Super User
هنية يدعو لمشاركة واسعة في "مسيرة العودة" بذكرى النكبة
دعا رئيس حركة "حماس" إسماعيل هنية، الفلسطينيين إلى الاستعداد للمشاركة في المسيرة الكبرى في ذكرى النكبة الموافق 15 مايو/ أيار القادم، تجاه الحدود الفاصلة مع إسرائيل.
وقال هنية، في كلمة له أثناء مشاركته في "مسيرة العودة" اليوم الجمعة، على الحدود الشرقية بين قطاع غزة وإسرائيل "استعدوا وتهيأوا للطوفان البشري على كل حدود فلسطين داخل الأرض المحتلة وخارجها في ذكرى النكبة".
وأضاف "مسيرة العودة ستزيل الأسلاك والحدود لنعود إلى أرض فلسطين المحتلة".
وأشار أن "تهديدات الاحتلال (إسرائيل) لن تخيف شعبنا بل تزيدنا قوة وحشد على الحدود".
وصباح اليوم، ألقى الجيش الإسرائيلي، منشورات تحذيرية في المواقع التي يتظاهر فيه الفلسطينيون، قرب السياج الحدودي، مشيرا أن حياتهم في خطر، كما هدد باستخدام كافة أنواع الأسلحة لمنع وصول المتظاهرين للسياج.
وتابع "مسيرة العودة تجاوزت الزمان والمكان وانتقلت إلى فضاء العزة والكرامة وتخطت مرحلة الردع؛ فلا أحد يمكن أن يردع أطفالنا".
ومنذ 30 مارس/آذار الماضي، يتجمهر فلسطينيون قرب السياج الفاصل بين القطاع وإسرائيل، في إطار مسيرات العودة، التي من المقرر أن تبلغ ذروتها في ذكرى النكبة.
ويقمع الجيش الإسرائيلي تلك الفعاليات السلمية بالقوة، ما أسفر عن استشهاد 39 فلسطينيًا، وإصابة الآلاف حتى مساء اليوم.
شهداء و 500 جريح في الجمعة الرابعة من مسيرات العودة شرق غزة
فعاليات الجمعة الرابعة تتواصل على حدود قطاع غزة في "مسيرات العودة " تحت عنوان جمعة الشهداء والأسرى"، ومراسل الميادين يفيد باستشهاد 4 فلسطينيين بينهم طفل في الخامسة عشرة من عمره، وإصابة ما يزيد عن 500 بعضهم أصيب جراء إطلاق قوات الاحتلال الرصاص الحي على المتظاهرين
انطلقت اليوم الجمعة على حدود قطاع غزة فعاليات الجمعة الرابعة لمسيرات العودة تحت عنوان "جمعة الشهداء والأسرى"، حيث وصل المتظاهرون الفلسطينيون إلى الحدود مع القطاع، وتحاول القوات الإسرائيلية تفريقهم.
وأفاد مراسل الميادين باستشهاد 4 فلسطينيين في المواجهات اليوم الجمعة مع جيش الاحتلال، بينهم الطفل محمد إبراهيم أيوب 15 عاماً من جباليا، كما أصيب نحو 500 آخرون بجروح وحالات اختناق، بينهم 45 أصيبوا بالرصاص الحي من قبل قوات الاحتلال.
وأكد مراسل الميادين أن جميع القوى الوطنية الفلسطينية تشارك في مسيرات العودة الكبرى، وأن هذه المسيرات عبرت عن الوحدة الوطنية في مواجهة الاحتلال رغم الانقسام على مستوى الفصائل.
بيان الهيئة الوطنية العليا لمخيم ومسيرة العودة وكسر الحصار دعت لأن تكون تظاهرة اليوم رسالة قوية إلى الاحتلال الذي يراهن على تراجع التحركات.
كما أشارت مراسلة الميادين إلى استشهاد 34 فلسطينياً وأكثر من 4300 جريح برصاص الاحتلال خلال مسيرات العودة الأربع.
القيادي في الجهاد الإسلامي داوود شهاب أكد في حديث للميادين أن الفعاليات ستتواصل حتى 15 أيار/ مايو المقبل، حيث ستسجل انطلاقة ثانية لمسيرات العودة، مشيراً إلى أنها ستتوسع لتشمل الضفة أيضاً.
وبالنسبة للفيديو ألذي بثته سرايا القدس قال شهاب للميادين إن الفيديو هو "رسالة لمن راهن على ضعف المقاومة بأنها جاهزة دائماً".
وحذّر شهاب الاحتلال من محاولة استخدام القوة العسكرية لحرف المسيرات عن سلميتها، فقال "سيتحمل المسؤولية وليحذر".
كما أوضح أن عنوان المسيرات ليس كسر الحصار بمعنى إدخال الطعام والشراب للقطاع، بل تعني أن الشعب اشتاق للقدس.
وأكد أن غزة لا يمارس عليها الضغط بل هي تفرض أجندتها على العدو الإسرائيلي، وهي لا تقاتل وحدها، مشيراً إلى أن لغة الضغط لا تجدي مع غزة.
من جهتها، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي رمى صباح اليوم الجمعة منشورات تدعو الفلسطينيين في غزة إلى عدم المشاركة في التظاهرات التي ستنظم على الحدود مع القطاع.
هذا ويستعد الجيش الإسرائيلي لتظاهرة الطائرات الورقية والمسيرات على طول السياج الحدودي للقطاع. وتشير تقديرات الجيش إلى أن زخم المسيرات سيستمر بالتراجع وأنها ستضم بضعة ألاف، وستجري هذه المرة مع الكثير من الطائرات الورقية التي ستُربط بها زجاجات حارقة، والهدف هو محاولة تجاوز الطائرات الورقية قوات الجيش إلى حقول المستوطنات الحدودية.
ويستعد الجيش لإمكانية إسقاط الطائرات الورقية، كما أنه مستعد مع الكثير من القنّاصين على حدود القطاع.
وفي سياق متصل، ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الممثلة الأميركية الهولويودية نتالي بورتمان ألغت وصولها إلى "إسرائيل" لاستلامها هدية بقيمة مليون دولار احتجاجاً على تعامل الحكومة الإسرائيلية مع المتظاهرين في غزة.
الجدير ذكره أن النجمة الهوليوودية الأميركية هي إسرائيلية إسمها الأصلي ناتالي هيرشلاغ من مواليد القدس المحتلة 37 عاماً، وتحمل أوسكار أفضل ممثلة منذ ثماني سنوات
ولادة أبي الفضل العباس (ع) (4 / شعبان / السنة 26 هـ)
ولد أبو الفضل العباس(ع) في الرابع من شعبان سنة 26 هجرية - على الظاهر - كما ذكره بعض المحققين([1])، أبوه أمير المؤمنين وسيد الموحدين علي ابن أبي طالب(ع) ، وأمه السيدة الجليلة، والمرأة العظيمة، فاطمة بنت حزام الكلابية، الملقّبة بـ (أم البنين)([2])..
تزوج بها أمير المؤمنين بإشارة من أخيه عقيل بن أبي طالب الذي كان عالماً بأنساب العرب، فقد قال (ع) له: «أنظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها فتلد لي غلاماً فارساً». فأشار عليه بها([3])، وقد ولدت لأمير المؤمنين أربعة أولاد هم: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، وبهم كانت تَكنّى (أم البنين)، وقد استشهدوا جميعاً بين أيدي أخيهم الحسين(ع) في كربلاء([4]).
عاش العباس مع أبيه علي بن أبي طالب أربعة عشر عاماً، ومع أخيه الحسن(ع) بعد شهادة أبيه عشر سنوات، ومع أخيه الحسين بعد شهادة الحسن عشر سنوات، فكان عمره يوم استشهد حوالي أربعة وثلاثين سنة([5]).
تزوج من لبابة بنت عبيد الله بن العباس، وولد له منها ولدان هما: عبيد الله، والفضل، وبالأخير كان يكنى([6])، وكان (ع) عابداً، عالماً، فارساً، طويل القامة، يركب الفرس المطهَّم([7]) ورجلاه تخطان في الأرض، شجاعاً وسيماً([8]).
