Super User

Super User

يجري جاريد كوشنير، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جيسون غرينبلات، الأسبوع المقبل، جولة بالمنطقة تشمل إسرائيل ومصر والسعودية ودولاً أخرى.

وقالت القناة العبرية العاشرة، مساء الثلاثاء، إن كوشنير وغرينبلات سيناقشان، خلال الجولة، خطة السلام الأمريكية أو ما يعرف بـ "صفقة القرن".

وأشارت القناة العبرية إلى أن كوشنير وغرنبلات سيناقشان أيضًا الوضع الإنساني في قطاع غزة.

ونقلت القناة عن مسؤول أمريكي، وصفته بأنه رفيع المستوى، من دون تسميته، قوله إنه لا يتوقع أن يجتمع كوشنير وغرينبلات بمسؤولين فلسطينيين خلال زيارتهما للمنطقة، كما لم يحدد بقية الدول التي تشملها الجولة.

وكانت آخر زيارة لكوشنير لإسرائيل في مايو/ أيّار الماضي، عند حضوره افتتاح السفارة الأمريكية في القدس.

وفي 14 مايو/ أيّار الماضي، افتتحت السفارة الأمريكية رسميًا مقرها الجديد في القدس، ما أثار موجة استنكار عربية وعالمية.

وجاء افتتاح السفارة، تنفيذًا لإعلان ترامب في يناير/ كانون الثاني، باعتبار القدس بشقيها الشرقي والغربي عاصمة لإسرائيل، والبدء في نقل سفارة بلاده من تل أبيب للمدينة المحتلة.

و"صفقة القرن" هي خطة تعمل عليها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لمعالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر إجبار الفلسطينيين على تقديم تنازلات، بما فيها وضع مدينة القدس الشرقية، تمهيدًا لقيام تحالف إقليمي تشارك فيه دول عربية وإسرائيل، لمواجهة الرافضين لسياسات واشنطن وتل أبيب.

وترفض القيادة الفلسطينية "صفقة القرن"، كما ترفض أي انفراد أمريكي في الوساطة في عملية السلام المنهارة أصلا، عقب إعلان الرئيس الأمريكي، 6 ديسمبر 2017، اعتبار القدس (بشقيها الشرقي والغربي) عاصمة لإسرائيل.

أعلن زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، اليوم الثلاثاء، عن تشكيل تحالف جديد بين ائتلاف "سائرون"، الذي يدعمه، وائتلاف "الفتح" الذي يقوده هادي العامري.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده الصدر مع هادي العامري، في محافظة النجف (جنوب)، عقب اجتماع ثنائي، مساء اليوم.

وأضاف الصدر، "تحالفنا مع الفتح، ضمن الفضاء الوطني لتشكيل الكتلة الأكبر، مع المحافظة على التحالف الثلاثي".

وأعلن الصدر الأسبوع الماضي تحالفاً يضم سائرون وتيار "الحكمة" الوطني بزعامة عمار الحكيم، وإئتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي.

من جانبه، قال هادي العامري، خلال المؤتمر،: "لا توجد مشكلة لدينا في إعادة العد والفرز اليدوي، على أن تكون بنسبة 5 أو 10%".

ووفق النتائج المعلنة في مايو/أيار الماضي، حل تحالف "سائرون"، المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في المرتبة الأولى بـ 54 مقعدا من أصل 329، يليه تحالف "الفتح"، المكون من أذرع سياسية لفصائل "الحشد الشعبي"، بزعامة هادي العامري، بـ47 مقعدا.

وبعدهما حل ائتلاف "النصر"، بزعامة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، بـ42 مقعدا، بينما حصل ائتلاف "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي على 26 مقعدا.

السبت, 08 حزيران/يونيو 2019 10:28

عيد الفطر المبارک (1/ شوال/ من کلِّ عام )

معنى العيد لغةً واصطلاحاً

العيد في اللغة،([1]) مأخوذ من عاد بمعنى العود أي عاد إليه، فهو كل يوم يحتفل فيه بذكرى كريمة أو حبيبة، وفي الاصطلاح الإسلامي: هو الذكرى الّتي يجتمع المسلمون فيها ويبرزون إلى الله تعالى فيحمدونه على ما منّ عليهم من الرحمة فيه والمغفرة، وليس العيد في الإسلام للعب والتلهي، وارتداء أفخر الثياب وأغلاها ثمناً، والتلذذ بأصناف الطعام، وألوان الشراب، وعدم المبالاة بالأحكام والحدود الشرعية، كما درج على ذلك الناس في هذه الأزمنة، فالعيد في التشريع المقدس وإن كان لا يمنع من فرح المؤمن فيه، بل يدعو إليه، ولا يمنع من ارتداء الجديد، وأكل الطيبات، لكن لا يعني ذلك أن يرضى بجعل الطعام واللباس والسرور في العيد إلى درجة التفاخر والتباهي وبذل المال الكثير في تحصيله، بل لعل هذا العمل بداية لانحراف الكثير من الفقراء الّذين لا يتمكنون من جلب ما تراه أطفالهم من الطعام والثياب عند أطفال الأغنياء، فيقدم رب الأسرة ـ لما يداخله من رحمة بأطفاله ـ على جلب المال ولو من غير حلّه، أو إذا كان كثير التحفظ والتدين، فيقترض مبلغاً لعله يرهقه وفاؤه ويوجب التقصير على بيته وعياله، وقد لا يتمكن من وفائه، ويتنازع مع صاحبه فتفسد العلاقات الاجتماعية، ويمنع الإحسان ويسود التفكك في المجتمع الإسلامي. ولذا علينا جميعاً السعي لفهم المعنى الحقيقي للعيد، وما هي الواجبات الملقاة علينا تجاهه؟ وما هي أعياد الدين الإسلامي وفلسفتها؟ وقبل ذلك كله ينبغي أن نتعرف على مشروعية الأعياد في الإسلام، فنقول:

العيد حكم تشريعي خاص

ذكر العلماء المحققون أن الأحكام الإلهية لا يجوز الزيادة فيها أو النقيصة، فمثلاً الصلاة فرضها الله تعالى بالكيفية الّتي نعرفها، فلا يجوز أن نضيف عليها شيئاً، وإن كان مستحسناً، إذا كان ذلك الشيء الّذي تضيفه مما يخلّ بالهيئة التشريعية للصلاة، كإضافة ركعة إليها، فمثلاً أصلي الظهر خمسة ركعات، أو أضيف في كل ركعة ركوعين أو غير ذلك مما يخل بالكيفية المشروعة، نعم إذا كانت الاضافات غير مخلة بها فلا يضر، كما لو أكثرت الدعاء فيها، أو أطلت في سجودها وركوعها وقيامها على نحو لا يخلّ بالكيفية المشروعة، إذاً فالزيادة أو النقيصة في الأحكام الإلهية إذا كانت فهي غير جائزة، وهذا ما يصطلح عليه في عرف الفقهاء: أن الصلاة توقيفية، بمعنى أن تشريعها، بأجزائها وشرائطها وموانعها ومقدماتها موقوفٌ على إذن الشارع المقدس، فما لم يأذن به لا يجوز الادخال فيها أو الاخراج، وما نريد أن نعرفه الآن هو هل أن الأعياد توقيفية؟ أو أن كل إنسان أو مجتمع، أو قبيلة، يمكنهم تشريع العيد في يوم أو أيام يختارونها؟ ظاهر الفقهاء العظام أن الأعياد في التشريع الإسلامي توقيفي، بمعنى لا يحق لأحد أن يؤسس للمسلمين عيداً، وينسبه إلى الإسلام إلاّ أن يأذن به الشارع المقدس، مهما كان ذلك اليوم عظيماً عند الناس، نعم لو اعتبر عيداً باسم الوطن، أو المجتمع كيوم الانتصار، أو يوم أعد تكريماً لعظيم كالأم أو العالم الفلاني، أو ما شاكل ذلك، فلا يضر، ولكن لا يمكننا تحميله على الإسلام، بأن ينسب إلى الإسلام، ويعتبر من ضمن طقوسه، وممارساته، واختياراته. وهذه المسألة على مقدار من الأهمية ينبغي أن يلتفت إليها المجتمع المسلم، إذ كثيرا ًما نجد تأثير هذه الأعياد الّتي لم ينص عليها الإسلام إلى درجة، قد يتغافل عن مناسبة إسلامية تتعارض مع ذلك اليوم، لشدة شيوع عيد ذلك اليوم في مجتمع ما، فكم رأينا بعض المسلمين في مجتمع ما يحتفلون بيوم على أنه عيد متعارف عليه، في حين يعتبر ذلك اليوم ذكرى محزنة في الإسلام، وينبغي للمؤمن المسلم اظهار الحزن فيه لا الفرح والسرور.

الأعياد الإسلامية الأربعة

قال تعالی : (اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) ([2])

يستفاد من النصوص الإسلامية الروائية، أنّ أعياد المسلمين أربعة وهي :

1- عيد الفطر، وهو اليوم الأول من شوال، وهو عيد الافطار، وحلية الطعام والشراب في النهار، بعدما كان محظوراً في أيام شهر رمضان.

2- عيدالأضحى، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة بعد ما يقضي الحاج من المزدلفة إلى منى وهويوم النحر.

3- يوم الجمعة في كل اسبوع.

4- عيد الغدير، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يوم نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) إماماً للمسلمين.

وقد وردت الروايات الكثيرة في إثبات هذه الأعياد، أما الفطر والأضحى فهما محل إجماع واتفاق بين المسلمين جميعاً، وأما الجمعة، فقد ورد عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) : «عن رسول الله(ص) أنه قال: أن جبرئيل أتاني بمرآة في وسطها كالنكتة السوداء، فقلت له: يا جبرئيل ما هذه؟ قال: هذه الجمعة، قال: قلت، وما الجمعة؟ قال: لكم فيها خير كثير، قال: قلت، وما الخير الكثير؟ فقال: تكون لك عيداً ولأمتك من بعدك إلى يوم القيامة، قال (ص): قلت وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله مسألة فيها وهي لـه قسم في الدنيا إلاّ أعطاها، وإن لم يكن لـه قسم في الدنيا ادُّخِرت لـه في الآخرة أفضل منها، وأن تعوّذ بالله من شرّ ما هو عليه مكتوب صرف الله عنه ما هو أعظم منه»([3]).

