Super User
إطلاق سراح المعتقلين بالسودان.. بين الدوافع والدلالات المستقبلية
أصدر البشير، الثلاثاء، قرارًا جمهوريًا، بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في البلاد؛ استجابة لمناشدة أحزاب الحوار الوطني
حراك سياسي شهده السودان خلال الأيام القليلة الماضية؛ جراء أحداث سياسية، وجدت صدى واسعًا، وصعدت من وتيرة التوقعات للمقبل، ولعل قمة هذه الأحداث، هو قرار الرئيس السوداني عمر البشير إطلاق سراح المعتقلين بالبلاد كافة.
وأصدر البشير، الثلاثاء، قرارًا جمهوريًا، بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في البلاد؛ استجابة لمناشدة أحزاب الحوار الوطني.
وأوضح أن ذلك "يجيء تعزيزًا لروح الوفاق والوئام الوطني والسلام، التي أفرزها الحوار الوطني، ولإنجاح وتهيئة الأجواء الإيجابية، بما يفتح الباب لمشاركة جميع الأحزاب السياسية في التشاور حول القضايا الوطنية، ومتطلبات المرحلة القادمة وخطوات إعداد الدستور الدائم للبلاد".
وأطلق الرئيس السوداني، مبادرة للحوار الوطني في 27 يناير/كانون الثاني 2014، توصلت إلى توصيات بتشكيل حكومة وفاق وطني، والإعداد لدستور دائم متوافق عليه.
وشاركت في الحوار الوطني قوى سياسية وحركات مسلحة، وقاطعته قوى سياسية ذات ثقل، وحركات مسلحة.
وقرار إطلاق سراح المعتقلين، لا يمكن قراءته بعيدًا عن حدثين اَخرين؛ أولهما، طلب الأحزاب المشاركة في الحكم إطلاق سراح المعتقلين، ودفعها بالبشير مرشحًا في انتخابات 2020.
وقال وزير الإعلام أحمد بلال، أول أمس الإثنين، إن "الكتل المشكلة للحكومة توافقت على أن إنفاذ مخرجات الحوار الوطني يتم بتواجد الضامن الأساسي للحوار، وهو الرئيس السوداني، لذلك تعلن توافقها على إعادة ترشيحه للمنصب في الانتخابات المقبلة".
والثاني، هو إعلان رئيس قطاع التنظيم بحزب "المؤتمر الوطني" الحاكم، وزير الحكم الاتحادي، حامد ممتاز، أن حزبه سيرشح البشير لولاية ثالثة، وهو الاعلان الرسمي، الأول من نوعه، الذي يصدر من مسؤول بالحزب الحاكم.
وأمس الثلاثاء، نقلت وسائل إعلام محلية عن "ممتاز" قوله، إن "الرئيس البشير هو مرشح الحزب للرئاسة في الانتخابات المقبلة، ومؤسسات الحزب ستجيز ذلك في الأوقات والآجال المحددة".
حديث "ممتاز" جاء بعد أن شهدت الفترة الماضية، أحاديث عن تباينات داخل الحزب الحاكم بشأن ترشيح البشير، عقب رفض مجلس شورى "المؤتمر الوطني" (مجلس الشورى يضم 400 عضو، وينتخب أعضاء المكتب القيادي للحزب، أعلى هيئة حزبية)، توصية بترشيح البشير في اجتماعه الأخير في يناير/كانون الثاني الماضي.
إلا أن رئيس مجلس الشورى، كبشور كوكو، نفى أن يكون الأمر كذلك، وقال آنذاك، إن "ترشيح رئيس الجمهورية لدورة رئاسية جديدة في 2020، ليس من ضمن أجندة اجتماعات شورى الحزب، ويطلع برسم السياسات العامة وتقييم الأداء السياسي وإجازة اللوائح والنظم".
وبالنظر إلى هذه التطورات السياسية، التي لا يمكن أن تتم قراءتها بمعزل عن بقية القضايا، فهناك أكثر من قضية تتداخل مع إطلاق سراح المعتقلين، وتعتبر سببًا له، وترصد الأناضول 3 أسباب للقرار، حسب مراقبين للشأن السوداني.
تمهيد الأجواء:
قرار الإفراج عن المعتقلين حسب بعض المراقبين، يأتي في سياق تهيئة الأجواء السياسية وخلق حالة توافق سياسي لإعادة ترشيح عمر البشير لولاية ثالثة.
وذلك لأن القرار تزامن مع بداية جلسات انعقاد دورة البرلمان السوداني السابعة، التي انطلقت مطلع إبريل/نيسان الجاري، وتشهد هذه الدورة طرح قوانين لإجازتها.
وقال رئيس لجنة التشريع والعدل في البرلمان السوداني، الفاضل الحاج سليمان، في وقت سابق، إنه "لا يوجد ما يمنع تغيير الدستور السوداني من أجل إعادة ترشيح الرئيس عمر البشير لفترة رئاسية جديدة".
وناشد وزير الدولة بوزارة الإعلام ياسر يوسف، الأربعاء، "الأحزاب السياسية لضرورة الانخراط في العمل السياسي والمشاركة في إقرار الدستور كاستحقاق قانوني مهم".
