Super User
ناصر وكفيل النبي
كان أبو طالب هو الناصر الوحيد لرسول الله صلى الله عليه واله والمحامي عنه والمحتمل لعظيم الأذى من قومه في سبيله والباذل أقصى جهده في نصرته فما كان يصل إلى رسول الله من قومه سوء مدة حياة أبي طالب.
فلما مات نالت قريش من رسول الله بغيتها وإصابته بعظيم من الأذى فقال لأسرع ما وجدنا فقدك يا عم وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم .
وقال ابن حجر في الإصابة: لما بعث النبي قام أبو طالب في نصرته وذب عنه من عاداه ومدحه عدة مدائح منها قوله : لما استسقى به أهل مكة فسقوا : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل ومنها قوله من قصيدة : وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد.
قال ابن عيينة عن علي بن زيد ما سمعت أحسن من هذا البيت.
وفي الدرجات الرفيعة في الحديث الصحيح المشهور أن جبرائيل عليه السلام قال لرسول الله ليلة مات أبو طالب أخرج منها فقد مات ناصرك . ولما أمر الله سبحانه رسوله أن يصدع بما أمر به فقام باظهار دين الله وشهر أمره ودعا الناس إلى الاسلام على رؤوس الاشهاد وذكر آلهة قريش وعابها أعظمت ذلك قريش وأجمعوا على عداوته وخلافه وأرادوا به السوء فقام أبو طالب بنصرته ومنعه منهم وذب عنه من عاداه وحال بينه وبين كفار قريش فلما رأت قريش محاماة أبي طالب عنه وقيامه دونه وامتناعه من أن يسلمه مشى إليه رجال من أشراف قريش منهم عتبة بن ربيعة وشيبة أخوه وأبو سفيان صخر بن حرب وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمثالهم من رؤساء قريش فقالوا له يا أبا طالب أن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آراءنا فاما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله ص على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه ثم أسرف الأمر بينه وبينهم تباعدا وتضاعفا حتى أكثرت قريش ذكر رسول الله ص بينها وتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه فمشوا إلى أبي طالب مرة ثانية فقالوا يا أبا طالب أن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا فاما أن تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه وعدواتهم ولم تطب نفسه باسلام ابن أخيه لهم ولا خذلانه فبعث إليه فقال له يا ابن أخي أن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر على ما لا أطيقه فظن رسول الله ص أنه قد بدا لعمه فيه بداء وإنه خاذله ومسمله وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام دونه فقال يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه ثم استعبر باكيا وقام وولى فلما ولى ناداه أبو طالب أقبل يا ابن أخي فاقبل راجعا فقال له إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ أبدا وأنشأ يقول : والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فانفذ لأمرك ما عليك مخافة * وأبشر وقر بذاك منه عيونا ودعوتني وزعمت إنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت عن ديننا قد علمت بأنه * من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا 1.
1-اعيان الشيعة ج8 ص 138_139.
ما هي صفقة القرن؟
المنطقة اليوم تقودها الإرادة الإسرائيلية بشكلٍ مُعلَن، والسعودية ومصر تعلنان أنهما ليستا طرفاً في الصراع مع إسرائيل بشكلٍ واضحٍ وجلّي، بل تعلنان اعترافهما الضمني بالدولة الإسرائيلية. بمقابل ذلك لازالت بعض الدول المُطبّعة صراحةً أو ضمناً مع إسرائيل مُتردّدة في قبول المشروع الجديد كالأردن وقطر اللتين لا يبدو أنهما راضيتان تماماً عن سَيْر الأحداث وعن مُجمَل المخططات التي يُراد التأسيس لها في الخريطة الجديدة.
"قبل ما يزيد عن عشرين عاماً سألني رئيس الوزراء الراحل يتسحاق رابين عن سبب اعتقادي بأن الخطر الإسلامي الذي كنا قد أصبحنا نشير إليه له عُمر متوقّع أطول من نظريات أخرى مثل الناصرية والبعثية والقومية العربية، وهي نظريات كان يعرفها وظلّ يواجهها لسنين طوال، فكان ردّي بأن الإسلام كقوّة سياسية ينشأ من تحت، أي من الثقافة الأصيلة لسكان المنطقة، وذلك خلافاً لغيره من الرؤى والنظريات الأخرى التي استوردتها النُخَب إلى المنطقة لتفرضها على مختلف المجتمعات. إن الواقع يثبت ذلك فعلاً''[1] .
يبدو أن قناعة الكيان الإسرائيلي بتفوّق التيارات الإسلامية وقُدرتها على الاستمرار لا تزداد إلا تنامياً رغم الدعايات المُضادّة التي تمارسها الأنظمة الحاكِمة في دول ما بعد الربيع العربي، هذه الأخيرة التي تراهن اليوم على تقوية سلطتها خارج أي شكلٍ من أشكال التوافق السياسي الحقيقي مع الحركات الإسلامية داخلياً، والتي لا تريد لها أي وجود سياسي خارجي في خريطة ما بعد صفقة القرن مع الكيان الصهيوني.
الخطوط العريضة للمشاريع الإسرائيلية الجديدة:
- بدائل جديدة لخيار الدولتين-
بعد أزيد من مئة سنة على اتفاقية سايكس-بيكو التي قسّمت المنطقة العربية إلى أقفاصٍ قُطرية غير مُنسجمة مع ذاتها كما تصفها التقارير الاستراتيجية الغربية، نشطت الحركة الدبلوماسية العربية في فتنها البينية الساذجة، مقابل تسابقها المحموم نحو تقديم قرابين الولاء للولايات المتحدة الأميركية التي لم تعد تخفي نهمها على رؤوس الأشهاد.
في مذكرته الشهيرة[2] منذ أزيد من ثمان سنوات، يسوّق خبير خبراء الكيان الصهيوني جيو إيلاند لحلٍ جديدٍ للقضية الفلسطينية من خلال البحث عن بديلين سياسيين أساسيين لحلٍ دائمٍ للقضية الفلسطينية ينبني أساساً على إشراك دول الطوق بدل استبعادها.
يرى اليهود اليوم أو هكذا يُسوّقون، أن اتفاق أوسلو لم يكن في صالح إسرائيل لأن الاعتراف الفلسطيني بالكيان الصهيوني قيّد حركة فتح ومَن يتبعها، لكنه لم يُقيِّد الإسلاميين الذين استفادوا من الاتفاق لمواجهة إسرائيل وتنغيص عيش مواطنيها.
من جهة أخرى لا يتصوّر الخبير اليهودي أن طبيعة الصراع الديني الذي تقوده الحركة الإسلامية والكثير من العرب لن يمكِّن من إيجاد حلٍ نهائي للقضية الفلسطينية ولا بإيجاد حلول حاسِمة لقضايا القدس واللاجئين، والتي لا تملك إسرائيل أن تتنازل عنها، كما أن بقاء الوضع كما هو عليه لن يكون أيضاً في صالح الإسرائيليين الذين لا يتخوّفون من الحاضر بقدر ما يتخوّفون من المستقبل القريب والبعيد.
الخيارات الجديدة تقتضي أن يتم تدشين مسار جديد لتسوية القضية الفلسطينية من خلال حلّين إثنين:
- الفيدرالية الهاشمية الأردنية: وهي الدولة التي من المُفترض أن تضمّ ثلاث ولايات مستقلّة على شاكلة النظام الفيدرالي الأميركي، الأردن والضفة الغربية وقطاع غزّة. تُعطى في النظام الفيدرالي لهذه الدويلات استقلالية المال والشرطة والتشريع، وتحتكر حكومة عمّان الإتحادية السياسة الخارجية والدفاعية. حماس تستأثر بغزّة، وفتح بالضفة، والهاشميون بالأردن، ويتوزّع دم القدس بين القبائل.
-الأرض مقابل الأرض: يتمثل الحل الثاني بتجاوز حل الأرض مقابل السلام أو الأمن إلى حل الأرض مقابل الأرض. يستبدل المصريون بعض أراضي سيناء مع اليهود ببعض أراضي النقب التي تسيطر عليها إسرائيل، لتتوسّع رقعة غزّة في الأراضي المصرية فيجد الفلسطينيون بديلاً عن إكتظاظهم الديموغرافي في رقعة صغيرة.