وأما مشروعية عيد الغدير، فقد ورد في جملة من النصوص ما يدل عليه، نذكر منها رواية واحدة فقط، فقد سئل أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟ قال (عليه السلام):« نعم أعظمها حرمة»، قلت: وأي عيد هو جعلت فداك؟ قال: «اليوم الّذي نصب فيه رسول الله (ص)  أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، قلت: وأي يوم هو؟ قال: وما تصنع باليوم إنّ السنة تدور ولكنّه يوم ثامن عشر من ذي الحجة، فقلت: وما ينبغي لنا أن نفعل في ذلك اليوم؟ قال: تذكرون الله عز وجل فيه بالصيام والعبادة والذكر لمحمد وآل محمد، فإن رسول الله (ص)  أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتخذ ذلك اليوم عيداً، وكذلك كانت الانبياء (عليهم السلام)  تفعل، كانوا يوصون أوصياءهم بذلك فيتخذونه عيداً»([4]).

 

فلسفة الأعياد الإسلامية

بعدما عرفنا أن أعياد المسلمين أربعة: الفطر والأضحى والغدير والجمعة، ينبغي لنا أن نتعرف على معنى العيد في هذه الأيام، حيث أن العيد في الإسلام يحمل عناوين متعددة في حالات معينة، وهي كالآتي:

 

1ـ العيد هوالفرح بقبول الأعمال وغفران الذنوب

 لا شك في أن جميع الأعياد الأربعة لابد وأن تعبر عن فرح وسرور لكل فرد مسلم، ولكن ليس المراد بفرحة العيد لذات العيد، بل ما يحمله العيد من معان ومفاهيم عظيمة في الإسلام، فعيد الفطر يعني أن يفرح الإنسان الصائم القائم برضا الله عنه وقبوله لأعماله، لأن ذلك إن تحقق فيحقق للمؤمن فرحة ليس بعدها ولا قبلها فرحة، فهو ينعم بحنان الله عليه، أن لم يضيع لـه ما قدّمه في ذلك الشهر من الصيام والقيام والدعاء والمناجاة والصلاة، فعن علي (عليه السلام)  أنه قال في بعض الأعياد: « إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه، وشكر قيامه ..وكل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد »([5])

 فالفرح بغفران الله تعالى هو عيد الصائم القائم، وليس الفرح بالزينة والثياب وحلّ الطعام والشراب، يروى أنَّ سويد بن غفلة دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام)  في يوم عيد فإذا عنده خوان عليه خبز السمراء ـ أي الحنطة ـ وصحيفة فيها خطيفة وملبنة، فقال له: يا أمير المؤمنين يوم عيد وخطيفة؟! فقال (عليه السلام) : «هذا عيد من غفر لـه»([6])، لقد كان يظن سويد أنه لا تناسب بين الخطيفة ـ وهي اللبن الّذي يطبخ ويختطف بالملاعق بسرعة ـ وبين العيد، حيث إن معنى العيد كما يفهمه الناس توفير الطعام الجيد والثياب الفاخرة الجديدة، فأفصح الإمام (عليه السلام)  عن مكنون العيد وحقيقته، وأنه عيد المغفرة والقبول، لا عيد اللبس والطعام والشراب، وكما أن هذا المعنى قد سجلته النصوص في عيد الفطر، كذلك في عيد الأضحى، فهو عيد غفران ذنوب الحاج، وقبول حجه وسعيه، وقبول الرضا عليه.

فاللعب واللهو والانشغال في اللذائذ يفقد العيد قدسيته وعظمته ووقاره، ولهذا يروى أنه مرّ الإمام الحسن (عليه السلام)  في يوم فطر بقوم يلعبون ويضحكون، فوقف على رؤوسهم، فقال:« إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وقصّر آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من ضاحكٍ لاعب في اليوم الّذي يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا أنّ المحسن مشغول بإحسانه، والمسيئ مشغول بإساءته، ثم مضى»([7]).

وأما عيد الغدير فهو عيد البيعة، عيد إكمال الدين وإتمام النعمة، وقبول الإسلام ديناً خالداً، كما ورد ذلك بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)([8]).

 

2ـ العيد هو العودة إلى الله تعالى

 ومن المعاني العميقة الّتي يحملها العيد أنه يعبّر عن تحقق العودة إلى الله تبارك وتعالى، وأن أهل اللغة يقولون بأن معنى العيد من عاد ويعود، وهو ما يتناسب مع العودة إلى الله تعالى والرجوع إليه ذلك أن العابد إنما يقوم بطقوسه العبادية من الصيام والصلاة والدعاء والمناجاة لكي يعود إلى ربه ويرجع إليه بعد أن كان هارباً منه تاركاً لمراضيه، عازفاً عن الطاعة، ففي شهر رمضان يبدأ العبد بتطهير نفسه وقلبه وعقله حتى يرفع تمام الحجب المظلمة الّتي صنعها لنفسه مع ربه، وبالعيد يتحقق العود إلى الله والرجوع إليه، وكذا الحاج، فإنه بما يقوم به من فروض الطاعة من الاحرام والطواف والسعي والوقوف في عرفات والمزدلفة... يرجع ويعود إلى ربه تبارك وتعالى، ليعود الله عليه بالرحمة والمغفرة.

 

3ـ يوم العيد هوتذکار ليوم القيامة

 فقد ورد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)  خطب في يوم الفطربعد صلاة العيد فقال: «أيّها الناس، إنّ يومكم هذا يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون، وهو أشبه بيوم قيامكم، فاذكروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلاّكم خروجكم من الأجداث إلى ربّكم، واذكروا بوقوفكم في مصلاّكم وقوفكم بين يديّ ربّكم، واذكروا برجوعكم إلى منازلكم رجوعكم إلى منازلكم في الجنة،...عباد الله إن أدنى ما للصائمين والصائمات أن يناديهم ملك في آخر يوم من شهر رمضان: أبشروا عباد الله فقد غفر لكم ما سلف من ذنوبكم، فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون؟!([9]).

وعلى العموم فإن العيد في الإسلام يعتبر شعاراً من شعائر الله تعالى، فالفرح والسرور للتوفيق في العبادة، ولغفران الله تعالى الذنوب، ومن هذا المنطلق يعطي أمير المؤمنين بعداً عميقاً للعيد، فيعتبر أن الفرحة ليست منحصرة بالأعياد الأربعة، بل يمكن أن يحصل ذلك في كل يوم لا يعصى الله فيه، قال  الإمام علي(عليه السلام):  …«وكل يوم لا نعصي الله فيه فهو عيد»([10]).

 

صلاة العيد

من جملة أعمال يوم عيد الفطر وکذلک عيد الأضحی هو إقامة صلاة العيد يقول الإمام الخميني في تحرير الوسيلة: (صلاة عيد) الفطر و الأضحی واجبة مع حضور الإمام(عليه السلام)  ، وبسط يده وإجتماع سائر الشروط، ومستحبة في زمن الغيبة، والأحوط إتيانها فرادی في ذلک العصر،ولابأس بإتيانها جماعة رجاءً لا يقصد الورود،ووقتها من طلوع الشمس إلی الزوال، ولاقضاء لها لوفاتت، وهي رکعتان في کل منها يقرأ الحمد وسورة، والأفضل أن يقرأ في الأولی سورة الشمس وفي الثانية سورة الغاشية، أو في الأولی سورة الأعلی وفي الثانية سورة الشمس، وبعدالسورة الأولی خمس تکبيرات وخمسة قنوتات بعد کل تکبيرة قنوت ، ويجزي في القنوت کل ذکرودعاء کسائر الصلوات، ولوأتی بما هو المعروف رجاء الثواب لابأس به وکان حسناً، وهو:« اللهم أهل الکبرياء والعظمة ،.........إلی آخر الدعاء    ([11]).

 

([1])  معجم الوسيط: 635،و لسان العرب: مادة عيد.

([2]) سورة المائدة: 114 .

([3])  جامع الأحاديث: 146.

([4])  الكافي 4: 149 ح 3.

([5]) شرح نهج البلاغة 20: 73.

([6])  بحار الأنوار 40: 326 ،ح 7.

([7])  تحف العقول: 236.

([8]) سورة المائدة: 3.

([9]) الأمالي للصدوق:100، المجلس 21،مجموعة ورَّام2: 157، بحار الأنوار 92: 361،الباب36.

([10])شرح نهج البلاغة 20: 73، وسائل الشيعة 14: 460 باب 49 .

([11])  للتعرف علی کيفية إقامة صلاة العيد وأحکامها تفصيلاً راجع تحرير الوسيلة1: 241، کتاب الصلاة. 

في ما يلي النص الكامل للنداء الذي وجّهه قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي لمسلمي العالم:

 

بسم الله الرحمن الرحیم

والحمد لله ربّ العالمین، والصلاة والسلام علی سیدنا محمد خاتم النبیین، وآله الطاهرین وصحبه المنتجبین.

أحمد الله العظیم إذ مَنّ هذا العام أیضاً على جموع المؤمنین من أنحاء العالم کافة بتوفیق إقامة الحج والانتهال من هذا المعین العذب الفیاض، والاعتكاف في الأیام واللیالي ـ التي تُعدّ ساعاتها المغتنمة المبارکة إکسیراً معجزاً بوسعه تغییر القلوب وتطهیر الأرواح وتجمیلها ـ في جوار بیت الله العظیم وفي مواقیت العبادة والخشوع والذکر والتقرّب.