وتعمل البلاد بدستور 2005، الذي جاء وفق اتفاق السلام الشامل، وعلى ضوئه منح جنوب السودان "حق تقرير المصير"، الذي أدى لاحقًا لانفصاله عبر استفتاء شعبي عام 2011.
وأوضح يوسف، أن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين جاء استجابة لمناشدات عديدة من القوى السياسية، لافتًا إلى أن "مجلس الوزراء، سيعقد جلسة طارئة، الأحد المقبل، لمناقشة توصيات الحوار الوطني والتعديلات المتنوعة على القوانين، قبل إيداعها منضدة البرلمان".
وأشار الوزير والقيادي بالحزب الحاكم، إلى أن حديث الرئيس أمام البرلمان مؤخرًا، عن دستور دائم يحدد الواجبات والحقوق، ونظام الحكم يأتي ضمن التزامه بتوصيات الحوار الوطني.
وتوقع "حراكًا نشطًا للأحزاب السياسية، لإجازة الدستور قبل الانتخابات إذا توافقت عليه هذه الأحزاب".
زيارة الخبير المستقل:
بعض الناشطين السياسيين، لم يخفوا فرحتهم بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وذهبوا للإشارة إلى أن إطلاق سراحهم، متربط بزيارة الخبير المستقل التابع للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أريستيد نونوسي إلى البلاد السبت المقبل، لتقييم تنفيذ التوصيات المقدمة إلى الحكومة من آليات حقوق الإنسان.
وقال نونوسي في بيان، الثلاثاء، إن "زيارتي إلى السودان تهدف إلى دراسة الخطوات التي اتخذتها الحكومة للتقيد بالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، ومناقشة المجالات الممكنة للتعاون التقني".
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، مدد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف، ولاية الخبير المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان أريستيد نونونسي لمدة عام.
ويرى بعض المتابعين أن استباق زيارة الخبير المستقل، بإطلاق سراح المعتقلين، حتى تقطع الحكومة السودانية الطريق أمامه في أن يعكس صورة سلبية لأوضاع حقوق الإنسان في البلاد ما يكلفها قرارات سالبة أخرى.
والخرطوم نجت مرارًا من العودة للبند الرابع (بند الدول الأكثر انتهاكًا لحقوق الإنسان) الخاص بتعيين مقرر خاص لمراقبة ورصد سلوك الدولة، وتمكنت في عام 2009 بمعاونة الولايات المتحدة من الخروج من هذا البند بعد أن خضعت له منذ 1993، قبل أن يُفرض عليها البند العاشر (الإشراف).
وأفرجت السلطات السودانية، الثلاثاء، عن عشرات المحتجزين خلال الفترة الماضية، عقب اندلاع احتجاجات بعدة مدن تنديدًا بالغلاء، بعد إقرار إجراءات اقتصادية، أدت إلى ارتفاع أسعار السلع بما فيها الخبز، وضمت قائمة المحتجزين، قادة أحزاب معارضة.
الضائقة الاقتصادية:
يري مراقبون أن إطلاق سراح المعتقلين، يشبه "مناورة سياسية" لفك الخناق عن الأزمات التي يواجهها النظام السياسي، وأبرزها الضائقة الاقتصادية، لذلك عمدت الحكومة إلى السير باتجاه آخر حتى تخفف من وطأة الضغط الاقتصادي عليها، وصرف النظر عنه، إلى الشأن السياسي.
وهي خطوة تمضي ليكون البشير مرشحًا للرئاسة في 2020؛ لا سيما بعد تدخله المباشر في القرارات الاقتصادية وترأسه لجنة ضبط سعر الصرف، لوقف تدهور العملة السودانية امام الدولار بعد أن تجاوزت حاجز 42 دولار في الآونة الأخيرة.
وكانت موازنة 2018 في السودان، أفرزت أزمات متعددة، طالت حياة المواطن المعيشية في ظل ارتفاع كبير في أسعار السلع الاستهلاكية، وتذبذب أسعار الصرف، مع بوادر شح في بعض السلع.
وبلغ عجز موازنة العام الجاري 28.4 مليار جنيه (4.11 مليارات دولار)، ما تشكل نسبته 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويعاني السودان، منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، من ندرة في النقد الأجنبي، لفقدانه ثلاثة أرباع موارده النفطية، وتساوي 80% من موارده من النقد الأجنبي.
رغم أن كل المؤشرات تسير باتجاه أن البشير هو مرشح الحزب الحاكم الأقوى لفترة رئاسة جديدة، هي الثالثة له، هناك عقبات أخرى في الطريق منها تعديل الدستور، والوضع الاقتصادي المتأزم، وإحلال السلام في البلاد، وإشراك المعارضة في العمل السياسي وتراجعها عن هدفها المعلن "إسقاط النظام".
وفي 8 يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلن الرئيس السوداني التزام حكومته بإجراء الانتخابات المقررة عام 2020 في أجواء توافقية كاملة وإعداد دستور دائم للبلاد.
ولأكثر من مرة أكد البشير نيته عدم الترشح مجددًا في الانتخابات المقررة عام 2020، مشيرًا أنه سيبتعد حينها عن عالم السياسة، بعد أن يسلم السودان لخليفته خاليًا من الحروب.