كُنّي بأبي الفضل، وأبي القاسم، وله ألقاب عظيمة تكشف عن مكنون شخصيته، وطهارة عرقه، وسموه ونبله، وهي:
1- قمر بني هاشم([9]): لقّب به لما كان فيه من روعة البهاء، وجمال الصورة بحيث كان آية من آياتها.
2- السقّاء([10]): لقّب بذلك، لأنه قام مرات عديدة باقتحام الفرات وإحضار الماء للعطاشى في مخيم الحسين(ع) .
3- بطل العلقمي([11]): والعلقمي اسم النهر الذي استشهد(ع) ، على ضفافه.
4- حامل اللواء([12]): إذ كان العباس(ع) قد دفع إليه أخوه الحسين لواءه في كربلاء.
5- كبش الكتيبة، أظفاه عليه أخوه الحسين(ع) ، عندما استأذنه للبراز، فقال له: أنت كبش كتيبتي، وهو وسام لأعلى قائد في الجيش، الذي يقوم بحماية كتائب جيشه بحسن التدبير.
6- باب الحوائج([13]): لما رأته الشيعة وغيرهم، من استجابة الله تعالى الدعاء تحت قبة قبره المبارك.
أجلسه أمير المؤمنين(ع) ذات مرة في حجره - وكان صغيراً - فشمّر العباس عن ساعديه، فجعل الإمام يقبلهما وهو غارق في البكاء، فسألته أم البنين: ما يبكيك؟
فقال: نظرت إلى هذين الكفين، وتذكرت ما يجري عليهما.
فقالت: ماذا يجري عليهما؟
قال: إنهما يقطعان من الزند.
فقالت: ولماذا؟
فأخذ أمير المؤمنين يخبرها عما يجري عليه وعلى إخوته في كربلاء([14]).
من فضائل العباس(ع) :
1- قال في حقه أمير المؤمنين(ع) : «إن ولدي العباس قد زقّ العلم زقّاً»([15]).
2- قال فيه الإمام زين العابدين(ع) : «رحم الله عمّي العباس فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله بجناحين يطير بهما مع الملائكة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة»([16]).
3- قال فيه الإمام الصادق(ع) : «كان عمي العباس بن علي(ع) نافذ البصيرة، صُلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً»([17]).
4- زيارة الحجة(ع) ، المنسوبة إليه: «السلام على أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين(ع) ، المواسي أخاه بنفسه الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي، الساعي إليه بمائه المقطوعة يداه، لعن الله قاتليه يزيد بن الرقاد، وحكيم بن الطفيل»([18]).
4- عُرِضَ الأمان عليه فأبى: «لما نادى شمر: أين بنو أختنا؟ أين العباس وأخوته، فلم يجبه أحد منهم، فقال لهم الحسين(ع) : أجيبوه وإن كان فاسقاً، فإنه بعض أخوالكم. فقال له العباس: ما تريد؟ فقال: أنتم يا بنو أختي آمنون. فقال له العباس: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا، وابن رسول الله لا أمان له»([19]).
5- آباؤه ترك الحسين(ع) : لما جمع الحسين(ع) أهل بيته وأصحابه ليلة العاشر من المحرم، وخطبهم فقال في خطبته: «أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يريدون غيري»..
قام العباس(ع) وقال: ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك، لا أرانا الله ذلك اليوم أبداً([20]).
6- لما وصل العباس الماء: أقحم العباس في هجومه الأخير فرسه الماء، وكان قلبه يتفطّر عطشاً، ولسانه قد يبس، فغرف غرفة من الماء ليشرب تذكر عطش الحسين(ع) فرمى الماء من يده وقال:
|
يا نفس من بعد الحسين هوني |
|
وبعده لا كنت أو تكوني |
|
هذا حسين وارد المنون |
|
وتشربين بارد المعين |
|
تالله ما هذا فعال دين |
|
ولا فعال صادق اليقين([21]) |
أبى العباس(ع) أن يرطّب كبده الماء، ويطفئ به حرارة قلبه، قبل إمامه وسيده الحسين(ع) ، والذي يظهر في الشطر الأخير من شعره المتقدم أن هذا الإيثار ليس نابعاً عن الارتباط النسبي بينه وبين الحسين، بل نتاج الروابط الدينية، فدين العباس ويقينه يحتم عليه أن لا يشرب الماء قبل إمامه وإن مات عطشاً.
وهذه نظرية خاصة بالعباس في فهم طاعة الإمام والولاية إليه، فليس إمامة الإمام بنظره الطاعة في الكلمة والموقف فحسب، بل حتى في غرائز الموالي ومشتهياته، وحالاته، ينبغي أن تكون تبع الإمام ومواسية أو متأسية لحالته.
7- الإيمان الواعي: كان أبو الفضل العباس على أعلى مستوى في الوعي الإيماني، فعلى الرغم من أنه يخوض معركة يقودها أخوه ضد أسرة معادية لأسرته، لم يظهر في رجزه ظل العاطفة الشخصية، أو القبلية، وإنّما عبّر عن قيم دينية يجسدها أخوه الحسين لكونه إماماً وقائداً، فقال:
|
والله إن قطعتم يميني |
|
إني أحامي أبداً عن ديني |
|
وعن إمام صادق اليقين |
|
نجل النبي الطّاهر الأمين([22]) |
8- لما جاء الحسين(ع) إلى مصرعه، قال: الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمت بي عدوي([23]).
لقد كان الحسين(ع) صلب الظهر، كثير الحيلة، لا يتجرّأ عليه أحد ما دام العباس إلى جنبه رغم كل الجراح، رغم كل البلاء، ولكن كل ذلك تغيّر عندما قُُتل العباس(ع).
([2]) راجع ما ذكرناه عن حياتها في مناسبات جمادى الثانية.
([3]) عمدة الطالب، نقله عنه في الأعيان 7: 429.
([6]) واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي: 110.
([7]) المطهّم: الفرس السمين جداً.
([11]) العباس بن علي للقرشي: 28.
([13]) ذُكرت جميع هذه الألقاب، في تنقيح المقال 2: 128.
([15]) واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي: 110.
ولادة الإمام الحسين بن علي (ع) (3 / شعبان / السنة 4 هـ)
ولد أبو عبد الله الحسين(ع) في الثالث من شعبان، وقيل في الخامس من السنة الرابعة للهجرة، أبوه أمير المؤمنين ومصباح المتقين ونور العارفين، علي بن أبي طالب(ع) ، وأمه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليهاالسلام.
لما بُشّر جده الرسول الأعظم (ص) ، خفّ مسرعاً إلى بيت بضعته فاطمة الزهراء، وهو مثقل الخطا، قد ساد عليه الحزن والأسى، فنادى بصوت خافت وحزين: هلّموا ولدي. فلما ناولته الزهراء الوليد، احتضنه، وجعل يوسعه تقبيلاً، ثم دفعه إلى صفية بنت عبد المطلب، وهو يبكي ويقول: لعن الله قوماً هم قاتلوك يا بني. قالها (ص) ، ثلاثاً، فقالت صفية: فداك أبي وأمي، ومن يقتله؟ قال (ص) ، : تقتله الفئة الباغية من بني أمية([1]).
وقد سمّاه حسيناً كما سمّى أخاه حسناً([2])، ويقول المؤرخون: لم تكن العرب في جاهليتها تعرف هذين الإسمين حتى تسمّي أبناءها بهما، وإنّما سماهما النبي(ص) ، بهما بوحي من السماء([3]).
وكان رسول الله (ص) ، يشرف بنفسه على رعاية الحسين، وقد اهتم به اهتماماً بليغاً، وكان يضع إبهامه في فيه. وروي أنه أخذه بعد ولادته فجعل لسانه في فمه ليغذيه بريقه المبارك، وجعل يقول: «إيهاً حسين، إيهاً حسين، أبى الله إلا ما يريد هو» أي من جعل الإمامة فيك وفي ولدك([4]).
لقب(ع) بالسبط، وسيد شباب أهل الجنة، أحد الكاظمين، التابع لمرضاة الله، الدليل على ذات الله، المطهّر، الشهيد، وسيد الشهداء، وكان يكنّى بأبي عبد الله، وقيل بأبي علي أيضاً، وكنّاه الناس من بعد شهادته بأبي الشهداء، وأبي الأحرار([5]).