الحجّ عبادةٌ زاخرةٌ بالأسرار والرموز، والبیت الشریف موضعٌ طافحٌ بالبرکات الإلهیة ومظهرٌ لآیات الحق تعالى وبیّناته. وللحجّ أن یرتقي بالعبد المؤمن الخاشع المتدبّر إلى الدرجات المعنویة، وأن یصنع منه إنساناً سامیاً نورانیاً، وأن يجعل منه عنصراً ذا بصیرة وشجاعة وإقدام ومجاهدة. کلا الجانبین: معنوياً وسیاسياً، أو فردياً واجتماعياً واضحان بارزان في هذه الفریضة المنقطعة النظیر، والمجتمع الاسلامي الیوم بأمسّ الحاجة لکلا الجانبین.

من جهة یعملُ سحرُ النزعة المادیة علی الإفساد والإغراء باستخدامه الوسائلَ المتطورة، ومن جهة ثانیة تنشط سیاسات نظام الهیمنة لاختلاق الفتن وتأجیج نیران النزاعات بین المسلمین وتحویل البلدان الإسلامیة إلی جحیم من الخلافات وانعدام الأمن.

للحجّ أن یکون دواءً شافیاً لکلا هذین الابتلائین العظیمین الذَین تعاني منهما الأمة الإسلامیة، فهو یطهّر القلوب من الأدران، وینوّرها بنور التقوى والمعرفة، ویفتح کذلك العیون على واقعیات العالم الإسلامي المُرّة، ویُرسّخ العزائم لمواجهتها، ویُعزّز الخطوات، ویجعل الأیدي والأذهان مجنّدة للعمل.

یعاني العالم الإسلامي الیوم من انعدام الأمن أخلاقياً ومعنوياً، وكذلك سیاسياً. والسبب الرئیس لهذا هو غفلتنا وهجمات الأعداء الشرسة. نحن لم نعمل بواجبنا الدیني والعقلي مقابل هجوم العدو اللئیم. لقد نسینا (أشداء على الکفار) ونسینا أیضاً (رحماء بینهم). والنتیجة هي أنَّ العدو الصهیوني ما زال یثیر الفتن في قلب جغرافیا العالم الإسلامي، ونحن غافلون عن الواجب المحتوم لإنقاذ فلسطین، وانشغلنا بحروب داخلیة في سوریا، والعراق، والیمن، ولیبیا، والبحرین، وبمواجهة الإرهاب في أفغانستان وباکستان وأماکن أخرى.

يتحمّل رؤساء العالم الإسلامي والنخب السياسية والدينية والثقافية في العالم الإسلامي واجبات جسيمة منها: واجب تحقيق الوحدة وتحذير الجميع من النزاعات القومية والطائفية؛ وواجب توعية الشعوب بأساليب العدو ومكائد الاستكبار والصهيونية؛ وواجب تعبئة الجميع لمواجهة العدو في شتّی ساحات الحروب الناعمة والصلبة؛ وواجب الإيقاف الفوري للأحداث الكارثية بين البلدان الإسلامية من قبيل أحداث اليمن التي سبّبت صورها الشنيعة اليوم، الحزن والاعتراض في كل أرجاء العالم؛ وواجب الدفاع الحاسم عن الأقليات المسلمة المضطهدة كمظلومي بورما وغيرهم؛ والأهمّ من كل ذلك واجب الدفاع عن فلسطين والتعاون والتضامن، من دون قيد وشرط، مع شعب يكافح منذ نحو سبعين عاماً من أجل وطنه المغتصب.

هذه واجباتٌ مهمة تقع على عاتقنا جميعاً، وعلى الشعوب أن تطالب حكوماتها بها وعلى النخب أن يسعوا بعزمٍ راسخ ونيّةٍ خالصة لأجل تحقيقها. إنَّ هذه الأعمال لهي تجسيد قاطع لنصرة دين الله التي ستقترن مع النصرة الإلهية وطبقاً للوعد الإلهي بلا شك.

هذه جوانب من دروس الحجّ آمل أن نفهمها ونعمل بها.

أسأل الله تعالى لكم جميعاً حجّاً مقبولاً، وأحيّي ذكرى شهداء منى والمسجد الحرام، وأسأل الله الرحيم الكريم لهم علوّ الدرجات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السيد علي الخامنئي

7 شهريور 1396 هـ ش

7 ذي الحجة 1438 هـ ق

في ما يلي النص الكامل لنداء قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي للعام 1437:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين، وصحبه المنتجبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الإخوة والأخوات المسلمون في كل العالم.

موسم الحج موسم فخر وعظمة للمسلمين في أعين الخلائق، وموسم نورانية القلوب والخشوع والابتهال أمام الخالق. الحج فريضة قدسية ودنيوية وإلهية وجماهيرية، فالأمران الإلهيان: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبائكمْ أَوأَشَدَّ ذِكْرًا» (1)، و«وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ» (2) من ناحية، والخطاب الإلهي القائل: «الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ» (3) من ناحية أخرى، تنير كلها الأبعاد المتنوِّعة واللامتناهية للحج.

في هذه الفريضة المنقطعة النظير، يطمئنُ أمنُ الزمانِ والمكانِ قلوبَ الناس كعلامة بيّنة ونجم لامع، ويُخرِج الحاجَّ من حصار عوامل اللاأمن التي يهدِّد بها الظالمون المهيمنون جميعَ البشرية دائماً، ويذيقه لذةَ الأمان لفترة معينة.

الحج الإبراهيمي الذي أهداه الإسلام للمسلمين هو مظهر العزة والمعنوية والوحدة والعظمة، ويستعرض عظمة الأمة الإسلامية واتكالها على القدرة الإلهية الأبدية أمام أنظار الأعداء وذوي الطويّة السيئة، ويُبرِّز المسافة الفاصلة بين المسلمين وبين مستنقع الفساد والحقارة والاستضعاف الذي يفرضه العتاة والمتغطرسون الدوليون على المجتمعات البشرية.

الحج الإسلامي والتوحيدي مظهر «أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» (4). إنه موطن البراءة من المشركين، والألفة والوحدة مع المؤمنين. الذين يهبطون بالحجّ إلى سَفرة زيارية - سياحية، ويخفون عداءهم وحقدهم على الشعب الإيراني المؤمن الثوري وراء عنوان «تسييس الحج»، هم شياطين صغار حقراء ترتعد فرائصهم من تعرض مطامع الشيطان الأكبر - أمريكا - للخطر. الحكام السعوديون الذين صدّوا هذه السنة عن سبيل الله والمسجد الحرام، وسدّوا طريق الحجاج الإيرانيين الغيارى المؤمنين عن بيت الحبيب، هم ضالون مخزیّون يعتبرون بقاءهم على عرش السلطة الظالمة رهناً بالدفاع عن مستكبري العالم، والتحالف مع الصهيونية وأمريكا، والسعي لتحقيق مطالبهم، ولا يتورّعون في هذا السبيل عن أية خيانة.

تمضي اليوم قرابة السنة على أحداث منى المدهشة، التي قضى فيها عدة آلاف نحبهم مظلومين في يوم العيد، وبثياب الإحرام، تحت الشمس، وبشفاه ظامئة. وقبل ذلك بفترة وجيزة تضرّج عددٌ من الناس في المسجد الحرام بدمائهم وهم في حال عبادة وطواف وصلاة. الحكام السعوديون مقصّرون في كلا الحادثتين، وهذا شيء أجمع عليه كل الحاضرين والمراقبين والمحللين التقنيين. وقد طرحتْ ظنونٌ من قبل بعض المختصين حول عمدية الحادث. ومن المؤكد والقطعي وجود تعلل وتقصير في إنقاذ أرواح الجرحى الذين ترافقت أرواحهم العاشقة وقلوبهم المشتاقة في يوم عيد الأضحى مع ألسنتهم الذاكرة لله والمترنّمة بالآيات الإلهية. لقد زجّهم الرجال السعوديون المجرمون القساة القلوب مع الموتى في كانتينرات مغلقة، وقتلوهم شهداءً بدل معالجتهم ومساعدتهم أو حتى إيصال الماء لشفاههم الظامئة. فقدتْ عدةُ آلاف من العوائل من بلدان مختلفة أحباءها، وفُجعت شعوبها. وقد كان هناك قرابة الخمسمائة شخص من الجمهورية الإسلامية بين هؤلاء الشهداء. ولا تزال قلوب العوائل جريحة مكتوية، ولا يزال الشعب حزيناً غاضباً. 

وبدل أن يعتذر حكام السعودية ويبدوا ندمهم ويلاحقوا المقصّرين المباشرين في هذه الحادثة المهولة قضائياً، تملّصوا بمنتهى الوقاحة وعدم الخجل حتى من تشكيل هيئة تقصّي حقائق دولية إسلامية. وبدل الوقوف في موضع المتهم وقفوا في موضع المدّعي، وأعلنوا بخبث واستهتار أكبر عن عدائهم القديم للجمهورية الإسلامية ولكل راية إسلامية مرفوعة ضد الكفر والاستكبار.

أبواقهم الإعلامية، سواء الساسة الذين تعدّ تصرفاتهم حيال الصهاينة وأمريكا عاراً على العالم الإسلامي، أو مفتوهم غير الورعين وآكلو الحرام الذي يفتون علانية بخلاف الكتاب والسنة، إلى مرتزقتهم الصحافيين الذين لا يمنعهم حتى الضمير المهني من الكذب وصناعة الأكاذيب، تسعى عبثاً إلى اتهام الجمهورية الإسلامية بحرمان الحجاج الإيرانيين من حجّ هذه السنة. الحكام المثيرون للفتن الذين ورّطوا العالم الإسلامي في حروب داخلية وقتل وجرح للأبرياء عن طريق تأسيس وتجهيز الجماعات التكفيرية الشريرة، وراحوا يغرقون اليمن والعراق والشام وليبيا وبلدان أخرى في الدماء، هم متلاعبون سياسيون لا يعرفون الله، ويمدون يد الصداقة نحو الكيان الصهيوني المحتل، مغمضين أعينهم عن آلام الفلسطينيين ومصائبهم المهلكة، وينشرون مديات ظلمهم وخيانتهم إلى مدن البحرين وقراها. الحكام عديمو الدين والضمير الذين خلقوا فاجعة منى الكبرى، وانتهكوا، باسم خدمة الحرمين، حرمة الحرم الإلهي الآمن، وقتلوا ضيوف الله الرحمن في يوم العيد في منى، وفي المسجد الحرام قبل ذلك، يتشدّقون الآن بعدم تسييس الحج، ويتهمون الآخرين بالذنوب الكبرى التي ارتكبوها هم، أو تسببوا بها.

