Super User
ولادة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) (11/ ذي القعدة / السنة 148 هـ)
الإمام أبو الحسن علي بن موسى الرضا(ع) ([1]) ثامن أئمة أهل البيت، ولد في المدينة المنورة في الحادي عشر من ذي القعدة سنه (148 هـ)، أبوه الإمام موسى بن جعفر(ع) ، وأمه خيزران، وقيل نجمة، وتكنَّى بأم البنين، وقيل غير ذلك، استشهد (ع) بطوس متأثراً بسّم دسه إليه المأمون في نهاية صفر سنه (203 هـ) على المشهور، أو في السابع عشر منه كما في خبر آخر، وقضى أكثر عمره في مدينة جده، إلى أن استدعاهُ المأمون سنة (200 هـ) إلى خراسان، ليكون ولياً للعهد وخليفة من بعده، فعاش فيها ثلاث سنوات من عمره الشريف، إلى أن توفي ودفن فيها، ولم يترك الإمام (ع) إلا ولداً واحداً هو الإمام الجواد(ع) ، بناءً على (الإرشاد) للشيخ المفيد وله أربع بنون وبنت واحدة على رواية (كشف الغمة) للأربلي.
إمامة الإمام الرضا(ع) :
قام الإمام الرضا(ع) بعد أبيه بإمامة المسلمين عشرين سنة، قال الشيخ المفيد: كان الإمام بعد موسى بن جعفر: «ابنه علي بن موسى الرضا(ع) فضله على جماعة إخوته وأهل بيته وظهور علمه وحلمه، وورعه، واجتماع الخاصة والعامة على ذلك منه، ومعرفتهم به، ولنص أبيه (ع) على إمامته من بعده وأشار إليه بذلك دون إخوته وأهل بيته»([2])، وبالإضافة إلى النصوص العامة على إمامة الأئمة الاثني عشر من النبي(ص) ، فلقد كان كل إمام ينص على الإمام من بعده ويُبّينُه للمسلمين وشيعته، حتى لا يدَّعي الإمامة أحد من بعده.
من خصائص الإمام الرضا(ع)وصفاته:
لابد وأن يكون الإمام المعصوم، جامعاً لجميع العلوم والمعارف الإلهية والطبيعية، والفضائل والمكارم الأخلاقية، ليكون مناراً يهتدى به، وأسوة لجميع الناس يقتدى به، لأنّه حجة اللّه في أرضه على خلقه، ويجب أن يكون في جميع هذه الخصائص والصفات أعلى من غيره لتتم الحجة.
والإمام الرضا(ع) كجده المصطفى (ص) وآبائه الأئمة البررة، قد اتصف بجميع تلك الخصال والصفات الحميدة، ولم تكن صفة يسمو بها الإنسان نحو الكمال إلاّ وهي موجودة فيه.
أما أخلاقه؛ فيقول إبراهيم بن العباس الصولي: «ما رأيت أبا الحسن الرضا(ع) جفا أحداً بكلمة قط، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما ردَّ أحداً عن حاجة يقدر عليها، ولا مد رجله بين يدي جليس له قط، ولا اتكأ بين يدي جليس له قط، ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط، ولا رأيته تفل قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط، بل كان ضحكه التبسم، وكان إذا خلا ونصب مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه، وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، ويقول: ذلك صوم الدهر، وكان (ع) كثير المعروف والصدقة في السّر، وأكثر ذلك منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه»([3]).
وأما علمه: فقد أحاط الإمام بجميع العلوم، وكان أعلم أهل زمانه، وذلك مما اشتهر وهو الشيء البارز في شخصية الإمام (ع) لا يستطيع أن ينكره أحد، وقد لقّب بعالم آل محمد، وقد اعترف المأمون بنفسه أكثر من مرة، وهو من العلماء البارزين، وفي مناسبات عديدة أن الإمام الرضا(ع) أعلم أهل الأرض.
ومن مظاهر علم الإمام ومعرفته التامة؛ إخباره عن كثير من الملاحم والأحداث قبل وقوعها، ومن جملة ما أخبر يحل بهم، وقتل الأمين على يد أخيه المأمون، وقتل المأمون له، وقد تحقق كل ما اخبر به.
ومن مظاهر علم الإمام (ع) مناظراته في البصرة، والكوفة وخراسان مع علماء اليهود والنصارى، والمسلمين، والتي اعترف له فيها جميع هؤلاء العلماء بالفضل والعلم والتفوق عليهم([4]).
أقوال العلماء وأهل السنة في الإمام الرضا(ع):
قال محمد بن عمر الواقدي (ت: 207هـ): «سمع علي الحديث من أبيه وعمومته وغيرهم، وكان ثقة يفتي بمسجد رسول الله(ص) وهو ابن نيف وعشرين سنة، وهو الطبقة الثامنة من التابعين من أهل المدينة»([5]).
وقال الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241هـ)، معلّقاً على سند فيه الإمام الرضا(ع): «لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جنونه»([6]).
وجاء في كتاب (الثقات) لابن حيان (ت: 354هـ): «وهو علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبي الحسن، من سادات أهل البيت وعقلائهم، وجلة الهاشميين ونبلائهم.. ومات علي بن موسى الرضا بطوس من شربة سقاه إياها المأمون فمات من ساعته..
وقبره بسناباد خارج النوقان مشهور يزار، قرب قبر الرشيد، قد زرته مراراً كثيرة، وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عني إلا استجيب لي وزالت عني تلك الشدة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليهم أجمعين»([7]).
وهكذا تحدث الحاكم النيسابوري (ت: 405) في تاريخه، ونقل قوله ابن حجر في تهذيب التهذيب([8])، وأثنى عليه الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت: 597هـ)([9])، ومدحه عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت: 562هـ) فقال في الأنساب: «والرضا كان من أهل العلم والفضل مع شرف النسب»([10]).
وقال الفخر الرازي (ت: 604هـ) عند تفسيره الكوثر: «والقول الثالث في الكوثر، أولاده: فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم ممتلئ منهم على مر الزمان، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا..»([11]).
([1]) ورد عن الإمام الجوادA في وجه تسميته بهذا اللقب انه: «رضى به المخالف من أعدائه كما رضى به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائهA فلذلك سمي من بينهم الرضاA (عيون أخبار الرضا 1: 13) ويقال إنّ المأمون هو الذي لقبّ الإمام بهذا اللقب.
([3]) عيون أخبار الرضاA 2: 180.
([4]) راجع عيون أخبار الرضاA 2: 180 وبحار الأنوار 49: 95.
([5]) تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي: 315.
([6]) أورده ابن حجر في صواعقه المحرقة: 310.
فضل الطفل وأهميّته في الأسرة والمجتمع
تمهيد
سنُسلّط الضوء على أهمّية الطفل والمصلحة من وجوده في حياة الأسرة والمجتمع في ضوء الرؤية الإسلامية، ممّا يلعب دوراً مهمّاً كعنصر تحفيزيّ وترغيبيّ على إنجاب الأطفال.
العامل الفطريّ: فطرة الأمومة والأبوّة
عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: "قال موسى بن عمران: يا ربّ، أيّ الأعمال أفضل عندك؟ فقال عزّ وجلّ: حبُّ الأطفال، فإنّي فطرتهم على توحيدي، فإن أمّتهم أدخلتهم برحمتي جنّتي"1.
كلُّ إنسانٍ يشعر في أعماق وجدانه بأنّه مجبول على غريزة حبّ الأطفال، ومعجون بالميل إلى إنجاب الأطفال، وحبّ أن يكون أباً أو أمّاً. ومهما حاول إنسان ما التنكّر لهذا الشعور الفطريّ فإنّه سيبقى معجوناً في طينته، وسيطفو في بعض اللحظات على السطح، ويلّح على الإنسان بالاستجابة لندائه وتلبية صوت هذا الشعور، وإلا سيبقى الإنسان يتحرّك في دائرة القلق والشعور بعدم الطمأنينة.
فالسعي نحو إنجاب الطفل هو إشباع لحاجة فطرية جُبلت عليها كلّ نفس بشرية في حبّ الأمومة والأبوة.
غريزة حبّ البقاء
إنّ من الخصائص الرئيسة التي تتميّز بها الكائنات الحيّة الواقعة في الطبيعة تحت الحسّ والاستقراء من حيوانات ونباتات هي التكاثر الجنسيّ، وهو عبارة عن حصول عملية اتّصال وتلاقح بين زوجين - ذكر وأنثى - ينبثق عنها كائن حيّ ثالث جديد مغاير لهما. وهذه الخصيصة الطبيعية أيضاً تُدغدغ في الإنسان غريزة حبّ البقاء فيسعى لتوليد كائنات حيّة جديدة تؤمّن استمرارية النوع البشريّ لحفظه عن الفناء والزوال.
عامل القوّة بالكثرة العددية
يعرض لنا القرآن الكريم العديد من الآيات التي تُشير إلى كون الكثرة العددية عامل قوّة وعزّة للمجتمع والأمة. يقول تعالى:
- ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرً﴾2.
- ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارً﴾3.
وقد كانت وما زالت الكثرة العددية للأمم مثار فخر واعتزاز.
- ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرً﴾4.
- ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾5.
عامل الوراثة والخلافة
يقول تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾6.
وعن أبي عبد الله عليه السلام، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقرأ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي﴾، يعني أنّه لم يكن له وارث حتّى وهب الله له بعد الكبر7.
كلّ إنسان يرغب في استمرار وجوده الشخصيّ بمثال وشبيه له، يخلّد اسم العائلة، بنحو لا ينقطع ذكره بين الناس، ويُعبّر عن هذه الحالة بالوراثة أو الخلافة. وقد اعتبرت الروايات أنّ من محقّقات سعادة الإنسان أن يرى وريثه وخليفته.
وقد تقدّم ذكر العديد من الروايات - في الدرس السابق فقرة: تعليم أئمة أهل البيت الناس بعض الأعمال لإنجاب الأطفال - تُفيد هذا المعنى، منها:
- عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، قال لبعض أصحابه: "قل في طلب الولد: ربّ لا تذرني فرداً، وأنت خير الوارثين، واجعل لي من لدنك وليّاً يرثني في حياتي..."8.
- وعن بكر بن موسى الواسطي، قال:كُنتُ عند أبي إبراهيم - الكاظم - عليه السلام، فقال: إنّ أبي جعفراً كان يقول: "سعد من لم يمت حتّى يرى خلفه من نفسه".
ثم أومى بيده إلى ابنه عليّ - الرضا عليه السلام -، فقال: "وقد أراني الله خلفي من نفسي"9.
وعن أبي الحسن عليه السلام: "سعد امرؤ لم يمت حتى يرى خلفاً من نفسه"10.
- وعن أبي الحسن عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيراً لم يُمته حتى يُريه الخلف"11.
سعادة الإنسان بالأطفال
اتّضح من بعض الروايات السابقة أنّ من سعادة الإنسان وجود الأطفال في حياته، ونُضيف إليها:
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من سعادة الرجل الولد الصالح"12.
- وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أربعة من سعادة المرء: الخلطاء الصالحون والولد البار..."13.
- وعن أبي جعفر عليه السلام، قال: "من سعادة الرجل أن يكون له الولد يعرف فيه شبهه خلقه وخلقه وشمائله"14.
عامل العون والخدمة والمساعدة للوالدين
يقول تعالى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾15.
إنّ التدبّر في هذه الآية القرآنية الكريمة يُعطينا عدّة دلالات:
الأولى: أنّ إنجاب الأطفال أحد أهداف بناء بيت الزوجية.
الثانية: كما تُفيد الآية بقرينة سياق الآيات التي تسبقها - وهي في مقام عدّ النعم والآلاء الإلهية على الإنسان - أنّ الأولاد نعمة إلهية16.
والثالثة: أنّ الأولاد بالإضافة إلى كونهم هدفاً لتأسيس بيت الزوجية، ونعمة إلهية، هم مددٌ وعونٌ لوالديهم، كما تُشير إليه مفردة: ﴿وَحَفَدَةً﴾. فالحفدة لغة جمع حافد، وهو من الحفد، والحفد في اللغة: الخدمة17. وأصل الحفد يدلّ على الخفّة في العمل والتجمّع، فالحفدة الأعوان لأنّه يجتمع فيهم التجمّع والتخفّف18، والسرعة إلى الطاعة. ومنه قيل للأعوان حفدة، لإسراعهم في الطاعة19.
وقد اختلف المفسّرون في مصداق المعنى المراد من كلمة حفدة في الآية:
- قال بعضهم: إنّ بنين تُطلق على الأولاد الصغار، والحفدة تُطلق على الأولاد الكبار الذين يستطيعون إعانة ومساعدة آبائهم20.
- وتبنّى بعضهم: أنّ المقصود بها أولاد الأولاد.
- واعتبرها بعض ثالث: أنّها من باب العطف لتغاير الوصفين21، أي أنّ الأولاد جامعون للأمرين معاً، فهم بنون وهم حافدون أي يخدمون أهلهم ويعاونونهم22. أو من باب عطف الخاصّ على العامّ بحيث يكون المقصود بالحفدة خصوص البنين الذين يُعاونون والديهم ويُساعدونهم ويخدمونهم ويُسارعون إلى طاعتهم.
- وقد حملها بعض المفسّرين على كلّ المعاني السابقة23.
وعلى كلّ حال، بأيّ معنى أُخذت، يبقى الجامع المشترك هو جهة العون والمدد والخدمة والمساعدة للوالدين24.
يقول السيد الطباطبائي: "المراد بالحفدة في الآية الأعوان الخدم من البنين...، وجعل لكم من أزواجكم بالإيلاد بنين وحفدة وأعواناً تستعينون بخدمتهم على حوائجكم وتدفعون بهم عن أنفسكم المكاره"25.
وبعض الروايات يشهد على هذا الفهم للآية: فعن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن قول الله: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال عليه السلام: "هم الحفدة، وهم العون منهم، يعني البنين"26.
عامل المعاونة والمعاضدة في الروايات
وقد صرّحت الروايات بأنّ أحد أهداف وجود الولد في حياة الوالدين هو أن يكون عضداً لهما، وأصل العضد في اللغة: ما بين المرفق إلى الكتف، ويدلّ على العضو الذي يستعار في موضع القوّة والمعين27، وجمعه: أعضاد، و"أعضاد كلّ شيء ما يشدّ من حاليه من البناء وغيره"28. وقد شبّه الولد بأنّه عضد لوالديه لأنّه العامل الذي يفترض أن يستندون إليه ويعتمدون عليه في الحياة بكافّة جوانبها ومجالاتها، فعندما تشتدّ الظروف يجد الوالدان في الولد العنصر الذي يقف إلى جانبهم ويُعينهم على تجاوز صعابها.
- عن عيسى بن صبيح29، قال: دخل الحسن العسكريّ عليه السلام علينا الحبس، وكُنتُ به عارفاً، فقال لي: "لك خمس وستون سنة وشهر ويومان".
وكان معي كتاب دعاء عليه تاريخ مولدي، وإنّي نظرت فيه فكان كما قال.
ثم قال: "هل رُزقتَ من ولد"؟
قُلتُ: لا.
قال: "اللهم ارزقه ولداً يكون له عضداً. فنعم العضد الولد". ثم تمثّل عليه السلام: "من كان ذا عضد يُدرك ظلامته إنّ الذليل الذي ليس له عضد"30
قُلتُ: ألك ولد؟
قال عليه السلام: "أي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فأمّا الآن فلا"31.
- وعن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، قال: "من سعادة الرجل أن يكون له وُلْدٌ يستعين بهم"32.
نعم الشيء الولد
- روي عن الحسن البصريّ أنّه قال: بئس الشيء الولد، إن عاش كدّني، وإن مات هدّني. فبلغ ذلك الإمام زين العابدين عليه السلام، فقال: "كذب، والله نِعْمَ الشيء الولد، إن عاش فدعاء حاضر، وإن مات فشفيع سابق"33.
تُستعمل كلمة نِعْمَ في مقام المدح للشيء، ويظهر من أصلها الاشتقاقيّ في اللغة العربية أنّها من النعمة، ويرجع معناها إلى ما "يدل على ترفّه وطيب عيش وصلاح"34، ولا ريب في أنّ الولد نعمة من الله تعالى، فعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "البنون نعيم، والبنات حسنات..."35. وهذه النعمة الإلهية تجعل الإنسان يعيش حياة طيّبة، إذ بدون الولد يبقى الإنسان ناقص العيش، كما سيأتي في بعض الروايات اللاحقة.
إثقال الأرض بالتوحيد والتسبيح
إنّ الله عزّ وجلّ خلق الإنسان لهدف العبادة، وحقيقة العبادة متقوّمة بالتوحيد، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾36، فعبادة الله تعالى وذكره وتسبيحه وحمده... هي الهدف الغائيّ لخلقة الإنسان كما ذكرنا في الدروس السابقة. ووظيفة التربية هي إيصال الإنسان إلى هذه المنزلة. وكي يصل الإنسان إلى هذه المنزلة لا بد من وجود الإنسان على الأرض، ووجوده رهن إرادة والديه، من هنا حثّت الروايات الأهل على إنجاب الأطفال من أجل تحقيق هذا الهدف الأعلى.
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلاً، لعلّ الله يرزقه نسمة، تُثقل الأرض بلا إله إلا الله"37.
- وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "لمّا لقي يوسف أخاه، قال له: يا أخي كيف استطعت أن تتزوّج النساء بعدي؟! قال: إنّ أبي أمرني، وقال: إن استطعت أن تكون لك ذرية تُثقل الأرض بالتسبيح فافعل"38.
الأولاد أنس للوالدين
الإنسان كائن اجتماعيّ بالفطرة، أي يميل بأصل الخلقة إلى التشكّل داخل وحدات اجتماعية، لأنّه لا يستغني عنهم في تأمين متطلّبات حياته ووجوده، من جهة، كما أنّه يستأنس بالآخرين، ولذا لو بقي الإنسان بمفرده سرعان ما يشعر بالغربة والوحشة، وأصغر وحدة يتكوّن منها المجتمع هي الأسرة، التي تُظلّل حياة الإنسان، وتُخرجه من حالة الوحدة والفرادة التي تجعله يعيش الشعور بالوحشة، إلى حالة السكن والطمأنينة، فالولد يمنح حياة الإنسان أُنساً خاصاً، ويُعطيه إحساساً بالألفة.
- عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: "إذا أبطأ علي أحدكم الولد فليقل: اللهمّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين، وحيداً وحشاً فيقصر شكري عن تفكري، بل هب لي عاقبة صدق ذكوراً وإناثاً، آنس بهم من الوحشة، وأسكن إليهم من الوحدة..."39.
- وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "خمس خصال من فقد واحدة منهنّ لم يزل ناقص العيش، زائل العقل، مشغول القلب: فأوّلها: صحّة البدن، والثانية: الأمن، والثالثة: السعة في الرزق، والرابعة: الأنيس الموافق".
قُلتُ - أي الرواي -: وما الأنيس الموافق؟
قال عليه السلام: "الزوجة الصالحة، والولد الصالح، والخليط الصالح".
والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال، الدّعة"40.
الولد قرّة عين الإنسان وكبده وريحانة قلبه
الولد بضعة من الإنسان حقيقة لا مجازاً. وهذه البضعة على نحو الحقيقة تتقلّب في أعضاء الإنسان على نحو المجاز، فتارة يُعبّر الإنسان عن ولده أنّه عينه التي يرى بها، وأخرى أنّه يده التي تمدّه بالعون، وثالثة أنّه قلبه وفؤاده، ورابعة أنّه كبده...إلخ. ويلحظ في كلّ تعبير جنبة من الجوانب المناسبة للتعبير. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الإنسان لا يُمكنه الاستغناء عن الولد كما لا يُمكنه الاستغناء عن أيّ عضو من أعضائه. وهذا ما نُلاحظه بشكل واضح في الروايات.
- وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اطلبوا الولد والتمسوه، فإنّه قرّة العين وريحانة القلب"41.
- وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "الولد كبد المؤمن..."42.
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "أولادنا أكبادنا"43.
- وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام يوماً لولده العباس لمّا كان صغيراً: "قل: واحد، فقال: واحد، فقال: قل: اثنان، قال: استحي أن أقول باللسان الذي قُلت واحد اثنان، فقبّل عليّ عليه السلام عينيه، ثمّ التفت إلى زينب، وكانت على يساره والعباس عن يمينه، فقالت:يا أبتاه أتُحبّنا؟ قال عليه السلام: نعم يا بني، أولادنا أكبادنا"44.
- عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الولد الصالح ريحانة من الله قسمها بين عباده..."45.
العامل الأخرويّ
إنّ الولد ليس نعمة وأنساً وريحانة وعوناً وسنداً... لأهله في الدنيا فقط، بل الولد الصالح ذخيرة لأهله بعد موتهم، فباستغفاره ودعائه وقيامه بالأعمال الصالحة قد يكون نجاتهم من العذاب والنار.
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وعلم يُنتفع به"46.
- وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مرّ عيسى ابن مريم عليه السلام بقبر يُعذّب صاحبه. ثم مرّ به من قابل47، فإذا هو ليس يُعذّب. فقال عليه السلام: يا ربّ، مررت بهذا القبر عام أول وهو يُعذّب، ومررت به العام وهو ليس يُعذبّ! فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا روحالله، قد أدرك له ولد صالح فأصلح طريقاً وآوى يتيماً، فغفرت له بما عمل ابنه.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ميراث الله عزّ وجلّ من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده..."48.
- عن معاوية بن عمار، قال: قُلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: "سنّة يسنّها يعمل بها بعد موته، فيكون له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، والصدقة الجارية تجري من بعده، والولد الصالح يدعولوالديه بعد موتهما، ويحجّ ويتصدّق عنهما، ويعتق ويصوم ويُصلّي عنهما.
فقلتُ: أشركهما في حجّي؟
قال عليه السلام: "نعم"49.
- وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "ستّة تلحق المؤمن بعد وفاته: ولد يستغفر له..."50.
- وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الولد كبد المؤمن، إن مات قبله صار شفيعاً، وإن مات بعده يستغفر له فيغفر الله له"51.
فانتفاع الوالدين بالولد يوم القيامة ينبغي أن يكون عنصراً مرغِّباً في إنجاب الأطفال، وهذا ما نُلاحظه فيما رواه إسحاق بن عمار، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "إنّ فلاناً - رجل سمّاه - قال: إنّي كنتُ زاهداً في الولد، حتّى وقفت بعرفة، فإذا إلى جنبي غلام شابّ يدعو ويبكي ويقول: يا رب، والدي والدي، فرغّبني في الولد حين سمعت ذلك"52.
ما للوالدين من الأجر في موت أطفالهم
يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾53.
قد يمتحن الله تعالى الإنسان ويبتليه بموت أطفاله قبل الولادة أو بعد الولادة، ولأنّ الله تعالى كتب على نفسه الرحمة بعباده فقد جعل لمن يفقد أحبّته من الأطفال عوضاً وأجراً وثواباً عظيماً يوم القيامة، فحتّى الطفل السقط يكون له أثر في نجاة والديه يوم القيامة.
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اعلموا أنّ أحدكم يلقى سقطه محبنطئاً على باب الجنّة، حتى إذا رآه أخذ بيده حتى يُدخله الجنّة، وإن ولد أحدكم إذا مات أجر فيه، وإن بقي بعده استغفر له بعد موته"54.
- وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:... أما علمتم أنّي أُباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط، يظلّ محبنطئاً على باب الجنّة فيقول الله عزّ وجلّ: ادخل الجنّة، فيقول: لا أدخل حتّى يدخل أبواي قبلي. فيقول الله تبارك وتعالى لملك من الملائكة: ايتني بأبويه فيأمر بهما إلى الجنّة. فيقول: هذا بفضل رحمتي لك"55.
- وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل: ... أوما علمت أنّ الوِلدان تحت العرش يستغفرون لآبائهم، يحضنهم إبراهيم وتُربّيهم سارة، في جبل من مسك وعنبر وزعفران؟"56.
هذه النصوص الدينية بأجمعها، مؤشّر واضح على وجوب سعي الوالدين إلى حسن تربية أطفالهما كي تكون ثمرة تلك التربية وعاقبتها وجود ولد صالح. فالإنسان يأنس ويفتخر ويفرح ويسعد بطفله وولده إذا كان صالحاً، ويأسف ويحزن ويتألّم إذا لم يكن الطفل كذلك، فـ "ولد السوء يهدم الشرف، ويشين السلف"57، كما ورد عن الإمام علي عليه السلام. وعنه أيضاً: "ولد السوء يعرّ الشرف"58. وعنه أيضاً: "أشدّ المصائب سوء الخلف"59.
* المنهج الجديد في تربية الطفل، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- المحاسن، ج1، ص200.
2- سورة الإسراء، الآية 6.
3- سورة نوح، الآيات 10-11-12.
4- سورة الكهف، الآية 34.
5- سورة سبأ، الآية 35.
6- سورة مريم، الآيات 5-7.
7- الكافي، ج6، ص3.
8- من لا يحضره الفقيه، ح3، ص474، ح4660.
9- الخزاز القمي، علي بن محمد، كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر، ص273. ورواه الشيخ الطوسي في الغيبة، ص41، ح22.
10- الكافي، ج6، ص5.
11- من لا يحضره الفقيه، ج3، ص482، ح4690.
12- الكافي، ج6، ص3.
13- الرواندي، النوادر، ص110.
14- الكافي، ج6، ص4.
15- سورة النحل، الآية 72.
16- الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص297. يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الآية: "... النعمة هي جعل الأزواج من أنفسهم، وجعل البنين والحفدة من أزواجهم، فإن ذلك من أعظم النعم وأجلاها، لكونه أساساً تكوينياً يبتني عليه المجتمع البشري، ويظهر به فيهم حكم التعاون والتعاضد بين الأفراد، وينتظم به لهم أمر تشريك الأعمال والمساعي، فيتيسّر لهم الظفر بسعادتهم في الدنيا والآخرة .ولو أنّ الإنسان قطع هذا الرابط التكويني الذي أنعم الله به عليه وهجر هذا السبب الجميل وإن توسّل بأيّ وسيلة غيره لتلاشى جمعه وتشتّت شمله وفي ذلك هلاك الإنسانية".
17- العين، ج3، ص185.
18- معجم مقاييس اللغة، ج2، ص84.
19- أنظر: مجمع البيان، ج6، ص178.
20- يراجع: الطبرسي، مصدر سابق. والطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج14، ص191. والأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج8، ص256 وما بعد.
21- البيضاوي، عبد الله بن عمر، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المعروف بتفسير البيضاوي، ج3، ص411.
22- الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج2، ص419.
23- الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، ج20، ص80.
24- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج8، ص257.
25- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص297.
26- العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، ج2، ص264. والحويزي، عبد علي بن جمعة العروسي، تفسير نور الثقلين، ج3، ص68. والبحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن، ج3، ص438.
27- معجم مقاييس اللغة، ج4، ص348.
28- العين، ج1، ص268.
29- وفي: الأربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج3، ص307: عيسى بن شج. وفي الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ص1087: عيسى بن الفتح.
30- نسب الدينوري ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، في عيون الأخبار، ج3، ص5، هذا البيت إلى عمرو بن حبيب الثقفي أحد شعراء الجاهلية، أسلم سنة 9 ه. والبيت الثاني منه:
تنبو يداه إذا ما قل ناصره ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
31- الخرائج والجرائح، ج1، ص478.
32- الكافي، ج6، ص2.
33- الراوندي، سعيد بن هبة الله، الدعوات سلوة الحزين-، ص285.
34- معجم مقاييس اللغة، ج5، ص446.
35- الكافي، ج6، ص7.
36- سورة طه، الآية 14.
37- من لا يحضره الفقيه، ج3، ص382.
38- الكافي، ج6، ص3.
39- م.ن، ص7.
40- الخصال، ص284.
41- مكارم الأخلاق، ص224.
42- عوالي اللآلي، ج1، ص270.
43- بحار الأنوار، ج101، ص97.
44- مستدرك الوسائل، ج15، ص215.
45- الكافي، ج6، ص3.
46- عوالي اللآلي، ج1، ص97. ويراجع: النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي، ج6، ص25.
47- قابل: وقت لاحق.
48- الكافي، ج6، ص4.
49- نفس المصدر، ص57.
50- من لا يحضره الفقيه، ج4، ص246.
51- عوالي اللآلي، ج1، ص270.
52- الكليني، الكافي، ج6، ص3.
53- سورة البقرة، الآيتان 155-156.
54- من لا يحضره الفقيه، ج3، ص483.
55- م.ن.
56- الكليني، الكافي، ج5، ص334.
57- مستدرك الوسائل، ج15، ص215، ح18039.
58- عيون الحكم، ص503.
59- ميزان الحكمة، ج4، ص3671.
فطرة الطفل بين الخير والشرّ والحياد
تمهيد
إنّ تسليط الضوء على طبيعة الطفل وحقيقة فطرته يُعتبر من الأبحاث المهمّة من حيث الجواب عن السؤالين البنيويّين التاليين:
السؤال الأوّل: ما هي طبيعة التركيبة الفطرية للطفل بأصل الخلقة، هل هي طبيعة شرّيرة أم خيّرة أم حيادية؟ حيث إنّ تحديد الجواب عن هذا السؤال بأيّ من الافتراضات السابقة يُغيّر من المسار في كيفية تربية الطفل.
السؤال الثاني: هل طبيعة الطفل وفطرته ثابتة غير قابلة للتغيير أم أنّها تتبدّل من حال إلى حال؟ وبعبارة أخرى: هل الطفل الذي يولد شرّيراً بطبعه - بحسب بعض النظريات - يستحيل تغييره بالتربية أم يُمكن تغييره؟ لأنّه إذا كان الجواب بأنّ شخصية الطفل ثابتة لا تتحوّل فهذا يعني عبثية التربية للطفل.
في الجواب عن السؤال الأول يُمكن رصد ثلاث نظريات1:
النظرية الأولى: شريّة طبيعة الطفل
يرى أصحاب هذه النظرية أنّ طبيعة الطفل تميل إلى الأخلاق الذميمة، بمعنى أنّ نفس الطفل جُبلت بأصل الخلقة على الشرّ، وعُجنت طينته بالرذيلة والأطباع الخبيثة والسيّئة، فـ "الشرّ جزء من تكوينه النفسيّ، وبه يندفع إلى العدوان والانحراف. وقد عبّر عن هذه النظرة المتشائمة بعض رجال الدين المسيحي"2. ويترتّب على هذه النظرية أن "تقوم التربية باستخدام وسائل العنف والقسوة لانتزاع الشرّ منه"3.
النظرية الثانية: حيادية طبيعة الطفل
ترى هذه النظرية أنّ الطفل يميل بنحو متساوٍ إلى الخير والشرّ، وبعبارة أخرى إنّ نفس الطفل "من طبيعة محايدة، وإنّما يلحق الفساد بهذه الطبيعة نتيجة لفساد التربية التي يتلقّاها"4. يقول سعيد إسماعيل علي في هذا السياق: "الإشكالية التي شُغل بها الفكر الفلسفيّ والتربويّ والأخلاقيّ من حيث التساؤل عمّا إذا كان الإنسان بطبعه خيّراً أو شرّيراً هي إشكالية زائفة، ذلك أنّ الطبيعة الفطرية للإنسان محايدة، صفحة بيضاء، مثلها مثل المادّة الخام"5.
النظرية الثالثة: خيرية فطرة الطفل
يعتقد أصحاب هذه النظرية بعكس النظرية الأولى، أنّ طبيعة الطفل وفطرته جُبلت على حبّ الخير، فهو يميل إلى الخير والصلاح بأصل الخلقة.
وقفة مع النظريّات الثلاث
سنُحاول في هذه الفقرة التوقّف عند بعض النقاط التي ستُمهّد الطريق لتبنّي الرأي الذي نراه أقرب للصواب من ضمن النظريّات السابقة في الجواب عن السؤال الأول، وسيتّضح بنحو جليّ أيضاً موقفنا من الجواب عن السؤال الثاني خلالها بالتبع.
أولاً: لا ريب في أنّ الطفل في مراحل الطفولة المبكرة وما قبل سنّ التمييز، لا يعرف معنى الخير أو الشر، فإن سُلّم جدلاً بميل طبيعة الطفل نحو أيٍّ منهما فهو ميل فطريّ جبلّيّ غير واعٍ.
ثانياً: لا يُمكن إنكار وجود ردّات فعل طبيعية في الطفل بأصل الخلقة هدته إليها يد الله تعالى، والمقصود بها السلوكات الصادرة عن الغريزة والتي تُسبّبها القوى الطبيعية (الشهوية والغضبية) المجبول عليها الإنسان بأصل الفطرة، كالخوف أو الحبّ... إلخ. ولكن يُطرح السؤال: هل ردّات الفعل النفسانية الطبيعية هذه هي خير أم شرّ أم حيادية؟
في الحقيقة، إنّ النظر إلى ردّات الفعل هذه بلحاظ القوى النفسية الناشئة منها أي بالنظر إلى نفس القوّة الشهوية أو الغضبية لا بدّ من أن يدخل في دائرة الحسن والخير، لأنّ الله تعالى لا يخلق إلّا ما هو حسن جميل، يقول تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾6، فهذه القوى النفسية تعمل بأصل الفطرة بحسب ما يقتضيه طبعها المسخّرة له، إنّما تكمن المشكلة في كيفية توظيف هذه القوى النفسية وتسييرها في أيّ اتّجاه.
وبناءً عليه، وظيفة التربية ليست استئصال هذه الغرائز والانفعالات والأحاسيس النفسية واقتلاعها من جذورها، لأنّ ذلك مستحيل، فكلّ ما زرعته يد الله تعالى بأصل الخلقة يستحيل استئصاله، نعم، يُمكن التعمية عليه ودسّه ودفنه في دائرة الظلمة. فلا يُمكن للتربية إزالة فطرة حبّ الأنا من نفس الطفل، ولا استئصال القوة الداخلية المحرّكة له نحو الحبّ أو البغض أو الخوف أو الحياء أو... بل هو إيجاد حالة من التحكّم والقيادة والسيطرة على هذه الانفعالات بنحو ينضبط السلوك على ضوء التعاليم التربوية الحسنة والجميلة، لذا يُقال بأنّ التربية وظيفتها الدفع وليس الرفع والاستئصال7.
فليس من المعقول تربية الطفل بالطلب منه أن لا يغضب أو لا يشتهي بعض الأشياء، فإنّ هذه الحالات النفسانية أمور طبيعية في ذات فطرته غير قابلة للإزالة، وإنّما المطلوب هو ضبطها وتوجيهها وإرشادها، لا قمعها وكبتها. وإذا أردت أن تُطاع فاطلب المستطاع.
ثالثاً: إذا كان المقصود بميل الطفل نحو الخير أو الشرّ بأصل الخلقة هو ذلك النحو من الميل الفطري الجبري الذي يُمانع الاختيار وإمكانية التغيير، فهذا ممّا لا يُمكن قبوله انطلاقاً من عقيدتنا بأنّ الإنسان كائن حرّ مختار، لذا لا بد من البحث عن الميل الفطري نحو الخير أو الشرّ بمعنى يُحافظ على اختيارية الطفل وإمكانية التغيير. لأنّنا نُنكر صحّة نظرية المذهب الطبيعيّ في الأخلاق، التي تعتقد بأنّ الملكات الأخلاقية في الطفل وبالتّالي السلوك الصادر عنها طبيعيّ بأصل خلقته، بمعنى أنّ كلّ طفل يولد مزوّداً بأخلاق تقتضيها طبيعة هويّته على نحو الضرورة، وبالتّالي فإنّ هذه الأخلاق الطبيعية ثابتة وغير قابلة للتغيير والتبديل، ويترتّب على ذلك عدم جدوائية وفعالية العمليات التربوية التي تهدف إلى إكساب الطفل ملكات أخلاقية وسلوكات على خلاف مقتضى طبيعته.