إلا أن جولاته الأخيرة في ولايات وسط وغرب السودان، شهدت تأييدًا واضحًا من حكام هذه الولايات، وفي أكثر من حشد تلقى البشير "وثيقة بيعة"، وقابل هتافات أنصاره "سير.. سير يا بشير"، و"البشير رمز الشجرة"، (رمزه الانتخابي عام 2015)، بالابتسامة والرضا والتلويح بالنصر.
وانتخب البشير في 2010، ثم أعيد انتخابه ثانية في 2015، لدورة رئاسية تنتهي 2020، دون احتساب الفترات السابقة منذ يونيو/حزيران 1989.
خروج الإمام الحسين (ع) من المدينة إلى مكة (28/ رجب/ السنة 60 هـ)
لما مات معاوية، وبويع لابنه يزيد بالخلافة كتب إلى عامله على المدينة الوليد بن عتبة يخبره بموت معاوية، كتاباً صغيراً فيه: «أما بعد فخذ حسيناً، وعبد الله بن عمر، وابن الزبير، بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا، والسلام»([1])، فبعث الوليد إلى مروان يستشيره، فقال: «أرى أن تدعوهم الساعة، وتأمرهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم، وكففت عنهم، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية..».
وسار الحسين إلى الوليد، وبعد ما نعى إليه معاوية واسترجع، قرأ عليه كتاب يزيد، وما أمره فيه من أخذ البيعة منه، فقال له الحسين(ع): إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سراً حتى أبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس، ولكن نصبح وتصبحون، فقال مروان للوليد: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت من على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب إليه الحسين(ع): ، وقال: أأنت تقتلني أو هو؟! كذبت والله وأثمت، والله لو رام ذلك أحد لسقيتُ الأرض من دمه قبل ذلك، فإن شئت ذلك فرم أنت ضرب عنقي إن كنت صادقاً. ثم أقبل الحسين على الوليد فقال: أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب خمر، قاتل النفس، معلن بالفسق، فمثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحقّ بالخلافة والبيعة([2]).
ووصل خبر تباطؤ الوليد في أمر الحسين(ع): إلى يزيد فعزله وولى مروان ابن الحكم - كما في بعض المصادر -([3]).. وفي بعضها، أن يزيد أرسل إلى الوليد يشدد في أمر الحسين(ع): ويطلب بعث رأسه إن لم يبايع، وتكون للوليد عنده الجائزة العظمى([4]).
فأرسل الوليد الرجال إلى الحسين(ع): ليحضر فيبايع، فقال لهم الحسين: أصبحوا ثم ترون ونرى، فخرج من تحت ليلته، وكانت ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجهاً نحو مكة، ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه وجلّ أهل بيته إلا محمد بن الحنفية، حيث كلّفه الحسين(ع): بمراقبة الأوضاع في المدينة، وإخباره بها وقد كتب وصيته ودفعها إليه:
هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب، إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً (ص) عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأنّ الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(ص) ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبـر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين. هذه وصيتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب([5]).ولما فصل متوجهاً دعا بقرطاس وكتب فيه لسائر بني هاشم:
من الحسين بن علي بن أبي طالب، إلى بني هاشم: أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح، والسلام([6]). ثم ودّع (ع): قبر جدّه وأمه وأخيه، وسار بركبه تلقاء مكة المكرمة .
([1]) في مقتل الحسين للخوارزمي: فخذ الحسين... بالبيعة أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه والسلام، 262.
([2]) مقتل الحسين لأخطب خوارزم: 267.
([3]) الإرشاد للشيخ المفيد: 183.
الإسراء والمعراج (27 / رجب/ السنة 3 للبعثة)
الإسراء والمعراج (27 / رجب/ السنة 3 للبعثة) ([1])
لا إشكال ولا خلاف في وقوع الإسراء، وأن الله تعالى أسرى بنبيه (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويدلّ عليه قوله تعالى:«سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»([2]). وكذا معراجه(ص) من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا، ويمكن الاستدلال على ثبوته بأحد الدليلين الآتيين أو بكليهما: الأول: بعض من آيات سورة النجم الثاني: كثرة الأخبار الواردة في المعراج.
الدليل الأول: الآيات من سورة النجم، قال تعالى: «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» ([3]).
فإنّ هذه الآيات تحكي رؤية النبي(ص) لجبرئيل على هيئته الواقعية والأصلية، لأن جبرئيل كان يصغر كلما أراد الهبوط إلى النبي(ص) ([4])، ولكن هذه المرة رآه على صورته الأصلية بالأفق، ثم أخذ جبرئيل يقترب من النبي(ص) ويدنو منه حتى كان بينهما ما بين قاب قوسين أو أدنى.
ولكي تدلّ هذه الآيات على المعراج، يلزم رجوع الضمير في قوله:« وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى» وفي سائر الآيات إلى النبي(ص) ليصبح المعنى؛ أن النبي(ص) عندما كان بالأفق رأى جبرئيل على صورته الأصلية. أما لو رجع الضمير إلى Sذو مرةR الذي هو جبرئيل - كما استظهره بعض المحققين وأدعى وجود رواية صحيحة الإسناد على ذلك - فلا دلالة فيها على المعراج أبداً.
