Super User

Super User

الإثنين, 07 كانون2/يناير 2013 07:32

الأخلاق من وجهة نظر الإمام الخامنئي

"إن الركيزة الرئيسية للمجتمع هي نموذجه الأخلاقي الذي يتشكل كل شيء علی أساسه" الإمام الخامنئي 05/05/2009

المجتمع الذي تشيع فيه الأخلاق الحسنة، و يتمتع فيه الناس بالأخلاق الطيبة كالتجاوز عن المسيئ و الأخوة و الإحسان و العدل و العلم وطلب الحق و الإنصاف و لا تنتشر بين أبنائه الصفات الرذيلة، سيعيش مثل هؤلاء الناس حياة الجنان.

الهوية الحقيقية للمجتمع هي هويته الأخلاقية. أي إن الركيزة الرئيسية للمجتمع هي نموذجه الأخلاقي الذي يتشكل كل شيء علی أساسه. إذا فرغ الشعب إو البلد من المبادئ الأخلاقية و المعنوية فقد خسر هويته الحقيقية.

تم توضيح و تفصيل الأخلاق و المكارم الأخلاقية في الشرع الإسلامي المقدس، سواء تلك الأمور المتعلقة بالإنسان نفسه - كالصبر و الشكر و الإخلاص و القناعة - أو الأمور ذات الصلة بعلاقة الناس فيما بينهم - كالتجاوز و التواضع و الإيثار و تكريم البشر - أو الأمور المتصلة بكل المجتمع الإسلامي. للأخلاق الإسلامية مديات واسعة جداً.

إنها الأمور التي انصبت عليها معظم جهود كل الأنبياء و الأولياء و الأديان الإلهية الكبری و جهود نبي الإسلام الأكرم و الأئمة و الشخصيات الكبری في الإسلام. و الحقيقة أن أحد الحدود الفاصلة بين الإسلام و الجاهلية هي مسألة الأخلاق.

أسباب فساد الأخلاق :

كل الانحرافات التي تحصل في المجتمع تعود جذورها و أصولها إلی أخلاقنا، فالخصائص والخصال الأخلاقية للبشر هي التي ترسم أعمالهم و توجهها. إذا كنا نشاهد اعوجاجات سلوكية في أحد المجتمعات أو علی مستوی العالم فيجب البحث عن جذور ذلك في الأخلاق الذميمة. و نحن نلاحظ علی مستوی‌ العالم أن غالبية الفجائع التي تنزل ببني البشر ناجمة عن الأخلاق السيئة و المفاسد الموجودة في أخلاق بعض الأفراد. طبعاً لا ننسی الأسباب السياسية و الاقتصادية. و لكن إذا بحثنا و دققنا في جذور كل هذه الأمور لوجدنا عنصر سوء الأخلاق فيها.

مشكلات البشرية اليوم ناتجة عن حالات الطغيان السياسي في العالم و الطغيان يرجع إلی المشكلة الأخلاقية، كما أن مشكلات عموم الناس تعود إلی جهلهم غالباً. إذا كان ثمة‌ اليوم في العالم ظلم و هيمنة، و الحضارة الغربية العنيفة تملأ العالم بأجواء العنف و الظلم و العسف و الباطل و هيمنة القوی الكبری‌ علی الشعوب و نهب أموالهم من قبل الأقطاب العالمية فما هذا إلا بسبب عزلة المعنوية و الأخلاق الإنسانية. حينما تكون المعنوية‌ و الأخلاق والفضيلة معزولة فسيتغلب الشر و الفساد و تعظم قيمة المال و القوة و لن يلاحظ أصحاب السلطة و الثروة أي مانع للوصول إلی أهدافهم و سيصبح العالم كما ترونه اليوم.

هناك في الديمقراطيات الغربية صلاحيات معينة تراعی فيها غالباً الانتماءات الحزبية. و في نظام الجمهورية‌ الإسلامية لا بد من الكفاءة الأخلاقية و العقيدية إلی جانب العلم و الكفاءة السياسية. لا يقول البعض إن الأخلاق و العقيدة قضية شخصية. نعم، الأخلاق و العقيدة قضية شخصية إلا أن العقيدة و الأخلاق بالنسبة للمسؤول ليست قضية شخصية بل هي قضية اجتماعية عامة لأنه يتحكم في مصير الآخرين. مثل هذا الشخص يحتاج فضلاً عن الكفاءة الذاتية و العلم و المعرفة الذاتية إلی شجاعة أخلاقية و تقوی دينية و سياسية و عقيدة سليمة. قضية الأخلاق مهمة جداً. لذلك لا يمكن للنظام الإسلامي أن لا يكترث لثقافة شعبه و أخلاقهم.

النظام الإسلامي ليس نظاماً يحصر تفكيره في الاحتفاظ بالسلطة و لا يأبه لسلوكيات جماهيره حتی لو وقعوا في هاوية أخلاقية. النظام الإسلامي يعاني من الأمور التي تتسبب في انحراف الناس و ضلالهم. هذا هو منهج الرسول الكريم و يجب علی‌ النظام الإسلامي أن يسير علی نفس المنهج. ليس بوسع النظام الإسلامي أن لا يبالي لآلآم الناس المعنوية و الجسمية و ضلالاتهم الفكرية و القلبية. و أخلاقنا يجب أن تكون مطابقة لما نقوله و ندعو إليه. إذا كانت خطواتنا ثابتة في الطرق التي نؤمن بها و ندعو إليها و نثبت عملياً أن كلامنا يؤثر في البيئة التي ينتشر فيها عندئذ لن تكون هناك حاجة للإصرار و الضغط و القوة، إنما جاذبية العمل نفسها ستدفع الآخرين للانسجام معه و مواكبته و التناغم معه. طبعاً في التحول الاجتماعي فإن الشيء الذي يصلح و يتغيّر متأخراً علی كل الأشياء الأخری‌ هو الأخلاق. و الأخلاق هنا ليست بمعنی‌ السلوك. طبعاً سلوك الأفراد مع بعضهم و الذي يسميه العرفاء بـ « الأخلاق » هو أيضاً يتغيّر متأخراً بيد أن مرادنا ليس هذا. الشيء الذي يتغير عقب كل الأشياء الأخری هو أخلاق البشر سواء الأخلاق الفردية أو الأخلاق الجمعية، حيث للمجتمعات الإنسانية في العالم أخلاق متفاوتة و قد يعرف قوم بالعصبية و قوم بالركون للراحة و الدعة و... هذه تتغير متأخرة جداً. إذا كان ثمة شيء سلبي أو أخلاق ذميمة من هذا القبيل لدی قوم فإنها بطيئة التغيير جداً.

الشباب والتحول الأخلاقي:

لحسن الحظ فإن شعبنا و خصوصاً شبابنا تقدموا كثيراً علی الصعيد المعنوي خلال هذه الأعوام الأخيرة. إلا أن التحول الأخلاقي ليس هذا و حسب. ربما أمكن القول إن التحول الأخلاقي للشعب أصعب و لذلك فإن المخاطب الأول و المسؤول الأول في مسألة التحول الأخلاقي هم الشباب الذين يستطيعون إنجاز المهام بسهولة أكبر.

قلوب الشباب نورانية و فطرتهم سليمة نظيفة. تلوثهم بزخارف الدنيا و أدرانها و تقيدهم بأغلال ثقيلة من قبيل حب المال و الجاه و السلطة أقل بكثير، و بذا فالتحول الأخلاقي لدی الشباب أسهل. طبعاً يجب أن لا ييأس الكهول من التحول الأخلاقي في أنفسهم.

التحول الأخلاقي معناه أن يترك الإنسان كل رذيلة أخلاقية و كل الأخلاق الذميمة و كل الطباع السيئة و القبيحة التي تؤذي الآخرين أو تؤدي إلی تخلف الشخص نفسه، و يحلي نفسه بالفضائل و الخصال الأخلاقية الحسنة.

في المجتمع الذي يخلو من الحقد و سوء النية إذا كان لدی البعض أفكار جيدة فلن يستخدموها للتآمر علی الآخرين و غشهم و خداعهم، و إذا كان لدی البعض ثقافة و معلومات فلن يستخدموها في سبيل الإضرار بالناس و مساعدة أعداء الشعب، إنما سيريد كل أفراد المجتمع الخير لبعضهم فلا يحقدون علی بعض و لا يحسدون بعض و لا يشيدون صرح حياتهم علی حساب حياة الآخرين و لا ينشدون الاستحواذ علی‌ كل شيء. هذا هو التحول الأخلاقي و الحد الأدنی للمسألة.

لذلك كان الأساس في الثورة الإسلامية في إيران هو صناعة الإنسان و صناعة الإنسان هي بالدرجة الأولی إصلاح الروح و بناؤها. سكينة الإنسان تنجم عن الروح و الأخلاق التي ينبغي أن تستمد و تنبع من الدين. هذه هي صناعة الإنسان التي تغيّتها بالدرجة الأولی‌ كل الثورات الإلهية و بعثة الأنبياء. فالإنسان إذا تغيّر تغيّر العالم.

الأحد, 06 كانون2/يناير 2013 12:14

سيرة جناب "عائشة"

هي السيدة عائشة بنت الخليفة الاول ابي بكر بن ابي قحافة،الذي ينحدر من سلالة عامر بن كعب من بطن (تيم) و من قبيلة قريش. واُمها كانت تدعى ام رومان بنت عامر وكنيتها ام عبدالله. وقد وُلدت السيدة عائشة خمس سنوات بعد البعثة النبوية الشريفة في مكة المكرمة. وما ان رحلت السيدة خديجة اكثر زوجات الرسول وفاء،(حوالي عامين قبل الهجرة)، عقد الرسول الاكرم قرانه مع الآنسة عائشة، وظلت في ذمته عاما ونصف العام بعد الهجرة. الى ان طلب ابوها ابي بكر من النبي الاعظم(ص) ان يصطحبها الى داره وكان ذلك في شهر شوال بعيد غزوة بدر. ومكثت مع الرسول في حياة زوجية مشتركةاستمرت لثماني سنوات وخمسة اشهر.

• عائشة في بيت النبي(ص):

كباقي النساء كانت السيدة عائشة لاتحتمل تواصل النبي الاكرم مع أي امرأة اخرى، او ان يُكّنَ لها الود والاحترام. فقد كانت تُبرز مشاعرها وحساسياتها ازاء كل ذلك امام النبي(ص)، كما كانت تدافع دفاعا قويا عن الرسول الاكرم(ص)، وتتحرى اخباره اذا غاب عنها في اليوم أوالليلة. حتى عندما كان الرسول يذهب الى دور العبادة في بعض الليالي والايام، كانت تبرز مشاعرها تجاهه وتتحرى اخباره. حتى انها في ذكرياتها تتطرق الى تحرياتها عن الرسول الاكرم(ص) واليكم جانبا منها:-

- ذات ليلة شعرتُ ان النبي الاكرم(ص) لم يكن في فراشه، فساورتني الوساوس والاوهام، حتى ظننتُ انه قد ذهب الى احدى زوجاته الاخريات، فقمتُ وبدأتُ بالبحث عنه، حتى وجدته في باحة المسجد ساجدا لله(1).-

- ذات ليلة لما عرفتُ ان الرسول الاعظم لم يكن في فراشه، قلت في نفسي لاشك انه قد غادر الى واحدة من ازواجه، فحاولت التنصت على أي حركة، وبحثت عنه، حتى وجدته راكعا في محرابه(2). -

- ذات ليلة كان النبي(ص)في منزلي. فخلع عباءته ووضعها جانبا، ثم خلع خفَيه، ووضعهما الى جانب فراشه، ثم سحب إزاره على نفسه وغطى نفسه به، وبقي على هذه الحال لفترة، حتى ظن اني قد غلب عليَّ النوم. ثم قام وحمل عباءته بكل هدوء، وانتعل خفيه ثانية، وفتح الباب وخرج من الدار واغلق الباب بهدوء. فما كانت الا لحظات حتى انتفظت من مكاني وارتديت ملابسي، واتبعته بسرعة خارج الدار، حتى وجدته يدخل مقبرة جنة البقيع الغرقد. ثم وقف طويلا هناك، وشاهدته يرفع يديه ثلاثه مرات الى السماء، ثم عاد وعُدتُ قبله، فكلما كان يُسرع في العودة، كنتُ اسبقه بذلك حتى انه(ص) اخذيهرول، فهرولت قبله، حتى تمكنتُ من الدخول الى الدار قبله، واستلقيتُ في الفراش وكأني لم اتركه، لكنَّ انفاسي كانت متسارعة، فلمادخل رسول الله وشاهدني في تلك الحالة، سألني قائلا:لماذا تتنفسين بهذه السرعة يا عائشة؟فأجبته، لاشيئ يا رسول الله،فرد علي، تقولين، او ان الله العالم بالاسرار يخبرني بالأمر؟فقلت له بأبي انت وأمي، الأمر كذا وكذا... فقال، إذا تلك السوادة التي كنت اراها امامي، هي أنت؟فقلت: نعم، ثم ربت على ظهري بشكل شعرت بأنها ضربة موجعة، ثم قال لي: ظننتِ ان الله ورسول يظلموك؟(3)-

- كما ان السيدة عائشة تروي قصة اخرى وتقول: ان رسول الله(ص) خرج من عندي، فثارت حفيظتي وجاشت مشاعري، وتغيرت احوالي، حتى تأثرتُ كثيرا، وما ان عاد النبي الى الدار، حتى شاهدني في تلك الحالة ....

- فقال:- يا عائشة ما بك؟ وهل عاودت الغيرة والقلق؟-

- فقلت له وهل يمكن لمثلي ان لاتغار عليك ولا تحسد الاخريات من مصاحبتك؟-

- فأجابني وهل غلبَت عليكِ شياطينِك ثانية؟(4)•

 

• عائشة وباقي ازواج النبي(ص):

ذات يوم كان الرسول الاعظم في دار السيدة عائشة، حتى أن ام سلمة بعثت له إناء فيه شيئ من الطعام، فما كان من عائشة التي كانت مرتدية عباءتها، الا ان تناولت حجارة وضربتها بذلك الاناء ليتهشم. فلما شاهد النبي تلك الحركة التي صدرت من عائشة، أحضر إناء آخر يشبه ذلك الإناء وبعثه الى ام سلمة(5). وقد تكرر الموقف مع السيدة حفصة بفارق ضئيل في التفاصيل.(6)

- وعن الطعام الذي ارسلته السيدة صفية للنبي الأكرم(ص) تقول عائشة: ما ان وصلت الوصيفة الحاملة للغذاء ارتعدت فرائصي، وفقدت صوابي حتى اخذت الإناء ورميته بعيدا. وما ان وقع نظر الرسول الاكرم (ص) عليَّ، حتى شاهدت عيناه تمتلآن بالغضب، فما كان مني الا ان اُبادره بالقول:

- اعوذ بالله من غضب رسوله، واتمنى ان لاتدعو علي،

- فقال لها الرسول الاكرم: توبي الى الله.

- فقلت وكيف اجبر تلك الفعلة؟

- فقال، جهزي إناء مثله وإملئيه بطعام مثله وارسليه اليها(7).

 

• حادثة الافك، والآراء المتضاربة حولها:

قبل الدخول في تفاصيل حادثة الافك، علينا ان نعرف اولا معنى كلمة الافك في الآية الكريمة من سورة النور حيث تقول:"(ان الذین جاءواْ بالأفک عصبة منکم...).

فيما يخص تفسير هذه الاية الكريمة يقول الامام محمد بن فخر الرازي: ان الافك هو اعظم درجة من الكذب والافتراء، ويبلغ درجة البهتان. اي انه يظهر بشكل فجائي ويقلب الاحوال، ومن اجل ذلك قيل ان الافك بمعنى "القلب"، اي إظهار الشيئ عكس ما يكون على حقيقته، حيث ان اصحاب الكلام يعتبرون الافك اسوأ احوال الكذب والبهتان. ولم يختلف الفمسرون في ذلك، بل ويجمعون على انهم ثبُتَ لهم، ان هذا البهتان والافتراء، الذي حدث في البيت النبوي، وعن طريق احدى زوجاته ، كان نتيجة سعي جماعة ارادت من خلال طرح فكرة هذا الافك، المساس بشخصية النبي(ص). لان اتهام ازواج النبي،يدل على ان النبي نفسه لم يكن بإمكانه السيطرة على ازواجه وضبطهن، او عندما تكون احدى ازواج النبي، ترتكب مثل هذا العمل، فمن الاحرى ان تذهب الاخريات الى ابعد من ذلك. ومن اجل ذلك، تعتبر كل الفرق والمذاهب الاسلامية ان ازواج النبي(ص)، ارقى وارفع من ان يرتكبن مثل هذا العمل، الذي اسماه الله بـ "الإفك". وانهن بريئات منه، كبرائة الذئب من دم يوسف.

اذا فما هو سبب الاختلاف على تفسير الآية الشريفة؟ وهل ان الاختلاف في سبب نزول الآية؟ والى اي من ازواج الرسول الاكرم(ص) يمكن توجيه مثل تلك التهمة؟

فقد راح البعض ليتهم ام المؤمنين مارية القبطية"ام ابراهيم" بذلك، فيما وجّه آخرون الامر الى السيدة عائشة!! اما الامام الفخر الرازي يقول في كتابه في ذيل تفسير الاية ذاتها، ان سبب نزول هذه الآيه هو ان الزهري نقل عن سعيد بن مُسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبدالله بن عبدالله بن عقبة بن مسعود، وكلهم يروون عن السيدة عائشة، بانها كانت تقول:

كان النبي(ص) اذا اراد السفر يحتكم الى القرعة في اصطحاب احدى ازواجه، وفي تلك المرة حالفني الحظ لمصاحبة الرسول(ص) حيث كانت غزوة بني المصطلق. وتحرك الركب بصحبة النبي(ص). فلما نزلنا في احد المنازل، ابتعدتُ عن قافلة المسلمين لقضاء حاجة ما، لكني عندما رجعتُ افتقدتُ عقداً كان معي حصلت عليه من بني ظفار، وكانت فقراته من الخرز اليمانية الثمينة، فاضطررت للرجوع والبحث عنه، لكن عندما رجعتُ لم ار احداً من قافلة المسلمين، فقررتُ المكوث في نفس المكان، ليعرفوااني قد تخلفت عنهم ويرجعوا للبحث عني. وفي تلك الاثناء رأيت صفوان بن المعطل الذي كان يتأخر في اتباع القافلة، ويلملم ما يتبقى منها. فعرفني وأركبني على راحلته حتى أوصلني الى القافلة، لكنّ الناس تكلموا بما لايجب ان يتكلموا من كلام رخيص، واتهموني بتلك التهمة وكان على رأسهم عبدالله بن اُبَيّ. فاستنادا الى هذه الرواية فان السيدة عائشة هي تلك الزوجة التي ابتُليت بتهمة تلك العصبة، وقد دفع الله سبحانه وتعالى عنها تلك التهمة. حتى ان النبي(ص) بعد تلك الحادثة قال:"الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت".

ويروي البيضاوي في كتابه "تاريخ الاسلام" والذهبي في كتابه "الصافي"، رواية قريبة من هذه الرواية.كما ان عامة المفسرين ورواة الحديث المتقدمين منهم والمتأخرين يؤكدون نفس الرواية. غير ان صاحب "السيرة الحلبية" عندما يتطرق الى قصة رحيل ابراهيم ابن الرسول الاعظم(ص)، يشير الى ان البعض ظنوا ان المتهمة بالافك هي مارية القبطية، لكنه في نهاية الحديث يقول: ذات يوم ذهب النبي الاكرم(ص) الى منزل مارية فوجد عندها رجلا، فاستغاظ وخرج من الدار، وما ان شاهد عمربن الخطاب سخط النبي من الرجل، حتى حمل سيفه وتبعه ليقتله، لكنه وجد الرجل عقيما ولا اصل له في الذكورة.وعندما رجع الى الرسول الاعظم(ص) قال له النبي، ياعمر ان جبرائيل هبط علي وقال: ان مارية مبرئة من الموقف، كما بشرني بأنها حامل بولد واسمه ابراهيم، ومنها اصبحت كنية النبي "ابو ابراهيم". كل هذه الاحداث تؤكد بالرغم من وجود بعض الاحاديث حول اتهام ام المؤمنين مارية القبطية بشأن نزول آية الافك، الا أن كافة علماء الجمهور، يُجمعون على ان المرأة التي نزلت آية الافك بشأنها هي السيدة عائشة، والأهم من ذلك كله، عرفنا ان أيا كانت محل اتهام، فان كل ازواج النبي(ص) مبرئآت من تلك التهمة. كما يؤكد كافة علماء الجمهور ان النبي(ص) لم يُرزق من عائشة بأي مولود، الاانه كان يتردد على دارها كباقي امهات المؤمنين، حتى انه في مرضه الاخير كان في دارها وتوفي فيها وصارت دارها مدفنا له.

• السيدة عائشة على عهد الشيخين:

أولى الشيخان اهمية قصوى لأم المؤمنين عائشة اهتماما خاصا دون غيرها من امهات المؤمنين من ازواج النبي(ص)، حتى اضحت محط اهتمام المسلمين وغير المسلمين من بين كل اهل بيت الرسول الاكرم(ص). بحيث انها وبعد رحيل النبي الى جوار ربه اضحت تأمر وتُصدر الفتاوى ويتم الرجوع اليها في الكثير من المهام. حتى قال المحقق والباحث الاسلامي المعاصر العلامة السيد مرتضى العسكري(رض)انها كانت تُصدر الفتاوى، ودليلنا على ذلك ما ذكره ابن سعد في الطبقات عن قاسم بن محمد بن ابي بكر، حيث كان يقول: ان السيدة عائشة كانت على عهد ابي بكر وعمر وعثمان وحتى آخر حياتها، المرأة الوحيدة التي تُصدرالفتاوى(8). اضف الى ذلك ان الخليفة الثاني عندما كان يحدد مبلغا كمرتب شهري لأزواج الرسول، كان يدفع لها اكثر من الاخريات. ويؤكد ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى هذا الامر عن الصحابي مصعب بن سعد حيث يقول: كان عمر يُعطي لكل واحدة من ازواج الرسول عشرة ألاف(درهم)، فيما كان يدفع لعائشة اثني عشر ألف(درهم). وكان يستدل على ذلك بأنها كانت محط اهتمام النبي الاكرم اكثر من غيرها(9).

• السيدة عائشة في عهد عمر بن الخطاب:

كان عمر بن الخطاب يهتم بالسيدة عائشة اكثر من باقي نساء النبي. حتى ان الذهبي يروي في كتابه، بعد فتح العراق غنم المسلمون جوهرة ثمينة، فاستأذن عمر الحاضرين، وارسلها الى عائشة. كما ان ابن الاثير يذكر في كتابه "الكامل في التاريخ" ان عمر بن الخطاب في اواخر عمره كان قد استأذن من عائشة لتسمح بدفن جثمانه في دارها الى جانب قبر النبي وابي بكر، فطمأنته بموافقتها على ذلك. وما يلفت انتباه الجميع على عهد الشيخين، الاحترام المتبادل بين عائشة والخليفتين، حتى ان البخاري يذكر في كتابه "الصحيح" باب فضائل اصحاب النبي(ص)، ان ابن سعد يروي حديثا طويلا فيطبقاته ويقول فيه: ان عمر بن الخطاب، أمر ابنه عبدالله ليذهب الى ام المؤمنين عائشة، ويقول لها:"ان عمر يُبلغك السلام ويطلب منك ان تُوافقي على دفن جنازته الى جانب قبر رسول الله(ص) وابي بكر". فلما بلغه أنها وافقت على ذلك فرح فرحا شديدا.

• السيدة عائشة في عهد خلافة عثمان:

في بداية خلافة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، حج الخليفة وام المؤمنين عائشة معا. لكن سرعان ما اقدم الخليفة الثالث على حذف الالفي دينار الاضافية، التي اضافها الخليفة الثاني على مُرتّب ام المؤمنين عائشة، مقارنة بباقي امهات المؤمنين اللواتي كن يقبضن عشرة ألاف درهم فقط. وفي هذا المجال يقول اليعقوبي في تاريخه:"لقد حدث بين ام المؤمنين عائشة والخليفة عثمان بن عفان سجال، انتهى بقطع الالفي درهم الاضافية، التي كانت في مُرتّب ام المؤمنين عائشة من قبل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، حتى اصبح مُرتّب السيدة عائشة، يُساوي باقي مُرتّب باقي امهات المؤمنين". اما العلامة الراحل السيد مرتضى العسكري يقول في هذا المجال:" نحن نعرف ان الخلاف بينهما ظهر اواسط فترة خلافة عثمان، وان الخلاف حدث بعد وقوع حدث ما، ولم يقع ذلك الحدث فجأة، بل ان احداثاً تراكمت بين الجانبين، حتى ضاقت الامور وتأزمت، ما أدى الى وقوع شرخ بين ام المؤمنين عائشة وعثمان بن عفانن وتضاعفت الهوة بينهما مع مضي الزمان. كما يعتقد المؤرخون ان من بين الامور التي تسببت في ظهور تلك الاختلافات، كانت قضية الوليد بن عقبة، الاخ غير الشقيق للخليفة عثمان بن عفان. حتى ان الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود الذي يشهد التاريخ لنزاهة روايته يقول:"في عهدالخليفة عثمان، حصل الفاسق - حسب تاكيد القرآن الكريم- "الوليد بن عقبة" على منصب في منظومة الخلافة، ما مكّنه من ارتكاب الذنوب بكل حرية سرا وجهارا، حتى انه خصص لنديمته المسيحية مُرتّبا من الخزانة الاسلامية، بل وخصص لها اموالا من بيت المال، لشراء مسكراتها ولحوم الخنازير التي تتناولها.(10)

ولما ولي الوليد بن عقبة أمارة الكوفة التحق به الشاعر المسيحي "ابو زبيد" ما حمل الوليد ليهب له دار عقيل ابن ابي طالب. والأنكى من ذلك كله، ان ابو زبيد النصراني هذا، كان اذا اراد الذهاب الى دار الامارة ليلتقي الوليد بن عقبة، كان يمر من داخل مسجد الكوفة ومنه يعبر الى دار الامير، ليقضيا معا ليلة ماجنة بالسكر والسمر. ثم يقوم الوليد بن عقبة وهو على اشد حالة السكر، باجتياز مسجد الكوفة ليعود الى منزله. كما ان احدى اقبح الاعمال التي ارتكبها الوليد بن عقبة، هو انه دَنّس اجواء المسجد الروحانية، بأعمال السحر والشعوذة. ولما قيل للوليد بن عقبة، ان رجلا يهوديا يُدعى "زُرارة" يمارس السحر والشعوذة، في قرية من القرى القريبة من جسر بابل، امر بنقله الى الكوفة، ليشاهد عن كثب شعوذته ويلهو بألاعيبه، ثم امر بأن يدخل الرجل اليهودي باحة مسجد الكوفة، ويمارس اعمال الشعوذة داخل ذلك المكان المقدس، على مر العصور ليلهو بها حاكم المسلمين وحاشيته.