وقد ناقش فلاسفة الأخلاق المسلمون كمسكويه، الغزالي، الطوسي، الكاشاني، والنراقي، وغيرهم هذا المذهب في كتبهم بنحو تفصيليّ8، حيث ردّوا المذهب الطبيعيّ في الأخلاق، بأنّه لو كان صائباً لأُلغيت الشرائع والديانات، ولبطلت تعاليم ووصايا الأنبياء، ولكانت الدعوة إلى التهذيب والتزكية والتأديب وتحسين الأخلاق... عبثاً ولهواً، وجلّ الله تعالى وأنبياؤه عن اللغو والعبث.
كما أنّ التجربة التربوية العملية تفيد بإمكان إزالة الخلق بالأسباب الخارجية من التأديب والنصائح وغيرهما. فزرع القيم التربوية وتعديل سلوكات الطفل أمر ممكن فعلاً بالوصايا والمواعظ والنصائح والإرشاد.
يقول الإمام السيد عليّ الخامنئيّ دام ظله: "صناعة الإنسان وتشكيل وبناء الإنسان المطلوب في الإسلام هو أمر يحصل بالتربية. فإنّ كلّ الناس لديهم قابلية التربية. قد يتقبّل البعض التربية متأخّراً والبعض أسرع، فالبعض قد تترسّخ التربية لديه وتدوم أكثر والبعض قد تُفارقه بسرعة أكبر، لكن كلّ الناس معرّضون للتغيير والتبدّل الذي يحصل بالتربية"9.
رابعاً: وبذلك يظهر أيضاً أنّ الأخلاق والسلوكات الحسنة ليست وليدة الطبيعة لأنّ ما هو طبيعيّ لا تُمكن إزالته وتغييره. نعم الطبيعيّ والفطريّ هو مبادئ وقوى وقابليات واستعدادات تلك الأخلاق والأفعال، أمّا كيفية استخدام هذه القوى والمبادئ فهو خاضع لإرادة الإنسان وخاضع للتربية10.
يقول الشيخ جعفر السبحاني: "إنّ للإنسان ماهيّتين: أولاً: ماهيّة عامّة يتكوّن معها ويتولّد بها. وثانياً: ماهيّة خاصّة يكتسبها في ضوء إرادته عن طريق العمل... أمّا الطبيعة العامة، فهي عبارة عن الطاقات والمواهب الإلهية المودعة في وجوده وهي ميول طبيعية تسوقه إلى نقطة خاصّة فيها سعادته أو شقاؤه، وقد أعطى سبحانه زمامها بيد الإنسان المختار في كيفية الاستفادة منها كمّاً وكيفاً... وأمّا الطبيعة الخاصّة، فهي عبارة عمّا يتكوّن في نفس الإنسان من الروحيات العالية أو الدانية نتيجة استفادته من تلك المواهب الأوّلية، إفراطاً أو تفريطاً أو اعتدالاً"11.
وتربية الطفل في جعله يميل إلى أحد الاتّجاهين إنْ خيراً أو شرّاً إنّما تحصل من خلال تكرار الأعمال المتشابهة بالدربة والعادة لمدّة زمنية معيّنة وطويلة غالباً، فهو الذي يؤدّي إلى إيجاد الصفات الحسنة أو السيّئة في نفس الطفل، لا أنّ الصفات الحسنة بمعنى الملكات موجودة بالفطرة. وهذا يؤكّد أهمّية عدم الإهمال والإغفال للعادات السيّئة التي قد يكتسبها الطفل تحت عنوان أنّه ما زال صغيراً، بل ينبغي الانتباه واليقظة في إيجاد العادات الحسنة عند الطفل حتى لو لم يعِ حسنها، لأنّها ستتحوّل لاحقاً إلى طبيعة ثابتة فيه وتُصبح خلقاً تصدر عنه الأفعال بسهولة.
وبهذا يظهر أنّ التربية ليست مجرّد عملية إعطاء المعرفة وإكساب العلم، وبالتّالي يحصل السلوك تلقائياً، بل التربية هي عملية تنمية اتّجاهات وزرع وتفتّح قيم وتغيير سلوك وإكساب مهارات بالدربة والعادة كي يتّجه الطفل نحو الهدف المطلوب. فالمعارف التي يتلقّاها المتربّي لا تُحرّكه أوتوماتيكياً تجاه السلوك، وإن كانت المعرفة واحدة من مبادئ الفعل. وفي نفس الوقت حذراً من الوقوع في فخّ تحوّل الطفل إلى مجرّد آلة فيزيائية يصدر عنه العمل نتيجة العادة من دون الإحساس بالشحنة القيمية التي تُحرّكه، لا بدّ من إعطاء جرعة إضافية إلى جانب التعويد، وهي جرعة أن يكون العمل الذي تعوّد عليه الطفل صادراً عنه عن قناعة ورغبة وإرادة ذاتية وشعور بالمسؤولية.
وبمعنى آخر لا ينبغي تربية الطفل بنحو يصدر عنه الفعل تحت وطأة الشعور بالحاجة إلى العمل لمجرّد إلحاح تكرار العادة (الإدمان)، بل أن يصدر العمل عن الطفل في المرحلة العمرية التمييزية على أقلّ تقدير انطلاقاً من الوعي بالقيم وانتهاء إلى الوعي بالنتائج. وإلا فإنّ تعويده على قيم معيّنة موجبة أو سالبة من دون وعي وقناعة ورغبة قد يكون السبب في إضعاف الإرادة من ناحية توليد العجز عن مقاومة المتغيّرات، ممّا سيجعله يُعرض عنها بمجرّد أن يصل إلى مرحلة عمرية يُصبح فيها قادراً على الانتخاب والتمييز، أو عرضة لمؤثّرات بيئية معيّنة (مدرسة، صداقة...)، مما يؤدّي إلى انعطافة وتحوّل سريع في أخلاقه وسلوكه، أمّا العادة المنطلقة من إرادة ووعي تمنح الطفل القدرة على التغلّب على كلّ المتغيّرات، بل على طبيعته أيضاً12.
خامساً: يظهر من بعض العلماء المسلمين تعارض مجموع آرائه في كتاباته حول الموضوع13. وفي الحقيقة لا تعارض بين وجهات النظر الثلاث، فإنّ كلّ تعبير ناظر إلى حيثية من حيثيات طبيعة الطفل وإلى قوّة من قواه، فإنّ الطفل له قوى متعدّدة، وبلحاظ كلّ قوّة يُمكن التوصيف بالخير أو الشرّ أو الحياد، فإنّ نفس الطفل بلحاظ كونها من نور الله تعالى وروحه فهي خير وتميل إلى الخير، وبلحاظ قوّة الشهوة والغريزة تميل إلى الشرّ، وبلحاظ كونها مختارة هي مستعدّة لكلّ واحد من الطرفين، بمعنى أنّها غير مجبرة على أحدهما دون الآخر، وإنّما تسير باتّجاه الخير أو الشرّ نتيجة عوامل خارجية لا ذاتية، أي نتيجة التربية والتأديب والتعليم والبيئة... إلخ.
الرأي المختار في المسألة
انطلاقاً ممّا تقدّم، نقول إنّ طبيعة الطفل خيّرة بالطبع وبأصل الفطرة، كما تُفيده النصوص الدينية التي تتحدّث عن الفطرة التوحيدية. ولكنّ الطفل على الرغم من ميله الفطريّ بحسب الصبغة الإلهية إلى الخير ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَ﴾14، لا ينتفي ويرتفع استعداده النفسيّ للسير في الاتّجاهين معاً نتيجة عوامل خارجية كالتربية والبيئة وداخلية كالتفاعلات النفسية مع الأشياء ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورً﴾15، فبسبب عنصر الاختيار يكون لديه استعداد للسير في اتّجاه الخير أو اتجاه الشرّ وهو بهذا المعنى حياديّ، ولكن أيضاً بسبب ضعفه وحاجته وعدم إدراكه ووعيه ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾16، "ضعف الإدراك والجسم في الأطفال"17 من جهة، ونتيجة قواه الحيوانية لأنّه لم يتشكّل على صورة إنسان بعد من جهة ثانية، وبفعل عدم وجود قيم عقلية ودينية تُسيّر تصرّفاته، سيتحرّك على مقتضى ما تُمليه عليه قواه الطبيعية، وبالتّالي سيميل إلى ما تأمره به قوّة الشهوة والغضب وحبّالأنا، ممّا يترتّب عليه آثار ونتائج سلبية وغير حسنة، فهو للسير في اتّجاه الشرّ نتيجة ضعفه وجهله ونقصه وحاجته أوفق ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً﴾18، ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفً﴾19, ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾20. وهنا يأتي دور التربية في الأخذ بيد الطفل والسير به في أيّ اتجاه من الاتجاهات، فالطفل في المحصّلة هو صناعة التربية.
والتربية قبل ولادة الطفل لها دور في تكوين استعدادات خاصّة فيه، بحيث يولد مجهّزاً بتلك الاستعدادات حتى بالوراثة، ويُصبح فيما بعد من الصعوبة - وليس المستحيل - تدارك تلك الاستعدادات وتحويلها عن مسارها الذي رسم في شخصية الطفل.
وبناءً عليه، نفهم رأي نصير الدين الطوسي في أنّ الطفل يميل إلى الأخلاق الذميمة بسبب ما في طبيعته من النقص والحاجة21. فهذه النظرية التي يتبنّاها الطوسي ليست في مقام البيان من جهة الفطرة والجبلّة، وإنّما في مقام البيان من جهة العمل والسلوك، بمعنى أنّ الطفل لأنّه ليس كائناً عقلائيّاً ومتشرعيّاً، فإنه سيميل إلى طاعة الغريزة والشهوة، وهي بطبعها تُحرّكه نحو تحقيق ما فيه لذّته الشهوية والمادّية، وبعبارة أخرى إنّ الطفل لو خُلّي وقواه النفسية الشهوية والغضبية مع جهله وضعفه وعدم تزوّده بقضايا العقل العمليّ والوحي كضوابط للقيم والسلوك، سيجعل قواه تجذبه نحو تحقيق ما يُلائمها ويُنافرها، وهو بحسب الغالب يكون سيراً باتّجاه القبح أكثر منه نحو الحسن، لذا يُنبّه في هذا المجال فيقول الطوسي: "عندما تتمّ أيام رضاعه يجب الانشغال بتأديبه وتدريبه على الأخلاق الفاضلة قبل أن يتعوّد على الأخلاق الفاسدة، إذ يكون الطفل مستعدّاً لها، وأكثر ميلاً للأخلاق الذميمة بسبب ما في طبيعته من النقصان والحاجة"22.
وفي ذات السياق، يقول الفيض الكاشاني: "إنّ الصبيّ إذا أُهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأكثر رديّ الأخلاق، كذّاباً، حسوداً، سروقاً، نمّاماً، لجوجاً، ذا فضول وضحك، وكيّاد، ومجانة، وإنّما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب"23.
إذاً، لا تنافي بين النظرية التي ترى أنّ الطفل خيّرٌ بطبعه وبين ما يذهب إليه بعض الحكماء المسلمين في بعض كلماته من ميل الطفل إلى الشرّ والأخلاق الرذيلة، فإنّ النظرية الأولى تُفيد أنّ طبيعة الطفل بأصل الفطرة تميل إلى الخير والتوحيد وقبول الدين، ولكن هذا لا يعني أنّه تلقائياً لو خُلّي الطفل وطبعه وبيئته وتربيته ستذهب نفسه في هذا الاتّجاه، بل تسلك اتّجاهاً آخر يتناسب مع البيئة الاجتماعية والتنشئة والتربية، لأنّ الميل الفطريّ نحو الخير لا يُنافي الاستعداد الطبيعيّ بسبب قوّة الاختيار الكامنة فيه إلى الطرفين معاً. وبهذا التفسير نفهم قول الإمام عليّ - لولده الحسن - عليهما السلام: "إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قِبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك"24، بنحو لا يتنافى مع قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "كلّ مولود يولد على الفطرة"25.
حقّ الطفل في الخطأ
نختم الدرس بنقطة بنيويّة في كيفية التعامل التربويّ مع الطفل، وهي أنّه سواء أكانت طبيعة الطفل خيّرة أم شرّيرة أم حيادية، فإنّ هذا لا يعني أنّ الطفل لن يقع فيما نراه نحن الراشدون أنّه خطأ أو خطيئة، لأنّ الطفل نتيجة جهله المطلق وضعفه ونقصه يسير في طور الاكتشاف لذاته وللمحيط من حوله، ومن الطبيعيّ أن يقع في الخطأ، فإنّه يتعلّم من أخطائه، لذا يُمكن تأسيس قاعدة عامّة في سياق تربية الطفل، وهي مراعاة حقّه في أن يقع في الخطأ.
عن الإمام الباقر عليه السلام: "أنّ علياً عليه السلام كان يقول: عمد الصبيان خطأ..."26.
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "عمد الصبيّ وخطؤه واحد"27.
وقد وقع الاختلاف في وجهات النظر عند الفقهاء في كون هذه الروايات مختصّة بباب الديات والجنايات أم أنّها عامّة ومطلقة. وقد استظهر بعض الفقهاء منها عدم الاختصاص بباب الجنايات، منهم الشيخ الأنصاري حيث قال: "كل حكم شرعيّ تعلّق بالأفعال التي في ترتّب الحكم الشرعيّ عليها القصد بحيث لا عبرة بها إذا وقعت بغير القصد فما يصدر منها عن الصبيّ28 قصداً بمنزلة الصادر عن غيره بلا قصد"29. وهذا مؤشّر إلى أنّ الفعل العمديّ الصادر عن الطفل - حتى المميّز، فكيف بالطفل دون سنّ التمييز - يُنزّل في الشريعة الإسلامية منزلة الخطأ، ويتمّ التعامل معه كالتعامل مع المُخطئ.
هذا، بالإضافة إلى إمكانية استفادة المعنى السابق من أحاديث: "رفع القلم30 عن الصبيّ حتّى يحتلم"31. يقول الشيخ محمد حسين النائيني: "إنّ الظاهر من قوله عليه السلام: "رفع القلم عنه"، ما هو المتعارف بين الناس والدائر على ألسنتهم: من أنّ فلاناً رفع القلم عنه، ولا حرج عليه، وأعماله كأعمال المجانين، فهذه الكلمة كناية عن أنّ عمله كالعدم، ورفع عنه ما جرى عليه القلم فلا ينفذ فعله، ولا يمضي عنه، فإنّ ما صدر عنه لا يُنسب إليه"32.
وهذا يُشعر بأنّه من حقّ الطفل الوقوع في الخطأ. والمقصود بالحقّ هنا الحقّ القانونيّ والأخلاقيّ والطبيعيّ، لكون وقوع الطفل في الخطأ سنّة طبيعية في مراحل نموّه، فما نُصّنفه نحن الراشدون في دائرة الخطأ لا يُصنّفه الطفل في مراحل طفولته المبكرة كذلك، خصوصاً في مرحلة ما دون التمييز، لعدم معرفته بمعنى الصواب والخطأ33.
يبقى أن نُشير إلى نقطة أخيرة - ستتضح ملامحها خلال درس التربية بالعقوبة - وهي أنّ حقّ الطفل في الوقوع بالخطأ لا يعني إقراره على خطئه، أو عدم تنبيهه وإرشاده وتوجيهه إلى الصواب، أو التساهل والتسامح معه في كلّ خطأ كان وبأيّ مرحلة عمرية كانت.
* المنهج الجديد في تربية الطفل، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- يراجع: العطاران، محمد، تربية الطفل وفقاً لآراء ابن سينا والغزالي والطوسي، ص27-30.
2- أبو دف، محمود خليل، مشكلة العقاب البدني في التعليم المدرسي وعلاجها في ضوء التوجيه التربوي الإسلامي، مجلة الجامعة الإسلامية، المجلد السابع، العدد الأول، يناير 1999.
3- تركي، عبد الفتاح ابراهيم، فلسفة التربية- مؤتلف علمي نقدي، ص32.
4- تركي، فلسفة التربية- مؤتلف علمي نقدي، ص32.
5- علي، سعيد إسماعيل وفرج، هاني عبد الستار، فلسفة التربية رؤية تحليلية ومنظور إسلامي، ص299.
6- سورة السجدة، الآية 7.
7- جامع السعادات، ج1، ص49.
8- يراجع مثلاً: الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، ج8، ص101. والنراقي، جامع السعادات، ج1، ص46-49.
9- من كلمة للسيد علي الخامنئي في لقاء المعلمين والتربويين بمناسبة أسبوع المعلم بتاريخ:07/05/2014. على الرابط التالي: htt p://www.almanar.com.lb/wa padetails. php?eid=840376.
10- أرسطو، أخلاق نيكوماخوس، ص36-37.
11- المكي، حسن محمد، الإلهيات على ضوء الكتاب والسنة العقل محاضرات الشيخ جعفر السبحاني-، ج1، ص681.
12- يراجع: الطوسي، نصير الدين، أخلاق ناصري، ص101-103.
13- فمثلاً نرى الغزالي في موضع يقول: "حبّ الإنسان للحكمة والخالق عزّ وجلّ والمعرفة والعبادات لن يُماثل الرغبة في الأكل، إذ إنّه من مقتضيات طبيعة الإنسان، وذلك لأنّ قلب الإنسان من الأمور الربّانية فيما يعد اندفاع الإنسان إلى الرذائل من مقتضيات الشهوة، ولا علاقة له بالطبيعة". كيماء السعادة، ج3، ص499. وفي موضع آخر من نفس الكتاب، ص37، يقول: "اعلم أنّ النفس مجبولة على الابتعاد عن الخير والتعلّق بالشر، وترغب في التقاعس والشهوة". وفي كتاب آخر يقول: "إنّ الصبيّ أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كلّ نقش وصورة، وهو قابل لكلّ نقش ومائل إلى كلّ ما يمال به إليه، فإن عوّد الخير وعلّم نشأ عليه، وسعد في الدّنيا والآخرة، شاركه في ثوابه أبواه، وكلّ معلّم له ومؤدّب، وإن عوّد الشرّ وأهمل شقي وهلك". إحياء علوم الدين، ج8، ص130. وهذا الرأي يظهر منه أن الطفل مجبول على الخير بمعنى أن نفسه تميل إلى الخير أكثر من الشر.
14- سورة الشمس، الآية 8.
15- سورة الإنسان، الآية 3.
16- سورة الروم، الآية 54.
