةً على أذى رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) مع رغبتها في ذلك حتّى توفي أبو طالب فراحت تكيد له ..

يقول رسول الله(صلى الله عليه و آله) : « و الله ما نالت قريش منّي شيئاً أكرهه حتّى مات أبوطالب » . و لم يهاجر إلى المدينة إلاّ بعد وفاة عمّه رضوان الله عليه . هذا أبوه .

- و أمّا جدّه :

فهو عبد المطّلب شيبة الحمد أمير مكّة ، و سيّد البطحاء له ولاية البيت الحرام من السقاية وا لرفادة .. و كان ذا مهابة و وقار و ميل إلى الدين و النسك ، و هو الذي قام بحفر بئر زمزم ، التي تفجّرت تحت قدمي جدّه إسماعيل من قبل ، بعد أن غاب أثرها ، و لم يهتدِ إليها أحد حتّى هتف به هاتف في منامه ، فراح يحفر حتّى اهتدى إليها مستعيناً بابنه الحارث الذي كان وحيده وقتذاك .

ثمّ هو الذي خذل اللهُ على يديه ابرهة الحبشي ، و جنده الذين جاؤوا لهدم الكعبة ، و صرف الحاجّ عنها إلى بيت بناه في اليمن ، ولمّا التقى ابرهة بعبد المطلب أراد أن يستميله إلى جنبه ، فما وجد منه إلاّ الرفض ، و إلاّ الثقة العالية بالله ، مكتفياً بأن يرد إليه إبله و شويهاته التي أخذها جنده . فقال ابرهة : كنت في نفسي كبيراً ، و سمعت أنّك وجيه في قومك ، فلمّا سألتك عن حاجتك ، و ذكرت الإبل و الشياه ، و نسيت بلدك و أهلك و بيتك المقدّس سقطت من عيني .

 

فقال عبد المطلب : الإبل لي ، و للبيت ربّ يحميه .

فقال ابرهة : ما كان ليمتنع منّي .

فقال عبد المطلب : أنت و ذلك ، و صعد على الجبل ، و تضرّع إلى الله ، و أنشد :

 

يارب عادِ من عاداك      وامنعهموا أن يهدموا حماك

 

ثمّ راح يستحثّ قومه على ترك مكّة و اللجوء إلى الجبل خشية بطش ابرهة و جيشه ، و التوجّه إلى الله بالدعاء . فحلّت الكارثة بابرهة و جنده .. و هناك سورة الفيل تحكي هذه الحادثة ..

- أُمّه :

فاطمة بنت أسد بن هاشم فهي ابنة عمّ أبي طالب ، و هي أوّل هاشمية تزوّجها هاشمي ، و عليّ أوّل مولود ( مع اخوته ) ولد لهاشميين فقد تعوّد بنو هاشم أن يصهروا إلى اُسر اُخرى . كانت ذات منزلة رفيعة ، جعلتها من اللائي امتازت حياتهنّ بمواقف جليلة في حركة الأنبياء و مسيرتهم عبر التاريخ ، فقد أثنى عليها رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) ، و كان شاكراً لها ، و لمعروفها ، و رعايتها له ، فكان يدعوها « اُمّي بعد اُمّي التي ولدتني » .

و راحت هي الاُخرى تفضّله على جميع أولادها الأربعة ، فقد كان طالب أكبر أولادها ثمّ عقيل ، ثمّ جعفر ثمّ عليّ ، و كلّ واحد أكبر من الذي بعده بعشر سنوات ، و كان عليّ ( عليه السلام ) أصغر أولادها . حظيت هذه السيّدة و المرأة المؤمنة الطاهرة بمكانة عظيمة في قلب رسول الله ، و تركت في نفسه آثاراً طيّبة راح يذكرها طيلة حياته ، و يترحّم عليها و يدعو لها .. تقول الرواية : ( لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ عليّ ـ و كانت قد أوصت لرسول الله(صلى الله عليه وآله) و قَبِل وصيتها ـ ألبسها النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، قميصه ، و اضطجع معها في قبرها ، فقالوا : ما رأيناك يا رسول الله صنعت هذا!

فقال : إنّه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرَّ بي منها ، إنّما ألبستها قميصي ، لتكسى من حُلل الجنّة ، و اضطجعت معها ليُهوَّن عليها . و في دعاء خاص لها قال : ( اللّهم اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد ، و لقنها حجّتها ، و وسِّع عليها مدخلها . و خرج من قبرها و عيناه تذرفان ) .

لقد كانت رضوان الله عليها لرسول الله ( صلى الله عليه و آله) بمنزلة الاُمّ ، بل كانت أُمّاً بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، وقد كانت بارّة برسول الله(صلى الله عليه و آله) ، « لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها »، فحنانها و شفقتها و رعايتها له بلغت مبلغاً عظيماً ، حتّى فاقت رعايتها لأبنائها ، و كأنّها تعلم أنّ له مكانة عظيمة و شأنا جميلا ، تقول بعض الروايات كان أولادها يصبحون شعثاً رمصاً ، و يصبح رسول الله ( صلى الله عليه و آله) كحيلا دهيناً . هذا في مداراتها لرسول الله ( صلى الله عليه و آله ) و حبّها له .

أمّا في إيمانها فقد كانت بدرجة عظيمة ، و من السابقات إلى الإسلام و المهاجرات الاُول إلى المدينة و هي بدرية .فذاك أبوه و جدّه و هذه اُمّه ، فهو وليد هذه الاُسرة الهاشمية المباركة . ثمّ بعد هذا كان عليّ(عليه السلام) قد اختصّ بقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فهو إضافة إلى كونه ابن عمّه ، وقد ربّاه في حجره تربية الوالد لولده و .. كان زوجاً لابنته الزهراء التي كانت بضعة منه (صلى الله عليه وآله) ، و أباً لريحانتيه المباركتين الحسن و الحسين ( عليهما السلام ) ، و كان أخاه يوم المؤاخاة ، و كان خليفته و وصيه و وزيره و عيبة علمه ..

- بين يدي النبوّة

لقد كنت سيّدي شجرة طيّبة توسّطت روضة فيحاء وباحة خضراء ودوحة معطاء ، فكان أصلها ثابتاً وفرعها في السماء تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها .

ففي ربى النبوّة أبصرت النور بعد أن انبرى رسول الرحمة لرعايتك و تربيتك ، و من نسيمها العذب وأريجها الفوّاح تنشقت الحياة ، و من نمير ساقيتها الصافي الذي كانت النبوّة نبعه الدافق ارتشفت أوّل قطرة ماء ، و على أديمها الأخضر كانت أوّل خطواتك ، كان حضن النبوّة يرعاك فكنت في جنّة عالية ، قطوفها دانية .

شممت رائحة النبوّة في مراحل حياتك الأولى ، و رأيت نور الوحي و الرسالة ، بعد أن وضعك رسول الله(صلى الله عليه و آله) في حجره و ضمّك إلى صدره و كنفك في فراشه و مسّك جسده الطاهر و أشمّك عَرْفه .. فجنيت بروض النبوّة ورداً و ذقت بكأسها شهداً .

و كيف لا تجني ذلك كلّه و قد اختارتك السماء برعماً تحتضنك شجرة النبوّة و الرسالة ، ثمّ لتكون بعد ذلك بقية النبوّة و الامتداد الطبيعي للرسالة . .؟!

روت فاطمة بنت أسد « اُمّ عليّآ » : ( بينا أنا أسوق هدياً إذ استقبلني رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، و هو يومئذ غلام شاب قبل البعثة فقال لي : يا أمّاه إنّي أُعلمك شيئاً فهل تكتمينه عليَّ؟

قلت : نعم .

قال : اِذهبي بهذا القربان فقولي : كفرت بهبل (كبير آلهة المشركين وهو أوّل صنم نصب بمكة) وآمنت بالله وحده لا شريك له .

فقلتُ : أعمل ذلك لِما أعلمه من صدقك يا محمّد ، ففعلت ذلك .

فلمّا كان بعد أربعة أشهر ، و محمّد يأكل معي و مع عمّه أبي طالب ، إذ نظر إليَّ و قال : يا اُمّ ما لَك! مالي أراك حائلة اللون؟!

ثمّ قال لأبي طالب : إن كانت حاملا اُنثى فزوجنيها .

فقال أبو طالب : إن كان ذكراً فهو لك عبد ، وإن كان اُنثى فهو لك جارية و زوجة .

فلمّا وضعتُه ـ في الكعبة ـ جعلته في غشاوة ، فقال أبو طالب : لا تفتحوها حتّى يجيء محمّد فيأخذ حقّه .

فجاء محمّد ففتح الغشاوة فأخرج منها غلاماً حسناً فشاله بيده ، و سمّـاه عليّاً ، و أصلح أمره ، ثمّ إنّه لقمه لسانه فما زال يمصّه حتّى نام ) .

و قد سمّته أوّل الأمر حيدر، بمعنى أسد على اسم أبيها ، فغلب عليه اسم عليّ الذي سمّـاه به محمّد(صلى الله عليه وآله) .

ثمّ راح عليّ(عليه السلام) الذي ما إن فتح عينيه في بيت أبي طالب حتى وجد محمّداً( صلى الله عليه وآله )يضمّه إلى صدره و يبثّه كلماته و يعلمه خطواته . . .

ولمّا تزوّج خديجة رضوان الله عليها انتقل إلى بيته الجديد ، ففارق بيت عمّه أبي طالب ، ولكنّه لم يترك برّه لعمّه و رعايته لابن عمّه عليّ(عليه السلام) ، و منذ ذلك اليوم راح يتعهده رسول الله(صلى الله عليه وآله) و يرعاه رعاية خاصّة و منذ نعومة أظفاره . .

و بدأ عليّ(عليه السلام) يلتهم زاده الوحيد مبادئ السماء و قيمها ، حتّى شحن بها فكره الثاقب ، و غدت نفسه الطاهرة ترتشف الايمان و تستنشق عقيدته وعبيرها ؛ لتسمو نفسه ولتصبح مصباحاً يستضيء به من حوله .

اخترتُ من اختاره الله

ولمّا مرّ أبو طالب في سنة أصابته بل أصابت قريشاً وقحط حلّ بهم وهو ذو عيال كثيرة ، ويبدو أنّ الابتلاء هذا كان عامّاً لقريش بسبب ما عانته من الجفاف .

تقول الرواية : ( إنّ قريشاً أصابتها أزمة وقحط ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعمّيه حمزة و العبّاس : ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل؟

فجاءوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم وِلدَه ليكفوه أمرهم ، فقال : دَعُوا لي عقيلا وخذوا من شئتم ـ وكان شديد الحبّ لعقيل ـ فأخذ العبّاس طالباً ، وأخذ حمزة جعفراً ، وأخذ محمّد(صلى الله عليه وآله) عليّاً ، وقال لهم : « قد اخترتُ من اختاره الله لي عليكم ، عليّاً » . فكان علي(عليه السلام) في حجر رسول الله(صلى الله عليه وآله) منذ كان عمره ستّ سنين.

والذي أميل إليه أنّ عليّاً(عليه السلام) لم يكن ذلك القحط وهذا الجفاف هما السبب في ملازمته لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بل إنّ الأمر سبق هذا كلّه وسبق هذا العمر الذي يحددونه لبداية هذه الملازمة (6 سنوات) نعم الانتقال من بيت أبي طالب إلى بيت رسول الله قد يكون تمّ وعليّ له 6 سنوات ، إلاّ أنّ تلك الرعاية من رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعليّ وذلك الاهتمام كان منذ اليوم الأوّل لولادته(عليه السلام) فرسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما عاد من غار حراء وقد بشّر بولادة علي راحت يده المباركة تتوسّده وتضفي عليه بركات انعكست ثمارها على حياته(عليه السلام) في كلّ الميادين ... ) .

تقول الرواية عن يزيد بن قعنب : ( ولدت (فاطمة بنت أسد) عليّاً . . . في بيت الله الحرام ، إكراماً من الله عزّ اسمه وإجلالا لمحلّه في التعظيم . . . ، فأحبّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) حبّاً شديداً وقال لها : « اجعلي مهده بقرب فراشي » ، وكان يتولى أكثر تربيته ، وكان يطهّر عليّاً في وقت غسله ، ويوجره اللبن عند شربه ، ويحرِّك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويحمله على صدره.

وهنا نعيش لحظات جميلة مع عليّ(عليه السلام) نفسه ، وهو يصوِّر لنا منزلته من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويصف رعايته له وتعلّقه به وملازمته له حتّى يمكن وصفها بأنّها ملازمة الظلّ لصاحبه لا يفارقه إلاّ في أوقاته المخصوصة ، فتواشجت روحه مع أجواء ذلك البيت الطاهر وهي أجواء الرسالة والنبوّة والوحي ، انظره في خطبة القاصعة حيث يصف تلك الملازمة والمواشجة بشكل دقيق طفلا وصبيّاً وفتًى . .

« ولقدعلمتم موضعي من رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبةوالمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد ، يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ويُشمني عَرْفه ، وكان يمضغ الشيء ، ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله به(صلى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر اُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به . ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري » .

ولدتُ على الفطرة

من اللافت الذي أدهش من تتبّع حياته أنّ ولادته(عليه السلام) ـ التي كانت في الكعبة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب على قول الأكثر ـ كانت في اليوم الأوّل لدخول رسول الله(صلى الله عليه وآله) غار حراء للتعبّد والمناجاة ، وللتدبّر والتفكير في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما .. وكان هذا بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، حقّاً أنّه أمر يثير العجب ، أن السماء راحت تعدّ أمرين في آن واحد ووظيفتين في وقت واحد; ففي غار حراء على بعد من الحرم المكّي أعدّت رسولا نبيّاً ، وفي داخل الحرم المكي راحت تعدّ إماماً ووزيراً وخليلا وفيّاً; ليكمل الشوط ويملأ الفراغ آ«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي أو لا نبوّة بعديآ» آ«أنت أخي ووصيي وخليفتي ... » .

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه القيم لنهج البلاغة في قوله(عليه السلام) : « فإنّي ولدتُ على الفطرة » وفي جوابه عن قول من يقول : كيف علّل نهيه عن البراءة منه(عليه السلام) ، بقوله : « فإنّي ولدتُ على الفطرة) ; فإنّ هذا التعليل لا يختص به(عليه السلام) ؛ لأنّ كلّ أحد (واحد) يولد على الفطرة ، قال النبي(صلى الله عليه وآله) : « كلّ مولود يولد على الفطرة ؛ وإنّما أبواه يهودانه وينصّرانه »؟

فكان أحد أجوبته الثلاثة : بأنّه(عليه السلام) علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع اُمور وعلل وهي كونه ولد على الفطرة ، وكونه سبق إلى الإيمان والهجرة ، ولم يعلّل بآحاد هذا المجموع ، ومراده هاهنا بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية ؛ لأنّه ولد(عليه السلام) لثلاثين عاماً مضت من عام الفيل ، والنبي(صلى الله عليه وآله) أرسل لأربعين سنة مضت من عام الفيل ؛ وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه(صلى الله عليه وآله) مكث قبل الرسالة سنين عشراً يسمع الصوت ويرى الضوء ، ولا يخاطبه أحد ، وكان ذلك إرهاصاً لرسالته(عليه السلام) فحُكم تلك السنين العشر حكم أيّام رسالته(صلى الله عليه وآله) فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولي لتربيته مولود في أيّام كأيّام النبوّة ، وليس بمولود في جاهلية محضة ، ففارقت حاله حال من يدّعي له من الصحابة مماثلته في الفضل .

وقد روي أنّ السنة التي ولد فيها عليٌّ(عليه السلام) هي السنة التي بدئ فيها برسالة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فاُسمع الهتاف من الأحجار والأشجار ، وكشف عن بصره ، فشاهد أنواراً وأشخاصاً ولم يخاطب فيها بشيء . وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتّل والانقطاع والعزلة في جبل حراء ، فلم يزل حتّى كوشف بالرسالة وأنزل عليه الوحي . وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يتيمّن بتلك السنة ، وبولادة علي(عليه السلام)فيها ، ويسمّيها سنة الخير وسنة البركة ، وقال لأهله ليلة ولادته ، وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئاً : « لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة » .

وهنا يقول ابن أبي الحديد : وكان كما قال(صلى الله عليه وآله) فإنّه(عليه السلام) كان ناصره والمحامي عنه ، وكاشف الغماء عن وجهه ، وبسيفه ثبت دين الإسلام وأرست قواعده .

كما يذكر تفسيراً آخر : بأنّه(عليه السلام) أراد بالفطرة العصمة ، وأنه منذ أن ولد لم يواقع قبيحاً ولا كان كافراً طرفة عين قط ولا مخطئاً ولا غالطاً في شيء من الأشياء المتعلّقة بالدين وهذا تفسير الإمامية.

فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال : « إن سُبّاق الاُمم ثلاثة لم يكفروا طرفة عين : علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون فهم الصدِّيقون وعليّ أفضلهم ».

وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : آ«ثلاثة لم يكفروا بالله قط : مؤمن آل ياسين وعلي بن أبي طالب وآسية امرأة فرعون ».

لم يسجد لصنم قطّ

بعد نعمة تربية رسول الله (صلى الله عليه وآله) له وصناعته كما تريدها السماء ، راحت نعمُ الله تترى على هذا العبد الصالح ، وتواكبه فلم تنجّسه الجاهلية بأنجاسها ، لم يعبد صنماً قطّ بل لم تمل نفسه إليها أبداً ، وهذا أمر ليس سهلا خاصةً وهو يعيش في مجتمع حالك متسربل برداء الشرك يعيش ركاماً من الجهل والعبودية والطغيان ، في بيئة أنّى اتجهت وجدت صنماً يُعبد وتمثالا يركع له ويسجد ، ومن حوله كبار قريش وزعماؤها وقد ملئت بيوتهم بهذه التماثيل وكانوا لها عاكفين .

في مجتمع فاسد كهذا تمّت صياغة علي(عليه السلام) لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)أحسن غذاءه وتنشئته وإعداده ، وراحت يداه المباركتان ترعاه أحسن رعاية وتحفظه من كلّ تحديات مجتمعه وانحرافاته ، فولد وعاش طفولته وصباه وقد كرّم الله وجهه من أن يسجد للاّت أو يركع للعزّى أو يشطط به قدم هنا وهناك ، ومثل هذا ما نراه في كلام العقّاد الآتي فيما بعد .

وكيف يسجد لصنم أو ينحرف به السير .. ولحمه لحم رسول الله ودمه دمه وهو وعلي من نور واحد ومن شجرة واحدة وفي صلبه ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو من رسول الله ورسول الله منه؟!

ثمّ كيف يسجد لصنم وهو يكرهها صغيراً بل وهو جنين ـ فبغضه لها من بغض رسول الله(صلى الله عليه وآله) لها ـ وهو الذي راح يقلعها كبيراً ويطهِّر الأرض منها والقلوب؟!

يقول(عليه السلام) : انطلق رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة فقال لي : اجلس .

فجلست ، فصعد على منكبي .

فقال لي : انهض .

فنهضت فعرف ضعفي تحته .

قال لي : اجلس .

فجلست ، ثمّ نهض بي رسول الله(صلى الله عليه وآله) فخيّل إلي أنني لو شئت نلت أُفق السماء ، فصعدت إلى الكعبة .

وتنحّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال : ألق صنمهم الأكبر ، صنم قريش . وكان من نحاس مُوتّد بأوتاد من حديد في الأرض .

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : عالجه .

فجعلت أُعالجه ، حتى استمكنت منه . فقال : اقذفه ، فقذفته حتّى انكسر . ونزلت من فوق الكعبة ، وانطلقت أنا والنبي(صلى الله عليه وآله) نسعى وخشينا أن يرانا أحد من قريش وغيرهم .

وهناك مصادر تقول : إنّ هذه القصّة مع بعض التغيير وقعت بعد فتح مكّة .