القضية الاخرى التي اثارت الخلافات اكثر من ذي قبل، تمادي الوليد بن عقبة في شرب الخمر، وظهوره ثملاً امام المسلمين. الامر الذي يقتضي اجراء الحد عليه. وقد تمكن عدد من المسلمين الذين شهدوا سكر الوليد، وتماديه في تعاطي الخمور، من الوصول الى بلاط الخلافة في المدينة المنورة، واخبروا الخليفة بتفاصيل الامور وقدموا له الوثائق والشهود، ثم طلبوا من الامام علي بن ابيطالب التدخل في الامر. وفي هذا المجال يروي المؤرخ الاسلامي الشهير ابوالفرج الاصفهاني في كتابه "الاغاني": ان عثمان قال لتلك الجماعة، اذا كان القرار، كل من انزعج من اميره يقوم باتهامه، فلن نتمكن بعد اليوم من ضبط الامور، ومن اجل ذلك سأُصدر قرارا بتوبيخكم جميعا صباح الغد. فما كان من تلك الجماعة، الا ان يلجأوا الى منزل ام المؤمنين عائشة، فلما طلع الصبح، سمع الخليفة كلاما من جانب حجرة ام المؤمنين عائشة، تعلوه صيحات العنف والتذمُر منه، فما كان منه الا ان يصرخ بأعلى صوته قائلا: وهل ان جبابرة وفسقة العراق لم يحصلوا على ملجئ سوى دار عائشة؟!!!... ولما سمعت السيدة عائشة هذا الكلام، اخذت خِفَيّ الرسول الاكرم(ص) ورفعتهما فوق رأسها وهي تصيح: "ما اسرعكم في اجتياز سنة وسيرة صاحب هذين الخفين".

استغاثة السيدة عائشة هذه، سرت بين الناس كالبرق الخاطف، وملأت اسماع المسلمين. حتى اقبل الناس الى المسجد النبوي، ليدور الكلام حول تصرفات الاثنين(الخليفة عثمان والسيدة عائشة)، وثارت حفيظة الجمهور، حتى اتسعت الخلافات بين الناس. فمنهم من استحسن عمل السيدة عائشة، ومنهم من راح يساند عمل الخليفة. ومما يثير الاسف ان الاحداث تطورت، حتى بلغت الاشتباك بالايدي، وضرب الناس بعضهم البعض. وفي هذا السياق يقول العلامة البلاذري: "ان عثمان لم يصمُت امام احتجاج ام المؤمنين عائشة، بل قابلها بنبرة عنيفة في الكلام وصرخ بوجهها قائلا:

وهل يحق لك التدخل في الشؤون؟ لقد اُمِرتِ ان تَقري في بيتك!!."ويذكر كل من اليعقوبي في تاريخه وابن عبدالبر في كتابه "الاستيعاب"، بنفس هذه الكلمات ويوضحان نشوب هذه الخلافات بينها والخليفة بشكل جلي. وبدوره اشار الامام علي بن ابي طالب(ع) على عثمان بعزل الوليد بن عقبة، واذا ما اكد الشهود في حضرته ارتكابه شرب الخمر، أقم الحد الشرعي عليه. فاستجاب عثمان لاقتراح علي بن ابيطالب(ع) وعزل الوليد واستدعاه الى المدينة. اما الوليد كان يحاول الافلات من الواقع في بادئ الامر، لكنه في النهاية اضطر للتخلي عن الإمارة، وسلمها الى سعيد بن العاص الوالي الجديد للكوفة. وما ان استلم إمارة الكوفة، امر سعيد بن العاص بتطهير مسجد الكوفة وقال، لن ارتقي منبره حتى يتم تطهير كل المسجد. في حين ان كافة زعماء بني امية كانوا يحاولون منعه من ذلك، لانهم كانوا يعرفونمدى خباثة وقبح العمل الذي ارتكبه الوليد الذي هو من نفس قبيلتهم(قبيلة بني امية) وان سعيد بن العاص هو من قبيلة اخرى. لكن سعيد لم يستسلم للضغوط وظل يصر على ضرورة تطهير المسجد والمنبر.(11)

وما ان عاد الوليد الى المدينة، واكد الشهود شربه الخمر وتماديه في الفسق والفجور امام الخليفة عثمان، حتى اصدر الاخير امرا لإقامة الحد الشرعي عليه. الا ان كل من اراد الدخول على الوليد لإقامة الحد عليه، اصطدم بكلام الوليد، الذي كان يُخاطبه فيه قائلا: "انظر الى نفسك وعشيرتك، ولاتقطع رحمك مني، ولا تقم الحد عليّ، فإن الخليفة سيغضب من عملك".!!!.

هذه الكلمات كانت تسلب إرادة كل من يتقدم لإقامة الحد على الوليد. فلما رأى الامام علي بن ابيطالب(ع) الامر بلغ الى هذه الدرجة، اخذ السوط ودخل على الوليد مع ابنه الامام الحسن(ع)، فلما رآهما الوليد استأنف كلامهالسابق، الا ان علي بن ابيطالب(ع) أجابه: لوعملتُ بما تقول، لم أكن آمنت بالله، ثم عمد الى عباءته فسحبها من على منكبيه، وخلع جبته عنه ثم ضربه بسوط ذي ذؤابتين اربعين ضربة، ليتحقق إقامة الحد عليه ثمانين جلدة. وشاءت الاقدار ان يكون الامام علي بن ابي طالب(ع) هو الذي قتل عقبة والد الوليد بأمر من رسول الله(ص) في احدى غزواته. ولولا متابعة الامر من قبل السيدة عائشة، ومعارضتها لإمارة الوليد وتحشيد معارضيه ضد ولايته، لما كان الوليد يتخلى عن الحكم، وما تم تطبيق حكم الله عليه.

• الاحداث التي تلت هذه الواقعة:

يقول العلامة البلاذري، الذي يحظي بمكانة مرموقة لدى علماء مدرسة الخلافة، يقول في كتابه "أنساب الاشراف": ان بني تيم ثاروا ضد عثمان لصالح محمد بن ابي بكر وابن عمه طلحة. وقد بدأت حركة محمد بن ابي بكر، شقيق السيدة عائشة بدعم من بني تيم حين كان واليا على مصر، لان محمد بن ابي بكر ومحمد بن ابي حذيفة عندما كانا في مصر ثارا ضد واليها(عبدالله بن ابي سرح)، الذي عينه الخليفة عثمان بن عفان حاكما لها، وانتهى الامر الى سيطرتهما عليها(12).

• فرض الحصار على الخليفة عثمان:

بعد تطور الاحداث، بدأ المعارضون لحكم الخليفة عثمان بن عفان بفرض حصار عليه داخل داره، ما حمله على ايفاد عبدالله بن الحارث بن نوفل الذي كان من حفدة عبدالمطلب جد النبي(ص)ن الى علي بن ابي طالب(ع) لينقل له الشعر التالي:

فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولما أمزق(13)

كلام عثمان هذا كان يحمل رائحة الشؤم والافتراس من قبل المحيطين به، ما حمل الامام علي بن ابي طالب(ع) الذي كان في خيبر حينذاك، للاسراع في العودة الى المدينة والدخول على الخليفة عثمان. وما ان رأى عثمان عليا داخلا عليه، حتى استنجد به واقسم عليه بحق الاسلام والاخوة والقرابة والمصاهرة التي شاركه فيها للرسول الاكرم(ص) ان يساعده. فما كان من الامام علي الا ان يذهب الى طلحة ويطلب منه ان يطلب من المحتشدين حول دار الخليفة ان ينفضوا ويذهبوا الى مساكنهم، الا ان طلحة قال: لا والله لن افعل ذلك حتى يرضخ بنو امية كلهم لحقوق(مطالبات) الناس.فخرج علي(ع) من دار عثمان متجها الى خزانة المال، وامر بكسر بابها وبدأ يُقسِّم الاموال بين الناس الغاضبين على الخليفة.

وما ان رأى طلحة هذه الظاهرة واقتراب الناس من انهاء الحصار الذي فرضوه على دار الخليفة، حتى اقتحم الدار واوصل نفسه الى الخليفة ليقول له: يا امير المؤمنين، أنا نادم من عملي، واطلب من الله العفو والتوبة، ساورتني افكار، لكن الله لم يشأ تطبيقها على ارض الواقع، وحال بيني وبين تطبيقها.الا ان عثمان اجابه بالقول: والله انك لم تدخل علي لتعلن توبتك، بل انك وجدت نفسك مهزوما ومغلوبا، وانا اوكلك وعملك هذا الى الله تعالى. اماعلي بن ابيطالب الذي رأى الجماهير الغاضبة على الخليفة عازمة على قتله، قال لولديه الحسن(ع) والحسين(ع): إحملا سيفيكما وقفا على باب دار عثمان، ولا تسمحا لاحد الوصول الى الخليفة.

وما كان من ابني علي الا ان يطبقا ما امرهما ابوهما به، رغما اشتداد الاشتباكات بينهما والمحتشدين على دار الخليفة، حتى اُثخن وجه الامام الحسن(ع) بالجراح لشدة الصدام والاشتباك مع المحتجين، كما اصيب قنبر غلام علي بن ابيطالب(ع) في رأسه بجروح عميقة ايضا.وتباينت الاقوال حول مقتل الخليفة، لكن المؤكد للجميع ان القاتل او القتلة لم يتمكنوا من اقتحام باب الدار، ونزلوا الى داره من على سطح دار رجل من الانصار، كانت داره بجوار دار الخليفة، لأن بني هاشم والامامين الحسن والحسين عليهما السلام، منعا اي شخص من اقتحام باب دار الخليفة عثمان بن عفان. وقد نقل كل من ابن ابي الحديد المعتزلي ومحمد بن جرير الطبري والعلامة البلاذري، تفاصيل قصة مقتل الخليفة الثالث في كتبهم.

بقي جثمان الخليفة الثالث المقتول لثلاثة ايام دون ان يهم اي طرف لدفنه، ما حمل الامام علي(ع) ان يتدخل بنفسه و يشرع بتجهيزه ودفنه بحضور مروان والبنت الخامسة للخليفة وثلاثة من غلمانه في منطقة "حش الكوكب"(14)، بالقرب من مقبرة البقيع الغرقد في المدينة المنورة. وما ان ولي معاوية ابن ابي سفيان السلطة، أمر بهدم سور مقبرة جنة البقيع لتشمل منطقة "حش الكوكب" ايضا.وبعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، اقبل اصحاب الرسول الاكرم(ص)، على علي بن ابيطالب(ع) وقالوا، يا علي ان الخليفة عثمان قتل، ولا بد للمسلمين، من قائد وزعيم قدير، واليوم هم مضطرون ولا حيلة لهم، ولم نجد غيرك أهلا للخلافة، ولم نعرف احدا يسبقك الى الاسلام، ثم اخذوا يتطرقون الى نضاله وتاريخه المشرف في نصرة الاسلام.

اما المؤرخ محمد بن جرير الطبري يقول، بعد مقتل عثمان اقبل صحابة الرسول الاعظم(ص) الى علي بن ابي طالب وقالوا له: يا علي ان الخليفة عثمان قتل، واليوم لابد للمسلمين من قائد وزعيم مقتدر، وهم مضطرون للجوء اليك، ولم نجد احدا غيرك تليق به الخلافة، ولم نعرف احدا غيرك أهلا لها.ثم اخذوا يتطرقون الى نضال وتاريخ الامام علي ونصرته للاسلام.ويضيف الطبري في تاريخه، بعد مقتل عثمان اخذ الناس يدخلون على علي بن ابيطالب جماعات جماعات ويطلبون منه ان يتصدى للخلافة وإمارة المسلمين، لكنه(ع) كان يُعرِض عن ذلك. ولما اصروا عليه وقالوا له ان استمر امر المسلمين اكثر من هذا على هذه الحال، فان امور المسلمين ستسير من السيئ الى الاسوأ، قاللهم الامام علي(ع): ان بلغ اصراركم الى هذه الدرجة، فاذهبوا الى المسجد النبوي، واني ساتبعكم. ولما دخل الامام علي الى المسجد النبوي، ارتقى منبره والقى فيهم خطبة بدأها بالبسملة والحمد لله والصلاة على رسول الله وآله، ثم قال يا معشر الصحابة، لم اكن ارغب في الجلوس على كرسي الخلافة، لكن اصرار الامة وارادتها تفرض علي ذلك. واذا رضيتُ ببيعتكم سأُطالبكم ببيعة لا غبار عليها، ولا رجعة عنها على مدى ايام خلافتي، وساركز على موضوعين هما:

الاول- الغاء كل انواع التمييز الطبقي، والثاني- هو تساوي الحقوق بين كل المسلمين. فهل توافقوني على ذلك؟ فنادى الجمع بصوت واحد: نعم ياعلي.

وفي هذا المجال يقول العلامة البلاذري: لقد اقبل المسلمون جماعات جماعات، وبكل شوق يحيون الامام علي، هاتفين بأعلى اصواتهم: "علي امير المؤمنين"، وراحوا يبايعونه وامتدت ايديهم اليه، معلنين بذلك بدء مراسم البيعة العامة لخلافته. وكان طلحة والزبير اول من بايع علي. ثم تبعهما اصحاب علي(ع) امثال عمار بن ياسر ومالك بن الاشتر النخعي، اللذين طلبا من الاخرين ان يقبلوا على علي ويبايعوه، الا انه(ع) قال لهم، من لم يستقبلنا برحابة صدر، ولم يبايعنا من صميم قلبه، لا حاجة لنا ببيعته. والجدير بالذكر ان من كانوا يتثاقلون الى مبايعة علي(ع) هم المروان بن الحكم والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص. ويؤكد التاريخ ان هؤلاء هم الذين كانوا يحملون احقادا ضد الامام علي(ع)، لأنه هو الذي قتل آباءهم واجدادهم المشركين، ما دفعهم الى معارضة إمارة الامام علي(ع). وقد اكدوها له اكثر من مرة قائلين له: لقد قتلت آباءنا، فكان يجيبهم(ع) قائلا: لم اقتلهم أنا، بل ان معارضتهم وعداءهم للحق، ودعمهم للشرك والوثنية، هو الذي دفعهم للقتل. وكان علي بن ابي طالب يؤكد ان الذين حصلوا على اموال طائلة من اموال المسلمين دون مقابل، عليهم ان يعيدوها وفي غير ذلك، فانه سيتبع تطبيق العدالة تجاههم.

على صعيد آخر كان طلحة والزبير بايعا الامام علي(ع)، ظنا منهما انهما سيحصلان على مهام في منظومة الخلافة، او ان عليا سيمنحهمامُرتّبات اكثر من الاخرين، لكن عندما شعرا بعدم تحقيق ذلك بدءا يُكثران من النقد والانتقاص، من خلافة علي ويُشكلان عليها، لكنه فضل طريق الحوار معهما، وقد تم جمع حواراته معهما في كتاب نهج البلاغة.

اما اليعقوبي فيتحدث عن مطالبات طلحة والزبير من علي بن ابيطالب ويقول: انهما قالا لعلي(15): يا علي! نحن لم نحصل على اي مسؤولية مذ رحل النبي الاكرم(ص) وبقينا مهمشين في المجتمع. والان قدحان الوقت واصبحت خليفة، نأمل منك ان تُشركنا في خلافتك وترفندنا بالحصة التي حصلت عليها وتمنحنا احدى المهام الهامة في الخلافة.

فأجابهما علي(ع) قائلا: الافضل لكما ان تنصرفا عن هذا الاقتراح، فأي مهمة تنشدون وانتم قوتي وسلطتي في الناس؟ فكونوا اعواني في الصعاب، وشاركوا في ارساء اواصر خلافتي فهل هناك مهاما ارفع من تلك المهام للمسلمين؟ لكن طلحة والزبير لم يشاهدا اي مرونة من الامام علي(ع) في تلك الفترة، كما انهما سمعا ان السيدة عائشة رفعت لواء المطالبة بثأر ودم عثمان في مكة، فقررا شد الرحال اليها، متذرعَين انهما يريدان العمرة. وقصدا الامام علي ليستأذناه. وبالرغم من تحذيرهما من الانحراف لم يعارض الامام مسيرتهما، خاصة وانه كان يعدل بين الرعية ويحاول تقسيم اموال بيت المال بالتساوي بين المسلمين.

• وقوع الفتنة بين ابناء الامة الاسلامية:

بعد التحاق طلحة والزبير بأم المؤمنين عائشة التي كانت تبلغ من العمر خمسة واربعين عاما آنذاك ، انظمت اليها بعض المجموعات والشخصيات المعارضة لخلافة الإمام علي(ع)، وكان جلهم من اصحاب الزعامات والشخصيات المتنفذة، الذين فقدوا مناصبهم التي كانوا يشغلونها إبان حكم الخليفة السابق، وقد طردوا منها اثر سياسة الامام علي التي تعتمد العدل والمساوات. فصار عددهم لايُستهان به. حتى اختلف زعماء القوم بين ان يقصدوا الشام ويطلبوا العون مباشرة من معاوية بن ابي سفيان، وبين مَن كانوا يقولون، علينا الحركة باتجاه العراق ومطالبة العون من اهل الكوفة والبصرة.فرجحت الكفة الثانية على الاولى، وصار القرار ان يتحرك الركب المُجَحفَل باتجاه العراق. حتى قال الطبري في تاريخه، ان هذا الركب قد بلغ عدد اعضائه ثلاثة آلاف شخص.وبهذه الصورة تكوّن هذا الجيش الجرار في مكة، ثم غادرها باتجاه البصرة.

ويؤكد المؤرخون، بمن فيهم الطبري، ان الخلافات بين طلحة والزبير، وانقسامات الجيش المتجحفل، كانت مشهودة على طول الطريق التي قطعوها الى العراق. وكان من اهم تلك الخلافات، الاختلاف على مَن يؤم الجماعة حين الصلاة، كما استمر الخلاف حول مَن سيرأس القوم، وبالتالي الى الجهة التي يقصدها الجيش المتجحفل(لأن الجيش كان منقسما بين الذهاب الى الشام او العراق).

• النزاع الداخلي للجيش المتجحفل:

في البداية كانت الامور تبدو وكأنها تسير لصالح المعارَضة لخلافة الامام علي(ع)، حيث تمكنت من تجهيز وتحشيد ذلك الجيش الجرار، وانها ستُسيطرعلى البصرة سيطرة تامة. لكن الاختلافات الداخلية كانت اكثر من ان يتمكن احدا من اخفائها،خاصة حين الصلاة ومَن الذي يجب ان يؤُم الجماعة، طلحة او الزبير؟ الامر الذي عجزت عن تذليله حتى السيدة عائشة نفسها. حتى ان ذات مرة، استمرت النزاعات على إمامة الجماعة لوقت متأخر، حتى كاد وقت الصلاة يفوت. ما دعا بعض الصحابة للصراخ(الصلاة... الصلاة... يا اصحاب محمد). وكان الخلاف الرئيسي بين طلحة والزبير يدور حول: مَن الذي يجب ان يُخاطبه الناس بصفة "الامير" ويُسلمون عليه بإمرة المؤمنين والمسلمين؟ وفي هذا المجال يقول ابو مخنف: اختلف المؤرخون في ذلك، حتى ان البعض كانوا يُطلقون لقب "الامير" على الزبير، لانه تم تكليفه من قبل السيدة عائشة ليكون قائدا للجيش. فيما كان البعض الاخر من المؤرخين يعتقد ان الجماعة كانت تنادي الشخصين بـ "الامير".لكن الاهم من كل ذلك، هو ان الخلاف بين زعماء وقادة الجيش، كان مشهودا لا غبار عليه، والكل لم يكن يطمئنا لفعلته، ولا يُمكنه التمييز بين الصواب والخطأ، فظلوا حيارى بين ذلك. حتى ان الطبري يروي ان طلحة كان يقول في هذا المجال:(انا نُبَّصِر ولا نَبصُر) اي اننا نُعرِّف الطريق للآخر ولكننا لا نرى طريقنا الحقيقية!!! وعندما يحتج عليه "ابوعمرة" يقول: حقا لقد تحيرنا في امرنا، ومازلنا مُردَدِين في قرارنا. واقول لك اني على مدى حياتي، كلما كنتاقدم على عمل ما، كنت اُفكر في عواقبه، لكني لم افعل ذلك في هذا الامر، ولا اعلم كيف سيكون مصيرنا ازاءه؟

كما يُروى عن علقمة بن وقاص اذ يقول: كنت في تلك الفترة أرقب ملامح وجه طلحة بدقة متناهية، واراه مثبورا و قلقا، كان ينعزل لوحده، ويضع رأسه بين ركبتيه ويغوص في افكار عميقة. وذات يوم سألته عن سبب قلقه وثبوره وما الذي جعله يغوص بتلك الحالة في افكاره الباطنية؟ واذا كانت الحرب مع علي تُزعجه، فلماذا لم ينصرف عن الجيش ويسلك طريق منزله؟فأجابه ذات مرة قائلا: كنا معاشر المسلين على قلب رجل واحد امام الاعداء، ومع الاسف اليوم، انقسمنا الى مجموعتين متناحرتين، واصبحنا كجبلين شاهقين يدعوان للتناحر دون انحناء.ومجرد وجود حكاية هذين الزعيمين في النصوص والكتب التاريخية المعتبرة، بأنهما كانا مُردَدَين، في المضي قدما لتحقيق الاهداف، يدل على انهما حقا كانا مردَدَين، بل وقلقان من الاستمرار بالموقف، ويخشيان عواقبه الخطيرة. وهذا ما كان يُزيد من خوفهما وترديدهما وقلقهما.

اما في الطرف المقابل، تؤكد النصوص التاريخية ان الامام علي بن ابيطالب(ع) كان يقول: "واني لعلى يقين من امري وفي غير شبهة من ديني، وان معي بصيرة". وكان طالما يؤكد في كلماته وخُطَبه امام اصحابه قائلا:"واني لعلى يقين ان الله سيعينني ويحميني في هذه الحرب، وسينصُرني، لاني واثق بأني لم ارتكب ذنبا فيها، واني لعلى حق، ولا اجد اي ريبة او شبهة في اعمالي، لاني على بصيرة من امري".

• نزوح علي وجيشه من المدينة الى البصرة:

بعد ان اضطر الى رأب الصدع ودفن الفتنة، اضطر الامام علي(ع) ان يتحرك بجيشه باتجاه البصرة. وكان اول منزل نزل فيه ليستريح فيه عسكره، منطقة "الربذة". فوجد فيها عثمان بن حنيف الذي شكا اليه ما تَحمّله من ألآم وايذاء من قِبل جيش المعارضة المُتجَحفِل في البصرة، فدعاه الامام للتحلي بالصبر وواساه بالالم والحزن. ثم كتب كتابا الى والي الكوفة، ليُجهِّز الناس ويُرسل له قوات تدعم جيشه، الا ان ابا موسى الاشعري، لم يعر اهمية لكتاب الامام، بل وعمل خلافا لما امره الامام وحذر اهل الكوفة من نُصرة الامام علي وجيشه. لكن الامام علي واصل مسيرته في العراق حتى وصل الى ذيقار. وكانت ثاني منزل ينزل فيه الامام وجيشه. عندها بعث نجله الامام الحسن المجتبى بكتاب الى الكوفة، ليطلب الدعم والالتحاق بجيشه، ما ادى الى تجييش الكثير من ابناء الكوفة والتحاقهم بجيش الامام علي(ع).

وفي هذا الاطار يقول الطبري في تاريخه، نزل الجيشان في محل سمي فيما بعد بـ " قصر عبيدالله بن زياد"، ومكثا ثلاثة ايام دون ان تحدث اي مواجهات او نزاعات، وكان علي بن ابي طالب هو الذي يُواصل ايفاد الكتب والسفراء الى قادة الجيش الآخر. بل وحتى انه كان يتواصل معهم مباشرة، عسى ولعله يتمكن من التصدي لوقوع اي حرب او اشتباك محتملن لانه لن يُجدي نفعا سوى اثارة الفتنة والفساد.