الدليل الثاني: كثرة الأخبار الواردة في المعراج، والتي يمكن دعوى تواترها القطعي، بحيث لا تدع مجالاً للشك في وقوعه.
وما قد يقال: هناك تعارض بين آية الإسراء، وبين الروايات الدالة على المعراج، على اعتبار أن الآية تدل على أن انتهاء السريان كان إلى المسجد الأقصى، ولم يكن سير بعده.
والجواب: إن الآية بصدد بيان الرحلة الأولى بين المسجدين، ولم تنف وجود رحلة أخرى، فما تعطيه الروايات غير ما تعطيه الآية.
وبعد هذا فلا يبقى مجال للتشكيك في الإسراء والمعراج، وأن مجرد عدم تعقل خصوصياتهما من قلة الزمن الذي وقعا فيه، أو ما شاكل ذلك لا يذهب بحقانيتهما، بعدما عرضناه من أدلة.
نعم إن كان خلاف ففي أمرين:
الأمر الأول: في تاريخهما: حيث ذهب مشهور المؤرخين إلى أنهما وقعا قبل الهجرة بمدة وجيزة، كستة أشهر، كما عن بعضهم، أو بسنة كما عن بعض آخر، أو بسنتين كما عن ثالث، وهناك من قال بوقوعهما بعد الهجرة([5]) ولكنه نادر جداً، ومخالف لكون الإسراء، من المسجد الحرام الذي دلت عليه الآية.
في قبال ذلك ما ذهب إليه جماعة منهم الزهري من أنهما في السنة الثانية من البعثة([6])، وقيل في الخامسة، وقيل في الثالثة([7]).
والأرجح وقوعه في السنة الثالثة أو الرابعة للبعثة لوجوه، منها:
أولاً - ما روي عن علي(ع) قال: «إن الإسراء قد كان بعد ثلاث سنين من مبعثه»([8]).
ثانياً - ما روي عن ابن عباس، وسعد بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، والإمام الصادق(ع) ، وعمر بن الخطاب، وعائشة: من أن النبي (ع) قال لعائشة - حينما عاتبته على كثرة تقبيله ابنته فاطمة -: نعم يا عائشة؛ لما أسري بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنة، فناولني منها تفاحة، فأكلتها، فصارت نطفة في صلبي، فلما نزلتُ واقعتُ خديجة، ففاطمة من تلك النطفة، ففاطمة حوراء إنسية، وكلما اشتقت إلى الجنة قبّلتها([9]).
وقد ثبت بالتحقيق أنّ فاطمة قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات، فلابد وأن يكون الإسراء والمعراج، على ضوء هذه الرواية - قبل ذلك بأكثر من تسعة أشهر، فتكون حادثة الإسراء والمعراج في السنة الرابعة إن حملت خديجة بعدها مباشرةً، وإن احتمل - لأجل الرواية الأولى تأخر الحمل عن ذلك بسنتين.
الأمر الثاني - اختلفوا أيضاً في أن الإسراء والمعراج كانا جسمانيين، أم روحانيين، بمعنى هل فعلاً خرج النبي (ص) بجسمه من مكة إلى المسجد الأقصى، ثم عرج بجسمه إلى السماء، فكان كلّ ما رآه بجسده، أو أنها كانت رؤيا رآها (ص) في نومه؟
يرى البعض: أنهما كانا بالروح فقط في عالم الرؤيا، كما روي عن عائشة قولها: ما فقدت جسد رسول الله (ص) ([10])، وعن معاوية: أنها رؤيا صالحة([11])، وحكي مثله عن الحسن البصري([12]).
لكن الصحيح - على ما ذهب إليه الإمامية والكم الساحق من الجمهور - أنه إنما كان بالروح والجسد معاً، ولم تكن عائشة زوجة له(ص) ، آنذاك إذ أن زواج النبي(ص) بها كان في السنة الأولى أو الثانية من الهجرة، والإسراء والمعراج على ما ذكره أبعد الأقوال في السنة الثانية عشر من البعثة، فلا يصح الأخذ بقولها، وأما معاوية فلا يعتمد على قوله، بعد ما علم من محاربته للدين ورموزه.
أضف إلى ذلك، أن الآية تذكر: «سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ»([13]) ولفظ العبد إنما يطلق على مجموع الروح والجسد، فلو كان مناماً، لكان حق الخطاب: (سبحان الذي أسرى بروح عبده)، وأيضاً لو كانت مجرد رؤية صالحة ذكرها النبي(ص) للمشركين لما أنكروها عليه، ولما ضجّ الناس حتى أدى ذلك إلى ارتداد بعض من أسلم، خصوصاً أن الرؤيا الصالحة كثيراً ما كانت تحصل في مجتمع مكة، وأيضاً رووا أن المشركين سألوا النبي(ص) عن عدد أعمدة المسجد الأقصى، وعن علامة صدق قوله، فأخبرهم بعددها بعد أن أظهر له جبرئيل المسجد نصب عينيه، وذكر لهم سقاء قافلتهم، وضياع جمل من جمالها، وهذا المطلب لا يتأتى منهم لو كان النبي (ص) قد أدّعى مجرّد الرؤيا، بل يكشف عن أنّ معراجه (ص) كإسرائه كان بروحه وجسده معاً، ومن هنا، ولعدم إيمان المشركين وتصديقهم به طلبوا منه (ص) ما طلبوه.