إسلامه

وقد تعدّدت واختلفت أقوال المؤرِّخين في عمره الشريف حين إسلامه وتصديقه بالنبوّة ، بين من يقول كان له ثمان سنين وبين من يقول له تسع وآخر يقول له عشر ، ورابع يقول له إحدى عشرة سنة وخامس يقول له اثنتا عشرة سنة وسادس يقول له ثلاث عشرة سنة وهناك من يقول : له خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة ، وكلّ هذا إنّما يدلّ على تحديد عمره المبارك وقت أن أعلن الرسول رسالته للخاصّة من مريديه وموقفه الرسمي إن صحّ التعبير منها ، وإلاّ فإنّ روحه لم تتلوّث بالشرك فهو الذي لم يكفر بالله قط . وهذا ما نجده في الروايات أعلاه وفي قول الإمام زين العابدين جواباً عن سؤال من سأله عن عمر الإمام عليّ(عليه السلام) عند إيمانه ، فقال(عليه السلام) : أو كان كافراً؟! إنما كان لعلي حين بعث الله عزّوجلّ رسوله(صلى الله عليه وآله)عشر سنين ولم يكن كافراً.

والذي يؤيّد أن عمره كان عشر سنوات أنّ عمر الدعوة الإسلامية في مكّة ثلاث عشرة سنة وهاجر إلى المدينة وله ثلاث وعشرون سنة وأنه استشهد سنة 40هـ وهو ابن ثلاث وستّين سنة .

ويميل ابن أبي الحديد إلى أنّ عمره الشريف كان ثلاث عشرة سنة ، متقيداً من قوله(عليه السلام) : « لقد عبدتُ الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة سبع سنين » ، وقوله(عليه السلام) : « كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعاً ، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) حينئذ صامت ما أُذِنَ له في الإنذار والتبليغ » .

وذلك ـ والقول ما زال لابن أبي الحديد ـ لأنّه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة ، وتسليمه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أبيه وهو ابن ستّ ، فقد صحّ أنّه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين ، وابن ستّ تصحّ منه العبادة ، إذا كان ذا تمييز ، على أنّ عبادة مثله هي التعظيم والإجلال وخشوع القلب ...

وقد جاء في ترجمة الإمام علي(عليه السلام) في الاستيعاب أنّ : المروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخبّاب وأبي سعيد الخدري وزيد بن أسلمه أنّ علياً(عليه السلام) أوّل من أسلم وفضّله هؤلاء على غيره .

وقال ابن إسحاق : أوّل من آمن بالله وبمحمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب(عليه السلام) وهو قول ابن شهرآشوب إلاّ أنّه قال : من الرجال بعد خديجة .

وعن ابن عبّاس قال : سمعت عمر بن الخطّاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر : أمّا عليّ ، فسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول فيه ثلاث خصال لوددت أنّ لي واحدة منهنّ ، فكان أحبّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس ، كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبي(صلى الله عليه وآله) بيده على منكب عليّ فقال له : يا عليّ أنت أوّل المؤمنين إيماناً وأوّل المسلمين إسلاماً وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى.

يقول جورج جرداق عن إسلام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) :

وإذا أسلم بعض الوجوه من قريش منذ أوّل الدعوة احتكاماً للعقل وتخلّصاً من الوثنية ، وإذا أسلم كثير من العبيد والأرقّاء والمضطهدين طلباً للعدالة التي تتدفّق بها رسالة محمّد واستنكاراً للجور الذي يلهب ظهورهم بسياطه ، وإذا أسلم قوم بعد انتصار النبي امتثالا للواقع وتزلّفاً للمنتصر كما هي الحال بالنسبة لأكثر الأمويين . إذا أسلم هؤلاء جميعاً في ظروف تتفاوت من حيث قيمتها ومعانيها الإنسانية وتتّحد في خضوعها للمنطق أو للواقع الراهن فإنّ علي بن أبي طالب قد ولد مسلماً ؛ لأنّه من معدن الرسالة مولداً ونشأةً وفي ذاته خلقاً وفطرةً ، ثمّ إنّ الظرف الذي أعلن فيه عمّا يكمن في كيانه من روح الإسلام ومن حقيقته لم يكن شيئاً من ظروف الآخرين ولم يرتبط بموجبات العمر; لأنّ إسلام عليّ كان أعمق من ضرورة الارتباط بالظروف ، إذ كان جارياً في روحه كما تجري الأشياء من معادنها والمياه من ينابيعها ، فإنّ الصبي ما كاد يستطيع التعبير عن خلجات نفسه حتى أدّى فرض الصلاة وشهد بالله ورسوله دون أن يستأذن أو يستشير .

لقد كان أوّل سجود المسلمين الأوّل لآلهة قريش ، وكان أوّل سجود عليّ لإله محمّد! إلاّ أنّه إسلام الرجل الذي اُتيح له أن ينشأ على حبّ الخير وينمو في رعاية النبي ويصبح إمام العادلين من بعده وربّان السفينة في غمرة العواصف والأمواج.

كما أنّ العقاد يقول عن إسلام علي :

ولد عليٌّ في داخل الكعبة ، وكرّم الله وجهه عن السجود لأصنامها ، فكأنّما كان ميلاده إيذاناً بعهد جديد للكعبة وللعبادة فيها . وكاد عليٌّ أن يولد مسلماً . . بل لقد ولد مسلماً على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح; لأنّه فتح عينيه على الإسلام ولم يعرف قط عبادة الأصنام . . ..

الذبيح الثالث

إنّ من قدّر له أن يتصفّح حياته(عليه السلام) لا يجد فيها شيئاً من الخوف أو التردّد من الموت ، إنّ قاموس حياته المباركة خال من ذلك كلّه . إنّ عليّاً(عليه السلام) قهر الموت وقضى عليه فمن أي شيء يا ترى يخاف؟!

ولهذا تراه يستسلم ويطيع رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما يُلقي به في لهوات الحرب ويرمي به في أحلك الأمور وأعسرها .

حان الوقت ، وجاء اليوم الموعود وتشابكت خيوط المؤامرة وتسابق القوم من هنا وهناك ، واجتمع زعماء القبائل في دار الندوة في مكة ، وكان فيهم أبو جهل وعروة بن هشام وأبو البختري ، وقرّروا أن يضعوا لهذا الأمر نهاية وأن يطووا صفحته إلى الأبد . فجمعوا شجعانهم ليضربوا محمّداً ضربة رجل واحد فيتوزّع دمه هنا وهناك على جميع القبائل فيضيع وتضيع المطالبة به ، وحدّدوا لمكرهم هذا وقتاً وموعداً .

هاجر رسول الله(صلى الله عليه وآله) خفيةً وأمر عليّاً بالمبيت تلك الليلة في فراشه ، ليعتّم عليهم هجرته ، إنّه فراش الموت ، فما كان من عليّ إلاّ التسليم والانقياد وهو يعلم جيّداً أنّ القوم قد تآمروا على ابن عمّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنّهم قاتِلوه في فراشه ، وأنّهم مباغتوه لا محالة ، ولا ينجو منهم إلاّ وهو أشلاء ممزّقة وأعضاء مقطّعة ، مؤامرة نافذة واقعة لا شكّ فيها ولا ريب .

اختاره الرسول (صلى الله عليه وآله) لهذه المهمّة وهو شاب يافع في مقتبل العمر! إنّه ثالث قربان يقدَّم بعد إسماعيل وعبدالله والد النبي(صلى الله عليه وآله) وشتّان بين الذبيحين عليّ وإسماعيل ، وعليّ وعبدالله ، فكلّ منهما بيد أب شفيق رحيم يرقّ قلبه وترتجف يده ، وهو بسيف عدوٍّ نزعت الرحمة من قلبه ، وبخنجر يمسك بقوّة حاقد بغيض ، وبيد صلبة لا ينتابها الخوف ولا تربكها الرحمة . .

إنّه امتحان عصيب لهم جميعاً ، ولكن أي الثلاثة أشدّ محنةً وأقسى؟! وأيّ امتحان هذا لإيمانه وانقياده واستسلامه؟!

لقد تيقّن فتى بني هاشم أنّه ما إن يغمض عينيه حتّى تنهال عليه مديّهم التي امتشطوها وسيوفهم التي حملوها وتبضعه خناجرهم . . . فلا تردّد ولا خوف بل لسان حاله يقول : نعم ستجدني إن شاء الله من الصابرين . .

فأنجاهما الله برحمته من كيد المشركين ومكرهم ، وأنزل في ذلك : ( و َإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) .

زواجه المبارك

كان عمره(عليه السلام) حينما هاجر إلى المدينة بعد هجرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثلاثاً وعشرين سنة ، وهناك كانت بضعة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاطمة الزهراء(عليها السلام) التي طالما تمنى التشرف بها كبار الصحابة; ومن أهل السابقة في الإسلام والفضل والشرف والمال ; لأنّها بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولكثرة ما كانوا يسمعون منه(صلى الله عليه وآله) في ثنائه عليها واحترامها وتقديرها ، ولموقعها العظيم منه(صلى الله عليه وآله) . راحت نفوسهم تطمح للاقتران بها ، وكانوا كلّما تقدّم واحد منهم لم يجد عنده(صلى الله عليه وآله) إلاّ أن يعرض بوجهه الكريم حتّى يخرج منه القادم وهو يظنّ أنّه(صلى الله عليه وآله)ساخط عليه وغير راض عنه ، وإلاّ الرفض ، وأنّه ينتظر في زواجها أمر الله وقضاءه.

تقدّم عليٌّ(عليه السلام) بخطوات يكتنفها الحياء ، وراحت نظراته تتوزع هنا وهناك ، نظرة إلى وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأخرى يرسلها بعيداً ، وثالثة إلى ما بين يديه ، ماذا يقول ويده خالية .

حانت نظرة من رسول الله(صلى الله عليه وآله) إليه فعرف ما يريد : إنّ علياً جاء لحاجة ، وحاجة عليّ يمنعه حياؤه من التحدّث بها ، فبادره رسول الله(صلى الله عليه وآله) مشجّعاً حتّى ينطق ، وما إن نطق حتّى كان ذلك البيت من أبهى وأزهى وأزكى وأعظم بيوت الدنيا بل وأغناها إيماناً وطهارةً وأثراها أخلاقاً وعلماً ... إنّه بيت عليّ وفاطمة ثمّ ريحانتي رسول الله(صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين(عليهما السلام) والذرّية الصالحة!

وفي السنن الكبرى يقول عليّ(عليه السلام) : « لقد خطبت فاطمة بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقالت لي مولاة : هل علمت أنّ فاطمة تخطب؟

قلت : لا ـ أو نعم ـ

قالت : فاخطبها إليك .

قال : قلت : وهل عندي شيء أخطبها عليه؟! قال : فوالله ما زالت ترجيني حتّى دخلت عليه ، ـ وكنّا نجلّه ونعظّمه ـ فلمّا جلستُ بين يديه ألجمت حتّى ما استطعت الكلام .

قال : هل لك من حاجة؟ فسكتُ فقالها ثلاث مرّات .

قال : لعلّك جئت تخطب فاطمة!

قلت : نعم يا رسول الله .

قال : هل عندك من شيء تستحلّها به؟

قال : قلت : لا والله يا رسول الله .

قال : فما فعلت بالدرع التي كنتُ سلّحتكها؟

قال عليّ : والله إنّها درع حُطمية ما ثمنها إلاّ أربعمائة درهم .

قال : اِذهب فقد زوّجتكها ، وابعث بها إليها فاستحلّها بهآ».

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : آ«إنّ الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ ».

وقال(صلى الله عليه وآله) أيضاً : « والله ما ألوت (أي ما قصّرت في أمرك وأمري) أن أزوجك خير أهلي ».

وعن عائشة وأمّ سلمة : أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن نجهّز فاطمة حتّى ندخلها على عليّ ، فعمدنا إلى البيت ففرشناه تراباً ليّناً من أعراض البطحاء ، ثمّ حشونا مرفقتين ليفاً فنفشناه بأيدينا ثمّ أطعمنا تمراً وزبيباً وسقينا ماءً عذباً ، وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليلقى عليه الثوب ، ويعلّق عليه السقاء ، فمارأينا عرساً أحسن من عرس فاطمة.

العبادة عند عليّ(عليه السلام)

( وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ، العبادة كانت عنده(عليه السلام) وقفة مع السماء يتأمّل فيها ، ويتدبّر حياته وسيرته ، ويربّي فيها نفسه ويبعدها عن كلّ مزالق الشيطان ، ويقوّي فيها إيمانه ، ويكسب فيها مزيداً من التقوى .

العبادة عنده(عليه السلام) عبادة الأحرار لا عبادة التجّار أو العبيد آ«وجدته أهلا للعبادة فعبدتهآ» إذن لا طمع في جنّة وثواب ولا خوف من نار وعذاب .

العبادة عنده(عليه السلام) نموّ مستمر وسمو متواصل واستلهام واع لكلّ معاني العزّ والفخر والخير والعطاء . « إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً ، أنت كما أحبّ فاجعلني كما تحبّ » .

العبادة عند عليّ(عليه السلام) خشوع وتواضع لخالق السماوات والأرض .

العبادة عند أمير المؤمنين(عليه السلام) شكر لنعمه تعالى المتواصلة على العباد .

العبادة عنده(عليه السلام) اعتراف بخالق الكون ورضا بقضائه وتسليمٌ لقدره .

العبادة عنده(عليه السلام) تحمّل لأمانة السماء ، ومسؤولية كبرى أمام الله سبحانه وتعالى من جهة وإزاء المجتمع من جهة اُخرى .

إذن فهي ليست عبارات جوفاء ومفردات لا معنى لها و حركات منتظمة وحسب.

هكذا يؤدّي عليّ(عليه السلام) عبادته بخشوع عظيم وبصوت حزين ونغمة شجيّ .

فيما رواه عروة بن الزبير : كنّا جلوساً في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله)فتذاكرنا أهل بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا أُخبركم بأقلّ القوم مالا وأكثرهم ورعاً وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟

قالوا : مَنْ هو؟

قال : علي بن أبي طالب .

قال : فوالله لقد رأيت كلّ من كان في المجلس إلاّ أعرض بوجهه عنّي . فقال : يا عَوَيمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد مذ أتيت بها .

فقال أبو الدرداء : يا قوم إنّي قائل ما رأيته . وليقلّ كلّ قوم ما رأى . شهدت علي بن أبي طالب(عليه السلام) بسويحات بني النجار ، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه ، واستتر ببعيلات النخل فافتقدته وبَعُدَ عليّ مكانه ، فقلت لحق بمنزله . فإذا بصوت حزين ، ونغمة شجي وهو يقول :

« إلهي كم من موبقة حملتُها فقابلتَها بنعمتك . وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك . إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا بغير غفرانك طامع ، ولا أنا براج غير رضوانك » .

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر . فإذا هو عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)بعينه . فاستترت له لأسمع كلامه ، فركع ركعات في جوف الليل ، ثمّ فزع إلى الدعاء والتضرّع والبكاء والبثّ والشكوى . فكان ممّا ناجى به الله أن قال :

« إلهي أُفكّر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك ، فتعظم عليَّ بليتي » .

ثمّ قال :

«آه إن أنا قرأتُ في الصحف سيئة أنا ناسيها ، وأنت محصيها ، فتقول خذوه فيا لَه من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولاتنفعه قبيلته. يرحمه الملأ إذاأذّن فيه النداء » .

ثمّ قال :

« آه من نار تنضح الأكباد والكلى . آه من نار نزّاعة للشوى . آه من غمرة من ملهبات لظى » . ثمّ انفجر في البكاء ، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة فقلت غلب عليه النوم لطول السهر ، أوقظهُ لصلاة الفجر (قال أبو الدرداء) فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، قلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون . مات والله علي بن أبي طالب . فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم .

فقالت فاطمة(عليها السلام): « ياأباالدرداء، ماكان من شأنهومن قصّته؟ »، فأخبرتهاالخبر.

فقالت : « هي والله يا أباالدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله » ، ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه ، فأفاق ونظر إليَّ وأنا أبكي .

فقال : ممَّ بكاؤك يا أباالدرداء؟

فقلت : ممّا أراه تنزله بنفسك .

فقال : يا أبا الدرداء ، فكيف لو رأيتني ودُعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاة ، وزبانية حفاة ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار ، قد أسلمني الأحبّاء ، ورحمني أهل الدنيا ، لكنتَ أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية .

فقال أبوالدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)

ممّا قالوه

ما تقول في عليٍّ(عليه السلام)؟

سؤال أجاب عنه الخليل بن أحمد الفراهيدي .

« فقال : هو إمام الكلّ .

قالوا : ما دليلك عليه؟

قال : استغناؤه عن الكلّ واحتياج الكلّ إليه ، دليل على أنّه إمام الكلّ » .

حقّاً سيّدي إنّك لم تكن نبيّاً ولكنّك كنت إماماً ووصيّاً ، لم تكن رسولا ولكنّك كنت أخاً ووزيراً ، وكنت قدوةً ، وكنت جوهرةً يتيمةً ، خلقها الله وصاغها محمّد(صلى الله عليه وآله)وضيّعها الناس ، كلمة ما أعظمها نطق بها جورج جرداق حينما سئل عن الإمام عليّ(عليه السلام) : آ«ما عساني أن أقول في جوهرة يتيمة ، خلقها الله وصاغها محمّد(صلى الله عليه وآله)!»

إذن ما عسانا أن نقول فيك ـ و أنت إمام الكلّ ـ وفي فضائلك ومناقبك وفي إيمانك وتقواك وجهادك وشجاعتك ، وفي علمك وأدبك وفي فصاحتك وبلاغتك ، أنستطيع أن نصوغ معانيها البليغة والجميلة والعظيمة؟ وكيف نجرؤ أن نفرغ منقبة من مناقبك سيدي في قوالب حروف وكلمات لا نراها إلاّ ميتة؟ اللّهم إلاّ أن نقول وهو الحقّ : إنّها تبعث حيّة بذكر خصالك وفضائلك ...

وحقّاً ما يقوله أبو إسحاق النظام : « عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلّم ، إن وفاه حقّه غلا وإن بخسه حقّه أساء! » .

و حقّاً أيضاً ما يقوله المتنبي في جواب من اعترض عليه في عدم مدحك على كثرة أشعاره وقصائده . .

 

وتركتُ مدحي للوصي تعمّداً

إذ كان نوراً مستطيلا شاملا

وإذا استطال الشيء قام بنفسه

وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

 

حقّاً كلمة يتيمة ولدت في غير زمنها ولكنّها مشيئة الله .

مسك كلما حاول أعداؤه إخفاءَه انتشر عَرفه ، وكلّما بذلوا جهودهم لأن يكتموه تضوع نشره ، فشمسك يا سيدي لا تخفيها أكفُّ الظالمين والحاسدين والمبغضين . . .

نعم كانوا لا يُطيقون ظهور فضائلك ولا الإصغاء إليها فضلا عن الارتواء من نميرها .

لقد عثرتُ على قول آخر للخليل بن أحمد الفراهيدي :

« ما أقول في حقّ امرئ كتمت مناقبه أولياؤه خوفاً وأعداؤه حسداً ، ثمّ ظهر ما بين الكتمين ما ملأ الخافقين . بل ظهر نزر يسير فكان له كلّ هذا » .

ممّا فعلوه

لقد كنت سيّدي فريداً نأت عنه هذه الأمّة بسوء حظّها ، ووحيداً جفته لسوء طالعها .

كم دأب الأعداء على محو آثارك ومعالمك ، فلعلّ ذاكرة التاريخ تنساها ، فخاب كيدهم ، وأنصفك التاريخ ، فهذه كتب التأريخ والحديث والآثار تحكي لنا أنّ الذي زيّن صفحاتها كان ذِكرك ، وأنّ الذي لوّن لوحاتها كانت مناقبك وفضائلك ، فقد بهر ما ظهر منها العيون وحيّر العقول خاصة إذا تتبعنا ما أفرغه الأعداء من جهود وما بذلوه من أموال لشراء الذمم وما سخّروه من وسائلهم الإعلامية ـ بعد أن عقد حبّك وولاؤك على قلوب محبّيك ومريديك ـ على مدى سبعين سنة أو تزيد : منابر تشتمك ، وألسن تتبرأ منك ، وأخرى تلعنك . . وفي قبالها نفوس تزهق ، وألسن قطعت; لأنّها لا تقول فيك شيئاً نكراً لطمس فضائلك ودفنها ، فخابت جهودهم وبطلت أحلامهم .