إستلم الإمامة بعد شهادة أخيه الحسن المجتبى(ع) سنة 50 للهجرة، واستمرت إلى سنة 61 هجرية، فكانت لمدة 10 سنوات وأشهر، وقد نص على إمامته وإمامة أخيه الحسن الرسول(ص) ، بقوله: «إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا»([6]).
عاش الإمام الحسين(ع) برفقة جدّه المصطفى ما يزيد عن خمس سنوات، ومع أمه فاطمة قرابة الست سنوات، وقضى ما يزيد على (35 سنة) مع أبيه الإمام علي(ع) وقد اشترك في حروبه الثلاثة، الجمل وصفين والنهروان، وبعد أبيه رافق أخاه الحسن عشر سنوات.
عاصر الإمام الحسين(ع) خليفتين من الخلفاء الأمويين: معاوية بن أبي سفيان، ودامت 10 سنوات، ويزيد بن معاوية، ودامت ست أشهر.
الظروف السياسية في عهد الإمام الحسين(ع)
بلغ الانحراف عن مبادئ الإسلام إلى ذروته في عصر الإمام الحسين(ع) حيث كان معاوية يستولي باسم خليفة المسلمين على مقدّرات الأمة ويعبث بمصيرها، وكان قد سلّط العصابة من آل أمية على المسلمين، وشكل حكومة ملكية قسرية مستبدة، شوّه من خلالها وجه الإسلام.
وقد قام بكل ذلك تحت وطأة تخدير الرأي العام بوضع الأحاديث، وتفسير الآيات وتأويلها بما يخدم مصالحه، ويسبغ القداسة والشرعية لحكمه وشخصيته.
لقد كان الكثير من المسلمين البسطاء يرون في معاوية الحاكم الإسلامي الذي يجب طاعته، ويلزم احترامه، إثر تلك الأحاديث التي حشّدها بعض الصحابة والتابعين لبيان موقعية معاوية والتصاقه بالإسلام، وقربه الشرعي من نبيه الكريم، وإنه خال المؤمنين وهكذا كانت ترى الناس معاوية من زاوية هؤلاء الرواة، وما يضعونه من فضائل في حقه.
وللأسف لقد أضلت هذه الروايات بعض البسطاء ممن يدّعون الدراية والعلم، فأخذ بهذه المرويات وهضمها، واعتقد بها دون تفحص وتدبر، فخلط وضيّع الحق.
ومن هنا باتت الثورة التي يريدها الحسين(ع) في زمن معاوية غير مثمرة، ولا مقنعة لهؤلاء البسطاء - وهم يشكلون الغالبية الساحقة في المجتمع الإسلامي -، ولا بد من توضيح للأسباب القيّمة التي لأجلها ثار الحسين(ع) كما أن هناك معوّقات أخرى يمكن اختصارها:
المعاهدة التي أبرمها هو وأخوه الإمام الحسن(ع) على السكوت والتسليم إلى معاوية ما دام حياً، فلو ثار الحسين(ع) في زمن معاوية لأمكن لمعاوية أن يصوّره بصورة منتهز ناقض لعهده وميثاقه، والإمام (ع) كان يرى أنه قد عاهد وعليه أن يفي، و إن كان معاوية قد نقض العهد، وهذه سيرة الأئمة عليهم السلام في معاهداتهم حتى مع ظالميهم، فأمير المؤمنين، عندما طالبه الخوارج بقتال معاوية، بعد إجباره على التحكيم والرضوخ إلى حكمهما أبى عليهم لأجل العهد الذي قطعه بالالتزام بالتحكيم، ولو كان مقهوراً عليه، وهكذا الإمام الرضا(ع) عندما جاء قواد جيش المأمون شاكين له ظلم المأمون بحقهم، والخوف من وقيعته بهم بعدما شاهدوا قتله لهرثمة قائد الجيوش، وكان بإمكانه (ع) أن يستغل الموقف بإعلان الثورة عليه بواسطتهم، غير أنه أجابهم بأنه كان قد قال للمأمون عند تنصيبه القسري لولاية العهد بأن لا يتدخل بشيء قط، وقد وفّى بقوله. فهذه سيرة الأئمة في قطع العهود والوعود على أنفسهم.
وكان معاوية يتظاهر بالدين، حيث أنّه كان يدرك جيداً أنه ليس ينبغي له وهو يحكم الناس بسلطان الدين أن يرتكب من الأعمال ما يراه العامة تحدياً للدين وخروجاً عنه، بل عليه أن يضفي على أعماله طابعاً دينياً لتنسجم مع ما يتمتع به من المنصب، وأما ما لا يمكن تغطيته وتمويهه من التصرفات فليرتكبه في السر.
فأمام هذا كله لا تجد ثورة الحسين المناخ المناسب في عهد معاوية لانطلاقها وإظهار مبادئها الأصيلة، ولهذا لم يكن الحسين ليفكر في الثورة عليه أبداً.
مواجهة الإمام الحسين(ع) لمعاوية
هب أن الظروف السياسية لم تتح لإعلان الإمام الحسين الثورة في عهد معاوية، ولكن لا يعني ذلك أن يسكت الإمام الحسين(ع) عن ممارسات معاوية المخالفة للإسلام، بل كان يبذل قصارى جهده في الوقوف ضد كل تصرفاته الظالمة، فلقد رد الحسين(ع) على مواقفه رداً عنيفاً عرف معاوية أن هناك رقيب على أمة محمد (ص) ، ، وأنه يواجه الرد اللاّذع كلما بدر من معاوية أعمال غير إسلامية، وإليك نماذج من ذلك:
1- الرد عليه من أخذ البيعة لابنه يزيد([7]).
2- الرد عليه في قتله لحجر بن عدي الكندي وأصحابه، وعمرو بن الحمق، والحضرمي، وقتل كل من كان على دين علي(ع) ([8]).
3- الرد عليه في ادعائه زياد بن أبيه، وبسطه يده على رقاب المسلمين يقتلهم، وبقطع أيديهم وأرجلهم([9]).
4- إظهار فسق معاوية ومخالفاته العظيمة للإسلام أمام الملأ، وخصوصاً في مواسم الحج([10]).
5- الاستيلاء على بعض الأموال الحكومية التي تزف إلى معاوية من البلاد، والتي هي حقوق الناس والتي كان يوزعها معاوية على آل أمية، خدمة لمجونهم وشياطينهم، فكان الحسين(ع) يستولي عليها ويوزعها على المحتاجين([11]).
إعلان الثورة في عهد يزيد:
كان يزيد الذي اعتلى سلطان الأمة شاباً غير ناضج، شهوانياً أنانياً، ومن أبعد الناس عن الحيطة والتروي، وكان صغير العقل متهوّراً ماجناً، لا يهم بشيء إلا ركبه، ولم يأل جهداً في استخدامه أية وسيلة لإرضاء رغباته وشهواته، وكان معلناً بشرب الخمر ومتظاهراً بالفسق واقتراف المعاصي، وكان مستهتراً في الدين، ينشد أشعار الاستخفاف به على سكره في لياليه الحمراء، وقد كان ينشد تهوراً:
|
معشـر النّدمان قوموا |
|
واسمعوا صوت الأغاني |
وقد أوضح ما في مكنون نفسه من عدائه للإسلام ورموزه بعد قتله للحسين، فكان يتغنى بقوله:
|
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
|
جزع الخزرج من وقع الأسل |
لقد تحوّل بلاط يزيد إلى مركز يشكّل أنواع الفساد وارتكاب المحرمات، وقد اتسعت رقعة الفساد والانحراف مدة حكومته حتى تلوّثت مدن مقدسة كمكة والمدينة([14]).
قال المسعودي: سار يزيد في الناس بسيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه([15]). هذا بالإضافة إلى أنه نشأ نشأة مسيحية، أو أنه كان يميل إليها على أقل التقادير، والشواهد على ذلك كثيرة منها:
1- تحريضه للأخطل الشاعر المسيحي ليهجوا الأنصار([16]).
2- عهد بابنه معاوية الصغير إلى مسيحي ليربيه ويعلمه([17]).
3- كان مستشاره الخاص سرجون بن منصور الرومي، وهو الذي أشار عليه بتولية عبيد الله بن زياد الكوفة([18]).
