Super User
الباتريوت الأمريكي خارج الشرق الأوسط
الوقت- خطة جديدة تمضي بها أمريكا في منطقة الشرق الأوسط من بوابة العسكرة، المجال الأقرب إلى قلب واشنطن والأكثر قدرة على اللعب من خلاله، والخطة الجديدة هذه المرة صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، التي قررت سحب منظومة صواريخ من طراز "باتريوت" من الشرق الأوسط مطلع الشهر القادم (أكتوبر/تشرين الأول المقبل).
ماذا تقول واشنطن عن ذلك؟!
سحب بطاريات الصواريخ جاء تحت عنوان "إعادة الصيانة" بحسب التصريحات الأمريكية، وأضاف المسؤولون، إن الأنظمة الأربعة قد تم فصلها بالفعل، حيث سيتم إزالتها الشهر القادم، كما أكدوا عدم وجود نية لدى المسؤولين في وزارة الدفاع باستبدال أي منها، حيث من المقرر أن يتم إعادتها إلى أمريكا وتطويرها، وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال".
إلا أن الأمر لا يمكن أن يكون بهذه البساطة ومن السذاجة تصديق ذلك في ظل رغبة واشنطن على البقاء في منطقة الشرق الأوسط بل تعزيز ذلك بشتى الطرق، وإن كان الأمر يتمثل بأعمال الصيانة فيمكن إنجاز ذلك في الدول التي تنتشر فيها هذه المنظومات، ولكن واقع الأمر يقول إن هناك تكتيكاً عسكرياً جديداً تبحث عنه واشنطن في الشرق يمكن من خلاله الاستفادة بشكل أكبر من الدول التي تحتوي هذه المنظومات، وهذا يأتي في سياق طبيعي لسياسة ترامب الاستفزازية لدول المنطقة ولاسيما دول مجلس التعاون.
الأهداف والغايات
هناك إبهام يحيط بالقرار بشكل عام، لا يمكن الجزم بكل أبعاده في ظل التذبذب الذي تشهده الإدارة الأمريكية والأنباء التي تتحدث عن احتمال إقالة ترامب لوزير الدفاع ماتيس، ولكن يمكن الحديث عن مجموعة النقاط التالية التي تُظهر جانباً مما يجري في المنطقة وكيف تنظر واشنطن لمستقبلها هنا في ظل تصاعد التحديات التي تواجهها وفشلها في إنجاح "الحرب بالنيابة" عبر الحلفاء:
أولاً: التحديات في الشرق الأوسط تتزايد يوماً بعد يوم في ظل توجّه كل من روسيا والصين نحو هذا الشرق، وهاتين الدولتين إحداهما تستطيع إغراق الشرق بالأسلحة الحديثة والمتطورة والأخرى تغرق هذه المنطقة بالمنتجات، وهذا الأمر خلق منافسة أجبرت واشنطن على تغيير استراتيجيتها أمام هذه التحديات، لذلك يمكن القول إن أمريكا تعمل على إعادة تموضع قواتها وتغيير قواعد هذه الصواريخ تحسباً لأي اختراق أمني يكون قد كشف أماكن وجودها.
وقرر وزير الدفاع الأمريكي (جيم ماتيس) سحب أربعة أنظمة صواريخ من طراز "باتريوت" من الأردن والكويت والبحرين الشهر المقبل، في إطار تنظيم القوات والقدرات العسكرية الأمريكية، والتي تأتي في سياق إعادة تقييم التهديدات القادمة والتي تركز على الصين وروسيا.
ثانياً: مجرد الإعلان عن سحب هذه المنظومة سيجعل الدول التي تستفيد منها في الشرق تقلق على أمنها، لكونها كانت تعيش لعقود طويلة في ظل وجود حماية أمريكية تمنع حدوث أي خطر أمني يحل بهذه الدول، وهذا يجبر هذه الدول على الامتثال لأي قرار جديد يخرج عن واشنطن، وهذا ما يبحث عنه ترامب الذي يهوى عقد الصفقات التي تدرّ عليه مليارات الدولارات، وبالتالي يمكن اعتبار سحب منظومة الصواريخ هذه بمثابة استفزاز لجني المزيد من الأموال.
وبالفعل تم توقيع أول صفقة أسلحة مع البحرين، حيث نشرت وكالة التعاون الأمني الدفاعي التابعة للبنتاغون، بياناً أعلنت فيه أن وزارة الخارجية الأمريكية وقّعت صفقة عسكرية مع البحرين، وأشارت إلى أن الصفقة الجديدة تتضمن بيع أكثر من 800 صاروخ تكتيكي إلى البحرين، بقيمة تصل إلى 300 مليون دولار.
وقال البيان: "طلبت مملكة البحرين شراء 120 صاروخاً متعدد الإرشاد من نوع (GMLRS) الموجّه، وست أنظمة صواريخ لكل جراب مجموعة من 720 صاروخاً من وحدات المدافع الصاروخية الأحادية M31 (GMLRS)، و110 من أنظمة الصواريخ التكتيكية (ATACMS) M57 T2K"، مشيرة إلى أن القيمة الإجمالية للصفقة ستصل إلى 300 مليون دولار.
ثالثاً: لنفرض جدلاً أن واشنطن تريد إعادة صيانة هذه المنظومة وتطويرها، يعني ذلك أنها تقرّ ضمناً بفشل هذه المنظومة في حماية حلفائها، وهذا الأمر ظهر بشكل جلي في الحرب اليمنية، حيث عجزت هذه المنظومة عن إسقاط الصواريخ اليمنية أو منعها من الوصول إلى أهدافها، وهذا ما سبب إحراجاً لواشنطن، لذلك لابدّ من إنجاز هذه المسرحية لطمأنة الحلفاء.
رابعاً: روسيا رفعت سقف التحدي في الشرق عبر توجه موسكو لتزويد تركيا والهند وحتى الصين بمنظومة الدفاع الجوي "أس-400" المضادة، وكذلك "أس-300" المطورة لسوريا، ما دفع بالأمريكيين لإعادة ترتيب دفاعاتهم الجوية في منطقة الشرق الوسط.
وبناء على ما تقدم، فإن هناك توجّه أمريكي حالي لإبرام صفقات أسلحة جديدة بمليارات الدولارات لإرواء عطش ترامب المادي، وستكون الوجهة الأولى نحو الإمارات عبر تزويدها بمنظومة دفاع جوي أمريكية جديدة مثل "نظام ثاد" الذي يعالج الصواريخ خارج الغلاف الجوي خلال العام المقبل.
الأمريكي يعرف ما يريد من هذه الدول ويعرف جيداً كيف يحصل على ما يريد، والأيام المقبلة ستكشف حجم الصفقات القادمة والتي ستؤثر على اقتصاد هذه الدول ورفاه مواطنيها لامحالة.
هل تسعى "اسرائيل" في عدوانها للانتقام من اتفاق إدلب؟
ما قامت به "اسرائيل" في العدوان الذي تسبب في إسقاط الطائرة الروسية، ضحّت في سبيله بأسس العلاقة مع روسيا التي ارتسمت بين الطرفين على أساس سماح موسكو بأن تقوم "اسرائيل" بما تسميه الدفاع عن أمنها في عمليات عدوانية ضد مواقع قي سوريا ضد دمشق وإيران وحزب الله.
ما قامت به "اسرائيل" في العدوان الذي تسبب في إسقاط الطائرة الروسية، ضحّت في سبيله بأسس العلاقة مع روسيا التي ارتسمت بين الطرفين على أساس سماح موسكو بأن تقوم "اسرائيل" بما تسميه الدفاع عن أمنها في عمليات عدوانية ضد مواقع قي سوريا ضد دمشق وإيران وحزب الله. لكن هذه العلاقة التي تستفيد منها اسرائيل بحرية الحركة، جرى تنظيمها بين روسيا و"اسرائيل" بما يسمى "نظام تفادي الاصطدام" بحيث لا تقع صدامات في الجو وفي الميدان وبقاء التفاهم متواصلاً عبر الخط الساخن.
لكن في العدوان على اللاذقية ضد محطة غاز ومؤسسة تقنية ومركز البحوث العلمية، تعمّدت "اسرائيل" بأن تبلّغ موسكو قبل دقيقة واحدة من العدوان كما أكّد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. والأدهى أنها استخدمت الطائرة الروسية غطاء لعدوانها وعرضة لصواريخ الدفاع السورية والروسية في قاعدة حميميم. ولعل لهذه المغامرة في ضرب أسس العلاقة بين روسيا واسرائيل أمر جلل فما هو؟
لا شك أن "اسرائيل" تحاول تمرير أمر واقع تقبل به موسكو استمرارها في عدوانها ضد دمشق وحزب الله وإيران في منطقة العمليات الروسية التي أوكلها إليها اتفاق إدلب في المنطقة المنزوعة السلاح. لكن "اسرائيل" تتجاوز في توقيت عدوانها بعد إعلان الاتفاق مباشرة، هذا الطموح إلى هدف أبعد وهو الانتقام الأميركي والغربي من موسكو التي عطّلت عليها في اتفاق إدلب كل ما كانت تطمح إليه هذه الدول في استغلال الذريعة الإنسانية والذريعة الكيميائية، أملاً بالحصول على حصص من الكعكة السورية سواء في دعم الجماعات المسلّحة أم على طاولة المفاوضات من أجل حل سياسي وفق وثيقة الدول السبعة الصادرة في جنيف قبل أيام معدودة من قمة سوتشي.
بيت القصيد في الاتفاق الذي عطّل إمكانية تدخّل الدول الغربية في الشمال السوري وفي مسار الحل السياسي، أنه اتفاق تشترك في صناعته دمشق وطهران وهو يعزّز مواقع حلفاء موسكو في مسار الحل السياسي للأزمة السورية وبالتالي مواقع الطرفين في المنطقة. ولا ريب أن موسكو ساهمت بشكل فعّال لأسباب متعددة تعزيز دور دمشق وإيران من خلال اتفاق إدلب على الرغم أن الاتفاق لا يزال في بدايته الأولى وربما يصطدم بعدة عقبات وتجاوزات قبل وصوله إلى برّ الأمان.