يُسهِب التقرير في تعداد المنافع الكبيرة لجميع الأطراف من هذا المُقترح الذي قد يجد حلاً دائماً لمشكلٍ قائمٍ، كما أنه يفتح الباب على مصراعيه لتطبيع شامل مع الدول العربية التي أصبحت تبحث عن علاقات "طبيعية" مع إسرائيل خارج فلك القضية الفلسطينية. صفقة القرن. ماذا يريد اليهود للمنطقة ومن ورائهم ماذا تريد المُخطّطات العالمية الاستكبارية بأرض الإسلام ومركزها العربي؟
يدّعي التقرير الإسرائيلي الذي كُتِبَ منذ سنوات والذي بدأت تظهر ثماره على الساحة السياسية العربية والدولية، أن هذا المسار الجديد سيكون مفيداً للدول العربية التي ستتمكن أخيراً من تحقيق تطبيع حقيقي للعلاقات مع إسرائيل دونما خجل من شعوبها التي طالما ظلّت حجر عثرة أمام أشكال التطبيع المُتعدّدة منذ اتفاقية كامب ديفيد.
من جهة أخرى ستتمكّن المملكة الهاشمية من مُحاصرة المد الإسلامي من خلال الدولة الفيدرالية التي ستعطي لها السيطرة الأمنية على إمكانية انتشار حماس واختراقها لها في حال نجاح حل الدولتين، الذي يعد بسيطرة الإسلاميين على الحُكم في دويلة تضم الضفة الغربية وغزّة فقط، وهو جوار لا يبدو مريحاً كثيراً للحُكّام في عمان.
على صعيد اقتراح تبادُل أراضي سيناء بأراضي صحراء النقب، يُسهِب التقرير في تعداد التسهيلات الإقتصادية الإسرائيلية التي سيتيحها الاتفاق من خلال بناء نفق مع الجارة الأردن، ومساعدة مصر في مجال تكنولوجيا المياه، وبناء مشروع نووي للأغراض السلمية، والمساهمة في استقرار منطقة سيناء، التي ستخفّف إسرائيل بعد الاتفاق من قيود حركة الجيش المصري فيها التي خلّفها اتفاق كامب ديفيد.
خاسرون ورابحون
- -في البحث عن الأعداء المشتركين-
توحي السياسات الخارجية للدول العربية اليوم في المنطقة أن هناك تحوّلات جذرية تطبع خارطة التوازنات والتحالفات السياسية والإقتصادية. ويبدو أن مرحلة ما بعد الربيع العربي بدأت تُسفر عن ملامحها في عالم إسلامي سريع التغيّر، والتي لا يبدو أنها تستبعد الخيارات المذكورة في هذا التقرير، والتي أصبحت تنسجم مع رؤية بنيامين نتنياهو لحل القضية الفلسطينية والتي تحمل شعار "السلام الاقتصادي" الذي يبدأ بالدول العربية لا بالفلسطينيين، حيث قال في تصريح أخير مع شبكة CNN الأميركية: "كنا نعتقد في السابق أننا إذا أنهينا الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فإننا سنتمكّن من حلّ صراع أكبر، وهو الصراع العربي-الإسرائيلي، لكن اتضّح لنا لاحقاً أن العكس هو الصحيح، ونعمل حالياً من أجل تحقيق هذه الغاية".
السلام مع الفلسطينيين يبدأ مع السلام مع العرب، لذلك تدشّن اليوم الطبقة الجديدة من حكّام العرب وجودها في المنطقة من خلال تدشين العلاقات مع إسرائيل دونما خجل كبير من المحذورات السابقة التي ألِفَ الحديث من خلالها الحكّام العرب السابقون. في مصر حيث رجعت الانقلابية العسكرية، نجد أن النظام أصبح أكثر جُرأة في البحث عن صِيَغِ جديدة لحل قضية الصراع مع الشعب الإسرائيلي، كما ظهر ذلك في خطاب السيسي أمام الأمم المتحدة من خلال توجّهه مباشرة إلى الشعب الإسرائيلي وإلى مهندس السلام الاقتصادي فيه بنيامين نيتنياهو.
في السعودية والإمارات يُمهّد الخطاب السياسي الرسمي لوليّ العهد الجديد لتوثيق العلاقات السعودية الإسرائيلية خارج القضية الفلسطينية، وهو ما يتطابق مع تصريحات بنيامين نتنياهو وتصريحات السيسي التي سمّاها الأخير: قضية القرن والتي عنوانها حل القضية الفسلطينية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
المنطقة اليوم تقودها الإرادة الإسرائيلية بشكلٍ مُعلَن، والسعودية ومصر تعلنان أنهما ليستا طرفاً في الصراع مع إسرائيل بشكلٍ واضحٍ وجلّي، بل تعلنان اعترافهما الضمني بالدولة الإسرائيلية. بمقابل ذلك لازالت بعض الدول المُطبّعة صراحةً أو ضمناً مع إسرائيل مُتردّدة في قبول المشروع الجديد كالأردن وقطر اللتين لا يبدو أنهما راضيتان تماماً عن سَيْر الأحداث وعن مُجمَل المخططات التي يُراد التأسيس لها في الخريطة الجديدة.
المخطّطات الإسرائيلية التي يتم تسويقها اليوم تستهدف التوحّد عن طريق توحيد الأعداء. العدو المشترك الأساسي للسعودية هو إيران، وهو الخطاب الذي أصبحت تكرّره على مسامِع آل سعود آلة البروبغندا السياسية الإسرائيلية، فيما يتطابق خطاب الحرب على الإرهاب بين السيسي ونتانياهو، الذي أصبح يضع الإخوان المسلمين وحماس والقاعدة وداعش في سلّةٍ واحدة.
يبدو أن الخبراء الإسرائيليين في الصراع مع العرب، أثمرت تصوّراً جديداً ناجعاً لتحقيق ما عجز عنه مؤسّسو الكيان الصهيوني سنة 1948 أو هكذا يُخيَّل لهم.
الخيارات الجديدة معناها الأساسي هو أن القضية الفلسطينية يجب أن تصبح شأناً داخلياً بين العرب لا علاقة لإسرائيل به، وذلك من خلال توسيع اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربه لتشمل كامل التراب الفلسطيني الذي يسيطر عليه الفلسطينيون أو يكادون. استبدال الأرض بالأرض معناه توطين الفلسطينيين في الأرض المصرية، وإلحاق حركة حماس والحركات المُسانِدة لها سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية رسمياً بالاقليم المصري وبالأمن القومي المصري الذي سيجتهد في عزل حكومة غزّة عن محيطها العربي والإسلامي.
من جهة أخرى سيكون حل الفيدرالية الأردنية أكبر وسيلة لنكء جرح العلاقات الفلسطينية الأردنية منذ أحداث أيلول الأسود، وتوتير المشهد السياسي الأردني الذي سيتقوّى فيه الإخوان الأردنيون بوجود حركة حماس داخل محيط سياسي واحد يجمعهم. حل الفيدرالية سيجعل من النظام الأردني قفازاً إسرائيلياً لمواجهة الإسلاميين كما هو اليوم النظام المصري العسكري الذي يبدو أنه أكثر تحمّساً أحياناً من جاره الإسرائيلي في هذا الموضوع.
رغم الاهتمام الشديد الذي تُبديه سلطات إسرائيل بالحُكّام العرب خليجيين كانوا أو دول طوق، إلا أنها لا تعوِّل كثيراً على قدرتهم في وقف صعود الإسلاميين ولا في تحجيم دور إيران المُتنامي، لذلك يبدو أن تسريع وتيرة تنزيل صفقة القرن يرتبط أساساً بمحاولة تُهيّئ لواقع جديد سيفرض على الإسلاميين التعامل معه حين يصلون الحُكم ليطوقّهم كما طوّق قبلهم حكومة أردوغان في تركيا، والتي لم تستطع أن تتحرّر مع العلاقة مع إسرائيل كما تحرّر منها بسهولة الجار الإيراني قبل 30 سنة.