4- كان يقول في سكره:
|
فإن حرمت على دين أحمد |
|
فخذها على دين المسيح بن مريم([19]) |
والآن وقد اتضحت حقيقة يزيد الوضيعة وعداوته للإسلام، نفهم جيداً دوافع ثورة الحسين(ع) ، وحيث أن موانع الثورة كانت قد زالت بموت معاوية كان عليه أن يخوض الثورة، ولو كان يبايع يزيداً لكانت بيعته هذه أكبر حجة على شرعية سلطانه.
أسباب الثورة على حكومة يزيد:
لم تكن ثورة الحسين حالة افتعالية دون أن تكون لها أهداف وأسباب ويمكن تلخيصها بما يلي:
رفض البيعة ليزيد، فبعد موت معاوية طلب يزيد من عامله على المدينة أن يأخذ البيعة من الحسين أو يضرب عنقه، ويرسل برأسه إلى الشام، لكن الحسين(ع) رفضها وقال له: «إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد»([20]).
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: انطلق الحسين(ع) من المدينة وشعاره الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستمر يؤكد في خطابه بأصحابه، وأصحاب الحر في منطقة بيضة([21]). ورسالته التي بعثها إلى قبائل البصرة بعد دخوله مكة([22]). وخطابه بأصحابه في ذي حسم([23])، فمن خطابه عندما خرج من المدينة: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي وأبي، وأريد أن آمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبـر حتى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين»([24]).
أنّ السكوت على حكومة يزيد الفاجرة لا يغفر لأحد قادر على القيام والثورة.
فقال (ع) عندما خطب في أصحابه وأصحاب الحر: «أيها الناس إن رسول الله(ص) ، قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله»([25]).
ولهذا ثار الحسين(ع) وكان كل هدفه بعد مرضاة الله وصول صرخته إلى كل مكان وفي جميع العصور ليكسر المسلمون حاجز الخوف، وليهبّوا بالثورة على الجائرين.
([3]) تاريخ الخلفاء:188، والمناقب 3: 50.
([4]) أنساب الأشراف للبلاذري 1: ق1.
([5]) الإرشاد: 103، والفصول المهمة:176، والمناقب 4: 717. ودلائل الإمامة:73.
([7]) راجع خطبته في ذلك، الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 184.
([8]) راجع رسالته إلى معاوية يقرعه على هذه الجرائم، والإمامة والسياسة 1: 180، والإحتجاج للطبرسي 2: 161.
([10]) كتاب سليم بن قيس الهلالي:206، والاحتجاج: 161، وتحف العقول: 237- 239.
([11]) حياة الإمام الحسين للقرشي 2: 231.
([13]) تتمة المنتهى في وقائع أيام الخلفاء، للشيخ عباس القمي: 44.
([16]) سمو المعنى في سمو الذات، عبد الله العلائي: 58.
([17]) سمو المعنى في سمو الذات، عبد الله العلائي: 58.
([18]) الكامل في التاريخ 4: 23.
([19]) تتمة المنتهى في وقائع أيام الخلفاء: 43.
([20]) اللهوف إلى قتلى الطفوف: 11.
([24]) بحار الأنوار 44: 329. عن مناقب آل أبي طالب للحلبي الساروي: أن ذلك كان خطاباً لأخيه محمد بن الحنفية.
([25]) تاريخ الطبري 6: 200، عن الكلبي عن أبي مخنف، وانظر وقعة الطف لأبي مخنف.
فضل شهرشعبان
الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على أفضل الخلق أجمعين محمد وآله الطاهرين.
جعل الله تعالى لعباده رحمة بهم مواقيت زمانية ومكانية بغية تعميق العلاقة والارتباط بخالقهم والتفرغ فيها عمّا سواه.
ومن هذه المواقيت الزمانية شهر رجب وشعبان وشهر رمضان، حيث جعلهما الله تعالى موعداً للقائه والقرب منه والزلفة إليه، مثلما جعل شهري رجب وشعبان بوابة لشهر رمضان، كما جعل أرض عرفة بوابة لدخول حرمه المقدس، فعلى المؤمن أن يبدأ فيهما بتهذيب نفسه، والتخلّق بأخلاق ربّه، والسعي الدؤوب لتذليل كل شيء في ذات الله، وجلببته بثوب العبودية والفقر لله تعالى، ليأتي عليه شهر رمضان المبارك، وهو طاهر من درن الذنوب والخطايا، قد نفض عن قلبه ونفسه وعقله غبار التعلّق بغيره تعالى.
فحريّ بالمؤمن الكريم أن يستثمر هذا الشهر لنفسه وللعامة، والنهوض بهم إلى تحقيق الأهداف الإلهية المأمولة فيه.فشهر شعبان هو من أهمّ الشهور عند الله تعالى، وهو منسوب إلى رسول الله (ص) ، وكان (ص) ، يصوم هذا الشهر، ويصل صيامه بشهر رمضان.. وكان (ص) ، يقول: «شعبان شهري، من صام يوماً من شهري وجبت له الجنة»([1]).
وروي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «كان السجاد(ع) إذا دخل شعبان جمع أصحابه، وقال: يا أصحابي أتدرون ما هذا الشهر؟ هذا شهر شعبان، وكان النبي(ص) ، يقول: شعبان شهري، فصوموا هذا الشهر حباً لنبيكم، وتقرّباً إلى ربكم. أقسم بمن نفسي بيده لقد سمعت أبي الحسين(ع) يقول: سمعت أمير المؤمنين(ع) يقول: من صام شعبان حباً لرسول الله(ص) ، وتقرباً إلى الله، أحبه الله وقرّبه إلى كرامته يوم القيامة، وأوجب له الجنة».
وهذا الشهر المبارك مليء بالمناسبات، التي من أهمّها ميلاد الإمام الحسين(ع) في الثالث منه، وميلاد أبي الفضل العباس في الرابع منه، وميلاد الإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع) في الخامس منه، وميلاد الحجة المنتظر في منتصفه، فلابد للمؤمن من إحياء هذه المناسبات العظيمة، وهناك أعمال مهمة في هذا الشهر، أهمها الغسل وزيارة الإمام الحسين(ع) بالإضافة إلى الصوم كما أسلفنا، وإحياء ليلة ويوم النصف منه، على سبيل الانتظار والدعوة له بالفرج والنصر.
ويذكر أنّ في النصف من الشهر لابد من الإلحاح في الدعاء، فلا يحرم المؤمن من الاجتهاد في الدعاء بالمأثور وطلب الحاجة إلى مانحها جل وعلا، خصوصاً المناجاة الشعبانية لأمير المؤمنين(ع) . نسأل الله تعالى أن يرزقنا بركات شهر شعبان ويوفّقنا لطاعته فيه ونيل الشفاعة لدى الشفيع الحبيب يوم لا ظل إلا ظله.
الانتصار على داعش يسير بالعراق نحو "عملية سياسة"... ماذا ستقول الصناديق؟
تدخل العملية الديمقراطية العراقية مرحلة استعراض برامج الأحزاب ودعاياتها مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في الـ12 من مايو القادم، ويحتدم صراع المتنافسين على نيل الحصة الأكبر من مقاعد البرلمان.
وإذا ما كان يترقّب الشارع العراقي تركيبة الائتلافات ما بين الكتل والأحزاب وشعاراتهم وحواراتهم الدعائية، فإن الخارج أشدّ ترقباً لما يجري، ويرسم على المجريات خارطة عمل تخدم مصالحه في الداخل العراقي.
وقبل أن نخوض بالأجواء العراقية الحالية وسباق الانتخابات، علينا أن نستذكر الماضي القريب، مطلع الانتخابات السابقة في 2014 عندما كان الظلام مهيمناً على العاصمة العراقية، وناقوس الخطر يدق في شوارعها الموحشة، وصلاح الدين والأنبار والموصل بيد "داعش" ومصير بغداد مهدد بخطر لا يفصلها عنه سوى بضعة كيلومترات، إنها حرب وجود كادت أن تقضي على الديمقراطية ومن يتغنى بها من القادة، ومن يطمح أن يتمتع بحقوقها من صناع المستقبل العراقي "الناخبين".