المحاولات الإسرائيلية المديدة مع موسكو، تراهن كثيراً على أن تلجم روسيا أي مصدر قوة للمقاومة ولسوريا ولإيران على صعيد تعزيز مواقع هذه الأطراف في المنطقة. في وقت الجموح الأميركي للمراهنة على خنق إيران وعلى ما تتوهمه إدارة ترامب و"اسرائيل" والسعودية، مما يسمى محاربة النشاطات الايرانية في المنطقة، لا ريب أن المشاركة مع روسيا في الاتفاق على إدلب يذهب في الاتجاه العكسي لما تعوّل عليه واشنطن و"اسرائيل" والسعودية. وقد يكون الشرخ في العلاقات بين روسيا و"اسرائيل"، بسبب اسقاط الطائرة، مكسباً لم تكن تنتظره المقاومة ودمشق وطهران بين مثالب اتفاق إدلب. فروسيا في ردها على "اسرائيل" لا بدّ أن تدافع عن نفسها وعن هيبتها من خلال تعزيز دفاعاتها الجوية في سوريا ومن خلال تسليم سوريا صواريخ متطورة قد يصل بعضها إلى المقاومة أو تصل تقنياتها على الأقل. ومن المحتمل أن محاولة الاعتداء على مواقع المقاومة في منطقة العمليات الروسية، تلقى مواجهة روسية من دون الركون إلى اتفاقات سابقة بين روسيا واسرائيل فالعلاقة بعد اسقاط الطائرة ليست كما كانت قبلها.
قاسم عز الدين
لماذا ترفض واشنطن تزويد سوريا منظومة إس-300؟
الرد الأميركي الحاد على تسليم سوريا منظومة الصواريخ لم يتأخر، إذ أعلن مستشار الأمن القومي جون بولتون معارضة بلاده الشديدة لتزويد سوريا بنظام متطور، معتبراً الخطوة "تصعيداً خطيراً،" وناشد موسكو "إعادة النظر" بقرارها.
وفي نفس اليوم، أعلن الكرملين عن إجراء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثة هاتفية مع الرئيس السوري بشار الأسد يعلمه بقرار موسكو دعم الدفاعات الجوية.
فتصنيع منظومة "إس-300" عام 1975، للدفاع عن منشآت عسكرية واقتصادية ذات طبيعة استراتيجية، كالمؤسسات الصناعية والقواعد والمراكز العسكرية، دخلت الخدمة الميدانية عام 1979، وشهدت تطويرات عدة آخرها عام 1997، حيث أطلق عليها "إس-300 بي أم أو فافوريت"، بلغ سعرها في الأسواق الدولية نحو 250 مليون دولار "للكتيبة الواحدة".
مصادر حلف الناتو تشير إلى أن النماذج الحديثة من المنظومة "هي من أكثر الدفاعات الجوية تقدماً"، وباستطاعتها التصدي لصواريخ باليستية تتجاوز سرعتها 4500 متر في الثانية، والتعامل مع "24 طائرة أو 16 صاروخاً باليستياً حتى مسافة 250 كلم في وقت واحد، وإطلاق 48 صاروخاً.. يتم إطلاق صاروخين على كل هدف بفارق زمني لا يتجاوز 3 ثواني؛ يستغرق أعدادها للاشتباك (النشر والطي باللغة العسكرية) نحو 5 دقائق وهي في حالة الحركة وهو وقت قصير إلى حد بعيد." (شبكة "بي بي سي،" 25 أيلول/ سبتمبر الجاري).
وتتضمن الكتيبة الواحدة من هذه المنظومة راداراً بعيد المدى لاكتشاف الاهداف المعادية، وعربة قيادة تقوم بتحليل البيانات، و6 عربات تعمل كمنصات إطلاق للصواريخ ( كل عربة تحمل ستة صواريخ) وراداراً قصير المدى يقوم بتتبع الأهداف وتوجيه الصواريخ نحوها.
وأوضحت الشبكة أن عربات "إس-300 بي أم أو فافوريت،" (سام-10 وفق تصنيفات حلف الناتو) ستمكن سوريا "صد 96 صاروخاً معادياً دفعة واحدة، وإطلاق 192 صاروخاً صلية واحدة" وهي قادرة على التحرك وتغيير مواقعها خلال دقائق لمنع العدو من تحديد مواقعها بعد إطلاق صواريخها. كما أن نظام الرادار قادر على تحديد الصواريخ المضادة للرادارات المتجهة نحوه ومن ثم إغلاقه فوراً وتشغيل نظامي التمويه وإعاقة الإشارات الإلكترونية.
سلاح التشويش الإلكتروني المعلن عنه مؤخراً هو من طراز "كراسوخا-4 Krasukha" دخل الخدمة عام 2012 "والفريد الذي لا يوجد له مثيل.." تستخدمه القوات الروسية لحماية مواقعها بالقرب من محافظة اللاذقية، باستطاعته "التشويش على أنظمة الرادار للعدو، وأعطاء معلومات غير صحيحة عن المواقع أو إبطال قدرته." ووفق المجلة العلمية الروسية، "تكنولوجيا الراديو الالكترونية"، فإن النظام المذكور يستخدم "الميكروويف.. لزيادة قوة الإشعاع والتشويش، وتوسيع نطاق الترددات لأنظمة الهوائيات بزيادة القدرة المشعة".
الأدبيات والتقارير العسكرية الغربية تعتبر "النظام الروسي بأنه يحول دون عمل الأقمار الاصطناعية للاستطلاع.. وقادر أيضاً على تعطيل مجال الرؤية للرادارات لاستشعار الطائرات المقاتلة". بإمكانه أيضاً "..التشويش على نظام رادار واحد من مركبة أقمار اصطناعية وإشارة من نظام مراقبة مشترك للهجوم على الهدف "نورثروب غرومان E-8" أو 11 أشارة من نظام رادار من طائرات الاستطلاع التكتيكي،" كطائرة "غولف ستريم جي-550" المعدلة لدى سلاح الجو "الإسرائيلي".
من الثابت حتى الآن أن نظام كراسوخا-4، أو الجيل القديم كراسوخا-2، لم يتم تصديرهما لأي دولة أخرى، مما يعيق مساعي دول حلف الناتو و"اسرائيل" للحصول على بيانات مفصلة، لا سيما وأنه سيكون تحت إشراف وإدارة طواقم روسية في سوريا.
وأوضح موقع فايس Vice الأميركي الإلكتروني أن القوات الروسية في سوريا فعّلت نظام التشويش وعرقلت "وصول بيانات نظم الإحداثيات (جي بي إس) لطائرات الدرونز" أميركية الصنع، مما يعزز احتمالات وجود بيانات ذات طبيعة تقنية لدى منظومة حلف الناتو و"اسرائيل" عن نظام كراسوخا.
وكالات الأنباء والصحف العالمية أوضحت منذ عام 2015 أن الطيارين "الإسرائيليين" تدربوا على كيفية التعامل مع منظومة الدفاع الجوي إس-300 ، بالتدرب على طراز المنظومة التي اشترتها قبرص قبل 18 عاماً، ومقرها في جزيرة كريت، وتمّ تشغيلها أثناء المناورات الجوية المشتركة بين سلاحي الطيران "الاسرائيلي" واليوناني.
طلبت الولايات المتحدة من اليونان تشغيل إس-300 مرة واحدة على الأقل، مما سمح للطيارين "الإسرائيليين" معرفة طريقة عمل رادار التعقب في منظومة إس-300 للأهداف المعادية والتعامل معها وجمع معلومات عن الرادار المتقدم للمنظومة وكيفية التحايل عليه. ومن المسلمات العسكرية أن البيانات التي بحوزة "اسرائيل" عن رادار المنظومة تمّ إطلاع حلف الناتو والولايات المتحدة عليها بشكل خاص.
وكالة "رويترز" للأنباء أوردت عام 2015، عن الخبير الروسي لدى المعهد الملكي في لندن، إيغور سوتياغين، قوله إن توفير فرصة التعامل مع منظومة أس-300 الموجودة في جزيرة كريت اليونانية هو كل ما يمكن أن تطمح إليه "إسرائيل" لدراسة ترددات الرادار وذبذباته ومداه وحينها يمكن معرفة كيفية التعامل مع هذه المنظومة وتفادي أخطارها، حسب قوله.
في السياق نفسه، فالولايات المتحدة وحلف الناتو لديهما بعض الميزات التقنية التي ربما ستساعدها على "فك شيفرة" منظومة إس-300، والمتمثلة بنظام التحكم على متن صواريخ كروز الأميركية التي تعمل وفق بيانات "خريطة طريق" معدة سلفا تتحكم بوصول الصاروخ لهدفه، برغم عدم دقة الإصابة، والتي قد تعجز منظومة إس-300 عن التحكم به، وذلك قبل أن تتغلب التقنية الرقمية والتطورات الحديثة في نظم تحديد الإحداثيات للمواقع المستهدفة.
استمرار "اسرائيل" في محاولة اختراق الأجواء السورية سيتواصل، على الأرجح، بوتيرة أعلى ونطاق حذر أشد وبطريقة اختبارية وليس هجومية، بيدَ أن الكلفة التي يتعين عليها دفعها ستكون أكبر حجماً وإيلاماً عما سبق إذا لجأت لتنفيذ غارات كالمعتاد. وربما ستضطر لتشغيل مقاتلاتها الأميركية الحديثة، اف-22 و اف-35، لما تتميزان به من قدرات عالية على التخفي، وتعزيز غاراتها باستخدام منظومة تشويش الكترونية خاصة بها، طائرات "غولف ستريم جي-550".
المعلومات الاستخباراتية التي قد تجمعها المقاتلات "الاسرائيلية" ستشارك الولايات المتحدة وحلف الناتو بها أو ببعضها، وقيم الولايات المتحدة بتطوير تقنية مقاتلاتها وفق نسق ما تمّ الحصول عليه.