لم يكتفوا بالحسد آ«فكلّ ذي نعمة محسودآ» ونعمتك ما أعظمها : فآيات نزلت بحقّك ، وروايات تواترت بفضلك ، وأقوال لرسول الله(صلى الله عليه وآله) أخذت تشيد بك ، ومواقف رسالية راحت تتباهى بك . . هذا فضلا عن الصياغة الربّانية لك : قدرات عجيبة ، وصفات فريدة ، ومناقب جليلة . . . فكيف لا يحسدوك وكلّ منهم خال الوفاض منها؟! ، ( يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ )

إن يحسدوك على علاك فإنّما

متسافل الدرجات يحسد من علا

 

بل مزجوا حسدهم بحقد دفين وثارات عقيمة ، في حصيلتها النهائية كانت بغضاً لله ولرسوله وعداءً للدين الذي حلّ بين ظهرانيهم ، فلم يستطيعوا الكيد له ، رغم كلّ جهودهم ، فكادوك لأنّ سيفك كان على رؤوسهم لينطقوا بالحقّ ، وما كانوا ليهتدوا فقالوها مرغمين ، ولم يستطيعوا شتم الرسول(صلى الله عليه وآله) فشتموك . .

فهذا عبدالله بن عبّاس حبر الأمّة وترجمان القرآن ، كان يقوده سعيد بن جبير ـ وقد كفّ بصره ـ فمرّ على زمزم فإذا بقوم من أهل الشام يسبّون عليّاً كرّم الله وجهه ، فسمعهم عبدالله بن عبّاس ، فقال لسعيد : ردّني إليهم ، فردّه إليهم فقال :

أيّكم السابّ لله عزّوجلّ؟

فقالوا : سبحان الله ما فينا من سبّ الله عزّوجلّ!

فقال : أيّكم السابّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟

فقالوا : ما فينا من سبَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)!

فقال : أيكم السابّ لعليّ بن أبي طالب؟

فقالوا : أما هذا فكان منه شيء .

فقال : شهدت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بما سمعته يقول لعليّ بن أبي طالب : « يا عليّ مَنْ سبّك فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله ، أكبّه الله على منخريه في النار » . ثمّ تولّى عنهم ...

يقول عبدالله بن أحمد بن حنبل : « سألت أبي عن عليّ وأعدائه ، فقال : يا بني إنّ عليّاً كان كثير الأعداء ، ففتش عليه أعداؤه شيئاً مكروهاً ولم يجدوا ، وجاؤوا إليه وحاربوه وقاتلوه وخلعوه كيداً منهم له » .

نعم ، حاربوك فكانت حربهم ظالمة ، كادوا لك فردّ كيدهم إلى نحورهم ، افتروا عليك فكانت افتراءاتهم جائرة .

لم يجدوا عيباً فيك سيّدي فلاذوا بطمس معالمك وفضائلك وألجموا الألسنة الناطقة بمناقبك ، لقد بنوا كيانهم على شتمك وسبّك وطمس آثارك . . وكأن حكمهم ليس له هدف إلاّ إنهاء ذكرك ، وكأن ليس لهم همٌّ إلاّ إخفاء فضلك . . .

أما آن لك ـ يا معاوية ـ أن تترك عليّاً وشأنه ، وتأمر بترك مسبّته على المنابر؟

قال : لا ، حتّى يموت عليها الكبير ويربو عليها الصغير .

فقد أبت نفوس هؤلاء الطلقاء قبول عليّ بفضائله ومناقبه ومواقفه الجليلة التي كانت دفاعاً عن الرسالة والرسول ، وعن كلمة الحقّ والعدل . . أبت قلوبهم ذلك كلّه ، فراحت سياستهم تقوم على نبذ هذه المناقب والفضائل بل التصدّي لها بكلّ حزم حتّى صارت أساس سياستهم والبناء الذي تقوم عليه ، فأصدر زعيم هؤلاء القوم وعميدهم معاوية بن أبي سفيان أمراً سلطانياً : برئت الذمّة ممّن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته .

ولم يكتف بهذا بل عمّم كتاباً آخر إلى جميع عمّاله يقول فيه :

إذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب ، إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني ، وأدحضُ لحجّة أبي تراب وشيعته. وبسبب هذا كلّه وتشجيعاً من السلطان الظالم ظهر الوضّاعون وكثروا ، وظهر البهتان وانتشر وشاعت المختلقات من الروايات وذاعت بين الآفاق ، وتجرأ أعداء الدين على تشويه معالمه والكيد له . .

معاوية يقدم قومه

ولكن هيهات هيهات! فالزوابع بغبارها لا تخفي الحقيقة التي علت ناصعةً تتحدّاهم جميعاً ، فقد ذاع صيتك وعطّر الخافقين عبيرك ، وحتّى هؤلاء الأعداء راحت ألسنتهم تنطق بالحقّ ، نطقت بصفاتك ، ونشرت مجالسهم عظيم مناقبك . . . فلسان مناوئيك أنطقه الله الذي أنطق كلّ شيء ، لتكون الحجّة عليهم أقوى ، فالفضل ما شهدت به الأعداء .

* جاء ابن أحور التميمي إلى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين جئتك من عند ألأم الناس ، وأبخل الناس ، وأعيا الناس ، وأجبن الناس .

فقال : ويلك وأنّى أتاه اللؤم ، ولكنا نتحدّث أن لو كان لعليّ بيتٌ من تبن وآخر من تبر ، لأنفد التبر قبل التبن ، وأنّى أتاه العي وإن كنّا لنتحدّث أنه ما جرت المواسي على رأس رجل من قريش أفصح من عليّ ، ويلك وأنّى أتاه الجبن؟ وما برز له رجل قطّ إلاّ صرعه ، والله يا ابن أحور ، لولا أنّ الحرب خدعة لضربتُ عنقك ، اخرج فلا تقيمن في بلدي.

* وله أيضاً : فوالله لو أنّ ألسن الناس جمعت فجعلت لساناً واحداً لكفاها لسان عليّ. ولو لم يكن للأمّة إلاّ لسان علي لكفاها .

* ولمّا جاء ابن أبي محفن معاوية قال له : جئتك من عند أعيا الناس .

قال له : ويحك! كيف يكون أعيا الناس؟! فوالله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره.

* قال معاوية لضرار بن ضمرة من أصحاب عليّ(عليه السلام) بعد مصرعه :

صِف لي عليّاً .

فقال ضرار : اعفني .

قال معاوية : لَتصِفنَّه .

قال : أمّا إذ لابدّ من وصفه ، فكان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطلق الحكمة من نواحيه ، ويستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته .

وكان غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن .

وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه . ونحن والله ـ مع تقريبه إيّانا وقربه منّا ـ لا نكاد نكلِّمه هيبةً له .

ويعظّم أهل الدين ، ويقرب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييئس الضعيف من عدله .

وأشهد أنّي لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، قابضاً على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول :

يا دنيا غُرّي غيري! أإليّ تعرّضتِ أم إليَّ تشوّقتِ؟!

هيهات هيهات!

قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك قليل .

آه من قلّة الزاد ، وبُعد السفر ، ووحشة الطريق!

ولما انتهى ضرار من وصفه هذا يقول الخبر : فبكى معاوية حتّى اخضلّت لحيته وقال : رحم الله أبا الحسن ، كان والله كذلك .

فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال : حزن من ذُبحَ وحيدُها في حجرها .

* ولمّا بلغ معاوية قتل علي(عليه السلام) قال :

ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب .

فقال له أخوه عتبة بن أبي سفيان : لا يسمع هذا منك أهل الشام .

فقال له : دعك منّي.

وكان يقول عن علم عليّ(عليه السلام) : كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يغره العلمَ غرّاًرحم الله أباالحسن فلقد سبق من كان قبله ، وأعجز من يأتي بعده.

. . . هيهات هيهات! عقمت النساء أن يلدن مثله

* وهذا عمرو بن العاص العدوّ اللدود لعليّ(عليه السلام) حينما راح يخيِّر نفسه بين علي ومعاوية :

أمّا عليٌّ فدين ليس يشركه دنيا وذاك له دنيا وسلطان .

وفيما كتبه إلى معاوية قبل التحاقه به : ويحك يا معاوية! أما علمت أنّ أباالحسن بذل نفسه بين رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد قال فيه يوم غدير خم : ألا من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاده . . .

. . . حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا . . .

وراح يخاطب معاوية . . . ومهما نسيت فلا تنسى أنّك على باطل . . .

أوهل يستغنون عنك؟!

فوجئ عليٌّ(عليه السلام) يوماً بجمع من صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكان فيهم حبر الأمّة عبدالله بن عبّاس والخليفة أبو بكر ورجل يهودي يقرعون عليه باب داره .

ذلك أنّ مالك بن أنس روى أنّ يهودياً دخل المسجد فسأل الناس :

أين وصيّ رسول الله؟ فأشار القوم إلى أبي بكر .

فقال الرجل : أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ وصيّ أو نبيّ . . . قال أبوبكر : سل عمّا بدا لك .

قال اليهودي : اخبرني عمّا ليس لله ، وعمّا ليس عند الله . . وعمّا لا يعلمه الله . . . قال أبو بكر : هذه مسائل الزنادقة يا يهودي!

همّ أبو بكر والمسلمون رضي الله عنهم باليهودي ، فقال ابن عبّاس(رضي الله عنه) : ما أنصفتم الرجل! . . . فقال أبو بكر : أما سمعت ما تكلّم به؟

فقال ابن عبّاس : إن كان عندكم جوابه ، وإلاّ فاذهبوا إلى علي(رضي الله عنه)يجيبه ، فإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول لعلي بن أبي طالب : آ«اللّهم اهدِ قلبه وثبّت لسانهآ» .

فقام أبو بكر، ومن حضره ، فأتوا عليّ بن أبي طالب في داره ، فاستأذنوا عليه .

فقال أبو بكر : يا أبا الحسن إنّ هذا اليهودي سألني مسائل الزندقة!

فقال عليّ كرّم الله وجهه : آ«ما تقوله يا يهوديّ؟آ»

قال : أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ .

فقال له : قلّ .

فأعاد اليهودي الأسئلة .

فقال عليّ(رضي الله عنه) :

أما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم معشر اليهود أن عزيراً ابن الله ، والله لا يعلم أنّ له ولداً (إذ لو كان له ولد لكان يعلمه) .

وأمّا قولك : أخبرني بما ليس عند الله .

فليس عنده ظلمٌ للعباد .

وأمّا قولك : أخبرني بما ليس لِلّه .

فليس لِلّه شريك .

فقال اليهودي : أشهد أنّ محمّداً رسول الله وأنّك وصيّ رسول الله .

فارتاح أبو بكر والمسلمون من جواب عليّ ، وقالوا : يا مفرِّج الكروب!.

وهكذا كان يفعل الخليفتان الثاني والثالث فهم جميعاً لم يستغنوا عن

آراء الإمام عليّ(عليه السلام) في الفقه والقضاء والجهاد والسياسة والإدارة . . وكان

يمدّ لهم يدَ العون والرشد ما دامت هناك مصلحة إسلامية ، والشواهد كثيرة

على هذا .

مع بعض أقواله(عليه السلام)

« لا يقيم أمر الله سبحانه وتعالى إلاّ من لا يصانع ولا يتبع المطامع .. » ، و ممّا كان يعظ به من يتولّى أمراً من أُمور المسلمين صغر هذا الأمر أو كبر :

«لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل ، فتكون أموالهم نهمته ، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله ، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ، ولا الخائف للدول فيتّخذ قوماً دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ، ولا المعطل للسنّة فيهلك الأمّة . ومَن نصب نفسه للناس فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه ، ومعلم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلم الناس ومؤدّبهم » .

ولمّا رأى الثراء فاحشاً في الناس وأخلاق السوء قد دبّت فيهم ، ولما رآهم يتزاحمون على نيل المناصب والجاه ، ولمّا رآهم يتّصفون بالتفاخر والتكاثر بالأموال والأنفس ، ولمّا رآهم وقد عادت العصبية إلى سيرتهم والقومية تنهش بهم وقد نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال :

« دعوها إنّها نتنة » ، و « ليس منّا من دعا إلى عصبية » .

راح عليّ(عليه السلام) يعظهم ويحذّرهم ممّا يتركه ذلك على نفوسهم وعواقب ما هم فيه :

« أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع » .

« من أصبح على الدنيا حزيناً ، فقد أصبح لقضاء الله ساخطاً » .

« ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به ، فقد أصبح يشكو ربّه » .

«ومن أتى غنياً فتواضع لغناه ذهب ثلثا دينه» .

« ما بال ابن آدم والفخر؟ أوّله نطفة ، وآخره جيفة ، لا يرزق نفسه ولا يدفع حتفه » .

« ياابن آدم ، كن وصي نفسك في مالك ، واعمل فيه ما تؤثر أن يُعمل فيه من بعدك » .

« ظلم الضعيف أفحش الظلم » .

« لا تَظلم كما لا تُحبّ أن تُظلَم » .

« من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجّته ، وكان الله حرباً عليه حتّى ينزع عن ظلمه ويتوب ، وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فإنّ الله يسمع دعوة المضطهدين ، وهو للظالمين بالمرصاد» .

«لا يغرّنكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فإنّما هو ظلٌّ ممدود إلى أجل محدود» .

و ختاماً نكتفي بما ذكره بعض كبار الكتّاب والمفكّرين :

* عبّاس محمود العقّاد

تدلّ أخباره ـ كما تدلّ صفاته ـ على قوّة جسدية بالغة في المكانة والصلابة على العوارض والآفات . فربما رفع الفارس بيده فجلد به الأرض غير جاهد ولا حافل ، ويمسك بذراع الرجل فكأنّه أمسك بنفَسِهِ فلا يستطيع أن يتنفّس ، واشتهر عنه انّه لم يصارع أحداً إلاّ صرعه ، ولم يبارز أحداً إلاّ قتله ، وقد يزحزح الحجر الضخم لا يزحزحه إلاّ رجال ، ويحمل الباب الكبير يعيى بقلبه الأشدّاء ، ويصيح الصيحة فتنخلع لها قلوب الشجعان . . . لا ينهض له أحد في ميدان مناجزة ، فكان لجرأته على الموت لا يهاب قرناً من الأقران بالغاً ما بلغ من الصولة ورهبة الصيت . . .

ويزيد شجاعته تشريفاً أنّها ازدانت بأجمل الصفات التي تزين شجاعة الشجعان الأقوياء . . فلا يعرف الناس حلية للشجاعة أجمل من تلك الصفات التي طبع عليها عليّ بغير كلفة ولا مجاهدة رأي . وهي التورّع عن البغي ، والمروءة مع الخصم قويّاً أو ضعيفاً على السواء ، وسلامة الصدر من الضغن على العدوّ بعد الفراغ من القتال .

أمّا مروءته في هذا الباب فكانت أندر بين ذوي المروءة من شجاعته بين الشجعان . فأبى على جنده وهم ناقمون أن يقتلوا مدبراً أو يجهزوا على جريح أو يكشفوا ستراً أو يأخذوا مالاً . وصلّى في وقعة الجمل على القتلى من أصحابه ومن أعدائه على السواء ، وظفر بعبدالله بن الزبير ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وهم ألدّ أعدائه المؤلّبين عليه فعفا عنهم ولم يتعقّبهم بسوء ، وظفر بعمرو بن العاص وهو أخطر عليه من جيش ذي عدّة فأعرض عنه وتركه ينجو بحياته حين كشف عن سوأته اتقاءً لضربته . . وحال جند معاوية بينه وبين الماء في معركة صفّين وهم يقولون له : ولا قطرة حتى تموت عطشاً . . فلمّا حمل عليهم وأجلاهم عنه سوَّغ لهم أن يشربوا منه كما يشرب جنده ، وزار السيّدة عائشة بعد وقعة الجمل فصاحت به صفية أم طلحة الطلحات : أيتم الله منك أولادك كما أيتمت أولادي . فلم يرد عليها شيئاً ، ثمّ خرج فأعادت عليه ما استقبلته به فسكت ولم يرد عليها . قال رجل أغضبه مقالها : يا أمير المؤمنين! أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع؟ فانتهره وهو يقول : ويحك؟ إنّا أُمرنا أن نكفّ عن النساء وهن مشركات أفلا نكفّ عنهنّ وهن مسلمات؟ وإنّه لفي طريقه إذ أخبره بعض أتباعه عن رجلين ينالان من عائشة فأمر بجلدهما مائة جلدة . ثمّ ودّع السيّدة عائشة أكرم وداع وسار في ركابها أميالاً وأرسل معها من يخدمها ويحفّ بها . قيل : إنّه أرسل معها عشرين امرأة من نساء عبد القيس عمّمهن بالعمائم وقلّدهن السيوف . . فلمّا كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأفّفت وقالت : هتك ستري برجاله وجنده الذين وكّلهم بي . . فلمّا وصلت إلى المدينة ألقى النساء عمائمهنّ وقلن لها : إنّما نحن نسوة .

وهنا تقول عائشة : ما ازددت والله يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً .

وكانت هذه المروءة سنّته مع خصومه ، من استحق منهم الكرامة ومن لم يستحقها ، ومن كان في حرمة عائشة رضي الله عنها ومن لم تكن له قط حرمة ، وهي أندر مروءة عرفت من مقاتل في وغر القتال . .

وتعدلها في النبل والندرة سلامة صدره من الضغن على أعدى الناس له وأضرّهم به وأشهرهم بالضغن عليه . فنهى أهله وصحبه أن يمثِّلوا بقاتله وأن يقتلوا أحداً غيره ، ورثى طلحة الذي خلع بيعته وجمع الجموع لحربه رثاءً محزون يفيض كلامه بالألم والمودّة ، وأوصى أتباعه ألا يقاتلوا الخوارج الذين شقوا صفوفه وأفسدوا عليه أمره وكانوا شرّاً عليه من معاوية وجنده ، لأنّه رآهم مخلصين وإن كانوا مخطئين وعلى خطئهم مصرِّين . .

وعن صفة الثقة والاعتزاز بالنفس في المواقف الحرجة والعلم . . . يقول العقاد : فما منعته الطفولة الباكرة يوماً أن يعلم أنّه شيء في هذه الدنيا وأنّه قوّة لها جوار يركن إليه المستجير . ولقد كان في العاشرة أو نحوها يوم أحاط القروم القرشيون بالنبيّ عليه السلام ينذرونه وينكرونه وهو يقلب عينيه في وجوههم ويسأل عن النصير ولا نصير . . لو كان بعلي أن يرتاع في مقام نجدة أو مقام عزيمة لارتاع يومئذ بين أولئك الشيوخ الذين رفعتهم الوجاهة ورفعتهم آداب القبيلة البدوية إلى مقام الخشية والخشوع . ولكنّه كان عليّاً في تلك السن الباكرة كما كان عليّاً وهو في الخمسين أو الستّين . . فما تردّد وهم صامتون مستهزئون أن يصيح صيحة الواثق الغضوب : أنا نصيرك . . فضحكوا منه ضحك الجهل والاستكبار ، وعلم القدر وحده في تلك اللحظة أن تأييد ذلك الغلام أعظم وأقوم من حرب أولئك القروم . .

عليّ هذا هو الذي نام في فراش النبيّ ليلة الهجرة ، وقد علم ما تأتمر به مكّة كلّها من قتل الراقد على ذلك الفراش .

وعليّ هذا هو الذي تصدّى لعمرو بن ود مرّةً بعد مرّةً والنبيّ يجلسه ويحذّره العاقبة التي حذرها فرسان العرب من غير تحذير ، يقول النبي : اجلس . إنّه عمرو . فيقول : وإن كان عمراً . . كأنّه لا يعرف من يخاف ولا يعرف كيف يخاف ، ولا يعرف إلاّ الشجاعة التي هو ممتلئ بها واثق فيها في غير كلفة ولا اكتراث .