إنهم مصداق تامّ للبيان القرآني الكريم الساطع بالأنوار: «وَإِذا تَوَلّىٰ سَعىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» (5)، «وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ» (6). وفي هذه السنة أيضاً تفيد التقارير أنه فضلاً عن صدّ الحجاج الإيرانيين وحجاج بعض الشعوب الأخرى، وضعوا حجاجَ باقي البلدان ضمن نطاق سيطرات ومراقبات غير معهودة بمساعدة الأجهزة التجسسية الأمريكية والصهيونية، وجعلوا بيت الله الآمن غير آمن على الجميع.

على العالم الإسلامي، سواء الحكومات أو الشعوب المسلمة، أن يعرف حكام السعودية، ويدرك بنحو صحيح حقيقتهم الهتّاكة غير المؤمنة التابعة المادية. على المسلمين أن لا يتركوا تلابيب الحكام السعوديين على ما تسبّبوا به من جرائم في كل العالم الإسلامي. وعليهم أن يفكروا تفكيراً جاداً بحلّ لإدارة الحرمين الشريفين وقضية الحج بسبب سلوكهم الظالم ضد ضيوف الرحمن. التقصير في هذا الواجب سيعرض الأمة الإسلامية مستقبلاً لمشكلات أكبر.

أيها الإخوة والأخوات المسلمون، مكان الحجاج الإيرانيين المشتاقين المخلصين خالٍ هذه السنة في مراسم الحج، لكنهم حاضرون بقلوبهم، وهم إلى جانب الحجاج من كل أرجاء العالم، وقلقون على حالهم، ويدعون أن لا تستطيع الشجرة الملعونة للطواغيت أن تنالهم بسوء. إذكروا إخوتكم وأخواتكم الإيرانيين في أدعيتكم وعباداتكم ومناجاتكم، وادعوا لرفع المعضلات عن المجتمعات الإسلامية وتقصير أيدي المستكبرين والصهاينة وعملائهم عن الأمة الإسلامية.

إنني أحيّي ذكرى شهداء منى والمسجد الحرام في العام الماضي، وشهداء مكة في سنة 66 [1987 م]، وأسأل الله عزّ وجلّ لهم المغفرة والرحمة وعلو الدرجات، وأبعث السلام لسيدنا بقية الله الأعظم روحي له الفداء، سائلاً دعاءه المستجاب لرفعة الأمة الإسلامية ونجاة المسلمين من الفتنة وشرور الأعداء.

 

وبالله التوفيق وعليه التُكلان

آخر ذي‌ القعدة 1437

 

 

الهوامش:

1 - سورة البقرة، الآية 200.

2 - سورة البقرة، الآية 203.

3 - سورة الحج، الآية 25.

4 - سورة الفتح، الآية 29.

5 - سورة البقرة، الآية 205.

6 - سورة البقرة، الآية 206 .

فيما يلي الترجمة العربية لنداء الإمام الخامنئي:

بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد الخلق أجمعين محمد و آله الطاهرين و صحبه المنتجبين، و على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
و السلام على الكعبة الشريفة، مقرّ التوحيد و مطاف المؤمنين و مهبط الملائكة، و السلام على المسجد الحرام و عرفات و المشعر و منى، و السلام على القلوب الخاشعة، و الألسنة الذاكرة، و الأعين المفتحة بالبصيرة، و الأفكار المستلهِمة للعبرة، و السلام عليكم أيها الحجاج السعداء الذين توفقتم لتلبية الدعوة الإلهية، و تحلقتم حول هذه المائدة المليئة بالنعم.
الواجب الأول هو التأمّل في هذه التلبية العالمية التاريخية الدائمة: إنّ الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك لبيك. كل الحمد و الثناء له، و كل النعم منه، و كل الملك و القدرة له.. هذه هي النظرة التي تُمنَحُ للحاجّ في الخطوة الأولى من هذه الفريضة الطافحة بالمعاني و المغزى، و التي تستمر هذه المناسك بما يتناغم معها، من ثم توضعُ نصبَ عينيه كتعليمة باقية و درس لا ينسى، و يطلب منه تنظيم برامج حياته على أساسها. تعلمُ هذا الدرس الكبير و العمل به هما الينبوع المبارك الذي يمكنه إضفاء النضارة و الحيوية و التوثب على حياة المسلمين، و تحريرهم مما يعانون منه من معضلات في زمانهم هذا و في كل زمان. صنم النزعات النفسية و الكبر و الشهوة، و صنم طلب الهيمنة و الخضوع للهيمنة، و صنم الاستكبار العالمي، و صنم الكسل و اللامسؤولية، و كل الأصنام المُهينة للنفس الإنسانية الكريمة، ستتحطم بهذه الصرخة الإبراهيمية عندما تخرج من أعماق الفؤاد و تغدو برامج حياة، و ستحلّ الحرية و العزة و السلامة محلّ التبعية و الشدة و المحنة.
ليفكّر الإخوة و الأخوات الحجاج، من أيّ شعب و بلد كانوا، في هذه الكلمة الإلهية الحكيمة، و لتكن لهم نظرتهم الدقيقة لمعضلات العالم الإسلامي، خصوصاً في غرب آسيا و شمال أفريقيا، النظرة التي يهتدون بها في ضوء الإمكانات و الطاقات الشخصية و المحيطة، إلى تعيين واجبات و مسؤوليات لأنفسهم، و السعي لأدائها.
السياسات الشريرة لأمريكا في هذه المنطقة اليوم، و الباعثة على الحروب و سفك الدماء و الدمار و التشرد، و كذلك الفقر و التخلف و الخلافات القومية و الطائفية، من ناحية، و جرائم الكيان الصهيوني الذي أوصل سلوكه الغاصب في بلد فلسطين إلى ذروة الشقوة و الخبث، و إهاناته المتكررة لحريم المسجد الأقصى المقدس، و سحقه أرواح الفلسطينيين المظلومين و أموالهم من ناحية أخرى، هي قضيتكم الأولى جميعاً أيها المسلمون، و التي يجب أن تفكروا فيها و تعرفوا واجبكم الإسلامي حيالها. و على علماء الدين و النخب السياسية و الثقافية واجبات أثقل بكثير، يغفلون عنها غالباً للأسف. ليتعرف العلماء بدل تأجيج نيران الخلافات الطائفية، و السياسيون بدل الانفعال مقابل الأعداء، و النخب الثقافية بدل الانشغال بالأمور الهامشية، ليتعرفوا على الوجع الكبير الذي يعاني منه العالم الإسلامي، و ليتقبلوا رسالتهم التي هم مسؤولون عن أدائها أمام محضر العدل الإلهي، و ليتحمّلوا أعباءها بكفاءة. الأحداث المُبكية في المنطقة، في العراق و الشام و اليمن و البحرين، و في الضفة الغربية و غزة، و في بعض البلدان الآسيوية و الأفريقية الأخرى، هي المعضلات الكبرى للأمة الإسلامية التي ينبغي مشاهدة بصمات مؤامرة الاستكبار العالمي فيها، و التفكير في علاجها. على الشعوب أن تطالب ذلك من حكوماتها، و على الحكومات أن تفي لمسؤولياتها الجسيمة.
و الحج و تجمّعاته العظيمة أرقى مكان لظهور و تبادل هذا الواجب التاريخي.
و فرصة البراءة - التي ينبغي اغتنامها بمشاركة كل الحجاج من كل مكان - من أبلغ المناسك السياسية في هذه الفريضة الجامعة للأطراف.
الحادثة المريرة الفادحة الخسارة التي وقعت في المسجد الحرام هذه السنة، أصابت الحجاج و شعوبهم بالمرارة. صحيح أن المتوفّين في هذا الحادث، و الذين كانوا يؤدون الصلاة و الطواف و العبادة، سارعوا للقاء الله و نالوا سعادة كبرى و ثووا - إن شاء الله - في حريم أمن الله و رعايته و رحمته، و هذا عزاء كبير لذويهم، بيد أن هذا لا يمكنه التقليل من ثقل مسؤولية الذين تعهدوا بتوفير أمن ضيوف الرحمن. العمل بهذا التعهد و أداء هذه المسؤولية مطلبنا الحاسم.
و السلام على عباد الله الصالحين

السيد علي الخامنئي

4 ذي الحجة 1436

27 شهريور  1394

  18 أيلول   2015

فيما يلي النص الكامل لهذا النداء:

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدُ لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.
تحيّةَ شوقٍ وسلامُ تكريمٍ لكم أيّها السعداء الذين لبّيتم دعوة القرآن الكريم وسارعتم إلى ضيافة بيت الله الحرام.
أوّل الحديث هو أن تقدّروا هذه النعمة الكبرى حقّ قدرها، وأن تجهدوا للاقتراب من أهداف هذه الفريضة الفريدة بالتأمّل في أبعادها الفرديّة والاجتماعيّة والروحيّة والعالميّة، وأن تتضرّعوا إلى المُضيف الرحيم القدير أن يعينكم على ذلك.
وأنا معكم بقلبي ولِساني أسألُ الله الغفور والمنّان أن يُتمّ نعمته عليكم، وأن يمنّ عليكم بأداء حجٍّ كاملٍ كما منّ عليكم بتوفيق السفر إلى حجّ بيته الكريم، وأن يتقبّل منكم بكرمه ويُعيدكم غانمين سالمين إلى دياركم إن شاء الله تعالى.
في الفرصة المغتنمة لهذه المناسك الغنيّة والفريدة، إضافة إلى التطهير والبناء المعنوي والروحي الذي هو أسمى وأعمق مكتسبات الحج، فإنّ الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي والإهتمام الرفيع والشامل بالموضوعات المتعلقة بالأمّة الإسلاميّة هو من أهم واجبات الحجّاج وآدابهم.