17- مغنية، محمد جواد، التفسير المبين، ص538. ومغنية، محمد جواد، التفسير الكاشف، ج6، ص151. قال:" ضعف البنية والإدراك في الطفل".
ويراجع: مجمع البيان، ج8، ص485. في تفسير الآية: "خلقكم أطفالاً لا تقدرون على البطش، والمشي، والتصرفات". وشبّر، عبد الله، تفسير القرآن الكريم، ص390، قال: "أي ابتدأكم أطفالاً ضعافاً". والميزان في تفسير القرآن، ج16، ص215، قال: "أي ابتدأكم ضعفاء، ومصداقه على ما تفيده المقابلة أول الطفولية".
18- سورة الأحزاب، الآية 72.
19- سورة النساء، الآية 28.
20- سورة يوسف، الآية 53.
21- أخلاق ناصري، ص280-284.
22- أخلاق ناصري، ص280.
23- الفيض الكاشاني، محمد بن المرتضى، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج5، ص125.
24- نهج البلاغة، من وصية له لولده الحسن كتبه إليه بحاضرين منصرفاً من صفين، رقم269، ص526.
25- الصدوق، محمد بن علي، التوحيد، ص363.
26- تهذيب الأحكام، ج10، ص233، ح921.
27- م.ن، ص233، ح920.
28- الصبي من باب التغليب، وإلا فهو يشمل كل طفل سواء أكان ذكراً أم أنثى، ولا خصوصية للطفل الذكر.
29- الأنصاري، مرتضى، المكاسب، ج3، ص282.
30- المقصود برفع القلم هو إما: رفع الأحكام الإلزامية، أو رفع مطلق الأحكام الإلزامية والترخيصية، وبالتالي رفع المؤاخذة والعقاب، وإما رفع المؤاخذة والعقوبة، وإما رفع الاثنين معاً، أي الأحكام والمؤاخذة.
31- روي الحديث بألفاظ مختلفة، مثل: "عن الصبي حتى يدرك"، "عن الصبي حتى يبلغ"، "عن الصبي حتى يحتلم"، "عن الصبي حتى يكبر"، "عن الصبي حتى يعقل"، "عن الصبي حتى يشب". يراجع: الطوسي، الخلاف، ج2، ص41. وسائل الشيعة، ج1، ص20. والبخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج6، ص169. والسجستاني، أبي داود، سنن أبي داود، ج2، ص338. والترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، ج2، ص438.
32- الخوانساري، موسى بن محمد، منية الطالب في شرح المكاسب، تقرير بحث الميرزا محمد حسين النائيني، ج1، ص359.
33- أنظر: عجمي، سامر، عقوبة الطفل في التربية الإسلامية، ص240 وص305.
نهاية حلم السلام في أرض الزيتون
تستمر مغامرة إكمال لغز "صفقة القرن" مع وضع القطع الأخيرة في مكانها حيث تتضح مخاطر هذا المخطط المعادي للفلسطينيين أكثر فأكثر، إلا أن أحدث قطعة من هذا اللغز مكّنت من فكّ شيفرة المشروع النهائي بشكل كبير، وهو إقرار قانون "الدولة القومية اليهودية" في الكنيست خلال الأيام الماضية، ولقد تم إقرار القانون الجديد في 19 يوليو 2018 بأغلبية 62 صوتاً ومخالفة 55 صوتاً من إجمالي 120 مقعداً في الكنيست. وكان مشروع القانون الذي تمت الموافقة عليه في 10 مايو 2017 بأغلبية 48 صوتاً من أعضاء التحالف الحكومي ومخالفة 41 صوتاً في البداية، محاولة بدأها الجناح اليميني الصهيوني في عام 2011 من أجل "تكريس اليهودية"، وفي النهاية وبعد مرور 7 سنوات تمكّنوا من تمرير القانون في الكنيست.
في النسخة الأولية لقانون "الدولة اليهودية القومية" كان بإمكان مجالس المستوطنات والمناطق اليهودية منع توطين العرب وغيرهم في هذه المستوطنات من أجل "حفظ وحدتها"، وقد واجه هذا المبدأ والمبادئ الأخرى منذ البداية معارضة قوية حتى من قبل رئيس الجمهورية والمدعي العام للكيان الصهيوني، كما أن العرب الذين يسكنون في المناطق المحتلة الخاضعة لسيطرة هذا الكيان يعارضون بشدة هذا المبدأ ما أدّى إلى إجراء بعض التعديلات في النسخة النهائية للتصديق عليها في الكنيست.
وتعتبر الحكومة توسيع الأجزاء اليهودية في النسخة المُصوّت عليها "قيمة وطنية" يجب تعزيزها كذلك يضمن قانون "الدولة اليهودية القومية" "حق جميع اليهود في العالم بالهجرة إلى إسرائيل والحصول على التبعية الإسرائيلية"، وكذلك "تعزيز علاقات إسرائيل مع يهود العالم" و"الحفاظ على التراث الثقافي واليهودي والتاريخي للأمة اليهودية في العالم".
ومن ناحية أخرى، تعتبر القدس كلها بموجب القانون ملكية يهودية يجب أن تكون بالكامل تحت سيطرة الكيان الصهيوني، وستكون اللغة العبرية هي اللغة الرسمية الوحيدة، وتوضّح البنود المهمة في هذا القانون بداية عهد جديد في الكيان الصهيوني يقوم على إعطاء الأولوية للشعب اليهودي على جميع القيم المُسماة بالديمقراطية، ويبين هذا القانون الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني وسياسييه الذين لبسوا على مرّ السنين نقاب الديمقراطية على وجوههم، ومع ذلك ما يطرح نفسه حالياً هو تأثير قانون "الدولة اليهودية" على وضع الفلسطينيين وكيف سينتهي الأمر بعقود طويلة بين الكيان الصهيوني والمسلمين في الأراضي المحتلة ردّاً على هذا السؤال المهم يمكننا أن نذكر ثلاثة تأثيرات مهمة.
ضياع الآمال الواهية للصلح وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى موطنهم الأساسي
أهم تبعات سنّ قانون "الدولة اليهودية القومية" يمكن مشاهدتها في القضاء على عقود طويلة من الأمل في المصالحة والسلام بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، وفي الواقع بعد إقرار هذا القانون خاب ظن جميع الحركات السياسية وحتى الشخصيات السياسية العربية في البرلمان والحكومة الصهيونية بمستقبل السلام والتطورات المستقبلية في الكيان الصهيوني، وتحدثوا بصراحة عن عنصرية القانون.
وفي السياق ذاته، اتضح أيضاً أن النواب الفلسطينيين العرب في البرلمان الإسرائيلي الذين كانوا من أشدّ المعارضين لهذا القانون رأوا في التصويت على القانون "موت الديمقراطية وظهور العنصرية ضد غير اليهود"، وقد بادروا في خطوة رمزية بتمزيق مشروع القانون وهددوا بالاستقالة وإسقاط حكومة نتنياهو.
ومن ناحية أخرى، فإن إقرار القانون يضفي الشرعية على عنصرية الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين وسيوقف قضية عودة النازحين التي طُرحت في جميع المفاوضات منذ قيام الكيان الصهيوني عام 1948، بل يمكن القول أيضاً إن مبادئ بعض التيارات المُصلحة ستكون طي النسيان فإذا كان هناك القليل من الأمل في الماضي من أجل عودة النازحين وعملية السلام، فقد أصبحت هذه القضية الآن تحت ظل التمييز العرقي والعنصري للكيان الصهيوني.
تكريس العنصرية في الكيان الصهيوني
من التبعات الأخرى في سنّ قانون "الدولة اليهودية" هو تكريس الفصل العنصري في الأراضي المحتلة، وفي الواقع هناك مليون و800 فلسطيني، بمن في ذلك العرب الفلسطينيون والمسيحيون والدروز والشركس واتباع الأحمدية والعرب في البادية في الأراضي المحتلة، وهم يمثلون 21٪ من مجموع السكان البالغ 9 ملايين نسمة في حين يشكّل العرب الإسرائيليون 17.5٪ من السكان، والآن بموجب القانون الجديد سيتم التخلي عن اللغة العربية التي كانت من قبل واحدة من اللغات الرسمية في الكيان الصهيوني، وستحلّ محلّها اللغة العبرية حصراً، إضافة إلى ذلك، فإن فكرة الأمة والدولة الواحدة القائمة على تفضيل اليهود على الشعوب هي بوضوح تمييز عنصري عظيم في تل أبيب ضد غير اليهود، وفي المستقبل يمكن أن تشكّل ظلماً أكبر للأقليات.
انتهاء مشروع "قيام دولتين" وتجلّي الخيانة في محادثات السلام
إن من عواقب قانون "الدولة اليهودية القومية" الإعلان عن انتهاء مشروع قيام الدولتين بناءً على الاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وبموجب القانون الجديد فإن مدينة القدس بالكامل (غير مقسّمة إلى أجزاء شرقية وغربية) ستكون عاصمة الكيان الصهيوني، وسيكون لليهود الحق في إنشاء أماكن خاصة بهم في المدينة.
في حقيقة الأمر تم تمرير القانون في ظروف جعلت من إنشاء دولتين أمراً مستحيلاً إلى حد كبير بسب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ومع إقرار القانون الجديد في الكنيست يمكن التعبير عن نهاية قيام الدولتين، وبعد كل المجريات يمكن الآن التحدث بملء الفم عن خيانة أمريكا وبعض الدول العربية، والتي نتيجة لدعمها تل أبيب، وفّرت الأساس لإقرار مثل هذا القانون المناهض لحقوق الإنسان والمخالف للقوانين الدولية.
إيران تنفي قطع صادراتها من الكهرباء للعراق والجانب العراقي يؤكد التزامه بدفع جميع الدیون
إن الاحتجاجات الأخيرة التي قام بها المواطنون العراقيون في بعض المدن العراقية الجنوبية والوسطى، تُعد الحدث السياسي والاجتماعي الأكثر أهمية وذلك لأنه أثار الكثير من التساؤلات والمخاوف حول الأيدي الخفية الأجنبية التي أججت تلك الاحتجاجات في الساحة العراقية وبالإضافة إلى ذلك، فإن النهج الذي تعاملت به جمهورية إيران الإسلامية تجاه هذه الاحتجاجات وهذه الأحداث التي وقعت في العراق، يُعد أيضا أحد أهم القضايا التي كانت محور اهتمام العديد من المحللين السياسيين ووسائل الإعلام الغربية ولكشف الستار عن جذور هذه الاحتجاجات الشعبية العراقية ومعرفة موقف إيران تجاهها، أجرى موقع الوقت الاخباري لقاء صحفي حصري مع "إیرج مسجدي"، سفير جمهورية إيران الإسلامية في العراق وفي هذا اللقاء نفى السفير الإيراني في العراق جميع مزاعم بعض وسائل الإعلام المناهضة لإيران والتي أعربت بأن قطع إيران لصادراتها من الكهرباء للعراق كان سبباً في بدء هذه الاحتجاجات الشعبية.
الاحتجاجات العراقية لديها بُعد مدني واجتماعي
أعرب السفير الإيراني في العراق في هذا اللقاء الصحفي بأن الأسباب الرئيسية لظهور هذه الاحتجاجات الأخيرة في العراق، تكمن وراء مطالبة الشعب العراقي لحكومته بضرورة حل جميع مشاكل الرعاية الاجتماعية وخدمات الكهرباء والمياه ولذلك، فإن هذه الاحتجاجات ذات طبيعة مدنية واجتماعية، ويرى السفير الإيراني بأن الأسباب الأخرى وراء قيام هذه الاحتجاجات يرجع إلى أن أكثر المواطنين العراقيين غير راضين إلى حد كبير من أداء الحركات والأحزاب السياسية العراقية، التي لا تهتم بقضاياهم ومطالبهم.
الاحتجاجات في العراق عفوية، وهناك إمكانية لإساءة استخدامها من قِبل بعض التيارات السياسية
أكد السفير الإيراني في العراق على عفوية الحركة التي نظمتها بعض شبكات التواصل الاجتماعية، ولفت إلى أنه عندما بدأت حركة الاحتجاجات الاجتماعية، حاولت بعض القوى السياسية الدخول إلى الساحة، سعياً وراء كسب موجة هذه الاحتجاجات لصالحها وأعرب بأن الفرضية القائلة بأن تشكيل هذه الاحتجاجات المدنية العراقية قادتها بعض القوى الأجنبية وبعض الحركات السياسية الداخلية العراقية، مثل حزب "البعث"، غير صحيح إلى حد كبير، لأنه من ناحية، وفقا لبيان الأحزاب السياسية العراقية، رأينا أن الجميع يحترم إرادة الشعب العراقي ومن ناحية أخرى، أكدت جميع تلك الاحزاب على أنه من الضروري تجنب العنف وتهديد حياة المواطنين وتدمير الممتلكات العامة، لذلك يمكن القول أنه من الممكن استغلال التيارات الأجنبية لهذه الاحتجاجات ولكن هذا لا يعني أن الاحتجاجات كانت مصطنعة.
إيران لم توقف صادراتها من الكهرباء إلى العراق
أعرب السفير الإيراني في العراق فيما يتعلق بادعاءات زعمت بأن إيران قطعت صادراتها من الكهرباء للعراق بسبب ديون بغداد المتراكمة، حيث قال: "إن إيران تّصدر كمية معينة من الكهرباء إلى العراق، وفي الفصول التي تحتاج فيها المحافظات الإيرانية إلى استهلاك مقدار كبير من الكهرباء، فإنه من الطبيعي أن تخفض من صادراتها للعراق تماشياً مع الاستهلاك المحلي وفي الواقع، إن توقف إيران عن تصدير الكهرباء للعراق ليس صحيحاً بأي حال من الأحوال، ولكنه يتوقف فقط في ساعات معينة وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكهرباء في العراق متصلة في الليل بشكل كامل.
وأكد السفير الإيراني، قائلا: إن خفض إيران لصادراتها من الكهرباء للعراق لا يرتبط بأي شكل من الاشكال مع قضية ديون بغداد لطهران وهذه المسألة أثيرت في الاجتماعات الاخيرة التي عقدها المسؤولين الإيرانيين مع نظرائهم العراقيين، حيث اتفق الجانبان على أن إيران ستستمر في تصدير الكهرباء إلى العراق ولكنها ستخفض نسبة تصديرها عندما تزداد الضغوطات الاقتصادية عليها ولفت إلى أنه من الطبيعي أن تقوم طهران بخفض هذه الصادرات عندما يزداد الاستهلاك الداخلي.
كما ذكر سفير جمهورية إيران الإسلامية في العراق، فيما يتعلق بديون العراق تجاه إيران، أن الحكومة العراقية تقوم بتسديد ديونها في إطار جدول زمني تم الاتفاق عليه مسبقاً وعلى الرغم من وجود بعض العقبات التي تسببت في تأجيل مسألة الدفع، إلا أن الحكومة العراقية ملتزمة بتسديد جميع التزاماتها المتعلقة بالديون وبشكل عام، يمكننا التأكيد هنا بأن قضية الكهرباء وخفض إيران لصادراتها من الكهرباء للعراق، لا علاقة له بتلك الاحتجاجات التي خرجت في العديد من المدن العراقية.
تنفيذ الحكومة العراقية جميع مطالب المتظاهرين، هو الحل المناسب لهذه الأزمة
وفي الجزء الأخير من هذا اللقاء ، قال السفير الإيراني في العراق فيما يتعلق بواجبات الحكومة والأحزاب السياسية العراقية تجاه الاحتجاجات الأخيرة: "يجب على الحكومة والمسئولين العراقيين احترام جميع مطالب المواطنين العراقيين ووضع جميع مشاكلهم على رأس أولوياتهم، ومن الواجب على الحكومة العراقية أن لا تسمح للمتظاهرين بتخريب الممتلكات العامة ويجب على الحكومة العراقية أيضا معالجة جميع مشاكل الناس ووضعها على جدول أعمالها ولفت إلى أن هذا لا يعني أن جميع المشاكل سوف تُحّل بسرعة، لأنه ليس من الممكن القيام بأشياء عديدة في وقت قصير وأكد بأنه إذا ما رأى الناس أن الحكومة تكافح من أجل حل جميع مشاكلهم والتعويض عن أوجه القصور، فعندئذ سيتحرك الناس نحو ترسيخ الامن والأمان في مجتمعهم.
روحاني لترامب: لا تلعب معنا بالنار!
-حذّر الرئيس الإيراني حسن روحاني صباح اليوم خلال كلمة ألقاها في مؤتمر رؤساء الوفود الإيرانية الرئيس الأمريكي من "اللعب بالنار"، معلناً أن "على واشنطن أن تعلم أن السلام معنا هو السلام الحقيقي والحرب معنا هي أم كل الحروب".
وتناول الرئيس الإيراني في كلمته العلاقات مع أوروبا فقال: "كلما حاولت أوروبا الاقتراب أكثر من الاتفاق معنا لم يسمح البيت الأبيض بذلك"، مضيفاً: إن "من يفهم في السياسة قليلاً لا يقول إننا سنقطع صادراتنا النفطية فنحن لدينا مضائق كثيرة وهرمز واحد منها"، مشيراً إلى أن "واشنطن غير قادرة على تأليب الشعب الإيراني ضد الأمن والمصالح الإيرانية".
وحول تصدير النفط من الخليج الفارسي توجّه روحاني لترامب قائلاً: "نحن من ضَمن أمن الممرات المائية في المنطقة طوال التاريخ".
وحول موضوع حقوق الإنسان قال الرئيس الإيراني: إن "الحكومة الأمريكية الحالية تعمل بالتزامن على نشر الظلم في العالم والركض وراء مصالحها، مضيفاً: "لم يحدث من قبل مثلما يحدث اليوم أن البيت الأبيض ضد الحقوق الدولية، وضد العالم الإسلامي، والشعب الفلسطيني".
وأضاف الرئيس الإيراني: " لقد ادعوا كثيراً أن الاحتلال الإسرائيلي نموذج للديمقراطية في المنطقة ولكن أثبت اليوم أنه عبارة عن محور ومركز للفصل العنصري".
وفي ختام حديثه قال الرئيس الإيراني: "في الظروف الجديدة نسعى إلى تصحيح العلاقات مع السعودية والإمارات والبحرين".
يذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدد بفرض عقوبات وصفها بغير المسبوقة على طهران من بينها منع الدول العالمية من شراء النفط الإيراني.
تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي
كانت حصة أكبر الأحزاب في الانتخابات البرلمانية والبلدية التي شهدتها تونس منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2011 في حدود ثلث الناخبين، بينما كرّست بقية النتائج تصدع الطبقة السياسية وعمق صراعات «الإخوة الأعداء» داخل معظم التيارات الليبرالية والوطنية والإسلامية واليسارية. ومن ثم، مع اقتراب الموعد الرسمي لانطلاق الحملة الانتخابية لانتخابات 2019 البرلمانية والرئاسية، انفجرت شظايا الصراعات في كل الاتجاهات، وشارك فيها لأول مرة رئيسا الجمهورية قائد السبسي وأنصاره والحكومة يوسف الشاهد والموالون له.
بينما كان وزراء في «حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة يوسف الشاهد يستعرضون مؤشرات خروج تونس من أزمتها الاقتصادية الاجتماعية المتراكمة منذ 7 سنوات، فجّرت تصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي من جهة، وقيادات سياسية ونقابية من جهة ثانية، أزمة سياسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد كشفت احتدام المعارك مجددا حول قصر الرئاسة في قرطاج. وبخلاف كل المعارك السياسية السابقة، يبدو أن من بين أسلحة المتصارعين على الحكم، أو حلفائهم، الدفع في اتجاه شلل البلاد من خلال عمليات تخريب متزامنة... أدت إلى سلسلة من الإضرابات وعمليات قطع الماء والكهرباء وحركة النقل وإضرام النيران في الغابات والمزارع وغير ذلك من أعمال التخريب.
في الأثناء تعالت أصوات سياسيين بارزين مطالبة بحل البرلمان، واستقالة «رأسي» السلطة التنفيذية، وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها. فإلى أين تسير تونس؟ وهل تنجح مرة أخرى في الخروج من أزمتها بالطرق السياسية السلمية... أم تدفع نحو العنف والعنف المضاد فتفشل جهود البرهنة على قابلية نجاح الانتقال الديمقراطي السلمي في بلد عربي؟
لعل من أغرب ما في أزمات تونس المتعاقبة منذ الانهيار المفاجئ للدولة المركزية القوية في يناير (كانون الثاني) 2011. دوران غالبية قيادات الأحزاب والزعامات السياسية التقليدية في حلقات مفرغة، وعجز كل منها عن استقطاب أكثر من ربع أو ثلث الناخبين.
ولقد أكدت نتائج الانتخابات البلدية العامة التي نظمت في مايو (أيار) الماضي هذه الحقيقة، عندما فاز حزب «النداء» – أو «نداء تونس» - الذي أسسه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بنحو 22 في المائة فقط من المقاعد، مقابل 28 في المائة فقط لشريكه في الحكم حزب «حركة النهضة» (الإسلامي)، وذهب ثلث المقاعد لعشرات الأحزاب والقوائم المستقلة القريبة من اليسار الاجتماعي والليبراليين.
وكانت حصة أكبر الأحزاب في الانتخابات البرلمانية والبلدية التي شهدتها تونس منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2011 في حدود ثلث الناخبين، بينما كرّست بقية النتائج تصدع الطبقة السياسية وعمق صراعات «الإخوة الأعداء» داخل معظم التيارات الليبرالية والوطنية والإسلامية واليسارية. ومن ثم، مع اقتراب الموعد الرسمي لانطلاق الحملة الانتخابية لانتخابات 2019 البرلمانية والرئاسية، انفجرت شظايا الصراعات في كل الاتجاهات، وشارك فيها لأول مرة رئيسا الجمهورية قائد السبسي وأنصاره والحكومة يوسف الشاهد والموالون له.
استهداف مؤسسة الرئاسة
خلافاً لكل الأزمات السابقة منذ مطلع 2011، وبصفة أخص منذ انتخاب الباجي قائد السبسي رئيساً للجمهورية في أواخر 2014 وهو في الـ88 من عمره، استهدفت المعركة الجديدة المؤسسة التي يعتبرها الساسة والمثقفون والإعلاميون في تونس مؤسسة عليا وسلطة تحكيم. والقصد هنا مؤسسة رئاسة الجمهورية... و«الأب» الرمز ونجله حافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي للحزب الحاكم، الذي ترشحه أوساط كثيرة منذ 3 سنوات للعب دور سياسي وطني أكبر بعد والده.
في المقابل يستهدف تيار عريض من الزعماء النقابيين والسياسيين، بينهم الأمين العام لاتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي والمدير التنفيذي للحزب الحاكم حافظ قائد السبسي وأنصاره «الرأس الثاني» للسلطة التنفيذية أي رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي يحمله منتقدوه مسؤولية كل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية في البلاد ويطالبون منذ سنة بإقالته.
بل إن بعض زعماء حزب «نداء تونس»، مثل الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة سابقاً خالد شوكات، باتوا يتسابقون على الإدلاء بتصريحات صحافية توجّه اتهامات خطيرة لرئيس الحكومة، من بينها الانحياز إلى حزب «حركة النهضة» باعتباره صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان راهناً، ضد رئيس الجمهورية والحزب الذي كان من بين مؤسسيه وزعمائه قبل 4 سنوات.
الابن والأب
إلا أن رئيس الحكومة الشاهد والمقرّبين منه، مثل الوزير المكلف بالعلاقة بالبرلمان والعلاقات مع المجتمع المدني المهدي بن غربية - الذي استقال من منصبه قبل أيام - يحرصون على إبلاغ الرأي العام وصنّاع القرار بمعلومات تفصيلية عن النجاح الاقتصادي والمالي والأمني غير المسبوق الذي حققته الحكومة خلال النصف الأول من العام الجاري. وفي الوقت عينه، يحمِّل هؤلاء مسؤولية الأزمة السياسية التي يمر بها الحزب الحاكم إلى نجل رئيس الجمهورية المدير التنفيذي للحزب وليس إلى والده.
وفي سابقة نوعية، نُقل عن الشاهد أنه انتقد علناً في أكثر من مناسبة، داخل قصر قرطاج (الرئاسي) نجل الرئيس بحضور والده وزعيم «حركة النهضة» وقيادات نقابات العمال ورجال الأعمال. وذهب رئيس الوزراء إلى حد تحميل قائد السبسي الابن مسؤولية الأزمة السياسية التي يواجهها الحزب الحاكم والتي تسببت في تراجع شعبيته بنسبة 70 في المائة خلال انتخابات مايو الماضي مقارنة بانتخابات أواخر 2014. ويعتقد مراقبون بارزون مثل الإعلامي عبد اللطيف الفراتي والوزير السابق والجامعي الطيب اليوسفي ورجل الأعمال رؤوف الخماسي أن اصطفاف السياسيين والنقابيين والوزراء وراء جناحين متصارعين في السلطة، أحدهما بزعامة رئيس الجمهورية وابنه والثاني بزعامة رئيس الحكومة والموالين له، سيزيد من تعميق الأزمة السياسية في مؤسسات الحكم والمعارضة. وقد تستفحل هذه الأزمة في صورة انسحاب يوسف الشاهد وأنصاره من مؤسسات الحكم والبرلمان، وإعلانهم رسمياً تأسيس حزب سياسي جديد يخوض انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية تحت شعارات مثيرة من نوع «معارضة توريث» رئيس الجمهورية الحكم وقيادة حزب «النداء» إلى ابنه حافظ.
سباق نحو قصري قرطاج والقصبة
في هذا المناخ العام، الذي يذكّر قطاعاً من التونسيين والتونسيات بدور العائلات الحاكمة والأصهار والأبناء في الصراعات على الحكم إبان عهدي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، برزت أزمات سياسية جديدة داخل الحزب الحاكم والمعارضة. وتحرّك مقربون من رأسي السلطة التنفيذية للاستفادة من الأزمة وإعادة خلط الأوراق. إذ تصالح رئيس الجمهورية مع المنشقين عن حزبه والمتمرّدين السابقين عن ابنه مثل الوزير مدير الديوان الرئاسي السابق رضا بالحاج زعيم حزب «تونس أولاً»، والوزير المستشار السياسي السابق محسن مرزوق الذي أسس حزب «مشروع تونس» وأصبح يتزعم عملياً الكتلة الثالثة في البرلمان بعد «النهضة» و«النداء».
في الطرف المقابل بدأ رئيس الحكومة يوسف الشاهد وفريقه يستقطبون مزيداً من الأنصار ويخوضون معارك سياسية انتخابية على جبهتين: الأولى، إبراز نجاحات حكومتهم اقتصاديا وأمنياً (في الداخل والخارج) مقارنة بسابقاتها. والثانية، التلويح بخوض حملة جديدة ضد المتهمين بالرشوة والفساد والإثراء غير المشروع... والإيحاء بكون نسبة من المقرّبين من نجل الرئيس قد تشملهم الحملة، بمن فيهم بعض الرسميين والبرلمانيين وكبار الشخصيات العمومية. ويعتقد هؤلاء أن صغر سن الشاهد (44 سنة) مقارنة بمنافسيه، قد يكون ورقة رابحة جداً في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة لعام 2019. سواءً خاضها باسم «نداء تونس» أو باسم حزب جديد يؤسسه مع منشقين عنه وعن الحكومة. وفي كل الحالات تكشف الحملات الإعلامية المتبادلة بين رأسي السلطة التنفيذية وحلفاء الشقّين المتنافسين أن المعركة الانتخابية نحو قصري قرطاج والقصبة... بدأت بالفعل.
دعوة إلى الاستقالة
من ناحية أخرى، لعل من بين ما أثار انزعاجاً في صفوف المراقبين، داخل تونس وخارجها، أن انخراط القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف في السباق الانتخابي السابق لأوانه بين «الإخوة الأعداء» اقترن بدعوة رئيس الجمهورية رئيس حكومته إلى الاستقالة أو التوجه إلى البرلمان لطلب تجديد الثقة فيه وكسب حزام سياسي لحكومته. وفي المقابل، تعالت داخل بعض الصالونات ووسائل الإعلام أصوات مثقفين، منهم الإعلامي زياد كريشان، رئيس تحرير جريدة «المغرب» اليومية، تدعو رئيس الجمهورية إلى الاستقالة والدعوة إلى تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها قبل نهاية العام الجاري، وتنظيم الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر العام المقبل.
أصحاب هذا الموقف وزعماء سياسيون آخرون، مثل المحامي أحمد نجيب الشابي المرشح السابق للانتخابات الرئاسية في 2014. يدعون البرلمان إلى تعديل سريع للدستور بهدف توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، ومنحه حق اختيار رئيس حكومته ووزرائه من دون اللجوء إلى البرلمان، على غرار ما ينص عليه الدستور الحالي الذي يصف النظام الجمهوري التونسي بأنه «نظام جمهوري معدّل». وتلتقي مع هذا الموقف نسبياً مواقف عدد من كبار خبراء القانون الدستوري مثل العميد الصادق بلعيد والجامعي هيكل بن محفوظ والخبير القانوني ووزير التربية في الحكومة الحالية حاتم بن سالم.
المسكوت عنه
في مطلق الأحوال، يتضح أن المسكوت عنه بالنسبة لمحاور الصراع بين زعامات الحكم والمعارضة أكثر من المتفق عليه. وتكشف الحملات الإعلامية المتبادلة بين قيادات من حزب نجل الرئيس قائد السبسي وخصومها ومنافسيها في قيادات أحزاب وكتل «حركة النهضة» و«التيار الديمقراطي» و«مشروع تونس» و«الجبهة الشعبية» أن أوراقاً كثيرة اختلطت، وأن المسكوت عنه هو مطالبة أطراف كثيرة في الحكم والمعارضة للرئيس الباجي قائد السبسي ونجله حافظ ولزعماء «حركة النهضة» بإعلان زهدهم في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. بل لقد انطلقت حملات عنف لفظي بالجملة داخل المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام تستهدف قيادات «النهضة» وزعمائه التاريخيين... في أعقاب تصريحات أدلى بها بعضهم أوحت باحتمال ترشحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة. وانخرط في هذه الحملات مقرّبون من حافظ قائد السبسي من بين رموز الدولة والحزب الحاكم قبل 2011... مثل برهان بسيس، المدير السياسي لحزب نداء تونس، وعياض الودرني الوزير مدير الديوان الرئاسي في عهد زين العابدين بن علي. كذلك انخرط فيها معارضون سابقون لبن علي مثل ناجي جلول الوزير في حكومة الشاهد السابقة والقيادي سابقاً في «الحزب الديمقراطي التقدمي». وينحاز كل هؤلاء إلى الرئيس قائد السبسي ونجله حافظ والمقربين منها، ويطالبون بفك التحالف الذي يجمع «النداء» بـ«النهضة» في البرلمان والحكومة لأنهم يعتبرونه سبباً في تراجع شعبيتهم في الانتخابات البلدية الماضية.
«حكومة النهضة»؟
ولم تقف بعض الصفحات الاجتماعية ووسائل الإعلام عند هذا الحد، بل انطلقت في حملة واسعة ضد قيادات «حركة النهضة» مع المطالبة بطردها من مواقعها في الحكم والمعارضة وإقصائها مجددا من اللعبة السياسية، مع تحميلها المسؤولية السياسية لانتشار العنف والإرهاب في البلاد وهجرة مئات الشباب المتطرف دينياً وسياسيا نحو ليبيا وسوريا والعراق.
وكانت من بين مفاجآت الحديث التلفزيوني المثير للجدل الذي أدلى به الرئيس قائد السبسي إلى قناة تلفزيونية خاصة مساء الأحد 15 يوليو (تموز) الجاري أنه انتقد بقوة حكومة الشاهد، وأورد «أن كثيرين أصبحوا يعتبرونها حكومة حزب حركة النهضة»، رغم انتماء نحو 15 من وزرائها إلى حزب «النداء» الذي أسسه قائد السبسي في 2012 ويتزعمه حاليا نجله. وتبنى مثل هذا التقييم إعلاميون كبار بينهم الصحافي الهاشمي نويرة الذي اتهم مع رئيس الجمهورية رئيس الحكومة الشاهد «بالتضحية بالحزام السياسي السابق الذي كان يتمتع به مقابل حصوله على دعم من حزب النهضة بهدف تعطيل التصويت على سحب الثقة من الحكومة في البرلمان». ولقد اعترض برلمانيون ووزراء مقرّبون من حزب «حركة النهضة» على تلك الانتقادات وذكّروا بكون يوسف الشاهد من بين أبرز قيادات «نداء تونس» منذ تأسيسه... وكان مرشحه ومرشح الرئيس قائد السبسي لرئاسة الحكومة في 2016.
الدعم الدولي للشاهد
في هذه الأثناء، بحكم البُعد الدولي للتغييرات التي وقعت في أعلى هرم السلطة في تونس طوال العقود الماضية، تجري بعض حلقات الصراع على السلطة في تونس مجدداً في مقرات السفارات الأجنبية ومؤسسات صنع القرار الأوروبية والدولية. وعلى هذا المستوى، حصل رئيس الحكومة يوسف الشاهد مجدداً على دعم معنوي ومالي غير مسبوق من مؤسسات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية. وكانت الحصيلة ظفر الحكومة في وقت قياسي بمليارات من الدولارات لتغطية حاجاتها المالية واحتواء مطالب النقابات التي تضخم دورها والتي تخوض بدورها منذ أشهر حملة للمطالبة بإقالة الشاهد وكامل فريقه الحكومي.
«الكل ضد الكل»
هذا، وفي حين يبدو أن معظم التونسيات والتونسيين منشغلون بأجواء الإجازات الصيفية والشواطئ وحفلات الزفاف، وبالتأقلم مع غلاء الأسعار وتدهور خدمات الصحة والتعليم والنقل في القطاع العام ومع ظاهرة انقطاع الماء والكهرباء، يحذّر سياسيون من الأحزاب الحاكمة والمعارضة من تورّط النخب النقابية والسياسية التونسية مجدداً من تفجّر انتفاضة اجتماعية سياسية غامضة النتائج على غرار ما جرى في أواخر 2010 ومطلع 2011.
وحقاً، كشفت استطلاعات الرأي نزوع غالبية الشباب المهمّشين إلى دعم الأحزاب الصغيرة، مثل «التيار الديمقراطي» بزعامة محمد عبو وغازي الشواشي، و«الجبهة الشعبية» بزعامة حمة الهمامي، وحزب «حراك الإرادة» بزعامة الرئيس السابق المنصف المرزوقي، التي ترفع كلها شعارات راديكالية تعارض في آن معاً كلاً من حزبي النداء والنهضة.
لكن ما يخشاه الجميع هو تطوّر معركة رموز قصري الرئاسة والحكومة إلى معركة «الكل ضد الكل»، عوض خوض تنافس حول البرامج... من شأنه أن يفيد البلد والشعب بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وينقذ المشروع الحضاري التقدمي وما يُعتبر أول نموذج للانتقال الديمقراطي السلمي في دول ما عُرف بـ«الربيع العربي».
الخريطة السياسية الجديدة في تونس
حزب «نداء تونس»، بزعامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ونجله حافظ قائد السبسي، ولقد أعلن عدد من المنشقين عنه عودتهم إليه لضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة.
ويقترح بعض مؤسسي هذا الحزب الآن انسحاب نجل الرئيس حافظ قائد السبسي إلى الصف الثاني كي يتمكن الحزب من استيعاب عدد أكبر من الكفاءات والشخصيات الوطنية والسياسية.
حزب «مشروع تونس» الذي يتزعمه الوزير السابق محسن مرزوق مدير الحملة الانتخابية لحزب «نداء تونس» سابقاً. وهو يحتل المرتبة الثالثة (من الحجم التمثيلي) في البرلمان، واستقطب تياراً عريضاً من المنشقين. غير أنه لم يفز في الانتخابات البلدية في مايو الماضي إلا بنسبة ضعيفة من المقاعد.
حزب «حركة النهضة» الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البلدية خلال مايو الماضي – حاصلاً على 28 في المائة من المقاعد ـ وبات صاحب الكتلة الأولى في البرلمان بـ68 مقعدا من بين 217.