• حدوث الانقسام في الجيش المعارض للإمام علي(ع):

منذ انطلاقه من مكة، كانت آثار الخلافات والانقسامات تطفو على الجيش المعارض لمعسكر الامام علي(ع)، مروان الذي كان يُعتبر من اعوان معاوية بن ابي سفيان، كان اكثر من غيره يعمل على تشتيت الجيش، وبث الفرقة بين قواته، لأنه في الوقت الذي كان يُكّنُ حقدا للامام علي في قلبه، كان لايتمكن من اخفاء ضغائنه تجاه طلحة والزبير ايضا، حتى ان الكثير من اعوانه كانوا يعلمون بشدة عداوته لهما. وانطلاقا من تلك الاحقاد والضغائن، كان يُثير الفتنة بينهما، خاصة في اوقات الصلاة، حيث كان يعبث بينهما لتقع الفتنة بينهما، وتتصاعد الخلافات. وقد نجح في ذلك عدة مرات، بحيث انه ذات يوم خاطب طلحة والزبير معا وقال: لقد حان وقت الصلاة واصطف الناس لأدائها، وهم ينتظرون من سيؤمهم، فبالرغم من انكما تتوفر فيكما شروط امام الجماعة، لكن اريد ان تُخبراني أيكما احق بالتقدم لأُعلن على الملأ ويتقدم ليؤُم الناس بصلاتهم؟ هذا الكلام احرج طلحة والزبير معا، ولم يتمكنا من الإجابة عليه، وبقيا صامتان ولم يجيبا مروان على تساؤله. لكن عبدالله بن الزبير قال: ان ابي امير، وسيتقدم لإقامة الصلاة وهو اجدر بهذا المقام. فقابله بالمثل محمد بن طلحة بالقول: كلا، ان هذا المقام من شأن ابي، وهو الذي يُليق بهذه المكانة والمرتبة. وبهذه الصورة تمكنمروان من نثر بذور الفتنة بينهما، وأثار الاحقاد والضغائن فيما بينهما. فما ان علمت ام المؤمنين عائشة بالامر، بعثت الى مروان مَن يُوبِّخه ويقول له: ماذا تفعل يا مروان؟ لماذا تشق عصى الجيش؟ فلو قصدت الصلاة حقا، فدونك ابن اختي، عبدالله، وللجمهور ان يقتدوا به ويُصلوا معه، ويحذروا عاقبة النفاق والفرقة. فما كان من مروان الا ان ينصاع الى الامر، ويؤجل طروحاته التخريبية، ويعمل بما لاتشتهيه اهواءه، ويبقى منصاعا كالجندي المطيع الذي يقف خاضعا امام القائد الحربي وينحني له. لكنه سرعان ما عاود الكرة ثانية في البصرة، عندما استولى طلحة والزبير على المدينةوواليها، وراحا يُمهِّدان للانتصارات القادمة، طرح مروان ثانية قضية مَن يَؤُم المصلين حين الصلاة، ما اثار اللغط والكلام بين الجيش، حتى وصل الخبر الى السيدة عائشة، واضطرت للتدخل مباشرة لتحل قضية امامة الجماعة، وتحل تلك العقدة المعقدة التي طرحها مروان والتي كادت ان تجر عواقب لا تُحمد عقباها على الجيش، وقدّمت عبدالله بن الزبير كإمام للمصلين مرة ثانية.النقطة التي يجب الانتباه لها في هذا الخضم، هي ان السيدة عائشة، كانت تحب ابن اختها عبدالله الزبير، اكثر من اي شخص في عشيرتها وقبيلتها، وكأنها لم تكن خالته فحسب، بل كانت تعامله وكأنها ام حنون، وتبادله الحنان والمحبة وكأنه ابنها الوحيد!!! حتى اصبحت كنيتها "ام عبدالله" لشدة علاقتها ومحبتها له.(16) ومن الجدير بالقول ان السيدة عائشة كانت اكدت في وصيتها، بأن تعطى حجرتها ودارها الخاصة بها الى عبدالله بن الزبير(17).

• احداث واقعة الجمل:

يروي حاكم النيسابوري في كتابه "المستدرك على الصحيحين" والمتقي الهندي في كتابه "كنز العمال" عن عم يحيى بن سعيد انه كان يقول:لما كان يوم واقعة الجمل، نادى الامام علي(ع) في عسكره بأعلى صوته: ياقوم، لاتُسددوا سهامكم تجاه العدو، ولا تشدوا على احد بسيوفكم ورماحكم، ولا تتقدموا بالحرب على العدو. بل كلِّموهم بلين وعطف. واستمر الوضع على حاله حتى الظهر، حسب ما امرهم علي بن ابي طالب(ع)، ولم يبدأ اي من مقاتلي علي الحرب ضد الطرف الآخر، في حين ان الجهة الثانية من المعسكر المتجحفل في الساحة، كانت تطغى عليها صيحات "يالثارات عثمان". فما كان من الامام علي(ع)، الا ان يرفع يديه للدعاء ويقول: يارب اسألك ان تهلك قاتلي عثمان، وتقمعهم في هذا اليوم".(18) ولما رأى الامام علي انهم لايميلون الى الأمن والسلم، لجأ الى القرآن الكريم وبدأ يتم حجته عليهم، فأخذ المصحف بيده ونادى بأعلى صوته في معسكره: مَن منكم يأخذه هذا المصحف بيده ليدعو المعسكر الثاني اليه، حتى لو استشهد من اجل ذلك؟ فقام احد الشباب وقال انا ياعلي. فكرر الامام علي(ع) دعوته، فقام ذلك الشاب ايضا، فناوله الامام علي(ع) القرآن وشايعه باتجاه معسكر الطرف الآخر، لكن الجيش المتجحفل، لم يمنحه فرصة الكلام، وحملوا عليه حملة رجل واحد وقطعوا يديه، لكنه كان يُواصل دعوتهم الى القرآن حتى أردوه قتيلا.(19)بعد تلك الواقعة قال الامام علي(ع): الآن قد اتممنا الحجة عليهم، وقد وجب علينا منازَلَتهم وقتالهم(20).

• الزبير اول ضحية في قيادة معسكر الجمل:

وعندما تقابل الجيشان، وضع الامام علي(ع) سلاحه على الارض، وركب الفرس الخاص بالنبي الاكرم(ص) ومشى الى جيش الجمل، ودعا الزبير اليه ليُحاوره، اما الزبير فقد جاء اليه بكامل سلاحه، وما ان وصل نبأ هذا اللقاء الى السيدة عائشة، حتى ارتعدت فرائصُها وراحت تصيح: "واحرباه بأسماء" اي انها ستفقد زوجها...!!!. لكن عندما قيل لها ان عليا لايحمل اي سلاح، هدأت واستقرت. وقد وصف المؤرخون لحظة لقاء الزبير والامام علي(ع) واليكم جانبا منها:

عندما وصل الزبير الى الامام علي(ع) تعانقا وقَبَّل بعضهما البعض، ثم قال علي(ع) للزبير: ويحك! لماذا جئت بهذه القوات المتجحفلة الى هذه الارض؟ ولماذا حرَّضت الناس عليّ، وحملت لواء معارضتي؟

فأجابه الزبير: ان سبب تجييش هذه القوات هو الثأر لعثمان، فاجابه الامام علي(ع) قتل الله من قتل عثمان أو ساهم في قتله. ثم ذكّره بقول الرسول الاكرم(ص) الذي قال له ذات يوم: "يازبير كيف بك وانت تُقاتل عليا وانت على باطل؟"فلما سمع الزبير مقولة الرسول(ص)، تذكرها في اعماق قلبه، فاسترجع واستغفر الله، ونَدَم على فِعلته، لكنه قال: لقد جئنا الى هنا ونحن جاهزون للحرب، وقد مضى وقت الفرار، لاننا اغلقنا كل طرق الرجعة، ولم نُبق اي طريق للعودة. فأجابه الامام علي(ع) بالقول: ان تحملت عبئ وعار هزيمة اليوم، افضل من ان تتحملها غداً مع عذاب النار الحريق. فتأثر الزبير من كلام علي(ع)، وراح يسلك طريق التخلي عن الحرب والتراجع عنها. لكن ابنه عبدالله بن الزبير، عندما عرف نوايا اباه، تبعه وقال له: كيف تتركنا ونحن على هذه الحال؟...

يقول المسعودي في تاريخه ان الزبيراجاب ابنه كالآتي: يا عبدالله، لا لم يكن الامر كما تتصور، فهل تعقل ان الخوف منعني من الحرب، إعلم اني قد تذّكرت اليوم قضية نبهتني من غفلتي، وحالت بيني وبين منازلة علي(ع) وجيشه، وهذا ما دفعني للتخلي عن الحرب وقبول عارها، بدلا من اتحمل نار جهنم يوم القيامة. لكنك يا ولدي تظن أني خائف جبان، فأعلم أني سأُزيل هذه الوصمة عني بسيفي ورمحي.بعد هذا الحوارحمل الزبير على ميمنة معسكر الإمام علي(ع) حملة قاتلة، لكن الامام علي(ع) عندما شاهده غضبانٌ موتور، نادى في اصحابه: دعوه، وامهلوه، ولا تلحقوا به اذى، لانه موتور، وقد فقد صوابه. ثم حمل الزبير ثانية على ميسرة معسكر الامام علي(ع) وصاح بأعلى صوته: ايُّ خائف او جبان يُمكن ان يُبرز مثل هذه الشجاعة؟ ثم انسحب جانبا واتخذ سبيل البيداء.قيل ان الزبير عندما وصل الى منزل، نزل من فرسه ليؤدي الصلاة، حمل عليه رجل يدعى "عمرو بن جرموز" وقتله شرقتلة.(21)

• ضحية معسكر واقعة الجمل:

يقول ابن عساكر الدمشقي في كتابه "تاريخ دمشق": ان الامام علي(ع) فعل مع طلحة، كما فعل مع الزبير قبل انطلاق معركة الجمل، اي انه دعا طلحة للحوار وجلس معه وقال له: اسألك بالله عليك هل سمعت حديث رسول الله(ص) حولي حين قال: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله"؟ فقال نعم سمعته واتذكره جيدا، فقال علي بن ابي طالب(ع) عجبا لك، فكيف تُريد ان تُقاتلني؟

يقول الطبري في تاريخه ان عليا قال لطلحة: يا طلحة انت قد تركت زوجتك في الدار آمنة هادئة، وجئت بزوجة النبي الى ساحة القتال ونكثت بيعتي!!!... يقول ابن عساكر والذهبي في كتابيهما:ان طلحة كان يصرخ ويصيح في معسكره، ويطلب منهم ان يصمتوا ويسكتوا الا انهم لم يعيروا له اهمية، ما اثار حفيظته حتى قال: اف لمثل هؤلاء القوم الذئاب الذين اصبحوا كفراشات(حطب) نار جهنم.

ويروي كبار المؤرخين كيفية مقتل طلحة في واقعة الجمل(بمن فيهم اليعقوبي وابن عساكر وابن عبدربه وابن عبدالبر في "الاستيعاب" وابن حجر العسقلاني وابن كثير في كامله) كالتالي:ان جيشا الامام علي(ع) وطلحة كانا منهمكين في القتال، وكان مروان احد قادة جيش طلحة فقال: ان لم اغتنم اليوم الفرصة، وانتقم من قاتل عثمان، فمتى احصل على مثل هذه الفرصة؟ ثم اخرج سهما ووضعه في قوسه ورماه باتجاه قائده طلحة، فأصابه. وكان موته اثر النزف الشديد من ذلك الجرح الذي اودى بحياته.

اما ابن سعد يقول في كتابه "الطبقات الكبرى": لما كان طلحة في آخر لحظات حياته قال: والله ان السهم الذي اصابني وانهكني، لم يأتني من معسكر علي بن ابيطالب(ع).

كما ان المؤرخين يؤكدون بأن مقتل طلحة لم يؤثر ادنى تأثير على جيش الجمل، بالرغم من انه كان القائد الثاني للجيش. لأن الراية والقيادة كانت مع الناقة التي تحمل هودج السيدة عائشة، ومع مقتل كبار القادة لم يتأثرالجيشان بل توجه قادته الباقون الى الجمل الذي كان يحمل السيدة عائشة، واستمرت الحرب على اشد ضراوتها.(22) وما ان رأى الامام علي الاوضاع على تلك الحال، حتى تعمم بعمامته السوداء، وجهَّز الجيش، وسلَّم لواءه لمحمد بن الحنفية، ليخوض معركة مصيرية. فاشتد اوار الحرب، واختلط الجيشان، ما ادى لفرار الكثيرين. والذين بقوا وكانوا يشعرون بالخطر والهزيمة الحتمية، استبدلوا ارجوزاتهم التي اعتادوا عليها بالحروب، بشعارات "يالثارات عثمان".

اما معسكر علي فقد كانوا يصرخون "يامحمداه". ثم امرهم الامام علي ان يُرددوا نفس الشعار الذي كان يردده النبي(ص) وينادوا:"يامنصور الامة".(23)وبعد انهيار صفوف الميمنة والميسرة للجيشين واختلاط الحابل بالنابل، بلغت المعركة اشرس اوقاتها، وتمت محاصرة الجمل، وصار ازدحام عجيب حوله. حتى ان الجمل اصبح مرمى للسهام وكاد يكون كالقنفذ، الا انه كان مدجج بالأغطية التي منعت وصول السهام الى بدنه. ثم تم تكليف "يجير" احد اصحاب الامام علي(ع) ليأخذ على عاتقه معالجة امر الجمل، فاصطاد يجير اللحظة المناسبة، ليُعملَ السيف في فخذ الجمل، ويُجبره على البرك، ومن ثم السقوط على الارض، ومع سقوط الجمل، نفر الجمع من حوله، وراح كل من الحاضرين يتجه لجهة، يبتعد فيها عن الجمل، فنادى الامام علي(ع): ياقوم اقطعواحبال الهودج، وابعدوه عن الجمل. فما كان من مقاتلي الامام علي، الا ان يُنفِّذوا اوامره، ويُبعدوا الهودج الذي كانت فيه السيدة عائشة عنالجمل وساحة المعركة. ثم امر الامام بقتل الجمل، و زاد اصحابه في حرقه وذر رماده في البيداء. حيث خاطب الامام علي اصحابه وقال: ان هذا الجمل كان نذير شؤم، وما اشبهه ببقرة بني اسرائيل. لانه اوقع الخلاف وسوء العاقبة بين المسلمين. تحمَّل معسكر الجمل هزيمة نكراء كانت نتيجتها انتهاء واقعة الجمل الدموية. فقال الامام علي(ع) لمحمد بن ابي بكر، (شقيق السيدة عائشة) اذهب الى اختك وادخل خيمتها وتفقد احوالها، وإسألها ان كانت اصيبت بسهم او خدش في المعركة او.... فذهب محمد بن ابي بكر الى اخته، فلما ادخل رأسه في هودجها، سألته عائشة مَن أنت؟ فأجابها محمد: اقرب القريبين اليك، وفي نفس الوقت اعدى اعداء قومك وعشيرتك...!!!فقالت اخته: وهل انت ابن الخثعمية؟(بني خثعم هم قبيلة ام محمد بن ابي بكر) فأجابها: نعم. فقالت له عائشة: فداك ابي وامي، الحمد لله الذي نجّاك من هذه الحرب. بعد ذلك قال لها، ان امير المؤمنين علي بن ابي طالب يتفقد احوالك ويسأل عنك، و ان كنت تعرضت لجرح او خدش؟ فقالت له، لا انا بخير ولم أتألم كثيرا، سوى اني تعرضت لإصابة خفيفية ولا اُعاني منها.ثم تقدّم الامام علي الى السيدة عائشة وقال لها: ياحميراء، وهل امرك رسول الله ان تخرجي الى هذه الحرب ضدي؟ الم يأمرك زوجك رسول الله(ص) بأن تقري في بيتك؟... هؤلاء جاؤوا بك الى المعركة وجحدوا رسول الله، لانهم تركوا نساءهم في منازلهم آمنة هانئة، وجاءوا بك، انت التي تمثلين عِرض رسول الله وحَرَمه، الى ساحة المعركة. يا عائشة لم حرضت الناس علي وقذفتي ضغينتي في قلوبهم، ليتسببوا بكل هذا العبث والدمار!!!... فما كان من السيدة عائشة، الا ان تتخذ الصمت ازاء الامام، واكتفت بالقول: ياعلى انك قد ظفرت بنا ولك الامر والسلطان، فأنت اجدر بالعفو في مثل هذا الوقت، وبعبارة واحدة قالت له:"ملكت فاسجح".وبعد انتهاء معركة الجمل، جمع الامام علي معسكره واكد لهم ضرورة احترام الطرف الآخر وقال:« نحن نَمُنّ علیهم بشهادة ان لا اله الا الله» اي اننا سنواصل احترامهم، ما داموا ينطقون بشهادة لا اله الا الله.

• إعادة السيدة عائشة الى المدينة المنورة باحترام:

وما ان وضعت حرب الجمل اوزارها واستقرت الاوضاع، طلب الامام علي(ع) من ابن عمه عبدالله بن عباس، ان يذهب الى السيدة عائشة ويُقنعها بالعودة الى المدينة. إلا انها لم تُعر له اهمية، ولم تُقرر العودة الى المدينة المنورة.ثم عمد الامام علي للذهاب بنفسه الى خيمة السيدة عائشة، ليطلب منها العودة الى المدينة المنورة ثانية، لكنه فوجئ بوجود نسوة يندُبن قتلاهن في خيمة عائشة، وكانت بينهن صفية بنت الحارث الثقفي، التي عُرفت بشدة حقدها الدفين للامام علي(ع). فما كان من الامام الا ان يقول لها، انا لا اُوجه لك الملامة على هذا الحقد والعداوة، لاني قتلتُ جدك في معركة بدر، وعمك في معركة احد، وها أنا قد قتلت زوجك في هذه المعركة. فلو اني كنت قاتل اعزتك واحبتك، لكنت قتلت اليوم كل من لجأ الى هذه الخيمة(وكان(ع) يقصد عبدالله بن الزبير ومروان، اللذين لجئا واختفيا فيالمكان الآمن، الذي خصصه الامام نفسه للسيدة عائشة، حتى تعود الى المدينة المنورة). وفي صبيحة اليوم التالي، ارسل الامام علي(ع) ابنه الحسن المجتبى للسيدة عائشة، ليقول لها ان ابي يقول: "قسما بالذي فلق الحبة وبرئ النسمة، قسما بالله الذي خلق الانسان، لو لم تعتزمي الرحيل الى المدينة حالا، سأُنفذ ما خوَّلنيه رسول الله تجاهك". فما ان سمعت عائشة هذا الكلام، حتى نهضت معلنة استعدادها للرحيل الى المدينة. احدى الحاضرات في خيمتها، لما شاهدت ذلك منها تساءلت قائلة: لماذا لم تهتمي بطلب عبدالله بن عباس وحتى بطلب علي نفسه، ولم تقصدي الرحيل الى المدينة؟فماذا حمل لك هذا الشاب من ابيه، حتى قبلتي كلامه وقمتي مسرعة؟!!!. فقالت السيدة عائشة: ان هذا الشاب، هو بقية رسول الله، ويُجسد كل اخلاقه وسماته. فالنظرُ اليه يُذكرني برسول الله (ص)، وكل من اراد ان ينظر الى وجه رسول الله، فلينظر الى هذا الشاب. ومن ناحية اخرى فإن هذا الشاب حمل لي رسالة من ابيه، أرهبني منها، ودفعتني بقبول الحركة فورا. فتمادت تلك المرأة بالسؤال وقالت، فما الذي حمله هذا الشاب من ابيه علي(ع) لك؟ وحالفتها بالقسم لتنقل لها ما كان كما هو؟ فذكرت لها السيدة عائشة، تلك الواقعة التي حدثت في احدى غزوات الرسول(ص)، حيث اوكل النبي الاكرم، امر ازواجه وتطليقهن فيها الى الامام علي(ع)، و شرحتها لها بالتفصيل.(24)

ويقول مؤلف كتاب "العقد الفريد": فلما وافقت عائشة على العودة، جهَّز لها الامام علي متاع العودة، وارسل معها اربعين، وعلى قول سبعين امرأة ترافقها الى المدينة المنورة.كما يقول الطبري في تاريخه: ان علي بن ابيطالب اعطى السيدة عائشة اثني عشر الف درهما، وارسل معها عددا من النسوة والرجال، ليواكبوها في رحلة عودتها الى المدينة المنورة.

اما المسعودي فيقول: ان الامام علي كلف عبدالرحمن بن ابي بكر، ان يصطحب ثلاثين امرأة اخرى، من قبيلة عبد القيس وهَمْدان، ليُرافق شقيقته السيدة عائشة الى المدينة المنورة.(25)

كما ذكر اليعقوبي وابنُ الاعثم في تاريخيهما الخبر ذاته.وما يهمُنا ويُلفت النظر، ويُلزمنا تعلُّم الدروس منه، هو تعامُل الامام علي(ع) مع السيدة عائشة، وكيفية اعادتها الى المدينة بعز واحترام. فقد امر الامام بإعادة ام المؤمنين مع عدد من النسوة الى المدينة، وهن متوشحات بالخمار، هذه الحالة اثارت حفيظة السيدة عائشة، لكن النسوة بعد ما وصلن المدينة المنورة، كشفن عن وجوههن. فلما رأتهن السيدة عائشة، وان كلهن كنَّ من النساء، عرفت مدى احترام وتكريم الامام علي(ع) لنساء النبي(ص)، وايقنت انه يُكِنُّ احتراما لهن اكثر مما كانت تتصور.

• السيدة عائشة بعد واقعة الجمل:

كانت السيدة عائشة دقيقة وعارفة، حيث تمكنت ومن خلال جملة قصيرة ولكنها عاطفية، تستعطف عِطف رجل رؤوف ليعفو عنها، حيث قالت له: [ياعلى انك قد ظفرت بنا ولك الامر والسلطان، فأنت اجدر بالعفو في مثل هذا الوقت، فالآن "ملکت فاسجح"]. وهذه العبارات، تدل على ان السيدة عائشة، كانت تتمتع بطاقة عالية في فن الخطابة والكلام. ويُروى عن السيدة عائشة انها كانت تقول:«ان یوم الجمل لمعترضٌ فی حلقي». كما ان ابن الاثير يروي ان ذات يوم، ذُكرَت واقعةُ يوم الجمل عندها، فتساءلت: فهل ان الناس مازالوا يتذكّرون ذلك اليوم؟ فقيل: نعم، فقالت: كم كُنتُ اتمنى لم اشارك ذلك اليوم في تلك الواقعة...!!! .

كما يذكر المؤرخون ان رجلا يُدعى "مسروة" كان يقول: عندما كانت السيدة عائشة تقرأ الآية الكريمة: "وقرن في بيوتكن"، كانت تبكي كثيرا حتى يبتلُ الخمار الذي عليها.

• عمرو بن العاص وتعامله مع السيدة عائشة:

ذات يوم كان عمرو بن العاص يتكلم مع السيدة عائشة، فقال لها: كم كنتُ اتمنى ان تُقتَلين يوم الجمل، فسألَته لماذا؟ فقال لها: عندها كنتِ انت تلقين حتفك وتدخُلين الجنة، ونحن كنا نتمكن من اتخاذ مقتلك، اكبر ذريعة لمواجهة ومقارعة حزب الامام علي.(26)هذا الكلام الذي صدر عن عمروبن العاص، يدلُ على عمق النوايا والخفايا، التي كان يُكِّنُّها بنو امية، ويفضح الاهداف التي سيّروا حرب الجمل من اجلها، كما يكشف تباعد آراء واهداف الاحزاب المناهضة للامام علي، والتي قرعت طبول الحرب ضده.

كما ينقل التاريخ تعاملا آخر من عمرو بن العاص للسيدة عائشة، وهو قريب من هذا المقام، حيث يُقال: ان ذات يوم تم التطرق لمقتل ذوالثدية على يد امير المؤمنين عند السيد عائشة، فطلبت من الحاضرين ان يُوقعوا محضر هذه الحادثة ويقدموه لها. فيقول المتحدِّث ومن كان يروي الحديث، عندما جاءوا بالمحضر الى السيدة عائشة، نظرت اليه وقالت: لعن الله عمرو بن العاص، كان يدَّعي انه هو الذي قتل ذو الثدية في مصر(27).

اما المؤرخ ابن كثير عندما يروي هذه القصة، يُضيف: عند ذلك اجهشت السيدة عائشة بالبكاء الشديد، وما ان هدأت قالت:"رحم الله عليا، لم يحِد عن الحق طرفة عين ابدأ،وما حدث بيني وبينه، كان كما يحدث بين النساء واُسَرِ ازواجهن". وما يُثير التساؤل هنا، لماذا كان عمرو بن العاص، يطرح مزاعم، وينسبها لنفسه زورا وبهتانا؟ والجواب واضح: اذا راجعنا الاحاديث المنقولة عن الرسول الاكرم(ص) ستتضح الامور وضح النهار. فالعلماء والمؤرخون ينقلون الكثير من الاحاديث التي تذُم ذوالثدية، وتُمَجِّدُ قاتله، وعمرو بن العاص، كان يُريد ان ينسب مدح النبي(ص) لنفسه.