أن يعتصم المرء منه بثقة لا تنخذل ، وأنفة لا تلين . فمن شواهد هذه الثقة بنفسه انّه حملها من ميدان الشجاعة إلى ميدان العلم والرأي حين كان يقول : « اسألوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني في شيء فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدى مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ، ومناخ ركابها ومحطّ رحالها » .

ومن شواهدها أنّه كان يقول والخارجون عليه يرجمونه بالمروق : « ما أعرف أحداً من هذه الاُمّة عَبَدَ الله بعد نبيّنا غيري ، عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذا الاُمّة تسع سنين » .

وزاده اتهام من حوله معتصماً بالثقة بنفسه ، فلمّا عتب عليه خصماه طلحة والزبير أنه ترك مشورتهما قال : « نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتّبعته . وما استنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاقتديته . فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركما واخواني المسلمين ، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما . . . » .

ومن أقوال العقّاد الأخرى : كان مثلاً يخرج إلى مبارزيه حاسر الرأس ومبارزوه مقنّعون بالحديد . أفعجيب منه أن يخرج إليهم حاسر النفس وهم مقنّعون بالحيلة والرياء؟ وكان يغفل الخضاب أحياناً ويرسل الشيب ناصعاً وهو لا يحرم خضابه في غير ذلك من الأحيان . أفعجيب منه ، مع هذا ، أن يقل اكتراثه لكلّ خضاب ساتراً ما ستر ، أو كاشفاً ما كشف ، من رأي وخليقة؟

وعن صدقه وزهده فيقول العقاد : . . . فما استطاع أحد قطّ أن يحصي عليه كلمة خالف فيها الحقّ الصراح في سلمه وحربه ، وبين صحبه أو بين أعدائه ، ولعلّه كان أحوج إلى المصانعة بين النصراء ممّا كان بين الأعداء ، لأنّهم أرهقوه باللجاجة وأعنتوه بالخلاف . فما عدا معهم قول الصدق في شدّة ولا رخاء ، حتى قال فيه أقرب الناس إليه : إنّه رجل يعرف من الحرب شجاعتها ولكنّه لا يعرف خدعتها . وكان أبدا عند قوله : « علامة الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك ، على الكذب حيث ينفعك ، وألا يكون في حديثك فضل على علمك ، وأن تتّقي الله في حديث غيرك » .

وصدق في تقواه وإيمانه كما صدق في عمل يمينه ومقالة لسانه . فلم يعرف أحد من الخلفاء أزهد منه في لذّة دنيا أو سيب دولة ، وكان وهو أمير المؤمنين يأكل الشعير وتطحنه امرأته بيديها ، وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير فيقول : آ«لا أحبّ أن يدخل بطني ما لا أعلمآ» . . قال عمر بن عبد العزيز وهو من أسرة أميّة التي تبغض عليّاً وتخلق له السيّئات وتُخفي ما توافر له من الحسنات : آ«أزهد الناس في الدنيا عليّ بن أبي طالبآ» . وقال سفيان : « إنّ عليّاً لم يبن آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبةآ» وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفة إيثاراً للخصاص التي يسكنها الفقراء . وربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء والطعام . وروى النضر بن منصور عن عقبة بن علقمة قال : آ«دخلت على عليّ(عليه السلام) فإذا بين يديه لبن حامض آذتني حموضته وكسر يابسة . فقلت : يا أمير المؤمنين ، أتأكل مثل هذا؟ فقال لي : يا أبا الجنوب ، كان رسول الله يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا ـ وأشار إلى ثيابه ـ فإن لم آخذ بما أخذ به خفت ألا ألحق به » ..

. . . هذه صفات تنتظم في نسق موصول : رجل شجاع لأنّه قوي ، وصادق لأنّه شجاع ، وزاهد مستقيم لأنّه صادق ، ومثار للخلاف; لأنّ الصدق لا يدور بصاحبه مع الرضا والسخط والقبول والنفور ، وأصدق الشهادات لهذا الرجل الصادق أنّ الناس قد أثبتوا له في حياته أجمل صفاته المُثلى ، فلم يختلفوا على شيء منها إلاّ الذي اصطدم بالمطامع . . .

* عبد الفتاح عبد المقصود :

أجل لقد واجه أبو طالب دنياه فقيراً ، ومات عبد المطّلب عنه وهو بعد في نحو من السن لم يكن كدحه قد أفاء عليه من الخير ما يشتهيه . ولم يورثه أيضاً سيادة القوم لأنّه أوصى لآخر من بنيه هو الزبير . فلئن أقبلت الدنيا على هذا الفقير فحبته بمكرمة هي آية المكرمات فقد كان هذا من القدر غاية المرتجى عند ذي رجاء ...

... فإذا تمّ لأبي طالب الفقير المعسر بعض أمره في جوار كعبة الحرم ، فإنّ أمره هذا لجليل في عيون القوم لأنّه اكتسب أبلغ شرف بأشرف جوار في أقدس دار ، فكيف لو تمّ له أمره ذاك بغير سابق ترتيب منه ، بل بصدفة هي عند أولئك الناس منّة منّ الله وحظوة أراد أن يشرف بها ابن عبد المطّلب كما لم يشرف بمثلها قبله أو بعده من الرجال كثير ولا قليل؟

* * *

تلك ليلة فذة في الليالي ، أضاء نجمها على الدنيا مرّه ثمّ لم يقدر بعدها لضوئه أن يبزغ ثانية كمثل بزوغه لأنّ مثيلاتها لا تعود . ولكن ضياء أشدّ لمعاناً من نور النجم توهّج ، ثمّ سطع ، ثمّ فاض بنوره على الآفاق سيرة كوجه الشمس رفاقة الإشراق . . سيرة إن فاتها أن تنفرد وحدها بالمبنى الساحر فقليل سواها ضمّ ما كان لها من معنى قاهر ، بل أقلّ القليل ، بل الأندر منه . ولو أنّك استطعت أن تتحلّل من شباك الزمن وتنفض خيوطها عنك ، وسبحت عائداً إلى الماضي لرأيت ابنة أسد ـ فاطمة ـ تجول بالبيت الحرام تلتمس البركة ، لأنّها سيّدة تجمّعت فيها مزايا آلها الكرام وامتلأ ـ كمثلهم ـ قلبها طهراً . ثمّ لرأيتها تأتي الكعبة فتطوف بها مرّة فمرّات متمسّحة بأستارها آونة مقبّلتها أُخرى . ولكنّك لا تلبث حتّى تشهدها وقد أوشك أن يصيبها أعياء تكاد أن تنوء به ، وتنكر هي ـ بادئ الأمر ـ ما تحسّه ، ثمّ تمضي متجلّدة تستحثّ نفسها وتستنهضها . ولكنّها رغم هذا لا تقوى ، ولا تستطيع أن تقوم عودها . وإذا هي تتشبّث أصابعها بأستار الكعبة تستعين بها وقد أخذت تحسّ شيئاً غاب عن ذهنها ، وتقف مجهودة لا يستقرّ بها موطئ القدمين ، كمن على طرف كثيب رخو من الرمال . وتجيل فيما حولها عيناً حائرة لعلّها تبصر زوجها أبا طالب يسعى هنا أو هناك فتجد لديه عوناً على ما تلقى ، ولكنّها لا تراه لأنّ ما حضرها في هذه اللحظة غاب عن حسابه . .

ثمّ لعلّك تتبعها وقد خشيت هي أن تلقفها الأبصار المتطلّعة ممّن حضر من أناس كان دأبهم الاجتماع في أروقة البيت وفي أفنائه فإذا رأيتها قد انحازت ناحية ، ودلفت إلى أستار الكعبة فتوارت خلفها عن عيون القوم فكفاك ما شهدت . وقف منها على ملقط السمع دون مرمى العين لأنّها شاءت أن تتّخذ من الستر المقدّس ردءاً . واسمع بعد هذا حسيساً خافتاً يأتيك من لدنها . وأنيناً يحكمه الجلد واصطناع الاحتمال ، وصرخات مكتومة تكاد أن تضلّها الأذن كأنّها تأتي من مهوى سحيق بعيد القرار . ثمّ اسمع نبرة بكاء تخالط هذه الصرخات ، لها غير جرسها وغير رنتها ، رقيقة ، رنانة في غير حدّة ، كأنّها شدو طائر تفتّحت عيناه على شعاع فجر أسفر أو أوشك على اسفار . وقد يأخذك العجب ، وتملكك الدهشة ، ولكنّه عجب قصير أجله، ودهشة لن يطول بك مداها ما دامت فاطمة قد بدت ثانية لناظريك ، واهنة، وأشدّ ضعفاً ممّا رأيتها من قبل ، كسا وجهها الشحوب ومشت في أوصالها رجفة الاعياء ، وقد احتملت ـ مدثراً بستر الكعبة الشريف ـ وليدها بين صدرها وكفّيها .

* * *

تلك ولادة لم تكن قبل طفلها هذا الوليد ولم يحز فخرها بعده وليد أكرمه بها الله وأكرم اُمّه وأباه ، فكان تكريماً لفرعي هاشم الذي انحدر منه الطفل عن فاطمة وعن أبي طالب حفيدي الأصل الثابت الكريم .

وأقبل القوم ـ حين انتبهوا ـ يستبقون إلى السيّدة ، يعاونونها : ويأخذون بيدها ، ويملأون الأبصار بطلعة ذلك الذي كان بيت الله مولده ، وستر الكعبة ثوبه ، كأنّما أوسع له في الشرف باجتماعه في كلا المولد والمحتد وهم لو استطاعوا أن يسبقوا زمانهم كما تأخّرت أنت لرأوه أيضاً يجتمع له نفس هذا الشرف حين يقبل عليه الموت فيلقاه في بيت الله يهمّ أن يقوم بالصلاة . . .

أمّا فاطمة فقد أحبّت أن تحي في وليدها اسم أبيها فدعته بمعناه وان لم تدعه بلفظه ، وقالت لزوجها وهي تحاوره :

« هو حيدرة » .

وأمّا أبو طالب فقد كان أكثر توفيقاً حين اختار . رأى وليده قد علا شرفاً بمكان مولده كما علا من قبل بأصله الرفيع فقال :

« بل علي » .

وبدأت عند هذا حياة الرجل الذي ساير أخطر الأحداث في هذه الدنيا ، وعاشر أطهر الخلق وسيّد النبيّين ، واحتمل نصيبه من عبء كبير ألقاه الله على مختاره الأمين ، الذي خصّه بوحيه ورسالته الإلهية لهداية العالم .

وعاش عليّ عمره لغيره من المثل ومن الرجال ، فكان في صباه القريب المفتدي ، وفي شبابه الصديق المقتدي بالنبي الكريم ، وبين هذا وذاك من أطوار العمر وما جاء في أعقابها من فترات ، التزم غايات الكمال في الفِعال والخِلال ، فلمّا انطوى بعض أجله ، ومضى من الدنيا وعن هاديه ، كان المعقب له وقد ذهب العقب . وأجل من أخذ عنه فأجاد ، وركب جادته فما حاد .

* محمود أبو ريّه

عليٌّ أوّل من أسلم وتربّى في حجر النبي وعاش تحت كنفه من قبل البعثة وظلّ معه إلى أن انتقل النبيّ إلى الرفيق الأعلى ، لم يفارقه لا في سفر ولا في حضر ، وهو ابن عمّه وزوج ابنته فاطمة الزهراء ، شهد المشاهد كلّها سوى تبوك ، فقد استخلفه النبيّ(صلى الله عليه وآله) فيها على المدينة فقال : يا رسول الله ، أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟ » .

هذا الإمام الذي لا يكاد يضارعه أحد من الصحابة جميعاً في العلم . . .

ثمّ واصل أبورية حديثه تحت عنوان : غريبة توجب الحيرة :

من أغرب الأمور ، وممّا يدعو إلى الحيرة أنّهم لم يذكروا اسم عليّ(رضي الله عنه) فيمن عهد إليهم بجمع القرآن وكتابته ، لا في عهد أبي بكر ولا في عهد عثمان! ويذكرون غيره ممّن هم أقلّ منه درجة في العلم والفقه!

فهل كان عليّ لا يُحسن شيئاً من هذا الأمر ، أو كان من غير الموثوق بهم ، أو ممّن لا يصحّ استشارتهم أو إشراكهم في هذا الأمر؟!

اللّهم إنّ العقل والمنطق ليقضيان بأن يكون عليّ أوّل من يعهد إليه بهذا الأمر ، وأعظم من يشارك فيه ، وذلك بما أُتيح له من صفات ومزايا لم تتهيّأ لغيره من بين الصحابة جميعاً ، فقد ربّاه النبي(صلى الله عليه وآله) على عينه ، وعاش زمناً طويلا تحت كنفه ، وشهد الوحي من أوّل نزوله إلى يوم انقطاعه ، بحيث لم يند عنه آية من آياته!! فإذا لم يدع إلى هذا الأمر الخطير فإلى أيّ شيء يدعى؟!

وإذا كانوا قد انتحلوا معاذير ليسوغوا بها تخطيهم إيّاه في أمر خلافة أبي بكر ، فلم يسألوه عنها ولم يستشيروه فيها; فبأي شيء يعتذرون من عدم دعوته لأمر كتابة القرآن؟

فبماذا نعلّل ذلك؟ وبماذا يحكم القاضي العادل فيه؟

حقّاً إنّ الأمر لعجيب ، وما علينا إلاّ أن نقول كلمةً لا نملك غيرها وهي :

لك الله يا عليّ! ما أنصفوك في شيء!

* فتحي يكن في رحاب نهج البلاغة :

يصعب جدّاً الإحاطة بما تضمّنه كتاب نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ورضي الله عنه وأرضاه ، من موضوعات تتعلّق بمختلف شؤون الحياة ، سابرة أغوارها ، مستكشفة أبعادها ، مقدمة المواعظ والعبر والدروس والحكم النافعة الجليلة من خلالها .

سأتناول من (نهج البلاغة) سفراً من أسفاره ، وقبساً من قبساته ، والذي يلفت فيه ببلاغة العالم ، وعلم الرسالي ، وإحاطة الداعية ، وسرّ نجاح وفلاح الإمام حيث يقول : آ«من نصب نفسه للناس إماماً ، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه ، ومعلم نفسه ومهذّبها أحقّ بالإجلال من معلم الناس ومهذّبهمآ» .

إنّه سرّ نجاح الإمامة ، وخلفية تألّق الإمام . . . سواء كانت إمامة دعوة ، أو إمامة ولاية ، وسواء كانت إمامة صغرى أو كبرى . .

فسبب النجاح يبقى هو هو ، وسرّ الأثر لا يتبدّل ولا يتغيّر . . . إنّه تأكيد للسنّة الإلهية الثابتة الماضية : (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا ) تلكم هي (سنّة التغيير) التي تتجلّى في قوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) .

فمن يتصدّى للإمامة .. للقيادة .. للدعوة .. للرسالة .. للإمامة ... لابدّ وأن يكون تمكّن من إمامة نفسه ، وقيادة ذاته برسالة الإسلام ، كما لابدّ وأن يكون قد أحكم قياد حياته وفق أمر الله وأمر رسوله(صلى الله عليه وآله) . وهذا مناط قوله(عليه السلام) : « فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره » .

ومن يفعل ذلك يكن ماضياً وفق السنّة الإلهية . . ومن التزم السنن الإلهية لا يضلّ ولا يشقى ، وإنّما يبقى مسدّداً مهتدياً راشداً مسترشداً .

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأوّل ما يقضي عليه اجتهاده

 

فالذي يُطلّ على الناس بحال الإسلام غير الذي يطل عليهم بمقال الإسلام . . والذي يترجم الإسلام بأعماله غير الذي يترجمه بلسانه . . وهذا مناط قوله(رضي الله عنه) : « وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه » .

إنّ حالة الانفصام بين الادّعاء والواقع ، وبين القول والعمل ، وبين الشعار والمضمون حالة مرضية ومذمومة ، وقبيحة ومقبوحة ، ورذيلة ومرذولة ، ويجب أن لا ترى النور ضمن الدائرة الإسلامية التي تفرض التجانس والوئام بين النظرية والتطبيق; ليتحقّق الفوز والفلاح في الحياة الدنيا « ومعلّم نفسه ومهذّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومهذّبهم » . فضلا عن الفوز برضا الله تعالى ، وذلك هو الفوز العظيم .

من هنا كان الخطاب القرآني يتهدّد ويتوعّد أولئك المصابين بداء انفصام الشخصية فيقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَاللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ) .

* سليمان كتّاني

... آتياً إلينا من فضاء لا ينتهي اُفقه ، ولا ينتهي لألاؤه ، إنّه الإمام عليّ : اُنسوجة بكر ـ كأنّها أبداً ـ بكر .. سبحان الله ، وقد نسلَه من فسحات المعاني ، كأن الفضا ل ه à…ث àج نّما هي من أجل صفوات المباني ، شدّت إليه ليكون بها المثال ، في بنية الإنسان ، وكلّ مجتمعات الإنسان .

ولستُ أظنّ فضائله تُحصى برقم ، فهي الوسيعة ، والرفيعة ، والمديدة ... يوسعها الحجى ، ويرفعها الصدق ، ويمدّدها الجمال ... أما آفاقها ـ في نعيم انصباباتها ـ فهي الله ـ جلّ شأنه ـ في اتصافه الوجودي المطلق ، تمنطق بها الإمام عليّ ، من أجل أن يفسّر جلالات الرسالة النازلة سوراً في قرآن نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله) .. وكلّها لبناء مجتمعات الإنسان أكان هناك في الغرب أم هنا في الشرق ..

يا للإمام عليّ! كيف له أن يُدرَك في معانيه الأنيقة وفي مبانيه الوثيقة ... إنّ المعاني كلّها عند الإمام ، لا تزل تثير فينا المحجات ، وتوسّع لنا المسافات ، وتشدّد بنا الخطوات ...

السبت, 27 تموز/يوليو 2013 08:40

حَقّ وَلَدِكَ

23. وَ أَمّا حَقّ وَلَدِكَ فَتَعْلَمُ أَنّهُ مِنْكَ وَ مُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدّنْيَا بِخَيْرِهِ وَ شَرّهِ وَ أَنّكَ مَسْئُولٌ عَمّا وُلّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ وَ الدّلَالَةِ عَلَى رَبّهِ وَ الْمَعُونَةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ فِيكَ وَ فِي نَفْسِهِ فَمُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ وَ مُعَاقَبٌ فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ الْمُتَزَيّنِ بِحُسْنِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ فِي عَاجِلِ الدّنْيَا الْمُعَذّرِ إِلَى رَبّهِ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ بِحُسْنِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَ الْأَخْذِ لَهُ مِنْهُ وَ لا قُوّةَ إِلّا بِاللّهِ

السبت, 27 تموز/يوليو 2013 08:02

ليلة القدر في القرآن الكريم

بسم اللة الرحمن الرحيم

 

إِنَّآ انزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.

[1] عندما انهمر فيض الوحي على قلب الرسول صلى اللة علية وآلة في ليلة القدر في شهر رمضان، وتنـزلت ملائكة الرحمة و الروح بالقرآن، رسالة السلام، وبشير الرحمة، عندئذ خلد اللة هذة المناسبة المباركة التي عظمت في السماوت و الارض، وجعلها ليلة مباركة خيراً من ألف شهر .

إنها حقاً عيد الرحمة، فمن تعرض لها فقد حظى بأجر عظيم !! فقال اللة سبحانه: [إِنَّآ انزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ]

وكذلك قال ربنا سبحانه: [إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ] (الدخان/3-4)

كذلك نزل القرآن كلة على قلب الرسول في تلك الليلة، ثم نزل بصورة تدريجية طيلـة ثلاث و عشرين عاماً، لتأخذ موقعها من النفوس، وليكون

كتاب تغيير يبني الرسول بة أمة وحضارة، ومستقبلاً مشرقاً للإنسانية.