حزب «التيار الديمقراطي» بزعامة المعارض السابق المحامي محمد عبو، ولقد فاز بنحو 5 في المائة من المقاعد في الانتخابات البلدية. وهو حزب يساري يعارض بقوة كلاً من حزبي «النداء» و«النهضة».
كتلة «الجبهة الشعبية» اليسارية بزعامة حمه الهمامي وزياد الأخضر. تضم هذه الكتلة 15 حزبا يساريا وقوميا عربيا صغيراً ولديها في البرلمان 15 نائباً، واحتلت المرتبة الرابعة في الانتخابات البلدية خلال مايو الماضي. ولدى هذه الكتلة السياسية تأثير كبير في النقابات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.
كمال بن يونس
تقسيم مراحل الطفولة
تمهيد
إنّ تقسيم مراحل الطفولة له دور رئيس في العمليات التربوية؛ لأنّ كلّ مرحلة من المراحل التي يمرّ بها الطفل تُعتبر ظرفاً لبعض الأحكام التربوية الخاصّة بها. وهناك عدّة تقسيمات لمراحل الطفولة عند علماء النفس والتربية، وضعت وفق معاييرهم التي اعتمدوها في المقام ليستفيدوا منها في التربية والتحليل النفسي. وهذه التقسيمات وإن كانت ذات فائدة عملية من بعض الوجوه، إلا أنّنا نُريد تقسيم مراحل الطفولة بنحوٍ يُمكننا من الاستثمار الإيجابيّ فيه بالنسبة لتربية الطفل في ضوء المنهاج الإسلاميّ. وفي هذا الدرس سنتوقّف عند النظرة الإسلامية إلى مراحل الطفولة1، ثم نعرض في الفقرات الأخيرة ثلاث نماذج من التقسيمات الأخرى للطفولة.
تقسيم مراحل الطفولة في النصوص الإسلامية
يُمكن ملاحظة مراحل الطفولة من زاويتي نظر في النصوص الإسلامية:
التقسيم الاستقرائيّ حسب المراحل
نقصد بالتقسيم الاستقرائيّ: تتبّع النصوص الشريفة للخروج بخلاصات عامّة عن تقسيم مراحل الطفولة - بالمعنى الأعم من الحقيقيّ والمجازيّ - بالنسبة لما يتعلّق بالتربية. ويُمكن تصنيفها بالاستقراء على النحو التالي:
1- مرحلة حسن اختيار كلٍّ من الزوجين للآخر.
2- مرحلة الجماع، ما قبل الحمل الواقع منه تكوين الجنين.
3- المرحلة الصلبية، وحياة الطفل - بصورتها الأوّلية - تبدأ من النطفة التي هي مادّة حاملة للفعلية القريبة الواقعة على صراط تكوين طفل فعليّ الوجود لاحقاً، يقول تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾2.
4- المرحلة الجنينية أي مرحلة الحمل.
5- المرحلة من 0 يوم حتى 7 أيام.
6- مرحلة الرضاع، من 0 سنة حتى 2.
7- مرحلة الحضانة، مرحلة ما قبل التمييز، من 0 سنة حتى 2/7 سنوات.
8- مرحلة التمييز، من 7 حتى البلوغ.
وقد تُضاف إليها بالاعتبار حكماً لا موضوعاً مرحلة تاسعة، هي:
9- مرحلة البلوغ السفهيّ غير الرشيد، التي يُمكن اعتبارها ملحقة بمرحلة الطفولة في بعض أحكام فقه التربية، لأنّ دخول الطفل إلى مرحلة البلوغ يكون على نحوين:
الأوّل: أن يدخل مرحلة البلوغ وهو رشيد، بمعنى أن تكون للبالغ ملكة نفسانية تقتضي تصرّفه ضمن حدود الصلاح اللائق بأفعال العقلاء، أي المرحلة التي يُحسن فيها التصرّف في شؤون نفسه وبدنه وماله بنحو يراه العقلاء عملاً مقبولاً، فلا يكون لأحد ولاية عليه.
الثاني: أن يدخل مرحلة البلوغ وهو غير رشيد، بمعنى أنّه لا يُحسن التصرّف في نفسه وماله وشؤونه، فلا تنفذ جميع تصرّفاته بحقّ نفسه بشكل مستقلٍّ على نحو الموجبة الكلية، بل يحتاج إلى رعاية الوليّ الشرعيّ، ويلحق بالطفل من جهة بقاء وليّه السابق مستمرّ الولاية عليه3. - سيأتي بحث هاتين النقطتين في الدرس الخامس عشر -.
ونُعيد التذكير، بأنّ هذا التقسيم للمراحل، ليس استنسابياً أو جزافياً، بل يترتّب على كلّ مرحلة منه أحكام وتشريعات فقهية وتربوية خاصّة4.
الطفولة في اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل
ورد في المادّة الثانية من ميثاق الطفل في الإسلام، الصادر عن اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل5، ما نصّه:
1 - تشمل رعاية الشريعة الإسلامية للطفل المراحل التالية:
1- اختيار كلٍّ من الزوجين للآخر.
2- فترة الحمل والولادة.
3- من الولادة حتّى التمييز (مرحلة الطفل غير المميّز).
4- من التمييز حتّى البلوغ (مرحلة الطفل المميّز).
وتنشأ للطفل في كلّ من هذه المراحل حقوق تُلائمها6.
وهو تقسيم مقبول إلى حدٍّ ما، ونُسجّل عليه ملاحظة، وهي أنّه لم يُفصّل في ذكر عناوين المراحل، كالمرحلة الصلبية، والجُماعية، والأسبوعية، والرضاعية، والحضانية و... بل بقيت مطوية في تقسيم المراحل الأخرى، مع أنّ لها أحكاماً وتشريعات خاصّة بها بعنوانها.
2- تقسيم الـ: "ثلاث سبعات"
التقسيم الثاني الذي يُمكن أن يُستفاد من الروايات بشكل واضح هو التقسيم المعروف بـ: "ثلاث سبعات".
- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "الولد سيّد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين، فإن رضيت خلائقه7 لإحدى وعشرين سنة، وإلا ضرب على جنبيه8، فقد أعذرت إلى الله"9.
- وعن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "يُربّى الصبي سبعاً، ويؤدّب سبعاً، ويُستخدم سبعاً..."10. وفي لفظ آخر: "يُرخى الصبي سبعاً..."11.
- وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: "دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدّب سبع سنين، وألزمه نفسك سبع سنين، فإن أفلح، وإلا فلا خير فيه"12.
- وعنه عليه السلام، قال: "الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلّم الكتاب سبع سنين، ويتعلّم الحلال والحرام سبع سنين"13.
وقريب منها:
- عنه عليه السلام، قال: "دع ابنك يلعب سبع سنين، وألزمه نفسك سبعاً، فإن أفلح وإلا فإنّه ممّن لا خير فيه"14.
- وعنه عليه السلام، قال: "أمهل صبيّك حتّى يأتي له ستّ سنين، ثمّ ضمّه إليك سبع سنين، فأدّبه بأدبك، فإن قبل وصلح، وإلا فخلِّ15 عنه"16.
سرّ السنوات السبع الأولى
يظهر من خلال الروايات السابقة أنّ مرحلة السبع الأولى من حياة الطفل لها ميّزة خاصّة، لأنّ الطفل في هذه المرحلة قد خرج إلى عالم الحياة جاهلاً ضعيفاً فاقداً لكلّ كمال فعلي لا يملك أيّ تصوّر عن هذا العالم وليس لديه أيّ انطباع أو شعور واتّجاه نفسيّ انفعاليّ عنه أو أيّ مهارة سلوكية فيه، ويبدأ رحلته في اكتساب المعارف والقيم والاتجاهات والميول والمهارات والسلوكات المختلفة في الساحات المتعدّدة بالتدريج، وبطبيعة الحال يحتاج إلى فترة زمنية معيّنة ليتمّ له اكتساب تلك الأمور بنحو يصل إلى مرحلة عمرية يُصبح فيها قادراً على التمييز بين ما هو إيجابيّ وسلبيّ ولو بنحو إجماليّ، ويكوّن صورة أوّلية عن مفهوم الخطأ والصواب والحسن والقبيح والضارّ والنافع من تلك الأمور، فيحتاج في هذه المرحلة الأولى إلى إعطائه هامشاً من الحرّية والفسحة لأجل اكتشاف نفسه والأشياء المحيطة به، ولبناء خطوط علاقاته معها.
لذا، كان التوجيه التربويّ الإسلاميّ لوليّ أمر الطفل نحو إعطاء الطفل هامشاً من الحرّية وعدم تقييده بلوائح كثيرة من الممنوعات حتّى لا تُحاصر قدرته على اكتشاف الأشياء والتعرّف إليها ولمسها واختبارها بشكل شخصيّ، فعبّرت الروايات عن هذه المرحلة بعبارات مثل: "سيّد"، "أمهل"، "يرخى".
وباعتبار أنّ القدرة الاستكشافية لدى الطفل يتمّ إشباعها من خلال ما فطره الله تعالى عليه من أسلوب اللعب والنشاط الحركيّ، حثّت الروايات على ترك الطفل يعيش حياته بمناخ من اللعب، وبعد أن يمرّ الطفل بهذه المرحلة من اللعب والإمهال والإرخاء ليكتشف العالم المحيط به ويختبره يصل إلى مرحلة امتلاك قدرة التمييز بين الإيجاب والسلب، فيخرج من تلك المرحلة الأولى ويدخل في الثانية. وقد قدّرت الروايات المرحلة الأولى بـ 7 سنوات، وهذا ما أثبتته التجربة التربوية والنفسية كما سنوضحه في درس التربية باللعب، فترك الطفل في المرحلة الأولى من حياته بهذا النحو هو بحدّ نفسه تربية.
خصوصية دخول الطفل في سنّ السابعة
إنّ لسنّ السابعة ميّزة خاصّة في النصوص الدينية، وهذا يُشير إلى أنّها نهاية مرحلة عمرية خاصّة وبداية أخرى بالنسبة للطفل، فالسبع الأولى هي مرحلة اللعب والإمهال (لا الإهمال)، أمّا السبع الثانية فهي بداية مرحلة التعليم والتأديب (الانتقال إلى مرحلة جديدة من التربية) كما اتّضح من النصوص السابقة. ونذكر بعض الروايات التي توضح خصوصية هذا السنّ.
ففي التربية الجنسية:
- عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "فرّقوا بين أولادكم في المضاجع إذا بلغوا سبع سنين"17.
- وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "... الغلام لا يُقبِّل المرأة إذا جاز سبع سنين"18.
وفي التربية العبادية:
- عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "... مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين"19.
لذا، عبّرت الروايات عن السبع الثانية بـ: "العبد"، "أدّبه"، "ألزمه نفسك"...، لأنّها مرحلة جديدة تحتاج إلى أصول وأساليب وتقنيات مختلفة.
معايير تحديد مرحلة التمييز
نُركّز النظر حول معايير تحديد مرحلة التمييز بسبب الخصوصية التي تتمتّع بها مرحلة دخول الطفل في سنّ السابعة، بحيث يُصبح في الأغلب طفلاً مميّزاً. ومفردة الطفل المميّز أو التمييز لم ترد في نصٍّ دينيٍّ يدلّ على تحديد معناها حتّى يُعتمد كمعيار في المقام، لذا لا بدّ من الرجوع إلى مدلول الكلمة في اصطلاح الفقهاء، ومع استقراء نصوص الفقهاء نخرج بالآراء التالية:
المعيار الأول: 6-7 سنوات حتّى البلوغ
تبنّى غالبية فقهاء أهل السنّة المعيار الزمانيّ لتحديد مرحلة التمييز، فهي تمتدّ من سنّ الـ6-7 حتّى مرحلة البلوغ20، وهو رأي بعض فقهاء الإمامية، ولعلّ منشأ ذلك عندهم هو الروايات السابقة التي تُفيد كون سن الـ7 يُشكّل مرحلة جديدة لها مستلزمات خاصّة في حياة الطفل.
قال الشيخ الطوسيّ: "... وإن كان طفلاً يُميّز وهو إذا بلغ سبع سنين أو ثمان سنين فما فوقها إلى حدّ البلوغ..."21.
وقال العلّامة الحلّي: "إذا بلغ الطفل سبع سنين،... لأنّ هذا السنّ يحصل فيه التمييز من الصبي..."22.
وقال الشيخ جواد التبريزي: "التمييز هو أن يُميّز الشيء القبيح من غيره، ويكون غالباً إذا بلغ الولد ستّ سنين... إذا أكمل الطفل ستّ سنوات فهو مميّز"23.
وسُئل الشيخ التبريزي: هل هذا - تحديد ضابط الصبيّ المميّز بالستّ سنوات - من باب تشخيص الموضوع؟ فلو شخّص المكلّف أنّ ابنه لم يُميّز (حتّى بعد بلوغ الستّ) يعتمد على تشخيصه أم لا؟ أجاب: "هذا التحديد وارد في الروايات"24.
المعيار الثاني: معرفة الحسن من القبح
قال الشهيد الثاني: "المراد بالمميّز مَنْ يعرف الأضرّ من الضارّ والأنفع من النافع، إذا لم يحصل بينهما التباس بحيث يخفى على غالب الناس"25.
وقال السيد محمد رضا الكلبايكاني: "الصبيّ إذا ميّز الحسن من القبيح، وفهم ما يفهمه الكبار فهو مميّز"26.
وقال الشيخ محمد علي الآراكي: "المميّز هو القادر على تشخيص القبيح والحسن"27.
وليس المراد من التمييز أن يكون الطفل قادراً على التفرقة بين الحسن والقبيح والضارّ والنافع بشكل تفصيليّ وإنّما يكفي التمييز الإجماليّ.
وقد يُقال إنّ المعيار السابق لا يختلف عن هذا المعيار، لأنّه وكما عبّر الشيخ جواد التبريزي: التمييز هو أن يُميّز الشيء القبيح من غيره ويكون غالباً إذا بلغ الولد ستّ سنين، فيكون تحديد الفقهاء له بـ6 أو 7 سنوات من باب تشخيص المصداق، ولكن ينفيه أنّ جوابه بكونه وارداً في الروايات يوحي بأنّه من باب التعيين لا التشخيص.
ولكن مع ذلك، فإنّ صريح عبارات بعض الفقهاء ممّن يتبنّى هذا الرأي يُفيد كون تحديد مرحلة التمييز بالـ 7 من باب تطبيق المعيار (وهو قدرة الطفل على التفرقة بين النافع والضارّ) على الطفل الخارجيّ والتشخيص للمصداق، لا من باب التحديد والتعيين.
المعيار الثالث: مرجعية النظرة العرفية
قال السيد محمد جواد العاملي: "المرجع في المميّز إلى العرف، لأنّه المحكّم في مثله"28.
المعيار الرابع: اختلاف التمييز باختلاف متعلّق التكليف
سُئِل السيد علي السيستاني: ما هو ضابط الصبيّ المميّز في مسألة جواز النظر إلى عورته، وجواز نظره إلى عورة الغير، وكون عباداته صحيحة، والاعتماد على أخباره؟
أجاب: "يختلف المميّز في كلّ مكان، ففي الأول المراد بالمميّز الذي يتأثّر من النظر إلى العورة أو النظر إلى عورته لو التفت وتتحرّك غريزته نسبياً، وفي اعتبار صحّة عباداته الذي يُميّز التكاليف وأنّ الأمر من قِبَل الله تعالى ويُمكنه قصد القربة، وفي الاعتماد على إخباره بالنجاسة إذا كان ذا اليد، إذا كان مميّزاً قوي الإدراك لها"29.
المعيار الخامس: اختلاف المميّز باختلاف الزمان والمكان والأفراد
سُئل السيد علي الخامنئي دام ظله: جاء في بعض الأحكام للصبيّ المميّز بأنّه الصبيّ الذي يُميّز الحسن من القبيح، فما هو المراد من الحسن والقبيح؟ وما هي سنّ التمييز؟
أجاب: "المراد من الحسن والقبيح هو ما يكون كذلك بنظر العرف، مع ملاحظة ظروف حياة الصبيّ والعادات والآداب والتقاليد المحلّية، وأمّا سنّ التمييز فهو مختلف تبعاً لاختلاف الأشخاص في الاستعداد والإدراك والذكاء"30.
الاستنتاج:
إنّ ما تقدّم في أقوال الفقهاء ليس معايير متعدّدة، وإنّما هو معيار واحد تمّ تسليط الضوء عليه من زوايا مختلفة، والمعيار هو: أن يصل الطفل إلى مرحلة عمرية تُصبح لديه ملكة التمييز بنحو إجمالي بين الحسن والقبيح والضارّ والنافع في الحياة. وممّا لا شك فيه أنّ متعلّقات الحسن والقبح تختلف مجالاتها وساحاتها، فقد تتعلّق بأمور جنسية وأخرى سياسية وثالثة اجتماعية ورابعة مالية وخامسة عبادية... إلخ، وعليه سيختلف التمييز بلحاظ المتعلّق، كما سيتفاوت التمييز في الطفل نفسه بين شيء وآخر، وكذلك الأمر سيختلف التمييز بين طفل وآخر، وبين منطقة وأخرى... إلخ، ويكون مرجع تحديد أنّ هذا الطفل مميّز في هذا المجال أو ذاك هو النظرة العرفية الاجتماعية التي يعيش ويتحرّك الطفل داخل محيطها.
نعم، في الأعمّ الأغلب قد يكون بلوغ الطفل سنّ السابعة هو المُدخِل له إلى مرحلة التمييز لما ذكرناه في فقرتي: سرّ السنوات السبع الأولى وخصوصية دخول الطفل في سنّ السابعة، ولهذا ركّزت الروايات على هذه السنّ.
وعليه، فإنّ الضابط الكلّي لتحديد التمييز ليس زمانياً بل معرفيّ، إلا بناءً على المعيار الأول، على تفسير، أي تُحدّد مرحلة التمييز بالسنّ 6-7 من باب التعبّد بالنصّ الشرعيّ، فيكون ميزان دخول الطفل في مرحلة التمييز هو نفس السنّ بغضّ النظر عن الحالة المعرفية لابن سبع سنوات.