• السيدة عائشة وعلاقتها بذويها وأقربائها:

كانت السيدة عائشة تربطُها علاقة وثيقة بذويها واقربائها، وكانت تهتم بهم كثيرا. احد اسباب ارتباطها بذويها، التطورات التي طرأت على حياتها وحياة اخيها محمد بن ابي بكر. فقد كانا معاً في معارضة عثمان بن عفان اثناء خلافته، لكنهما اختلفا بعد موته. فمحمد بن ابي بكر وقف الى جانب علي بن ابيطالب(ع)، ورافقه في واقعة الجمل وقاتل ضد شقيقته(السيدة عائشة وجيش الجمل)، ولما امره الامام علي ان يتفقد اخته بعد الواقعة، ذهب اليها وقال: انا اقرب من كل اقربائك اليك، وابغضهم اليك. لكنها عندما اطمأنّت من سلامته، حمدت الله سبحانه وتعالى، وعندما سمعت بمقتله في مصر، تألمت كثيرا، وبكتهطويلا، وتكفّلت حياة زوجته وابنها.(28)

عن القاسم بن محمد بن ابي بكر انه كان يقول: عندما كنا عند السيدة عائشة، لم ار اًمّا او والداً اكثر منها حنانا لنا، فقد كانت تعاملنا بلطف ورحمة، وكانت تضعني دائما في حجرها وتتطلف عليّ(29).

• سلوكيات واخلاق السيدة عائشة:

يقول الذهبي، ان السيدة عائشة كانت إمرأة مرهفة، بليغة، و محنّكة وسخية و... وتمتاز بذهنٍ قوي ومرهف، وكانت تحفظُ الكثير من الأشعار والعلوم الطبية التي عاصرتها.وعن ملبسها ومظاهرها يروي ابن سعد صاحب كتاب الطبقات، عن القاسم ابن اخيها محمد بن ابي بكر: انها كانت تلبس ملابس صفراء، وتتختم بخواتيم ذهبية. كما يروى عن عروة بن الزبير ايضا: ان السيدة عائشة كان لها خمار من حرير، وكانت ترتديه بين الحين والآخر، وبالتالي وهبته لإبن شقيقتها (أسماء)عبدالله بن الزبير. كما ينقل القاسم بن محمد بن ابي بكر، ان السيدة عائشة كانت، تحرم بملابس صفراء، فتلبس الثوب الاصفر وتتزين بحلي من الذهب الاصفر ايضا.(30)

ينقل عبدالرحمن بن القاسم، عن امه حيث كانت تقول: رأيت السيدة عائشة، كانت تلبس الملابس الحمراء الصارخة، وهي في طريقها الى الإحرام للحج(31). كما ان التاريخ سجّل الكثير من أمثال هذه الاخبار والقريبة منها، عن احوال وسلوكيات السيدة عائشة.واما عن سخاء السيدة عائشة، تقول ام ذرة التي كانت تتردد عليها دائما: ذات يوم بعثوا بصُرتين كبيرتين من المال للسيدة عائشة، فقالت: اظنُّ انهما تحتويان على ثمانين الف او مئة الف درهم. ثم دعت بطبق، وكانت ذلك اليوم صائمة، وبدأت بتقسيم الاموال، ولما جنَّ عليها الليل، لم يبق درهما واحدا عندها من ذلك المال، فلما حان وقت الافطار، طلبت من وصيفتها ان تحظر لها الافطار، فجاءت لها بشيئ من الخبز وزيت الزيتون. تقول ام ذرة، قلت لها ألم تتمكني من ابقاء شيئا من تلك الاموال التي وزعتيها على الناس، لتشتري لنا لحما لنُعِدّ به طعام الافطار؟ فأجابتها السيدة عائشة: لاتلوميني لو ذكَّرتيني بذلك، لكنت ابقيتُ منه شيئا(32).

وفي خبر آخر عن عروة بن الزبير انه قال: ذات يوم رأيت السيدة عائشة، قسَّمت سبعين الف درهم بين الناس، في حين انها كانت ترتدي ملابس مرقعة، فاغتاض عبدالله بن الزبير من ذلك السخاء وقال: اني لاعتبرها "حشيرا" بعد اليوم. اي انها لاتعرف كيف تتصرف في اموالها (ومن الضروري ان نسلب خيارها من التصرف بالاموال)، كي لا تفعل ذلك ثانية في اموالها. وعندما وصل هذا الكلام الى السيدة عائشة، قالت نذر عليَّ بأن لا اكلِّمَه حتى الموت. لكن عبدالله بن الزبير، بعث الكثير من الشخصيات، ليتوسطوا بينه وبين خالته، فأبت من ذلك، وكانت تقول: والله لن ارتكب هذا الذنب من اجله(اي لا اترك السخاء و أكنز الثروة والاموال). واستمرت القطيعة بينهما لعامين متتاليين، حتى انه ذات يوم، تنكَّر ودخل عليها مع شخصين، واقسم عليها بالقرابة والرحم الذين بينهما ان تُكلِّمَه، وبعد اصرار كثير، وافقت السيدة عائشة على استئناف الكلام معه.(33)

• وفاة السيدة عائشة:

يروي صاحب كتاب"بلاغات النساء" ان السيدة عائشة، كانت قلقة جدا عندما حضرتها المنية، فقيل لها: لماذا كل هذا القلق والانهيار، الم تكوني احدى امهات المؤمنين؟ فقالت: والله ان یوم الجمل لمعترض فی حلقی.(34)

اما الذهبي فيقول في كتابه ميزان الاعتدال: ان السيدة عائشة لما حضرتها المنية قالت: اذا متُ، ادفنوني الى جانب باقي ازواج الرسول الاكرم(ص). ويضيف الذهبي: ان السيدة عائشة توفيت بعد صلاة ركعة الوتر من صلاة الليل لليلة السابعة عشرة من شهر رمضان المبارك، من عام ثمانية وخمسين للهجرة النبوية الشريفة. وقد دُفنت في نفس الليلة حسب وصيتها. فلما كانت تلك الليلة، اجتمع المهاجرون والانصار، وعدد كبير من المؤمنين، حتى اضطروا لحرق سعف وجذوع النخيل لإنارة الطريق. ويقول الراوي: رأيت نساء المدينة، مجتمعات تلك الليلة في مقبرة جنة البقيع، وكأنه يوم عيد، وقد ازدحمت فيه المقبرة لزيارة قبور الاموات.وحينها كان ابو هريرة واليا على المدينة من قبل مروان بن الحكم، فتولى الصلاة على جنازة ام المؤمنين عائشة، حتى تم دفنها الى جانب باقي ازواج النبي(ص) في مقبرة جنة البقيع الغرقد. وكان عُمر السيدة عائشة حين وفاتها ثلاثة وستون عاما وبضعة اشهر(35).

• الشخصية الروائية والفقهية للسيدة عائشة:

هناك الكثير من الاحاديث مروية عن السيدة عائشة، واذا ما راجعنا اهم مصدرين لأتباع مدرسة الخلافة، لوجدنا صحيحي مسلم والبخاري، يزخران بالأحاديث التي تفوق المئتي حديث، منقولة عن الرسول الاكرم(ص) بواسطة السيدة عائشة. حتى ان ابن سعد كان يقول انها كانت تفتي وتُصدر الاراء الفقهية حسب ما تراه من سنة الرسول. كما ان العلامة الراحل السيد مرتضى العسكري، كان يؤكد في كتبه: انها كانت تُذكِّر الصحابة بأخطائهم، وتصحح مساراتهم.وقد ذكر ابن سعد في طبقاته: "ان السيدة عائشة استقلت بالفتوی فی عهد ابی بکر وعمر وعثمان وهلُّم جرا الی ان ماتت".(36) وهذا ان دل على شيئ، فانما يدل على ان السيدة عائشة لم تكن راوية فحسب، بل انها كانت تظهر في مرتبة اصدار الفتوى ايضا.كما ان الروايات والاحاديث المنقولة عنها، تؤكد انها كانت تتطرق الى مواضيع العبادات والمعاملات والقضايا الاجتماعية ايضا. حتى ان بعض الاخبار المنقولة عنها تؤكد انها كانت تتطرق الى القضايا العائلية، ومعايش الاُسَر، اضافة الى تعاملاتها مع باقي ازواج النبي وآله، بمن فيهم فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) واحفاد الرسول الاكرم(ص) وعلي بن ابيطالب(ع). فقد كان كمّاً كبيراً، من الاخبار المنسوبة الى السيدة عائشة، يحتوي على اوصاف واخلاق النبي الاسلام وسجاياه.

• جانب من الاحاديث المنقول عن السيدة عائشة:

الروايات المنقولة عن السيدة عائشة في فضائل ام المؤمنين خديجة الكبرى وعلي بن ابي طالب(ع) وفاطمة الزهراء (س):

1- كانت السيدة عائشة تقول: مازال النبي(ص) يذكر خديجة قبل خروجه من الدار، ولدى عودته اليها يمتدحها، حتى اني ذات يوم وجدته يذكرها ويمتدحها كما في السابق، ولم يألُ جهدا في امتداحها، فساورني الحسد واعترتني الغيرة النسوية، فقلت له: "يارسول الله ما لك مازلت تذكر خديجة؟ الم تكن عجوزا وابدلك الله خيرا منها"؟ فما كان من النبي الا ان ينتفض ويقول:"لا والله، لم يُبدلني بأحسن منها، ولم احصل على افضل منها، فقد آمنت بي حين كفرتم، وصدّقتني حين كذّبتموني، ونصرتني بأموالها وثروتها حين خذلتموني، وولدت لي حين عقمتم". عندها قالت عائشة: "فقطعتُ على نفسي، ان لا اذكر خديجة بسوء بعد ذلك اليوم".

2- ذات يوم قلتُ لرسول الله، ان فاطمة اقبلت، فقمتَ اليها وقبَّلتَها من فمها، وكأنك تريد ان تُلقِمَها شيئاً من العسل؟ فقال(ص): نعم ياعائشة، عندما عرجتُ الى السماء، ادخلني حبيبي جبرائيل الى الجنة، ثم ناولني تُفاحةً من فاكهة الجنة فأكلتُها، فصارت نطفةً في صُلبي، وعندما نزلت الى الارض، اقتربت من خديجة، وان فاطمة من تلك النطفة. فهي حوراءٌ انسية. وكلما اشتقت الى الجنة، قبَّلتُها(37).

3- كان الرسول الاكرم(ص) خارجاً من البيت عند الظهيرة، وعليه كساء(عباءة) صوف من شعر اسود. فجاء الحسن بن علي، فأدخله الرسول تحت كسائه(عباءته)، ثم جاء الحسين(ع) وادخله الرسول ايضا، ثم جاءت فاطمة(س) وضمَّها الرسول اليهما ايضا، ثم جاء علي(ع) فضمه الرسول اليهم ايضا، ثم قال:" إنما یُرید الله لیُذهب عنکم الرجس اهل البیت و یُطهرکم تطهیرا".(38)

4- سألوا السيدة عائشة عن علي(ع)، فقالت: ماذا عساني ان اقول فيه، وهو احبُّ الناس الى رسول الله(ص)؟ فقد رأيتُ رسول الله ضمه وفاطمة والحسن والحسين بعباءته وقال: "ان هؤلاء اهل بيتي، اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". فقيل لها اذا كان كذلك فلماذا خرجت عليه؟ فقالت: انا نادمة من ذلك، وتلك هي قسمتي(39).

5- يروي عبدالله بن موسى، عن زكريا بن ابي فراس عن مسروق عن عائشة انها قالت: والله الذي لا معبود سواه، ان مَشي فاطمة لايختلف عن مشي ابيها ابدا، فكلما كان يراها رسول الله(ص) تمشي، كان يقول: مرحبا بك يا بنيتي، فاطمة، ثم يقول:"الا ترضين بأنك سيدة النساء المؤمنات أو نساء امتي في يوم القيامة؟"

6- ذات يوم قالت السيدة عائشة لفاطمة: "الا يُفرحك بأني سمعت رسول الله(ص) يقول: ان سيدات نساء الجنة اربع نسوة، هنَّ: مريم بنت عمران وفاطمة بنت محمد(ص) وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون."

7- يُروى عن السيدة عائشة انها قالت:"عندما كان يعود رسول الله من السفر، كان يُقبِّل فاطمة ويقول: اني لأشُمُّ منها رائحة الجنة"8

8- روي عن عائشة انها قالت: قال رسول الله(ص) لفاطمة: ان جبرائيل اخبرني بانَّك ستُصابين بمصائب لا تُصيب ايا من نساء العالم. فعليك ان تصبري، ولا يكن صبرُك اقلَّ من اقلهن صبرا".(40)

9- تقول السيدة عائشة:" بالتأكيد لااصدَقَ من فاطمة سوى ابيها."(41)

10- يروى عن السيدة عائشة، انها قالت: لم ارَ احداً اشبه من فاطمة بأبيها في الكلام والحديث. فإذا دخلت فاطمة في محفلٍ ما، قام لها والدها وقبَّل يدها ورحَّب بها. كما انها كانت تُعامل النبي(ص) بنفس الاسلوب.

11- لما مرض النبي الاكرم(ص) مرضه الاخير، كنّا عنده ونُراقبه بدقة، ولما جاءت فاطمة كانت تمشي مثل ابيها، ولايختلف مشيها عن مشيه، ولما رآها رحَّب بها وقال: اهلا بك يا بنيتي، واجلسها الى جانبه. ثم اسرَّها سِرّا، وصارت تبكي، فقلت لها: يافاطمة ان الرسول خصك بهذا السِر، فلماذا تبكين؟ ثم أسرّها مرة اخرى، فاذا بها تبتسم. فقالت عائشة: قلت لفاطمة: اقسم عليك بالحق الذي لي عليك، قولي لي، ماذا قال رسول الله(ص) لك؟ فقالت فاطمة(س) انا لا ابوح بأسرار رسول الله(ص). فقالت عائشة: لما رحل الرسول الاكرم(ص)، سألت فاطمة عن ذلك السر، فقالت فاطمة: الان اُخبرك به. امادليل بكائي ان النبي الاعظم(ص) قال لها ان جبرائيل كان يُنزل القرآن عليه مرة كل عام، لكنه انزله عليه هذا العام مرتين، مايُؤكد قُرب اجله(ص)، وهذا ما ابكاني. ثم قال: اصبري واتقي الله، ألا ترضين انك بصبرك على المصائب ستكوني سيدة نساء امتي؟ فابتسمت لذلك؟

12- وتقول السيدة عائشة: دخلت فاطمة(س) ولاتختلف خطواتها عن خطوات ابيها رسول الله(ص)، حتى قال النبي(ص) اهلا بك يا بنيتي. ثم هَمس في اُذنها، فبكت، ثم ابتسمت. وعندما سؤلت عن سبب بكائها وابتسامتها، قالت: "بكائي كان لرحيل رسول الله(ص)، وابتسامتي كانت، بأنه بشّرني بأني اول من سيلحق به". (42)

13- تروي السيدة عائشة عن النبي(ص)حيث كان يقول: "فاطمة بضعةٌ مني، فمن آذاها فقد آذاني"(43).14

14- قالت عائشة:سمعت من رسول الله(ص) انه قال: يوم القيامة يُنادي المنادي: يا معشر الجن والانس، غضوا ابصاركم، وطأطئوا برؤوسكم، لتجتاز فاطمة(س) بنت محمد(ص) الصراط.(44)

15- روي عن السيدة عائشة: ان فاطمة(س) كانت احبُّ النساء الى رسول الله(ص)، وكان زوجُها علي (ع) احبُّ الرجال اليه ايضا.

16- روت عائشة: ان رسول الله(ص) قال: عليٌ مع الحق والحقُ مع علي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.(45)

17- قالت عائشة: لطالما رأيت ابا بكر يُمعِنُ النظر في وجه عليّ، فقلت: يا أبتاه ما لي اراك تُحدِّقُ في وجه علي كثيراً؟ فقال يابنيتي، سمعتُ من رسول الله(ص) انه قال: النظرُ الى وجه علي عبادة.(46)

18- يروي الحافظ بن حجر العسقلاني في كتابه (الاصابة في معرفة الصحابة ج8، ص 183)ان ليلا الغفاري كانت تقول: كنتُ احضر مع النبي الغزوات والحروب، لاقوم بمعالجة الجرحى. فلما عزم عليٌ بجيشه الى البصرة كنتُ معه ايضا. ثم رأيتُ عائشة، فذهبت اليها وسألتها: وهل سمعتي كلاما من النبي(ص) في فضل علي؟ فقالت نعم، فقد كنتُ ذات يوم جالسة مع النبي، فدخل عليٌ على النبي، وجلس بيني وبين النبي، فقلت له الم تجد مكانا اكثر وسعا لتجلس فيه؟ فقال رسول الله(ص):"اتركي اخي لي، والله انه اول من آمن بي وسيكونُ اول من يلتقي بي يوم القيامة".

19- قالت السيدة عائشة: كنت جالسة مع النبي(ص) اذ دخل علينا علي بن ابي طالب، فقال النبي(ص) يا عائشة ان هذا سيد العرب. فقلت يا رسول الله الم تكن ان سيد العرب؟ فقال(ص): انا سيد وُلد آدم وهذا هو سيد العرب.(47)

20- يروي الصنعاني في كتابه "الفضائل" عن عكرمة، ان السيدة عائشة قالت:"كلما كانت فاطمة تدخل على رسول الله(ص)كان يقوم من مكانه، ويُقبّلها في جبهتها ورأسها، ثم يُجلسها في مكانه، وكلما ذهب اليها ابوها كانت تستقبله ويتعانقان ويُقبل بعضهما البعض، ثم يجلسان معا".

21- قالت السيدة عائشة: قال رسول الله(ص): "افضلُ اخواني علي بن ابيطالب وافضل عمومتي الحمزة بن عبدالمطلب.(48)

22- يروى عن السيدة عائشة، ان الرسول الاكرم(ص) قال: السابقون هم ثلاثة، السابق ليُدرك موسى(ع) وهو يوشع بن نون، والسابق لعيسى(ع) وهو صاحب يس(ياسين) والسابق لمحمد(ص) هو علي بن ابي طالب.(49)

23- قالت عائشة: ذات يوم كنا مع رسول الله(ص)، فسألت فاطمة رسول الله وقالت: روحي فداك يا رسول الله، ماذا ترى في مستقبلي؟ فقال(ص) انت افضل نساء العالم. فقالت يارسول الله وماذا رأيت لابن عمي؟ فقال: انه لايُقاس به مخلوق من عباد الله.(50)

24- روي عن السيدة عائشة انها كانت تقول: "ان علي بن ابي طالب اعلمكم بالسنة".(51)

25- روي عن السيدة عائشة انها قالت: "ان النبي كان يُقبِّلُ فاطمة في (عُرفها) جبهتها كثيرا".(52)

26- يروى عن عائشة انها قالت: ان الله لم يخلُق بشرا، احبُّ من علي بن ابي طالب الى رسوله(53).

27- قالت السيدة عائشة: ذات يوم كان علي بن ابي طالب يدخل علينا فقال(ص): ان هذا سيد ومولى المسلمين. فقلت يا رسول الله الم تكن انت سيد ومولى المسلمين؟ فقال(ص): انا خاتم الانبياء ورسول الله الى العالمين.(54)

 

• واليكم بعض الروايات المنقولة عن السيدة عائشة في المجالات المختلفة:

1- يروي عمرة عن السيدة عائشة انها كانت تقول: سمعت رسول الله يقول: من يزر قبر ابيه وامه او احدهما يوم الجمعة، ويقرأ سورة يس عند القبر، فإن الله سيغفر له بعدد احرف السورة.(رواه الطبراني وابن عدي والديلمي)

2- روت السيدة عائشة عن رسول الله(ص): ذات يوم جاءه رجل مع شخص آخر طاعنٌ في السن، فسأله النبي(ص)، من هذا الذي معك؟ فقال له انه ابي. فقال: اذاً لا تتقدم عليه في المشي، و لا تجلس قبله، ولا تُخاطبه بإسمه، ولاتفعل شيئا يُسبب السب والشتم له.(الهيثمي)

3- روى عمرة عن السيدة عائشة، انها روت عن رسول الله حيث كان يقول: ان صلة الارحام، وحُسن الخلق، والجيرة الحسنة، يعمران الارض ويُطوِّلان العمر.(مسند احمد والبيهقي)

4- روت السيدة عائشة عن الرسول الاكرم(ص) أنها سألته ذات يوم: مَن هو الذي له الحق الاكبر على المرأة؟ فقال(ص): زوجها، فقالت مَن الذي له الحق الاكبر على الرجل؟ فقال(ص): امه (رواهحاكم النيسابوري في كتابه المستدرك على الصحيحين).

5- روى عروة بن الزبير عن السيدة عائشة، ان رسول الله (ص) قال: ياعائشة اذا اقترفت ذنبا، استغفري الله، لأن التوبة من الذنوب، ابداء الندم والاستغفار.(رواه احمد ومسلم والبخاري)

6- روى عبدالله بن الزبير عن السيدة عائشة عن النبي(ص)انه قال: ان الرضاعة مرة او مرتين لاتجلب الحلية،(رواه ابن ماجة ومسلم وابو داوود والنسائي واحمد والدارقطني)

7- روت دلال بنت ابوالمدل، ان الصهباء روت عن السيدة عائشة وقالت لنا: سألت الرسول الاكرم(ص) ماهو حدُ الجيرة؟ فقال اربعين منزلا. (رواه البيهقي)

8- يروي عروة بن الزبير، عن السيدة عائشة عن رسول الله(ص) انه قال: لاينام المؤمن شبعانا، وجاره جائع.(=او من نام شبعانا وجيرانُه جائع فليس بمؤمن، رواه المنذري)

9- يروي الاسود عن السيدة عائشة انها سمع عن رسول الله (ص): لا تُعط للمسكين ما لاتأكل. (رواه احمد في مسنده)

10- تروي السيدة عائشة عن النبي الاكرم(ص) ان قال: الارض لمن احياها، وهو اولى بها من غيره، ولا يملكها سواه.(رواه البخاري والنسائي واحمد)

11- يروي هشام بن عروة عن ابيه الزبير عن السيدة عائشة عن النبي(ص) انه كان يقول: النكاح سنتي(وسبيلي)، فمن رغب عن سنتي فليس مني(فليس من امتي)، فتناكحوا وتناسلوا حتى اُباهي بكم الامم ولو بسقط، وان كنتم ذوي مال وسعة، فتناحكوا وتزاوجوا، وان كنتم في عسرة مالية، فصوموا واتخذوا الصيام درعا داعما لكم(رواه ابن ماجة والدارمي).

12- يروي عروة بن الزبير عن السيدة عائشة عن النبي(ص)انه قال: ان الله ينظر لعباده في ليلة النصف من شعبان، ويغفر للمستغفرين منهم، وينشر رحمته على من يطلبها، ويترك الحاقدين على حالهم(رواه البيهقي).

13- يقول ابن ابي مليكة: قيل للسيدة عائشة أن إمرأة تنتعل خفين، فقالت: ان رسول الله لعن النساء اللواتي يتشبهن بالرجال(رواه ابو داوود في سننه).

14- روت السيدة عائشة عن رسول الله (ص) انه قال: "افضل نساء امتي، احسنهن خلقا و اقلهن مهرا"(رواه بن عدي).

15- روى جابر بن عبدالله الانصاري عن السيدة عائشة عن رسول الله، انه قال: ثلاثة تجلي الانظار وتُقوّي الابصار وهي الماء والخضراء والوجه الحسن.(رواه ابو نعيم)

16- روت السيدة عائشة عن النبي(ص) انه قال: عَفّوا انفسكم، تعفَّ نساءكم، وتزكوا و احترموا آباءكم، كي يحترمكم ابناءكم ويُحسنوا التعامل معكم، وان اعتذر احدكم لاخيه المسلم ازاء خطأ ارتكبه تجاهه، ولم يقبل اخيه اعتذاره، فانه لن يَرد علي الحوض(رواه الطبراني).

17- روى القاسم بن محمد بن ابي بكر عن السيدة عائشة عن رسول الله(ص) انه قال: "احب الاعمال الى الله اكثرها استمرارا مهما صَغُر العمل."

18- روى هشام بن عروة عن ابيه الزبير عن السيدة عائشة عن النبي(ص) ان الله عزوجل يقول: "ان لعبدي عهد علي، فإذا اقام الصلاة في وقتها، لا اُعذِّبه واُدخله الجنة دون حساب". (رواه حاكم النيسابوري)

19- روى هشام عن ابيه عن السيدة عائشة عن النبي(ص) انه قال:" ان الله اوجب على عبده الصلاة في خمس اوقات".(رواه الطبراني)

20- روى سعد بن هشام عن السيدة عائشة ان الرسول الاكرم(ص) كان يقول: "ان ركعتي صلاة الصبح افضل من الدنيا وما فيها."(رواه مسلم والترمذي والنسائي)

---------------------

الهوامش:

1- مسند احمد 6/147

2- مسند احمد 6/151

3- مسند احمد 6/221 حسب رواية قيس بن مخرمة بن الزبير

4- مسند احمد 6/115 حسب رواية عروة بن الزبير

5- راجع صحيح مسلم باب الغيرة(لتجد الكثير من النصوص القريبة من ذلك)

6- مسند احمد 6/111 ، كنزالعمال 3/44 و 4/44

7- مسند احمد (6/277 و144)، النسائي (2/148 و159) وهامش السيرة الحلبية (283-284).

8- الطبقات الكبرى لابن سعد (8/375)

9- طبقات ابن سعد (8/67)، والاصابة في معرفة الصحابة(71 و 75)، وكنز العمال (7/116)، وتاريخ الطبري (4/161)

10- انساب الاشراف للبلاذري (5/29 و 30)

11- اغانيج (4/181)

12- ندعو القراء الاعزاء مراجعة تاريخ الطبري، للوقوف اكثر على احوال واخبار التيارات المصرية وعبدالله بن ابي سرح، وكذلك الكامل لابن اثير وكتاب البلادري وباقي الكتب التاريخية للمذاهب الاسلامية الاربعة، اضافة الى مصادر الامامية في هذا المجال.