شاءت الأقدار وتلاحمت الرجالات، التي تصدت لذلك المخطط الكوني بعد رحلة قاسية طالت حتى ثلاثة أعوام، رسم العراق فيها أكبر إنجاز إقليمي على مدى عقود، وهذا ما كلّف أبناء الشعب ثمناً باهظاً جسدته دماء الأبطال.
رجالات صورهم المعلقة في شوارع العراق بدأت تتساقط منذ الساعات الأولى لانطلاق العملية الدعائية للمرشحين، من أجل تعليق صور المرشحين ولافتاتهم الدعائية في بغداد وعموم المحافظات العراقية، وهو ما أثار حفيظة الشارع العراقي برمته، وأشعل ضجة في مواقع التواصل الاجتماعي من إزالة صور الذين استشهدوا خلال الحرب على داعش، وعلى الفور تلتها دعوات للحد من هذه الإهانة بحق أولئك الرجالات الذين قدموا الغالي والنفيس للعراق وشعبه ومقدساته.
ومن هنا أيضاً نشهد هجمات متوالية على هذه الثلة المجاهدة ومن يمثلها لأهداف دقيقة ومدروسة، فمن استطاع أن يضرب "داعش" ومن خلفها بيد من حديد ومن أعاد هيبة البلد وسيادته، هو من سيفرض نهجه على طاولة الحوار وسيخطو بثبات نحو صناعة قرار سياسي محكم يحفظ هيبة البلد الدبلوماسية والسياسية كما في الميدان.
نعم.. إنه لرعب للخارج إذا ما استقل العراق سياسياً، وإذا ما استقلت القيادة عسكرياً، وإذا ما انتزع الاقتصاد رداء الهيمنة الخارجية محافظاً على هيبة الدولة واعتمد على طاقاته الداخلية ومنظريه ومفكريه.
فرجالات الميدان أثبتوا وبجدارة قدرة العراق على تفتيت المخططات العسكرية المتمثلة بالإرهاب، وأثبتوا أنهم الأجدر بتعرية ما يحاك ضد البلد من مؤامرات سياسية تهدف إلى تقسيم البلد، استطاعوا احتواء أكبر أزمتين إقليميتين على مدى عقود مضت، تحقق كل هذا رغم أن العراق كان متأرجحاً سياسياً، مترنحاً اقتصادياً ومتزلزلاً في منظومته العسكرية الفتية.
ولم تتحقق الانتصارات هذه بوسائل خارقة للطبيعة، إنما بالاعتماد على الذات واستقلال القرار العسكري العراقي في مواجهة هذا المخطط، ومن خلال تضحية قلّ نظيرها في عالم الحروب، سطّرت أروع القصص، التي ستبقى سيمفونية لأجيال اليوم ومن يليها.
وما إن أزيل خوف "داعش" حتى بات يروّج لعدم كفاءة أولئك الرجالات، وعدم فعاليتهم في عالم السياسة، وأنهم رجالات ميدان فحسب!
ما يحتاجه العراق اليوم إخلاص في العمل ومصداقية تكاد تغيب وهمّة ثورية في الإصلاح وضرب للفساد، وإعادة سيادة القرار العراقي والعسكري المتمثل بالتدخل الأمريكي في محاولة لإظهار عدم قدرة القيادة العسكرية العراقية على إدارة نفسها بنفسها رغم ما أثبتته في الحرب على "داعش" ورغم ما تحقق، إلا أن الإصرار الأمريكي بوجود مستشارين عسكريين إلى جنب المنظومة العراقية سيكون أساساً مقوّماً لها، مع أن العكس هو ما ثبت مؤخراً.
لذا بات جلياً أن أشد هجمة خارجية وتحديداً أمريكية هي تلك التي تقصف قيادة الحشد الشعبي، القيادة التي ارتدت الزي العسكري في يوم وجدته ضرورة حتمية، وخلعته التزاماً منها بأدب السياسة، لتفسد الطبخة الغربية في السياسة كما أفسدتها من قبل في الميدان ومخطط التقسيم.
وتبقى صناديق الاقتراع هي الكلمة الفصل في إشراك من تشاء برسم خارطة طريق عراقية جديدة، ستكون حاسمة ومصيرية للبلد في زمن الانتصارات وتحطيم هيبة المخططات.!
الجبير: الرياض مستعدة لإرسال قوات لسوريا في إطار ائتلاف أوسع
قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، إن بلاده عرضت على واشنطن في وقت سابق إرسال قوات إلى سوريا لمحاربة الإرهاب في إطار إئتلاف واسع، لكن إدارة أوباما لم تتخذ إجراءات بهذا الشأن.
وأضاف الجبير خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في العاصمة السعودية الرياض:" نحن في نقاشات مع الولايات المتحدة منذ بداية هذه السنة، وفيما يتعلق بإرسال قوات إلى سوريا فقد قدمّنا مقترحاً لإدارة (الرئيس الأميركي السابق باراك) أوباما يفيد بأنه إذا كانت الولايات المتحدة سترسل قوات إلى سوريا فإن السعودية ستفكر كذلك مع بعض الدول الأخرى في إرسال قوات كجزء من هذا التحالف".
وأشار وزير الخارجية السعودي إلى أن "فكرة إرسال قوات إلى سوريا ليست جديدة وأن السعودية قدمّت مقترحاً لدول في التحالف الذي تقوده لمكافحة الإرهاب بهذا الخصوص قبل وبعد عرض هذه الأفكار على واشنطن، إلا أن "إدارة أوباما لم تتخذ إجراء بخصوص هذه المقترحات".
ونوّه الجبير إلى أن هنالك مناقشات تجري في الوقت الراهن مع واشنطن حول طبيعة القوات التي يجب أن تتواجد في شرق سوريا، ومن أين ستدخل إلى الأراضي السورية ولا يزال هذا الأمر قيد النقاش.
وكشف مسؤولون أميركيون أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تنوي إحلال قوة عسكرية قوامها من بعض الدول العربية مكان قواتها المنتشرة في سوريا "درءاً لحدوث فراغ جراء انسحابها.. والإعداد لبسط الاستقرار في منطقة الشمال الشرقي من سوريا بعد إنجاز هزيمة داعش".
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية التي نقلت عن مصادرها في البيت الأبيض، فإنّ مستشار الأمن القومي جون بولتون أجرى اتصالاً هاتفياً مع مسؤول المخابرات المصرية بالوكالة عباس كامل لبحث حجم القوة التي بإمكان مصر المساهمة بها.
تسعون عاماً على حركة الإخوان المسلمين
تحتفل جماعة الإخوان المسلمين بالذكرى التسعين على تأسيس الجماعة الإخوانية، التي تأسّست في شهر آذار/مارس من العام 1928 على يد المُرشِد الأول حسن البنا، وهو العام الذي يعتبره المؤرّخون ميلاداً للإسلام السياسي، وقد انتشر فكر الجماعة في أنحاء العالم، ودخلوا في صراعات مع كل الحكومات التي عاشوا معها، سواء في مصر أو الدول العربية.
ولكننا نرفض مُصطلح الإسلام السياسي، كما نرفض مُصطلح الأصولية، لأنها مُصطلحات غربية تهدف في المقام الأول إلى النيّل من الإسلام كدينٍ روحي إيماني تلقائي، من خلال التمييز والتفريق ثم الدمج بين الإسلام كدين، والسلوك الاستبدادي لخاطِف للدين، عبر أجواء التاريخ، بالإضافة أن جماعة الإخوان استهدفت الحُكم منذ بداية التأسيس، حتى لو زعموا أنهم يستهدفون المجتمع بالتربية إلى حين الوصول إلى الحُكم، فقد اعتبروا أنفسهم جماعة المسلمين وليست جماعة من المسلمين، كما انتقدهم الكاتب الصحفي الراحل "حسن دوح" عندما خرج من الجماعة، والموضوع يطول ونحاول الاختصار بقدر حجم المقال.