إنّ مسألة اتّحاد المسلمين وحلّ العقد التي تُسبب التفرقة بين أجزاء الأمّة الإسلاميّة من جملة الموضوعات الهامّة ذات الأولويّة في وقتنا الراهن.
الحجّ مظهر الوحدة والتلاحم وساحة الإخاء والتعاون. وعلى الجميع أن يتلقّوا درس التركيز على المشتركات وإزالة الخلافات. لقد عملت السياسات الاستعمارية ومنذ القدم على زرع التفرقة لتحقق من خلال ذلك أهدافها المشؤومة والخبيثة. ولكن اليوم وبفضل الصحوة الإسلامية وبعد أن عَرَفت المجتمعات الإسلامية عداءَ جبهة الاستكبار والصهيونية ووقفت في وجهها، فقد ازدادت سياسة التفرقة بين المسلمين شدّة وعنفًا. إنّ العدوّ المخادع بإشعاله نيران الحروب الأهليّة بين المسلمين يهدف إلى جرّ مقاومتهم وجهادهم إلى الانحراف، كي يبقى العدوّ الصهيوني وعملاء الاستكبار [وهم الأعداء الحقيقيّون] في موضعٍ آمن، وإنّ تجهيز المجموعات الإرهابيّة والتكفيريّة وأمثالها في بلدان منطقة غرب آسيا يأتي في سياق هذه السياسة الغادرة.
إنّ هذا لهو تحذيرٌ لنا جميعاً أن نضع اليوم مسألة اتّحاد المسلمين في رأس قائمة واجباتنا الوطنيّة والدوليّة.

قضيّة فلسطين هي الموضوع المهم الآخر إذ بعد مرور 65 عاماً على إقامة الكيان الصهيوني الغاصب والمنعطفات المختلفة التي مرّت على هذه القضيّة الهامّة والحسّاسة، وخاصّة الحوادث الدامية في السنوات الأخيرة، فإنّ حقيقتين قد اتّضحتا للجميع. الأولى: أنّ الكيان الصهيوني وحماتَهُ المجرمين لا يعرفون حدّاً لفظاظتهم وقسوتهم ووحشيّتهم وسحقهم لكلّ المعايير الإنسانيّة والأخلاقيّة. يُبيحون لأنفسهم كلّ جريمة وإبادة جماعيّة و تدمير وقتلٍ للأطفال والنساء والأبرياء العزّل، بل كلّ اعتداء وظلم بمقدورهم ارتكابه، ثم هم يفخرون بما ارتكبوه. والمشاهد المُبكية في حرب الخمسين يوماً على غزّة هي آخر نموذج من هذه الجرائم التاريخيّة التي تكرّرت مراراً في نصف القرن الأخير.
الحقيقة الثانية: هي أنّ هذه المجازر والفجائع لم تستطع أن تحقّق هدف قادة الكيان الغاصب وحماته. وخلافاً لما كان يجول في ذهن لاعبي الساحة السياسيّة الخبثاء من آمال حمقاء بشأن سطوة الكيان الصهيوني ومنعته فإنّ هذا الكيان يقترب يوماً بعد يوم من الاضمحلال والفناء. إنّ صمودَ ومقاومة غزّة المحاصرة والوحيدة لمدّة 50 يوماً أمام كلّ القوة التي استقدمها الكيان الصهيوني إلى الساحة، وما حدث في النهاية من فشل وتراجع لهذا الكيان واستسلامه أمام شروط المقاومة، لهو مشهدٌ واضحٌ لهذا الضعف والهوان والانهيار.

إنّ هذا يعني أنّ الشعب الفلسطيني يجب أن يزداد لديه الأمل أكثر من أي وقت مضى، وأن يزيد مناضلو الجهاد وحماس من سعيهم وعزمهم وهمّتهم، وأن تتابع الضفّة الغربيّة مسيرة العزّ الدائمة بقوّة و صلابة أكثر، وأن تطالب الشعوب المسلمة حكوماتها اتّخاذ مواقف مساندة حقيقيّة وجادّة من قضيّة فلسطين، وأن تقطع الدول الإسلاميّة خطواتٍ صادقة على هذا الطريق.
الموضوع الثالث المهم وذو الأولويّة، هوَ: ينبغي على الناشطين المخلصين في العالم الإسلامي أن يُفرّقوا بنظرة واعية بين الإسلام المحمّدي الأصيل والإسلام الأمريكي، وأن يحذَروا ويُحذِّروا من الخلط بين هذا وذاك. لقد اهتمّ إمامنا الراحل لأوّل مرّة بالتمييز بين المقولتين. وأدخل ذلك في القاموس السياسي للعالم الإسلامي.
فالإسلام الأصيل هو إسلام النقاء والمعنويّة، إسلام التقوى والسيادة الشعبيّة، إسلامُ أشدّاءَ على الكفار رحماءَ بينهم. وإنّ الإسلام الأمريكي هو العمالة للأجانب ومعاداة الأمّة الإسلاميّة بزيّ الإسلام!
إنّ الإسلام الذي يُشعل نيران التفرقة بين المسلمين، ويضعُ الثقة بأعداء الله بدلاً من الثقة بالوعد الإلهي، ويشنّ الحرب على الإخوة المسلمين بدلاً من مكافحة الصهيونيّة والاستكبار ويتّحد مع أمريكا المستكبرة ضد شعبه أو الشعوب الأخرى ليس بإسلام، إنّه نفاقٌ خَطرٌ ومُهلك يجب أن يكافحه كلّ مسلمٍ صادق.
إنّ نظرةً مقرونةً بالبصيرة والتفكير العميق توضّح هذه القضايا والموضوعات الهامّة في واقع العالم الإسلامي لكلّ باحثٍ عن الحق، وتحدّد الواجبات والتكاليف الراهنة بلا غموض.
إنّ في الحج ومناسكه وشعائره فرصة مغتنمة لاكتساب هذه البصيرة، ومن المؤمّل أن تحظُوا أنتم أيّها الحجّاج السعداء بهذه الهبة الإلهيّة بصورة كاملة.
أستودعكم الله العظيم جميعاً، وأسأله تعالى لكم قبول الطاعات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في ما يلي النص الكامل لنداء الحج في العام الهجري 1434:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

 حلول موسم الحج يجب أن يُعتبر عيداً كبيراً للأمة الإسلامية. إن الفرصة المغتنمة التي تقدمها هذه الأيام الثمينة كلّ عام للمسلمين في العالم هي الكيمياء الإعجازية التي تستطيع أن تداوي الكثير من الأسقام ومواطن الضعف في العالم الإسلامي، وذلك إن قدّرناها حقّ قدرها واستثمرناها كما ينبغي.

الحج هو نبعٌ متدفّق بالفيض الإلهي. وأنتم أيها الحجاج السعداء قد نلتم هذا العطاء الرفيع فرداً فرداً، وبهذه الأعمال والمناسك المفعمة بالصفاء والمعنوية تطهّرون قلوبكم وأرواحكم حقّ التطهير، وتتزودون من نبع الرحمة والعزّة والقدرة بذخيرة لسنوات عمركم كلّها.

تستطيعون أن تتحلّوا بالخشوع والتسليم أمام الربّ الرحيم، وبالالتزام بالواجبات الملقاة على عاتق كل مسلم، و بالحيوية والحركة والإقدام في أمور الدنيا والدين، وبالرحمة والصفح في التعامل مع الإخوان، وبالجرأة والاعتماد على الذات في مواجهة الصعاب، وبعقد الآمال على عون الله ونصرته في كل أمر وفي كل مكان. وباختصار تستطيعون أن تكتسبوا جميع ما يحتاجه بناء الإنسان على الطراز الإسلامي في تلك الساحة الإلهية من التربية والتعليم. وأن تقدموا لبلدكم وشعبكم ومن ثمّ للأمة الإسلامية هذه الذات المتحلّية بهذه الفضائل والمستفيدة من هذه الذخائر.

الأمة الإسلامية اليوم وقبل كل شيء بحاجة إلى أُناس يتوفر لديهم الفكر والعمل إلى جانب الإيمان والصفاء والإخلاص، والمقاومة أمام الأعداء الحقودين إلى جانب البناء المعنوي والروحي. وهذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ المجتمع الإسلامي الكبير من معاناته التي أصيب بها منذ عصورٍ بعيدة إما جهاراً بيد الأعداء، أو بسبب ما مُني به من ضعف العزم والإيمان والبصيرة.

عصرنا الراهن دون شك هو عصر يقظة المسلمين وبحثهم عن هويتهم. هذه الحقيقة نستطيع أن نفهمها بوضوح أيضاً من خلال التحديات التي تواجهها البلدان الإسلامية، وفي هذه الظروف بالذات يستطيع عزم الشعوب وإرادتها المستندة إلى الإيمان والتوكل والبصيرة والتدبير أن يسجل للمسلمين النصر والرفعة وأن يحقق لمصيرهم العزّة والكرامة.

الجبهة المقابلة التي لا تُطيق أن ترى للمسلمين يقظة وعزّة، جاءت إلى ساحة المواجهة بكل إمكانياتها، واستخدمت جميع الوسائل الأمنية والنفسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية كي تقمع المسلمين وتُخضعهم وتشغلهم بأنفسهم.

فنظرة إلى الوضع في بلدان غرب آسيا من باكستان وأفغانستان وحتى سوريا والعراق وفلسطين وبلدان الخليج الفارسي وهكذا بلدان شمال إفريقيا من ليبيا ومصر وتونس حتى السودان وبعض البلدان الأخرى، تكفي لبيان كثير من الحقائق. حروب داخلية، وتعصبات دينية وطائفية عمياء وحالات من عدم الاستقرار السياسي، وانتشار الإرهاب الوحشي، وظهور المجموعات والتيارات المتطرفة التي تشق صدور البشر، وتلوك (تمضغ) أفئدتهم على طريقة المجموعات البشرية المتوحشة في التاريخ، ومسلحون يقتلون الأطفال والنساء، ويذبحون الرجال ويعتدون على الأعراض، بل حتى إنهم يرتكبون بعض هذه الجرائم المخزية والمقززة باسم الدين رافعين رايات دينية، هذه جميعها حصيلة مخطط شيطاني واستكباري تنفذه أجهزة الاستخبارات الأجنبية ورجال الحكم المتعاونون معهم في المنطقة، عبر استثمار البيئات الملائمة داخل هذه البلدان، ويسعون من خلاله إلى جعل أيام الشعوب سوداء ومريرة.