13- انساب الاشراف 5/78 ، تاريخ الطبري 5/154، الكامل في التاريخ لابن اثير3/64

14- تاريخ الطبري 5/143، الكامل لابن اثير3/76 ، ابن عثيم 159، الرياض النضره 2/131 – 132

15- تاريخ اليعقوبي باب "بيعة الامام علي" 126

16- الاغاني لابي فرج الاصفهاني 9/142

17- التهذيب لابن عساكر 7/400، وشرح نهج البلاغه 4/482-483

18- المستدرك على الصحيحين لحاكم النيسابوري ج 3/371، وكنزالعمال ج6/85 الحديث 1311

19- كنزالعمال ج 6/85 الحديث 1313، تاريخ الطبري ج 5/205، الكامل لابن اثير ج 2/104

20- تاريخ الطبري ج 5/24 ، ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 2/431

21- تاريخ الطبري 5/199 و204 – الاغاني لابي فرج الاصفهاني1/126 – ابو مخنف عن ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة 1/78 – تاريخ الاعثم – مروج الذهب، وتهذيب التاريخ لابن عساكر 364 – المستدرك على الصحيحين لحاكم النيسابوري 3/366 – 367 – سيرة اعلام النبلاء، للذهبي 1/38 – 39 ، والاصابه في معرفة الصحابة لابن حجر العسقلاني 1/527

22- تاريخ الطبري 5/204 ، تاريخ اليعقوبي 2/158 ، تاريخ ابن عساكر 7/84 – 87 ، الأصابة في معرفة الصحابة 2/222، العقد الفريد لابن عبدربه 4/321

23- شرح نهج البلاغه لابن ابي الحديد المعتزلي 1/87

24- التفاصيل الوافية للواقعة وجواب السيدة عائشة تجدها في ترجمة الفتوح لابن الاعثم 2/339 – 340 .

25- العقد الفريد 4/328 – 329 ، تاريخ الاعثم 182 ، تاريخ اليعقوبي ج 2/213 ، مروج الذهب 5/197

26- المستدرك على الصحيحين لحاكم النيسابوري 4/13، سيرة اعلام النبلاء 2/141، تاريخ ابن كثير 8/303

27- تاريخ ابن كثير 8/303

28- التمهيد والبيان 209 ، تذكرة خواص الأمة 114

29- الأغاني لابي فرج الاصفهاني 21/10- 9

30- ترجمة السيدة عائشة في الطبقات الكبرى لابن سعد وسيرة اعلام النبلاء.

31- الطبقات الكبرى لابن سعد ترجمة السيدة عائشة

32- سيرة اعلام النبلاء ج 2/131

33- حلية الاولياء ج 2/49 - 47

34- صحیح البخاری ج 3/11، الطبقات الكبرى ج 8/51

35- سیرة اعلام النبلاء ج2/136

36- الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8/375

37- كتاب الخطيب بغدادي

38- المستدرك على الصحيحين لحاكم النيشابوري ج 4 ص 1883

39- المحاسن والمساوئ للشيخ ابراهيم بن محمد البيهقي - ص 338 طبعة بيروت

40- فتح الباري في شرح البخاري لابن حجرالعسقلاني الجزء 9 ص 201

41- وثيقة ابويعلي الموصلي الجزء 8 ص 103 طبعة دمشق

42- صحيح البخاري الجزء 4 ص 47 طبعة مصر.

43- ينابيع المودة للحافظ سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي المتوفى عام 1294 هـ. ق. ص 260 طبعة اسطنبول.

44- تاريخ الحافظ احمد ابن علي المعروف بـ "الخطيب البغدادي" المجلد 8 ص 141 طبعة بيروت.

45- روایة ابي بکر، احمد بن موسی بن مردویه بتوثيق محمد ابن ابی بکر.

46- الحافظ المغازلی في المناقب ص 210 عن عبد الرزاق عن معمر عن الزُهری عن عروة بن الزبير

47- تاريخ ابن عساکر الدمشقي ج2، ص261

48- الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني ص124

49- ابن حجر في الصواعق المحرقة عن الدیلمی،(و الطبرانی و ابن مردویه عن ابن عباس)

50- کتاب (الأربعین، ص43) للحافظ محمد بن ابی الفوارس

51- ابن عساکر في ترجمة کتاب (الإمام علی،ج3،ص)

52- العلامه الحافظ علاء الدین في کنز العمال،ج7،ص116، الحدیث18335

53- الحافظ ابو عبد الله محمد بن یوسف الکنجی الشافعی في کفایة الطالب ، ص324

54- ابن عساکر في ترجمة الامام علي باب تاريخ دمشق،ج2، ص263، ويذكر فيه سلسلة الوثائق المنقولة عن ابي جعفر بن ابي مغيرة عن ابن البزي

تم اعداد الموضوع: بمساعدة عدد من باحثي الموقع والشكر الخاص موصول للسيدة مريم حكيم.

عادت حرب تموز لعام 2006 والعدوان على لبنان ونتائجه إلى الجدل في كيان الاحتلال الاسرائيلي ولكن هذه المرة من البوابة الانتخابية.

وقد استغل خصوم رئيسة حزب "الحركة" ورئيسة وزراء حكومة الاحتلال السابقة تسيبي ليفني دورها المحبط في تلك الحرب التي أدت إلى زيادة ما أسموه بـ المخاطر الصاروخية التي تتعرض لها المدن والمجمعات الاستيطانية في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي المقابل، سعى قادة الليكود إلى التأكيد في حملتهم الانتخابية أن خطاب رئيس وزراء حكومة الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو في جامعة بار ايلان وإقراره بحل الدولتين كان تكتيكاً لا أكثر.

اكد قائد القوات البحریة التابعة للجیش الایراني الامیرال حبیب الله سیاري ان استخدام التكتیكات الحدیثة المصممة على ايادي الشباب المتخصصین في القوات البحریة، كانت من اهم ميزات مناورات "الولایة 91".

وقال سياري الیوم الثلاثاء فی تصریح لوكالة "ارنا": "ان تحقیق كافة الاهداف التي حددت سلفا للمناورات البحریة (الولایة 91) تجاوز توقعاتنا".

واضاف: "ان الایمان والاخلاص والخبرة والالتزام والتمسك بالولایة لدی كوادر القوات البحریة للجیش الایراني، وكذلك السرعة في انتشار القوات علی سطح الماء وتحت سطح الماء وعلی السواحل قد فاق التصور" .

واشار سیاري الی كلمة قائد الثورة الاسلامیة بخصوص الاستفادة من المیاه الحرة، واكد انه یتعین الدفاع عن مصالح البلاد ومواردها في المیاه الحرة وشمال المحیط الهندي.

وصرح بان وحدات الساحل للقوات البحرية انتشرت من شرق میناء بندر عباس (جنوب غرب) الی بسابندر في محافظة سیستان وبلوتشستان (جنوب شرق)، مشيرا الى ان الحجم الواسع لاطلاق الصواریخ والمدفعیة ومرحلة رصد واصابة الاهداف المحددة، نفذت بدقة وبنجاح من قبل القوات المشاركة في المناورات.

وتابع سياري: "یوم امس اطلقت وبنجاح عدة صواریخ من تحت السطح وفوق السطح وصواریخ بحر - جو والذي یعد اجراء مهما، ویؤكد علی قوة القوات البحریة للجیش".

واكد ان قوة الشعب الایراني والقوات البحریة للجیش اكثر بكثیر مما عرض خلال الایام الماضیة في المناورات، مشيرا الى ان هذا جزء من قوة الشعب الایراني ویكشف بان هذا الشعب قادر علی المقاومة امام العدو ولا یخشی اي تهدید.

وشدد على ان الاسلحة المستخدمة في المناروات محلية الصنع ، قائلا "ان كافة الاسلحة المستخدمة في المناورات البحریة الولایة 91 جدیدة او تم صیانتها ما یكشف عن عدم الحاجة الی الاخرین في توفیر المعدات العسكریة".

وانتهت الیوم مرحلة تنفیذ العملیات التكتیكیة للمناورات البحریة "الولایة 91"، علی ان تبدأ غدا الاربعاء المرحلة الختامیة للمناورات بعودة القطع البحریة للقوات المشاركة بالمناورات الی مواقعها السابقة .

الثلاثاء, 01 كانون2/يناير 2013 06:15

معالم الحجّ ونظامه في سيرة أهل البيت (ع)

السيّد منذر الحكيم

الحجّ ركن من أركان الإسلام

تحظى فريضة الحجّ باهتمام المسلمين جميعاً وتعتبر من الشعائر والعبادات التي يتفق على وجوب أدائها جميع المذاهب الإسلامية.

كما تعبّر هذه الفريضة عن وحدة الأُمّة الإسلامية واستقلال كيانها.

وهي بعد ذلك كلّه: رمز قوّتها وعظمة قدرتها واستمرار حيويّتها.

لم تستطع أيدي العابثين أن تعطّل هذه العبادة العظيمة بالرغم من سعيهم الحثيث لإفراغها من مضمونها ومحتواها الكبير ويعود ذلك لأسباب منها:

1 ـ الدور الفاعل لأهل بيت الوحي (ع) بما فيهم سيّد المرسلين وأئمة المسلمين من أبناء الرسول العظيم الّذين تابعوا الرسول الكريم’ في خطاه الحكيمة، واتّبعوا القرآن العظيم في توجيهاته السديدة.

فسلكوا سبيل الهدى بكلّ ما أُوتوا من حول وقوّة وحكمة حتى بيّنوا معالم وتفاصيل هذه العبادة المهمة بشعائرها المتنوعة، وأرسوا دعائمها التشريعيّة.

2 ـ وحثّوا على أدائها كلّ مَن يرتبط بهم من قريب أو بعيد.

3 وجسّدوا كلّ ما قالوه عن الحجّ في سلوكهم السويّ .

4 ـ ولم يكتفوا ببيان تاريخها العريق من لدن آدم (ع) إلى خاتم الأنبياء’وفضائلها وآثارها الدنيوية المادية وأجرها الأُخروي .

5 ـ وإنّما عكفوا على بيان فلسفتها شعيرة شعيرة، وعملاً عملاً، ونفذوا إلى أعماقها ليصوّروا عرفانها بالعمل قبل البيان وبالجَنان قبل اللّسان.

مميزات الحجّ في مدرسة أهل البيت(ع)

لقد تميّزت مدرسة أهل البيت في نظرتها إلى الحجّ وشعائره بمميّزات أعطت الحجّ مضموناً خاصاً، وشكلاً متميزاً يُشار من خلاله إلى أتباعها بالبنان، وهو يثير لدى المسلمين عامة أسئلة شتّى عن آفاق البعد المعنوي والسياسي المتميّز للحجّ عندهم، اقتداءً بأئمة أهل البيت المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ويمكن تلخيص هذه المميّزات في عدّة نقاط:

الأُولى: شدّة الإهتمام.

الثانية: الإهتمام بالشكل والمضمون معاً.

الثالثة: التركيز على البُعد السياسي والجهادي والعبادي.

الرابعة: تعميق البُعد العبادي والعرفاني.

الخامسة: مقاصد الكتاب والسنّة السادسة: كثرة التفريع والتفصيل لأحكام الحجّ.

إنّ أهل بيت الرسول الأمين’ وعترته المعصومين الذين قرنهم الرسول’بمحكم التنزيل واعتبرهم عِدلاً للقرآن العظيم في حديث الثقلين( 1) الشهير وحديث السفينة(2) وحديث النجوم(3 ) وغيرها ممّا ورد في تفسير آيات الذكر الحكيم التي تشير إلى أنّهم أهل الذكر(4 )

وولاة الأمر( 5) والحافظون لحدود الله(6 ). هم الروّاد الصادقون(7) الأُمناء على شريعة جدّهم ورسالته حيث عصمهم الله من الزلل وآمنهم من الفتن والمطهّرون(8) الّذين يتسنى لهم تفسير الكتاب كما ينبغي(9) واقتفاء أثره اقتفاءاً يجعلهم الأُسوة الحسنة بعد رسول الله’والقدوة المثلى التي لا يطمع في إدراكها طامع(10).

ومن هنا كان من الطبيعي جدّاً أن يكون منهجهم في إرساء دعائم هذه الفريضة العظيمة، وتعظيم شعائر الله هو منهج القرآن المجيد، وخطاهم إلى تثبيت قواعدها تبعٌ لخطاه.

والقرآن المجيد قد كثّف الإضاءة على بيت الله الحرام، وشعائر الحجّ العظام، تاريخاً وتعظيماً وفلسفة وأحكاماً وعرفاناً، فجعله مركزاً للتوحيد وعتيقاً من براثن الشرك(11) وقياماً للناس(12) ومباركاً وهدىً للعالمين(13) وأمناً للناس ومثابة لهم ومطهّراً(14) ومحلاًّ خاصّاً للطائفين حول محور الوحدانية الحقيقية وللعاكفين والركّع السجود(15)... فهو التعبير الصادق عن إسلام الوجه لله تعالى والتسليم لإرادته العليا، وهو المختبر الكامل للإنسان الطائع باتجاه الكمال اللائق به، والبوتقة التي تصهر شوائب الروح وتمحو ما علق بها من أدران خلال مختلف مراحل الحياة.

لقد كانت لسيرتهم الزاخرة بالعطاء العلمي والعملي والعرفاني ولسعيهم الحثيث ـ لإرساء معالم الشريعة الإسلامية وقواعدها المحكمة ـ الدور الكبير والأثر البالغ في تألّق الإسلام والمسلمين بشكل عام وتجلية عظمة الشريعة الإسلامية بشكل خاص، وتركيز شعائر الحجّ بشكل أخصّ، حتى ورد عنهم (ع) : «أنّ الدين لا يزال قائماً ما قامت الكعبة»(16)، وأنّ ولاة الأمر مسؤولون عن رعاية هذه الشعائر في كلّ الظروف التي تمر بها الأُمّة الإسلامية، وينبغي أن لا يحول بينهم وبين إقامتها أيّ ضعف ماليّ، أو أيّ خلل اقتصادي ينتاب الناس، حيث يُخصص ما يمكن من ميزانية الدولة الإسلامية لإحياء هذه الشعائر على مرّ الدهور.

نعم، هذه هي مدرسة أهل البيت (ع) وهي صورة موجزة وملخّصة جدّاً من معالم نظريتهم وثقافتهم الربّانية عن الإسلام ككلّ، وعن هذا الركن الإسلامي العظيم بشكل خاص.

معالم الحجّ ونظامه في القرآن الكريم

تتّضح أهمية الحجّ وشعائره الإلهية ونظامه في القرآن الكريم من خلال:

1 ـ المساحة التي استوعبتها آيات الحجّ في القرآن الكريم.

2 ـ أُسلوب الطرح وأُسلوب الدعوة إلى إقامة شعائره.

3 ـ الإهتمام البالغ بفلسفة إقامة هذه الشعائر.

4 ـ تقنين هذه الشعائر وبيان أحكامها بالتفصيل.

5 ـ الإهتمام ببيان جذورها التاريخية العريقة.

وإذا لاحظنا منهج أهل البيت(ع)  فيما يخص إحياء شعائر الحجّ وقارنّاه بالمنهج القرآني وجدناه يحذو حذوه ويتمثّل خُطاه حذو القذة بالقذة.

أمّا المساحة التي استوعبتها آيات الذكر الحكيم فيما يخص البيت الحرام وشعائر الحج ومناسكه فهي ملفتة للنظر وتتوزع على السور المكّية(17) والمدنية(18) معاً، ولا سيّما إذا لاحظنا كلّ ما يرتبط بالحجّ وتاريخه وشؤونه.

وأمّا أُسلوب العرض فهو أُسلوب الحثّ والتحضيض والتأكيد والتعميم فالخطاب فيه للنّاس كافة وليس للمؤمنين خاصة، قال تعالى:

1 ـ {إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}(19) .

2 ـ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}(20) .

3 ـ {وَإِذْ جَعَلْنَا ا لْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا}(21) .

4 ـ {جَعَلَ اللَّهُ ا لْكَعْبَةَ ا لْبَيْتَ ا لْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ}(22) .

5 ـ {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ...}(23) .

ويأتي بيان حرمة البيت وأمنه والبركة فيه واعتباره محطّة اشعاع وهداية للعالمين ـ بما فيه من الآيات البيّنات ـ عدّة عوامل إيجابية مهمّة للحثّ والتحضيض والتشويق لقصده وحجّه وإحياء شعائره.

فلسفة الحجّ في القرآن الكريم

قد تكررت في آيات الحجّ الإشارة إلى فلسفة الحجّ في الإسلام والحِكَم التي تحققها ممارسة شعائره ومناسكه، قال تعالى:

1 ـ {وَلِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَآ مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الاَْنْعَامِ}(24) .

2 ـ {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}(25) .

3 ـ {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ}(26) .

4 ـ {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}(27) .

5 ـ {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيق* لِّيَشْهَدُواْ مَنَـفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ}(28).

6 ـ {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ}(29) .

7 ـ {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ* لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَل مُّسَمّىً}(30) .

8 ـ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ... وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ ا لْتَّقْـوَى}(31) .

إنّ تكثيف الإضاءة على فلسفة الحجّ وحِكَم ممارسة الشعائر المرتبطة به هو أُسلوب متميّز في بناء الإنسان وتربيته وصياغة تصوراته صياغة تجمع بين طيّاتها روح التعبّد والتعقّل معاً من دون أن يسلب التعقّل روح التعبّد من الإنسان العاقل، وإنّما يتسامى بتقواه ليبلغ مرتبة أُولي الألباب، فيتكامل عقلاً ويتسامى روحاً وهو يمارس هذه الشعائر بوعي وجدّ واهتمام.

ويمكن تلخيص هذه الأهداف التي نصّ عليها الكتاب العزيز في ما يلي:

1 ـ ذكر الله وحده في كلّ حال ومجال وعلى كلّ شيء، واجتناب رجس الشرك على كلّ المستويات تصوراً واعتقاداً وتعلقاً وسلوكاً.

2 ـ تنمية روح التقوى التي بها فلاح الإنسان وفوزه على أُسس التوحيد الخالص.

3 ـ الانتفاع من موسم الحجّ وشعائره على شتى الأصعدة: اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، فضلاً عن التكامل الثقافي في مثل هذا الموسم الفريد، والتسامي الروحي والمعنوي في جميع لحظات هذا الموسم.

ويتفرّد القرآن الكريـم بأُسلوبه الخاصّ لبيان قوانينه وأحكامه بياناً يتناغم مع منطق العقل ومنطق العاطفة ويجمع بين متطلبات العقل ومتطلبات الروح معاً.

قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ا لْعَالَمِينَ}(32) .

وقال أيضاً: {وَإِذْ جَعَلْنَا ا لْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَا هِيمَ مُصَلًّى}(33) .

فالله سبحانه ـ الّذي له المولوية المطلقة وله الحقّ على الخلق وله حقّ النعمة على جميع

الناس ـ يجعل أداء هذا الواجب أداءً لحقّه، ويعتبر الإعراض عنه كفراناً للنعم الإلهية وكفراً عملياً بالمنعم ولا يكون أداءه تلبية لهذا الحقّ لحاجة منه تعالى إلى أعمال عباده، بل يعود نفعه إلى الناس أنفسهم، ومثل هذا القانون الذي ينطلق تشريعه للناس من مصالح العباد أنفسهم ولا يكون للمشرّع فيه أي غرض أو مصلحة شخصية، لا يجد الإنسان الطائع في أدائه ثقلاً وحرجاً مهما كانت صعوبته.

معالم الحجّ في نصوص مدرسة أهل البيت(ع)  وسيرتهم

إنّ هذه الفريضة العظيمة تحظى بإهتمام جميع المسلمين، وتعتبر من الشعائر والعبادات التي يتفق عليها جميع المذاهب الإسلامية، وتتوحد فيها كلمتهم التي تعبّر عن وحدة وجود الأُمّة وكيانها.

وتتميز مدرسة أهل البيت(ع)  عن سائر المدارس الإسلامية فيما يخص فريضة الحجّ وشعائره العظيمة بجملة من المميزات والخصائص التي تكاد تنعدم عند غيرهم أو لم يتم التأكيد عليها في سائر المدارس كما نجد ذلك بوضوح في هذه المدرسة الرسالية المباركة.(34)

وإليك جملة من هذه المعالم والخصائص للحجّ في هذه المدرسة المباركة:

1 ـ سعة دائرة الإهتمام بالقول والعمل

الإهتمام الواسع بالحجّ على مستوى أهل البيت(ع)  تناول جميع الشؤون والتفاصيل، سواء على مستوى التصور العام للحجّ وتاريخه وفضله وقيمته ودوره وأهدافه وكيفية الاستزادة منه والتفاعل مع أعماله واستكمال النفس به كما أكدته سيرتهم فضلاً عن نصوصهم، أو على مستوى الأحكام الفقهية لأعمال الحجّ وأقسامه، والفرضيات المختلفة التي يمكن أن يبتلى بها أبناء الأُمّة وكيفية معالجتها.

ويمكن معرفة ذلك بمقارنة بسيطة وسريعة بين ما ورد عن أهل البيت(ع)  في هذا المجال، وما تحدثوا فيه عن رسول الله بشكل مباشر أو غير مباشر، وبين ما ورد عن طريق غيرهم، حيث تشكل المادة التي وردت عن أهل البيت من حيث الكم(35) والكيف نسبة مضاعفة عدة مرات بالقياس لما ورد عن طريق غيرهم.

ولعلّ في هذين النموذجين ما يشير إلى هذه الحقيقة بوضوح:

النموذج الأوّل: الرواية التي تذكرها كتب الحديث المعروفة لدى الجمهور عن الإمام الباقر (ع) عن جابر بن عبدالله الأنصاري، والتي تتحدث عن حج رسول الله’ في حجّة الوداع بتفاصيل لا نراها في أي رواية اُخرى في هذه الكتب، وتمثل بذلك أساساً فقهيّاً لجميع مدارس الفقه الإسلامية في موضوع الحجّ(36) .

النموذج الثاني: ما رواه الصدوق بسند معتبر عن زرارة بن أعين قال: «قلت لأبي عبدالله (ع) جعلني الله فداك، أسألك عن الحجّ منذ أربعين عاماً فتفتيني. فقال: يا زرارة، بيت حجّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاماً»(37) .

فإن هذا النصّ يعبّر بشكل رائق وواضح عن سعة دائرة الإهتمام العملي من الأنبياء واُممهم حيث يفسرها بهذا الجانب التاريخي لهذه العبادة الشريفة.

ونظرة سريعة إلى سيرتهم العملية(ع)  ومدى اهتمامهم بأداء هذه الشعيرة وكيفية تطبيقهم لأحكامها وحدودها وآدابها تكشف عن مدى اهتمامهم بالقول والعمل معاً بها، وتكشف عن دور هذا الإهتمام في إرساء دعائمها في المجتمع الإسلامي.

2 ـ سعة المضمون العبادي

إلى جانب هذا الإهتمام الواسع بالحجّ نجد أنّ أهل البيت(ع)  اهتموا بالمحتوى والمضمون العبادي لجميع أعمال الحجّ والمناسك حتى لا يكاد أن يؤدي الحاجّ أي عمل من أعمال الحجّ إلاّ ويكون إلى جانبه شيء من الصلاة والدعاء والذكر يسبقه أو يلحقه أو يقارنه، بل إنّ ذلك يصاحب الحاجّ ويبدأ معه منذ عزمه على السفر إلى الحجّ وحتى رجوعه منه. وهناك مئات النصوص التي تناولت هذا الموضوع(38) .

على أنّ الأدعية التي أُثرت عنهم في خصوص الحجّ وفي عرفه والعيد الأضحى تنفرد بها مدرستهم(39) .

3 ـ تعظيم النبيّ’ الأعظم والأئمة(ع)  الطاهرين والمساجد المباركة

إنّ إكمال الحجّ إنّما يتمّ بزيارة النبيّ’ والمسجد النّبوي الشريف، وهذا ما يصنعه جميع المسلمين بشكل عام(40)، ولكنّ أهل البيت سلام الله عليهم اعطوا لهذا الموضوع أهمية خاصة في الكم والكيف.

أمّا على مستوى الكم فهم يحثّون على زيارة أئمة الهدى من آل الرسول’ الّذين دفنوا في البقيع، وهم: الإمام السبط الحسن بن عليّ بن أبي طالب والإمام عليّ بن الحسين زين العابدين وولده الإمام محمّد بن عليّ بن الحسين الباقر وولده الإمام جعفر الصادق (ع).

وكذلك أُمّهم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله المدفونة في بيتها‘ (41) في جوار المسجد النبوي، وزوجات النبيّ’ وفاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أميرالمؤمنين وبقية الصحابة الصالحين، وشهداء معركة أُحد وفي مقدمتهم سيّد الشهداء حمزة بن عبدالمطّلب عمّ رسول الله’ .

مضافاً إلى ذلك كلّه نجد الإهتمام البالغ بزيارة مساجد رسول الله ومواضع صلواته ودعائه ومواقفه، وكذلك مواضع الحوادث التاريخية والكرامات الإلهية له.

وفي مقدمة هذه المواضع مسجد قبا ومسجد الفتح ومسجد القبلتين، ومسجد أُحد ومسجد عليّ (ع) ومسجد سلمان الفارسي ومسجد فاطمة الزهراء ومسجد الغمامة ومشربة اُمّ إبراهيم وغيرها.