الأردنيون لا زالوا إلى اليوم غير مُطمئنين إلى المخططات الجديدة التي قد تدخلهم في نار مُستعِرة لم يفلح الإسرائليون في إطفائها، واضطروا أن يفكّوا ارتباطهم مع غزّة بعد أن أعيتهم الحيلة، لذلك يُسارِع الهاشميون اليوم إلى بناء أفقِ جديد لعلاقاتهم مع تركيا وإيران بحثاً عن بدائل شرعية جديدة تقطع الطريق على تحالفات ممكنة مع الإخوان الأردنيين داخلياً، وتُتيح لهم المفاوضة على شروط أفضل في أية تسوية مُمكنة للمنطقة.
أحمد فال السباعي أكاديمي وكاتب مغربي
[1] يعقوب عميدور، فوضى وليدة عاصفة كاملة، تقرير مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية أنظر:
هل تعلم ما هو فضل قضاء حوائج المؤمنين؟
أكدت الروايات على أن قضاء حاجة المؤمن خير من الاعتكاف في المسجد.
فقد رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أنهُ قَالَ : كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السَّلام)، فَأَتَاهُ رَجُلٌ .
فَقَالَ لَهُ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَاناً لَهُ عَلَيَّ مَالٌ وَ يُرِيدُ أَنْ يَحْبِسَنِي .
فَقَالَ : «وَ اللَّهِ مَا عِنْدِي مَالٌ فَأَقْضِيَ عَنْكَ»
قَالَ: فَكَلِّمْهُ .
قَالَ: فَلَبِسَ (عليه السَّلام) نَعْلَهُ .
فَقُلْتُ لَهُ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَسِيتَ اعْتِكَافَكَ؟!
فَقَالَ لَهُ : لَمْ أَنْسَ ، وَ لَكِنِّي سَمِعْتُ أَبِي (عليه السَّلام) يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ :
«مَنْ سَعَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَكَأَنَّمَا عَبَدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ تِسْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ صَائِماً نَهَارَهُ قَائِماً لَيْلَهُ»
المصدر: من لا يحضره الفقيه : 2 / 189
بوتقة الاخـلاص
في كل عام ، وعندما يقترب موسم الحج يستعد مئات الالوف من المؤمنين الذين توافدوا من اقطار الارض الى بيت الله الحرام؛ يستعدون لرحلة الحج العظيمة التي هي بمثابة بوتقة تصهر الملايين من البشر بمختلف اجناسهم، وجنسياتهم في وحدة توحيدية بالغة الصفاء والقيمة.
ايام مباركات:
ان الايام العشرة الاوائل من شهر ذي الحج، التي اشار اليها الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (الفجر/1-3)، وقوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (الاعراف/142). هذه الايام تعتبر من الايام المباركة العظيمة، لان وفود الرحمان تستعد فيها للقيام بتلك الرحلة الالهية العظيمة. فلقد اذن مؤذن الرب تعالى ابراهيم الخليل عليه السلام في الناس بالحج، فاذا بقلوب الملايين تهوي الى الكعبة المباركة، والمسجد الحرام، والمشاعر المقدسة، وتتعلق بهذه الديار التي تتجلى فيها رحمة الله، وتستقطب نفوس المسلمين اينما كانوا.
ولذلك فعلى الرغم من الصعوبات والاخطار التي كانت وما زالت تهدد الوافدين الى مكة المكرمة ، وعلى الرغم من الاموال الهائلة التي لابد لكل انسان مسلم ان ينفقها ليصل الى تلك الديار.. على الرغم من كل ذلك ترى السلمن يعشقون الحج ، ويبذلون الغالي والنفيس من اجل ادائه. وهذا دليل على ان هذه النفوس انما تهوي استجابة لنداء ابراهيم عليه السلام: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (ابراهيم/37).
ومنذ ذلك الزمن البعيد والى الآن ؛ اي بعد حوالي خمسة آلاف عام او اكثر مازال هذا البيت العتيق يستهوي الملايين من البشر، وكأنه مؤتمر الهي عظيم. فالذين يذهبون الى هذه الديار انما هم ممثلون عن المسلمين ؛ اي عن اكثر من مليارد ومائتي مليون انسان مسلم منتشرين في بقاع الارض المختلفة، صهرتهم بوتقة التوحيد ، وجعلتهم يحافظون على وحدتهم رغم انهم يتحدثون بلغات شتى ، ويعيشون في بيئات مختلفة،ويتفاعلون مع مؤثرات متفاوته. فترى الواحد منهم ينتمي الى جنس من الممكن ان لايكون الآخر قد سمع به ، ومع كل ذلك نرى هذه الامة المنتمية الى جميع الانبياء ما تزال هي الامة الواحدة كما يقول تعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ (الانبيياء/92)
فالامة ماتزال بكل عنفوانهـا وشبابهـا ونظارتها وحيويتهـا ، وما يزال الحج هو بوتقة هذه الأمة ، والسبب الذي جعلها واحدة رغم كل الحواجز ، لان الحج يصهر هذه النفوس انصهاراً عينياً واضحاً في تلك البوتقة الواحدة.
الله قريب منا ولكن...:
ان ربنا العزيز الرحمان الرحيم قريب منا، ولكننا نحن البعيدين عنه. فالله سبحانه وتعالى لا يبحث عنه في القفار ، او في اعالي الجبال ، اوفي عمق السماء.. فهو شاهد حيث يكون الانسان حاضرا، وهو قائم قيوم حي، يسمع ويرى، كما اكد على ذلك في قوله الكريم: ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ﴾ (المجادلة/1)، وقوله: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ (طه/46).
وهكذا فان الله جل وعلا قريب منا، ولكننا نحن البعيدين عنه. كما يشير الى ذلك قوله عز من قائل:﴿ وَإِذَا سَاَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَاِنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ (البقرة/186).
اى اننا بعيدون عن الله جل وعلا لسبب واحد، هو اننا محجوبون عنه بمجموعة كبيرة من الحواجز. فالشمس تشرق كل يوم وتملأ الخافقين ، ولكن غرفتي التي أغلقت ابوابها ، واسدلت ستائرها بعيدة عن الشمس محجوبة عنها. وهكذا الحال بالنسبة الى علاقتنا بالله جل وعلا، فنحن بعيدون عنه، لاننا محجوبون عنه بالتوافه الدنيوية. فالدنيا هي اكبر حاجز بين الانسان وربه، كما يقول الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله: "حب الدنيا رأس كل خطيئة ".
والاسـوء من ذلك ان الواحد منا يعيش الانانية ، ويعيش السجن الذي وضع نفسه فيــه حتى اذا ما خرج من هذا السجن دخل في رحاب الحقيقة. ولذلك جاء في الدعـاء المعروف بدعاء ابي حمزة الثمالي: " واعلم انك للراجين بموضع اجابة ، وللملهوفين بمرصد اغاثة... وان الراحل اليك قريب المسافة ، وانك لا تحتجب عن خلقك إلاّ ان تحجبهم الاعمال دونك...".
ضرورة الاخلاص:
فلنخلص العمل والنية، ولنحطم الانداد والاصنام، فاذا بنا نجد انفسنا عند الله سبحانه وتعالى نناجيه ويناجينا، ونتحدث معه ويتحدث معنا. فقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: "قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمان"؛ اي ان هذا القلب يتقلب مع الله جل وعلا ، كما كان حال امامنا أمير المؤمنين عليه السلام الذي وصف نفسه قائلا:"ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله قبله وبعده ومعه ".
صحيح ان عين الانسان ترى المظاهر المادية، ولكن علياً عليه السلام ينفذ ببصيرته من خلال هذه المظاهر الى رب المظاهر ، ومن خلال الدلائل الى رب الدلائل ؛ اي انه لا يرى المظهر، بل يرى ما روائه. ولذلك اكد عليه السلام على ان الخالق جل وعلا ، انما يرى من خلال البصائر والحقائق وذلك في قوله:" لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان".