وفي المعلومات التقنية المتوفرة أن سطح طائرة الاستطلاع أكبر بكثير من سطح المقاتلة "الاسرائيلية،" إذ أن مساحة جناح الطائرة الروسية تبلغ 14 متراً مربعاً لكل منهما، "وتوّلد إشارة أكبر على أجهزة الرادار، ويلتقط الصاروخ المضاد تلك الإشارة ويتوجه تلقائياً نحو مصدرها لتدميره".
وحول قدرات طائرة الاستطلاع على المناورة الجوية أوضح "خوستوف" أن على متنها نظام تحذير من هجوم صاروخي، لكن من الصعب عليها القيام بمناورة سريعة والهروب بعيداً عن صاروخ يطارها.
استعراض القوة العسكرية في البحر المتوسط يشتد سخونة بين القوتين العظميين اللتان تطلقا إشارات متواصلة عن مدى جهوزيتها وتعزيز ترسانتها الحربية، جواً وبحراً.
روسيا أجرت مناورات حربية "غير مسبوقة" فوق المتوسط استخدمت فيها أسلحة وذخائر حية بعضها لأول مرة تمثل في أطلاقها صواريخ موجهة مضادة للسفن، KH-35U، حققت أهدافها في تدمير اسطول من السفن. البيانات الأولية تشير إلى أن تلك الصواريخ "عصية" على تعقب نظم الدفاع الصاروخي المعادية؛ باستطاعتها تدمير سفينة حربية زنتها 5،000 طن، من على بعد 250 كلم.
الولايات المتحدة، من جانبها أيضاً عززت من حضورها العسكري الكثيف أصلاً المنتشر في عموم المنطقة. بعد الهزائم المتتالية التي تلقتها الجماعات المسلحة في سوريا، وخسارة مؤيديها في الباكستان، وانكشاف منسوب تدهور المخطط الأميركي لتفتيت المنطقة بالصراعات الطائفية، لجأت إلى سياساتها القديمة بتشكيل "تحالفات" على غرار حلف بغداد، ظاهرها التصدي الجماعي لإيران وباطنها استخدام الأدوات العربية ضد بعضها البعض.
في هذا السياق أعلن وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، عن تشكيل "حلف استراتيجي في الشرق الأوسط"، يضم دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة للاردن ومصر، بعنوان التصدي لإيران. هذا على الرغم من أن مصر خرجت من "التحالف الذي تقوده السعودية" في عدوانها على اليمن عام 2016. من المرجح أن وجود مصر مرة أخرى يوفر غطاءً إقليمياً للتحرك الجديد، بينما استدراج الأ ردن للانضمام لا يشي بأي جديد.
استراتيجية الولايات المتحدة المفضلة هي "إدارة الأزمات،" وليس حلها، كما عبر عنها مراراً أركان المؤسسة الحاكمة مثل كيسنجر وزبغنيو بريجينسكي. حضور روسيا المكثف والمرئي هذه المرة يؤشر إلى تسعير الولايات المتحدة لساحات اشتباك أخرى.
الانتخابات الرئاسية المُقبلة في الجزائر
العارفون بخبايا وأسرار منظومة الحُكم في الجزائر يؤكَّدون بأن الأمور ستسير نحو المزيد من الاحتقان والانسداد السياسي، وربما تؤدّي إلى حدوثِ اضطراباتٍ اجتماعيةٍ وأمنيةٍ مُخطَّط لها سلفاً، من أجل محاولة فرض أجندات عَصَب الحُكم التي تُدير البلاد حالياً، والتي يتّهمها الكثيرون حتى داخل النظام بأنها أدّت إلى دخول البلاد في نفقٍ اقتصادي واجتماعي مُظلِم، سيؤدّي إلى كوارث حقيقية على المدى المنظور.
تعيش الساحة السياسية الجزائرية حالياً في حال ترقّب حَذِر بعد عودة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى أرض الوطن واستقباله كما صوَّرت لنا وسائل الإعلام المحسوبة على السلطة لقاءه مع المُستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتي حاول الكثير من النُخَب الداعمة لاستمرار بوتفليقة لعهدةٍ خامسةٍ استغلال زيارتها للبلاد من أجل التأكيد على أن الرئيس بخيرٍ على عكس ما روَّجت وسائل إعلام محلية وحتى دولية قبل عودته إلى قصر الرئاسة بعد رحلة علاجه الأخيرة التي قادته إلى سويسرا، فالانتخابات الرئاسية المُقبلة المُزمَع إجراؤها بعد أشهرٍ قلائل تثير شهيّة الكثير من أقطاب المعارضة الذين يطمحون إلى دخول قصر المرادية، مع إقدامِ وجوهٍ جديدةٍ على الترشّحِ لأول مرة كنجل الرئيس السابق محمّد بوضياف رحمه الله، وبرلماني سابق معروف بعدائه الشديد للسلطة، والقائمة لا تزال مفتوحة لترشّح أسماء أخرى يأمل المراقبون للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الجزائر أن تحدث نقلة نوعية في مستوى الخطاب السياسي، وربما تنجح بنسبةٍ كبيرةٍ كما يرى أنصارها في تحقيق المستحيل برأيهم وهو الوصول إلى كرسي الرئاسة، إذا لم يُعلن الرئيس بوتفليقة ترشّحه لمنصب الرئاسة لعهدةٍ أخرى.
وبالمثل فإن هناك الكثير من عصب الحكم المنتمية إلى النظام السياسي المسؤول في الجزائر عن اختيار الرؤساء والذي يتكوَّن من شبكةٍ معقّدةٍ جداً ومُتشابكةٍ من كبار الجنرالات المُتقاعدين والحاليين والمجاهدين السابقين، ورؤساء المخابرات المُتبقّين على قيد الحياة وامتداداتهم داخل أحزاب السلطة الحاكِمة، والذين سيكون لهم دور محوري بارز وفعّال كالعادةِ في تحديد هوية الرئيس المقبل، والذي بالتأكيد سيكون من صناعة النظام واختياره، والعارفون بخبايا وأسرار منظومة الحُكم في الجزائر يؤكَّدون بأن الأمور ستسير نحو المزيد من الاحتقان والانسداد السياسي، وربما تؤدّي إلى حدوثِ اضطراباتٍ اجتماعيةٍ وأمنيةٍ مُخطَّط لها سلفاً، من أجل محاولة فرض أجندات عَصَب الحُكم التي تُدير البلاد حالياً، والتي يتّهمها الكثيرون حتى داخل النظام بأنها أدّت إلى دخول البلاد في نفقٍ اقتصادي واجتماعي مُظلِم، سيؤدّي إلى كوارث حقيقية على المدى المنظور. فالسلطة الحاكِمة التي أدارت الجزائر لمدّة 20 سنة، عجزت عن استثمار الأموال الضخمة والتي تُقدَّر بأكثر من 1000مليار دولار في إحداث نهضة شاملة، في كافة المجالات ومناحي الحياة، لذلك يجب عليها الرحيل وترك الفرصة لرئيسٍ ومنظومةِ حُكمٍ جديدة تعطي دفعاً قوياً لمؤسّسات الدولة، وتُنهي الجدَل الحاصل على الساحة السياسية وتنزع مختلف الذرائع عن أقطاب المعارضة وخاصة المُقيمين في الخارج، والذين بالتأكيد يُنفِّذ الكثير منهم مُخطّطات دول أجنبية تريد استغلال عَجْز الرئيس صحياً، وحال الفساد المستشري في هياكل الدولة للضغط على الجزائر للتنازُل في ملفات حسّاسة وشائكة، تُعتَبر من المبادئ الراسِخة للدولة منذ الاستقلال.
عميرة أيسر كاتب جزائري
أزمة الحكومة في تونس أم أزمة التبعية والحُكم؟
مع احتدام أزمة نظام الحُكم الوجودية في تونس التي تركّزت في أزمة عدم الخروج من تنازع صلاحيات ومصالح وتصوّرات رئاسة الجمهورية والاتحاد العام التونسي للشغل، وشق من نداء تونس وبعض المنظمات الوطنية الأخرى مثل اتحاد الأعراف واتحاد الفلاحين من جهة ورئيس الحكومة المُعيّن يوسف الشاهد وحركة النهضة من جهة أخرى، علاوة على الكتلة البرلمانية المساندة للشاهد والتي تكوّنت حديثاً من جملة انشقاقات وصراع سياسة حزبية، وحول التصرّف في شؤون الحُكم وتسيير البلاد وتحقيق تطلّعات الشعب، خاصة في واقع عدم الوصول إلى حلول دستورية أو توافقية، تتفاقم أضلع الأزمة الأخرى الأخطر، علاوة على الجانب السياسي منها، ونعني البعدين الأمني والاقتصادي.
تتفاقم تبعيّة تونس الأمنية والدفاعية نتيجة ما أقدمت عليه عن طريق رئيس الجمهورية الحالي السبسي، ورئيس حزب مشروع تونس الحالي مرزوق من إمضاء اتفاقية ما يُسمّى الحليف غير العضو من خارج حلف الناتو وعدم أخذها مسافة مما يُسمّى الحلف الأطلسي الذي يدّعي مكافحة الإرهاب هو ووكلاء المنطقة، والحال إن أمر صناعتهم للبؤر الإرهابية وتشكيلهم لمعسكرات العدوان الإرهابي بات مكشوفاً على طول الجغرافيا المقصودة بالتفكيك والإخضاع. هذا إضافة إلى موضوعات الهجرة غير النظامية وجريمة الاتّجار بالبشر وغيرها من الجرائم المنظمة، نتيجة تهيأة بيئة الفوضى الضرورية منذ العدوان الإرهابي العسكري الغربي على ليبيا، بما فيه من أدوار لعبت من عدّة دول وشبكات عربية وغير عربية، بما في ذلك الدور التونسي. وعليه، وهو أمر قديم جديد في الواقع، تتّجه السياسات الأمنية والعسكرية الأوروبية والأميركية وفق عقائدها الاستراتيحية إلى مزيد وضع تونس وحدودها تحت السيطرة والتبعية التي تصل حد تدخّل المارينز في التراب الوطني التونسي بعناصر ومهام وقواعد عسكرية حسب ماذكره موقع ناشونال انترست مؤخراً، فضلاً عن التحكّم الاستخباراتي. هذا ويرجّح مزيد تدخّل القوى البحرية الأوروبية (سوفيا) بدعوى مكافحة الهجرة من خلال توسيع الرقعة الجغرافية لهذا التدخّل طبقاً لتقرير اللجنة الأوروبية لتقييم ومتابعة السياسة الأوروبية في مجال مقاومة الإرهاب الصادر في 26 حزيران/ يونيو 2018، والذي يشير إلى حد إمكانية استصدار قرار من مجلس الأمن للعمل في مياه تونس الاقليمية، مستنداً أيضاً إلى اتفاق الشراكة من أجل الحركية الموقّع في آذار/ مارس 2014. وبلغة أخرى وبوجه عام، فإن اتجاه الأمور إلى مزيد إطلاق اليد الاستعمارية ومخطّطاتها في المنطقة هو الأرجح طالما هذه هي سياسة محور الإرهاب والانتداب هذا وهذه هي سياسة محور التبعية والتطبيع هذا بحكوماته وبلدانه وشبكاته.