بعض ما رآه النبي في المعراج:
قال رسول الله (ص) - في حديثه عن معراجه لما رأى النار -: ثم مضيت، فإذا أنا بقوم يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطّه الشيطان من المس..
ثم مضيت، فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد من لحم طيب ولحم خبيث، يأكلون اللحم الخبيث، ويدعون الطيب، فقلت من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء يأكلون الحرام ويدعون الحلال وهم من أمتك يا محمد([14]).
3- وقال (ص) لعلي وفاطمة (عليها السلام) فيما رآه في معراجه:
رأيت امرأة معلّقة بشعرها يغلي دماغ رأسها.
ورأيت امرأة معلّقة بلسانها والحميم يصب في حلقها.
ورأيت امرأة معلّقة برجليها في تنور من نار.
ورأيت امرأة يُحرق وجهها ويداها، وهي تأكل أمعاءها.
ثم طلبت فاطمة(عليها السلام) منه (ص) أن يبين لهما الذنوب التي اقترفتها كل واحدة فاستوجبت هذا العذاب، فقال:
أما المعلقة بشعرها، فإنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال.
وأما المعلقة بلسانها، فإنها كانت تؤذي زوجها.
وأما المعلقة برجليها، فإنها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها.
وأما التي كانت تأكل لحم جسدها، فإنها كانت تزين بدنها للناس([15]).
وهُناك أشياء أخرى متنوعة رآها النبي (ص) في معراجه فمن أراد الإطلاع علهيا فليراجع الكتب المدونة في هذا الموضوع ومنها المصدر المذكور.
([1]) وهُناك قولان آخران في المسألة، أحدهما أن الإسرائ والمعراج كانا في 17 من شهر رمضان، والقول الثاني 17 من شهر ربيع الأول.
([4]) المعراج للسيد دستغيب: 32.
([7]) البداية والنهاية 3: 108.
([9]) ميزان الاعتدال 2: 297، وتاريخ بغداد 5: 87.
المبعث النبوي المبارك (27 / رجب / لأربعين خلت من عام الفيل)
اليوم 27 من رجب كان بعثة النبي (ص) وهبوط جبرئيل بالرسالة على أشهر الأقوال([1]) ومن الأعمال الواردة في هذا اليوم العظيم، الغسل، الصيام،زيارة النبي وزيارة أمير المؤمنين(عليهما السلام) وغيرها من الأعمال يمكنك مراجعة مفاتيح الجنان للإطلاع عليها.
وقد اختلف علماء المسلمين في اليوم والشهر الذي وقع فيه المبعث النبوي على أقوال خمسة ذكرها المجلسي في بحار الأنوار، ومنشأ الاختلاف، الخلط بين مبدأ حدث النبوة، ومبدأ نزول القرآن؛ إذ مما لا يمكن التشكيك فيه أن نزول القرآن على قلب النبي(ص) كان في ليلة القدر في شهر رمضان، قال تعالى:« إِنّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مّبَارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنذِرِينَ»([2])، وقال: «شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» ([3])، وقال:« إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» ([4]). ومع هذه البديهة، اتفقت كلمة الإمامية على أن مبعث النبي(ص) في السابع والعشرين من رجب، مع أن النبي(ص) إنما بُعث بالقرآن، إذ ترافق مع بعثته نزول بعض الآيات من سورة (اقرأ) كما هو المشهور بين المفسرين، وعليه فكيف يمكننا التوفيق بين ذينك الأمرين؟!
ذكر المحققون وجوهاً للتوفيق بين المبعث في رجب، وبدء نزول القرآن في شهر رمضان، ارتقت بعد ذلك إلى مستوى النظريات التي لها أصحابها ومتبنيها وإليك أشهرها:
نظرية النزولين:
ذهب جماعة من أرباب الحديث إلى أن القرآن الكريم نزل في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الرابعة، أي البيت المعمور - كما ورد في روايات الخاصة - أو إلى بيت العزة - كما ورد في روايات العامة - وبعد ذلك بدأ نزوله في (27 رجب) على رسول الله(ص) حسب المناسبات، طول عشرين أو ثلاثة وعشرين عاماً.
قال الشيخ الصدوق: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور، في السماء الرابعة، ثم نزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة، وأن الله أعطى نبيه العلم جملة واحدة، ثم قال له: «وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ» ([5])([6]).
وقال المجلسي تعقيباً عليه: Sقد دلت الآيات على نزول القرآن ليلة القدر، والظاهر نزوله جميعاً فيها، ودلت الآثار والأخبار على نزول القرآن في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة. وورد في بعض الروايات أن القرآن نزل في أول ليلة من شهر رمضان، ودلّ بعضها على أن ابتداء نزوله في المبعث، فيجمع بينها بأن في ليلة القدر نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الرابعة (البيت المعمور) لينزل من السماء الرابعة إلى الأرض تدريجاً. ونزل في أول ليلة من شهر رمضان جملة القرآن على النبي (ص) ليعلمه هو، ولا يتلوه على الناس، ثم ابتدأ نزوله آية آية وسورة سورة في المبعث أو غيره ليتلوه على الناس([7]).