من المؤكد أنه لا يمكن أن نتوقع في مثل هذه الأوضاع والظروف أن تملأ البلدان المسلمة فراغها المادي والمعنوي وأن تحقق الأمن والرفاه والتطور العلمي والاقتدار الدولي الذي يمكن أن يتحقق ببركة الصحوة والعودة إلى الهوية. هذه الأوضاع المأساوية بمقدورها أن تصيب الصحوة الإسلامية بالعقم، وأن تبدّد الطاقات المعنوية التي ظهرت في العالم الإسلامي، وأن تدفع الشعوب الإسلامية مرة أخرى لسنوات متمادية من الركود والعزلة والانحطاط، وأن تجعل قضاياهم الأساسية الهامة مثل تحرير فلسطين وإنقاذ الشعوب المسلمة من السيطرة الأمريكية والصهيونية في مطاوي النسيان.

العلاج الأساسي يمكن تلخيصه في جملتين أساسيتين كِلتاهما من أبرز دروس الحج:
الأولى: اتحاد المسلمين وتآخيهم تحت لواء التوحيد. والثانية :تشخيص العدو ومواجهة خططه وأساليبه.
تقوية روح الأخوة والتآلف هي من دروس الحج الكبرى. هنا يُمنع حتى الجدال وخشونة الكلام مع الآخرين. اللباس الموحّد، والأعمال الموحدة، والحركات الموحدة، والسلوك العاطفي هنا، يعني المساواة والإخاء بين كل المؤمنين المعتقدين والوالهةِ قلوبهم بمركز التوحيد. هذا ردّ إسلامي صريح لكل فكر وعقيدة ودعوة تُخرج جماعة من المسلمين والمؤمنين بالكعبة والتوحيد من دائرة الإسلام. لتَعلَم العناصر التكفيرية التي هي اليوم ألعوبة السياسة الصهيونية الغادرة وحماتها الغربيين، والتي ترتكب الجرائم المروّعة وتسفك دماء المسلمين والأبرياء، وليعلم بعض أدعياء التدين و المتلبسين بزيّ رجال الدين الذين ينفخون في نار الخلافات بين الشيعة والسنة وغيرها، ليعلموا أن مناسك الحج بذاتها تُبطل ما يدّعون.

ومن المفارقة، أن الذين يعتبرون مراسم البراءة من المشركين والتي لها جذور في عمل الرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، جدالٌ ممنوع، هم أنفسهم من أكثر المؤثرين في إيجاد النزاعات الدموية بين المسلمين، وإنني أعلن مرة أخرى كالكثير من علماء المسلمين والذين يحملون هموم الأمة الإسلامية أن كل قول أو عمل يؤدي إلى إثارة نار الاختلاف بين المسلمين، وكل إساءة إلى مقدسات أي واحدة من المجموعات الإسلامية أو تكفير أحد المذاهب الإسلامية هو خدمة لمعسكر الكفر والشرك وخيانة للإسلام وحرام شرعاً.

معرفة العدوّ وأساليبه هي الركن الثاني. أولاً، ينبغي عدم إغفال ونسيان وجود العدو الحاقد. فمراسم رمي الجمرات المتكرر في الحج تعبير رمزي لهذا الحضور الذهني الدائم. ثانياً، ينبغي أن لا نخطئ في معرفة العدو الأصلي الذي يتجسد اليوم في جبهة الاستكبار العالمي والشبكة الصهيونية المجرمة ذاتها. وثالثاً، يجب أن نشخّص جيداً أساليب العدو العنود (شديد العناد)،المتمثلة في زرع التفرقة بين المسلمين، إشاعة الفساد السياسي والأخلاقي، تهديد النُخب وتطميعهم، ممارسة الضغط الاقتصادي على الشعوب وإثارة التشكيك في المعتقدات الإسلامية والعمل (من خلال معرفة هذه الأساليب) على كشف المرتبطين بهم عن علم أو من غير علم.

الدول الاستكبارية وفي مقدمتها أمريكا تعمد عن طريق شبكاتها الإعلامية الواسعة والمتطورة إلى إخفاء وجهها الحقيقي، تمارس أمام الرأي العام سلوكاً مخادعاً للشعوب عبر ادعاء الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية. هؤلاء في الوقت الذي يرفعون فيه عقيرتهم (صوتهم) بحقوق الإنسان، تلمس الشعوب الإسلامية بجسمها وروحها كل يوم أكثر من السابق نار فتنهم. فلنلقي نظرة إلى الشعب الفلسطيني المظلوم الذي يتلقى منذ عشرات السنين يومياً جراح جرائم الكيان الصهيوني وحماته، أو إلى دول أفغانستان وباكستان والعراق التي يمارس فيها الإرهاب الناتج عن سياسات الاستكبار وعملائه الإقليميين ما يجعل حياة شعوبها كالعلقم، أو إلى سوريا التي تعاقب بسبب دعمها للمقاومة ضد الصهيونية و تتعرض لسهام حقد قوى الهيمنة العالمية وعملائها الإقليميين، وتعاني من حرب داخلية دموية، أو إلى البحرين أو ميانمار حيث يعاني المسلمون كلٌ بطريقة، من الإهمال ومن إغداق الدعم على أعدائهم، أو إلى الشعوب الأخرى التي تهدد باستمرار من قبل أمريكا وحلفائها بهجوم عسكري أو محاصرة اقتصادية أو تخريب أمني. هذه النظرة الواحدة تكفي لكشف الوجه الحقيقي لزعماء نظام الهيمنة أمام الجميع.

يجب على النخب السياسية والثقافية والدينية في جميع أرجاء العالم الإسلامي أن يروا أنفسهم مسؤولين عن فضح هذه الحقائق. هذا هو واجب أخلاقي وديني علينا جميعاً.

بلدان شمال إفريقيا التي تتعرض اليوم للأسف لاختلافات داخلية عميقة، يجب أن تهتم أكثر من غيرها بهذه المسؤولية العظمى أعني معرفة العدو وأساليبه وحيله. ففي استمرار هذه الاختلافات بين التيارات الوطنية وإغفال تبعات الحرب الداخلية في هذه البلدان خطر كبير لا يمكن تعويض الأمة الإسلامية عن خسارته، في القريب العاجل.

نحن لا نشك أن الشعوب الناهضة في المنطقة والتي بلورت الصحوة الإسلامية، بإذن الله لن تسمح بأن ترجع عقارب الزمن إلى الوراء وأن يعود عصر الحكّام الفاسدين والمرتبطين (بالخارج) والدكتاتوريين، لكن الغفلة عن دور القوى الإستكبارية في إثارة الفتن وتدخلها الهدّام سوف يعقّد الأمور على هذه الشعوب، و يؤجل عصر العزة والأمن والرفاه لعدة سنوات.

نحن مؤمنون من أعماق قلوبنا بقوة الجماهير وبالقدرة التي أودعها الله الحكيم في عزم الشعوب وفي إيمانها وبصيرتها ونحن لمسنا ذلك بأعيننا خلال أكثر من ثلاثة عقود في الجمهورية الإسلامية في إيران وجربناه بكل وجودنا. مهمّتنا أن ندعو جميع الشعوب المسلمة إلى تجربة إخوانهم هذه في هذا البلد الفخور الذي لا يعرف الكلل.

أسأل الله سبحانه أن يصلح أمور المسلمين و يدفع كيد الأعداء عنهم وأسأله تعالى لكم، يا حجاج بيت الله الحرام حجاً مقبولاً و صحةً في الأجساد والأرواح وعطاءً معنوياً وافراً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السيد علي الخامنئي

19 مهر 1392 ه ش

5 ذي الحجة 1434 ه ق

وجه قائد الثورة الاسلامية سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي نداءا الى حجاج بيت الله الحرام لموسم حج 1433 هـ.ق، اكد فيه على الوحدة الاسلامية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على الرسول الأعظم الأمين، وعلى آله المطهّرين المنتجبين، وصحبه الميامين.

حلّ موسم الحج زاخراً بالرحمة والبركة، وغمر بالفيض الإلهي مرةً أخرى السعداء الذين تشرّفوا بالحضور في ميعاد النور. الزمان والمكان هنا يدعوان كل واحد منكم يا حجّاج بيت الله الحرام للارتقاء المعنوي والمادي. الرجال والنساء المسلمون هنا يلبّون بقلوبهم وألسنتهم دعوة الله العظيم للصلاح والفلاح. هنا يجد الجميعُ الفرصة لتجريب الأخوّة والتجانس والورع. هنا مخيّم للتربية وللتعليم، ومعرض لوحدة الأمة الإسلامية وعظمتها وتنوّعها، مخيّم مكافحة الشيطان والطاغوت. جعل الله الحكيم القدير هذا المكان ليشهد المؤمنون فيه منافع لهم. حين نفتح عيون العقل والعبرة يستغرق هذا الوعد السماوي كل مديات الحياة الفردية والاجتماعية. تمتاز شعائر الحج بخصوصية امتزاج الدنيا والآخرة، وتلاحم الفرد والمجتمع. الكعبة العظيمة البسيطة، وطواف الأجسام والقلوب حول محور ثابت أبدي، والسعي والجهد المستمر المنظم بين مبدأ ومنتهى، والرحلة الجماعية إلى ساحات الحشر والنشور في عرفات والمشعر، والأشواق والانفعالات التي تزيد القلوب في هذا المحشر العظيم صفاء وطراوة، والهجوم العام لمواجهة رمز الشيطان، ثمّ التواكب بين الجميع من كل مكان ولون ونوع في كل هذه المراسم الزاخرة بالرموز والأسرار، والمفعمة بالمعاني وآيات الهداية.. هي الخصائص الفريدة لهذه الفريضة الطافحة بالمعاني والمضامين.