أما على الصعيد الاقتصادي فإن كل المؤشّرات الاقتصادية فائقة السلبية وعالية التهديدات خاصة إذا ارتبطت بما يُسمّى برنامج الإصلاحات الكبرى (المفاسد والاستباحات في الحقيقة)، التي تمليها الصناديق الدولية وهي أدوات ستعمّق رهن وارتهان البلد وانهيار مقدّراته راهناً ومستقبلاً، وعلى وجه الخصوص في واقع زحف مفاعيل التفويت والتفريط وولاء الحكومات للمشغّل الغربي واللوبيات المحلية، ونذكر أساساً ما تُسمّى اتفاقية الشراكة المعمّقة مع الاتحاد الأوروبي والتي يجمع الخبراء الموثوقون أنها ستنزع سيادة البلد بشكل نهائي، وستقضي على فرص النهوض ويؤكّدون أنها قيد التنفيذ كسياسة أمر واقع لاسيما بأسسها القانونية والتشريعية، وبإجراءاتها التنفيذية إلى جانب التعهّدات، بدلاً من تبني سياسات اقتصادية ومالية وطنية بديلة في مجالات قيمة الدينار والمديونية والتوريد الفوضوي والشراكة غير المتكافئة...الخ. زيادة على سياسة حق الاعتراض وحق الرفض والتفاوض التي يؤكّد عليها العارفون الخبراء من نوع السيّدات والسادة جنات بن عبد الله وجمال الدين العويديدي وأحمد بن مصطفى وغيرهم في مقالاتهم ومحاضراتهم، في هبّة فكرية وطنية طليعية تستحق كل الاحترام. وهنا نشير أيضاً إلى جانب التونسيين، نشير إلى تقرير الجمعية الدولية للتقنيين والخبراء والباحثين إيتاك الصادر في نيسان/ أبريل 2016 تحت عنوان "الاتحاد الأوروبي-تونس: ديكتات اللبرلة التجارية أم شراكة أصيلة؟" والذي يؤكّد في تشخيصه وتحليله وتوصياته على نفس التوجّهات والاستنتاجات المضرّة بتونس التي يسار بها نحو دولة فاشلة كما يريد الأميركان والأوروبيون ووكلاؤهم الخليجيون في المنطقة في صيغة ما يسمّى "النظام العربي الجديد" كما جاء في تقرير معهد كارنيغي في تقرير 16-8-2018.
في جو الأزمة الوجودية والانسداد السياسي هذا، وأمام استحقاق الإنقاذ الوطني نجد أنفسنا أمام سؤال المعارضة الوطنية ومسائلتها. والمقصود بالمعارضة الوطنية هنا تلك المعارضات التي ناضلت لعقود ضد استبداد وتبعية نظام بورقيبة وضد نظام بن علي وكذلك ضد حكومات ما بعد 2011 والتي تواصل نهج التبعية بنوع من الاستبداد الناعم المدعوم من المنظمات المالية والاقتصادية الدولية ودولها ، وكذلك بعض أنظمة الاقليم وشبكاتها. وتتألف هذه المعارضة من أحزاب وجبهات على غرار الحزب الجمهوري وحزب حركة الشعب وحزب التيار الديمقراطي والحزب الاشتراكي والجبهة الشعبية وأحزاب ومنظمات مدنية أخرى، تعاني كلها من غياب الفاعلية والتأثير ومن انعدام التنسيق الجماعي والعمل المشترك الأدنى في ظلّ أزمة نصفها بالأخطر في الأبعاد الثلاثية السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمر بها البلد والتي ذكرناها أعلاه.
وعليه، فإن إنقاذ المعارضة كخيار ضرورة حتمية للإنقاذ الوطني لا يمكن أن يتم إلا على أرضية أطروحة وطنية جامعة لا على أساس أي مشروع أحادي يدّعي ما يشاء أن يدّعي. وإن أيّ أمل ثوري وتحرّري ووحدوي لا يرى النور إلا بتحصيل سلطة معنوية للمعارضة تجعل منها قوّة معارضة أو قوّة أساسية قادرة على تحقيق ثقة غالبية المنهوبين والمهدورة حقوقهم والمعدمين ومقتدرة على قلب موازين القوى وتحقيق المهمات الوطنية المطلوبة.
بالمقابل، تظلّ أية معارضات قائمة في صورة اللامبالاة الشعبية بالمعارضة لكونها معارضة ولأسباب أخرى ذاتية وموضوعية طبيعية. نحن نظن أنه من حق الشعب مهما قلت عنه، من حقه مراقبة المعارضة واختبارها مرة وأكثر، لعلّها تبادر أو تغيّر أو تنجح في شيء ما. ومن حقه أيضاً الالتفات عنها وقتما يشاء. فهو مشدود بواقعه أما إلى المقاطعة وأما إلى أحزاب الحُكم وماكيناتها وارتباطاتها.
يبدو لنا على الأرجح أن تونس الحالية في أكبر اختبار وأصعب ظرف على منعرج سنة 2019. وفي الحقيقة، غالبية الشعب ليست هي المعارضة وليست معارضة كالمعارضة. والشعب ليس معارضاً بصفته شعباً. أما إذا عارض وانتفض في ظرف ما، فسيعارض الجميع بمّن فيهم المعارضة، وهذه حال تكاد تكون سائدة. إلا إذا نجحت المعارضة موحّدة وكمشروع معارض، إذا نجحت بالحد المطلوب في تمثيل كتلة وازنة منه (أي من الشعب) في تطلّعاته من دون أن يكون معها بالضرورة.
تبقى أسئلة مهمة وملّحة تتعلّق بقواعد إنقاذ هذه المعارضة لنفسها وفرض نفسها كمعارضة مشروع مقابل مشروع ومشروع مقنع مقابل مشروع فاشل، بالأحرى. هاهنا، ليس المشكل في الأفكار والأطر والآليات والحاجة والرغبة الشعبية، بل في إرادات المعارضات. هذا ونظن أن التعجيل بإمضاء ميثاق إنقاذ وطني للمعارضة وللوطن يضمّ أربع نقاط ويتباحث الآليات التنفيذية للضغط وفرض مسار تصحيحي أمر ضروري وممكن كما يلي:
1- إتمام بناء المؤسّسات الدستورية
2- وقف المضي في فرض اتفاقات التبعية
3- وقف النزيف الاقتصادي
4- إطلاق مؤتمر حوار استراتيجي للمعارضة الوطنية حول برنامج الحد الأدنى المشترك الاقتصادي والاجتماعي وخلق استقطاب وطني حوله.
صلاح الداودي كاتب وأستاذ جامعي تونسي، منسق شبكة باب المغاربة للدراسات الإستراتيجية.
روسيا أغلقت الأجواء السورية، فهل ستغير آليات منع الاحتكاك وقواعد الاشتباك مع إسرائيل؟
روسيا حددت أن معركة شرق الفرات ستكون آخر المعارك في الحرب من أجل سوريا، وقبل أن يأتي موعدها لا بد من إنجاز الكثير المتمثل بحسم معركة إدلب عسكرياً بعد أن حسمت سياسياً، ووضع قواعد جديدة للاشتباك مع "إسرائيل".
روسيا حددت أن معركة شرق الفرات ستكون آخر المعارك في الحرب من أجل سوريا
ما تريده روسيا لسوريا هو الأمن والاستقرار، لأنهما يضمنان مصالحها ليس في هذا البلد فحسب وإنما في المنطقة برمتها، ولهذه المصالح فروع وتشعبات، سواء اقتصادية أم جيوسياسية أم عسكرية.
روسيا جاءت إلى سوريا قبل أكثر من نصف قرن وتريد البقاء فيها نصف قرن آخر، على أقل تقدير، لأنها استأجرت قاعدتي حميميم وطرطوس من سوريا لهذه المدة. وبالمناسبة، القابلة للتمديد لمدة مماثلة تلقائياً.
وعلى هذا الأساس فإن كل ما تفعله روسيا، سواء في ميادين القتال أم على موائد المفاوضات، يصب في نهاية المطاف في تحقيق هذا الهدف.
بالأمس تركيا أسقطت طائرة السوخوي الروسية، واليوم بوتين وإردوغان يتفقان على التهدئة ويسيران دوريات عسكرية مشتركة في إدلب.
قبل أيّام كانت موسكو تغض الطرف عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على محور المقاومة في سوريا، واليوم تغلق الأجواء السورية أمام "إسرائيل" وتتهم تل أبيب بالعدوانية.
أما بالنسبة للكباش الروسي الأميركي فحدث ولا حرج.
روسيا حددت أن معركة شرق الفرات ستكون آخر المعارك في الحرب من أجل سوريا، وقبل أن يأتي موعدها لا بد من إنجاز الكثير.