واستدلّ على هذه النظرية بجملة من الروايات، منها - ما رواه المفضل بن عمر عن الصادق(ع) قال: Sيا مفضّل، إن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة، والله يقول:« شهر رمضان الذي أُنْزِلَ فيهِ القُرآن» ([8])، وقال: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ»([9])، وقال: «لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ» ([10]).
قال المفضل: يا مولاي فهذا تنزيله الذي ذكره الله في كتابه، فكيف ظهر الوحي في ثلاث وعشرين سنة.
قال (ع): Sنعم يا مفضّل، أعطاه الله القرآن في شهر رمضان، وكان لا يبلّغه إلاّ في وقت استحقاق الخطاب، ولا يؤديه إلاّ في وقت أمر ونهي، فهبط جبرئيل بالوحي، فبلّغ ما يؤمر به، وقوله:« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» ([11]).
ومنها ما رواه العياشي عن إبراهيم أنه سأل الصادق(ع) عن قوله تعالى:« شهر رمضان الذي أُنْزِلَ فيهِ القُرآن» ([12])، كيف أنزل فيه القران، وإنما أنزل القرآن في طول عشرين سنة من أوله إلى آخره؟! فقال A: Sنزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم أنزل من البيت المعمور في طول عشرين سنةR([13]).
وهذه النظرية هي المشهورة بين المحققين وقد اختارها الصدوق والمجلسي والعلامة الطباطبائي في (الميزان)([14])، والطبري في (تفسيره)([15])، والسيوطي في (إتقانه)([16])، كما هو مروي عن عطية الأسود عن ابن عباس، وأسند إلى جابر بن عبد الله الأنصاري([17])، وغيرهم.
بماذا بعث النبي محمد(ص) ([18])
بعث الله تعالى نبيّه محمّداً(ص) على حين فترة من الرسل خاتماً للنبيين وناسخاً لشرائع من كان قبله من المرسلين إلى الناس كافة أسودهم وأبيضهم عربيهم وعجميهم وقد ملئت الأرض من مشرقها إلى مغربها بالخرافات والسخافات والبدع والقبائح وعبادة الأوثان.
فقام(ص) في وجه العالم كافة ودعا إلى الإيمان بإله واحد خالق رازق مالك لكل أمر، بيده النفع والضر، لم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ولم يتخذ صاحبة، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
بعثه آمراً بعبادته وحده لا شريك له مبطلاً عبادة الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع ولا تعقل ولا تسمع ولا تدفع عن أنفسها ولا عن غيرها ضراً ولا ضيماً، متمماً لمكارم الأخلاق حاثاً على محاسن الصفات آمراً بكل حسن ناهياً عن كل قبيح.
سهولة الشريعة الإسلامية وسماحتها
واكتفى من الناس بأن يقولوا لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا شهر رمضان ويحجوا البيت ويلتزموا بأحكام الاسلام. وكان قول هاتين الكلمتين ( لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله ) يكفي لأن يكون لقائله ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
سمو التعاليم الإسلامية
وبعث بالمساواة في الحقوق بين جميع الخلق، وأنّ أحداً ليس خيراً من أحد إلا بالتقوى. وبالاُخوّة بين جميع المؤمنين وبالكفاءة بينهم: تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وبالعفو العام عمن دخل في الاسلام.
وسنّ شريعة باهرة وقانوناً عادلاً تلقّاه عن الله تعالى فكان هذا القانون جامعاً لأحكام عباداتهم ومعاملاتهم وما يحتاجونه في معاشهم ومعادهم وكان عبادياً اجتماعياً سياسياً أخلاقياً لا يشذّ عنه شيء مما يمكن وقوعه في حياة البشر مستقبلاً ويحتاج اليه بنو آدم، فما من واقعة تقع ولا حادثة تحدث إلاّ ولها فى الشريعة الإسلامية أصل مسلّم عند المسلمين ترجع اليه.
على أن العبادات في الدين الاسلامي لا تتمحض لمجرد العبادة ففيها منافع بدنية واجتماعية وسياسية فالطهارة تفيد النظافة، وفي الصلاة رياضة روحية وبدنية، وفي صلاة الجماعة والحج فوائد اجتماعية وسياسية ظاهرة، وفي الصوم فوائد صحية لا تنكر، والاحاطة بفوائد الاحكام الإسلامية الظاهرة فضلاً عن الخفية أمر متعذّر أو عسير.
ولما في هذا الدين من محاسن وموافقة أحكامه للعقول وسهولتها وسماحتها ورفع الحرج فيه والاكتفاء بإظهار الشهادتين ولما في تعاليمه من السمو والحزم والجد دخل الناس فيه افواجاً وساد أهله على أعظم ممالك الأرض واخترق نوره شرق الارض وغربها ودخل جميع أقاليمها وأقطارها تحت لوائه ودانت به الأمم على اختلاف عناصرها ولغاتها.