وكذلك قال ربنا سبحانه: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي اُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْانُ] (البقرة/185)

ومعروف أن القرآن تنـزل بصورتة المعهودة في أيام السنة جميعاً، فلة إذاً نزلة أخرى جملة واحدة .

والسؤال: لماذا سميت هذة الليلة بليلة القدر؟

يبدو أن أهم ما في هذة الليلة المباركة تقدير شؤون الخلائق، وقد استنبط اللفظ منه، فهي ليلة الأقدار المقدرة، كما قال ربنا: [فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ].

وقال بعضهم: بل لأنها ليلة جليلة القدر، قد أنزل اللة فيها كتاباً قديراً، ولأن الذي يحييها يكون عند اللة ذا قدر عظيم.

[2] من ذا الذي يستطيع أن يدرك أبعاد تلك الليلة التي باركها اللة لخلقة بالوحي، وجعلها زماناً لتقدير شؤون العالمين؟ من ذا الذي يدرك عظمة الوحي، وجلال الملائكة، ومعاني السلام الإلهي؟ إنها ليست فوق الإدراك بصورة مطلقة، ولكنها فوق استيعاب الإنسان لجميع أبعادها، وعلى الإنسان ألا يتصور أنة قد بلغ علم ليلة القدر بمجرد معرفة بعض أبعادها، بل يسعى ويسعى حتى يبلغ المزيد من معانيها، وكلما تقدم في معرفتها كلما استطاع الحصول على مغانم أكبر منها.

[وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ]

سبق القول من البعض: إن هذة الجملة وردت في القرآن لبيان أهمية الحقيقة التي تذكر بعدها.

بينما تترك الحقيقة مجملة إذا ذكرت عبارة وما يدريك .. هكذا قالوا، واعتقد أن كلتا الجملتين تفيدان تعظيم الحقيقة التي تذكر بعدها .

[3] كيف نعرف أهمية الزمان ؟ أليس عندما يختصر المسافة بيننا وبين أهدافنا، فاذا حصلت في يوم على ميلون دينار، وكنت تحصل علية خلال عام أليس هذا اليوم خير لك من عام كامل ؟ كذلك ليلة القدر تهب للإنسان الذي يعرف قدرها ما يساوي عمراً مديداً؛ ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر. وبتعبير أبلغ؛ ألف شهر.

[لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ]

أجل الواحد منا مسمى عند الله، وقد يكون قصيراً، قد لا يبلغ الواحد منا معشار أهدافة فيه، فهل يمكن تحدي هذا الواقع ؟ بلى؛ ولكن ليس بالصورة التي يتخيلها الكثير، حيث يتمنون تطويل عمرهم، وقليل هم الذين يحققون هذة الأمنية، لأن عوامل الوفاة عديدة وأكثرها خارج عن إرادة الإنسان. فما هو إذاً السبيل الى تمديد العمر؟ إنما بتعميقه، ومدى الانتفاع بكل لحظة لحظة منه. تصور لو كنت تملك قطعة صغيرة من الارض، ولا تستطيع توسيعها فكيف تصنع ؟ إنك سوف تبني طوابق فيها بعضها تحت الأرض وبعضها يضرب في الفضاء وقد تناطح السحب. كذلك عاش بعض الناس سنين معدودات في الأرض، ولكنهم صنعوا عبرها ما يعادل قروناً متطاولة؛ مثلاً عمر رسولنا الكريم صلى اللة علية وآلة لم يتجاوز الثلاث والستين، وأيام دعوتة ثلاث وعشرون عاماً منها، ولكنها أبعد أثراً من عمر نوح المديد، بل من سني الأنبياء جميعاً. وهكذا خص اللة أمتة بموهبة ليلة القدر، التي جعلها خيراً من ألف شهر، ليقدروا على تمديد أعمارهم في البعد الثالث (أي بعد العمق) ولعل الخبر المأثور عن رسول اللة صلى اللة علية وآلة يشير الى ذلك، فقد روي ان رسول اللة صلى اللة علية وآلة وسلم أري أعمار الأمم قبلة فكأنة تقاصر أعمار أمتة ألاّ يبلغوا من العمر مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاة اللة تعالى ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر . ([2])

وفي حديث آخر؛ أنة ذكر لرسول اللة رجل من بني إسرئيل أنة حمل السلاح على عاتقة في سبيل اللة ألف شهر، فعجب من ذلك رسول اللة عجباً شديداً، وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال: يارب! جعلت أمتي أقصر الناس أعماراً، وأقلها أعمالاً. فأعطاة اللة ليلة القدر، وقال: [لَيْلَة الْقَدْرِ خَيْر مِّن ألْفِ شَهْر] الذي حمل الإسرائيلي السلاح في سبيل اللة لك ولأمتك من بعدك الى يوم القيامة في كل رمضان. ([3])

إنك قد تحيي ليلة القدر بالطاعة فيكتب اللة اسمك في السعداء، ويحرم جسدك على نار جهنم أبداً، وذلك بما يوفقك لة من إصلاح الذات إصلاحاً شاملاً. من هنا جاء في الدعاء المأثور في ليالي شهر رمضان مجموعة من البصائر التي تتحول بتكرار تلاوتها الى أهداف وتطلعات يسعى نحوها المؤمن بجد ومثابرة، ويجتهد في طلبها من ربه.

"اللهم اعطني السعة في الرزق، والأمن في الوطن، وقرة العين في الأهل والمال والولد، والمقام في نعمك عندي، والصحة في الجسم، والقوة في البدن، والسلامة في الدين، واستعملني بطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى اللة علية وآلة أبداً ما استعمرتني، واجعلني من أوفر عبادك عندك نصيباً في كل خير أنزلتة وتنـزلة في شهر رمضان في ليلة القدر". ([4])

وهكذا ينبغي أن يكون هدفك في ليلة القدر تحقيق تحول جذري في نفسك، تحاسب نفسك بل تحاكمها أمام قاضي العقل، وتسجل ثغراتها السابقة، وانحرافاتها الراهنة، وتعقد العزم على تجاوز كل ذلك بالندم من إرتكاب الأخطاء، والعزم على تركها والالتجاء الى اللة ليغفر لك ما مضى ويوفقك فيما يأتي .

وقد جاء في تأويل هذة الآية: أنها نزلت في دولة الرسول التي كانت خيراً من دول الظالمين من بني أمية، حيث نقل الترمذي عن الحسن بن علي عليهما السلام: "أن رسول اللة صلى اللة علية وآلة أري بني أمية على منبرة فساءة ذلك، فنـزلت [إنَّا أعْطَيْنَاكَ الكَوْثَر] يعني نهراً في الجنة، ونزلت [إنَّا أنْزَلْنَا في لَيلة القَدْر وَمَا أدْرَاك مَا لَيْلة القَدْر * لَيْلَة القَدْر خَير مِّن ألْفِ شَهْر] يملكها بعدك بنو أمية"([5]) وكانت حكومة بني أمية ألف شهر لا تزيد ولا تنقص .

وهكذا فضيلة حكومة العدل وأثرها العظيم في مستقبل البشرية أكثر من ألف شهر من حكومة الجور .

لماذا أمست ليلة القدر خيراً من ألف شهر ؟ لأنها ملتقى أهل السماء بأهل الأرض، حيث يجددون ذكرى الوحي، ويستعرضون ما قدر اللة للناس في كل أمر.

[تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ]

والكلمة أصلها تتنـزّل، وصيغتها مضارع تدل على الاستمرار، فنستوحي منها؛ إن ليلة القدر لم تكن ليلة واحدة في الدهـر، وإنما هـي في كل عـام مرة واحدة، ولذلك أمرنا النبـي صلى اللة عليـة وآلـة بإحيائهـا .

فقد جاء في الأثر عن رسول اللة صلى اللة علية وآلة أنة لما حضر شهر رمضان - وذلك في ثلاث بقين من شعبان - قال لبلال: "ناد في الناس" فجمع الناس، ثم صعد المنبر، فحمد اللة وأثنى عليه، ثم قال: " أيها الناس؛ إن هذا الشهر قد خصكم اللة به، وحضركم، وهو سيد الشهور، ليلة فية خير من ألف شهر". ([6])

وروي عن الإمام أمير المؤمنين علية السلام أنة قال لابن العباس: "إن ليلة القدر في كل سنة وإنة ينـزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله. فقال ابن عباس من هم ؟ قال علية السلام: " أنا وأحد عشر من صلبي". ([7])

[وَالرُّوحُ]

ما هو الروح ؟ هل هو جبرائيل علية السلام أم هم أشراف الملائكة ؟ أم هم صنف أعلى منهم وهم من خلق الله، أم هو ملك عظيم يؤيد بة أنبياءة ؟

استفاد بعضهم من الآية التالية، أن الروح هو جبرئيل علية السلام، حيث قال [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ]. (الشعراء/193)

واستظهر البعض من الآية التالية، أن الروح هي الوحي، فإن الملائكة يهبطون في ليلة القدر بة قال اللة تعالى: [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا]. (الشورى/52)

وجاء في حديث شريف ما يدل على أن الروح أعظم من الملائكة، فقد روي عن الإمام الصادق علية السلام أنة سئل هل الروح جبرئيل علية السلام؟ فقال: جبرئيل من الملائكة، والروح أعظم من الملائكة، أليس أن اللة عز وجل يقول: [تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ وَالرُّوحُ]. ([8])

وقد قال ربنا سبحانه: [وأيَّدَة بِروح مِّنْهُ] مما يدل على أن الروح هو ما يؤيد اللة بة أنبياءة .

ويبدو أن الروح خلق نوراني عظيم الشأن عند الله، وأن اللة ليس يؤيد أنبياءة عليهم السلام بة فقط، وإنما حتى الملائكة ومنهم جبرائيل يؤيدهم به. وبهذا نجمع بين مختلف الاحتمالات والأدلة، واللة العالم .

[فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم]

عظيمة تلك الليلة التي تتنـزّل الملائكة فيها، وعظيمة لأن الأعظم منهم هو الروح يتنـزّل أيضاً، ولكن لا ينبغي أن نتوجة الى عظمة الروح بعيداً عن عظمة الخالق سبحانه، فإنهم عباد مكرمون، مخلوقون مربوبون، وليسوا أبداً بأنصاف آلهة، وليس لهم من الأمر أي شيء، ولذلك فإن تنـزّلهم ليس باختيارهم، وإنما بإذن ربهم.

[مِن كُلِّ أَمْرٍ]

قالوا: معناة لأجل كل أمر، أو بكل أمر. فالملائكة - حسب هذا التفسير- يأتون لتقدير كل أمر، ولكن أليس اللة قد قدر لكل أمر منذ خلق اللوح وأجرى علية القلم ؟ بلى؛ إذاً فما الذي تتنـزّل بة الملائكة في ليلة القدر؟ يبدو أن التقديرات الحكيمة قد تمت في شؤون الخلق، ولكن بقيت أمور لم تحسم وهي تقدر في كل ليلة قدر لأيام عام واحد، فيكون التقدير خاصاً ببعض جوانب الأمور، وليس كل جوانبها. بلـى؛ فالتقديرات جميع الأمور، ولكن من كل أمر جانباً. وهكذا يكون حرف "من" للتبعيض وهو معناة الأصلي، وهو أيضاً ما يستفاد من النصوص المأثورة في هذا الحقل.

سأل سليمان المروزي الإمام الرضا علية السلام وقال: ألا تخبرنـي عـن [ إنَّا أنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ القَدْر] في أي شيء نزلت؟ قال: "يا سليمان؛ ليلة القدر يقدر اللة عز وجل فيها ما يكون من السنة الى السنة، من حياة أو موت, أو خير أو شر أو رزق. فما قدرة اللة في تلك الليلة، فهو من المحتوم ". ([9])

وهكذا تختلف بصائر الوحي عن تصورات البشر، فبينما يزعم الإنسان أنة مجبور لا أثر لمشيئتة في حياتة يعطية الوحي قيمة سامية، حيث يجعلة قادراً على تغيير مجمل حياته؛ من سعادة وشقاء، وخير وشر، ونفع وضر.. كل ذلك بإذن الله، وعبر الدعاء الى اللة في ليلة القدر .

إن البشرية في ضلال بعيد عن حقيقة المشيئة، فهم بين من ظن أنة صاحب القرار، وقد فوض اللة الأمور إلية تفويضاً مطلقاً، فلا ثواب ولا عقاب ولا مسؤولية ولا أخلاق، وبين من زعم أنة مضطر تسوقة الأقدار بلا حرية منة ولا اختيار .

ولكن الحق هو أمر بين أمرين؛ فلا جبر لأننا نعلم يقيناً أن قرارنا يؤثر في حياتنا، أولست تأكل وتشرب وتروح وتأتي حسب مشيئتك وقرارك؟ وكذلك لا تفويض لأن هناك أشياء كثيرة لا صنع لنا فيها؛ كيف ولدت، وأين تموت، وماذا تفعل غداً، وكم حال القضاء بينك وبين ما كنت تتمناه، وكم حجزك القدر عن خططك التي عقدت العزمات على تطبيقها ؟

بلى؛ إن اللة منح الإنسان قدراً من المشيئة لكي يكون مصيرة بيده، إما الى الجنة وإما الى النار، ولكن ذلك لا يعني أنة سيدخل الجنة بقوتة الذاتية أو النار بأقدامه, وإنما اللة سبحانة هو الذي يدخلة الجنة بأفعالة الصالحة، أو يدخلة النار بأفعالة الطالحة.

إذاً فالإنسان يختار، ولكن اللة سبحانة هو الذي يحقق ما اختارة من سعادة وشقاء، وأن اللة لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وها هنا تتركز أهمية الدعاء وبالذات في ليلة القدر التي هي ربيع الدعاء، وقد تتغير حياة الإنسان في تلك الليلة تماماً، فكم يكون الإنسان محروماً وشقياً إن مرت علية هذة الليلة دون أن يستفيد منها شيئاً.

ويتساءل البعض: أليس هذا يعني الجبر بذاته؟ فإذا كانت ليلة تحدد مصير الإنسان فلماذا العزم والسعي والاجتهاد في سائر أيام السنة؟!

كلا؛ ليس هذا من الجبر في شيء، ونعرف ذلك جيداً إذا وعينا البصائر التالية:

البصيرة الأولى: يبدو أن التقدير في هذة الليلة لا يطال كل جوانب الحياة، فهناك ثلاثة أنواع من القضايا:

نوع قدر في ليلة واحدة في تاريخ الكون، فقد روي عن الإمام أمير المؤمنين علية السلام قال: "قال رسول اللة صلى اللة علية وآلة وسلم: أتدري ما معنى ليلة القدر ؟ فقلت: لا يا رسول اللة ! فقال: إن اللة تبارك وتعالى قدّر فيها ما هو كائن الى يوم القيامة، فكان فيما قدر عز وجل ولايتك وولاية الأئمة من ولدك الى يوم القيامة". ([10])

والنوع الثاني: تقديرات تتم في السنة التي يعيشها الإنسان.

بينما النوع الثالث: تبقى مفتوحة تخضع لمشيئة الإنسان وهي الفتنة. مثلاً؛ أن اللة يقدر للإنسان في ليلة القدر الثروة، أما كيف يتعامل الإنسان مع الثروة، هل ينفق منها أم يبخل بها ويطغى؟ فان ذلك يخضع لمشيئة الإنسان وبة يتم الابتلاء. كذلك يقدر اللة للإنسان المرض، أما صبر المريض أو جزعة فانة يتصل بإرادتة .

ومع ذلك؛ فإن للة البداء، إذ لا شيء يحتم على ربنا سبحانه، وقد قال سبحانه: [يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ اُمُّ الْكِتَابِ](الرعد/39) وقد جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق علية السلام قال: "إذا كانت ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة الى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون من قضاء اللة في تلك السنة، فإذا أراد اللة أن يقدم شيئاً أو يؤخره، أو ينقص أمر الملك أن يمحو ما شاء، ثم أثبت الذي أراد". قلت: وكل شيء هو عندة ومثبت في كتاب ؟ قال: "نعم". قلت فأي شيء يكون بعدة ؟ قال: "سبحان اللة ! ثم يحدث اللة أيضاً ما يشاء تبارك وتعالى". ([11])

هكذا تبقى كلمة اللة هي العليا، ومشيئتة هي النافذة، ولكن الاتكال على البداء، وتفويت فرصة ليلة القدر نوع من السذاجة، بل من السفة والخسران.

البصيرة الثانية: إن اللة يقدر لعبادة تبعاً لحكمتة البالغة ولقضائة العدل، فلا يقضي لمؤمن صالح متبتل ما يقدر لكافر طالح، وما ربك بظلام للعبيد. وهكذا يؤثر الإنسان في مصير نفسة بما فعلة خلال العام الماضي، وما يفعلة عند التقدير في ليلة القدر، وما يعلمة اللة من سوء اختيارة خلال السنة. مثلاً؛ يقدر اللة لطاغوت يعلم أن لا يتوب بالعذاب في هذة السنة لأنة سوف يظلم الناس خلالها، ولو افترضنا أنة وفق للتوبة ولم يظلم الناس خلالها، فإن للة البداء في أمره، ويمحو عنة السقوط ويمد في ملكه، وقد قال ربنا سبحانه: [إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ] (الرعد/11)

البصيرة الثالثة: إن الناس يزعمون أن هناك أحداثاً تجري عليهم، لا صنع لهم فيها كموت عزيز، والاصابة بمرض عضال، والابتلاء بسلطان جائر، أو بالتخلف، أو بالجفاف، ولكن الأمر ليس كذلك إذ أن حتى هذة الظواهر التي تبدو أنها خارج إطار مشيئة الإنسان إنما تقع بإذن اللة وتقديرة وقضائه، وأن اللة لا يقضي بشيء إلاّ حسبما تقتضية حكمتة وعدالته، ومن عدلة أن يكون قضاؤة وتقديرة حسب ما يكسبة العباد، أولم يقل ربنا سبحانه: [ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ] (الروم/41)

وإن في ذلك لكرامة بالغة لمشيئة الإنسان أن يجعل اللة تقديرة وفق قرار ما، أليس كذلك؟

[5] السلام كلمة مضيئة تغمر الفؤاد نوراً وبهجة، لأنها تتسع لما تصبو إلية النفس، وتتطلع نحوة الروح، ويبتغية العقل، فلا يكون الإنسان في سلام عندما يشكو من نقص في أعضاء بدنة، أو شروط معيشته، أو تطلعات روحه. فهل للمريض سلام، أم للمسكين عافية، أم للحسود أمن؟ كلا؛ إنما السلام يتحقق بتوافر الكثير الكثير من نعم اللة التي لو افتقرنا الى واحدة منها فقدنا السلام. أولم تعلم كم مليون نعمة تتزاحم على بدنك حتى يكون في عافية، وكم مليون نعمة تحيط بمجمل حياتك وتشكلان معا سلامتها. وليلة القدر ليلة السلام، حيث يقول ربنا سبحانه: [سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ].

حينما تنسب هذة الموهبة الإلهية الى الزمن نعرف أنها تستوعبة حتى لتكاد تفيض منه. فالليل السلام كل لحظاتة سلام لكل الأنام، كما اليـوم السعيد كلة هناء وفلاح، بينما اليوم النحس تتفجر النحوسة مـن أطرافـه.

فماذا يجري في ليلة القدر حتى تصبح سلاماً الى مطلع الفجر ؟

لا ريب أن اللة سبحانة يغفر في تلك الليلة لفئام من المستغفرين، وينقذهم - بذلك - من نار جهنم، وأي سلام أعظم من سلامة الإنسان من عواقب ذنوبة في الدنيا والآخرة .