معركة إدلب حسمت سياسياً في انتظار الحسم العسكري
- الحسم في إدلب أولاً: الاتفاق الروسي التركي على الرغم من أنه ليس مثالياً إلا أنه وضع أطراً للنفوذ التركي في سوريا جغرافياً وزمنياً، ومن هذا المنطلق فإن موسكو أصبحت الحَكَمَ على مدى مصداقية أنقرة.
الشريط الحدودي العازل الذي تريده أنقرة على أجزاء من حدودها مع سوريا سيؤدي وقتياً، في الاتجاه من تركيا إلى سوريا، وظيفة الممر لعودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، وفي الاتجاه المعاكس، وظيفة المرشح (فلتر) لمنع تسلل الإرهابيين.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تركيا من جهة، ومن الجهة الأخرى روسيا، التي لا تمثل نفسها فحسب وإنما سوريا وإيران معاً، لم يتفقا بشكل نهائي على "من هم الإرهابيون ومن هم المعتدلون". في النهاية، الأتراك أنفسهم لا يريدون التورط مع متشددين في خاصرتهم الجنوبية، ومصلحة أمنهم القومي تملي عليهم أن يبدوا ليونة أكبر في هذه المسألة، ولا سيما أن الرئيس رجب طيب إردوغان لم يطهّر جيشه بالكامل من أنصار غولن، زِد على ذلك أن الأمزجة الأميركية في القوات المسلحة التركية ما زالت قوية.
على أي حال شاء إردوغان أم أبى، إلا أنه مرغم على إيجادِ حلٍّ للمجموعات المسلحة التي دعمها خلال سنوات الأزمة السورية والتي تقترب من الثماني. ثمة معطيات بأنه سينقل المقاتلين الأكثر تشدداً إلى معسكرات في جنوب شرق تركيا، ربما لاستخدامهم في معاركه مع الكرد. ووفق بعض التسريبات فإن الاتفاق الروسي التركي يقضي أيضاً بإتاحة الفرصة للمسلحين الأجانب العودة إلى بلدانهم إذا وافقت على ذلك حكوماتها.
أما القسم الأكبر من المسلحين فإما سيلقون السلاح أو ينخرطون في مراحل متقدمة من العملية السياسية في البنى العسكرية والأمنية والشرطية، لكنهم ملزمون حاليا بمحاربة الإرهابيين.
على أي حال، الكل يفهمون، سواء الروس أم الأتراك، أم السوريون، أم المسلحون أنفسهم أن الوقت المتاح ضيق للغاية، وأن العمل العسكري آتٍ لا مُحالَ، وأن الدولة السورية ستنشر مؤسساتها في إدلب قبل نهاية العام الجاري على الأرجح.
بعدوانها على اللاذقية.. "إسرائيل" أسقطت قواعد الاشتباك مع محور المقاومة في سوريا
روسيا رفضت التوضيحات الإسرائيلية لحادثة الطائرة "إيل 20"
- قواعد جديدة للاشتباك ثانياً: "إسرائيل" هي التي عقّدت المشهد على نفسها جراء عربدتها وصلفها وظنها أنها تستطيع أن تتصرف في الملعب كما تشاء. ولكن ليس في هذا الشوط المصيري من مباراة سوريا ضد أعدائها.
تاريخياً يعرف عن الروس باعهم الطويل وصبرهم الجميل وردهم البطيء؛ صبروا كثيراً على الحماقات الإسرائيلية، وعملوا كثيرا لتجنب شرهم، وقدموا لهم الخدمة بوضع قواعد اشتباك بينهم وبين محور المقاومة، ومع ذلك نكر الإسرائيليون الجميل وخرقوا هذه القواعد، بل حتى آليات عدم الاحتكاك مع الروس أنفسهم.
إفتعال حادثة طائرة الاستطلاع الروسية "ايل 20" هي تلك القشة التي قصمت ظهر البعير.
في المظهر الإسرائيليون لم يسقطوا الطائرة، وفي المضمون أرادوا ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد؛ إظهار أن يدهم طويلة وتصل إلى أي مكان في سوريا، حتى في مناطق مسؤولية القوات الروسية، إرباك الاتفاق الروسي التركي حول إدلب بتحريض أميركي وإعطاء إشارة خاطئة للمسلحين للقيام بأعمال استفزازية، إرسال رسالة إلى محور المقاومة بأن تل أبيب غير ملزمة باتباع قواعد الاشتباك.
لكن ماذا ستجني "إسرائيل" من مغامرتها الجديدة؟ روسيا التي قلنا إنها تريد الأمن والاستقرار لسوريا ستفوت على "إسرائيل" كل فرص الاستفادة من عدوانها الجديد: موسكو ستفرض شروطاً جديدة على آليات عدم الاحتكاك ليس مع "إسرائيل" فحسب، بل ومع كل من يحاول العربدة في الأجواء السورية.
إغلاق الأجواء فوق المياه الإقليمية السورية أصبح أمراً واقعاً نظراً للمناورات التي تجريها البحرية الروسية على مساحات واسعة شرقي البحر الأبيض المتوسط. لم يبق سوى أن يعلن الجيش الروسي رسمياً إغلاق هذه الأجواء حتى بعد انتهاء المناورات.
عملياً روسيا رفضت التوضيحات الإسرائيلية لحادثة الطائرة. أما المسألة الأهم فإن روسيا ستضطر لإعادة النظر في تفاهماتها مع "إسرائيل" ومحور المقاومة حول قواعد الاشتباك بينهما، تلك التفاهمات التي أنتجت التهدئة في الجولان السوري وعودة المراقبين الدوليين إليه. إعادة النظر في هذه القواعد لن تكون في مصلحة "إسرائيل" بالتأكيد. وردة الفعل الروسية الغاضبة على العدوان الإسرائيلي واتهام موسكو لتل أبيب بالطعن في الظهر ونكران الجميل خير دليل على ذلك. وعندما يعزّي فلاديمير بوتين نظيره الإيراني بالاعتداء الاٍرهابي في الأهواز، ويؤكد أن روسيا تقف مع الشريك الإيراني في هذه اللحظة المأساوية ومستعدة لتعزيز التعاون معها في محاربة الاٍرهاب، بعد أن اتهم حسن روحاني واشنطن وتل أبيب بالمسؤولية عن هذه الجريمة، عندما يقال كل ذلك، فإن لهذا الكلام دلالات واضحة.
حرب السيادة السورية ستحسم في معركة شرق الفرات
روسيا باتفاقاتها وتحركاتها ومواقفها الأخيرة تنفض عن نفسها غبار معارك السنوات الثلاث الأخيرة، لأنها تستعد للتهديد الحقيقي لوحدة سوريا المتمثل، كما قال عميد الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف، في التواجد الأميركي في مناطق شرق الفرات، حيث وجدت ملاذاً لها فلول داعش وحيث ينتشر حلفاؤها من قوات سوريا الديمقراطية.
سوريا وحلفاؤها انتصروا في معارك كثيرة، لكن الانتصار التام في الحرب سيتوج بمعركة شرق الفرات التي سوف تستكمل بها السيادة السورية.
7 شهداء بينهم طفلان ومئات الإصابات في غزة برصاص الاحتلال في جمعة "انتفاضة الأقصى"
استشهاد 7 فلسطينيين وإصابة المئات بجراح مختلفة خلال اعتداء الاحتلال الإسرائيلي الجمعة على فعاليات "جمعة انتفاضة الأقصى"شرقي قطاع غزة، وشهود عيان يقولون إنه جرى إسقاط طائرة تصوير إسرائيلية "أكواد كابتر" شرقي رفح.
استشهد 7 فلسطينيين وأصيب المئات بجراح مختلفة خلال اعتداء الاحتلال الإسرائيلي بالرصاص الحي الجمعة على فعاليات "جمعة انتفاضة الأقصى"شرقي قطاع غزة.
والشهداء هم الطفلين محمد نايف الحوم البالغ 14 عاماً وناصر عزمي مصبح (12 عاماً)، والشبان إياد خليل الشاعر (18 عاماً)ومحمد بسام شخصة (24 عاماً) ومحمد وليد مصطفى هنية (23 عاماً) ومحمد علي محمد انشاصي (18 عاماً) ومحمد اشرف العواودة (26 عاماً).
وأصيب 506 فلسطينيين بجراح مختلفة وتم تحويل 210 منهم للمستشفيات ومن بين الإصابات 90 بالرصاص الحي ومنها 3 حالات خطيرة.
كذلك من بين الإصابات 35 طفلاً و4 سيدات و4 مسعفين وصحفيّين.
ونقلاً عن شهود عيان فقد جرى إسقاط طائرة تصوير إسرائيلية "أكواد كابتر" شرقي رفح.
وقال مراسلون إن الطيران الإسرائيلي أغار على احد مواقع المقاومة شرق قطاع غزة.
وشارك في "جمعة انتفاضة الأقصى" قادة فصائل المقاومة في غزة على رأسهم قائد حركة "حماس" في القطاع يحيى السنوار.
قيادات من الفصائل الفلسطينية تشارك في الجمعة السابعة والعشرين لمسيرات العودة الكبرى والتي تحمل اسم "انتفاضة الأقصى
الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة أعلنت أن مسيرة الأسبوع المقبل ستحمل عنوان "جمعة الثبات والصمود".
المشاركة الجماهيرية الحاشدة في جمعة إنتفاضة الأقصى هي رسالة لكل من يهددها ويحاصرها ،بأنها لن تتراجع ولن تنكسر وستستمر وبكل قوة حتى كسر هذا الحصار، وأن كل من يفرض العقوبات عليها ويحاربها في قوتها و يحاول ضرب مقومات وعوامل صمودها سيفشل وسيدفع الثمن.
من جانبه، قال فوزي برهوم الناطق باسم حركة حماس إن المشاركة الجماهيرية الحاشدة في "جمعة انتفاضة الأقصى" هي رسالة لكل من يهددها ويحاصرها بأنها "لن تتراجع ولن تنكسر وستستمر وبكل قوة حتى كسر هذا الحصار وإنهاء المعاناة"، وأن "كل من يفرض العقوبات عليها ويحاربها في قوتها ويحاول ضرب مقومات وعوامل صمودها سيفشل وسيدفع الثمن".