إن تأسيس وانتشار فكر الجماعة مرتبط بالسلوك السلطاني الإسلامي الذي ساد الشعوب الإسلامية منذ تأسيس الدول الأموية، فقد تخيّل المسلمون أن الخلافة من ضرورات الدين، وعندما رأوا سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، رأوا في الجماعة امتداداً لإحياء فكرة الخلافة، ثم اعتبروا أنفسهم جماعة المسلمين الذين يُمثّلون الإسلام المُحمّدي الممتد عبر الزمن من الصحابة والتابعين ثم خلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وخلال الأربعة أعوام ما بين سقوط الخلافة 1924 وظهور الإخوان 1928، حدثت محاولات لمُبايعة الملك المصري فؤاد الأول خليفة للمسلمين، وكذلك محاولة الملك السعودي عبد العزيز آل سعود، الذي كان يُسمّى سلطان نجد والحجاز خطف لقلب الخلافة، إلا أن تجاوز الزمن للفكرة ذاتها أبطلتها.
ثم صُدر كتاب "الإسلام وأصول الحُكم" للشيخ الأزهري على عبد الرازق عام 1925 ليضرب فكرة عودة الخلافة على أرض الواقع في مقتل، ولكن القلوب الإسلامية ظلّت مشتاقة للخلافة الواحدة والبيعة الواحدة، رغم مظاهر عدم المبالاة بمن يحقّقها، ولعب من ثمّ الإخوان المسلمون على ذلك الوتر الحسّاس، ولكن المجتمع المصري كان يعيش في نفس الوقت فترة الليبرالية، بزعامة حزب الوفد التاريخي بقيادة الزعيم مصطفى النحاس، وشعبية النحاس الطاغية جعلت التظاهرات تخرج تقول"الشعب مع النحّاس"، وعندما غضب الملك فاروق، أخرج الشيخ حسن البنا تظاهرات تقول "الله مع الملك"، وخرج المُرشد الثاني للجماعة "حسن الهضيبي" بعد لقائه بالملك فاروق قائلاً:"لقاء كريم مع ملك كريم"، أي أنهم عادوا للفكر السلطاني الذي مارسه الخلفاء والسلاطين والأمراء عبر تاريخ المسلمين، وكانت بداية تورّط الإخوان في السياسة، والعودة إلى تقاليد الاغتيال السياسي فتورّطوا في قتل رئيس الوزراء أحمد ماهر عام 1945، ثم تورّطوا في قتل القاضي أحمد الخاذنار أول عام 1948، وفي عام 2013 حاول أعضاء من الجماعة اقتحام محكمة "باب الخلق" في القاهرة لسرقة أوراق قضية الخازندار التي مازالت مستنداتها فيها، ولكنهم فشلوا في ذلك، كما تورّط الإخوان في قتل رئيس الوزراء الثاني محمود فهمي النقراشي في كانون أول/ديسمبر 1948، وكانت النتيجة مقتل المُرشد الأول حسن البنا في شباط/فبراير 1949، ثم دخلوا في صراعات بعد التحالفات مع ضبّاط ثورة تموز/يوليو 1952، وحاولوا اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في الإسكندرية عام 1954، ودخلوا السجون عام 1964، وما بين العامين ومن داخل مستشفى السجن، ألّف "سيّد قطب" كتابه الخطير "معالم في الطريق"، الذي أضحى السبيل إلى التكفير والقول بالمجتمع الجاهلي، واعتبر الإخوان دم سيّد قطب مثل دم الإمام الحسين في كربلاء، وهيهات ما بين باحث عن السلطة.
وطالب للإصلاح السلمي كما في الحال الحسينية، على أن الرئيس أنور السادات أخرجهم من السجون لمواجهة المدّ الناصري، ولكنه في النهاية راح ضحيّة الإسلام السياسي، من اليمين الإخواني وحتى أقصى يسار الفكر التكفيري الوهّابي، ودامت الحال على ما هي عليه حتى اليوم، ولقد قال الراحل جمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا عن الجماعة "إنهم مثل أسرة البوربون في فرنسا، لا ينسون شيئاً ولا يتعلّمون من شيء"، لأنهم بعد أن وصلوا إلى الحُكم عام 2012، بدأت عملية إقصاء رهيب لكل التيارات السياسية والدينية، وظهر التكفيريون الدمويون، ودخلوا في صراعات مع القضاء والإعلاميين والشرطة والجيش، فانتهوا اجتماعياً، وإن لم ينتهوا على المستوى السياسي.
لا نسرد تاريخ الإخوان المسلمين بقدر ما هو تأريخ لحركات الإسلام السياسي التي خرجت أو تأثّرت بالفكر الإخواني، ومهّدت الطريق للفكر الداعشي في القتل والترويع، حيث نجد أن الإسلام في الشتات في الستينات من القرن الماضي، عاش أغلبهم في المملكة العربية السعودية، فتوهبنوا وصاروا وهّابيين فعلاً وقولاً، وتبنّى هؤلاء الفكر السعودي الذي كان يُناهض الرئيس جمال عبد الناصر، وتبنّوا فتوى الشيخ بن باز الذي أفتى بأن جمال عبد الناصر كافر حتى لو صلّى أو صام، لأنه يتعامل مع السوفيات الكفّار، كما عاشوا في دولة ألمانيا الغربية مُتّخذين مدينة "ميونيخ" عاصمة ثقافية لهم، فتعاملت معهم مخابرات الدول الكبرى، وتوجد وثائق مُتعدّدة على تأريخ الإسلام السياسي، كما نرى في كتاب "مسجد في ميونيخ"، للمؤلّف "إيان جيبسون"، الذي يتعرّض لكيفيّة تأسيس جماعات إسلامية سياسية، وتعاملاتها مع مخابرات غربية أميركية، لوقف المد الشيوعي، وكيف تحوّل المسجد إلى مفرخة للفكر التكفيري، فنرى الرابط الخفّي بين التكفير والإخوان، وإن كان الإخوان يرفضون نسبتهم للوهّابية، ولكن فكرهم يقوم على تكفير زائِر القبور، وتحريم السلام على المسيحيين أو تهنئتهم، وكلها فتاوى من صُلب العقيدة الوهّابية. الأمر المؤكّد أن الإسلام دين شامل مُتكامل، والسياسة القائمة على العدل هي صُلب العقيدة.
والإمام علي قال ضمن رسالته للأشتر النخعي عندما ولاّه مصر :"الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، ولكن السياسيين والخلفاء والسلاطين منذ البداية أخذوا من الإسلام ما يحرّض على طاعة الحاكم المسلم حتى لو ضرب الظهر وأخذ المال، وللدرجة التي يقول فيها أبو الحسن الماوردي في كتاب "الأحكام السلطانية" ، أنه لو ظهر رجل ذو شوكة وغلبة وتمكّن من قتل الخليفة القائِم، ونصّب نفسه خليفة، فلا يبيتنّ مسلم إلا وفي عنقه بيعة للمُتغلّب الجديد، هذا هو فكر السياسة في تاريخ المسلمين بمن فيهم جماعة الإخوان، وعندما ارتبط مفهوم الخلافة بمفهوم التديّن الفردي والجماعي حدثت، ومازالت تحدث الكوارث في تاريخ الأمّة، كما نشاهد في واقعنا العملي.
ومنذ تأسيس الجماعة الإخوانية وحتى اليوم، لم يترك الإخوان سلطة إلا وواجهوها، وبلداً لم يفرّقوه، حدث كما رأينا في مصر، وفي حماة في سوريا عام 1982، ودورهم مُشين في سوريا اليوم، مثل دورهم في ليبيا، لأنهم تحالفوا مع المُمثّل الإخواني العثماني رجب أردوغان، وفي كل الأحوال دائماً ما تحدث صِدامات كبيرة بين الأسرة السياسية للجماعة وبين البطش الحكومي، وفي النهاية نجد أن مقولة الإسلام السياسي مقولة غير دينية، فالإسلام دين ثوري في المقام الأول، الحياة في الموت قاهرين والموت في الحياة مقهورين، كما قال الإمام علي.
علي أبو الخير كاتب مصري.
خلال استعراض للجيش الإيراني.. روحاني: أسلحتنا للردع وليست موجهة ضد دول المنطقة
قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن بعض القوى الخارجية تستغل المجموعات الإرهابية لخدمة مصالحها.
وفي كلمة له خلال العرض العسكري في عيد الجيش اليوم الأربعاء أشار روحاني إلى أن إيران بحاجة إلى جيش قوي وحرس ثوري مقتدر لكي لا تسمح للمجموعات الارهابية بالاقتراب منها، مضيفاً أن الجيش والحرس الثوري كتفاً بكتف في ميادين الحرب والسلم خدمة للشعب.