من هنا يجتهد المؤمنون في هذة الليلة لبلوغ هذة الأمنية وهي العتق من نار جهنم، ويقولون بعد أن ينشروا المصحف أمامهم: " اللهم إني أسألك بكتابك المنـزل وما فيه، وفية اسمك الأكبر، وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى أن تجعلني من عتقائك من النار". ([12])

كذلك يقدر للإنسان العافية فيها، وإتمام نعم اللة عليه، وقد سأل أحدهم النبي صلى اللة علية وآله: أي شيء يطلبة من اللة في هذة الليلة فأجابة - حسب الرواية - " العافية". ([13])

وقد تدخل على فرد هذة الليلة وهو من الأشقياء فيخرج منها سعيداً، أوليست الليلة سلاماً؟ من هنا ينبغي للإنسان أن يدعو فيها بهذة الكلمات الشريفة:

اللهم امدد لي في عمري، وأوسع لي في رزقي، وأصح لي جسمي، وبلغني أملي، وإن كنت من الأشقياء فامحني من الأشقياء، واكتبني من السعداء، فإنك قلت في كتابك المنـزل على نبيك المرسل صلواتك علية وآله: [يَمْحُو اللة ما يَشَاء وَيُثَبِّت وَعِنْدَة أمّ الكِتَاب]. ([14])

وفي هذة الليلة يقدر اللة الرزق لعباده، وهو جزء من السلام والأمن، وعلى الإنسان أن يطلب منة سبحانة التوسعة في رزقه.

كما يقدر الأمن والعافية والصحة والذرية، وكلها من شروط السلام.

حقاً؛ إن المحروم هو الذي يحرم خيرها كما جاء في حديث مأثور عن فاطمة الزهراء عليها السلام أنها كانت تأمر أهلها بالاستعداد، لاستقبال ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان المبارك بأن يناموا في النهار لئلا يغلب عليهم النعاس ليلاً وتقول: " محروم من حرم خيرها ". ([15])

وقال البعض: إن معنى السلام في هذة الآية؛ أن الملائكة يسلمون فيها على المؤمنين والمتهجدين في المساجد، وأن بعضهم يسلم على البعض. وقيل: لأنهم يسلمون على إمام العصر علية السلام وهم يهبطون عليه.

ليلة القدر متى هي ؟

إذا كان القرآن قد نزل في شهر رمضان وفي ليلة القدر حسب آيتين في القرآن، فإن ليلة القدر تقع في هذا الشهر الكريم، ولكن متى ؟ جاء في بعض الاحاديث: "التمسوها في العشر الأواخر". ([16])

وروى عن الإمام الباقر علية السلام أنة قال في تفسير [إنَّا أنْزَلْنَاهُ في لَيْلَة مُبَارَكَة] قال: "نعم؛ ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينـزل القرآن إلا في ليلة القدر". ([17])

وجاء في حديث آخر تحديد واحدة من ليلتين؛ إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين. فقد روى أبو حمزة الثمالي، قال: كنت عند أبي عبد اللة الإمام الصادق علية السلام، فقال لة أبو بصير: جعلت فداك ! الليلة التـي يرجى فيها ما يرجى ؟ فقال: "في إحدى وعشرين أو ثـلاث وعشرين". قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال: "ما أيسر ليلتين فيما تطلب". قلت فربما رأينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى؟ قال: "ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها". قلت: جعلت فداك! ليلة ثلاث وعشرين ليلة الجهني؟([18]) فقال: "إن ذلك ليقال" ثم قال: "فاطلبها في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وصل في كل واحدة منهما مائة ركعة، واحيهما - إن استطعت - الى النور، واغتسل فيهما". قال: قلت فإن لم أقدر على ذلك وأنا قائم؟ قال: "فصل وأنت جالس". قال: قلت فإن لم استطع؟ قال: "فعلى فراشك، ولا عليك أن تكحل أول الليل بشيء من النوم. إن أبواب السماء تفتح في رمضان، وتصفد الشياطين، وتقبل أعمال المؤمنين. نعم الشهر رمضان كان يسمى على عهد رسولة الله: المرزوق". ([19])

وقد استفاضت أحاديث النبي وأهل بيتة في إحياء هاتين الليلتين، إلا أن حديثاً يروي عن رسول اللة يحددة في ليلة ثلاث وعشرين، حيث يرجى أن تكون هي ليلة القدر، حيث قال عبد اللة بن أنيس الانصاري المعروف بالجهني لرسول اللة صلى اللة علية وآله: إن منـزلي ناءٍ عن المدينة فمرني بليلة أدخل فيها، فأمرة بليلة ثلاث وعشرين. ([20])

ويبدو من بعض الأحاديث، أن ليلة القدر الحقيقية هي ليلة ثلاث وعشرين بينما ليلة التاسع عشر وواحد وعشرين هما وسيلتان إليها، من وفق للعبادة فيهما نشط في الثالثة، وكان أقرب الى رحمة اللة فيها.

هكذا روي عن الإمام الصادق علية السلام أنة قال لمن سألة عن ليلة القدر: "أطلبها في تسع عشر، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين". ([21])

وجاء في حديث آخر، أن لكل ليلة من هذة الثلاث فضيلة وقدراً، فقد روي عن الإمام الصادق علية السلام أنة قال: "التقدير في ليلة القدر تسعة عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين". ([22])

وجاء في علامات ليلة القدر: "أن تطيب ريحها، وإن كانت في برد دفئت، وإن كانت في حر بردت فطابت". ([23])

وعن النبي صلى اللة علية وآله: إنها ليلة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع". ([24])

نسأل اللة أن يوفقنا لهذة الليلة الكريمة ويقدر لنا السعادة فيها.

 

الهوامش

([1]) هذا الفصل مأخوذ من تفسير (من هدى القرآن) للمؤلف.

([2]) تفسير جامع الأحكام للقرطبي، ج20، ص133.

([3]) تفسير نور الثقلين، ج5، ص615.

([4]) كلمات من دعاء أبي حمزة الثمالي المأثور لأسحار شهر رمضان، انظر مفاتيح الجنان، ص196.

([5]) تفسير جامع الأحكام للقرطبي، ج20، ص133.

([6]) تفسير نور الثقلين، ج5، ص618.

([7]) المصدر، ص619.

([8]) تفسير نمونة، ج26، ص184 نقلاً عن تفسير البرهان، ج4، ص418.

([9]) تفسير نور الثقلين، ج5، ص630.

([10]) تفسير نور الثقلين، ج5، ص629.

([11]) تفسير نور الثقلين، ج5، ص631.

([12]) مفاتيح الجنان، ص225.

([13]) المصدر، ص226.

([14]) المصدر، ص235.

([15]) مفاتيح الجنان، ص236.

([16]) حسب رواية عن رسول اللة صلى اللة علية وآله، تفسير نور الثقلين، ج5، ص629.

([17]) تفسير نور الثقلين، ج5، ص625.

([18]) سوف نذكرة إن شاء الله.

([19]) نور الثقلين، ج5، ص625.

([20]) المصدر، ص626.

([21]) تفسير نور الثقلين، ج5، ص628.

([22]) المصدر، ص627.

([23]) المصدر، 623.

([24]) المصدر.

بقلم سماحة آية الله السيد محمد تقي المدرسي

السبت, 27 تموز/يوليو 2013 07:55

معنى اللعن ودليل جوازه

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا أبو القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

لدي عدد من الأسئلة أرجو الإجابة عليها بشكل موجز :

1- ماهو معنى اللعن ؟

2- متى يجوز اللعن ؟

3- ماهو الدليل على جوازه من القرآن الكريم ؟

4- ماهو دليل جوازه من سنة الرسول والمعصومين عليهم السلام ؟

هل يوجد دليل عقلي على جوازه ؟

وشكراً.

 

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن معنى اللعن هو : الدعاء على شخص أو اشخاص أن يبعدهم الله تعالى ويطردهم عن رحمته.

وهو جائز وثابت في الشريعة الاسلامية . والدليل على جوازه من القرآن الكريم آيات كثيرة , منها :

(1) قوله تعالى: (( إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافرينَ وَأَعَدَّ لَهمْ سَعيرًا )) (الاحزاب: 64).

(2) قوله تعالى: (( إنَّ الَّذينَ يؤْذونَ اللَّهَ وَرَسولَه لَعَنَهم اللَّه في الدّنْيَا وَالْآخرَة وَأَعَدَّ لَهمْ عَذَابًا مّهينًا )) (الاحزاب:57).

(3) قوله تعالى: ((...أَلاَ لَعْنَة اللّه عَلَى الظَّالمينَ )) (هود:18).

(4) قوله تعالى: ((...لَّعْنَة اللّه عَلَى الْكَاذبينَ )) (آل عمران:61).

(5) قوله تعالى: ((...أولَـئكَ يَلعَنهم اللّه وَيَلْعَنهم اللَّاعنونَ )) (البقرة:159).

ومن السنة الشريفة روايات كثيرة، منها:

(1) قوله (ص): (( لعنة الله على الراشي والمرتشي )) (مجمع الفائدة 12/49).

(2) قوله (ص): (( من أحدث في المدينة حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله )) (كتاب الأربعين للقمي الشيرازي 583).

(3) قوله (ص): (( إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه , فمن لم يفعل فعليه لعنة الله )) (الفصول المهمة في أصول الأئمة 1/522).

(4) قوله (ص): (( جهزوا جيش أسامة , لعن الله من تخلف عنه )) (الملل والنحل 1/23).

بالاضافة إلى هذا الدليل النقلي فقد قام الدليل على العقلي على جواز اللعن. فالعقل يحكم بصحة وجواز دعاء المظلوم على الظالم ـ بإبعاده عن رحمة الله ـ والغاصب والخائن والقاتل والكاذب وغيرهم. خصوصاً لمن يظلم آل البيت (عليهم السلام) ويغصب حقهم ويقتل شيعتهم ويخون في أمانة رسول الله (ص).

ودمتم في رعاية الله

زعمت الحكومة الصينية منذ سنة 2012 أن بعض مقاتلي "اليغور" من جينجيانغ يقاتلون مع المتمردين في سوريا ضد حكومة بشار الأسد. ففي 1 تموز/يوليو, قالت الصين إن مقاتلاً من "اليغور" درس في اسطنبول وقاتل مع ‘الجيش السوري الحر’ في حلب عاد إلى جينجيانغ وتم اعتقاله وهو يحاول تنفيذ "أعمال عنف" في الصين.

الصين ليست قلقة فقط من أن الحرب الأهلية في سوريا ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط, بل أيضاً من احتمال عودة مقاتلي "اليغور" الذين يحاربون في سوريا إلى الصين. إذ إن علاقاتهم مع المتطرفين العالميين في سوريا سوف تساهم في تدويل قضية جينجيانغ بين صفوف الجهاديين العالميين وتزود مقاتلي "اليغور" بمهارات قتالية جديدة بمقدورهم استخدامها في تنفيذ الهجمات في جينجيانغ.

تأتي التقارير الصينية حول مقاتلي "اليغور" العائدين من سوريا إلى جينجيانغ وسط موجة من العنف التي تجتاح جينجيانغ:

- في 7 آذار/مارس, قتل 5 أشخاص في معركة بين "اليغور" وصينيي "هان" في سوق مقبي في الحي التجاري "كورلا".

- في 9 آذار/مارس, قامت مجموعة من الرجال المجهولين بمهاجمة قسم للشرطة بقنبلة بترولية في هوتان.

- في 23 نيسان/إبريل, قتل 21 شخصاً في كاشغار بعد أن اكتشفت دورية أهلية مجموعة من "اليغور" وهم يصنعون المتفجرات.

- في 26 حزيران/يونيو, قتل حوالي 47 شخصاً في توربان عندما قامت مجموعة من "اليغور" مكونة من 15 شخصاً بمهاجمة قسم للشرطة ومبان أخرى بالخناجر والقنابل البترولية.

- في 28 حزيران/يونيو, في هوتان, قتل 18 شخصاً من "اليغور" بعد أن فضت الشرطة خطبة دينية في أحد المساجد واعتقلت الإمام, مما أدى إلى احتجاجات ضخمة في ساحة البلدة الرئيسية.

من الجدير بالذكر أن هجمات حزيران/يونيو في جينجيانغ قد سبقت الذكرى الرابعة لأحداث العنف الإثنية في عاصمة جينجيانغ, أورومكي, التي حصلت في 5 تموز/يوليو 2009, التي ذهب ضحيتها أكثر من 200 من اليغور وصينيي هان. وقد ساهمت أعمال الشغب هذه, التي دفعت الصين إلى قطع الاتصالات طيلة سنة تقريباً في جينغجيانغ, في وضع جينغجيانغ في دائرة الضوء الدولية, وخاصة بالنسبة إلى الإسلامويين شرق الأوسطيين والأتراك, المرتبطين إثنياً ولغوياً باليغور.

فبعد عدة أسابيع من أحداث 2009, قارن "الإخوان الإسلامويون" المصريون السياسات الصينية تجاه اليغور بسياسات حسني مبارك تجاه الإسلامويين في مصر, وقال رئيس الوزراء التركي تايب رجب إيردوغان إن الصين "ترتكب مجازر أشبه بالإبادة الجماعية" في جينجيانغ, كما هددت القاعدة في المغرب الإسلاموي باستهداف المصالح الصينية في شمال غرب أفريقيا.

في شهر آب/أغسطس 2009, نشرت القاعدة في العراق شريط فيديو تصف فيه "النظام الصيني" بنفس الطريقة التي تصف فيها القاعدة "النظام الصهيوني" في إسرائيل. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر 2009, نشر الجناح الإعلامي للقاعدة "السحاب" شريط فيديو لأبي يحيى الليبي يتكلم فيه عن جينجيانغ بصفتها "الجرح المَنسي" للعالم الإسلامي. لكن شريط القاعدة في العراق أظهر الدعم ﻠ "حزب تركستان الإسلاموي" الذي يقوده اليغور, والذي يعمل مع القاعدة, و "طالبان", و "حركة أوزبكستان الإسلاموية" في باكستان. وتزعم هذه الحركة أنها نفذت هجمات في أفغانستان, لكن هدفها هو استقلال "شرق تركستان" (جينجيانغ) وإقامة "خلافة إسلاموية" في آسيا الوسطى.

لكن زعيم الحركة, عبد الله منصور, لم يعلن مسؤوليته حتى الآن سوى عن هجوم 23 نيسان/إبريل في كاشغار, حيث صرحَ على شريط الفيديو, بلغة اليغور, أن "العملية الجهادية" جاءت رداً على "الشيوعيين الصينيين" الذين يقتلون ويسجنون المدرسين والباحثين الإسلامويين, و "هيمنة" الثقافة الصينية على اليغور, ومنع الحجاب الإسلامي للنساء واللحى للرجال.

في عدد آذار/مارس من "تركستان الإسلامية", التي تنشرها الحركة ويحررها منصور منذ سنة 2008, أعلنت "حركة أوزبكستان الإسلاموية" مسؤوليتها عن هجوم نفذه انتحاري على دراجة نارية في يتشنغ, جينجيانغ في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2012 أودى بحياة 21 من حراس الحدود. تبعد يتشنغ 150 ميلاً (241 كم) إلى الشمال من حدود جينجيانغ مع باكستان وكانت أيضاً موقعاً لهجوم وقع في شباط/فبراير 2012, حيث قامت مجموعة من اليغور بقتل حوالي 24 مدنياً في منطقة تجارية يتردد عليها صينيو الهان.

في سنة 2011, قدمت هذه الحركة أيضاً دليلاً مصوراً على مسؤوليتها عن هجوم حصل على صينيي الهان في أحد شوارع كاشغار في 30 تموز/يوليو 2011 أودى بحياة أكثر من 10 أشخاص وكان شبيهاً بالهجوم الذي وقع في يتشنغ في "يوم العيد الوطني" في سنة 2012.

أشارت الحركة إلى تورطها في النزاع السوري في مجلتها: "إذا كان للصين الحق في دعم الأسد في سوريا, فنحن لدينا الحق في دعم السوريين المسلمين." ولكن هناك دليل مصور واحد لوجود "مقاتل صيني" في سوريا. ويظهر هذا الشخص, الذي يبدو من اليغور من الناحية الإثنية, وهو يصلي بينما يقوم المتمردون بإصلاح صاروخ في شريط فيديو نشر على "يوتيوب" في شهر آذار/مارس من قبل المستخدم "جبهة النصرة".

ربما يكون هناك بعض المبالغة في التقديرات الصينية التي تقول إن 30- 100 من اليغور تلقوا التدريب العسكري في باكستان وذهبوا إلى تركيا للانضمام إلى المتمردين السوريين. ولكن هناك أكثر من 20,000 من اليغور في تركيا, كما أن منظمات اليغور الموجودة في تركيا (بما في ذلك "هيئة شرق تركستان للتعليم والتضامن", التي تزعم الصين أنها ترسل مقاتلي اليغور إلى سوريا) تقدم المساعدات الإنسانية للسوريين. ومن المرجح أن يكون بعض مقاتلي اليغور قد عبروا تركيا للقتال في سوريا.

بغض النظر عن العدد الكلي لليغور في سوريا, من غير المحتمل أن تكون هناك علاقة مباشرة لسوريين أو للحركة في أحداث جينجيانغ في سنة 2013. إذ يبدو أن العديد من الأحداث العنيفة في جينجيانغ تنشأ بشكل عفوي عن نزاعات حول قضايا محلية, مثل إزالة قرى اليغور التقليدية لإقامة مشاريع تنموية جديدة وتمييع الهوية اليغورية في جينجيانغ نتيجة لهجرة الهان الصينيين من شرق الصين.

ومع ذلك فإن دورَ أشرطة الفيديو الجهادية في إلهام المهاجمين وتشابه الهجمات, التي غالباً ما تظهر سيارات تصدم مدنيين من الهان, واحتجاجات تسبق الهجمات على أقسام الشرطة, وعمليات انتحارية باستخدام دراجات هوائية أو عربات, تشير إلى وجود تنسيق بين بعض المجموعات في جينجيانغ وبين هذه المجموعات و الحركة. ومن الجدير بالذكر أن سلسلة من أشرطة فيديو الحركة المنشورة في تموز/يوليو 2013 والتي تدعى "إرشادات عسكرية سريعة" تهدف إلى تدريب المشاهدين على استخدام الأسلحة, مثل مسدسات توكاريف وبنادق (أك- 47), ولكن لم تستخدم الأسلحة في الهجمات التي وقعت في جينجيانغ حتى الآن, ربما بسبب عدم قدرة المتطرفين على حيازتها.

بالإضافة إلى اليغور, هناك عدد من الأشخاص من آسيا الوسطى والقوقاز يقاتلون في سوريا:

- غالباً ما يرى المهربون بعض الأوزبكستانيين وهم يساعدون المتمردين على الدخول إلى سوريا من تركيا, كما أن أوزبكياً ترأس كتيبة إسلاموية في حلب في سنة 2012.

- قالت قرغيزستان في شهر نيسان/إبريل إن حوالي 15 شاباً من جنوب قرغيزستان, بما في ذلك قرغيزيون وأوزبكيون وطاجيك, قد سافروا إلى سوريا.

- هناك عدد غير معروف من المقاتلين الطاجيك في سوريا, مع أن عددهم يمكن أن يفوق عدد أي مجموعة مقاتلة من آسيا الوسطى. فقد قتل ثلاثة من الطاجيك في سوريا في شهر أيار/مايو.

- ذكرت كازخستان أنه تم القبض على 8 من مواطنيها في شهر حزيران/يونيو وهم يحاولون جمع الأموال للسفر إلى سوريا بهدف القتال إلى جانب المتمردين.

- وأخيراً, هناك حوالي 250 مواطناً روسياً في سوريا, بما في ذلك التتر المسلمون والشيشان, حيث قاد الشيشان "كتائب المهاجرين" في شمال سوريا التي قامت بتجنيد صيني من الهان اعتنق الإسلام, يوسف الصيني, ظهر في شريط فيديو على "يوتيوب" نشره المتمردون في شهر آذار/مارس 2013.

يقود التحليل السابق إلى ثلاث نتائج رئيسة:

أولاً: يبين وجود مقاتلي اليغور وآسيا الوسطى في سوريا أن قضية "المقاتلين الأجانب" في سوريا ليست قضية أوروبية فقط, كما يقال في الغالب, بل مسألة تؤثر على آسيا الوسطى ومناطق أخرى.

ثانياً: من المرجح أن تساهم أشرطة فيديو "حركة أوزبكستان الإسلاموية" ومقاتلو اليغور في سوريا في عولمة قضية اليغور بين صفوف الجهاديين العالميين وأن تدخلَ الإيديولوجيا الجهادية إلى اليغور في جينجيانغ.