وعلّقت حركة فتح على جريمة الاحتلال الإسرائيلي قائلة إنها "يجب أن لا تمر دون عقاب".
وقالت الحركة في بيان للمتحدث باسمها الدكتور عاطف ابو سيف "أن نضالات شعبنا واستبساله في الذود عن أرضه وحقوقه لن ترهبه ولن توقفها الة البطش والقمع الإسرائيلية وان جرائم دولة الاحتلال تأتي في ظل صمت دولي في انتهاك صارخ للقوانين الدولية ".
وأعادت الحركة التأكيد على ضرورة "استعادة الوحدة الوطنية لتوحيد الطاقات والجهود في حماية الحقوق الوطنية وانجاز المشروع الوطني".
أما حركة الجهاد الإسلامي، فقالت إن جريمة جمعة "انتفاضة الأقصى" تمت "بتشجيع وغطاء الخطابات المسمومة أمام الأمم المتحدة العاجزة عن معاقبة القاتل السفاح وزمرة المجرمين الذين يقودهم نتنياهو".
شُبهات وتساؤلات حول المرأة (15)
هناك من الرجال من يضرب زوجته أو ابنته ويقسو عليها، وينسب ذلك للدين، حيث أجاز للرجل ضرب زوجته، وهذه إهانة وتحقير للمرأة، وهو مما يرفضه العقل، ويأباه التحضر والمدنية.
* * * * *
إكرام الزوجة
لا شك أن الإسلام كما يكرم الرجل يكرم المرأة (وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ)([1]) ويريد لهما الخير والوصول إلى الكمال الإنساني ويرفض الإهانة والتحقير لكل إنسان، وقد جاءت النصوص من الآيات والروايات لتؤكِّد إكرام واحترام الزوج لزوجته والأب لابنته، ولا مجال لذكر هذه النصوص في هذا البحث المختصر، ونكتفي بذكر بعضها، منها قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنّ بِالْمَعْرُوفِ)([2])، ومنها قول المشهور للنبي(ص): Sخيركم خيركم لنسائكم وبناتكم([3])R وقوله (ص): Sما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم([4])R.
لماذا ضرب الزوجة . . .؟!
زعم بعضٌ أن الإسلام يجيز للزوج ضرب الزوجة متى شاء، ولم يعرف أن ضربها إنما يجوز في حالة واحدة فقط، وهي حالة النشوز، قال تعالى: (وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً)([5])، والنشوز عبارة عن خروج الزوجة عما يجب عليها من حق الزوج الخاص، وذلك لعدم تمكينه مما يستحقه من الاستمتاع بها، ومنع نفسها عنه، وحلاًّ لهذه المشكلة؛ على الزوج أن يبادر - إذا ما ظهرت علامات النشوز وأماراته - إلى وعظها وإرشادها بجميع السبل الممكنة التي من شأنها إرجاعها إلى أداء حقه، فإن لم ينفع مارس الأسلوب الثاني، وهو أن يهجرها في المضجع، لعلّها ترجع عن منع الزوج حقه، فإن لم ينفع عند ذلك ونشزت بالفعل، بأن منعته حقه بالفعل ضربها، لكن اشترط الفقهاء أن يكون ضرباً تأديبياً غير جارحٍ ولا مبرحاً، ليكون مؤذياً لعاطفتها وأحاسيسها أكثر من أذيته لجسدها، فهذه هي الحالة الوحيدة التي جوّز الإسلام فيها ضرب الزوجة مع مراعاة شرائط الضرب وكيفيته حينما يفشل أسلوب الموعظة والنصيحة،ولا يجدي أسلوب الضغط النفسي بالهجر والإعراض، ومع بقاء الزوجة مصرة على تمردها، فهل يظل الزوج مكتوف الأيدي وساكتاً عن تجاوز حقوقه؟ أو يرضى بالطلاق فوراً قبل تجربة أسباب الهداية لها كاملة، أو يرفع الأمر إلى الحاكم، وفي ذلك كشف لأسرار حياتهما الزوجية وخاصة مع تعذر النقل أو الإثبات في القضايا السرية والداخلية بينهما؟
وواضح أن تشريع الضرب في هذه الحالة لردعها عن تمرّدها على زوجها في سلبه حقه، حيث لم ينفع معها الوعظ والإرشاد والهجر، فلا حلّ لردعها إلاّ هذا النوع من الضرب، هذا لو كان يحتمل الزوج تأثير الضرب وإجداءه نفعاً، أما إذا علم بأنه لا يردعها عن ظلمها فلا يشرّع، لأنه لا فائدة منه.
قال مشهور الفقهاء: (... جاز له ضربها إذا كان يؤمل معه رجوعها إلى الطاعة، وترك النشوز ويقتصر منه على أقل مقدار يحتمل معه التأثير، فلا يجوز الزيادة عليه مع حصول الفرض منه، وإلا تدرج إلى الأقوى فالأقوى، ما لم يكن مدمياً ولا شديداً، مؤثراً في اسوداد بدنها أو احمراره، واللازم أن يكون بقصد الإصلاح، لا التشفي والانتقام، ولو حصل بالضرب جناية وجب العزم).
وعلاوة على ذلك، لم يقتصر الإسلام في تشريع الضرب على المرأة خصوصاً، وفي هذه الحالة، بل له نظام واسع في عقاب المذنبين سواء أرجالاً كانوا أم نساءً، فشرّع الحدود عقاباً على الزنا واللواط والمساحقة و...، وجعل التعزير بيد القاضي للمعاقبة على بعض الذنوب التي لم يذكر لها حد في الإسلام، وجوّز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الضرب في حالة عدم انصياع المذنب وارتداعه بالوسائل العادية.. وهكذا.
وهذا النظام لا يخالفه العقل، بل سيرة العقلاء والأنظمة الوضعية، والأعراف البشرية قائمة على حساب المذنب وعقابه، ولم نر عبر التاريخ نظاماً لم يسن قوانين العقاب.
إذاً، فلم يتفرد الإسلام بهذا النظام، كما لم يقتصر على عقاب المرأة دون الرجل حتى يعاب على الإسلام بذلك.
نعم، يمكن أن يقال: لماذا كان الضرب بيد الرجل، فكما أن الغالب في العقاب يمارسه القضاء، فَلِمْ لا يكون ضرب المرأة موكولاً إلى القضاء؟
والجواب: أولاً: إن الضرب الجائز أمر بسيط ليس بدرجة العقاب في قانون الجزاء ورفع الأمر إلى القاضي، نعم، إذا حصل الخلاف إلى تلك الدرجة، فالأمر مرفوع إلى القضاء.
ثانياً: ما يمكن حله في داخل الأسرة أنسب للإحتفاظ بكرامة المرأة والأسرة من أن يحيل الأمر إلى الأجانب وتوكيل الأمر إلى القاضي.
وغالباً الزوج لا يرضى أن يمارس ضرب زوجته أحد غيرهُ من الرجال لغيرته عليها واختصاصها به، بمعنى أن من يتجرأ على ضربها فكأنما تجرأ على كرامته وتجاوز حده، فكان الأفضل ممارسته هذا الحق بنفسه.
لماذا لا يجوز ضرب الزوج؟!
ولعل قائلاً يقول: Sفلماذا إذا نشز الزوج وامتنع من أداء حقوق زوجته لا تضربه المرأة أو القاضي ليعود إلى رشده؟، كان الجواب عدم تشريع الضرب للزوجة على الزوج يخالف مع قيمومة الرجل ومضافاً إلى عدم تيسر ذلك غالباً للمرأة مع ما فيه من إثارة الخلاف والتمزيق في حياة الزوجية، إذ الزوج لا يطيق هذا العقاب من المرأة، لما يرى فيه من كسر لشخصيته وإذلاله، فلا يرغب بالبقاء مع هذه المرأة أبداً، وبالتالي يكون تشريع مثل ذلك موجباً لكسر الأسرة، وخراب العش الزوجي.
إضافة إلى ذلك، أن جميع الأعراف تستنكف ممارسة المرأة عقاب الزوج بالضرب سواءٌ أحقاً كان أم باطلاً؛ لأنه يتنافى مع رقتها، وموجب لكسر شخصية الرجل وإذلاله؛ إذ يسقط عن القيمومة، وبالتالي يؤثر في العلاقات الزوجية ويستوجب تفكيك الأسرة بكاملهاR.
نعم، في حالة نشوز الزوج يمكنها أن ترفع أمرها إلى القاضي فيجبره على أداء حقها، فإن أبى أجبره على ما يراه مناسباً، وقد يشرّع في حقه الضرب أو يفرض عليه الطلاق، تطبيقاً لقوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)([6]).
ومن مجموع ذلك، يتضح أن تشريع ضرب المرأة إنما هو في حالات خاصة، ولأجل صالح المرأة، وصالح الأسرة والحياة الزوجية، وهي حالة النشوز وعدم أدائها حق زوجها.
أما في غير هذه؛ فلا يجوز للرجل ضرب زوجته، ولا يحل له بحال، فعن النبي (ص): أنه نهى عن ضرب النساء في غير واجب([7])، وقال (ص): «إني أتعجب ممن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها»([8]).
[1] ـ الإسراء: 70.
[2] ـ النساء: 19.
[3]ـ مستدرك الوسائل: 14: 255.
[4]ـ وسائل الشيعة: 14: 13.
[5] ـ النساء: 34.
[6] ـ البقرة: 229.
[7] ـ مستدرك الوسائل 2: 550.
[8] ـ سفينة البحار 2: 586.