مثل هذه المراسم هي التي تربط القلوب بذكر الله، وتنير خلوة أفئدة البشر بنور التقوى والإيمان، وتُخرج الفرد من أسوار الذات لتذيبه في المجموع المتنوّع للأمة الإسلامية، وتلبسه ثياب الورع التي تحمي روحه من سهام المعاصي المسمومة، وتثير فيه روح مهاجمة الشياطين والطواغيت. هنا يشاهد الحاج بعينه نموذجاً من المديات الواسعة للأمة الإسلامية، ويكتشف إمكانياتها وقدراتها، ويعقد الآمال على المستقبل، ويشعر كذلك بالجاهزية لأداء دوره في ذلك المستقبل، وإذا حظي بتوفيق الله وعونه يبايع الرسول الأعظم (ص) ثانية، ويعقد ميثاقاً قوياً مع الإسلام العزيز، ويوجِد في داخله عزماً راسخاً لإصلاح ذاته وإصلاح الأمة وإعلاء كلمة الإسلام.

و هذان الإثنان، أي إصلاح الذات وإصلاح الأمة فريضتان لا تتعطلان. وسبلهما لن تكون بفضل التعمّق في الواجبات الدينية والاستلهام من التعقّل والبصيرة صعبةً على أهل التدبّر والتأمّل.

إصلاح الذات يبدأ بمكافحة الأهواء الشيطانية والسعي لاجتناب الذنوب، وإصلاح الأمة ينتظم بمعرفة العدو ومخططاته، والمجاهدة لإحباط ضرباته ومخادعاته وعداواته، ثمّ بتعاضد القلوب والأيدي والألسنة بين كل المسلمين والشعوب الإسلامية.

من أهم القضايا في العالم الإسلامي خلال هذه الفترة الزمنية، وهي قضية ارتبطت بمصير الأمة الإسلامية، الأحداث الثوريّة في شمال أفريقيا والمنطقة، والتي أفضت لحد الآن إلى إسقاط عدة أنظمة فاسدة مطيعة لأمريكا ومتعاونة مع الصهيونية، وزلزلة أركان عدة أنظمة أخرى من هذا القبيل. إذا فوّت المسلمون هذه الفرصة العظيمة، ولم ينتفعوا منها في سبيل إصلاح الأمة الإسلامية، فقد خسروا خسراناً كبيراً. لقد بدأت الآن كل مساعي الاستكبار المعتدي المتدخّل الرامية إلى حرف هذه التحركات الإسلامية العظيمة.

في هذه الثورات الكبرى انتفض الرجال والنساء المسلمون ضد استبداد الحكام وسيطرة أمريكا التي أدت إلى امتهان الشعوب وإذلالها والتحالف مع الكيان الصهيوني الإجرامي. واعتبرت الجماهيرُ الإسلامَ وتعاليمه وشعاراته المنقذة العامل المخلص لها في هذا الكفاح المصيري، وأعلنت عن ذلك بصوت عال. وجعلت الدفاع عن الشعب الفلسطيني المظلوم ومكافحة الكيان الغاصب على رأس مطاليبها، ومدّت يد الصداقة للشعوب المسلمة وطالبت باتحاد الأمة الإسلامية.

هذه هي أسس الثورات الشعبية في البلدان التي رفعت خلال العامين الأخيرين راية الحرية والإصلاح، وتواجدت بأجسامها وأرواحها في سوح الثورة، وهذا ما يمكنه ترسيخ الدعائم الأساسية لإصلاح الأمة الإسلامية الكبيرة. الثبات على هذه الأصول الأساسية شرط لازم لانتصار الثورات الجماهيرية في هذه البلدان انتصاراً نهائياً.

يسعى العدو لزعزعة هذه الأركان الأساسية. وتستغل الأيدي الفاسدة لأمريكا والناتو والصهيونية بعض حالات الغفلة والتسطيح لحرف المسيرة العارمة للشباب المسلم وإشعال اشتباكات بينهم باسم الإسلام، وتبديل الجهاد المناهض للاستعمار والصهيونية إلى إرهاب أعمى في أزقة العالم الإسلامي وشوارعه، حتى تراق دماء المسلمين على أيدي بعضهم، ويتخلص أعداء الإسلام من الطريق المسدود، ويشتهر الإسلام والمجاهدون في سبيله بسوء الصيت والوجه المشوّه.

و بعد يأسهم من إلغاء الإسلام والشعارات الإسلامية، عمدوا الآن لإثارة الفتن بين الفرق الإسلامية، وراحوا يضعون العقبات والعراقيل في طريق اتحاد الأمة الإسلامية بمؤامرات التخويف من الشيعة والتخويف من السنّة.

إنهم يخلقون الأزمات في سورية بمساعدة عملائهم في المنطقة ليصرفوا أذهان الشعوب عن قضايا بلدانها المهمة والأخطار التي تحدّق بهم، إلى الأحداث الدامية التي ساهموا إسهاماً أساسياً في خلقها. الحرب الداخلية في سورية ومقتل الشباب المسلمين على أيدي بعضهم جريمة بدأت وتمّ تأجيجها من قبل أمريكا والصهيونية والحكومات المطيعة لهما. من يمكنه أن يصدّق أن الحكومات التي دعمت الدكتاتوريات السوداء في مصر وتونس وليبيا تحمي الآن مطالبة الشعب السوري بالديمقراطية؟ قضية سورية قضية الانتقام من حكومة وقفت لوحدها طوال ثلاثة عقود أمام الصهاينة الغاصبين، ودافعت عن جماعات المقاومة في فلسطين ولبنان.

إننا نناصر الشعب السوري ونعارض أي تحريض وتدخّل خارجي في سورية. أي إصلاح في هذا البلد يجب أن يتمّ على يد الشعب وبأساليب وطنية تماماً. أن يختلق طلاب الهيمنة الدوليون بمساعدة حكومات المنطقة المطيعة لهم أزمةً في بلد بذريعة من الذرائع، ثمّ يتذرّعوا بوجود تلك الأزمة للسماح لأنفسهم بارتكاب أية جريمة في ذلك البلد، فهذا خطر كبير إذا لم تعالجه حكومات المنطقة فعليها أن تنتظر دورها في هذه الخدعة الاستكبارية.

أيها الإخوة والأخوات.. موسم الحج فرصة للتأمّل والتعمّق في قضايا العالم الإسلامي المهمة. ومن هذه القضايا مصير ثورات المنطقة والمساعي التي تبذلها القوى المتضرّرة من هذه الثورات لتحريفها. المخططات الخيانية لبث الخلافات والفرقة بين المسلمين، وإشاعة سوء الظن وعدم الثقة بين البلدان الثائرة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقضية فلسطين والمساعي الرامية لعزل المناضلين وإطفاء جذوة الجهاد الفلسطيني، والأداء الإعلامي للحكومات الغربية المعادي للإسلام، ودعمهم لمن أهانوا المنزلة المقدسة للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، والتمهيد لحروب داخلية وتجزئة بعض البلدان المسلمة، وإخافة الحكومات والشعوب الثائرة من معارضة طلاب الهيمنة الغربيين، والترويج لوهم أن مستقبلهم رهن بالاستسلام أمام المعتدين.. وغير ذلك من مثل هذه القضايا المهمة والحيوية، هي في عداد القضايا المهمة التي يجب أن يجري التأمّل والتعمّق فيها خلال فرصة الحج، وفي ظل التعاطف والتقارب بينكم أيها الحجاج.

لا مراء أن الهداية والإرشاد الإلهيين سوف يدلّان المؤمنين على سبل الأمن والسلامة.. «و الذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا..».