ثالثاً: من المحتمل أن التقارير الصينية حول المقاتلين السوريين العائدين إلى جينجيانغ تهدف إلى إقناع الغرب بأن دعمه للمتمردين في سوريا, بالتنسيق مع الدعم الخليجي, سيقود إلى عواقبَ غير مقصودة, على خلاف التدخل العسكري الغربي في ليبيا.

مجلس الامن: لا حل عسكريا للازمة في سوريا

أكد مندوب فرنسا لدى مجلسِ الامن "جيرار ارو" خلال لقاء في نيويورك بين مندوبي الدولِ دائمة العضوية ووفد من المعارضة السورية، أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة السورية.

من جهته قال الوفد ان المحادثات تركزت حول التوجهات السياسية والعسكرية لائتلاف المعارضة.

وقال احد اعضاء الوفد ان الدول الكبرى حثت الائتلاف على ان يكون اكثر انفتاحا على خيارات الحل السياسي للازمة.

من جانبه اعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، ان اعضاء الوفد عبروا من حيث المبدأ عن نيتهم في المشاركة في المؤتمر الدولي حول سوريا، لكنهم طرحوا عدة شروط للموافقة على عقده.

وأضاف تشوركين أن اللقاء كان مفيدا، منوها بأن الجانب الروسي طلب مساعدة الائتلاف المعارض لتحرير المطرانين المختطفين منذ 3 أشهر، يوحنا ابراهيم رئيس طائفة السريان الأرثوذكس في حلب وتوابعها وبولس يازجي رئيس طائفة الروم الأرثوذكس في حلب وتوابعها.

وأفاد تشوركين بأن رئيس الائتلاف أحمد الجربا وعد بالمساعدة رغم تأكيده أن المطرانين اختطفا من قبل "أجانب" لا يخضعون (لما يسمى ب) الجيش السوري الحر.

السبت, 27 تموز/يوليو 2013 06:57

نموذج من أكاديمية الوهابيين

نموذج من أكاديمية الوهابيين

من بين سيل الكتب الكثيرة التي ينشرها الوهابيون ضدنا، لفت نظري كتاب في ثلاث مجلدات، اسمه (أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية عرض ونقد) اسم مؤلفه الدكتور ناصر بن عبد الله القفاري، الطبعة الثانية 1415 هـ - 1994 م. وقد كتبوا في أوله هذه العبارة: (أصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه من قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد أجيزت هذه الرسالة بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات). انتهى.

ويبدو أن هذه الرسالة كانت بحثاً صغيراً أعجب الدكاترة الوهابيين لقوته العلمية مثلاً، فأمدوا مؤلفها بعدد من المعاونين ومئات المصادر الشيعية، وبذلت هذه المجموعة جهودها حتى أكملت تأليف هذا الموسوعة (الموضوعية) عن عقائد الشيعة ومذهبهم.

وإنما حكمنا بأن الكتاب من تأليف مجموعة لأن قلمه متفاوت وفي بعض مقاطعه عجمة لا يمكن أن تكون من قلم سعودي قفاري.

على أن علينا أن نتعامل بالظاهر ونأمل من الكتاب خيراً لوفرة مصادره الشيعية، ولأن أصله كتب ونوقش من قبل دكاترة، فلا بد أن يتناسب مستواه مع مستوى الشهادة الجامعية. ويزداد أملنا خيراً عندما نقرأ من المؤلف بشائره التي بشر القارئ بها في مقدمته.

فقال في ج 1 ص 14 و 16:

(وإذا كان لا بد من إشارات في هذا التقديم فأقول: قد عمدت في بداية رحلتي مع الشيعة وكتبها ألا أنظر في المصادر الناقلة عنهم، وأن أتعامل مباشرة مع الكتاب الشيعي حتى لا يتوجه البحث وجهة أخرى. وحاولت جهد الطاقة أن أكون موضوعياً ضمن الإطار الذي يتطلبه موضوع له صلة وثيقة بالعقيدة كموضوعي هذا.. والموضوعية الصادقة أن تنقل من كتبهم بأمانة، وأن تختار المصادر المعتمدة عندهم، وأن تعدل في الحكم، وأن تحرص على الروايات الموثقة عندهم أو المستفيضة في مصادرهم ما أمكن).

(ثم إنني في عرضي لعقائدهم ألتزم النقل من مصادرهم المعتمدة، لكن لا أغفل في الغالب ما قالته المصادر الأخرى، ووضع الأمرين أمام القارئ مفيد جداً للموازنة... اكتنفت دراستي عدة صعوبات: أولها أن كتب الرواية عند الشيعة لا تحظى بفهرسة، وليس لها تنظيم معين، كما هو الحال في كتب أهل السنة، ولذلك فإن الأمر اقتضى مني قراءة طويلة لكتب حديثهم، حتى تصفحت البحار بكامل مجلداته، وأحياناً أقرأ الباب رواية رواية، وقرأت أصول الكافي، وتصفحت وسائل الشيعة، وكانت الروايات التي أحتاج إليها تبلغ المئات في كل مسألة في الغالب). انتهى.

حسناً، لقد وعدنا المؤلف أن ينقل آراء الشيعة من مصادرهم.. وقد قرأ كثيراً كثيراً منها.. فماذا قال في موضوعنا (التجسيم)؟

قال في ج 2 ص 527:

(الفصل الثالث: عقيدتهم في أسماء الله وصفاته.

للشيعة في هذا الفصل أربع ضلالات:

الضلالة الأولى: ضلالة الغلو في الإثبات، وما يسمى بالتجسيم.

الضلالة الثانية: تعطيلهم الحق جل شأنه من أسمائه وصفاته.

الضلالة الثالثة: وصف الأئمة بأسماء الله وصفاته.

الضلالة الرابعة: تحريف الآيات بدافع عقيدة التعطيل للأسماء والصفات.

وسأتوقف عند كل مسألة من هذه المسائل الأربع وأبين مذهب الشيعة فيها من خلال مصادرها إن شاء الله.

المبحث الأول: الغلو في الإثبات (التجسيم):

اشتهرت ضلالة التجسيم بين اليهود، ولكن أول من ابتدع ذلك بين المسلمين هم الروافض، ولهذا قال الرازي (؟): اليهود أكثرهم مشبهة، وكان بدء ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض مثل هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمي وأبي جعفر الأحول (1).

وكل هؤلاء الرجال المذكورين هم ممن تعدهم الإثنا عشرية في الطليعة من شيوخها، والثقات من نقلة مذهبها (2)...

وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيمية أول من تولى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال (وأول من عرف في الإسلام أنه قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم) (3).

وقبل ذلك يذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين أن أوائل الشيعة كانوا مجسمة، ثم بين مذاهبهم في التجسيم، ونقل بعض أقوالهم في ذلك، إلا أنه يقول بأنه قد عدل عنه قوم من متأخريهم إلى التعطيل (4).

وهذا يدل على أن اتجاه الإثني عشرية إلى التعطيل قد وقع في فترة مبكرة، وسيأتي ما قيل في تحديد ذلك (5).

وقد نقل أصحاب الفرق كلمات مغرقة في التشبيه والتجسيم منسوبة إلى هشام بن الحكم وأتباعه تقشعر من سماعها جلود المؤمنين. يقول عبد القاهر البغدادي: زعم هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق وأن طوله مثل عرضه... (6).

ويقول: إن هشام بن سالم الجواليقي مفرط في التجسيم والتشبيه لأنه زعم أن معبوده على صورة الإنسان... وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان (7).

وكذلك ذكر أن يونس بن عبدالرحمن القمي مفرط أيضا في باب التشبيه، وساق بعض أقواله في ذلك (8). وقال ابن حزم (قال هشام إن ربه سبعة أشبار بشبر نفسه) (9). انتهى.

وقال في هامشه: (1) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 97. (2) أنظر محسن الأمين / أعيان الشيعة: 1/106. (3) منهاج السنة: 1/20. (4) أنظر: مقالات الإسلاميين: 1/106 - 109. (5) في المبحث الثاني. (6) الفرق بين الفرق ص 65. (7) المصدر السابق: ص 68 69. (8) السابق ص 70. (9) الفصل: 5/40.

سبحان الله، لقد وعد المؤلف أن ينقل آراء الشيعة من مصادرهم، ولم يذكر في مصادره إلا أعيان الشيعة وقد رجعنا إلى المكان الذي ذكره فلم نجد

فيه شاهداً على كلامه! لقد صار معنى نقل آراء الشيعة من مصادرهم أن ينقلها من مصادر خصومهم المتحاملين عليهم، فما حدا مما بدا..؟!

أين مصادر الشيعة المعتمدة التي تنادي كلها بالتنزيه وتدين التشبيه، ومنها المصادر التي بين يدي المؤلف، وقد أدرج أسماءها في آخر كتابه.. وفيها على الأقل مئة باب ومسألة تنفي التشبيه والتجسيم بالآيات والأحاديث والبحوث الكلامية؟ فهل صدف نظر الدكتور عنها جميعاً؟!

أين أصول الكافي التي قال إنه قرأه وهو مجلدان، وفي المجلد الأول منهما كتاب التوحيد وأبوابه كما يلي:

كتاب التوحيد

باب حدوث العالم وإثبات المحدث

باب إطلاق القول بأنه شئ

باب أنه لا يعرف إلا به

باب أدنى المعرفة

باب المعبود

باب الكون والمكان

باب النسبة

باب النهي عن الكلام في الكيفية

باب في إبطال الرؤية

باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى

باب النهي عن الجسم والصورة

باب صفات الذات

باب آخر وهو من الباب الأول

باب الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل

باب حدوث الأسماء

باب معاني الأسماء واشتقاقها

باب آخر... الفرق ما بين المعاني التي تحت أسماء الله وأسماء المخلوقين

باب تأويل الصمد

باب الحركة والإنتقال

باب العرش والكرسي

باب الروح

باب جوامع التوحيد

باب النوادر. انتهى.

 

لقد رأى الدكتور كل ذلك! فقد كشف في الصفحات اللاحقة عن (سره) واعترف بأنه أغمض عينيه عمداً عن مصادر الشيعة لأن خصومهم أخبر منهم بعقائدهم وأصدق منهم!! قال في ص 531:

(وقد يقال إن ما سلف من أقوال عن هشام وأتباعه هي من نقل خصوم الشيعة فلا يكون حجة عليهم. ومع أن تلك النقول عن أولئك الضلال قد استفاضت من أصحاب المقالات على اختلاف اتجاهاتهم، وهم أصدق من الرافضة مقالاً وأوثق نقلاً، وهي تثبت أن الرافضة هم الأصل في إدخال هذه البدعة على المسلمين، لكن القول بأن نسبة التجسيم إليهم قد جاءت من الخصوم ولا شاهد عليها من كتب الشيعة قد يتوسمه من يقرأ إنكار المنكرين لذلك من الشيعة، وإلا فالواقع خلاف ذلك). انتهى.

ولم يبين لنا الدكتور الباحث أي واقع يقصده؟ هل هو واقع مصادرهم التي أغمض عينيه عنها، أم واقع الشيعة الذين هم حوله، ويمكنه أن يرفع التلفون ويتصل بعشرين من علمائهم وخمسين من عوامهم، من داخل المملكة السعودية وخارجها، من أي بلد إسلامي وأي قومية أراد؟!

وهكذا طار وعد الدكتور بنقل آراء الشيعة من مصادرهم، لأن معناه الواقعي عنده: نقل التهم الموجهة إليهم من خصومهم والحكم عليهم بها!

حسناً، لنا الله.. فلنطوِ هذه الصفحة، ولننظر إلى موضوعية دكتورنا في البحث والإستدلال التي يؤكد عليها فيقول في ج 1 ص 14: (وحاولت جهد الطاقة أن أكون موضوعياً ضمن الإطار الذي يتطلبه موضوع له صلة وثيقة بالعقيدة كموضوعي هذا...). ويقول في ج 1 ص 57: (فالمنهج العلمي والموضوعية توصي بأخذ آراء أصحاب الشأن فيما يخصهم أولاً). انتهى.

ونكتفي بذكر نموذج لموضوعية هذ الدكتور حيث يقول في ج 2 ص 535: (المبحث الثاني: التعطيل عندهم. بعد هذا الغلو في الإثبات بدأ تغير المذهب في أواخر المائة الثالثة حيث تأثر بمذهب المعتزلة في تعطيل الباري سبحانه من صفاته الثابتة له في الكتاب والسنة، وكثر الإتجاه إلى التعطيل عندهم في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي الملقب بالشريف المرتضى، وأبي جعفر الطوسي، واعتمدوا في ذلك على كتب المعتزلة (1). وكثيرا مما كتبوه في ذلك منقول عن المعتزلة نقل المسطرة، وكذلك ما يذكرونه في تفسير القرآن في آيات الصفات والقدر ونحو ذلك هو منقول من تفاسير المعتزلة (2). ولهذا لا يكاد القارئ لكتب متأخري الشيعة يلمس بينها وبين كتب المعتزلة في باب الأسماء والصفات فرقاً، فالعقل كما يزعمون هو عمدتهم فيها ذهبوا إليه والمسائل التي يقررها المعتزلة في هذا الباب أخذ بها شيوخ الشيعة المتأخرون كمسألة خلق القرآن، ونفي رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وإنكار الصفات. بل إن الشبهات التي يثيرها المعتزلة في هذا، هي الشبهات التي يثيرها شيوخ الشيعة المتأخرون.) انتهى.

وقال في هامشه: (1) منهاج السنة: 1/229. (2) المصدر السابق: 1/356.

وقال في ج 3 ص 537:

(كما وصفت مجموعة من رواياتهم رب العالمين بالصفات السلبية التي ضمنوها نفي الصفات الثابتة له سبحانه، فقد روى ابن بابويه أكثر من سبعين رواية تقول إنه تعالى (لا يوصف بزمان ولا مكان، ولا كيفية، ولا حركة، ولا انتقال، ولا بشيء من صفات الأجسام، وليس حساًّ ولا جسمانياً ولا صورة... (1). وشيوخهم ساروا على هذا النهج الضال من تعطيل الصفات الواردة في الكتاب والسنة ووصفه سبحانه بالسلوب). انتهى. وقال في هامشه: (1) التوحيد لابن بابويه ص 57.

وقال في ج 3 ص 536: (هذا والثابت عن علي رضي الله عنه وأئمة أهل البيت إثبات الصفات لله.. والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم. منهاج السنة: 2/44. انتهى. وهكذا أصدر الدكتور حكمه على الشيعة بأنهم كانوا مجسمة إلى حوالي القرن الرابع فصاروا معطلة ضالين لأنهم لا يصفون الله تعالى (بشئ من صفات الأجسام)!

ثم أصدر حكمه على الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، بأن مذهبهم موافق لمذهب الوهابيين في حمل الصفات على ظاهرها اللغوي الحسي ووصف الله تعالى بصفات الأجسام! وقد رأيت فيما تقدم أنه استدل على أن الشيعة مجسمة بأقوال خصوم الشيعة لأنهم بزعمه أصدق منهم! فبماذا استدل هنا على أن الشيعة معطلة؟! استدل بذكر أسماء علمائهم المتهمين ولم يذكر شيئاً من أقوالهم! فقد قال (وكثر الإتجاه إلى التعطيل عندهم في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي الملقب بالشريف المرتضى، وأبي جعفر الطوسي، واعتمدوا في ذلك على كتب المعتزلة). انتهى.

بالله عليك أيها الدكتور القفاري هل يمكننا الإستدلال على تهمة بسرد أسماء المتهمين؟ وهل يقبل ذلك منا الأساتذة المحترمون في حرم جامعي، بل هل يقبله بسطاء الناس من سكان البوادي والقفار؟! أما كان الواجب أن تنقل شيئاً من أقوال هؤلاء المتهمين ليرى القارئ تعطيلهم أو تجسيمهم، ولا يقول عنك إنك أصدرت حكماً بدون دليل وقفزت عن حيثياته وأبقيتها سراً مستسراً في قلبك؟!

ثم إن الشيخ المفيد أيها الدكتور توفي سنة 413 هـ وتلميذه الشريف المرتضى توفي سنة 436، وتلميذه الطوسي توفي سنة 460.. وإذا كان هؤلاء معطلة فكان اللازم أن يكون التعطيل بدأ عند الشيعة في المئة الخامسة لا الرابعة!

ثم إنك اعترفت أنك رأيت أحاديث الشيعة عن النبي وآله (صلى الله عليه وآله) في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق فقلت: (روى ابن بابويه أكثر من سبعين رواية تقول إنه تعالى لا يوصف بزمان ولا مكان... الخ.) انتهى.

وابن بابويه محمد بن الحسين الصدوق متوفى سنة 281 وبذلك صعد تاريخ التعطيل المدعى عند الشيعة إلى الحديث الشريف عن النبي (صلى الله عليه وآله)! فأين التجسيم الذي ادعيت أن الشيعة كانوا عليه إلى القرن الرابع أو الخامس، حتى ألف لهم المفيد والمرتضى والطوسي كتب التعطيل؟!

لقد حصحص الحق واعترف الدكتور الباحث بأنه رأى كتاب التوحيد للصدوق وأحاديثه الكثيرة عن النبي وآله (صلى الله عليه وآله) في التنزيه، وأن الشيعة لم يكونوا مجسمة ولا معطلة.. إلا عند المجسمة الذين يعدون التنزيه تعطيلاً! ويعدون من لا يصف الله تعالى بصفات الأجسام ضالاً ملحداً!!

إن أبسط حق للقارئ عليك أيها الدكتور أن تذكر له ولو رواية واحدة من هذه السبعين حتى يرى تعطيلهم المزعوم لوجود الله تعالى وإلحادهم به!! خاصة أنك اتهمت الشيعة بأنهم حرفوا كل هذه الروايات السبعين و (ضمنوها نفي الصفات الثابتة له سبحانه) أي لم يفسروا آيات الصفات بالظاهر الحسي كما يفعل الوهابيون؟!

ومن حق القارئ علينا هنا أن نوضح له معنى تهمة التعطيل التي جعلها القفاري والوهابيون عصا يضربون بها وجه من يخالفهم ولا يفسر صفات الله تعالى بالتفسير المادي الوهابي؟!

معناها أنك إذا فسرت (يد الله فوق أيديهم) بأن قدرته فوق قدرتهم، فأنت عندهم متأول معطل ملحد!

ولا تصير مؤمناً حتى تقول إن لله تعالى يداً حقيقية حسية!!

وإذا قلت: أنا لا أعلم معنى يد الله وعين الله وجنب الله في القرآن ولا أفسرها لا بالمعنى الحسي ولابغيره، بل أفوض معناها إلى الله تعالى ورسوله، فأنت أيضاً عندهم مفوض معطل ضال، حتى تفسرها بالمعنى المادي!!

فجميع المتأولين والمفوضين عندهم معطلون، لأنهم بزعمهم جعلوا الله تعالى وجوداً معطلاً عن الصفات والحس والكيف! وهم عندهم ملحدون، لأنهم بزعمهم ألحدوا في صفات الله المادية التي وردت في القرآن!! وبذلك يخرجون كل مذاهب المسلمين عن الإسلام، ولا يبقى مسلم إلا هم والمجسمة!!

وهكذا يرتكب الوهابيون كأجدادهم المجسمة إفراطا نحو المادية في تفسير وجود الله تعالى وصفاته بالحس، ويحكمون بضلال من خالفهم وكفرهم!!

ثم يرتكبون إفراطاً مادياً آخر في تحريمهم التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله) والأولياء وزيارة قبورهم ويعتبرونها شركاً، ويحكمون بضلال من خالفهم في ذلك وكفرهم!

والقاسم المشترك بين الإنحرافين أن أذهانهم مسكونة بالمادية، فهي لا ترى غيرها ولا تؤمن بغيرها.. ورحم الله أصحابهم الماديين الغربيين!!