شُبهات وتساؤلات حول المرأة (14)
قال بعضٌ: إن استعمال الرجل لزوجته في خدمتها المنزلية استغلال منه لها، فتكون عنده كالأجير، وفيما يلي نبحث هذه المسألة، ونجيب عن هذه الشبهة بنحوين:
* * * * *
أولاً: لا تكليف على المرأة في الخدمة المنزلية
مما اتفق عليه الفقهاء نظراً إلى ما وصلهم من الروايات الواردة عن النبي (ص) وأهل بيته، عدم وجوب الخدمة المنزلية على الزوجة، فلا يجب عليها طبخ ولا كنس ولا ترتيب فراش ولا غير ذلك، إلاّ إذا جعله الزوج شرطاً في ضمن عقد النكاح، فتصبح الخدمة المنزلية واجبة عليها بعنوان آخر، وهو الوفاء بالشرط المأخوذ في ضمن العقد اللازم، وقد قال الله تعالى: (أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)([1])، وقال (ص): «المؤمنون عند شروطهم»([2])، أما بدون ذلك فليس للزوج إلزامها بالخدمة.
إن حياة الزوجين حينما تكون قائمة على الحب المتبادل، فلا بدَّ أن تخضع للظروف المختلفة حسب وضع العمل والمعاش والبيئة، ولذا اكتفى الإسلام بجعل الحقوق للزوجين في أمور معدودة كحق القسم والإنفاق على الزوج للزوجة وحق مطاوعة المرأة للزوج في الاستمتاع، ولكن ترك تنظيم الحياة الأسروية على عهدتها وأوجب المعاشرة المعروفة (وَعَاشِرُوهُنّ بِالْمَعْرُوفِ)([3]) وحسن الصلة فيما بينهما لتسير الأمور على متطلبات الحياة كما فعل ذلك أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء(عليها الشلام) حيث تصالحا على أن يقوم علي (ع) بالعمل خارج المنزل، وتقوم السيدة الزهراء (عليها الشلام) بالعمل داخله، وعلى هذا قامت حياتهما الزوجية واستمرت، غير أن علياً (ع) كان في كثير من الأحيان يعود إلى المنزل ليعين الزهراء(عليها الشلام) في خدمة المنزل، وما كان ليتركها وعملها دون أن يسدي لها ذلك.
من نافلة القول أن نقول: إنه من الخطأ بمكان أن نتعامل مع الحياة الزوجية فقط في عالم القوانين والحقوق، وما يجب على أحد الزوجين وما لا يجب، فإن الحياة الزوجية ليست أي مصنع أو شركة أو دائرة يرجع موظفوها إلى الحقوق والواجبات، بل هي عيش قائم على أساس البذل والحب والمودة والاطمئنان، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لّتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مّوَدّةً وَرَحْمَةً)([4])، فينبغي أن يكون الحكم السائد في هذه العلاقة المقدسة هي السكن والمودة والرحمة، وهو بدوره يفرز تفانياً بين الزوجين، وبذلاً عميقاً وتنازلاً عن الحقوق والواجبات، ولم يشرّع الإسلام الحقوق والواجبات لهذه العلاقة إلا لحالات الاضطراب التي قد تسود الأسرة، ولأجل الاختلاف الذي يحصل بين الزوجين فيرجع كل واحد منهما لما له وما عليه حلاً للخلاف وحسماً للاضطرار، لا أن هذه الحقوق واجب قائم، رضيا بتركها أم لا، فمثلاً من الواجبات إنفاق الرجل على زوجته، ولكن لو رضيت الزوجة بإسقاطه، بل لو أنفقت على زوجها وأولادها من مالها برضاها فلا يحرّم الإسلام عليها ذلك، كما أنه من الواجب على المرأة ألاّ تخرج من بيت زوجها إلاّ بإذنه، لكن إن أسقط الزوج حقه في ذلك وأجازها في أن تخرج متى بدا لها، فلا يمنع الإسلام من ذلك، وهذا وغيره يكشف بجلاء عن أن الحقوق والواجبات التي شرّعها الإسلام لهذه العلاقة المقدسة هي في الحقيقة خطوط حمراء يُرجع إليها عند الاختلاف، ولا يجب تطبيقها عندما يسود الاتفاق والود والحب والحنان بين الطرفين.
ومن هنا، فإن الخدمة المنزلية التي تقدمها الزوجة لزوجها وأطفالها ليست من باب الاستخدام والاستئجار أو الاستغلال، بل هي عنوان معاونتها له، ووقوفها إلى جنبه، وعربون محبة وإخلاص ووفاء، بغض النظر عما يجب وما لا يجب، ولذا نرى المرأة المؤمنة، والزوجة الصالحة تقدم هذه الخدمة الجليلة عن طيب نفس وراحة بال.
نعم، ينبغي على الرجل في أوساط أمتنا الإسلامية أن يتأسى بنبيه وأئمته العظام صلوات الله عليهم أجمعين، في معونة الزوجة في الخدمة المنزلية، وإسدائها لها فإنها أحق من يعان، وقد قال (ص): «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»([5])، وقد نقلت إحدى زوجاته أنه (ص): كان يأتي الى المنزل ويطهي الطعام ويضع الأطباق ويرفعها ولا يترّفع عن هذه الخدمة الجليلة، فكان عمله هذا سنة يستفاد منها استحباب الفعل وحبّ الشارع المقدس له.
ثانياً: الزوجة تؤجر على الخدمة المنزلية
إن ما تقدمه الزوجة من خدمة لزوجها وأطفالها تؤجر وتثاب عليبه ويدخره الله لها لآخرتها.
قال الصادق (ع) : سألت أم سلمة رسول الله (ص): عن فضل النساء في خدمة أزواجهن، فقال: «أيما امرأة رفعت من بيت زوجها شيئاً من موضع إلى موضع تريد به صلاحاً، إلاّ نظر الله إليها، ومن نظر الله إليه لم يعذّبه»([6]).
وقال الإمام الباقر(ع): «أيما امرأة خدمت زوجها سبعة أيام أغلق الله عنها سبعة أبواب النار، وفتح لها ثمانية أبواب الجنة، تدخل من أيها شاءت».([7]) وقال (ع): «ما من امرأة تسقي زوجها شربة ماء إلاّ كان خيراً لها من عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها»([8]).
[1] ـ المائدة: 1.
[2] ـ التهذيب 7: 371.
[3] ـ النساء: 19.
[4] ـ الروم: 21.
[5] ـ وسائل الشيعة 20: 171.
[6] ـ وسائل الشيعة 21: 451.
[7] ـ الكافي 5: 507.
[8] ـ وسائل الشيعة 14: 123، 302.
شُبهات وتساؤلات حول المرأة (13)
أثار المغرضون في عباراتهم أن الإسلام جعل الرجل حاكماً على المرأة بحيث يحكم ويتحكم عليها، وهذا يؤدي إلى سلب حريتها واختيارها سواء أكان المُنَصَّبُ للقيمومة أباها أم جدها لأبيها أم زوجها، فلا تكاد تخرج من سلطان أبيها حتى تدخل تحت ولاية الزوج.
* * * * *
القيمومة على ضوء القرآن:
لا شك في أن الإسلام جعل الولاية على المرأة بيد أبيها أو زوجها، وهذا ما أكده القرآن الكريم، وقد عبّر عن هذه الولاية بالقيمومة، بقوله تعالى: (الرّجَالُ قَوّامُونَ عَلَى النّسَآءِ بِمَا فَضّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ وَاهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنّ سَبِيلاً إِنّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً))[1] ( ولكن لا يعني ذلك التحكم بإرادتها واستعبادها، ومنعها حريتها، بل ولاية الأب تعني ألاّ تتزوج إلا بإذنه فقط فيما إذا كان الأب مدركاً لمصلحة بنته ويشخص ما ينفعها وما يضرها)[2](، وأما في غير ذلك فليس له على البنت إلا البرّ، وكذا بالنسبة إلى الزوج حيث تنحصر ولايته في أمور جزئية، لا في جميع رغباتها وحرياتها، وفي هذا يقول العلامة الطباطبائي v في الميزان: «وليست قيمومة الرجل على زوجته بأن لا تنفذ لها فيما تملكه إرادة ولا تصرف، ولا أن لا تستقل المرأة في حفظ حقوقها الفردية والاجتماعية، والدفاع عنها والتوصّل إليها بمقدماتها الموصلة، بل معناها؛ أن عليها أن تطاوعه فيما يرتبط بالمعاشرة والاستمتاع حضوراً، وتحفظ غيبته فلا تخونه؛ بأن تمنع غيره من نفسها ما ليس له منها، ولا تخونه فيما وضعه تحت يدها من ماله، وسلّطها عليه في الحياة المنزلية والزوجية المشتركة»([3]).
فالقيمومة ليست استبداداً ولا استيلاءً، وإنما مسؤولية ملقاة على عاتق الرجل، وواضح حاجة الأسرة إلى وجود هذا المسؤول، إذ لا شك أن أيّة هيئة أو مؤسسة حتى المؤلّفة من شخصين، لابد أن يتولى أحدهما زعامة تلك الهيئة، فيكون رئيسها، بينما يقوم الآخر بمساعدته، وإلا سادت الفوضى تلك الهيئة أو المؤسسة، واختلت أنشطتها وأخفقت في تحقيق أهدافها المنشودة، وهكذا الحال في الأسرة، فلابد من إسناد إدارتها إلى شخص، وعلى هذا قامت الحضارات والدول، والأسرة واحدة من أعظم وأخطر مؤسسات الحياة، فتحتاج كغيرها إلى مسؤول عن إدارة شؤونها وحمايتها، وتوصيلها إلى أهدافها.
لماذا كان الرجل قيماً؟
قد يتساءل بعضٌ أنه: سلمنا حاجة الأسرة إلى المسؤول والقيّم، فلماذا كان الرجل دون المرأة مسؤولاً عن إدارتها؟! أفلا تصلح المرأة لذلك؟
إن إعطاء هذه القيمومة للرجل لكونه يتمتع بخصائص معينة، كالقدرة على ترجيح جانب العقل على جانب العاطفة والمشاعر، وكذلك فإن الرجل يمتلك بنية داخلية وقوة بدنية أكبر، فيستطيع أن يقوم بحاجيات الأسرة بشكل أكمل وأوفى، ويستطيع بالقوة البدنية أن يدافع عن العائلة ويذب عنها، لذلك ربما قال تعالى في بيان علة قيمومة الرجل بقوله: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ)([4])، إذ ربما الملحوظ في التفضيل هذا الذي ذكرناه.