وكذلك زيارة (الأبطح) في مكة الذي فيه قبر خديجة أُمّ المؤمنين وقبر ناصر الرسول وكافله عمّه أبي طالب وغيرهما من الصالحين، وشعب أبي طالب، وغار حراء، ودار الأرقم، ودار الندوة وغيرها من الأماكن التاريخية الإسلامية المهمة، التي تذكّر المسلمين بعزهم وشرفهم وتضحياتهم والصعوبات التي واجهتها الرسالة، وتشدهم إلى هذا التاريخ العظيم وتبعث في نفوسهم الهمم والنهضة، وتعيدهم إلى أسباب النصر والاستقلال والكرامة(42) .

وأما على مستوى الكيف فهم يعتبرون زيارة النبيّ’ والأئمة من أهل البيت من إكمال الحجّ وإتمامه، كما وردت في ذلك النصوص:

عن الإمام أبي الحسن الرضا (ع) قال: «إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة»(43) .

وعن إسماعيل بن مهران، عن الإمام جعفر بن محمّد‘قال: «إذا حجّ أحدكم فليختم بزيارتنا؛ لأنّ ذلك من تمام الحجّ»(44) .

وكذلك عن الإمام عليّ (ع) في حديث الأربعمائة قال: «اتمّوا برسول الله’ إذا خرجتم إلى بيت الله الحرام؛ فإنّ تركه جفاء، وبذلك أُمرتم بالقبور التي ألزمكم الله حقّها وزيارتها واطلبوا الرزق عندها»(45) .

وقد روى الكليني في الكافي عن الإمام أبي جعفر (ع) قال: «تمام الحجّ لقاء الإمام»(46) .

4 ـ تشخيص الموقف السياسي العام

إنّ أهل البيت(ع)  أرادوا أن يكون الحجّ اجتماعاً سنوياً، يعقده المسلمون ليعرفوا فيه موقفهم السياسي العام والمواقف الهامة التي تهم المسلمين جميعاً. وقد أخذوا ذلك عن رسول الله’ والقرآن الكريم.

ففي السنة الأُولى التي حجّ فيها المسلمون بعد الفتح نزلت سورة براءة، ليعلن فيها القرآن الكريم والنبيّ’ الموقف السياسي الهام وهو البراءة العامة من المشركين.

وفي حجّة الوداع نجد أنّ خطبة النبيّ’ في منى تتضمن هذه المفاهيم السياسية والاجتماعية.

كما أنّه أعلن في نهاية الحجّ الولاية لعليّ (ع) على المسلمين في موقع غدير خمّ، وهذا ممّا رواه جميع المسلمين، حيث قال: «مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل مَن خذله»(47) .

كما أنّ النصوص السابقة التي ثبّتناها حول الأهداف تشير إلى هذا الموقف والخط العملي في عبادة الحجّ.

وهذا مما تفرضه طبيعة هذه العبادة الشريفة، وهذا الاجتماع العظيم السنوي الذي يأتي فيه النُخَب من أبناء الأُمّة الإسلامية وذوو القدرة والاستطاعة فيها.

5 ـ تجديد البيعة مع القيادة الإسلامية العُليا في كل عصر

إنّ الإهتمام بلقاء الإمام في الحجّ وزيارته في حياته إنّما هو لأجل التزوّد بنصائحه وإرشاداته، ومعرفة المواقف التفصيلية تجاه مختلف القضايا منه، وعرض الأعمال والنشاطات التي يقوم بها المؤمنون عليه وطرح مشاكلهم وقضاياهم الخاصّة والعامّة، وغير ذلك من الأُمور التي تقتضيها هذه العلاقة المباشرة المهمة في المجتمع الإسلامي وفي بناء الجماعة الصالحة، وهي علاقة الإمام بالمأموم مباشرة.

فقد روى الكليني والصدوق بسند معتبر عن الإمام أبي جعفرالباقر (ع) قال: «إنّما أُمر النّاس أن يأتوا هذه الأحجار ليطوفوا فيها، ثمّ يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم»(48) .

وقد جاءت الإشارة إلى هذا الموضوع في عدة روايات أُخرى، الأمر الذي يؤكد أهمية هذا الخط والتوجه التنظيمي في الجماعة الصالحة من خلال هذا الموسم الشريف، واعتبار ذلك من العبادات التي يمكن أن يقوم بها الإنسان المؤمن.

وهذا التوجه التنظيمي هو مبدأ إسلامي جسّده أهل البيت(ع)  في نظام الجماعة الصالحة، حيث إنّ إرتباط الأُمّة بالقيادة الإسلامية والالتزام بالمواثيق والعهود تجاهها، سواء على مستوى توجيهاتها وأوامرها، أو على مستوى النصرة لها في مواقفها، يمثل أصلاً من أُصول الإسلام دعى إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنـَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}(49) .

6 ـ إحياء روح الجهاد من خلال إحياء الحجّ في كل عام

لقد ورد في بعض النصوص عن النبيّ’ أنّ الحجّ جهاد، وقد قال ذلك بشأن النساء اللاتي أسقط الإسلام عنهنّ فرض الجهاد الابتدائي. فقد روى البخاري عن عائشة أنها قالت: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، ولكنّ أفضل الجهاد حجّ مبرور»(50)، وفي لفظ النسائي: «ولكنّ أحسن الجهاد وأجمله حجّ البيت» .

ونجد أنّ النسائي يعمّم هذا الحكم لكبار السن والصغار والضعفاء والنساء(51).

ونجد أنّ أهل البيت(ع)  يعطون للحجّ في هذا الجانب بُعداً أوسع، بحيث يشمل كلّ أبناء الجماعة الصالحة التي تواجه ظروفاً استثنائية تمنعها من الجهاد لأسباب شرعية وأخلاقية، كلّ ذلك حفاظاً من أئمة أهل البيت(ع)  على فكرة الجهاد وروح العبادة فيه وضرورة الممارسة لها في كلّ الأحوال، استلهاماً من موقف رسول الله’ ومن فهمه لمضمون هذه العبادة.

لقد واجه شيعة أهل البيت(ع)  وأبناء الجماعة الصالحة الظروف السياسية الاستثنائية، التي كان يشن فيها الحكّام الظالمون الجائرون الحرب عليهم دون مبررات، ودون أهداف إسلامية، أو شرعية، وإنّما لمجرد التسلّط والحصول على المزيد من المكاسب والضرائب المالية، حتى وصل الحال ببعض هؤلاء الحكّام الأُمويين أن يمتنع عن قبول إسلام أبناء النصارى; لأنّ إسلامهم يعني سقوط الجزية عنهم، فكان يلزمهم الجزية ويرفض إسلامهم ويبقيهم على نصرانيتهم(52) .

وكان الموقف الشرعي لأئمة أهل البيت(ع)  هو عدم الإذن لأبناء الجماعة الصالحة في المشاركة في مثل هذه الحروب. ولكنّ هذا الموقف كان له تأثير روحي سلبي على الجماعة، حيث تحرر عملياً من الآثار المعنوية لعبادة الجهاد في سبيل الله.

وقد دعا أهل البيت(ع)  أبناء الجماعة الصالحة إلى عبادة الحجّ والاستزادة منها باعتبارها تعويضاً روحياً وتربوياً وأخلاقياً عن عبادة الجهاد التي فرضت ظروفهم حرمانهم من ممارستها، استلهاماً لذلك من سنة رسول الله’ .

وقد ورد في الرواية المعتبرة عن الصادق (ع) عن رسول الله’قوله: «هو أحد الجهادين. هو جهاد الضعفاء ونحن الضعفاء»(53).

وفي نصّ آخر: «نحن وشيعتنا الضعفاء» ولعلّ في هذين النصّين ما يلقي الضوء على هذا الموقف وهذا الفهم من أهل البيت سلام الله عليهم.

ويتّضح هذا المفهوم من ملاحظة النصوص التالية التي تربط بين الموقف من الجهاد والموقف من الحجّ:

1 ـ روى جعفر بن محمّد بن قولويه عن أبي جعفر الباقر (ع) في حديث قال: «الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض في وقت الجهاد، ولا جهاد إلاّ مع الإمام...»(54) .

2 ـ روى الكليني وغيره بسند معتبر عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: «لقي عبّاد البصري عليّ بن الحسين (ع) في طريق مكة فقال له: يا عليّ بن الحسين، تركت الجهاد وصعوبته، وأقبلت على الحجّ ولينه؟ إنّ الله عزّ وجلّ يقول: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ...}الآية، فقال عليّ بن الحسين (ع): أتمّ الآية، فقال: {التَّـائِبُونَ الْعَابِدُونَ...} الآية، فقال عليّ بن الحسين (ع): إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد أفضل من الحجّ»(55).

وفي رواية اُخرى قال له: «إذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئاً»(56) .

وقد وردت الرواية المعتبرة عن أبي عبدالله، عن آبائه(ع)  أنّه قال: قال أميرالمؤمنين (ع): «لا يخرج المسلم في الجهاد من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزّ وجل; فإنّه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدوّنا في حبس حقّنا والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتة الجاهلية»(57) .

نظام الحجّ في نصوص أهل البيت(ع)

من يرجع الى نصوص أهل البيت(ع)  حول الحجّ يجد نصوصاً تبلغ كثرتها عدة مجلّدات فقد خصص صاحب وسائل الشيعة ثلاث مجلدات من عشرين مجلداً من موسوعته الفقهية بكتاب الحجّ. هذا سوى ما استدركه عليه غيره من المؤلفين كصاحب مستدرك وسائل الشيعة. وهذا خير دليل على مدى اهتمام أهل البيت(ع)  بهذه الفريضة وبأحكامها. ونختار من هذه الموسوعة الحديثية نماذج لإيضاح موقف أهل البيت(ع)  من الحج في نصوصهم المباركة، وذلك ضمن نقاط عشرة:

أوّلاً: أهمية الحجّ وفضيلته

1 ـ قال الإمام عليّ (ع) ـ فيما أوصى عند رحيله ـ «الله الله في بيت ربّكم لا تخلّوه ما بقيتم، فإنه إن تُرك لم تُناظروا»(58) .

2 ـ وقال (ع): «الحجّ جهاد الضعيف»(59) .

3 ـ وقال: «نفقة درهم في الحجّ تعدل ألف درهم»(60) .

4 ـ وقال: «الحاجّ والمعتمر وفد الله، ويحبوه بالمغفرة»(61) .

ثانياً: فلسفة الحجّ وعلل تشريعه

1 ـ قال الإمام عليّ (ع) : «وفرض عليكم حجّ بيته الحرام الّذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه وُلوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزّته»(62) .

2 ـ خطب الإمام عليّ (ع) قائلاً: «ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ـ صلوات الله عليه ـ إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الّذي جعله للناس قياماً، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقلّ نتائق الدنيا مدراً، وأضيق بطون الأودية قطراً، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خفّ ولا حافر ولا ظلف.

ثمّ أمر سبحانه آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم، تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة، ومهاوي فجاج عميقة، وجزائر بحار منقطعة، حتى يهزّوا مناكبهم ذللاً، يُهلّلون لله حوله، ويرملون على أقدامهم، شعثاً غبراً له، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم، إبتلاءً عظيماً، وامتحاناً شديداً، واختباراً مبيناً، وتمحيصاً بليغاً، جعله الله سبباً لرحمته، ووصلة إلى جنّته.

ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام، بين جنات وأنهار، وسهل وقرار جمّ الأشجار، داني الثمار، ملتف البُنى، متّصل القرى، بين برّة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، وزروع ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء.

ولو كان الأساس المحمول عليها والأحجار المرفوع بها، بين زمرّدة خضراء، وياقوتة حمراء، ونور وضياء، لخفف ذلك مصارعة الشك في الصدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى معتلج الريب من الناس، ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّدهم بألوان المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فُتحاً إلى فضله، وأسباباً ذُللاً لعفوه»(63) .

3 ـ قال الإمام زين العابدين (ع) : «حجّوا واعتمروا، تصحّ أجسادكم، وتتّسع أرزاقكم، ويصلح إيمانكم، وتكفوا مؤونة الناس ومؤونة عيالاتكم»(64) .

4 ـ قال الإمام الباقر (ع): «الحجّ تسكين القلوب»(65) .

5 ـ قال الإمام الصادق (ع): «عليكم بحجّ هذا البيت فأدمنوه، فإنّ في إدمانكم الحجّ دفع مكاره الدنيا عنكم، وأهوال يوم القيامة»(66) .

6 ـ وقال الإمام الصادق (ع): «ما من بقعة أحبّ إلى الله تعالى من المسعى لأنه يُذلّ فيه كلّ جبار».

7 ـ أتى ابن أبي العوجاء الى الإمام الصادق (ع)، فجلس إليه في جماعة من نظرائه، ثمّ قال له: يا أبا عبدالله إنّ المجالس أمانات، ولا بدّ بكلّ من كان به سعال أن يسعل، فتأذن لي في الكلام؟ فقال الصادق (ع) تكلّم بما شئت.

فقال ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟ مَن فكّر في هذا أو قدّر علم أنّ هذا فعل أسّسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أُسّه ونظامه.

فقال الصادق (ع) : «إنّ من أضلّه الله وأعمى قلبه استوخم الحقّ فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليّه يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره.

وهذا بيتٌ استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه وزيارته، وقد جعله محلّ الأنبياء وقبلة للمصلّين له، وهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، ومجتمع العظمة»(67) .

8 ـ قال الإمام الصادق (ع): وقد سأله هشام بن الحكم عن علّة الحجّ والطواف بالبيت؟ «إنّ الله خلق الخلق... وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين، ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من المشرق والمغرب ليتعارفوا، وليتربّح كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمّال، ولتعرف آثار رسول الله’ وتعرف أخباره ويذكر ولا ينسى. ولو كان كلّ قوم ]إنّما[ يتّكلون على بلادهم وما فيها هلكوا، وخربت البلاد، وسقطت الجلب والأرباح، وعمّيت الأخبار، ولم يقفوا على ذلك، فذلك علّة الحجّ»(68) .

9 ـ وجاء عن الإمام الرضا (ع): «علّة الحجّ الوفادة إلى الله تعالى، وطلب الزيادة، والخروج من كلّ ما اقترف، وليكون تائباً ممّا مضى مستأنفاً لما يستقبل، وما فيه من استخراج الأموال، وتعب الأبدان، وحظرها عن الشهوات واللّذات...، ومنفعة في شرق الأرض وغربها، ومن في البرّ والبحر، ممّن يحجّ وممّن لا يحجّ، من تاجر وجالب وبايع ومشتر وكاتب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم»(69) .

10 ـ قال الإمام الرضا (ع) : «فإن قال: فلمَ أمر بالحجّ؟ قيل: لعلّة الوفادة وطلب الزيادة... مع ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمة(ع)  إلى كلّ صقع وناحية، كما قال الله عزّ وجلّ: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ... وَلِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}»(70) .

ثالثاً: آثار الحجّ وبركاته

1 ـ قال رسول الله’: «الحجّ ينفي الفقر»(71) .

2 ـ قال الإمام عليّ (ع) : «وحجّ البيت والعمرة، فإنّهما ينفيان الفقر، ويكفّران الذنب، ويوجبان الجنّة»(72) .

3 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «ما رأيت شيئاً أسرع غنىً ولا أنفى للفقر من إدمان حجّ البيت»(73) .

رابعاً: الحجّ التّام

1 ـ قال الإمام الباقر (ع) : «تمام الحجّ لقاء الإمام»(74) .

2 ـ وقال الإمام الصادق (ع) في قوله تعالى: {لِيَقضُوا تَفَثَهُم}«لقاء الإمام»(75) .

خامساً: مضاعفات ترك الحجّ

1 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «مَن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، ولم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق الحجّ من أجله، أو سلطان يمنعه، فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً»(76) .

2 ـ قال الإمام الكاظم (ع) في قوله تعالى: «{وَمَن كَانَ فِي هذِهِ أعمى فَهوَ فِي الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً}: ذاك الذي يسوّف الحجّ ـ يعني: حجّة الإسلام ـ يقول: العام أحجّ العام أحجّ حتى يجيئه الموت»(77) .

3 ـ قال الإمام الصادق (ع) ـ لمّا قال له عبدالرحمن: إنّ ناساً من هؤلاء القصّاص يقولون إذا حجّ رجل حجّة ثمّ تصدّق ووصل كان خيراً له ـ : «كذبوا، لو فعل هذا النّاس لعطّل هذا البيت، إنّ الله عزّ وجلّ جعل هذا البيت قياماً للناس»(78) .

4 ـ وقال (ع) : «لو عطّل النّاس الحجّ لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحجّ إن شاءوا وإن أبو لأنّ هذا البيت إنّما وضع للحجّ»(79) .

سادساً: قلّة الحجيج وكثرة الضجيج

قال عبدالرحمن بن كثير: حججت مع أبي عبدالله (ع)، فلمّا صرنا في بعض الطريق صعد على جبل فأشرف فنظر إلى الناس فقال: «ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج؟!»(80) .

سابعاً: أدب الحاجّ وعرفان الحجّ

1 ـ قال الإمام الباقر (ع) : «ما يُعبأ بمَن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الصحابة لمَن صحبه»(81) .

2 ـ وقال الإمام الصادق (ع) : «إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله كثيراً، وقلّة الكلام إلاّ بخير; فإنّ من تمام الحجّ والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلاّ من خير، كما قال الله تعالى، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: {فَمَن فَرَضَ فِيهنّ الحجّ فَلا رفث ولا فُسوق ولا جدال في الحجّ}»(82) .

3 ـ وقال (ع) : «إذا أردت الحجّ فجرّد قلبك لله تعالى من قبل عزمك من كلّ شاغل، وحجاب كلّ حاجب، وفوّض أُمورك كلّها إلى خالقك، وتوكّل عليه في جميع ما يظهر من حركتك وسكناتك، وسلّم لقضائه وحكمه وقدره، وودّع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوّتك وشبابك ومالك، مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، فإنّ من ادّعى رضا الله واعتمد على شيء صيّره عليه عدوّاً ووبالاً، ليعلم أنّه ليس له قوّة ولا حيلة ولا لأحد إلاّ بعصمة الله وتوفيقه.

واستعدّ استعداد من لا يرجوا الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيّه’، وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاء وإيثار الزاد على دوام الأوقات.

ثمّ اغتسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع.

وأحرم من كلّ شيء يمنعك من ذكر الله ويحجبك عن طاعته.

ولبّ بمعنى إجابة صافية زاكية لله عزّ وجلّ في دعوتك له متمسّكاً بالعروة الوثقى.

وطُف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت.

وهرول هرولة من هواك، وتبرّياً من جميع حولك وقوّتك.

واخرج من غفلتك وزلاّتك بخروجك إلى منى، ولا تتمنّ ما لا يحلّ لك ولا تستحقّه.

واعترف بالخطايا بعرفات، وجدّد عهدك عند الله بوحدانيّته.

وتقرّب إلى الله واتّقه بمزدلفة(83) .

واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك إلى الجبل.

واذبح حنجرتي الهوى والطمع عند الذبيحة.

وارم الشهوات والخساسة والدناءة والأفعال الذميمة عند رمي الجمرات.

واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق رأسك.

وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته من متابعة مرادك بدخولك الحرم.

وَزُر البيت محقّقاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه.

واستلم الحجر رضاً بقسمته وخضوعاً لعزّته.

وودّع ما سواه بطواف الوداع.

وصفّ روحك وسرّك للقاء الله يوم تلقاه بوقوفك على الصفاء.

وكن ذا مروّة من الله تقيّاً أوصافك عند المروة.

واستقم على شرط حجّك هذا ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربّك وأوجبته إلى يوم القيامة»(84) .

4 ـ قال مالك بن أنس: حججت مع الصادق (ع) سنةً، فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخرّ من راحلته، فقلت: قل يابن رسول الله! ولابدّ لك من أن تقول، فقال (ع) : «يابن أبي عامر! كيف أجسر أن أقول: لبّيك اللهمّ لبّيك، وأخشى أن يقول عزّ وجلّ لي: لا لبّيك ولا سعديك»(85) .

5 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «إذا اكتسب الرجل مالاً من غير حلّه ثمّ حجّ فلبّى، نودي: لا لبّيك ولا سعديك، وإن كان من حلّه فلبّى نودي: لبّيك وسعديك»(86) .

6 ـ قال رسول الله’ : «مَن حجّ بمال حرام فقال: لبّيك اللهمّ لبّيك، قال الله له: لا لبّيك ولا سعديك حجّك مردود عليك»(87) .

7 ـ وقال الإمام الرضا (ع) : «إنّما أُمروا بالإحرام ليخضعوا قبل دخولهم حرم الله وأمنه، ولئلاّ يلهوا ويشتغلوا بشيء من أُمور الدنيا وزينتها ولذّاتها، ويكونوا جادّين فيما هم فيه، قاصدين نحوه، مقبلين عليه بكلّيتهم»(88) .

ثامناً: الاخلاص في الحج (الحجّ لله والحجّ لغير الله )

1 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «الحجّ حجّان: حجّ لله وحجّ للناس، فمَن حجّ لله كان ثوابه على الله الجنّة، ومن حجّ للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة»(89) .

2 ـ وقال (ع) : «مَن حجّ يريد الله عزّ وجلّ لا يريد به رياءً ولا سمعة، غفر الله له البتّة»(90) .

3 ـ وقال الإمام الصادق (ع) : «مَن مات في طريق مكة ذاهباً أو جائياً، أمن من الفزع الأكبر يوم القيامة»(91) .

4 ـ وقال (ع) : «مَن مات محرماً بعثه الله ملبيّاً»(92) .

5 ـ وقال (ع) : «مَن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين، ومَن مات بين الحرمين لم ينشر له ديوان»(93) .

تاسعاً: حرمة الحرم وحريم البيت الحرام

1 ـ قال الإمام الصادق (ع) في قول الله تعالى : «{ومَن دخله كان آمناً}: مَن دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمن من سخط الله، ومَن دخله من الوحش والطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم»(94) .

2 ـ عنه (ع) أيضاً: «إن سرق سارق بغير مكة، أو جنى جناية على نفسه ففرّ إلى مكّة، لم يؤخذ مادام في الحرم حتى يخرج منه، ولكن يمنع من السوق، فلا يبايع ولا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ، وإن أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه»(95) .

عاشراً: حضور الإمام المهدي في الموسم


قال الإمام الصادق (ع) : «يفقد الناس إمامهم فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه»(96) .

وتصرح الأحاديث الشريفة بأن من سيرته (ع) في غيبته حضور موسم الحج في كل عام، وواضح مافي حضور هذا الموسم السنوي المهم من فرصة مناسبة للالتقاء بالمؤمنين من أنحاء أقطار العالم وإيصال التوجيهات إليهم ولو من دون التعريف بنفسه بصراحة والتعرف على أحوالهم عن قرب دون الحاجة الى أساليب إعجازية.

إنّ الأحاديث الشريفة التي تذكر حضوره (ع) هذا الاجتماع الإسلامي السنوي العام، ذكرت أنه (ع): «يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه»(97)، ويبدو أن المقصود هو الرؤية مع تحديد هويته (ع)، بمعنى أن يعرفوه أنه هو المهدي، إذْ توجد عدة روايات اُخرى تصرح برؤيته في هذا الموسم وبعضها يصرح بعدم معرفة المشاهدين لهويته على نحو التحديد واقتصار معرفتهم بأنّه من ذرية رسول الله’ (98).

الحجّ في سيرة خاتم الأنبياء’

1 ـ روى معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق (ع): «إنّ رسول الله’أقام بالمدينة عشر سنين لم يحجّ، ثمّ أنزل الله عليه: {وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيق}(99) فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: إنّ رسول الله يحجّ من عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة، وأهل العوالي والأعراب، فاجتمعوا فحجّ رسول الله’، وإنّما كانوا تابعين ينتظرون ما يؤمرون به فيصنعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه، فخرج رسول الله’ في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس ثمّ اغتسل، ثمّ خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلّى فيه الظهر، وعزم بالحجّ مفرداً، وخرج حتّى إنتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل، فصف الناس له سماطين، فلبّى بالحجّ مفرداً، وساق الهدي ستّاً وستّين أو أربعاً وستّين، حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجّة، فطاف بالبيت سبعة أشواط، وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (ع)، ثمّ عاد إلى الحجر فاستلمه، وقد كان استلمه في أوّل طوافه.

ثمّ قال: إنّ الصفا والمروة من شعائر الله، فابدءوا بما بدأ الله به.

وأن المسلمين كانوا يظنّون أنّ السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَا لْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ا لْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}(100) . ثمّ أتى إلى الصفا، فصعد عليه فاستقبل الركن اليماني، فحمد اللهوأثنى عليه، ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسلاً، ثمّ انحدر إلى المروة، فوقف عليها كما وقف على الصفا، حتى فرغ من سعيه.

ثمّ أتاه جبرئيل (ع) وهو على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلّوا إلاّ سائق الهدي، فقال رجل: أنحُلّ ولم نفرغ من مناسكنا؟ فقال: نعم.

قال (ع) : فلما وقف رسول الله’ بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ هذا جبرئيل ـ وأومى بيده إلى خلفه ـ يأمرني أن آمر مَن لم يسق هدياً أن يحلّ، ولو استقبلت مَن أمرني مثل ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكنّي سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه.