بقي حكم الدكتور القفاري على أهل البيت (عليهم السلام) بأنهم كانوا مثله تيميين وهابيين، حيث اكتفى بالإستدلال على ذلك بقول ابن تيمية الذي لم يذكر عليه دليلاً! فقد نقل القفاري عن ابن تيمية قوله (والثابت عن علي رضي الله عنه وأئمة أهل البيت إثبات الصفات لله... والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم). وقد كرر ابن تيمية هذا الادعاء في كتبه ولم يأت عليه بدليل!

قال في مجموعة رسائله مجلد 1 جزء 3 ص 115:

(لكن الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم، فليس من أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد من كان ينكر الرؤية). انتهى.

ومن حق القارئ أن يطلب نموذجاً من هذا النقل المستفيض، الذي ادعاه ابن تيمية، ثم ادعاه به تلميذه الأكاديمي الدكتور القفاري! ولا بد أنه فتش عنه هو وفريقه فلم يجدوا منه حتى رواية واحدة، مع أنه حسب زعم إمامهم ابن تيمية (مستفيض في كتب أهل العلم) ولكنهم أصروا على دعواهم بدون بينة وعلى حكمهم بدون دليل!! وهكذا، طار وعد الدكتور بالموضوعية والأكاديمية، كما طار وعده سابقاً بالإستناد إلى مصادر الشيعة!

حسناً، لنا الله.. فلنطوِ هذه الصفحة ولننظر إلى وعد الدكتور الثالث بأن يكون أميناً فيما ينقل من مصادر الشيعة، حيث قال كما تقدم:

(والموضوعية الصادقة أن تنقل من كتبهم بأمانة، وأن تختار المصادر المعتمدة عندهم، وأن تعدل في الحكم، وأن تحرص على الروايات الموثقة عندهم أو المستفيضة في مصادرهم ما أمكن). انتهى. فلننظر كيف طبق كلامه في مسألة رؤية الله تعالى بالبصر..

قال في ج 2 ص 551:

(لقد ذهبت الشيعة الإمامية بحكم مجاراتهم للمعتزلة إلى نفي الرؤية وجاءت روايات عديدة ذكرها ابن بابويه في كتابه التوحيد وجمع أكثرها صاحب البحار تنفي ما جاءت به النصوص من رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة... فنفيهم لرؤية المؤمنين لربهم في الآخرة خروج عن مقتضى النصوص الشرعية، وهو أيضاً خروج عن مذهب أهل البيت، وقد اعترفت بعض رواياتهم بذلك، فقد روى ابن بابويه القمي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله قال: قلت له أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم (1).

وقال في هامشه: (1) ابن بابويه التوحيد ص 117، بحار الأنوار: 4 44، وانظر: رجال الكشي ص 450 (رقم 848). انتهى.

ويبدو الدكتور هنا أكاديمياً موضوعياً، لأنه يقول وجدت رواية في مصادر الشيعة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) تثبت أنه يعتقد برؤية الله تعالى بالعين يوم القيامة، بينما ينفي الشيعة إمكان الرؤية بالعين في الدنيا والآخرة وينسبون رأيهم إلى أهل البيت (عليهم السلام)! فكيف يدعون أنهم شيعة أهل البيت ويخالفون إمامهم جعفر الصادق؟!

ولكن دكتورنا لم يكن أميناً في نقله من مصادر الشيعة مع الأسف، فقد بتر النص وقطع منه جزءاً ناقصاً ليستدل به على ما يريد! فطارت بذلك (موضوعيته الصادقة) التي يدعيها وصارت (موضوعية) غربية مثلا ً!

وإليك أصل الرواية: قال الصدوق في كتابه (التوحيد) ص 117:

(.. عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال قلت له: أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت متى؟ قال: حين قال لهم: ألست بربكم قالوا بلى، ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقتك هذا؟ قال أبو بصير: فقلت له جعلت فداك فأحدث بهذا عنك؟ فقال: لا، فإنك إذا حدثت به فأنكر منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون.). انتهى.

فالرواية الشريفة تثبت الرؤية بالبصيرة والعقل، وتبين أنها حاصلة قبل الدنيا من يوم أخذ الله ميثاق ذرية آدم على ربوبيته وهي مستمرة في الدنيا، وفي الآخرة تكون أجلى وأوضح. وتنفي ادعاء الرؤية بالعين وتعتبرها تشبيهاً لله تعالى بخلقه وكفراً!! ومع ذلك أقدم الدكتور على قطع السطر الأول منها فقط إلى قوله (نعم) وحذف السطور التي بعده، لينسب بذلك رؤية الله تعالى بالعين إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)!!

لقد ارتكب هذا الدكتور ما لا يناسب مسلماً بقالاً، فضلاً عن دكتور من الدرجة الأولى في جامعة الإمام محمد بن سعود! وبعمله هذا طار الشرف الذي منحته الجامعة لرسالته فقالت (وقد أجيزت هذه الرسالة بمرتبة الشرف

الأولى، مع التوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات) ولو كنت رئيس كليته وارتكب عندي مثل هذه الخيانة العلمية لسحبت منه درجته ومنعت تعميم رسالته، ثم اعتذرت من الذين أساء إليهم وغرهم بشهادته.. حتى لا تسقط الجامعة عن الإعتبار العلمي.. ولكن أساتذة القفاري لا يفعلون لأن الأمر ليس بيدهم، بل قد تزداد مكانة القفاري عند شيوخه لأنه أجاد سب الشيعة وشتمهم، وألبس ذلك ثوباً جامعياً والحمد لله!

كنت أتصور عندما تصفحت كتاب القفاري لأول مرة أنه يستحق الإهتمام لأنه كتاب علمي، لكن بعد أن وقفت على هذه الفضيحة قررت أن لا أتعب نفسي بتدقيق بقية ما نقله من مصادرنا؟ لأن كذبة واحدة في كتاب تكفي شرعاً لإسقاطه عن الإعتبار.

نعم بقيت مسألتان من كتاب القفاري تتعلقان بموضوعنا بنحو وآخر:

المسألة الأولى: اتهامه إيانا بأنا أخذنا عقائدنا من اليهود والمجوس والوثنيات أو تأثرنا بها.. قال في ج 1 ص 87 تحت عنوان:

(المذهب الشيعي مباءة للعقائد الآسيوية القديمة: ويضيف البعض أن مذهب الشيعة كان مباءة ومستقراً للعقائد الآسيوية القديمة كالبوذية وغيرها. يقول الأستاذ أحمد أمين: وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول، ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس قبل الإسلام. ويشير بعض المستشرقين إلى تسرب الكثير من العقائد غير الإسلامية إلى الشيعة ويقول إن تلك العقائد انتقلت إليها من المجوسية والمانوية والبوذية، وغيرها من الديانات التي كانت سائدة في آسيا قبل ظهور الإسلام). انتهى.

ونلاحظ أن دكتورنا صار هنا عصرياً علمانياً، فقد اعتمد في اتهامه الشيعة على أحمد أمين المصري العلماني وعلى المستشرقين الموضوعيين! لأنهم ضد الشيعة!! وقد قلد القفاري في ترديد مقولات العلمانيين والغربيين عن الشيعة وهابي آخر فكتب كتاباً باسم (عون المعبود في إثبات أن الشيعة كاليهود)!

وجوابنا لهما: أن أحاديث كعب الأحبار وجماعته ما زالت ضاربة أطنابها ومستوطنة في مصادركم، لا في مصادرنا! وما زالت تطبع بأحسن الطبعات وتدرس في المعاهد والجامعات!! وأن كعباً وجماعته كانوا يسكنون في دور الخلافة لا في بيوت أهل البيت (عليهم السلام)! وقد تقدم شئ من ذلك في هذا الكتاب كما وثقناه في (العقائد الإسلامية) المجلد الثاني في بحث الرؤية، وفي كتاب (تدوين القرآن).

أما عن تأثر الشيعة بالمجوسية والعقائد الآسيوية، فإن المجوس صاروا سنيين أولاً، وألفوا للسنيين أهم مصادرهم وصحاحهم وعقائدهم وفقههم، بل أسسوا لهم مذاهبهم ونظروا لها، وبعد قرون طويلة صار أبناؤهم شيعة وساهموا في تأليف مصادرنا!!

فإن كان المسلمين الفرس متأثرين بعقائدهم المجوسية والآسيوية فقد نقلوها معهم إلى التسنن الذي صاروا أئمة مذاهبه وأئمة مصادره الى يومنا هذا!

وعندما صار أبناؤهم شيعة فالذي يمكن أن ينقلوه معهم إلى التشيع هو تأثرهم بالتسنن لا بالمجوسية، إلا أن يكون ضمن هذا التسنن تأثراتهم السابقة بالمجوسية!

كأن هذا الدكتور لا يعرف أن التشيع لا يضاهيه مذهب بعروبته! وأن مؤسسي مذهبه الذي يناقشنا به، ومؤلفي مصادره التي يحاجنا بها عجم من

قرونهم إلى أقدامهم.. إن تسعين بالمئة من أئمته أصحاب المصادر السنية هم من الفرس، (والأئمة) الذين يحتج بهم الوهابيون من مجسمة الحنابلة وواصفي الله تعالى بصفات الأجسام هم من اليهود أو الفرس؟!

وكأن هذا الدكتور لا يعرف أن عدداً من الذين يسبهم من علماء الشيعة الفرس هم أولاد أئمته الذين يقدسهم.. فالعلامة المجلسي الشيعي صاحب موسوعة (بحار الأنوار) المتوفى سنة 1111 هجرية هو من أولاد الحافظ أبي نعيم الإصفهاني السني المتوفى سنة 435 هجرية!

وأن ابن جزي، وابن خزيمة، والجويني، ومسلماً، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، وأبا داود، والحاكم، وأبا حنيفة، وعشرات الفرس بل مئاتهم، إنما صار أبناؤهم شيعة بعد قرون طويلة، وصار منهم علماء من علماء الشيعة!

فمن أولى بتهمة التأثر بالعقائد المجوسية والآسيوية أيها الدكتور الباحث، الأجداد السنيون وثقافتهم، أم الأبناء الشيعيون؟!

على أن الباحث العاقل المتزن لا يرسل أحكامه جزافاً، لأنه لا بد له أن يفحص الأفكار والعقائد واحدة واحدة، ويرى ما تملكه من دليل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، ودلالة العقل القطعية، فإن تم دليلها فلا يهمه أن يكون لها شبيه عند هؤلاء القوم أو أولئك، وفي هذا الدين أو ذاك، ولا يهمه أن يقبلها كل الناس أو يرفضوها ويهرجوا على من يتبناها... ورحم الله شاعرنا القائل:

نحن أتباع الدليل أينما مال نميل

والمسألة الثانية مع الدكتور القفاري: في معنى المصادر المعتمدة عندنا:

فالظاهر أن إخواننا الجامعيين ومنهم القفاري لم يعرفوا أن مفهومنا عن المصادر المعتمدة هو من مفاخر المذهب الشيعي في تبني حرية البحث العلمي.

قال القفاري في ج 1 ص 368:

(قال جعفر النجفي (ت 1227 هـ) شيخ الشيعة الإمامية ورئيس المذهب في زمنه، قال في كتابه كشف الغطاء عن مؤلفي الكتب الأربعة: والمحمدون الثلاثة كيف يعول في تحصيل العلم عليهم، وبعضهم يكذب رواية بعض.. ورواياتهم بعضها يضاد بعضها.. ثم إن كتبهم قد اشتملت على أخبار يقطع بكذبها كأخبار التجسيم والتشبيه وقدم العالم، وثبوت المكان والزمان.

ولكن أصحاب الكتب الأربعة نصوا في مقدماتهم بأنهم لا يذكرون إلا الصحيح، فيجيب صاحب كشف الغطاء عن ذلك بقوله: فلا بد من تخصيص ما ذكر في المقدمات أو تأويله على ضرب من المجازات أو الحمل على العدول عما فات حيث ذكروا في تضاعيف كتبهم خلاف ما ذكروه في أوائلها، أي أنهم عدلوا عن شرط الصحة الذي ذكروه في مقدمات كتبهم!

ثم يأتي الاعتراض الأكثر صعوبة وهو أن هذه الكتب الأربعة مأخوذة كما يقولون من أصول معروضة على الأئمة، وأصول الكافي كتب في عصر الغيبة الصغرى، وكان بالإمكان الوصول إلى حكم الإمام على أحاديثه، بل قالوا بأنه عرض على مهديهم فقال بأنه كاف لشيعتنا، كما أن صاحب من لا يحضره الفقيه أدرك من الغيبة الصغرى نيفا وعشرين سنة). انتهى.

ينبغي أن يعرف هؤلاء الأخوة أن معنى المصادر المعتمدة عندنا يختلف عن معناه عند إخواننا السنة، فروايات مصادرنا المعتمدة وفتاواها جميعاً عندنا قابلة للبحث العلمي والإجتهاد.

وأن المصدر (ما عدا كتاب الله تعالى) ليس قطعة واحدة إما أن نقبله كله أو نتركه كله، بل كل رواية فيه أو رأي أو فتوى، لها شخصيتها العلمية المستقلة.

أما السنيون فيرون أن مصادرهم المعتمدة فوق البحث العلمي، فصحيح البخاري برأيهم كتاب معصوم من الجلد إلى الجلد، بل هو عندهم أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، ورواياته قطعة واحدة، فإما أن تأخذها وتؤمن بها كلها، أو تتركها كلها! فبمجرد أن تحكم بضعف رواية واحدة من البخاري فإنك ضعفته كله... وصرت مخالفاً للبخاري ولأهل السنة والجماعة!

وينتج عن ذلك أن الباحث الشيعي يمكن أن يبحث جدياً في رواية من كتاب الكافي وغيره من المصادر المعتبرة عند الشيعة، ويتوصل إلى التوقف في سندها أو تضعيفه، فلا يفتي بها، ولا يضر ذلك بإيمانه وتشيعه.

بينما السني محرم عليه ذلك، وإن فعل فقد تصدر فيه فتاوى الخروج عن المذاهب السنية، وقد يتهم بالرفض ومعاداة الصحابة!

ولا بد أن يعرف الدكتور القفاري وأمثاله أن شهادة مؤلف الكتاب الحديثي بصحة كتابه، إنما هي اجتهاده الشخصي وهي حجة عليه وعلى مقلديه فقط.

ويبقى من حق المجتهد الآخر أن يبحث ويصحح ما صححه مؤلف أو يضعفه.

وقد يتأثر بالمؤلف وتصحيحاته أو تضعيفاته وقد لا يتأثر، والحجة الشرعية في النهاية بينه وبين الله تعالى هي اجتهاده، وليس اجتهاد صاحب الصحيح.

وليت القفاري التفت إلى الكلام العلمي الذي نقله عن المرحوم الشيخ جعفر الجناحي (كاشف الغطاء) عندما قال (والمحمدون الثلاثة كيف يعول في تحصيل العلم عليهم، وبعضهم يكذب رواية بعض.. ورواياتهم بعضها يضاد بعضها..).

فالشيخ الجناحي يقول لا يمكن للمجتهد أن يقلدهم ويقول حصل لي العلم بصحة الحديث من شهادة الكليني أو الصدوق أو الطوسي، لأن كلا منهم اجتهد فصحح أو ضعف، وبقي على المجتهد أن يجتهد في علم الفقه وفي الحديث والجرح والتعديل، ويصحح أو يضعف..

ونفس هذا الكلام يجب أن يقوله إخواننا السنة في صحاحهم ومصادر حديثهم، فقد اجتهد أصحابها وشهدوا بصحتها، والباحث فيها لا يحصل له العلم بصدور الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) من شهادة البخاري مثلاً، لأن فيه أحاديث متعارضة متضادة لا يمكن الجمع بينها لأن بعضها يكذب بعضاً، فلا بد للمجتهد أن يبحث بنفسه ويصحح أو يضعف.. والعوام في كل عصر يقلدون في تصحيح الأحاديث وتضعيفها علماء ذلك العصر من المجتهدين أهل الخبرة.. هذا هو الوضع الطبيعي لأتباع كل دين، وهذا هو المنهج العلمي السليم الذي يقره العقل والمنطق.. أما القول بأنه يجب على الأمة أن تقفل على نفسها باب الإجتهاد في تصحيح أحاديث نبيها إلى يوم القيامة، وتقلد مؤلفي ستة كتب أو خمسين كتاباً، فهو بدعة عباسية ومرسوم من مراسيمهم، لكن إخواننا ما زالوا يتمسكون به خوفاً على تجسيمهم وإسرائيلياتهم من فتح باب البحث العلمي والإجتهاد!

وإذا فتحوه أوجبوا تقلد الشيخ ناصر الألباني وحده لأنه وهابي!

إنهم أحرار إذا أرادوا الجمود على هذه الكتب أو تلك، ولكن نرجوهم أن لا يتصورا أصحاب الرأي الآخر بدوا لا يفهمون، ولا يتخيلوا أن الحرية العلمية التي يتبناها علماء الشيعة منقصة ومسبة، ودليل على بطلان مصادرهم وأحاديثهم، كما فعل هذا القفاري لعدم تأمله في معنى كلمات المجتهدين المتخصصين!!

أما اعتراضه الذي سماه (الإعتراض الأكثر صعوبة) لماذا دونت الكتب الأربعة عند الشيعة عن أصول رويت عن الأئمة ولم تدون عن الأئمة مباشرة؟ فهو يدل على قلة خبرته بتاريخ الحديث وتدوينه، فإن هذا الإشكال يتوجه إلى تدوين الصحاح الستة وغيرها من مصادر إخواننا، لأن أئمتهم منعوا تدوين الحديث أكثر من قرن من الزمان، ثم دونوا كتبهم من محفوظات الرواة المرضيين عند الدولة!

أما نحن فإن أئمتنا من أهل البيت (عليهم السلام) كانوا حاضرين بيننا إلى سنة 260 هجرية حيث غاب الإمام المهدي (عليه السلام)، فكانوا هم حجج الله على المسلمين بنص النبي (صلى الله عليه وآله) وكان الشيعة يرجعون إليهم في تصحيح الأحاديث وتلقي معالم دينهم، وكان الرواة والعلماء يكتبون عنهم من زمن علي (عليه السلام) إلى القرن الثالث، وبعد هذا التاريخ قام عدد من العلماء بجمع الأصول المكتوبة عنهم في موسوعات..

فكتبنا الأربعة وغيرها مأخوذة باليد عن أصحاب الأئمة(عليهم السلام)، وسند أئمتنا إلى جدهم صلى الله عليه وعليهم هو المسمى بسلسلة الذهب،

المقدسة عند جميع المسلمين، والتي قال عنها الإمام أحمد بن حنبل: (لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق من جنونه). قال في هامش مسند زيد بن علي ص 440:

(أورد صاحب كتاب تاريخ نيسابور أن علياًّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق لما دخل نيسابور كان في قبة مستورة على بغلة شهباء وقد شق بها السوق، فعرض له الإمامان الحافظان أبو زرعة وأبو مسلم الطوسي ومعهما من أهل العلم والحديث ما لا يحصى فقالا: يا أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمة، بحق آبائك الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلا ما أريتنا وجهك الميمون ورويت لنا حديثاً عن آبائك عن جدك أن نذكرك به.

فاستوقف غلمانه وأمر بكشف المظلة وأقر عيون الخلايق برؤية طلعته، وإذا له ذؤابتان معلقتان على عاتقه والناس قيام على طبقاتهم ينظرون ما بين باك وصارخ، ومتمرغ في التراب، ومقبل حافر بغلته وعلا الضجيج، فصاحت الأئمة الأعلام: معاشر الناس، أنصتوا واسمعوا ما ينفعكم ولا تؤذونا بصراخكم، وكان المستملي أبا زرعة ومحمد بن أسلم الطوسي، فقال علي الرضا رضي الله عنه: حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه شهيد كربلا عن أبيه علي المرتضى قال حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال حدثني جبريل (عليه السلام) قال حدثني رب العزة سبحانه وتعالى قال: لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي.

ثم أرخى الستر على المظلة وسار، قال فعد أهل المحابر وأهل الدواوين الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفاً.

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق من جنونه).!

 

مأخذ: الوهابیة و التوحید، الشیخ علی الکورانی العاملی.