ولم يمض زمن قليل حتى أصبح ذلك الرجل الذي خرج من مكة مستخفياً وأصحابه يعذّبون ويستذلون ويفتنون عن دينهم ، يعتصمون تارة بالخروج إلى الحبشة مستخفين واُخرى بالخروج الى المدينة متسللين، يدخل مكة بأصحابه هؤلاء في عمرة القضاء ظاهراً لا يستطيعون دفعه ولا منعه ولم تمض إلاّ مدة قليلة حتى دخل مكة فاتحاً لها وسيطر على أهلها من دون أن تراق محجمة دم بل ولا قطرة دم فدخلوا في الاسلام طوعاً وكرهاً وتوافدت عليه رؤساء العرب ملقيةً إليه عنان طاعتها وكان من قبل هذا الفتح بلغ من القوة أن بعث برسله وسفرائه إلى ملوك الأرض مثل كسرى وقيصر ومن دونهما ودعاهم إلى الاسلام وغزا بلاد قيصر مع بُعد الشقة وظهر دينه على الدين كله كما وعده ربه حسبما صرّح تعالى بذلك في سورة النصر، والفتح وغيرهما وكما تخبرنا بذلك كتب التاريخ.
ولم يقم هذا الدين بالسيف والقهر كما يصوّره من يريد الوقيعة فيه بل كما أمر الله تعالى:« ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ» ([19]) ولم يحارب أهل مكة وسائر العرب حتى حاربوه وأرادوا قتله واخرجوه، وأقر أهل الاديان التي نزلت بها الكتب السماوية على أديانهم ولم يجبرهم على الدخول في الاسلام.
القرآن الكريم
وانزل الله تعالى على نبيّه حين بعثه بالنبوّة قرآناً عربيّاً مبيّناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد أعجز النبي(ص) به البلغاء وأخرس الفصحاء وتحدّاهم فيه فلم يستطيعوا معارضته وهم أفصح العرب بل واليهم تنتهي الفصاحة والبلاغة، وقد حوى هذا الكتاب العزيز المنزل من لدن حكيم عليم من أحكام الدين وأخبار الماضين وتهذيب الاخلاق والأمر بالعدل والنهي عن الظلم وتبيان كل شيء ما جعله يختلف عن كل الكتب حتّى المنزّلة منها وهو ما يزال يتلى على كر الدهور ومر الأيام وهو غض طري يحيّر ببيانه العقول ولا تملّه الطباع مهما تكررت تلاوته وتقادم عهده، وقد كان القرآن الكريم معجزة فيما أبدع من ثورة علمية وثقافية في ظلمات الجاهلية الجهلاء وقد أرسى قواعد نهضته على منهج علمي قويم، فحثّ على العلم وجعله العامل الأوّل لتسامي الانسان نحو الكمال اللائق به وحثّ على التفكير والتعقّل والتجربة والبحث عن ظواهر الطبيعة والتعمق فيها لاكتشاف قوانينها وسننها وأوجب تعلّم كل علم تتوقف عليه الحياة الاجتماعية للانسان واهتم بالعلوم النظرية من كلام وفلسفة وتاريخ وفقه وأخلاق، ونهى عن التقليد واتباع الظن وأرسى قواعد التمسك بالبرهان، وحثّ القرآن على السعي والجد والتسابق في الخيرات ونهى عن البطالة والكسل ودعا إلى الوحدة ونبذ الفرقة. وشجب العنصرية والتعصبات القبلية الجاهلية.
وأقرّ الإسلام العدل كأساس في الخلق والتكوين والتشريع والمسؤولية وفي الجزاء والمكافأة ، وهو أوّل من نادى بحق المساواة بين أبناء الإنسان أمام قانون الله وشريعته وأدان الطبقية والتمييز العنصري وجعل ملاك التفاضل عند الله أمراً معنويّاً هو التقوى والاستباق إلى الخيرات، من دون أن يجعل هذا التفاضل سبباً للتمايز الطبقي بين أبناء المجتمع البشري.
وبالغ الإسلام في حفظ الأمن والمحافظة على الأموال والدماء والأعراض وفرض العقوبات الشديدة على سلب الأمن بعد أن شيّد الأرضية اللازمة لاستقرار الأمن والعدل وجعل العقوبة آخر دواء لعلاج هذه الأمراض الاجتماعية بنحو ينسجم مع الحرية التي شرّعها للإنسان. ومن هنا كان القضاء في الشريعة الإسلامية مرتكزاً على إقرار العدل والأمن وإحقاق الحقوق المشروعة مع كل الضمانات اللازمة لذلك. واعتنى الإسلام بحفظ الصحة والسلامة البدنية والنفسية غاية الاعتناء وجعل تشريعاته كلها منسجمة مع هذا الأصل المهم في الحياة.
([1]) راجع بحار الأنوار 18: 190.
([7]) بحار الأنوار 18: 253-254.
([13]) تفسير العياشي 1: 80/184.
([14]) راجع تفسير الميزان، تفسير سورة القدر.
([16]) الإتقان في علوم القرآن 1: 39- 40.