و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السيد علي الخامنئي

30 مهر 1391 هـ ش الموافق للخامس من ذي الحجة 1433 هـ ق

الإثنين, 11 حزيران/يونيو 2018 09:29

المرحلة الفمية والفطام

تأخذ نفسية الطفل بالتبلور منذ الشهور الأولى من حياته ، ولقد كشف علم النفس الحديث عن الأهمية الأساسية للمرحلة الفميَّة في صياغة مستقبل الطفل ، والمرحلة الفميَّة هي - على التحديد - تلك الفترة التي تعقب الولادة مباشرة ، وتمتد حتى الشهر الثاني عشر من حياة الطفل .
ولقد ثبت أنَّ من الصعب كثيراً - إن لم نقل : من المستحيل - على الوليد الجديد التمييز بين النهار والليل والنوم واليقظة ، إذ يتركز اهتمامه الرئيسي على التغذية ، والتغذية تتمثل بالنسبة إليه في ثدي أمه ، فالثدي هو الشيء الأول الذي يتعرف الطفل عليه في الواقع الجديد الذي يعيش فيه ، وهو يحاول عن طريق أفعاله الانعكاسية ، وعواطفه ودوافعه الحركية ، تجنب الألم والتماس لذة رضاعة الثدي .
ويعرف الطور الأول من حياة الطفل - وهو طور بالغ الأهمية في نموه النفسي - بالمرحلة الفميَّة ، لأن هذه المرحلة ترتبط بصورة أوَّلية بالفم ونشاط الفم ، وتقسم المرحلة الفميَّة أحياناً إلى فترتين ، وفق العلاقة التي تتوطد بين الطفل وأمه ، وتسمى الفترة الأولى بالمرحلة الفميَّة ، أو مرحلة الرضاعة من الثدي ، وتمتد من الولادة حتى ستة أشهر .
أما الفترة الثانية فتعرف بمرحلة المضغ ، أو المرحلة السادية الفميَّة ، أو مرحلة الخضم وهي الأكل بجميع الفم أي بوحشية ، وتمتد هذه المرحلة من الشهر السادس تقريباً حتى الشهر الثاني عشر .
وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن الفترة الثانية من المرحلة الفميَّة هي المرحلة التي يتمثل فيها أكبر قدر من عدوانية الطفل وساديَّته ، أما في أثناء فترة المضغ والعض التي ترافق فترة ظهور أسنان الطفل ، فالطفل يظهر امتعاضاً شديداً من طريقة إشباع حاجاته إلى الطعام ، وتتسم هذه الفترة برغبة الطفل في العضِّ والقضم ، والتهام ثدي أمه التهاماً شرساً ، لأنه لا يشبع حاجته إلى الطعام إشباعاً كاملاً .
وتفسَّر عدوانية الطفل هذه بأنها محاولة من جانبه للتمسك بشيء يعده حيويّاً بالنسبة إليه ، ولا يريد أن يفقده ، وتتصف المرحلة الفميَّة بوجود أعمال انعكاسية معينة توجد منذ الولادة ، والحق أن منعكس الرضاعة ليس مجرد استجابة لمنبِّه يشعر به داخل فمه ، بل إنه أكثر تعقيداً من ذلك .
فالطفل يشرع عند الولادة بإدارة رأسه عندما يلمس خدَّه ، ويفتح فمه عندما تلمس شفتاه ويرضع عندما يشعر بمنبه داخل فمه ، ويبلع عندما يصل الطعام إلى مؤخَّرة حلقه ، وتتطور عملية الرضاعة هذه بسرعة بعد الأيام الأولى ، لتشمل البحث عن ثدي الأم عندما تسند الأم طفلها إلى جسمها ، فيبدي حركات دالَّة على الرضاعة عندما تعد الأم نفسها لإرضاعة ، فيمص إبهامه وغير ذلك من الأشياء .
وتختلف الحاجة إلى الرضاعة من حيث شِدَّتها وطول فترتها من طفل إلى طفل ، فمن الأطفال من يرضى بالرضاعة من الثدي أو من زجاجة الرضاعة ، ومنهم من يرغب في الاستمرار بالرضاعة بالرغم من شبعه ، ومع بداية الشهر الثاني يبدأ الطفل بإبراز لسانه ورفع إبهامه إلى فمه لمصِّه ، وفي أثناء ذلك يمص الطفل أصابعه أو أي شيء آخر يلامس فمه ، ويشرع في البحث عن إدراك العالم الخارجي وتعرفه بواسطة الحواس الخمس .
ومن الجدير بالذكر أن هذه الفترة لا ترافق نهاية المرحلة الفميَّة ، وإن كان كثير من الناس يعتقدون ذلك ، فالدوافع الفميَّة تستمر لسنوات ، وأحياناً تستمر طوال الحياة ، وإن كانت هذه الدوافع تفقد بالطبع أولويتها ، ومن جهة ثانية ينبغي لكل أمٍّ أن تعلم أن طريقة الفطام تؤثِّر في النمو اللاحق للطفل تأثيراً عميقاً .
فالفطام الذي يتم على عجل بطريقة متبلِّدة يعوزها الشعور - ولا سيما إذا كان الطفل يعتمد بصورة أساسية على حليب أمه - فغالباً ما يثير في الطفل مشاعر القلق وعدم الارتياح والتهيج ، ويدفعه إلى نوبات من الغضب والأحاسيس السلبية نحو أمه ، وكذلك يدفعه إلى تحريك لسانه باستمرار بما يوحي بحاجته إلى الرضاعة ، كما يحمله على الأرق والبكاء .
وينشأ أحياناً اضطراب حقيقي ناجم عن الفطام يؤدِّي إلى أنواع عديدة من الأمراض الهضمية ، والتقيؤ المتكرر ، وعدم رغبة الطفل في بلع الطعام الذي يقدَّم إليه ، والحق أن الفطام يستلزم تكيّف فم الطفل وفق وضع مختلف يبدأ بالشفتين ثم باللسان ، فإذا لم يحفز الطفل على تكييف فمه بمواجهة هذا الموقف الصعب من الناحية النفسية على الأقل فهو لا يبدي دائماً رغبة في ذلك .
والفطام الذي يتَّسم بالصرامة المفرطة ولا يراعي حاجات الطفل تمارسه في العادة الأمهات اللواتي يرغبن في اتباع النظام الشديد الصارم ، الذي تعوزه العاطفة والحنان ، وهذا الأسلوب ينمو عن تربية تتسم بالقسوة والصرامة في مواجهة المواقف الصعبة ، ولذلك تنشأ بين مثل هؤلاء الأمهات وأطفالهن علاقة تقوم على الاستياء القوي المتبادل ، والذي يتمثل في حوادث متكررة وطويلة من الانتقام ، وربما عادت إلى الظهور في المستقبل .
ومن جهة أخرى هناك فئة من الأمهات لا يفطمن أطفالهن حتى وقت متأخر ، ويدل هذا التأخير في الفطام على حرصهن الشديد على أطفالهن وحمايتهن لهم ، إذ لا يرغبن في فقدان الصلة بهم ، لذلك يحضنَّ أطفالهن أطول مدة ممكنة ، وربما دل سلوك هؤلاء الأمهات على أنَّهن يلتمسْنَ كذلك تعويضاً عن مشاعر سابقة أو حقيقية بخيبة أمل واستياء من أزواجهن ، أو ربما كُنَّ ينشدْنَ الوحدة فحسب .
أما الأطفال الذين ينشئون برعاية أمَّهات يبدين قدراً مفرطاً من الحماية لهم فغالباً ما تتكوَّن لديهم مشاعر معاكسة مزدوجة ، فيبقون متعلقين بأمَّهاتهم بطريقة تكاد تكون غير سليمة ، فهم اتِّكاليون سلبيون ، لا يقدرون على التصدي للإحباطات والمصاعب التي تواجههم في الحياة اليوميَّة ، ويلتمسون العون فوراً عندما تواجههم مشكلة صغيرة .

 

عيوب المرحلة الفمية وعاداتها :

لقد رأينا أنَّ الطفل الصغير يمر بالمرحلة الفميَّة ، وهي الفترة التي يكون فيها أهم جزء من جسمه هو فم الطفل وحواسه ، وتستمر بعض مظاهر المرحلة الفميَّة بعد السنة الأولى من حياة الطفل ، فالأم تلجأ إلى الحلمة الصناعية ( المصَّاصة ) مثلاً تَهْدِئَة لطفلها حتى يكفَّ عن البكاء أو يمتنع عنه ، ولكن ينبغي عدم إعطاء الحلمة الصناعية للطفل فوراً إذا لم يكن محتاجاً إليها .
ولا بأس في أن يستعملها الطفل بديلاً عن مصِّ إبهامه حتى السنة الثانية من عمره على الأقل ، وبصورة عامة تتناقص حاجة الطفل إلى الحلمة الصناعية مع الزمن ، ويتناقص كذلك اهتمامه بجسمه ، ولكن الأطفال يغرمون بالمصاصة أحياناً ويطلبونها حتى بعد فترة الفطام .
أما التفسير النفسي لحاجة الطفل إلى المصِّ فترتبط بشكل من السلوك الطفولي المصحوب عادة بأشكال أخرى من عدم الأمان ، فالطفل الذي يبقى متعلقاً بالحملة الصناعية لمدَّة طويلة جداً ، يحتمل أن يكون استعماله إياها بديلاً عن اهتمام والديه به .
وهنا ينبغي البحث عن سبب هذا الشعور بعدم الأمان ، والشيء نفسه يقال عن مص الطفل لأصابعه ، وهي طريقة طبيعية لإرضاء الحاجة الأساسية للمصِّ لدى الطفل في أثناء الشهور الأولى من حياته .
فإذا استمر الطفل في ممارسة عملية المصِّ حتى السنة الثانية أو الثالثة تقريباً ، فليس ذلك في معظم الأحوال على الأقل سوى عرض من أعراض اضطراب عاطفي ، والطفل يلجأ إلى هذه الحركات ليسلِّي نفسه بها فبعضها يمتعه ، وبعضها الآخر يذكره بطفولته الأولى .
ويمارس الطفل عادة مصِّ الإبهام عندما يشعر بالاكتئاب والتعب والتضايق ، أو عندما يتوجَّس خيفة من الوسط الذي يعيش فيه ، أو من الغرباء ، وهو يحتاج إلى مناخ عاطفي معيَّن لا يصح تجاهله أو إهماله ، فإذا لم يحظَ بالاهتمام والرعاية وبقي لمدة ساعات طويلة مع دمية يلعب بها ، تعذَّر على الأبوين منعه من مصِّ إبهامه ، ولكن إذا لقي تجاوباً وعطفاً ومزيداً من المؤانسة تضاءل تعلُّقه بطفولته الأولى ، وزادت اهتماماته ورغباته .
ومن الضروري ألا يتدخل الأبوان بطريقة آمرة لقمع هذه النقيصة غير المهمة لدى الطفل ، والتي تزول مع الزمن ، فتدخلهما يؤثِّر فيه تأثيراً سلبياً ، ويزيد من قلقه ، وربَّما كان من المستحسن اللجوء إلى وضع شيء بين يديه بغية حمله على الإقلاع عن عادة مصِّ إبهامه ، ومهما يكن من أمر فإن من الضروري معرفة سبب هذه العادة وإيجاد حلٍّ صحيح لها ، ومن المفيد في الوقت نفسه إطراء الطفل عند امتناعه عن مصِّ إبهامه ، فذلك يشجعه على الإقلاع عن هذه العادة .
وفي السنة الثالثة تقريباً ينزع الطفل غير الآمن إلى قضم أظافر يديه ، وهذا رد فعل طفولي على القلق والتوتر اللذين يصيبان الكبار كذلك ، وعن طريق هذه العادة الذميمة ينفِّس الطفل عن عدوانيته ، ويخفف من وطأة القلق الذي يعانيه ، ويشعر بالسرور في الوقت نفسه ، وعند محاولة حمل الطفل على الإقلاع عن هذه العادة ، ينبغي للأبوين تقصي الأسباب الداعية إليها ، وهي ترجع عادة إلى التربية التي ينشأ الطفل عليها .