تقسيم الطفولة على أساس مراحل نمو المعرفة وتأثير البيئة على النموّ31
اعتمد هذا التقسيم جان بياجيه (1896-1980)، حيث سلّط الضوء في أبحاثه على مراحل الطفولة من خلال ربطها بعملية تكوين المعرفة المتأثّرة بالبيئة المحيطة بالطفل، فقسّمها إلى خمس مراحل، هي:
1- المرحلة الأولى: الذكاء الحسّيّ- الحركيّ: من صفر يوم إلى سنتين (0-2).
2- الثانية: مرحلة الصور العقلية: (2-4 سنوات).
3- الثالثة: مرحلة الذكاء الحدسيّ: (4-7 سنوات).
4- الرابعة: مرحلة العمليات الحسّية أو الذكاء المحسوس: (7-12 سنة).
5- والخامسة: الذكاء المجرّد، سنّ 13 وما فوق.
تقسيم مراحل الطفولة في مدرسة التحليل النفسيّ32
وهو التقسيم المعتمد عند سيجموند فرويد (1856-1939) وأتباع مدرسة التحليل النفسيّ:
1- ما قبل الولادة: صفر يوم إلى 250-300 يوم.
2- حديث الولادة: الأسابيع الأولى عقيب الولادة.
3- المرحلة الفميّة: السنة الأولى.
4- المرحلة الشرجية: 1-3.
5- المرحلة القضيبية: 2-5.
6- مرحلة الكمون: 5-10.
7- مرحلة ما قبل البلوغ: 10-12 سنة.
8- مرحلة المراهقة: 13-20 سنة.
تقسيم مراحل الطفولة على أساس الخصائص الجسمية33
1- المرحلة الجنينية: ما قبل الولادة: وتمتدّ من صفر يوم إلى 250-300 يوم.
- بويضة: من صفر يوم إلى أسبوعين.
- جنين: من أسبوعين إلى 10 أسابيع.
- جنين متكامل: من 10 أسابيع إلى الولادة.
2- مرحلة الولادة:
- حديث الولادة: الأسبوعان الأوّلان عقيب الولادة.
- المهد: من أسبوعين إلى عامين.
3- الطفولة: تمتدّ من: 3-12 سنة.
- المبكرة: 3-5 سنوات.
- الطفولة الوسطى: 6-10 سنوات.
- الطفولة المتأخّرة: 10-12 سنة.
4- المراهقة:
- المبكرة: 12-14.
- الوسطى: 14-17.
- المتأخّرة: 17-20.
وهذا الاختلاف بين الباحثين في تحديد مراحل الطفولة وتعيين أدوارها، إنّما هو بسبب اختلاف المعايير المعتمدة في هذا المجال، فمنها معايير معرفية، ومنها نفسية، ومنها فيزيولوجية...
* المنهج الجديد في تربية الطفل، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- أنظر: عجمي، سامر توفيق، عقوبة الطفل في التربية الإسلامية، الفصل الثالث.
2- سورة الطارق، الآيات 5-7.
3- الصدر، محمد صادق، ما وراء الفقه، ج5، ص58.
4- مع الإشارة أيضاً إلى أنّ هذا التقسيم لا يعني الفصل الهندسي بين المراحل، بل قد تتداخل بعض المراحل من حيث الزمان والأحكام، ولكن كلّ مرحلة لها علامات مميّزة لها في فقه التربية ستظهر في موضعها الخاص كانت هي الميزان والملاك في تبويب هذا التقسيم، فمثلاً مرحلة أسبوع الطفل هي جزء من مرحلة الرضاع لكن لها أحكام تربوية خاصّة بها من غير جهة الرضاع، ومرحلة الرضاع هي جزء من مرحلة ما قبل التمييز لكن لها أحكام خاصة بها من جهة الرضاع، وهكذا.
5- وهي إحدى لجان المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة.
6- يراجع: مناع، حقوق الطفل-الوثائق الإقليمية والدولية الأساسية، ص79.
7- في نسخة مكارم الأخلاق: "أخلاقه".
8- في نسخة مكارم الأخلاق: " فاضرب على جنبه".
9- العاملي، محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج21، ص476، ح27627. والطبرسي، الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، ص222.
10- من لا يحضره الفقيه، ج3، ص493، ح4746.
11- مكارم الأخلاق، ص223.
12- من لا يحضره الفقيه، ج3، ص493، ح4743.
13- الكافي، ج6، ص47، باب تأديب الولد، ح3.
14- م.ن، ح1.
15- خلِّ: فعل أمر من خلى يخلي، بمعنى ترك.
16- الكافي، ج6، ص47،ح2.
17- مكارم الأخلاق، ص223.
18- من لا يحضره الفقيه، ج3، ص437، ح4510.
19- الكافي، ج3، ص409، باب صلاة الصبيان، ح1.
20- يراجع: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج1، ص158. والنووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، ج9، ص361.
21- الطوسي، محمد بن الحسن، الخلاف، ج5، ص131.
22- تذكرة الفقهاء، ج4، ص335.
23- التبريزي، جواد بن علي، صراط النجاة، ج6، ص65.
24- صراط النجاة، م.ن.
25- العاملي، زين الدين بن علي، روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان، ج2، ص648.
26- الكلبايكاني، محمد رضا، إرشاد السائل، ص128.
27- الآراكي، محمد علي، المسائل الواضحة، ج2، ص91.
28- العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة، ج6، ص432.
29- السيستاني، علي، الاستفتاءات، ص125-126.
30- الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، ج2، ص300، مسألة 822.
31- يراجع: سليم، مريم، علم نفس النمو، ص44-45.
32- للتفصيل يراجع: ن.م.
33- يراجع: الأشول، عادل عز الدين، علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة، ص38.
تأثير الوراثة على هويّة الطفل
تمهيد
يعتبر عامل الوراثة من العناصر الرئيسة التي يتمّ البحث عن مدى تأثيرها في صناعة شخصيّة الطفل عند علماء التربية والنفس والاجتماع والبيولوجيا، فما هي الوراثة؟ وما هو الدور الذي تلعبه في رسم معالم ماهية الطفل؟
ما هي الوراثة؟
الوراثة في اللغة العربية من مادة (و ر ث)، بمعنى "أن يكون الشيء لقوم ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب"1. فالوراثة عبارة عن انتقال شيء جزءاً أو كلّاً من شخص أو موضوع إلى آخر مادياً أو معنوياً2.
والمدلول الاصطلاحيّ للكلمة لا يختلف في المضمون عن المعنى اللغويّ.
وقد أصبح موضوع الوراثة اليوم محوراً مستقلّاً لعلم خاصّ من فروع علم الأحياء أطلق عليه وليام باتسون مصطلح: "علم الوراثة" Genetics، ووظيفته دراسة الصفات التي يتمّ انتقالها من الآباء إلى الأبناء، وكيفية ذلك الانتقال، وتفسير أسباب التشابه والاختلاف بين من تجمعهم صلة القرابة.
التكوين البيولوجيّ للكائن الحيّ
ابتدأت أوّليات الأبحاث العلمية المعتمدة على الملاحظة الحسّية حول الوراثة مع غريغور مندل Gregor Mendel في منتصف القرن التاسع عشر، حيث قام بمراقبة كيفية انتقال الصفات الموروثة من الآباء إلى الأبناء. وهكذا أخذ البحث في هذا العلم بالتطوّر شيئاً فشيئاً نتيجة التراكم الكمّيّ والكيفيّ في هذا المجال. وقد ساعد تطوّر البحث العلميّ، والتقدّم التقنيّ، خصوصاً في مجال صناعة الأجهزة المجهرية الدقيقة - الميكروسكوب الإلكترونيّ - وصناعة الكمبيوتر، في تسجيل واحد من أعظم الإنجازات البشرية في اكتشاف عظمة سرّ الله تعالى وقدرته في خلق الإنسان، ألا وهي قراءة الخارطة الوراثية وفكّ رموزها Gentic Ma pping، ومعرفة ترتيب المعلومات الوراثية الكاملة عند الإنسان من خلال تحديد نوع وتسلسل الجينات الموجودة في الحقيبة الوراثية (الجينوم)3.
ويؤكّد هذا الاكتشاف أهمّية إجراء الفحوص المخبرية اللازمة قبل الزواج من أجل الاسترشاد الوراثيّ الوقائيّ. وقد أُعطي الإنسان أيضاً القدرة على التدخّل عن طريق الجينات لتحديد جنس المولود ذكراً أو أنثى، أو العبث وإيجاد التشوّهات الخلقية، أو جعل الإنسان أكثر شبهاً لأمّه أو أبيه... إلخ.
كما يُشكّل هذا الاكتشاف الخطوة الأولى على طريق إعطاء الإنسان قدرة أكبر على التحكّم في الحدّ من الأمراض ذات الصلة بالناحية الوراثية من حيث قابلية الإصابة بها، ولكن ما زالت الطريق طويلة في هذا السياق وتحتاج إلى الكثير من الأبحاث وتراكم الجهود البشرية.
وقد زرعت يد الله تعالى هذا القانون الوراثيّ الطبيعيّ كميزة وجودية في الكائنات الحيّة لضمان الحفاظ على وحدة الصور النوعية لها، ونقل الصفات والخصائص البيولوجية (كلون البشرة والعينين والشعر، وفصيلة الدم، وشكل الجسد...). كما يسمح هذا القانون الوراثيّ بنقل الأمراض القابلة للانتقال، من الأصل إلى الفرع.
والبحث عن فقه تطبيقات علم الوراثة له مجال واسع في الدراسات الفقهية المعاصرة، مثل تحديد النسب، وتحديد جنس المولود، وتحديد التشوّهات الخلقية المجوّزة للإجهاض، والاستنساخ...
رأي العلماء المسلمين في قانون الوراثة بيولوجياً
من المسائل الثابتة في البحث البيولوجيّ، أنّ الإنسان يورّث الخصائص الجسمانية لذريّته. ولا ريب عند أحد من العلماء المسلمين في صحّة وبداهة قانون الوراثة الطبيعيّ فيما يتعلّق بنقل الخصائص والصفات الجسمانية من الآباء والأجداد للأبناء والأحفاد، مؤكّدين أنّ هذا ما كشفت عنه الأحاديث النبوية، خصوصاً الوارد فيها لفظ: "العرق"، منها:
عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "أتى رجل من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: هذه ابنة عمّي وامرأتي، لا أعلم منها إلا خيراً، وقد أتتني بولد شديد السواد، منتشر المنخرين جعد قطط4، أفطس الأنف، لا أعرف شبهه في أخوالي ولا في أجدادي.
فقال-النبي صلى الله عليه وآله وسلم- لامرأته: ما تقولين؟
قالت: لا والذي بعثك بالحقّ نبيّاً ما أقعدت مقعده منّي - منذ ملكني - أحداً غيره.
قال الإمام الباقر عليه السلام -: فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه مليّاً، ثم رفع بصره إلى السماء، ثم أقبل على الرجل فقال: يا هذا، إنّه ليس من أحد إلا بينه وبين آدم تسعة وتسعون عرقاً كلّها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروقوتسأل الله الشبه لها. فهذا من تلك العروق التي لم تُدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك.
خذي إليك ابنك. فقالت المرأة: فرّجت عنّي يا رسول الله"5.
وهناك عدّة روايات قريبة المعنى من هذه الرواية6.
ومنها: ما ورد في الحثّ على حسن اختيار الزوجة، كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "تخيّروا لنطفكم، فإنّ العرق دسّاس"7، حيث اعتبر بعض العلماء أنّ هذا الحديث يُسلّط الضوء على قانون الوراثة بشكل صريح باعتبار الترادف بين العرق والوراثة8. ومعنى العرق معروف، وهو أيضاً في اللغة أصل كلّ شيء وما يقوم عليه9، ودسّاس من الدسّ أي أدخل الشيء في الشيء بخفاء، ومفاد الحديث أنّ هناك خصائص معيّنة تنتقل بالنسب من الأصل وتدخل إلى الفرع.
رأي العلماء المسلمين في قانون الوراثة ذهنيّاً ونفسيّاً وسلوكيّاً
لكن يبقى السؤال: هل تشمل الوراثة انتقال الخصائص غير الجسمانية إلى الذرّية، كالخصائص الذهنية والصفات النفسية... إلخ؟ وعلى فرض انتقالها هل يُمكن للإنسان بإرادته الحرّة واختياره نقض قانون الوراثة الطبيعيّ؟
نُشير في البداية إلى مقدّمة منهجية في هذا السياق، وهي أنّ العلاقة بين جسد الإنسان وروحه هي علاقة الاتّحاد التفاعليّ، بمعنى أنّ روح الإنسان تؤثّر في بدنه، والخصائص البدنية للإنسان تؤثّر في روحه، وهذا يعني أنّ الإنسان الذي تكون له خصائص وصفات جسمانية معيّنة ستؤثّر على صفاته الذهنية والنفسية، فمثلاً إنّ بعض الغدد إذا أفرزت كمّية أكثر من المعتاد يؤدّي ذلك إلى سرعة الغضب عند الإنسان، وإذا أفرزت بكمّية أقلّ من المعدل الطبيعيّ يُلاحظ على الإنسان الارتخاء.
ويكشف لنا التطوّر العلميّ يوماً بعد يوم إمكانية السيطرة على مثل هذه الحالات في مرحلة ما من حياة الإنسان، فمثلاً إنّ مرض phenylketonuria الذي تنتج عنه أعراض التخلّف العقلي، هو قابل للتوارث، ولكن إذا تمّ اكتشاف المرض عن طريق الفحوصات المطلوبة في وقت مبكر كأن يكون قبل دخول الطفل في الشهر الثالث من عمره مثلاً، فإنّه يُمكن تجنّب تلك الأعراض بدرجة كبيرة، من خلال تجنّب تناول الأطعمة التي تحتوي على بروتينات خاصة تزيد من تراكم المادة الضارّة، والمتسبّبة في إحداث المرض نتيجة تأثيرها على خلايا المخ. وقد أظهرت متابعة العديد من الحالات نجاحاً كبيراً، وتقدّماً ملحوظاً في النموّ العقليّ، حتّى يكاد يصبح الطفل طبيعياً في سنّ الخامسة من عمره تقريباً10.
ونضرب مثالاً آخر في هذا السياق، وهو مرض ويلسون Wilson’s disease، وهو أحد الأمراض الوراثية العائد إلى اضطراب في التمثيل الغذائيّ للنحاس، بحيث يؤدّي تراكم النواتج الضارة للنحاس إلى تلف خلايا الجهاز العصبيّ، وأصبح من الممكن التحكّم بهذا المرض من خلال تناول عقار البنيسيلامين penicillamine.
وهناك أمثلة كثيرة لا تُحصى في العلاقة بين تصرّفات الإنسان وسلوكه وبين حالته الجسدية، وبعض هذه الخصائص الجسدية تنتقل إليه بالوراثة، وهذا ممّا لا شك فيه11.
وبالعودة إلى السؤال، صرّح العديد من العلماء المسلمين بهذا الخصوص بالإيجاب، معتبراً أنّ هناك خصائص ذهنية كالذكاء أو التبلّد والحمق...، ونفسية كالكرم والشجاعة وسوء الخلق...، تنتقل من الأصل إلى الفرع بالوراثة12. يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: "إنّ الآباء والأمّهات ينقلون قسماً من صفاتهم الجسمية والروحية إلى أبنائهم حسب قانون الوراثة الطبيعيّ"13.
ويقول الشيخ جعفر السبحاني: "إنّ الأولاد كما يرثون أموال الآباء وثرواتهم، يرثون أوصافهم الظاهرية والباطنية، فترى أنّ الولد يُشبه الأب أو العم، أو الأُم أو الخال... وعلى ذلك فالروحيات الصالحة أو الطالحة تنتقل من طريق الوراثة إلى الأولاد، فنرى ولد الشجاع شجاعاً، وولد الجبان جباناً إلى غير ذلك من الأوصاف الجسمانية والروحانية"14.
وواحدة من استدلالاتهم على ذلك نفس العبارة السابقة: "العرق دسّاس" أو "العرق نزاع"، مع إضافة روايات أخرى في هذا المجال، منها: عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "تزوّجوا في الحجز الصالح، فإنّ العرق دسّاس"15، والحجز هو الأصل والمنبت16, وبقرينة العرق دسّاس لا يكون المقصود بالحجز الصالح الصلاح بلحاظ البيئة، بل بلحاظ الوراثة، وهذا يعني أنّ الطفل يحمل من خصائص أمّه وأبيه الذهنية والنفسية والأخلاقية.
ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "انظر في أيّ شيء تضع ولدك فإنّ العرق دسّاس"17. وقد عقّب الإمام الخمينيّ قدس سره على هذا الحديث بقوله: "والمراد من الدسّاس أنّ أخلاق الآباء تصل إلى الأبناء"18، مضيفاً في هذا السياق الحديث الوارد عن الإمام عليه عليه السلام: "حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق"19.
ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "تخيّروا لنطفكم، فإنّ النساء يلدن أشباه إخوانهنّ وأخواتهنّ"20. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "استجيدوا الخال فإنّ العرق دسّاس"21.
وعنه: "اختاروا لنطفكم، فإنّ الخال أحد الضجيعين"22. وذلك لأنّ الولد يكسب من صفات أخواله وأخلاقهم بالوراثة. قال العلامة محمد باقر المجلسي معلِّقاً: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحد الضجيعين"، لعلّ المراد بيان مدخلية الخال في مشابهة الولد في أخلاقه، فكأنّ الخال ضجيع الرجل لمدخليّته فيما تولد منه عند المضاجعة من الولد..."23.
ومن الأدلّة على ذلك أيضاً، ما روي أنّ الإمام علياً عليه السلام حين قال لأخيه عقيل وكان نسّابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم: "انظر إلى امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب، لأتزوّجها، فتلد لي غلاماً فارساً. فقال له عقيل: تزوّج أم البنين الكلابية، فإنّهليس في العرب أشجع من آبائها. فتزوّجها الإمام علي"24، فأنجبت له أبا الفضل العبّاس الذي دافع عن أخيه الحسين عليه السلام في كربلاء بشجاعة حتى استشهد دونه.
وعن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "... ولا تُساكنوا الخوز، ولا تزوّجوا إليهم، فإنّ لهم عرقاً يدعوهم إلى غير الوفاء"25.
وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "لا تناكحوا الزنج والخزر، فإنّ لهم أرحاماً تدلّ على غير الوفاء"26.
وقد ذهب بعضهم أبعد من ذلك في قانون الوراثة، فمثلاً يرى الشيخ باقر شريف القرشي أنّ قانون الوراثة يشمل نقل الكفر والإلحاد من الآباء إلى الأبناء، مستشهداً على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارً﴾27، حيث يقول: "فالآية دلّت بوضوح على انتقال الكفر والإلحاد بالوراثة من الآباء إلى الأبناء"28.
تحديد الموقف من المسألة
لا ريب في أنّ لبعض الخصائص البدنية والأمراض الجسمية دوراً في الحالات الذهنية والصفات النفسية للإنسان كما أثبتت الأبحاث التجريبية والعلمية. وتقدّمت بعض الأمثلة سابقاً.
وانتقال تلك الخصائص والأمراض الجسمية بالوراثة للأبناء سيلعب دوراً في منحهم الحالات الناتجة عنها تبعاً لها.
كما أنّه لا ريب في أنّ صفات الآباء والأمّهات تلعب دوراً مؤثّراً في تكوين استعدادات خاصّة عند الطفل تجعله أقرب إلى بعض الصفات منها إلى صفات أخرى29. وهذا واضح في الروايات، وسيظهر خلال مسار الدروس اللاحقة. فإذا كان المقصود بمؤثّرية قانون الوراثة في الخصائص الذهنية والصفات النفسية والروحية للطفل هو إيجاد مثل هذه الأرضية الخاصة التي تجعل الطفل أكثر استعداداً للسير في اتّجاه معيّن فهو أمر مسلّم، ولكن إن كان المقصود هو انتقال الخصائص والصفات نفسها أي الكرم والشجاعة مثلاً بالوراثة من الآباء والأمهات إلى شخصية الطفل، فهذا ممّا يُمكن المناقشة فيه من جهة أنّ الطفل يولد خالي النفس من كلّ معرفة أو ملكة أخلاقية أو مهارية سلوكية، ثم يبدأ باكتساب المعارف بالتدريج، فما يكون مجهّزاً به بأصل الخلقة هو الاستعداد والقابلية دون نفس المعارف، وبذلك تخرج المعرفة، أمّا الملكات النفسانية الأخلاقية - والأثر المطلوب الناتج عنها - فهي عبارة عن كيفيات وصفات بطيئة الزوال تحصل نتيجة الممارسة المتراكمة لها حتى ترسخ في النفس، فيصدر عنها الفعل مناسباً لها، فتحتاج إلى الدربة والعادة والبيئة الحاضنة لنموّها، فالموروث هو الاستعداد الخاص دون نفس الصفات بما هي صفات، والاستعداد الخاص الموروث لا ينمو تلقائياً بل يتفتّح بالتربية والبيئة الحاضنة.
لذا يعتقد بعض العلماء بعدم وجود دليل على انتقال الصفات المكتسبة من الآباء والأمّهات إلى الأبناء، بل قام الدليلُ على العدم، يقول السيد محمد باقر الصدر في هذا السياق: "إنّ الصفات المكتسبة لا توّرث"30.
ولتوضيح هذه النقطة لا بد من بعض التفصيل، فبعد اتفاق العلماء البيولوجيين على أنّ الصفات غير المكتسبة تنتقل بالوراثة، وقع الخلاف بينهم في أنّ الصفات المكتسبة هل تورّث أم لا؟
وقد أجاب البعض أمثال جان بابست لامارك أنّ الصفات الجسمانية التي تحصل أثناء فترة حياة الكائن الحيّ تنتقل إلى نسله بالوارثة، وكذلك هو رأي تشارلز داروين. ولكن أبحاث علم الوراثة الحديث ترفض هذه النظرية. إلا أنّه ليست هذه النقطة هي موضع البحث، بل هي هل تنتقل الصفات الذهنية والخصائص النفسية المكتسبة بالإرادة من قِبَل الآباء والأمّهات إلى الأبناء؟
في الحقيقة، لا يوجد أيّ دليل علميّ تجريبيّ ولا وحيانيّ (قرآنيّ - روائيّ) على الانتقال الوراثيّ للخصائص النفسية المكتسبة بالإرادة من الآباء والأمّهات إلى الأبناء كما هي أي كصفات محصّلة بالاختيار، كما يدّعي بعض علماء النفس والاجتماع والأخلاق من أنّ الطفل يولد مجهّزاً بمجموعة صفات ناشئة من الوراثة كالخوف المفرط أو الميل إلى الاعتداء تعجز كلّ وسائل التربية والبيئة عن تغييرها، وكذلك الدليل التجريبيّ والوحيانيّ يُناقض الرأي المقابل الذي يعتقد أنّه لا دور للوارثة في بناء هويّة الطفل أبداً، وأنّه صنيعة التربية فقط.
لكلٍّ من الوراثة والبيئة دورها
أمام هذين الرأيين، يُمكن أن نختار رأياً ثالثاً وسطياً، يُعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه منهما ومن البيئة، فالوراثة لها دور واضح كما ورد في الأحاديث السابقة، والبيئة لها دور أيضاً، وكذلك التربية
لها دور، مضافاً إلى دور الإرادة الحرّة للإنسان نفسه، فإنْ كان المقصود بانتقال الصفات من الآباء إلى الأبناء، هو انتقال الصفات التي حصّلها الآباء بالإرادة الحرّة والاكتساب إلى الأبناء كما هي فهو أمر لا شاهد عليه، وإنْ كان المراد أنّ خصائص الأب أو الأم توجِد استعداداً خاصّاً وقابلية معيّنة عند الطفل للنمو تجعله يسير باتّجاه ما يُشابه الأب أو الأم فهو أمر تؤكّده النصوص الروائية المتقدّمة. مع الإشارة إلى أمرين مهمّين، وهما: أنّ الموروث أي الاستعداد الخاص لا ينمو تلقائياً بل يتفتّح بالتربية والبيئة الحاضنة، أولاً. وثانياً، إذا كانت الفطرة التوحيدية السليمة التي هي من أشدّ الاستعدادات الخاصة التي جُبلت عليها نفس الطفل قابلة لأن تُدفن وتُدس بسبب مؤثّرات التربية والبيئة وطبيعة الاستجابة الشخصية، فبالأولوية القطعية يكون هذا هو حال الاستعدادات الوراثية.
بين الوراثة والبيئة والتربية
وبهذا يتّضح أنّه يُمكن توجيه شخصيّة الطفل باتّجاه مغاير لما هو مكوّن عليه من استعداد خاصّ منقول إليه بالوراثة.
ولكن، كما وجد في البيئة اتّجاه حتميّ، كذلك نُلاحظ في الوراثة وجود اتّجاه حتميّ، إلى درجة اعتبر بعض العلماء مثلاً أنّ الخصائص العقلية للطفل مثل الذكاء تعود إلى عوامل وراثية
في الأغلب31، كما في دراسة هرندون (Herndon) سنة1954م، حيث أثبت أنّ دور الوراثة في تحديد الذكاء يتراوح بين (50 %-75 %)، وكذلك دراسة بيركز (Berkes)، ودراسة آثر جنسن (Jensen) الذي يعتبر أن حوالي (80 %) من الاختلافات بين الناس في الذكاء يُمكن تفسيرها بالفروق الوراثية المباشرة بين هؤلاء الناس.
وقد اتّضحت مناقشة هذا الرأي ممّا تقدّم سابقاً في نقد نظرية العامل الواحد في تفسير خصائص وصفات الطفل، لأنّ هناك مجموعة عوامل وعناصر تتداخل وتتفاعل فيما بينها لتُشكّل هوية الطفل، منها البيئة - وقد أُجري العديد من التجارب المعاكسة في هذا المجال، كالأبحاث التي أجراها جيزل ولورد والدراسة التي قام بها كيفر حول تأثير البيئة في الذكاء32-، وأهمّها التربية، فضلاً عن التفاعلات الداخلية لنفس المتربّي كعنصر إضافيّ إلى عاملي التربية والبيئة، "فثمّة مؤمنون ولدوا لآباء غير مؤمنين، وآخرون مفسدون وأشرار ولدوا لآباء من المتّقين الأخيار، ناقضين قانون الوراثة بإرادتهم واختيارهم"33.
هل كلّ الاستعدادات الموروثة قابلة للتغيير؟
يُمكن تقسيم الاستعدادات الموروثة إلى قسمين:
أولاً: استعدادات لها طبيعة بيولوجية إمّا محضة وإمّا تنعكس على الخصائص الذهنية كقلة الذكاء أو البلادة والحمق أو التخلّف العقليّ... كما تقدّم في بعض الأمثلة. واتّضح أنّه كلّما تقدّم التطوّر العلميّ عند الإنسان كان لديه قدرة أكبر على التحكّم بها. ولكن يبقى الكلام في عدم وفرة هذه الفرص عملياً بنحو يستطيعه كلّ الناس وفي أيّ دولة كانت، لذا ستبقى هذه الاستعدادات غير قابلة للتغيير.
ثانياً: استعدادات قابلة للتغيير والتعديل، بسهولة أو بصعوبة.
يقول الشيخ جعفر السبحاني في هذا السياق-بغض النظر عن المناقشة في بعضّ الأمثلة التي ذكرها -: "... أمّا الوراثة فهي ناموس مقبول في الجملة، ولكن لا يعلم حدودها سعة وضيقاً، فلا شك أنّ الأولاد يرثون الصفات الخلقية والروحية على وجه الإجمال، ولكن ما يتركه الآباء والأمهات في هذا المجال ينقسم إلى نوعين:
الأول: ما يفرض على الأولاد فرضاً لا يُمكن إزالته مثل الحمق، والبلادة، والعقل والذكاء، والجبن والشجاعة وغير ذلك ممّا لا يُمكن إزالته في الأغلب بالجهود التربوية والإصلاحية.
الثاني: ما يرثه الأولاد على وجه الأرضية والاقتضاء، وبصورة تأثير العلّة الناقصة، فيُمكن إزالة آثاره بالوسائل التربوية والطرق العلمية وذلك كالأمراض الموروثة كالسلّ وغيره، ومثل هذا القسم طائفة كبيرة من الروحيات كحالة الطغيان والتمرّد فإنّه يُمكن إزالتها برفع مستوى فكر الإنسان وعقليّته، وإيقافه على عواقب العصيان. فليس كل ما يرثه الأولاد من الآباء والأمّهات مصيراً لازماً وقضاء حتماً، بل هناك فوق بعض ذلك إرادة الإنسان واختياره وسائر العوامل التربوية المغيّرة لأرضية الوراثة"34.
فقابلية صفة ما للتوارث، ويطلق عليه بالمصطلح العلميّ Heritability، لا تعني عدم قابلية التغيّر، بل الصفات الوراثية لديها القابلية للتغيّر، ويصطلح عليه Variability.
* المنهج الجديد في تربية الطفل، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- معجم مقاييس اللغة، ج6، ص105.
2- التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج13، ص77.
3- ونوضح هذه الفكرة بشكل مختصر، يتركّب جسم كلّ كائن حيّ كالإنسان من مجموعة أجزاء صغيرة جداً يُطلق عليها اسم الخلايا الحيّة. وتحتوي كلّ خلية على نواة في داخلها، وفي
داخل النواة أجزاء تُسمّى: الكروموسومات chromosomeالصبغيات - وهي شريط من الحمض النوويّ DNA، يحتوي على الجينات gene. ومن هاتين الكلمتين تمّ اشتقاق مصطلح الجينوم genome، فهو يجمع بين gen وهي الأحرف الثلاثة الأولى لكلمة جين، والجزء الثاني هو الأحرف الثلاثة الأخيرة من كلمة كروموسوم وهي ome. والدلالة العلمية
لمصطلح الجينوم البشريّ: الخريطة الجينية البشرية أو الخريطة الوراثية أو الحقيبة الوراثية البشرية الموجودة داخل نواة الخلية، والتي تحمل الصفات والخصائص الوراثية للإنسان.
وعدد الكروموسومات في كل خلية 46، تحتوي الخلية التناسلية على نصف هذا العدد 23، وعندما يلتقي الحيوان المنويّ مع البويضة يُصبح العدد 46، أي أنّ نصفه يأتي من الأم، والنصف الآخر من الأب، وبالمقدار الذي تكون الصفات الوراثية بارزة في كروموسومات أيٍّ منهما يأتي الشبه للأب أو الأم.
4- جعد قطط: أي شعره شديد الجعودة.
5- الكافي، ج5، ص562.
6- أنظر: جامع أحاديث الشيعة، ج21، ص327- 328.
7- السرائر، ج2، ص559. والمحجة البيضاء، ج3، ص93.
8- فلسفي، محمد تقي، الطفل بين الوراثة والتربية، ج1، ص61. والجواهري، حسن، بحوث في الفقه المعاصر، ج3، ص162.
9- تاج العروس، ج13، ص324.
10- يراجع: عبد القوي، سامي، علم النفس البيولوجي، الفصل الخامس، مكتبة النهضة المصرية، 1997م.
11- يراجع: النظرة القرآنية للمجتمع والتاريخ، ص206-207.
12- يراجع مثلاً: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج3، ص126. والسبحاني، جعفر، أضواء على عقائد الشيعة الإمامية، ص115. والأبطحي، علي، الإمام الحسين في أحاديث الفريقين من الولادة إلى ما بعد الشهادة، ج2، ص5. والفياض، محمد إسحاق، منهاج الصالحين، ج3، ص41. والشيرازي، محمد الحسيني، الفقه البيئة، ص16. وعون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، ج10، ص359.
13- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج3، ص126.
14- السبحاني، جعفر، عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، ص33.
15- مكارم الأخلاق، ص197.
16- لسان العرب، ج5، ص332.
17- الهندي، علي المتقي، كنز العمال، ج15، ص855.
18- السبحاني، جعفر، لب الأثر في الجبر والقدر تقريراً لمحاضرات الإمام الخميني قدس سره، ص120.
19- عيون الحكم والمواعظ، ص228.
20- الجامع الصغير، ج1، ص503، ح3269.
21- ابن الأثير، المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج2، ص117.
22- الكافي، ج5، ص332.
23- المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج20، ص22.
24- ابن عنبة، أحمد بن علي، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص357. والأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج7، ص429.
25- علل الشرائع، ج2، ص393.
26- الكليني، الكافي، ج5، ص352.
27- سورة نوح، الآيتان 26-27.
28- القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، ط1، 1398هـ- 1974م، ج1، ص43.
29- يراجع: لب الأثر في الجبر والقدر، ص114.
30- فلسفتنا، ص312-315.
31- أنظر: ناصف، مصطفى، الوراثة والإنسان أساسيات الوراثة البشرية والطبية، سلسلة عالم المعرفة، العدد 100، ص135.
32- يراجع: فؤاد البهي السيد، الذكاء، ص 30-36. ومرسي، شفيق علاونة، سيكولوجية التطور الإنساني من الطفولة إلى الرشد، ص 190. وكمال إبراهيم، البيئة والوراثة وأثرها في الانحرافات النفسية والسلوكية، ص 223-252.
33- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج4، ص396.
34- السبحاني، جعفر، الإلهيات، ج1، ص662.
آية الله خامنئي: اذا منعت ايران من تصدير نفطها فلن يُصدّر اي نفط من المنطقة
شدد قائد الثورة الاسلامية آية الله السيد علي الخامنئي اليوم السبت أن تصريح الرئيس حسن روحاني خلال زيارته لأوروبا مؤخرا، وقوله "اذا لم تتمكن ايران من تصدير نفطها فسوف لن يتمكن أي بلد بالمنطقة من تصدير نفطه" تصريح مهم يعكس سياسة ونهج الجمهورية الاسلامية الايرانية.
هذا وجاء تصريح قائد الثورة الاسلامية خلال استقباله اليوم السبت وزير ومسؤولي وزارة الخارجية برفقة سفراء ايران في دول العالم.
وتابع سماحة القائد بالقول: نظراً إلى الظروف الراهنة والجبهة الواسعة التي تشكّلت لمواجهة الإسلام والجمهورية الإسلامية، تنطوي الجهود الدبلوماسية على أجر إلهي وفخر تأريخي ووطني في الدفاع عن أحقية الشعب الإيراني، الإنسان الغيور والصبور والعاقل في خضم التحديات يضاعف من جهوده ومن أعماله كمياً ونوعياً، ومن هذا المنطلق لابد وأن تتسع روح تحديث الأنشطة والفعاليات في الجهاز الدبلوماسي.
واستطرد بالقول: الحفاظ على السلامة الدينية والطهارة الروحية والمعنوية لأنفسكم ولأهليكم والالتزام قولاً وعملاً بالمسائل الشرعية تعد من أهم الواجبات لمسؤولي وكوادر وزارة الجارجية ولاسيما السفراء وأعضاء الممثليات الإيرانية في خارج البلد، يمثل الجهاز الدبلوماسي الجزء الرئيس لسياسة البلد الخارجية وواجهة نظام الجمهورية الإسلامية، ومن هنا يجب على مسؤولي وزارة الخارجية ولاسيما السفراء أن يلتزموا بمبادئ الإسلام وقيم الثورة أيما التزام وأن تعكس أفعالهم وأقوالهم هذه المبادئ والقيم.
واختتم القائد: الهدف الأساسي والحقيقي للعمل الدبلوماسي هو الحفاظ على المصالح الوطنية المقتبسة من مبادئ النظام وسياساته الرئيسية، والتعامل أو التقابل لا يشكلان إلا أساليب لتحقيق المصالح الوطنية. يتحدث البعض خاطئين عن ضرورة الفصل بين الدبلوماسية وبين الآيديولوجية، والحال أن الدبلوماسية الآيديولوجية لا ضير فيها، وإلقاء التقابل بين الآيديولوجية وبين المصالح الوطنية أمرٌ عارٍ عن الصحة والمنطق. ذلك أن الغاية من تأسيس الجمهورية الإسلامية هو الحفاظ على المصالح الوطنية والاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية والقوة والاقتدار والأمن القوي، والآيديولوجية تسعى وراء تحقيق وحفظ المصالح الوطنية.




