قال (ع): قال له رجل من القوم: لنخرجنّ حجّاجاً وشعورنا تقطر! فقال له رسول الله’: أما إنّك لن تؤمن بعدها أبداً. فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله، علّمنا ديننا كأنّما خلقنا اليوم، فهذا الّذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟ فقال رسول الله’: بل هو للأبد إلى يوم القيامة، ثمّ شبّك أصابعه بعضها إلى بعض وقال: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة».

وقدم عليّ (ع) من اليمن على رسول الله’ وهو بمكة، فدخل على فاطمة÷ وهي قد أحلّت، فوجد ريحاً طيّبة، ووجد عليها ثياباً مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟ فقالت: أمرنا بهذا رسول الله’. فخرج عليّ (ع) إلى رسول الله’ مستفتياً محرشاً على فاطمة÷فقال: يا رسول الله، إنّي رأيت فاطمة قد أحلّت وعليها ثياب مصبوغة! فقال رسول الله’ : أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا عليّ بم أهللت؟ قال: قلت يا رسول الله، إهلالاً كإهلال النبيّ’، فقال له رسول الله’: كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هدْيي.

قال (ع): ونزل رسول الله’ بمكة بالبطحاء هو وأصحابه، ولم ينزل الدُّور، فلمّا كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويُهلوا بالحجّ، وهو قول الله الذي أنزله على نبيّه’: {فاتّبعوا ملّة إبراهيم حنيفاً}(101) فخرج النبيّ’ وأصحابه مهلّين بالحجّ حتى أتوا منى، فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثمّ غدا الناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة ـ وهي جُمَع ـ ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله’ وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله على نبيّه’ {ثمّ أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله}(102)، يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق(ع)  في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول الله’ قد مضت، كأنّه دخل في أنفسهم للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانتهم، حتى انتهى إلى نمرة ـ وهي بطن عرنة بحيال الاراك ـ فضرب قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها. فلمّا زالت الشمس خرج رسول الله’ ومعه فرسه، وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثمّ صلّى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جنبها فنحّاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس، إنّه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف، ولكن هذا كلّه موقف ـ وأومى بيده إلى الموقف ـ فتفرّق الناس. وفعل مثل ذلك بمزدلفة، فوقف حتى وقع القرص ـ قرص الشمس ـ ثمّ أفاض. وأمر الناس بالدّعة حتى انتهى إلى المزدلفة ـ وهي المشعر الحرام ـ فصلّى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثمّ أقام حتى صلّى فيها الفجر، وعجّل ضعفاء بني هاشم بالليل، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة ـ جمرة العقبة ـ حتى تطلع الشمس، فلمّا أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة. وكان الهَدْي الذي جاء به رسول الله’ أربعاً وستّين، أو ستّاً وستّين(103)، وجاء عليّ (ع) بأربع وثلاثين، أو ست وثلاثين فنحر رسول الله’ ستاً وستين ونحر عليّ (ع) أربعاً وثلاثين وبدنة، وأمر رسول الله’ أن يؤخذ من كلّ بدنة منها جذوة من لحم، ثمّ تطرح في بُرمة(104) ثمّ تطبخ، فأكل رسول الله’ منها وعليّ (ع) وحسيا من مرقها، ولم يُعطِ الجزّارين جلودها ولا جلالها ولا قلائدهاوتصدّق به. وحلق وزار البيت ورجع إلى منى، فأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق، ثمّ رمى الجمار، ونفر حتى انتهى إلى الأبطح، فقالت له عائشة: يا رسول الله، ترجع نساؤك بحجّة وعمرة معاً، وأرجع بحجّة؟! فأقام بالأبطح وبعث معها عبدالرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم(105) فأهلّت بعمرة، ثمّ جاءت فطافت بالبيت، وصلّت ركعتين عند مقام إبراهيم (ع)، وسعت بين الصفا والمروة، ثمّ أتت النبيّ’، فارتحل من يومه، ولم يدخل المسجد، ولم يطف بالبيت، ودخل من أعلى مكّة من عقبة المدنيّين وخرج من أسفل مكّة من ذي طوى(106) .

2 ـ حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم، جميعاً عن حاتم، قال: أبوبكر: حدّثنا حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبدالله فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ، فقلت: أنا محمّد بن عليّ بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زرّي الأعلى، ثم نزع زرّي الأسفل، ثم وضع كفّه بين ثدييّ وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحباً بك، يا ابن أخي! سل عمّا شئت، فسألته، وهو أعمى وحَضَرَ وقت الصلاة، فقام في نساجة ملتحفاً بها، كُلّما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه، على المشجب، فصلّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجّة رسول الله’، فقال بيده، فعقد تسعاً، فقال: إنّ رسول الله’ مكث تسع سنين لم يحجّ، ثم أذّن في النّاس في العاشرة: أنّ رسول الله’ حاجّ، فقَدِمَ المدينة بشرٌ كثيرٌ، كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله’، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتّى أتينا ذا الحُليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله’: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي» فصلّى رسول الله’ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله’ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عَمِلْنا به، فأهلّ بالتوحيد: «لبيك اللهمّ! لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لك، والملك لا شَرِيكَ لكَ»، وأهلّ الناس بهذا الذي يُهلّون به، فلم يردّ رسول الله’ عليهم شيئاً منه، ولَزِمَ رسول الله’تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلاّ الحجّ، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرَمَلَ ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم (ع)، فقرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}(107) فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول ـ ولا أعلمه ذكره إلاّ عن النبيّ’ : ـ كان يقرأ في الركعتين: {قُلْ هو الله أحد}، و{قل يا أيها الكافرون}، ثم رجع الى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب الى الصّفا، فلمّا دنا من الصّفا قرأ: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِر الله}(108) «أبْدأُ بِما بَدَأَ الله بِهِ» فبدأ بالصّفاء، فَرقى عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحّد والله، وكبّره، وقال: «لا إله إلاّ الله وحدهُ لا شريكَ له، له المُلك ولهُ الحمد وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلاّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرّات، ثم نزل الى المروة، حتى ]إذا[ انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتّى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصّفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهَدْيَ، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ فليحلّ، وليجعلها عمرةً».

فقام سراقة بن مالك بن جُشعم فقال: يا رسول الله! ألِعَامِنا هذا أم لأبد؟ فشبّك رسول الله’ أصابعه واحدة في الأُخرى، وقال: «دخلت العُمرة في الحجّ» مرتين «لا بل لأبد أبد».

وقدم عليّ من اليمن ببُدْنِ النبيّ’، فوجد فاطمة (س) ممّن حلّ، ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إنّ أبي أمرني بهذا، قال: فكان عليّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله’ محرّشاً على فاطمة، للّذي صنعت، مستفتياً لرسول الله’ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنّي أنكرت ذلك عليها، فقال: «صَدَقتْ صَدَقَتْ، ماذا قُلتَ حين فرضت الحجّ؟» قال: قلتُ: اللهمّ! إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به رسولك، قال: «فإنّ معي الهَدْيَ فلا تحلّ». قال: فكان جماعة الهدي الّذي قَدِم به عليّ من اليمن والذي أتى به النبيّ’ مائة، قال: فحلّ الناس كلّهم وقصّروا، إلاّ النبيّ’ ومن كان معه هَدْيٌ فلمّا كان يوم التروية توجّهوا إلى مِنى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول الله’ فصلّى بها الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتّى طلعت الشمس، وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرةَ، فسار رسول الله’ ولا تشكّ قريش إلاّ أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله’ حتّى أتى عَرَفَة، فوجد القُبّة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها، حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرُحِلَتْ له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أوّل دم أضَعُ من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مُسترضعاً في بني سعد فقتله هُذيل، ورِبا الجاهلية موضوع، وأوّل رباً أضعُ رِبانا، رِبا العبّاس بن عبدالمطلب، فإنّه موضوع كلّه، فاتقوا الله في النّساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحلَلْتُم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يُوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مُبرِّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتُهُنّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتُمْ به، كتاب الله(109) وأنتم تُسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السّبّابة، يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس: «اللهمّ! اشهدْ اللهمّ! اشهدْ» ثلاث مرّات، ثم أذّن، ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ولم يُصلِّ بينهما شيئاً، ثمّ ركب رسول الله’، حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء الى الصّخرات، وجعل حبل المُشاة بين يديهِ، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً حتى غاب القُرص، وأردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله’وقد شَنَقَ للقصواء الزّمام، حتى إنّ رأسها ليُصيب مورك رَحْلِهِ، ويقول بيده اليمنى: «أيّها الناس! السّكينة السّكينة» كلّما أتى حَبْلاً من الحِبال أرخى لها قليلاً، حتّى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبّح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله’ حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر، حين تبيّن له الصّبح، بأذان وإقامة، ثمّ رَكِبَ القصواء، حتى أتى المَشْعَر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عبّاس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلمّا دفع رسول الله’ مرّت به ظُعُنٌ يَجْرينَ، فطفق الفضل ينظر إليهنّ، فوضع رسول الله’ يده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه الى الشّقّ الآخر ينظر، فحوّل رسول الله’ يده من الشّقّ الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشّقّ الآخر ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حَصَيَات، يُكبّر مع كلّ حصاة منها، حصى، رمى من بطن الوادي، ثمّ انصرف الى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثمّ أعطى عليّاً، فنحرَ ما غَبَرَ، وأشركه في هَدْيِه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعلت في قدر، فطُبخت، فأكلا من لحمها وشَرِبَا من مرقها، ثمّ ركب رسول الله’ فأفاض الى البيت، فصّلى بمكّة الظهر، فأتى بني عبدالمطّلب يسقون على زمزم، فقال: «انْزِعُوا، بني عبدالمطّلب، فلولا أن يغلبكم النّاس على سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلْواً فشرب منه(110).

 

 


هوامش:

 

(1) ورد حديث الثقلين في مسند أحمد: 3/17 و26، كنز العمّال: 1/165 ح945، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي: ص148 ط المحمّدية، وللمزيد راجع كتب الأحاديث للفريقين، وحديث الثقلين من الأحاديث المتواترة عند الفريقين واليك واحداً من نصوصه:.

(2) المعجم الصغير للطبراني: 1/139، مسند أحمد: 5/95، حديث السفينة من الأحاديث المتواترة عن المسلمين راجع إحقاق الحقّ للتستري: 9/270 ونصّ الحديث:

(3) مستدرك الحاكم: 2/448 و3/457، الصواعق المحرقة: 150، 185، 233 ط المحمّدية بمصر، مجمع الزوائد: 9/174 ونصّ الحديث:

(4) أهل الذكر قوله تعالى: (فَسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَتَعْلَمُونَ) النحل: 43، راجع شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 1/334، حديث 459، 460، 463، تفسير القرطبي: 11/272، تفسير الطبري: 17/5 ط. بولاق ونصّ الحديث المفسّر للآية.

(5) أولو الأمر قوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ} (المائدة: 59) راجع تفسير الرازي: 3/357 ط الدار العامرة، شواهد التنزيل: 1/148، فرائد السمطين: 1/314 ح250 ونصّ الحديث المفسّر الآية .

(6) انظر ذلك من تفسير القمي: 1/306 .

(7) تذكرة الخواص: ص20 ط النجف قال: كونوا مع عليّ وأهل بيته، كفاية الخصام ابن شهرآشوب: ص347 وفيه: كونوا مع الصادقين أي محمّد وأهل بيته.

(8) المستدرك للحاكم: 3/149، بحار الأنوار: 23/123 وللمزيد من التفصل راجع إحقاق الحق: والحديث «... وأهل بيتي أمان من الضلال...» وقد جاء هذا الحديث بألفاظ مختلفة، وعصمهم الله وطهّرهم وآمنهم من الزلل والفتن بآية التطهير، وهي الآية 33 من سورة الأحزاب.

(9) قال تعالى: {لا يمسّه إلاّ المطهّرون} الواقعة:..... وعين المطهّرين في قوله تعالى:{إنّما يُريدُ الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا}.

(10) الأحاديث التي تعتبرهم أُسوة بعد رسول الله’ كثيرة، انظر:

1 ـ قال رسول الله’ : «يا أيها الناس إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذريّته، فلا تذهبن بكم الأباطيل» الصواعق المحرقة: 174، ط المحمدية، ينابيع المودّة: ص169 و306 ط إسلامبول.

2 ـ وعنه’ : «في كل خلف من أُمتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم الى الله، فانظروا من توفدون» الصواعق المحرقة: 148، ذخائر العقبى: 17.

3 ـ وذيل حديث الثقلين عنه’ : «فلا تقدّموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا...» مجمع الزوائد: 9/163، الدر المنثور: 2/60 .

وعنه أيضاً: «اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين» الشرف المؤبد للشيخ يوسف النبهاني: 31 ، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: 110 ط السعيدية بمصر، الفصول المهمة، ابن الصباغ: 8 ط الحيدرية، مجمع الزوائد: 9/172 .

(11) الآية 24 من سورة الحجّ.

(12) الآية 97 من سورة المائدة.

(13) الآية 96 من سورة آل عمران.

(14) الآية 125 من سورة البقرة.

(15) الكافي: 4/271، باب لو ترك الناس الحجّ، ح4 .

(16) الكافي: 4/271 ح4، من لا يحضره الفقيه للصدوق: 243 ح2307.

(17)الفيل، التين، قريش، البلد، النمل، إبراهيم.

(18)البقرة، الأنفال، آل عمران، الحج، التوبة، المائدة..

(19) آل عمران: 96.

(20) آل عمران: 97.

(21) البقرة: 125.

(22) المائدة: 97.

(23) الحجّ: 27.

(24) الحجّ: 34.

(25) الحجّ: 36.

(26) الحجّ: 37.

(27) الحجّ: 37.

(28) الحجّ: 27 ـ 28.

(29) الحجّ: 30.

(30) الحجّ: 32 ـ 33.

(31) البقرة: 197.

(32) آل عمران: 97.

(33) البقرة: 125.

(34) اعتمدنا في هذا البحث بشكل خاص على ما كتبه العلاّمة آية الله السيد محمّد باقر الحكيم+ لأهميته وثرائه الفكري وقد نشره المجمع العالمي لأهل البيت(ع)  في مجلة رسالة الثقلين العدد 27.

(35) فقد ذكر صاحب جامع أحاديث الشيعة ـ على سبيل المثال ـ في خصوص الروايات التي تتحدث عن تاريخ الحجّ وفضله وشؤونه العامة ثمانمائة وواحداً وثلاثين حديثاً.

(36) التاج الجامع للاُصول 2: 153 عن صحيح مسلم وسنن أبي داود.

(37) وسائل الشيعة: 8/7، ح12، عن من لا يحضره الفقيه.

(38) راجع وسائل الشيعة: 8/ 238 ـ 248، أبواب آداب السفر إلى الحجّ وهي ثمانية وستون باباً.

(39) راجع دعاء الإمام الحسين وابنه عليّ بن الحسين‘في يوم عرفة بالخصوص لتجد عظمة هذا الجانب وروعته في مدرستهم(ع)  .

(40) باستثناء ما يذهب إليه الوهابيون من تحريم شدّ الرحال لزيارة النبيّ’، وإنّما يجوّزونها لمَن حضر (المدينة). نعم يجوز شدّ الرحال ـ في نظرهم ـ إلى مسجد النبيّ’ في المدينة وتكون الزيارة للنبيّ’ في هامش زيارة المسجد الشريف.

(41) هناك احتمالات متعددة في موضع دفنها أظهرها أنّه في بيتها، واحتمال آخر أنّه في البقيع واحتمال ثالث في الروضة والسبب في ذلك هو أنّ الصدّيقة (سلام الله عليها) ـ لظروف سياسية ـ أوصت عليّاً (ع) أن يخفي محل دفنها، وطلبت منه عدم السماح بمشاركة الشيخين في تشييعها; لأنّها ماتت وهي غاضبة عليهما ومعترضة على فعلهما وإبعادهما للإمام عليّ بن أبي طالب عن ما عيّنه الرسول’ ونصّبه فيه، كما نصّت على ذلك النصوص الصحيحة التي رواها جميع المسلمين، والظلم والإيذاء الذي لحقها منهما قد أدّى إلى استشهادها سلام الله عليها.

(42) إنّ من الملاحظ ـ مع الأسف ـ أنّ هناك محاولة لمحو هذه الآثار وإلقاء الستار عليها، بحيث لا يتم الإهتمام بها، بل هناك عمل منظّم لإبعاد الحجّاج عنها قدر المستطاع كما يلاحظ ذلك من يزور البقيع وأُحد وغار حراء.

(43) وسائل الشيعة: 10/253 ح5.

(44) وسائل الشيعة: 10/254، ح4.

(45) المصدر السابق: ح10.

(46) وسائل الشيعة: 10/255، ح12.

(47) انظر موسوعة الغدير في الكتاب والسنّة والأدب للعلاّمة الأميني.

(48) وسائل الشيعة: 10/252، ح1.

(49) الأنفال: 24.

(50) التاج الجامع للأُصول: 2/106 ـ 107.

(51) المصدر السابق.

(52) هذا الموضوع من القضايا التاريخية التي ينبغي تناولها في مجال آخر.

(53) وسائل الشيعة: 8/77، ح2.

(54) وسائل الشيعة: 8/83، ح17.

(55) وسائل الشيعة 11/32، ح3.

(56) المصدر السابق: 11 / 34، ح6.

(57) المصدر السابق: 11 / 34، ح8.

(58) نهج البلاغة: الكتاب 47.

(59) الخصال: 2/620 / 10، وص 628/10، وص635 / 10.

(60) المصدر السابق.

(61) المصدر السابق.

(62) نهج البلاغة: الخطبة 1.

(63) نهج البلاغة: الخطبة 192. نتائق: جمع نتيقة وهي البقاع المرتفعة، ومكة مرتفعة بالنسبة لما انحطّ عنها من البلدان، الدمثة: اللينة ويصعب عليها السير والاستثبات منها، وتقول: دمث المكان إذا سهل ولان، ومنه دمث الأخلاق لمن سهل خلقه، الوشلة: ـ كفرحة ـ قليلة الماء، الخفّ: للجمال، والحافر: للخيل والحمار، والظلف: للبقر والغنم، وهو تعبير عن الحيوان الذي لا يزكو في تلك الأرض، ثنى عطفه إليه: مال وتوجه إليه. المنتجع: محل الفائدة، الرمل بالتحريك: ضربٌ من السير فوق المشيء ودون الجري وهو الهرولة، السرابيل: الثياب، وأحدها سربال بكسر السين المهملة فسكون الراء، ملتف البنى: كثير العمران، البرّة: الحنطة والسمراء أجودها، الاعتلاج: الالتطام ومنه اعتلجت الأمواج إذا التطمت، والمراد: زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس، فُتُحاً وذللاً بضمتين، والأُولى بمعنى: مفتوحة واسعة، والثانية مذلّلة ميسّرة، كما عن هامش البحار: 99/45/35.

(64) ثواب الأعمال: 70/3.

(65) أمالي الطوسي: 668/1398 و296/582 .

(66) أمالي الطوسي: 668/1398 و296/582.

(67) أمالي الصدوق: 493/4، التوحيد 253/4.

(68) علل الشرائع: 405/6.

(69) عيون أخبار الرضا (ع) : 2/90 / 1.

(70) عيون أخبار الرضا (ع): 2/119/1.

(71) تحف العقول: 7 .

(72) تحف العقول: 149.

(73) أمالي الطوسي: 694/1478 .

(74) عيون أخبار الرضا× : 2/262/29.

(75) نور الثقلين: 3/492/97.

(76) ثواب الأعمال: 281/1 و282/2.

(77) تفسير العياشي: 2/305.

(78) علل الشرائع: 452/1 و396.

(79) علل الشرائع: 452/1 و396.

(80) بحار الأنوار: 27/181 / 30.

(81) الخصال: 148/180.

(82) الكافي: 4/338/3.

(83) بحار الأنوار: 96/125.

(84) مصباح الشريعة: 142.

(85) الخصال: 167/219، علل الشرائع: 235/4.

(86) وسائل الشيعة: 12/60/3.

(87) الدّر المنثور: 2/63.

(88) وسائل الشيعة: 9/3/4.

(89) ثواب الأعمال: 74/16.

(90) ثواب الأعمال: 74/17.

(91) الكافي: 4/263/45.

(92) بحار الأنوار: 7/302/56.

(93) بحار الأنوار: 7/302/57.

(94) الكافي: 4/226/2 وص227 / 3، وسائل الشيعة: 9/336 باب 14.

(95) المصدر السابق.

(96) كمال الدين: 346 /33.

(97) الكافي 1: 337/6، غيبة النعماني: 175، كمال الدين: 351 ح48، تقريب المعارف، الحلبي: 422.

(98) راجع مثلاً الرواية التي ينقلها الشيخ الصدوق في كمال الدين: 444/18، الخرائج 2: 961.

(99) الحجّ: 27.

(100) البقرة: 158.

(101) آل عمران: 95.

(102) البقرة: 199.

(103) الترديد من الراوي.

(104) البرمة: القدر مطلقاً، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن (النهاية: 1/121).

(105) التنعيم: وهو أدنى موضع في الحلّ قريب من مكة، راجع (معجم البلدان: 2/49).

(106) التهذيب: 5/454/1588، الكافي: 4/245 / 4 .

(107) البقرة: 125.

(108) البقرة: 158.

(109) سنن أبي داود: 1/425 ح1905، سنن ابن ماجة: 2/1025، باب حجّ رسول الله ح3074.

(110) صحيح مسلم: 4/39 ـ 43، وراجع للتفصيل صحيح مسلم بشرح النووي: 8 / 402 ـ 421 ح2941 (147) الطبعة التاسعة: (1423 هـ / 2003م) در المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت.

الإثنين, 31 كانون1/ديسمبر 2012 05:20

سيرة جناب "أم سلمة"

هي السيدة هند بنت أمية بن المغيرة بن عبدالله بن مخزوم. ويتطرق الى حياتها الكاتب عمر رضا كحالة في كتابه القيّم "اعلأم النساء" ويقول: اختلف المؤرخون في اسم والدها، فراح البعض يقول ان اسمه كان سهل بن المغيرة بن عبدالله بن مخزوم او حذيفة، فيما يقول بن سعد في كتابه الطبقات الكبرى ان والدها كان يدعى "سهيل زاد الرّكب" بن المغيرة. وان تسميته بـ "زاد الركب" لأنه كان كريما معطاء، وكلما كان ينوي السفر، كان يضيّف من يسافر معه، ومن كان يسافر معه لم يكن يحتاج لاي زاد لسفره. كما اختلف المؤرخون في اسم أم سلمة نفسها، فمنهم من يعتقد بان اسمها كان "رملة". فيما كان ابن عبدالبر يعتقد ان اسمها كان "هند" ويؤكد ان بعض العلماء كانوا يؤكدون ذلك(اعلأم النساء ج5، ص221و222). وان والدة أم سلمة كانت تدعى عاتكة بنت عأمر بن ربيعة بن مالك. حتى ان بعض المؤرخين قال ان عاتكه هذه هي عمة النبي (ص)(ابن الاثير في الكأمل في التاريخ، ج1، ص 594 طبعة بيروت، عأم 1407هـ.ق.).

ويتفق المؤرخون على ان السيدة أم سلمة كانت سيدة جليلة، عالمة، مفكرة، وترعرعت في عائلة شريفة ذات جلال وكمال وعقل ومكنة، ويقال انها لبت نداء ربها عأم 63 للهجرة النبوية الشريفة، في سن الرابعة والثمانين، فيما يقول البعض انها توفيت في التسعين من العمر وفي العأم 61 للهجرة النبوية الشريفة. على اية حال فإن هذه السيدة الجليلة قد ولدت عشرين عأما ونيف قبل الهجرة النبوية الشريفة، وقد تزوجت في ريعان شبابها من ابو سلمة عبدالله بن عبد الاسد المخزومي. ومع بدء نشر اعلان الدعوة الاسلأمية بشكل رسمي من قبل النبي الاكرم(ص) اصطحبت هذه السيدة الجليلة زوجها الى النبي، ليعلنا اسلأمهما في وقت كانت الوثنية مازالت تعصف بالجزيرة العربية، شقیقها عبدالله بن ابي أمية کان أحد أشدّ معارضیها للتشرف بالدین الحنيف، حتى لقي حتفه على يد المسلمين في غزوة أحد. ومان ان زاد تعرض المشركين والقرشيين لانصار النبي بمن فيهم هذين الشابين العريسين واقرباءهم واقرانهم حتى قررا في السنة الخأمسة للبعثة النبوية الشريفة ان يخرجا من مكة ليهاجرا الى الحبشة. وما ان بلغهم ان ايذاء مشركي قريش للمسلمين تضاءل وان العديد من سكان مكة اقبلوا على اعتناق الدين الاسلأمي الحنيف، حتى قررا العودة الى مكة ثانية. وفي فترة مكوثهما في الحبشة رُزقا بأول مولود لهما وأسمياه "سلمة". وعندما عادوا الی مکة ادرکا ان القصة کان کذباً وبعد عودتهما من مكة ثانية الى الحبشة مكثا لفترة فيها ثم عادا ثانية الى مكة وسكنا فيها حتى العأم الثالث عشر للبعثة النبوية الشريفة، حيث قررا الهجرة الى مدينة يثرب(المدينة المنورة) ليتخلصا من ايذاءات مشركي قريش. لكن بني المخزوم منعوا السيدة أم سلمة وطفلها(وعلى قول اطفالها) من الهجرة، واكدوا انها يجب ان تبقى بحمايتهم، ما اضطر ابو سلمة للهجرة وحده لينجو بنفسه. وبعد فترة ظلت السيدة الجليلة أم سلمة تلح على عشيرتها ليمنحوها الإذن في الالتحاق بزوجها مع ابنها، في بدایة الامر وافق بنو مخزوم علی هجرتها بمفردها ،لانهم کانوا یعتقدون أن إبنها من بني مخزوم و غیر مسموح له بالهجرة ، بعدها ساعدها شفاعة بعض وجهاء بني المخزوم على ذلك ، ما حمل بني المخزوم على تلبية طلبها. فطلبت ناقة لتحملها وابنها الى المدينة، فوفروا لها القوم ذلك وانطلقت نحو المدينة، وفي طريقها صادفت عثمان بن طلحة، من بني عبدالدار الذي كان بدوره يقصد مدينة يثرب. عندها وافقت السيدة أم سلمة ان تماشي ركب عثمان بن طلحة، ليقود عثمان الركب باتجاه يثرب. وتقول السيدة أم سلمة عن تلك الرحلة ان عثمان بن طلحة كان كلما نزل في منزل اخذ عقال الناقة لتتوقف، ومن ثم تبرك لتجلس على الارض ويتركها ويبتعد عنهم قليلا لتنزل هي وابنها من المحمل. ويعيد الكرة ثانية عندما كنا نريد الركوب واستئناف الحركة. ویقال ان أم سلمة هي اول أمرأة دخلت المدينة وهي راكبة على محمل الناقة.