وعلى هذا لكي نصل الى الله جلت قدرته، ولكي نتحدث معه، ولكي نحبه ويحبنا ، ونرضى عنه ويرضى عنا.. فان علينا ان نسقط كل الاصنام التي يقف في مقدمتها صنم الانانية. فكلنا من آدم، وآدم من تراب. ومادامت حبات التراب لاتختلف، فان البشر ايضاً لايختلفون عن بعضهم إلاّ بالتقوى، كما يقول رب العزة: ﴿ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (الحجرات/13).
وعلى هذا فان من الواجب علينا ان لانفتخر بأصلنا ونسبنا. فالنسب لايمكن ان ينفع الانسان من دون العمل الصالح. فعلى سبيل المثال ان ابن شيخ المرسلين نوح عليه السلام لم تنفعه صلته القريبة بهذا النبي، ولم تستطع ان تنجيه من الغرق، لانه لم يكن مؤمناً بالله تعالى كما يروي لنا ذلك القرآن الكريم في قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ (هود /45-46).
وعلى هذا يجب علينا ان نسقط هذا الحجب والحواجز، وننصهر في بوتقة الايمان. ولذلك نجد المسلمين في مكة المكرمة عند الطواف والمسعى ، وفي عرفة والمشعر ومنى وغيرها من المشاعر المقدسة هم اقرب ما يكونون من الله جل وعلا، لانهم حطموا في تلك اللحظات جميع الحواجز. فتراهم جميعهم على اختلاف الوانهم ، ولغاتهم ، ومراكزهم الاجتماعية يهتفون قائلين: " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك ".
فالميزات التي تميز الانسان عن الآخر تسقط كلها في موسم الحج. فعلى سبيل المثال، فان الملابس التي تعتبر من الامور التي يتميز بها انسان عن آخر ، ترى في الحج ان الجميع يرتدون لباساً واحداً متشابهاً، هو لباس الاحرام. فتتهاوى مظاهر الترف والزينة، لانها تعتبر من الامور المحرمة في الاحرام.
وهكذا ففي موسم الحج يشعر الانسان بالروحانية والصفاء. فترى النفوس تلتهب ايمانا وتتوقد معرفة بالله تقدست اسماؤه، فكلمات الدعاء تنبع من اعماق الانسان، وتختلف عما نعيشه في غير موسم الحج، حيث تحيط بنا الدنيا وزخارفها.
فلنخرج من هذا السجن الذي حبسنا فيه انفسنا، لتشرق على قلوبنا شمس الحقيقة، وحينئذ نقترب من الله جل وعلا، ونتخلص من حالة البعد والاحتجاب عنه بالحواجز والحجب الدنيوية.
في استقبال ايام الحج:
وبالاضافة الى ذلك فاننا كلما نقترب من الايام العشرة الاولى من ذي الحجة الحرام ، ونستقبل يـوم العيد الذي هو من الايام العظيمة عند الله، فان علينا ان نهئ انفسنا - إن لم نوفق الى الحج - كما يهيؤها الحجاج، ولنشاركهم في روحانيتهم ، وتوجهاتهم الانسانية ، وان نهتم في ليالي تلك الايام المباركة بقراءة القرآن والادعية واداء صلاة الليل واداء النوافل من العبادات.. والاهتمام بالتوجيهات الروحية التي من شأنها ان تخرجنا من سجن هذه الدنيا. بهذا يمكننا ان نحظى ولو على شيء من فضيلة الحج وكرامته، وان ننههل من معين فوائده الجمة1.
1- الحج ضيافة الله / محمد تقي مدرسي.
عشر صفات سبب للمغفرة
الرجل والمرأة في الآيات
(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).(سورة الاحزاب).
تفسير
المسلمين: الّذين استسلموا لأمر الله وانقادوا له.
المؤمنين: المصدِّقين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما أتاهم به من عند الله تعالى.
ذكر سبحانه في هذه الآية عشر خصال تسبّب المغفرة والعفو عن الزلاّت للموصوفين بها:
1 و 2: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ):ربّما يقال بأنّ المراد من الإسلام هو التسليم لساناً لا جَناناً، كما أنّ المراد من الإيمان هو التصديق قلباً، يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ الإسلام هو تسليم الدين حسب العمل وظاهر الجوارح، والإيمان أمر قلبي، ثم إنّ الإيمان الذي هو أمر قلبي، اعتقاد وإذعان باطن، بحيث يترتّب عليه العمل بالجوارح. الميزان في تفسير القرآن: 16 / 314. ويُريد رحمه الله تعالى بهذا الكلام وجود التسليمين معاً، أي التسليم لساناً، والتسليم اعتقاداً.
(3) وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَات :أي العابدين والعابدات والمطيعين والمطيعات. ومن المعلوم أنّ العبادة والطاعة من آثار الإيمان والتصديق، وبما أنّ الآية بصدد التكريم فالمراد الملازمة مع العبادة والطاعة، لا مجرّد التلبّس بهما ولو مرّة واحدة.
(4 )وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ: في النيّة والقول والعمل والوعد. والصدق ركن الاستقامة والصلاح، وسبب الفوز والفلاح، قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا المائدة: 119 .
(5)وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ: يتلبّسون بالصبر على الطاعة والصبر عن المعصية والصبر عند النائبة. قال الإمام علي عليه السلام): «والصَّبْرَ مِنَ الاْيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلاَ خَيْرَ فِي جَسَد لاَ رَأْسَ مَعَهُ، وَلاَ فِي إِيمَان لاَ صَبْرَ مَعَهُ/ نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 82 . وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «اصبروا على طاعة الله، وتصبّروا عن معصيته، فإنّما الدنيا ساعة، فما مضى فلست تجد له سروراً ولا حزناً، وما لم يأتِ فلست تعرفه، فاصبر على تلك الساعة، فكأنّك قد اغتبطْتَ الوافي: 3 / 63 .
(6) وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ: بالتذلّل باطناً، والخضوع هو التواضع ظاهراً بالجوارح.
(7)وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ : مَن يبذلون المال للفقراء ويُخرجون الصدقات تقرّباً إلى الله سبحانه. (والصدقة في اصطلاح الأحاديث والأخبار تطلق على معنيين: الصدقة الواجبة كالزكاة، والصدقة المستحبّة كالتي تُعطى إلى السائل مثلاً. وإذا ما كان الإنسان مخلصاً زكياً صادق التعامل مع الله وبعيداً عن رئاء الناس، فإنّ صدقاته مقبولة مرضية سواء دفعها سرّاً أم علناً، فلكلّ حال منهما مبرّراته ومسوّغاته المشروعة، فصدقة السرّ تطفئ غضب الربّ تبارك وتعالى، وصدقة العلانية تدفع ميتة السوء ومصارع الهوان، وقد تضافرت الروايات حول ذلك ، كما صحّح القرآن أصل الإنفاق سرّاً وعلناً، بيد أنّه ـ بصورة عامّة ـ صدقة السرّ أفضل الصدقتين.
(8)وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ : والصوم رياضة بدنية وروحية تقوّي في الإنسان ملكة ترك المعاصي والمحارم.
(9)وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ: يحفظون الفروج عمّا حرّم الله، وليس المراد ترك التزوّج والرهبانية، لأنّه مذموم، كما سيوافيك في سورة الحديد اية 27.
(10)وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ: والظاهر أنّه من الذُّكر ـ بضم الفاء ـ والمراد من يذكر الله قياماً وقعوداً وعلى عامّة الأحوال ففيه حياة القلوب.
وهذه الخصال العشر، هي الّتي تسبب شمول رحمة الله ومغفرته كما يقول: (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيًما)
* اية الله جعفر السبحاني ، تفسير منية الطالبين
القوى المناهضة لأمريكا تكتسح الانتخابات العراقية
بعد يومين على إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية؛ أعلنت لجنة الانتخابات المستقلّة نتائج الانتخابات في 18 محافظة عراقية، ووفقاً للنتائج التي أعلنتها اللجنة فقد حصل ائتلاف "سائرون" الذي يتزعمه مقتدى الصدر على 54 مقعداً، كما حصل تحالف "الفتح" بقيادة هادي العامري على 47 مقعداً، في حين حلّ ائتلاف النصر الذي يتزعمه حيدر العبادي على 43 مقعداً من مقاعد البرلمان العراقي البالغة 328 مقعداً.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الائتلافات والتيارات السياسية حصلت على باقي الأصوات، حيث حصل ائتلاف دولة القانون على 25 مقعداً، والحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي على 23 مقعداً، والرابطة الوطنية حصلت على 21 مقعداً، وعلى الرغم من أن هذه النتائج ليست نهائية، إلا أن اللجنة لم تعلن بعد النتائج النهائية، ولكن يمكن القول بأن احتمال تغيير النتائج منخفض للغاية، أو أن أقصى تغيير في المقاعد سيكون مقعدين لكل تيار أو ائتلاف.