وأيضاً يستحق الزوج لما يتحمله من الإنفاق على الزوجة، ولقاء ما تعهده من القيام بكل التكاليف اللازمة من مهر ونفقة وإدارة مادية لائقة بالعائلة أن تناط به وظيفة القوامة والرئاسة في النظام العائلي، ولذلك قال تعالى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ... .....وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ).
ومن غير الخفي أن إناطة مثل هذه الوظيفة بالرجل لا تدل على أفضلية ذات الرجل من الناحية الإنسانية على ذات المرأة، بل هي مجرد أفضلية من الناحية الإدارية والتنظيمية، ولا نظر لها إلى ذاتيهما، فالرجل أكفأ من المرأة في إدارة الأسرة، لا أنه أفضل منها وأكفأ من سائر الجهات.
وبتعبير آخر([5]): Sإذا سئلنا بأنَّ للأسرة لا بد من قيِّم، فإما هو الزوج أو الزوجة أو كلاهما، فإن كان كلاهما، فمعناه عدم وجود قيّم فلا يبقى إلا أمران فالرجل بما أنه يملك غالباً إرادة أقوى وقدرة أبلغ، وبما أنَّ عليه الإنفاق فهو أولى بقيمومة الأسرة وعليه رعاية مصالح الأسرة وأن لا يسخّر الأسرة إلا لصالحه فقط كما يكون الأمر في أغلب القيادات.
وما ورد من النصوص كما في قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنّ بِالْمَعْرُوفِ)([6])، وما أمر باستشارة الزوجة، وما جاء في أنَّ المؤمن يأكل بشهوة أهله والمنافق يأكل بشهوته، وما إلى ذلك من الإرشادات الأخلاقية، كلها تفيد هذا المعنى أنّ على الرجل القيم أن يراعي أحاسيس ومشاعر ومصالح الزوجة وجميع أفراد الأسرة.
جواز خروج المرأة من البيت أو عدمه
ومن فروع مسألة القوامة للرجل: مسألة عدم خروج المرأة من البيت إلا بإذن زوجها بحيث تكاد تكون هذه المسألة مورد اتفاق الفقهاء، ويمكن بيان هذه المسألة على نحوين:
أولاً: ما اتفق عليه الفقهاء هو عدم اشتراط جواز الخروج بإذن الزوج إلا إذا كان الخروج منافياً لحق التمتع، ولكن إذا خرجت بحيث لا ينافي تمتع الزوج فلا يشترط الإذن إلا عند بعضٍ.
ثانياً: لا يجوز الخروج في الأمور غير الواجبة ولكن الخروج لإتيان الواجبات كالتعلم الواجب والحج أو لمصلحة ضرورية وأمثال ذلك، فليس مشروطاً بالإذن.
ثم ما هو المبرر والمجوّز العقلائي للرجل في العمل بهذا الحق حتى على فرض كونه مسافراً وكون خروج الزوجة لغرض أداء فروض صلة الرحم والتعليم والعمل أو لغرض الترفيه المشروع عن النفس بما لا يتقاطع مع حقوقه في دائرة العلاقات الزوجية؟
والنتيجة أن هذا الحق للرجل وكيفية استخدامه قابل للنقاش، وينبغي أن يفسّر ويعرّف بدقة كي لا يساء استخدامه.
ومن البداهة بمكان أن يكون احترام الزوج لزوجته والتعامل معها وفق معيار المذكور في الأحاديث([7]) Sأحبب لغيرك ما تحب لنفسك وأكره له ما تكره لهاR عاملاً مهماً في تقوية أواصر المودة وتعميق وشائج المحبة بينهما، وهذا النحو من التعامل الإنساني مع المرأة يقضي - على فرض أن يكون للزوج حق القوامة – ألاّ يحق له منعها من الخروج من البيت إلا فيما لو خاف عليها من خطر يهدد وجودها أو أخلاقها أو يفضي إلى تسيب الأطفال ويفقد الأسرة الدفء وحرارة العاطفة بين أفرادها وأمثال ذلك من المسوغات الموضوعية والمعقولة، وبعبارة أخرى: أن ينظر الرجل في مثل هذه الأمور إلى مصلحة الزوجة والأطفال أولاً، ومصلحته الشخصية المعقولة ثانياً، لا إلى رغباته الأنانية ونوازعه التي تنطلق من الذهنية المستعلية لدى الرجل وتدفعه إلى مخاطبة الزوجة بلغة القوة والتحقير والإذلال.. وحتى في صورة وجود محذور في خروجها إلى مكان معين، فإنه ينبغي على الرجل أن يتجنب الأمر والنهي بلهجة شديدة في مخاطبة الزوجة بل يشرح لها السبب في المنع ويبين لها المحذور في خروجها هذا، فإن ذلك أدوم للمودة وأحفظ للحرمة، وما عدا ذلك فالمرأة حرة في الخروج من البيت لأداء بعض الواجبات أو حتى مجرد الترفيه عن النفس إذا لم تترتب على ذلك مفسدة، وينبغي للزوج ألاّ يضيق ذرعاً بأية محاولة من المرأة من هذا القبيل، ولا يعيش العقدة وضيق الأفق ويحسب أن هذا السلوك تعدٍّ على حقوقه ورجوليته وزعامته كما نرى مثل هذه الذهنية المتخلفة لدى بعض أصحاب الشخصيات المهزوزة والنفوس المتشنجة والعقول غير الناضجة.
ولاية الأب ومصلحة البنت
ولاية الأب والجد على البنت البكر البالغة الرشيد، في قرار زواجها – عند القائلين بذلك من الفقهاء -، سواء أكان على نحو استقلاله بالقرار، أم المشاركة فيه مع البنت، إنما ينطلق من مراعاة مصلحة البنت، فلأنها بكر لا تجربة لها في الحياة الزوجية، ولكونها غير مخالطة للرجال، فمعرفتها بصفاتهم وأخلاقياتهم محدودة، ولما قد يغلب عليها من الاندفاع العاطفي، لكل ذلك يخشى عليها من ألاّ يكون قرارها في اختيار الزوج موضوعياً مناسباً، فتتورط في حياة زوجية لا تسعد بها، ولا يمكنها الخلاص منها بسهولة، باعتبار أن قرار الانفصال والطلاق بيد الزوج.
كما أنها لو حصل بينها وبين زوجها أي مشكل، فستحتاج إلى وقوف أهلها معها، وإذا ما كان الزواج خلاف رأيهم، فستحرم من دعمهم ومساعدتهم عند اللزوم.
لهذه الحيثيات التي تصب في مصلحة البنت، كان لوليها دور في قرار زواجها، ويشير إلى ذلك بعض الروايات الواردة، وبعض كلمات الفقهاء. ففي صحيحة الفضل بن عبد الملك عن الإمام الصادق (ع) قال: Sإذا أراد أبوها أن يزوجها هو أنظر لها([8])R. أي هو أصوب نظراً لتحقيق مصلحتها، لخبرته الاجتماعية، وحرصه على مستقبل ابنته، ولموضوعيته في اتخاذ القرار، دون الوقوع تحت سيطرة الأحاسيس والعواطف.
ويقول المحقق الشيخ النجفي في الجواهر: Sالنهي كراهة عن الاستبداد وعدم الطاعة والانقياد، خصوصاً الأب الذي هو غالباً أنظر لها، وأعرف بالأمور منها، وأدعى لما يصلحها، وهو المتكلف بأمورها، وفي رفع الخصومة مع زوجها، لو حدث بينهما نزاع أو شقاق، فالذي يليق بها إيكال أمرها إليه([9])R.
ويقول الدكتور الزحيلي في تقريره لأدلة جمهور أهل السنة، على أن النكاح لا يصح إلا بولي: (الزواج عقد خطير دائم، ذو مقاصد متعددة، من تكوين الأسرة، وتحقيق استقرار وغيرها، والرجل بما لديه من خبرة واسعة في شؤون الحياة، أقدر على مراعاة هذه المقاصد، أما المرأة فخبرتها محدودة، وتتأثر بظروف وقتية، فمن المصلحة لها تفويض العقد لوليها دونها)([10]).
سقوط ولاية الأب وإذنه
لو أساء الأب استخدام صلاحيته في قرار زواج ابنته البكر الرشيد، ورفض الموافقة على تزويجها من خاطب كفءٍ ترغب فيه، دون مبرر مقبول، كما يحصل ذلك من قبل بعض الآباء، إما لانحراف مزاجه وأخلاقه، أو لتصفية حسابات مع البنت أو أمها، وخاصة حينما يكون هناك انفصال أو طلاق بين الأب والأم، أو لموقف شخصي أو عائلي ممّن خاطب ابنته، أو ما أشبه ذلك من الأسباب، التي لا تبرر تعويق زواج البنت مع رغبتها. ففي هذه الحالة تسقط ولايته، ويسقط اعتبار إذنه، بإجماع فقهاء المسلمين من مختلف مذاهبهم.
[1]ـ النساء: 34.
[2] ـ على خلاف بين الفقهاء في أن للأب الولاية في زواج ابنته، حيث إنه في المسألة أقوال خمسة، والمشهور منها، أن ولاية الزواج حق متبادل بين الأب أو الجد وبين المرأة، كما اتفق الفقهاء على أن الولي إذا منعها الكفء سقطت ولايته، وجاز له الزواج به دون الرجوع إليه.
[3] ـ الميزان 4: 344، ط بيروت.
[4] ـ النساء: 34.
[5] ـ هذا التعبير والاستدلال لأستاذنا سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني.
[6] ـ النساء: 19.
[7]ـ الكافي: 2: 169، وسائل الشيعة: 12: 205.
[8]ـ الكافي 5 :394.
[9]ـ جواهر الكلام 10 :448.
[10]ـالفقه الإسلامي وأدلته الدكتور وهبة الزحيلي 7 :195.




