أما ابو سلمة فقد اثخن بالجراح في غزوة احد وظل يعاني من تلك الجروح حتى لبى نداء ربه في الثأمن من جمادى الاخرة من السنة الرابعة للهجرة. كما ذكر بعض المؤرخين ان ابوسلمة جرح في معركة بدر في السنة الثانية للهجرة ما ادى الى استشهاده في السنة الثانية للهجرة بعيد غزوة بدر، لكن اذا ما اخذنا الروايات التي تؤكد ان أم سلمة دخلت المدينة مع ابنها الوحيد، وبعد ذلك انجبت ثلاثة اولاد هم عمر(او عمرو) وزينب ودرة، عندها يجب قبول القول الاول في استشهاد ابو سلمة رضوان الله تعالى عليه.

كما تروي الكتب التاريخية ان السيدة أم سلمة ذات يوم طلبت من ابي سلمة "ان ايا من احد الزوجين مات قبل الآخر، فالمتبقي عليه ان لايتزوج حتى يلتقي قرينه في الجنة". لكن ابا سلمة في المقابل دعا لها فيما اذا توفي هو قبلها، دعا لها ان يرزقها الله سبحانه وتعالى زوجا يكون معها رؤوفا وعادلاً. وما ان استشهد الصحابي ابو سلمة حتى تقدم ابو بكر لخطبتها، وتلاه عمر بن الخطاب، لكنها رفضتهما دون ترديد. وبعد رفض أم سلمة خطبة هذين الشيخين لها، تقدم النبي محمد(ص) يطلب يدها، في البداية واصلت رفضها حتى للنبي الاكرم، الا ان الرسول الاكرم عاود الكرة في خطبتها ثانية ما حملها على قبول خطبته، ليتم عقد قرانها به في نفس السنة (الرابعة او الثانية للهجرة).

ويقال ان أم سلمة طلبت من ابنها عمر ان يعقد قرانها مع رسول الله (ص)، لكن صغر سنه حال دون ذلك، ما حمل الباحثين على الاعتقاد بغير ذلك، وان آخرين أمثال الشيخ عمر بن الخطاب (الخليفة الثاني) هو الذي قأم بقراءة خطبة العقد. ويقال ان أم سلمة هي من مواليد مكة او الحبشة وهذا يقلل من احتمال صحة انها قد هاجرت مع ابنها الوحيد الى يثرب. خاصة وان السيدة أم سلمة كانت أمرأة متكاملة ولها كمالها ومكانتها العلمية والإجتماعية، ماحمل باقي ازواج النبي(ص) ليتحرَين اخبارها على الدوأم. ففي رواية عن فاطمة الخزاعية انها قالت سمعت ذات يوم ان أم المؤمنين عائشة كانت تقول: دخل علي رسول الله(ص) ذات يوم، فسألته أين كنت حتى الآن؟ فأجابها قائلا: يا حميراء كنت عند أم سلمة. فقلت له: أما تكفيك زياراتك لأم سلمة؟(رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ج8، ص64عن الزهري).

ويقال ان نزول الآية الحادية عشرة من سورة الحجرات كان بسبب ان حفصة وعائشة، زوجتا النبي الاكرم (ص)كانتا تسخران من الملابس القصيرة التي كانت أم سلمة تخيطها لنفسها حسب طولها. كما اضحت أم سلمة محورا لهذه الآية وآيات اخريات ايضا، بما فيها الآية 195من سورة آل عمران حيث كانت أم سلمة محورا لنزول هذه الآية ايضا. ويقال ان شأن نزول هذه الآية هو: ان أم سلمة(رض) ذات يوم سألت الرسوم الاعظم قائلة: يا رسول الله لماذا ذكرت اسماء الرجال دون النساء في القرآن اثناء الهجرة ولم تتم الاشارة الى النساء؟ فما كانت الا سويعات وانزل الله هذه الآية على النبي الاكرم(ص).

على صعيد آخر يقال إن أم سلمة كانت حاضرة في معركة فتح خيبر وكانت تقول لبعض النسوة، يا حبذا لوكان الله يفرض علينا الجهاد كما فرضه على الرجال لننال ما ينالوه من أجر، وما ان اكملت تمنياتها حتى نزلت الآية32 من سورة النساء. كما ان آية التطهير نزلت على النبي الاكرم(ص) عندما كان في حجرة أم سلمة(رض).

ومما تجدر الاشارة اليه ان النبي الاعظم(ص)كان يتفقد ازواجه بعد صلاة العصر من كل يوم ويبدأهن بالسيدة أم سلمة حيث كانت اكبرهن سنا، وينتهي بزيارة أم المؤمنين عائشة التي كانت اصغرهن سنا. كما تعتبر أم المؤمنين أم سلمة من رواة الاحاديث، حيث روت عن النبي الاكرم (ص)وعن ابنته فاطمة الزهراء(س) وزوجها الصحابي ابو سلمة، حتى روى عنها عدد كبير من الصحابة والتابعين، الكثير من الاحاديث. وقد بلغت الاحاديث التي روتها هذه السيدة الجليلة 378حديثا ذكر منها صاحب صحيح البخاري في كتابه تسعة وعشرون حديثا، كما نقل الطبراني عنها 518 حديثا عبر رواة آخرين، اكدوا ان مصدرها أم المؤمنين أم سلمة.

ونظرا لأن السيدة أم سلمة عاشت فترة طويلة وكانت لها مكانة مرموقة في المجتمع كان من المتوقع ان يتم نقل احاديث اكثر عنها لكن صراحة لهجتها، ومعارضتها الواضحة لمعاوية و وقوفها الی جانب الأمأم علي(ع) وتذكيرها الصحابة ببيعتهم يوم الغدي رللأمأم علي (ع) أمأم الرسول الاكرم (ص)، حمل القوم ورجال السلطة على مقاطعة احاديثها لتبقى طي الكتمان.

وقد شاركت السيدة أم سلمة، المسلمين في عدة غزوات لدعم المقاتلين واسنادهم، أمثال غزوة الحديبية وخيبر وفتح مكة وهوازن وثقيف والطائف.كما شهدت حجة الوداع مع النبي الاعظم(ص). وكما قلنا انها كانت عالمة فاضلة وكان النبي(ص) يجلها كثيرا، وبعد صلح الحديبية بالرغم من ان الرسول الاكرم كان يؤكد ضرورة الحلق وتقديم الاضاحي إلا أن الصحابة كانوا يترددون في قبول رأيه، فاستشار السيدة أم سلمة، وطلب منها ان تشير عليه برأيها، فقالت(رض) للنبي: يا رسول الله ان حلقت وقدّمت القربان، فانهم سيفعلون ذلك بعدك دون شك، فما ان طبق النبي الاكرم اقتراحها

حتى اقبل المسلمون على الحلق وتقديم الاضاحي الواحد تلو الآخر. وبناء على ما ذكرناه آنفا من ان السيدة أم سلمة كانت من اصحاب الفكر والرأي والعلم مع الاحتفاظ بصراحة لهجتها على مدى خلافة الخلفاء الثلاثة، التي استمرت لخمسة وعشرين عأما، كانت لاتألو جهدا في تقديم النصح لهم كلما اقتضت الأمور. كما عرف عنها تقديم مذكرات احتجاج للخليفة الثالث ازاء مواقفه تجاه الصحابي الجليل عمار بن ياسر(اعلأم النساء ص 224). كما انها رضوان الله تعالى عليها ارسلت رسالة الى عائشة تذكرها بحديث النبي(ص)، الذي نهاها عبره من الذهاب الى البصرة. وكانت عائشة اقرت بصحته، لكنها سرعان ما عدلت عنه وغيرت رأيها، وعملت خلافا لحديث الرسول الاكرم (ص(.

على صعيد آخر دافعت أم المؤمنين أم سلمة عن مواقف الأمأم علي(ع) أمأم معاوية بن ابي سفيان وكتبت له: ان الله ورسوله يحبون الأمأم علي(ع) وان لعنك له بمثابة لعن رسول الله(ص) وايذاء للرسول(اعلأم النساء ص225).

ويروى عن أم سلمة(رض) انها قالت سمعت من رسول الله انه قال: من احب عليا فقد احبني، ومن احبني فقد احب الله، ومن ابغض عليا، فقد أبغضني ومن ابغضني فقد ابغض الله(مجمع الزوائدج9ص1320). كما ينقل عن تلك السيدة الجليلة بأنها روت عن رسول الله (ص) حيث قال: من سب عليا فقد سبني، وقد ذكرت كل هذه الاحاديث في رسالتها الى معاوية بن ابي سفيان ايضا. وقد وردت روايات عن أم سلمة حول تنبؤات الرسول الاعظم(ص)، تشير بعضها،الى انها كانت تقول ان رسول الله(ص) قال ذات يوم: ان الأمين جبرائيل، أخبره ان سبطه الحسين(ع) يقتل في ارض العراق، فقال الرسول(ص) للأمين جبرائيل: أرني التربة التي يقتل بها الحسين، فمد الأمين جبرائيل يده وجاء بحفنة تربة محمرّة وناولها للرسول(ص) وقال: هذه التربة التي سيقتل فيها الحسين(البداية والنهاية، ج8 ص196، ح200، و كنز العمال للذهبي ج12ص126ح34313). وفي رواية اخرى عن أم سلمة(رض) انها كانت تقول: ذات يوم رأيت عيون النبي(ص) قد اغرورقت بالدموع، فقلت يا رسول الله ماذا حدث في هذا اليوم حتى بدأت تذرف دموعك بهذه الحالة؟

فقال لها:لقد اخبرني جبرائيل الآن، بأن أمتي ستقتل سبطي الحسين في ارض يقال لها كربلاء. (المعجم الكبير للطبراني ج3 ص109 ح2819).

وهناك رواية اخرى عن الإخبار بمقتل الأمأم الحسين، حيث تروي أم سلمة، ان رسول الله(ص) قال ذات يوم: ان الحسين بن علي يستشهد في نهايات عأم 60 للهجرة(مجمع الزوائد ج9 ص190). وضمن الحديث الذي اخبر به النبي(ص) عن استشهاد الحسين بن علي(ع)، تقول أم سلمة ان رسول الله (ص)قال لها: "يا أم سلمة إذا تبدلت هذه التربة الى قطعة من الدم فأعلمي ان سبطي الحسين قد قتل". فأخذت السيدة أم سلمة تلك التربة ووضعتها في محفظة زجاجية وكانت تتردد عليها كل يوم وتقول "ان اليوم الذي ستتحولين فيه الى دماء، سيكون يوما عظيما جدا!!!"(الخصائص الكبرى ج2 ص125، المعجم الكبير للطبراني ج3 ص108).

وفي سنن الترمذي، ابواب المناقب، يروي الترمذي قصة رؤيا أم سلمة التي شاهدت فيها الرسول (ص) بعد ظهر يوم العاشر من محرم الحرأم عأم 61هـ. حيث تقول كنت نائمة حتى شاهدت الرسول الاكرم(ص) في الرؤيا قد أقبل وهو يذرف الدموع على وجنتيه الشريفتين، اضافة الى ان الغبار قد علا رأسه وشيبته الشريفة! فقلت يارسول الله لماذا انت على هذه الهيئة؟ وماذا حدث لك؟ فقال وهو ينتحب باكيا: يا أم سلمة، الآن عدت من مقتل الحسين بكربلاء، وقد شهدت مصرعه، وها أنا اعود من تلك اللحظات الرهيبة.

ويواصل الترمذي حديثه، ويقول فما كان من أم سلمة الا ان تنتفض من نومها مرعوبة وتذهب الى الزجاجة التي احتفظت بتربة كربلاء فيها، والتي اخذتها من رسول الله(ص)، لتجدها كما وعد رسول الله(ص) قد تغيرت وان التراب اصبح مخضّبا بالدماء. (عن كتاب الذبح العظيم ص105 و106). وكانت أم سلمة آخر ازواج النبي (ص) ويقال ان وفاتها كانت بين عأم 59 و63 للهجرة النبوية الشريفة، إلا أن روايات الفريقين تؤكد انها كانت على قيد الحياة في عاشوراء عأم 61 للهجرة النبوية الشريفة وقد نصبت المآتم والعزاء حزنا على استشهاد الأمأم الحسين بن علي (ع). حتى قضت نحبها صابرة محتسبة أمرها الى الله. وتم دفنها في مقبرة "جنة البقيع الغرقد" بالمدينة المنورة.

إعداد السيد عبدالحسين رئيس السادات

تعريب: عبدالهادي ضيغمي

الأحد, 30 كانون1/ديسمبر 2012 06:10

مخطط استبدال "اسرائيل" بإيران

منذ اللحظة الاولى لانتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979، عكفت دوائر الغرب بجناحيه الاميركي والاوروبي مستعينة بدول عربية وخليجية بشكل خاص على وضع مخططات لاستهداف النهج الايراني الجديد ، خاصة مع رفع الثورة الاسلامية بقيادة الامام الخميني (قده) شعار دعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين لاستعادة الحقوق العربية والاسلامية ، وهو ما أربك المشاريع الاميركية المعدة للمنطقة خاصة مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد واخراج مصر السادات من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني ، ومنذ تلك اللحظة بدأت الغرف السوداء بإعداد العدة لضرب الثورة معتمدين على وسائل شتى من الحرب العسكرية والاستخباراتية وصولاً الى التحريض القومي والمذهبي.

بداية مخطط ضرب ايران تحت ستار "منع تصدير الثورة الاسلامية"!!!! لم تكد تمضي اشهر بل ايام قليلة على انتصار الثورة الاسلامية (عام 1979) حتى بدأت موجة اغتيالات استهدفت شخصيات بارزة في الثورة (الشهيد بهشتي ، الشهيد مطهري وغيرهم) وذلك عبر سلسلة عمليات هدفت الى زرع الفوضى في البلاد مستعينة بعناصر داخلية جُندت من قبل اجهزة مخابرات أجنبية. ولم تكد تنتهي الثورة من اجتياز حاجز الاغتيالات والفوضى حتى أعلن صدام حسين الحرب على ايران في ظل دعم غربي ومالي وفرته دول خليجية متخفية تحت عباءة "حماية العالم العربي" من بوابته الشرقية، ورغم الخسائر الكبيرة في الارواح والاموال استطاعت الجمهورية الاسلامية افشال تلك الحرب ، فلجأت واشنطن وحلفاؤها الى المعارك السياسية لعزل طهران ، بعد مد القيادة الايرانية جسور تواصل مع حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية.وتمثلت هذه المعارك بمحاولة اختزال القضية الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي لأراضٍ عربية عبر توقيع اتفاقيات "سلام" (اوسلو، وادي عربة) ، وترافق ذلك مع لجوء الكيان الصهيوني الى الزج بترسانته العسكرية للقضاء على المقاومة في فلسطين وتصعيد الاغتيالات بحق قادة المقاومة واجتياح المدن الفلسطينية ، كذلك عمد العدو الى شن حربين على لبنان صيف (1993) وربيع (1996) .

وبعد الفشل في تحقيق اهدافهم عمد الصهاينة الى الانسحاب من جنوب لبنان (2000) وبعده قطاع غزة وهو ما دفع "اسرائيل" وامريكا ومعهم حلف ما يسمى "الاعتدال العربي" الى التصويب على ايران بصفتها رأس "محور الممانعة" ، فبدأ التبشير بخطورة ما أسموه "الهلال الشيعي" وانتشر في الفضائيات والصحف المدعومة من قبل دول خليجية العزف على الوتر المذهبي في محاولة لتأليب الرأي العام العربي والاسلامي ضد ايران بهدف عزلها على الساحة الاسلامية والعربية وابعادها عن قضايا العرب الاساسية وفي مقدمتها احتلال فلسطين.

غزو العراق ومرحلة جديدة من التحريض المذهبي أمام نجاح ايران في استيعاب الحملات ضدها وصمود المقاومتين الفلسطينية واللبنانية بدعم وغطاء سوري بوجه الاحتلال الصهيوني ، سعت الادارة الاميركية الى التدخل عسكرياً في المنطقة متذرعة بالحرب على "الارهاب" بعد احداث ايلول / سبمتبر فإحتلت افغانستان والعراق. وبعد فشلها في هذين البلدين انطلقت حملة تحريض مذهبية ضد ايران ساعدت فيها اطراف عربية واقليمية عملت على تغذية الشعور المذهبي خاصة في العراق الذي دخل بدوامة عنف حصدت مئات الالالف من الابرياء.ورغم ذلك استطاع العراقيون تحقيق نجاح جزئي في منع انتشار الفتنة في بلدهم ودفعوا الاميركيين الى الخروج منه وهو ما وصف بضربة قوية لمحور "الاعتدال العربي" (لخوفه من غياب الخاضنة الاميركية) ، وبدلاً من الانفتاح على ايران وانشاء تعاون معها رفع محور "الاعتدال العربي" من سقف تمويله لحملات التحريض ضد ايران وبدأوا بتصويرها على انها عدو العالم العربي الجديد. انقلاب الموازين . ايران بدل "اسرائيل" عدوا للعرب!!

حملة التحريض ضد ايران وصلت الى مستوى غير مسبوق في السنتين الاخيرتين خاصة مع سقوط ابرز حلفاء واشنطن في المنطقة حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس ، وشعر معه الغرب ودول "الاعتدال" العربي بانهم اصيبوا بضربة قوية ، فوجدوا في الازمة السورية التي اندلعت لاحقاً فرصة للنيل من ايران لقربها من سورية ولما تمثل هذه الاخيرة من اهمية بالنسبة الى دعم المقاومة في لبنان وفلسطين. هنا وجدت امريكا وحلفاؤها العرب في الازمة السورية فرصة ذهبية لتسعير الفتنة والتحريض ضد ايران وايقاع الشرخ في صفوف حركات المقاومة ، وتحميل ايران مسؤولية نزيف الدم السوري عبر القول ان الحرب في سورية هي بين اقلية علوية تحتكر السلطة ضد اغلبية سنية ، فسُخرت وسائل الاعلام على اختلاف انواعها لتحقيق هذا الهدف وزُج بالفتاوى الدينية واستقدم الاف المقاتلين من شتى البلدان الى سورية تحت عناوين "الجهاد" ، وسط هذا كله بدأت محاولات للايحاء بان "اسرائيل" هي كيان طبيعي يمكن التعايش معه وان ايران هي دخيلة على المنطقة وتسعى الى بسط نفوذها.

اما القيادة الايرانية فكانت اول من رحب بالثورات في تونس ومصر ووصفتها بالصحوة الاسلامية ونادت بضرورة الاصلاح في سورية واعتماد الانتخابات والخيار الشعبي للوصول الى عملية تحول ديمقراطي في هذا البلد داعية الى ابعاد عناصر التدخل الاجنبي وحصر الحل بالسوريين لتسوية خلافاتهم ، ورغم ذلك اصرت اطراف سورية بتحريض اميركي على رفض اية حلول رافعين شعار اسقاط النظام ولو بالقوة المسلحة. وفي هذا الاطار يرى الكاتب والمحلل السياسي مخائيل عوض ان محاولات ضرب ايران وتشويه صورتها (خاصة مع اندلاع الاحداث السورية) اتت بعد سلسلة الانتصارات التي حققها المقاومون في لبنان وفلسطين والذين وضعوا حداً لتفوق الكيان الصهيوني وهو ما لم يحتمله داعمو هذا الكيان على رأسهم الادارة الاميركية ، التي جندت حلفاءها من العرب والمنطقة وسعت جاهدة لعزل طهران ومحاصرتها وفي تفكيرهم ان ضرب الرأس يتداعى بعده الجسد.

كيفية التصدي لمخطط استهداف ايران؟ وبحسب عوض فإن مشروع استهداف ايران سيظل قائما طالما بقيت القضية الفلسطينية حية مؤكدا ان افضل وسيلة لمنع اصحاب مشاريع الفتنة في بلاد الغرب والعرب هو الاستمرار في احياء هذه القضية ومواصلة نهج المقاومة في لبنان وفلسطين والعمل على شد الاهتمام العربي والاسلامي اليها (فلسطين) وجعلها بوصلة الصراع لتمييز العدو من الصديق، ولعل صواريخ المقاومة الفلسطينية الاخيرة التي وصلت للمرة الاولى الى تل ابيب تُثبت بالدليل القاطع ان الجمهورية الاسلامية هي خير داعم للقضية الفلسطينية وليس من رفع شعار "السلام" كخيار لاسترجاع الحقوق المسلوبة.

عمد اسلاميون مسلحون يحتلون تمبكتو (شمال شرق مالي) الاحد الى هدم آخر الاضرحة في هذه المدينة التاريخية، كما اعلن لفرانس برس زعيم اسلامي في المدينة، في معلومات اكدها ايضا شهود عيان. وقال ابو دردار المسؤول في حركة انصار الدين الاسلامية المسلحة التي تحتل تمبكتو مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي 'لن يبقى اي ضريح في تمبكتو، الله لا يريد ذلك. نقوم بهدم كل الاضرحة المخبأة في الاحياء'. من جهته برر محمد الفول الذي يقدم نفسه على انه عضو في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي اعمال الهدم بالقول ان كل ما لا يمت بصلة بالاسلام 'سيء لان على الانسان ان يجل الله فقط'. واكد سكان في المدينة لفرانس برس هدم الاسلاميين للاضرحة في تمبكتو التي يطلق عليها اسم 'مدينة ال333 وليا'، في اشارة الى الاولياء الصالحين الذين يرقدون في اراضيها. وقال احدهم 'حاليا يهدم الاسلاميون كل الاضرحة في الاحياء بالمعاول'. وقال شاهد آخر 'رأيت الاسلاميين يترجلون من سيارة قرب المسجد الكبير في تمبكتو. وراء منزل هدموا ضريحا هاتفين الله اكبر'. وفي تموز/يوليو وتشرين الاول/اكتوبر اثار الاسلاميون في انصار الدين وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي سخطا بهدمهم الاضرحة داخل حرم المسجد الكبير في المدينة المصنف على لائحة التراث العالمي المهدد. وكان الاسلاميون هدموا اضرحة اخرى في تشرين الاول/اكتوبر عشية اجتماع دولي في باماكو حول ارسال قوة مسلحة الى مالي لطردهم من شمال البلاد التي يحتلونها منذ ستة اشهر مع حركة التوحيد والجهاد في غرب افريقيا. وهذه المرة وقعت اعمال الهدم بعد ثلاثة ايام من تبني مجلس الامن الدولي لقرار يجيز على مراحل وبشروط نشر قوة دولية لاستعادة شمال مالي اعتبارا من ايلول/سبتمبر 2013 على اقرب تقدير. والجمعة قام الاسلاميون في حركة التوحيد والجهاد في غرب افريقيا الذين يحتلون غاو (شمال شرق) ببتر ايدي شخصين اتهما بالسرقة.

أصبحت مدينة "هامبورغ" أول مدينة ألمانية تعترف بالأعياد الإسلامية، حيث سمحت للعاملين والطلاب المسلمين بحق الحصول على الإجازات في أعيادهم وعدم الحضور إلى المدارس أو أعمالهم للاحتفال مع أُسرهم. واصبحت مدينة هامبورغ أول مدينة ألمانية تعترف بالأعياد الإسلامية، حيث سمحت للعاملين والطلاب المسلمين بحق الحصول على الإجازات في أعيادهم وعدم الحضور إلى المدارس أو أعمالهم للاحتفال مع أُسرهم. ويأتي هذا القرار كجزء من اتفاقية بين المسؤولين في المدينة الألمانية والمسلمين المقيمين في هذه المدينة، كما سيكون هناك اتفاقيات مماثلة مع المسيحيين واليهود أيضا. وقال رئيس بلدية هامبورغ إن هذه الاتفاقية ستكون بمثابة القدوة لغيرها من المدن الألمانية، حيث إن من حق الجميع أن يمارسوا حياتهم وحريتهم ومعتقداتهم، مشيراً إلى أن أكثر من 150 ألف مسلم يقيمون في مدينة هامبورغ التي يزيد عدد سكانها على 2 مليون شخص.