روحاني أكّد أن وظيفة الجيش الايراني ردعية للحفاظ على استقلال ووحدة البلاد، مشيراً إلى أن "الجيش الإيراني يتمتع بالجهوزية دائماً وهو ذراع قوي في وجه مؤامرات الأعداء".
وتابع روحاني قائلاً "نحن بحاجة إلى جيش قوي وحرس ثوري قوي في منطقة حساسة كالشرق الأوسط".
كما أوضح أن الجيش الإيراني يعي الأمور السياسية لكنه لا يدخل اللعبة السياسية، ولفت إلى أن إيران تريد علاقات أخوية وقوية مع الجوار ، مشدداً "أسلحتنا هي للردع وليست ضدهم".
كذلك، اعتبر الرئيس الإيراني أن بعض القوى الأجنبية تتواجد في المنطقة بشكل غير قانوني وتعتدي دون موافقة الأمم المتحدة، مؤكداً أن إيران مؤثرة في المنطقة وهي بسياستها وقواتها العسكرية لا تريد التدخل فی شؤون أحد.
وتوجه روحاني لدول المنطقة قائلاً "صواريخ وطائرات ودبابات إيران ليست ضدكم".
أما لأميركا وبعض الدول الغربية فقال روحاني "أسلحتكم لا تجلب الاستقلال لأي دولة ولا تخيف شعب كالشعب الإيراني".
يذكر أن مراسم الاستعراض العسكري للوحدات المشتركة في الجيش الإيراني بدأت بحضور الرئيس روحاني وكبار القادة العسكرين.
وستستعرض وحدات المشاة والوحدات الجوية النموذجية من القوات الثلاث، في هذه المراسم، جوانباً من قدراتها العسكرية.
كما تقام مراسم يوم الجيش في جميع مراكز المحافظات الإيرانية.
وكان رهيئة الأركان العامة المشتركة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد حسين باقري قال أمس الثلاثاء بمناسبة عيد الجيش ورداً على العدوان الثلاثي على سوريا إن "الجيش والحرس الثوري لن يسمحا لأميركا باستهداف استراتيجية المقاومة أبداً"، مؤكّداً أن تهديدات أعداء إيران "باتت مختلفة عن السابق".
معاون شؤون التنسيق في الجيش الإيراني حبيب الله سياري أكد من جهته في كلمة له بالمناسبة أن الجهوزية الدفاعية والعسكرية للجيش الإيراني وصلت إلى حد قادرة فيه على التصدي لأي تهديد من أي نوع.
وأضاف سياري "رسالتنا إلى دول المنطقة رسالة سلام وصداقة وقوانا هي للدفاع عن حدودنا ولم ولن نبحث عن التوسع". وقال المراسلون إن إيران وخلال العرض العسكري للجيش الإيراني عرضت أحدث منظومتين للدفاع الصاروخي محليتي الصنع باسم "كمين 2" المخصصة لاستهداف الطائرات المسيرة والأهداف الطائرة على ارتفاع منخفض و "سراج 1".
التطبيع "الحرام" في أرض الكِنانة!
مصر أعلنت قبل عامين عن اكتشاف حقل غاز ضخم في البحر المتوسّط مُجاوِر للحقول الفلسطينية التي اغتصبتها إسرائيل، وهو حقل (ظُهر) وأن هذا الحقل يحتوي على 30 تريليون قدم مكعب، وأنه سيكفي للاستهلاك المحلي وللتصدير أيضاً، وأنه قد بدأ في العمل نهاية 2017 وسيزداد إنتاجه مع 2018.
لقد أثارت صفقة تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر، والتي وقِّعَت قبل أيام، جدلاً واسعاً في الشارع العربي، وباستثناء بعض النُخبة الإعلامية والسياسية الحاكِمة في مصر، لن تجد مَن أيَّد تلك الصفقة التي وصفها نتنياهو بـ(يوم العيد) وبأنها الاتفاقية الأهم مع مصر بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد 1978. ورغم تحايُل بعض المسؤولين في مصر، وإعلامهم المُدجَّن، بتجميل "وتزيين" الاتفاقية، إلا أن وجهها القبيح والفاشِل، سياسياً، واقتصادياً كان هو الأبرز والأصدق، والذي سُرعان ما يطفو على السطح كلّما حاول البعض إماتته أو تجاهله، لأن الذي جرى وباختصار، كان حلقة شديدة الخطر والخطأ من حلقات التطبيع الحرام (وكل التطبيع مع العدو الصهيوني في عرفنا حرام) والآثار السلبية قبل الاقتصادية لهكذا خطوة للأسف ستكون هي الأبقى، والأبعد أثراً على الأمن القومي العربي (والمصري في قلبه) ولن يمحو هذا الأثر، تلك الحملات الإعلامية الساذِجة أو تصريحات المسؤولين شديدة السطحية وفاقِدة الحسّ الوطني والقومي.
الآن وبعد أسابيع من توقيع الاتفاقية، وبعد أن هدأت مدافع (الكلام) قليلاً، وبدأت مدافع (الفعل)، والحفر والتصدير دعونا نعيد قراءة الاتفاقية، ومخاطرها، وتطبيعها القبيح مرة أخرى؛ دعونا نسجّل هوامشَ رفضنا لتلك الاتفاقية، انطلاقاً من مخاطِرها على الأمن القومي المصري والعربي في النقاط التالية:
أولاً: بداية لابدّ من أن نؤكّد أن مَن وقّعوا تلك الاتفاقية، ليست شركات القطاع الخاص بقيادة أحد أشهر المُطبّعين (وإسمه علاء عرفة رجل التطبيع في قطاع النسيج منذ توقيع اتفاقات الكويز الشهيرة الموقّعة مع الكيان الصهيوني في 14/12/2004) ، وهو الشريك والوارِث لمُطّبع سابق إسمه (حسين سالم) كان صديقاً وشريكاً للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي ثار عليه الشعب المصري وخلعه في ثورة 25 يناير 2011، إن الإلحاح الرسمي السياسي والإعلامي على أن مَن قام بعقد الصفقة شركات قطاع خاص (شركة دولفينوس) وألا صلة للدولة بها، هو من قبيل التحليل الساذِج، أو الإحساس بالعار! والذي تردّ عليه الوقائع، بل وكُتّاب النظام الحاكِم أنفسهم وآخرهم الكاتب المعروف (مكرم محمّد أحمد) في مقالتيه في جريدة الأهرام في (24/2/ و25/2/2018)، والذي أكّد فيهما أن الدولة هي راعية (وصاحبة) هذا الاتفاق، وحتى لو لم يقل ذلك، فإن نتنياهو سبقه بقوله في مؤتمره الصحفي الذي أعلن فيه الصفقة وبشّر بها الإسرائيليين، ونزد على ذلك أن أحد أهم شروط اتفاقية كامب ديفيد في مجال العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل هي ضرورة معرفة وإشراف أجهزة الدولة السيادية (المخابرات تحديداً) في كلا البلدين على أية اتفاقية اقتصادية صَغُرَت أم كَبُرَت، وما بالنا باتفاقية بحجم 15 مليار دولار و64 مليار متر مكعب من الغاز، لمدّة عشر سنوات وخطوط وأنابيب تشقّ الأرض لمئات الأميال في صحراء تخوض فيها الدولة حرباً مفتوحة مع داعش وأخواتها، هل يُعقَل أن تكون شركة خاصة مهما كَبُر حجمها، هي المُناط بها هكذا اتفاقيات وما يتبعها من بناء منظومة أمنية مُتكامِلة؟
ثانياً: لقد تأكّد الآن وبعد أسابيع من توقيع الاتفاقية أن جوهر سعادة الجانب المصري (خاصة الحكومي بها) والذي ردّده كالبّبغاوات إعلامها من دون تمحيص أوتحليل، هو أن هذه الاتفاقية ستجعل من مصر "مركزاً اقليمياً للطاقة، وسيتّجه إلينا العالم، خاصة الدول الاقليمية، للتعامُل في مجال الطاقة، وتلك أكذوبة كُبرى، ففضلاً عن أن القِيَم الوطنية والقومية (مثل حقوقنا العربية والإسلامية في فلسطين) لا تُقاس بالدولار وأن مَن يفعل ذلك وفي هذا التوقيت الذي يتم فيه تهويد القدس وضياع الحقوق الفلسطينية بالكامل، هو مجرّد (تاجِر) وليس (وطنياً)، بل أنه حتى في مجال التجارة وحكاية المركز الاقليمي للطاقة، يُعدّ تاجراً خائِباً، لأن الحقائق الآن تقول: إن روسيا تبيع لأوروبا الغاز المسيّل بمبلغ يتراوح بين (4-7 دولارات للمتر المكعب) في حين أن تكلفة تصدير وتخزين ثم تسييل الغاز الإسرائيلي (المسروق أصلاً من المياه الاقليمية لفلسطين ولمصر وتلك قصة أخرى مُخزية!) ستتكلّف إلى أن تصل إلى الأسواق الأوروبية حوالى (10 دولارات) لأن إسرائيل أساساً ستصدّره كغازٍ خام بـ(6.8 دولارات) وبإضافة تكاليف النقل والتخزين والتسييل ثم إعادة التصدير سرتفع الثمن كما قلنا إلى أكثر من عشرة دولار للمتر المكعب، ماذا يعني هذا؟
إنه يعني ببساطة أن (التصدير) إلى أوروبا الذي هو الهدف الاستراتيجي المُعلَن من اتفاقية الغاز لن يتم لتكلفته العالية ولوجود بدائل أوروبية أرخص، وإذا أضفنا إلى ذلك أن هذا النقل للغاز الإسرائيلي إلى أوروبا يحتاج إلى مد أنبوب ضخم يمضي تحت عُمق 3581 متراً تحت سطح البحر إلى أوروبا وتكنولوجيا تركيبه لم تتوافر دولياً بعد ، أو في حال توافرها يحتاج ليُنفّذ إلى قرابة العشر سنوات، فإن معنى ذلك أن هذا الغاز المُسال لن يُصّدر، ومن ثم لن نصبح مركزاً اقليمياً للطاقة كما روّج بعض الساسة والإعلاميين في بلادنا .!!