وبناءً على النتائج المُعلنة يمكن استنتاج أنّ محور "مناهضة أمريكا" في العراق قد انتصر، وبالنظر إلى أنه وخلال الأشهر التي سبقت الانتخابات، ومع انتصار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في الحرب ضد تنظيم داعش ومنع انهيار البلاد، توقّع مُعظم المحللين انتصار تحالف العبادي والمعروف بتحالف "النصر" في الانتخابات، غير أنّ معظم المقاعد فاز بها تحالف "الفتح" الذي يُعتبر أحد أكبر وأهم التيارات السياسية المعادية لأمريكا، الأمر الذي يُعتبر رسالة رئيسية من الشعب العراقي في الجولة الرابعة من الانتخابات البرلمانية.
تقييد تأثير أمريكا وحلفائها على تشكيل الحكومة العراقية المستقبلية
قد يكون التأثير الأول لانتصار التحالفين اللذين يقودهما هادي العامري ومقتدى الصدر على المشهد السياسي العراقي هو تقليل تأثير أمريكا على الشؤون السياسية في العراق، خاصة في مسألة تشكيل حكومة جديدة، وفي الواقع فإنّه وخلال شهر واحد من حملة "سائرون" وتيار "الفتح" الانتخابية، كان التركيز الرئيسي لشعارات الحملة مختصاً بالحفاظ على سيادة العراق وإصلاح الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، والآن وبعد انتصارهم الذي لم يتوقعه المراقبون ولا المحللون، فمن الواضح أن أغلبية العراقيين غير راضين عن الوجود الأمريكي في البلاد.
وبناءً عليه؛ فإنّ الأشهر المقبلة وخلال تشكيل الحكومة، ستشهد زيادة الحكومة الأمريكية من جهودها للتأثير على عملية اختيار أعضاء الحكومة، ويمكن القول إن دور أمريكا خلال التطورات المقبلة في العراق سيكون محدوداً، والآن وأكثر من أيِّ وقتٍ مضى يجب على السياسيين العراقيين أن يكونوا أكثر حذراً في تعاملهم مع واشنطن.
البروز التدريجي للقوى المعادية لأمريكا بعد العام 2003
في تحليل لانتصار القوتين الرئيسيتين المناهضتين لأمريكا في الانتخابات الأخيرة، من الضروري تتبع الموجة المعادية لأمريكا في المجتمع العراقي والذي بدأت بالانتشار وعلى نطاق واسع في السنوات التي تلت العام 2003 بعد الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق، حيث شهدت الفترة التي تلت الاحتلال موجة من التفاؤل بين المجتمع السياسي العراقي تجاه أمريكا على أساس أنها لعبت دوراً رئيسياً في إسقاط صدام حسين، الأمر الذي دفع بعدد كبير من الأحزاب السياسية العراقية نحو إقامة علاقات جيدة مع أمريكا.
وبناءً على ما سبق يمكن ومنذ البداية رؤية دور مقتدى الصدر المخالف للوجود الأمريكي من خلال إنشاء جيش المهدي الذي بدأ المقاومة ضد الغزو الأمريكي – البريطاني، وتركّز نشاطه في مدينتي بغداد والبصرة اللتين كانتا تحتضنان القوات أجنبية وخاصة الأمريكيين، حيث أعلن جيش المهدي أنّ القوّات الأمريكية قوة غير مشروعة ومزعزعة للاستقرار ودعا إلى انسحابها من العراق في أقرب وقت ممكن، واستمر الجيش في مقاومته حتى اتخذ البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية عدة خطوات خلال عامي 2005 و2007 لاغتيال مقتدى الصدر.
وبالإضافة إلى مقتدى الصدر، فإن هادي العامري، رئيس منظمة بدر، وباعتباره شخصية شيعية مستقلة منذ أوائل عام 2003، عبّر عن معارضته الشديدة لوجود القوات الأمريكية في العراق، وفي السنوات التالية لعام 2010 وبصفته رئيس البرلمان ووزيراً للنقل تم الاعتراف به كشخصيّة سياسية مناهضة لأمريكا تعارض أيّ تدخلٍ من جانب واشنطن في شؤون العراق.
باختصار؛ ومن خلال استعراض الأنشطة السياسية لهادي العامري ومقتدى الصدر، يمكن القول إن معارضة هذين الزعيمين السياسيين للأمريكيين في السنوات التالية لعام 2003 كانت في وضع اتخذت فيه أغلبية الفصائل السياسية استراتيجية التسامح مع أمريكا، ولكن انتخابات اليوم أظهرت الوجه الصحيح للعراق، حيث إن المواطنين العراقيين وجدوا طريقهم ونهجهم الصحيح، وهو النهج المعادي للأمريكيين، ويمكن رؤية ذلك من خلال انتخابهم لهاتين الحركتين السياسيتين، وتأكيدهم على الدور السلبي المستمر لواشنطن في العراق.
دور القرآن في تحقيق العبودية
قال الله تعالى في الذكر الحكيم: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلنَٰهُ مُبَارَك فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾1. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي بَعْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الدُّعَاء"2. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين المشهور قال: "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ"3.
نلحظ في هذه النصوص المباركة موقعاً متقدّماً للقرآن الكريم بين العبادات والتكاليف التي أمرنا الله تعالى ورسوله بها، حيث اعتُبِرت قراءة القرآن الكريم أفضل العبادات، وأُمِرنا باتّباعه، وجُعِل التمسّك به الى جانب التمسّك بأهل البيت عليهم السلام تكليفاً أساسياً لا غنى عنه لمن يريد الهداية والابتعاد عن الضلالة.
فالقرآن الكريم هو خطاب الرب الى العبد وكلام الخالق مع المخلوق، وقد أودع فيه سبحانه وتعالى شريعته وحقائق دينه وأنزله للناس هادياً وسراجاً منيراً، وأمر نبيّه والأوصياء من بعده أن يفسّروا آياته ويبيّنوا تعاليمه. فهو كلمة الله التامّة وإرادته الكاملة للبشرية في كل زمانٍ ومكانٍ.
وهو كتاب الهداية الأوحد الذي يهدي إلى صراط الله المستقيم: ﴿وَنَزَّلنَا عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ تِبيَٰنا لِّكُلِّ شَيء وَهُدى وَرَحمَة وَبُشرَىٰ لِلمُسلِمِينَ﴾4.
يقول الإمام الخميني قدس سره: "وهذا الكتاب الشريف هو الكتاب الوحيد في السلوك إلى الله، والكتاب الأحدي في تهذيب النفوس وفي الآداب والسنن الإلهية، وهو أعظم وسيلة للربط بين الخالق والمخلوق"5.
وهو الحبل الممدود بين الله وعباده، فمن أراد تحقق العبودية في وجوده فإن القرآن هو الوسيلة وهو الغاية في آنٍ معاً:
هو الوسيلة لأنه دلّنا إلى سبيل العبودية لله تعالى وهو مظهر هداية الله التامة، فإن كانت العبودية تعني التعلُّق بالمولى وإرادته ففي القرآن الكريم كلّ ما يتعلّق بمراد المولى من عبده في هذه الحياة: ﴿وَنَزَّلنَا عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ تِبيَٰنا لِّكُلِّ شَيء وَهُدى وَرَحمَة وَبُشرَىٰ لِلمُسلِمِينَ﴾6. وإن جميع مقاصد القرآن، مثل الدعوة إلى معرفة الله وإلى تهذيب النفوس وبيان قوانين ظاهر الشريعة والآداب والسنن، غايتها النهائية تحقيق العبودية في وجود الإنسان على الصعيدين الاجتماعي والفردي. وإن امتثالنا لأوامر الله ورسوله بالتمسّك بالقرآن الكريم واتّباعه هو إذعانٌ لله وخضوعٌ له وهذا تجسيدٌ للعبودية له تعالى.