ثالثاً: إذن.. ماذا ستفعل مصر بهذا الغاز القادِم من إسرائيل والذي لن تتمكّن شركات (المُطبّع علاء عرفة) من تصديره؟ الإجابة وببساطة سيذهب إلى السوق المصري لينافس المنتج المحلي، وهنا جوهر الاتفاقية ومخاطرها الاستراتيجية لماذا؟ لأن مصر أعلنت قبل عامين عن اكتشاف حقل غاز ضخم في البحر المتوسّط مُجاوِر للحقول الفلسطينية التي اغتصبتها إسرائيل، وهو حقل (ظُهر) وأن هذا الحقل يحتوي على 30 تريليون قدم مكعب، وأنه سيكفي للاستهلاك المحلي وللتصدير أيضاً، وأنه قد بدأ في العمل نهاية 2017 وسيزداد إنتاجه مع 2018.. إذن لماذا يتم استيراد غاز خارجي، والأدهى من كيان عدواني سارِق للحقوق والثروات؟! هنا تأتي التساؤلات والتي لا تجد إجابة وطنية شريفة وقاطِعة، لكنها تجد إجابات ساقِطة ومُتهافِتة، وفاقِدة لأدنى ِقيَم الوطنية، ناهيك عن (الخيبة) الاقتصادية!! والادّعاء بأن هذه الصفقة جاءت ضمن لعبة (التعويضات) على تفجير خطوط الغاز المُصدّر إلى إسرائيل منذ 2005 إبّان ثورة يناير، والتي حصلت إسرائيل على أحكام بشأنها بما يُعادل (مليار وسبعمائة مليون دولار)، فإنه مردود عليه أن ثمة وسائل أخرى كانت أجدى، وأنفع وأكرم، للردّ على تلك الدعاوى القضائية الظالِمة، والمُعتدية على حقوقنا وحقوق الشعب الفلسطيني، لكن عقليّة رجال الأعمال الهادفين إلى الربح من دون اعتبار لأمن الوطن ومستقبله، هي التي خطّطت ونفّذت ورسمت الطريق، الذي سار عليه السياسيون (فوقّعوا) تلك الاتفاقية (ووقعوا) في شراكها الاستراتيجية القاتِلة، والتي ستظهر ملامحها في المستقبل خطراً داهماً على الأمن القومي المصري، وسمعة نظامه السياسي الذي للأسف، ضخّ بتلك الاتفاقية الحياة في اقتصاد، وأمن، الكيان الصهيوني.
رابعاً: ستؤدّي هذه الاتفاقية إلى ترسيخ الشرعية المُفتقَدة للكيان الصهيوني في الاقليم ،لأنها ربطت اقتصادياً وحياتياً بين كيان استعماري قاتِل (ومُغتصِب للحقوق العربية بما فيها الغاز ) وبين دول عربية مركزية، وهو ربطُ لاتزال غالبية الشعب المصري (والأردني) ترفضه رغم مرور عشرات السنين على توقيع اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة ورغم وجود السفارات، والتبادُل الدبلوماسي، إن هذا الربط يُعدّ بمثابة إكراه بالقوّة، لأجيال قادِمة على قبول، ما يرفضه المنطق، والحق، والفطرة الإنسانية (والعربية) السليمة، إن هذا الربط عبر الغاز ولمدّة عشر سنوات، سيولّد أيضاً ربطاً وإكراهاً بالدفاع عن الكيان الصهيوني، أو على الأقل عدم مُحاربته عندما يشنّ حرباً على لبنان مثلاً (وهو أمر مُحتمَل جداً في الأيام القادِمة بسبب حقول الغاز في المتوسّط وفي (بلوك 9)، وسيفرض على الجيشين المصري والأردني، خيارات لم تكن في أجندتهما التاريخية، كل ذلك لأن شهوة بعض رجال الأعمال، والسياسة للمال الحرام، دفعتهم ليقرّروا عبر الغاز المستقبل الدامي للأمن القومي لمصر وللمنطقة، من دون اعتبار لأية قِيَم وطنية أخرى تعلو على هذا الربح، وذاك التطبيع.!!
والسؤال الآن: هل لايزال هناك أمل في تراجُع الدولة المصرية عن تلك الاتفاقية التي (أوهامها) أكثر من (حقائقها) و(مخاطرها) أكثر من (منافعها)؛ الإجابة للأسف، لا، وإن كانت التطوّرات على الأرض، وحركة الشارع المصري والعربي الضاغِطة في الاتجاه المُعاكِس، اتجاه المقاومة ورفض التطبيع، قد تقدّم لنا مُفاجآت جديدة في هذا المجال. فضلاً عن أن عدوانيّة الكيان الصهيوني، وأطماعه الدائمة في النفط والغاز، والثروات (بالمناسبة إسرائيل سرقت من سيناء إبان احتلالها 1967-1982) ما يوازي 500 مليار دولار نفطاً وسياحة وآثاراً وثروات ، ولدينا (الوثائق والتي كتبنا عنها لكن أحداً من أهل الحُكم لم يتّجه إلى هذا الطريق لأنه طريق ذات الشوكة الذي لا يعرفونه للأسف !) ربما تلك العدوانية، تُفجّر، ما تم، من اتفاقات وآخرها اتفاقية تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر.
لكن بالتأكيد نحن للأسف أمام حلقة، من حلقات الهزيمة، "للإرادة"، و"القِيَم"، وخيانة شديدة السطوع لدماء قرابة المائة ألف شهيد مصري في حروبنا مع العدو الصهيوني ...وهي دماء لا نعتقد أن بضعة مليارات من الغاز(لن تذهب أصلاً للشعب بل لحفنة من المُطبّعين ) ، قادرة على تعويضها ... فقِيَم الشهادة والحق والكرامة تم التعامُل معها في هذه الصفقة ، بمنطق "الجدوى"، و"الثمن"، و(الجون !) وليس بمنطق الشرف والأمن القومي ... وما أبعد الشقة بين المنطقين!
رفعت سيد أحمد




