ومن جهةٍ أخرى هو غاية لأنه حوى جميع مراتب الكمال والغنى الذي لا حد له، فهو صراط العروج في مراتب الكمال لأنه الغنى الذي لا غنى دونه ولا بعده، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "القرآن غنى لا غنى دونه ولا فقر بعده"7.
وكلّ آيةٍ فيه تمثّل درجةً من درجات الجنة التي حوت كلّ كمال. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا جاء يوم الحساب قيل لقارئ القرآن: اقرأ وارقَ. فلا يكون في الجنة من الدرجات إلا بعدد آيات القرآن الكريم"8.
.
1 سورة الأنعام، الآية 155.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج90، ص300.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج27، ص33.
4 سورة النحل، الآية 89.
5 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، الباب الرابع: في ذكر نبذة من آداب القرءة وقطعة من أسرارها، الفصل الثالث، في بيان طريق الاستفادة من القرآن الكريم.
6 سورة النحل، الآية 89.
7 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج6، ص168.
8 م.ن، ص224.
الحج في حديث الإمام الخامنئي(دام ظله)
بسم الله الرحمن االرحيم
ألحمد لله ربّ العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
قال الله الحكيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ *رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أطل علينا موسم الحجّ، وملأت نغمة التلبيه المتصاعدة من قلوب المشتاقين; حرم الأمن الإلهي، وهرعت الشعوب الإسلاميّة من أرجاء المعمورة الى ميعاد الذكر والاستغفار والقيام والاتحاد، وتلاقى الأُخوّة المتباعدون...
أتوجّه إلى الله العزيز الحكيم شاكراً خاضعاً، وأحمده حمداً عظيماً عظمَ صفاته الحسنى، وأثني عليه سبحانه ثناءً واسعاً، سعةَ بحار رحمته، أن وفّق المسلمين المشتاقين مرّةً أخرى لأداء هذه الفريضة، وأعلا ـ جلّ شأنه ـ بذلك رايةَ العزّة والعظمة على رؤوس المسلمين في بيته الآمن، واستضاف الحجاج الإيرانيين أيضاً على مائدة الرحمة والعظمة. إنّ الإنسان ليعجز عن وصف هذه النعمة الكبرى وقدرها وإن أُوتي فصاحة اللسان وقوّة البيان. ولعلّ الله سبحانه ينير قلوبكم المضيئة المشتاقة فتتجلّى فيها تلك الحقيقة المستغنية عن وسائط القول والكلام.
أيّها الاخوة والأخوات من أيّ بلد كنتم وإلى أيّ شعب انتميتم; إنّ ما يهمّني أن أقوله لكم هو أنّ الحجَّ نعمة إلهيّة مَنَّ بها الله سبحانه على الأجيال المسلمة. وشكر هذه النعمة ومعرفة قدرها يزيدها، والكفران بها ونكران قدرها يسلبها من المسلمين وهو العذاب الإلهي الشديد: ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
واعلموا أنّ سلب نعمة الحجّ ليس في عدم توجّه المسلمين لأداء هذه الفريضة، بل في حرمان المسلمين من منافعه التي لاتحصى، وزيادة هذه النعمة ليس في زيادة عدد الحجاج كلّ عام، بل في استثمار منافعه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِع﴾.
جدير بنا أن نفكّر جيّداً، هل العالم الإسلامي استطاع أن يستثمر منافع الحج؟ وما هي هذه المنافع أساساً؟
الحج الصحيح يستطيع أن يحدث تغييراً في المحتوى الداخلي لكلِّ فرد من أفراد المسلمين. يستطيع أن يغرس في نفوسهم روح التوحيد، والارتباط بالله، والاعتماد عليه، وروح الفرض لكلّ الأصنام الداخلية والخارجية في وجود الكائن البشري، هذه الأصنام المتمثلة في الأهواء والشهوات الدنيئة، والقوى الطاغية المسيطرة. الحجُّ يستطيع أن يرسّخ الإحساس بالقدرة والاعتمادَ على النفس والفلاحَ والتضحية. ومثل هذا التحوّل يستطيع أن يصنع من كلّ إنسان موجوداً لا يعرف الفشل ولا ينثني أمام التهديد ولا يضعف أمام التطميع.
والحجّ الصحيح يستطيع أن يصنع من الأشلاء الممزّقة لجسد. الأُمة الإسلاميّة كياناً واحداً فاعلاً مقتدراً، وأن يجعل هذه الإجزاء المتفرقة تتعارف وتتبادل الحديث عن الآمال والآلام، والتطورات والاحتياجات المتقابلة، والتجارب المستحصلة.
ولو أنّ الحجّ وضع ضمن إطار برنامج يتوخّى هذه الأهداف والنتائج وتتضافر عليه جهود الحكومات والعلماء، وأصحاب الرأي والكلمة في العالم الإسلامي، لعاد على الأُمّة الإسلاميّة بعطاء ثرّ; لا يمكن مقارنته بأيّ عطاء آخر في دنيا الإسلام. كما يمكن القول بكل ثقة: إنّ هذا التكليف الإلهي وحده، لو استثمر استثماراً صحيحاً كما أرادته الشريعةُ الإسلاميّة، لاستطاع بعد مدة غير طويلة أن يبلغ بالأُمّة الإسلاميّة ما يليق بها من عزّة ومنعة.
لابُدَّ من أن نذعن بمرارة إلى أنّ الفاصلة كبيرة بين الشكل الحالي لأداء هذه الفريضة الإلهية والشكل المطلوب. الامام الراحل العظيم بذل جهوداً فعّالة في هذا السبيل، ووضع نصب أعين الأُمّة الإسلاميّة تصويراً واضحاً عن الحجّ الإبراهيمي، حجّ العظمة والعزة، حجّ الرفض والتحوّل. وكان طرح هذا التصوّر بحد ذاته مبعث بركات وافرة في العالم الإسلاميّ. غير أنّ نشر هذه الفكرة وهذا المنهج العملي بين جميع الشعوب المسلمة بحاجة إلى جهود مخلصة ينهض بها علماء الدين، ووعي وتعاون يبديه حكام كلِّ البلدان الإسلاميّة، وآمل أن تكون هذه المهمّة الحساسة موضع اهتمامهم و عملهم 1.
1-مجلة ميقات الحج.
هل أضحى إنكار الاحتلال الإسرائيلي سياسة أميركية رسمية؟
هناك تحول في الرأي العام الأميركي نحو مزيد من الوعي والاعتراف والدعم للحقوق الفلسطينية، وخاصة بين الناخبين الشباب والتقدميين والنساء، فضلاً عن السكان الملوّنين والليبراليين اليهود
كتب الباحث في مؤسسة بروكينغز البحثية الأميركية، خالد الجندي، مقالة في مجلة فورين بوليسي الأميركية عرض فيها التحول الأميركي التدريجي والجذري بشأن النظرة إلى وضع اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة وكذلك إلى الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية، مشيراً إلى أن نكران الاحتلال قد أضحى شبه سياسة رسمية أميركية. والآتي ترجمة كاملة لنص المقالة:
احتجاجات هذا الأسبوع على حدود غزة كانت الأكبر - والأكثر دموية - منذ بدأ الفلسطينيون ما أطلق عليه المنظمون "مسيرة العودة الكبرى" منذ نحو ستة أسابيع. وقد بلغت الاحتجاجات ذروتها في 15 أيار - مايو، الذكرى السنوية السبعين للنكبة، والتي تم خلالها طرد معظم السكان العرب الفلسطينيين من الأراضي التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني في سياق إنشاء إسرائيل. ما يقرب من 70 في المائة من فلسطينيي غزة البالغ عددهم مليوني لاجئ مسجلون من أراض في إسرائيل الآن.
لطالما نفت إسرائيل مسؤوليتها عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وما زالت تصر على أنه لن يُسمح أبداً للاجئين بالعودة، وقد قبل صانعو السياسة الأميركيون الآن بوجه عام وجهة النظر الإسرائيلية. ولكن هذا لم يكن الحال دائماً. فعلى عكس ما حدث اليوم، في السنوات التي تلت عام 1948، لم تكن أحداث النكبة ولا حق الأمم المتحدة في حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم تعتبر خلافية في السياسة الأميركية. لكن في غضون أقل من جيل، فإن كلاً من الأهمية السياسية للنكبة وجذور الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قد نُسيا في واشنطن.
وبعد مرور سبعين عاماً، تحدث الآن عملية مماثلة من الإنكار - وإن كانت بوتيرة أبطأ - فيما يتعلق باحتلال إسرائيل لمدة نصف قرن للضفة الغربية وغزة. إن الاستئصال المطرد للاحتلال الإسرائيلي من الخطاب السياسي لواشنطن لا يجعل من المستحيل على الولايات المتحدة حل النزاع فحسب، بل يضع الإسرائيليين والفلسطينيين على طريق يبدو أنه لا رجعة فيه إلى دولة واحدة.
وعلى الرغم من أن مصطلح النكبة لم يدخل أبداً معجم واشنطن السياسي، إلا أن صانعي السياسة في الولايات المتحدة فهموا طبيعة ونطاق الكارثة التي حلّت بالفلسطينيين أثناء قيام إسرائيل. في ذلك الوقت، كان الدبلوماسيون وضباط الاستخبارات الأميركيون يراقبون التطورات في ما كان يعرف باسم فلسطين الانتدابية حين كانت الأحداث تتكشف عن كثب. ولذلك، لم تكن لدى معظم كبار صانعي السياسة في الولايات المتحدة، بمن فيهم الرئيس ووزير الخارجية، أية أوهام حول طبيعة الخروج الجماعي الفلسطيني.
في أعقاب مجزرة دير ياسين، التي قتل فيها أكثر من 100 مدني فلسطيني على أيدي أفراد اثنين من الميليشيات الصهيونية - إرغون وعصابة شتيرن - أصبح تحول عدد قليل من اللاجئين إلى نزوح شامل. بعد ذلك، أبقت وزارة الخارجية الأميركية علامات تبويب منتظمة على أعداد وشروط الفلسطينيين الفارين من المنطقة. وعندما كرر ممثل الولايات المتحدة الأول في إسرائيل، جيمس جي ماكدونالد، مزاعم إسرائيل بأن الفلسطينيين فروا نتيجة لغزو الجيوش العربية، كان وزير الخارجية جورج مارشال هو الذي قوّمه. وذكّر مارشال الممثل بأن "مشكلة اللاجئين العرب ... بدأت قبل اندلاع الأعمال العدائية العربية - الإسرائيلية. فقد فر عدد كبير من اللاجئين العرب من ديارهم بسبب الاحتلال اليهودي لحيفا في 21 و22 أبريل / نيسان وهجوم يهودي مسلح على يافا في 25 أبريل / نيسان". ومضت رسالة مارشال تحذّر من أن "قادة إسرائيل سيخطئون التقدير بشكل خطير إذا اعتقدوا أن المعاملة القاسية لهذه القضية المأساوية يمكن أن تمر من دون أن يلاحظها أحد من قبل الرأي العام العالمي".
مثل بقية المجتمع الدولي، دعمت الولايات المتحدة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، والذي دعا إسرائيل من بين أمور أخرى إلى السماح للاجئين الفلسطينيين "الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم والعيش في سلام مع جيرانهم" بالعودة في أقرب وقت عملي. وبحسب مبعوث الرئيس هاري ترومان للسلام في الشرق الأوسط، مارك إثريدج، فإن إسرائيل تتحمل "مسؤولية خاصة لأولئك الذين طردهم الإرهاب والقمع والقذف القسري". واعترف الكثيرون بالذنب الأميركي كذلك. واشتكى القنصل الأميركي في القدس، وليام بوردت، من أن "الولايات المتحدة قد تراكمت على عاتقها مسؤولية أخلاقية وحتى مالية هائلة في الوضع في حماسنا المبرر من أجل إقامة دولة [يهودية]". حتى ترومان، الذي حظى بالتبجيل من قبل الكثيرين لكونه داية الدولة الإسرائيلية الحديثة، أقر بأنه "يشعر بالاشمئزاز من الطريقة التي يقارب بها اليهود مشكلة اللاجئين".
لكن، على مر السنين، بدأ الشعور بالإلحاح إزاء أزمة اللاجئين الفلسطينيين يتلاشى، وكذلك الأمر بالنسبة ذكرى ما خلق هذه الأزمة. ومع ذلك، استمرت الإدارات الأميركية المتعاقبة ترى في حل قضية اللاجئين كمفتاح لتسوية السلام العربية - الإسرائيلية. وكان الرئيس ليندون جونسون الذي تميز بافتراق متميز عن أسلافه. فعلى عكس الرؤساء الثلاثة الذين سبقوه، لم يقم جونسون بمحاولة جادة لمعالجة قضية اللاجئين.
وهكذا، عندما أبلغ الدبلوماسيون الإسرائيليون وزارة الخارجية الأميركية في عام 1966 بأن إسرائيل لن تقبل بعد الآن أي مقترحات تنطوي على إعادة اللاجئين إلى الوطن، والتي من الآن فصاعداً تعتبر معادلة لتدمير إسرائيل، فإن إدارة جونسون كانت غير منزعجة. في الواقع، اقتفت وجهات نظر جونسون الخاصة عن كثب آراء قادة إسرائيل. في مذكراته، انتقد جونسون القادة العرب لفشلهم في استيعاب اللاجئين واستخدام "قضية إسرائيل والمحنة المأساوية للاجئين لتعزيز المطامح الشخصية وتحقيق هيمنة المتطرفين العرب على المعتدلين العرب". وتجاهل جونسون أي إشارة إلى مسؤولية إسرائيل في خلق مشكلة اللاجئين أو التدخل الأميركي فيها.
إن نفس نوع فقدان الذاكرة التاريخي والسياسي الذي أزال النكبة فعليًا من الوعي السياسي لواشنطن قبل نصف قرن، يتجدد مرة أخرى بين الساسة الأميركيين - هذه المرة فيما يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي. فمنذ عام 1967، استندت سياسة الولايات المتحدة وعملية السلام في الشرق الأوسط إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة، في مقابل السلام والتطبيع مع الدول العربية المجاورة. منذ عام 2000، فسّرت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي القرار 242 في سياق إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة إلى جانب إسرائيل.
كان بيل كلينتون أول رئيس أميركي يقدم الدعم لإقامة دولة فلسطينية كمسألة سياسة أميركية غير رسمية. إن سياسات إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تم إضفاء الطابع الرسمي عليها من قبل جورج دبليو بوش. وكرر باراك أوباما في وقت لاحق مواقف سلفيه، على الرغم من أنها في ذلك الوقت لم تعد مسألة توافق في الآراء بين الحزبين. وهكذا، في عام 2011، عندما دعا أوباما إلى حل الدولتين مع النص على أن "حدود إسرائيل وفلسطين يجب أن تكون مبنية على خطوط 1967، مع مقايضات متبادلة متفق عليها" - وهي في جوهرها إعادة صياغة لغة استخدمها سلفه - فقد أثار ذلك غضب الجمهوريين في الكونغرس واتهامات بإلقاء إسرائيل "تحت الحافلة". في عام 2016، قام الحزب الجمهوري بشكل رسمي بسحب الإشارات إلى حل الدولتين من خلال برنامج الحزب، في حين أعلن أنه "يرفض الفكرة الكاذبة بأن إسرائيل محتلة".
لقد أدى انتخاب دونالد ترامب فقط إلى تسريع هذا الاتجاه. يحافظ سفير ترامب في إسرائيل، ديفيد فريدمان، على روابط قوية بحركة المستوطنين الإسرائيليين بينما يقلل من شأن ما أسماه "احتلال إسرائيل المزعوم" للضفة الغربية. بينما لم يكن ترامب صريحًا إلى هذا الحد، لم تعرب إدارته عن دعم لا لبس فيه لدولة فلسطينية أو لإنهاء احتلال إسرائيل، كما فعل كل الرؤساء الثلاثة السابقين في الولايات المتحدة. قال ترامب إن الولايات المتحدة ستدعم حل الدولتين فقط "إذا ما وافق عليه الطرفان"، في حين تبدو خطة الإدارة المرتقبة للسلام تصوراً أقل من سيادة فلسطينية كاملة. إن قرار وزارة الخارجية الأميركية بإسقاط الإشارات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة كـ"أراضي محتلة" من تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان يشير إلى أن إنكار الاحتلال قد اقترب بشكل مثير للقلق من أن يكون طبيعياً على المستوى الرسمي الأميركي.
الدافع وراء هذا الإنكار ليس من الصعب تمييزه؛ إذا لم يكن هناك احتلال، فلا داعي لإسرائيل أن تتخلى عن أي من الأراضي التي تسيطر عليها الآن. إن خطاب إنكار الاحتلال والنصر الإسرائيلي الذي يبدو أنه سيطر على كل من اليمين الإسرائيلي واليمين الأميركي هو إشكالية متساوية بالنسبة لإسرائيل ومؤيديها.
لأنه إذا كانت الضفة الغربية، أو القدس الشرقية، أو غزة غير محتلة، فلهذا السبب، فإن الطريقة الأخرى الوحيدة لفهم الاستمرار في السيطرة على ملايين الناس مع حرمانهم من حقوق المواطنة الأساسية ستكون شكلاً من أشكال الفصل العنصري. في الواقع، من خلال إبطال الاحتلال، يبرز هؤلاء المراجعون في العصر الحديث بشكل غير مقصود واقع الدولة الواحدة الموجود اليوم والذي تحتفظ فيه إسرائيل بالسيطرة الفعالة على كل الأراضي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن.
من جهة ، يوجد حوالى 6.5 مليون يهودي إسرائيلي يحملون حقوق المواطنة الكاملة، ويعيشون على جانبي خط عام 1967، ومن ناحية أخرى هناك عدد مساوٍ تقريباً من العرب الفلسطينيين الذين يتمتعون بدرجات متفاوتة من الحقوق القانونية والسياسية. ومن دون احتمال قيام دولة مستقلة خاصة بهم، فإن الفلسطينيين سينجذون حتمًا نحو المطالبة بحقوق المواطنة المتساوية في دولة إسرائيل ، وهو اتجاه بدأ بالفعل.
على الرغم من أوجه الشبه، فإن فقدان الذاكرة السياسي اليوم من غير المرجح أن يترسخ بالكامل - ليس فقط لأن التكنولوجيا الرقمية جعلت من المستحيل تقريباً نسيان أي شيء، ولكن لأنه، على عكس الفترة التي تلت عام 1948، توجد الآن مقاومة سياسية للنسيان. شهدت السنوات الأخيرة تحولاً في الرأي العام الأميركي نحو مزيد من الوعي والاعتراف والدعم للحقوق الفلسطينية، وخاصة بين الناخبين الشباب والتقدميين والنساء، فضلاً عن السكان الملوّنين والليبراليين اليهود. في حين، كانت في الماضي عملية نسيان النكبة، وحقوق اللاجئين، وفهمنا الأصلي للصراع عالمية إلى حدٍ ما، فإن إنكار احتلال اليوم هو ممارسة حزبية إلى حد كبير، وتتزايد مقاومته بين الديمقراطيين الليبراليين والتقدميين، مثل السناتور بيرني ساندرز والنائب بيتي ماكولوم.
ما لم يكن صانعو السياسة الأميركيون مستعدين لمقاربة واضحة ونزيهة للاحتلال العسكري الإسرائيلي الطويل الأمد للضفة الغربية والقدس الشرقية، فضلاً عن قضية اللاجئين الفلسطينيين التي ظلت مهملة منذ فترة طويلة، فإن الولايات المتحدة لن يكون لديها الكثير لتقدمه في طريقة صنع السلام. وكما أن عقوداً من تجاهل محنة اللاجئين الفلسطينيين في غزة وفي أماكن أخرى، لم تنجح في جعل هذه المسألة "خارج الطاولة"، فإن إنكار وجود الاحتلال الإسرائيلي لن يؤدي على الأرجح إلا إلى المزيد من المشاكل على الطريق.
ترجمة: الميادين نت
أقوال العلماء في إيمان أبي طالب
تأييداً لحقيقة إيمان أبي طالب نذكر أقوال يعض العلماء فمن ذلك
ـ قال ابن الأثير في جامع الأصول: وما أسلم من أعمام النبيّ غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت عليهم السلام 1.
وقال البرزخي : فمن وقف على ما ذكره العلماء في ترجمته علم يقيناً أنّه كان على التوحيد، وهكذا بقية آبائه إلى أدم ، وبهذا يعلم أن قول أبي طالب هو على ملة عبد المطلب إشارة إلى أنّه على التوحيد ومكارم الأخلاق، ولو لم يصدر من أبي طالب من الأشارات الدالة على توحيده إلاّ قوله: وهو على ملة عبد المطلب كان ذلك كافياً 2.
ـ وقال التلمساني في حاشيته على الشفاء عند ذكر أبي طالب: لا ينبغي أن يذكر إلاّ بحماية النبيّ صلى الله عليه واله وسلم لأنه حماه ونصره بقوله وفعله، وفي ذكره بمكروه أذية للنبي صلى الله عليه واله وسلم ، ومؤذي النبيّ صلى الله عليه واله وسلم كافر، والكافر يقتل 3.
ـ وقال أبو طاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر 4.
هذا ومن شاء الوقوف على المزيد من الأقوال فليرجع إلى الجزء السابع من الغدير وإلى كتاب منية الراغب في إيمان أبي طالب وكتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب.
وخلاصة القول إن إيمان أبي طالب حقيقة ثابتة لا يرتاب فيها إلاّ مريض القلب والإيمان.
ونضيف على تلك الأقوال : إنّ المتيقّن من سيرة الرسول صلى الله عليه واله وسلم وأهل بيته عليه السلام أنهم ما كانوا ليحابون أحداً على حساب الدين، وشاهده أنهم يبرؤن من كل مشرك لم يؤمن بالله وبالرسول ولو كان من أقرب الناس إليهم وهذا أبو لهب ـ وهو عم النبيّ صلى الله عليه واله وسلم ـ ينزل فيه قرآن يُتلى: تبت يدا أبي لهب وتب إخباراً من الله تعالى بأنه لن يؤمن وأن مصيره بئس المصير سيصلى ناراً ذات لهب. وأمّا أبو طالب فقد شهد النبيّ صلى الله عليه واله وسلم والأئمة عليه السلام ـ ـ بإيمانه وأن الله أتاه أجره مرتين حيث بذل وجوده في خدمة نبي الإسلام بل والدعوة إلى الإسلام.
ونقل الكراجكي في كنز الفوائد أن أبا طالب عليه السلام قال لابنه جعفر وقد أمره بالصلاة مع النبيّ صلى الله عليه واله وسلم وقال: يا بني صل جناح ابن عمك، فلما أجابه قال:
إن علياً وجعفراً ثقتي
والله لا أخذل النبيّ ولا
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما
عند ملمّ الزمان والكُرَبِ
يخذله من بنيّ ذوي حسب
أخي لأمي من بينهم وأبي
وقال بعضهم
ولولا أبو طالب وابنه
فهذا بمكة آوى وحامى
لما مثل الدين شخصاً فقاما
وهذا بيثرب جسّ الحماما 5.
________________________________________
1- منية الراغب في إيمان أبي طالب: 62 الطبعة الثانية.
2- منية الراغب في إيمان أبي طالب: 64 الطبعة الثانية.
3- منية الراغب في إيمان أبي طالب: 65 الطبعة الثانية.
4- منية الراغب في إيمان أبي طالب: 66 الطبعة الثانية.
5- الغدير 7 : 336 .




