([17]) نقله عنهما الطبري 2: 84- 85.
([18]) تجد هذا البحث في سيرة النبي n للسيد محسن الأمين العاملي في كتابه أعيان الشيعة.
وفاة شيخ الأبطح أبي طالب(ع) (26/ رجب/ السنة 10 للبعثة)
كان شيخ البطحاء أبو طالب(ع) الدرع الواقية لرسول الله(ص) منذ بزوغ شمس الرسالة إلى يوم قبضه الله إليه، حيث وقف كالسدّ المنيع يحول بين الوثنية - وهي القوّة التي كانت حينذاك تمسك بمقدّرات مكة - وبين تحقيق أهدافها في وأد الرسالة السماوية والدعوة إليها.
وله في هذا السبيل مواقف مشهورة تفوق الإحصاء، فلقد كان المحامي والناصر لرسول الله(ص) ، وحدب عليه منذ طفولته، وقد نصره بيده ولسانه، وواجه المصاعب الكبيرة، والمشاق العظيمة في سبيل الدفع عنه، والذود عن دينه ورسالته.
وهو الذي كان يقدمه على أولاده جميعاً، وقد أرجعه بنفسه من بصرى الشام إلى مكة، لما أخرجه في تجارته، وحذّره الراهب بحيرى من اليهود بعدما علم عن مستقبله([1])، وهو الذي رضي بعداء قريش بأجمعها له، وبمعاناة الجوع والفقر والنبذ الاجتماعي، ورأى الأطفال - أطفال بني هاشم - يتضوّرون جوعاً، حتى اقتاتوا ورق الشجر في الشِعب والحصار، بل لقد عبّر صراحة أنه على استعداد لأن يخوض حرباً طاحنة، تأكل الأخضر واليابس، ولا يسلم محمداً لهم، ولا يمنعه من الدعوة إلى الله، بل لا يطلب على الأقل منه ذلك.
وهو الذي وقف ذلك الموقف البطولي من جبابرة قريش وصناديدها حينما جاءه
النبي (ص) وقد ألقت عليه قريش سلا ناقة، فأخذ أبو طالب سيفه، وأمر حمزة أن يأخذ السلاء، وتوجه إلى القوم، فلما رأوه مقبلاً عرفوا الشّر في وجهه، ثم أمر حمزة أن يلطخ سِبالهم واحداً واحداً، ففعل، والقوم دون حراك([2]).
وفي الشعب كان يحرس النبي بنفسه في الليل، ويأمر جميع بني هاشم بتوالي حراسته في النهار، وكان ينقله من مكان إلى آخر، ويجعل ولده علياً في موضع النبي، أو جعفراً أو غيره، حتى إذا كان أمر أصيب ولده دونه([3]).
وكان يدفع قريشاً عنه باللين تارة، وبالشدة أخرى، وينظم الشعر السياسي والديني ليحرك العواطف، ويدفع النوازل، ويهيئ الأجواء لإعلاء كلمة الله ونشر دينه، وحماية أتباعه.
ولقد افتقد النبي(ص) مرة، فبحث عنه - وكان ذلك عندما أسري بالنبي(ص) - فلم يجده فجمع ولده ومواليه، وسلّم إلى كل رجل منهم مُدية، وأمرهم أن يباكروا الكعبة، فيجلس كل رجل منهم إلى جانب رجل من قريش ممن كان يجلس بفناء الكعبة، وهم يومئذٍ سادات أهل البطحاء، فإن أصبح ولم يعرف للنبي(ص) خبراً، أو سمع فيه سوءاً، أومأ إليهم بقتل القوم، ففعلوا ذلك، فأقبل رسول الله(ص) إلى المسجد مع طلوع الشمس([4]).
وواضح أن الإلمام بكل مواقف أبي طالب(ع) وتضحياته الجسام يحتاج إلى وقت طويل، وجهد بليغ، لكنه (ع) قد ختم كل هذه التضحيات بوصيته لبني هاشم بحمايته والذود عنه([5])، ووقف ذلك القلب الكبير، والمؤمن العظيم في السنة العاشرة للبعثة، ففقد النبي(ص) بفقده نصيراً قوياً، وعزيزاً وفياً، وسداً منيعاً بوجه كل أعدائه، ولعظيم الخطب، وجليل المصاب أطلق على العام الذي توفي فيه، هو وخديجة (عام الحزن).
منزلة أبي طالب ومقامه:
لأبي طالب(ع) منزلة عظيمة في الإسلام، وقد ورد عن الأئمة العظام أحاديث كثيرة بعلو قدره، وإليك بعضها:
عن أبي عبد الله الصادق(ع) أن رسول الله (ص) قال: «إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر، فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين»([6]).
وعن الإمام الحسين(ع) ، عن أمير المؤمنين(ع) : «أنه كان جالساً في الرحبة والناس حوله فقام إليه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين إنك بالمكان الذي أنزلك الله، وأبوك معذّب في النار. فقال له: مه فضّ الله فاك، والذي بعث محمداً بالحق نبياً لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله. أبي معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار؟! والذي بعث محمداً بالحق، إنّ نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق إلا خمسة أنوار: نور محمد ونور فاطمة ونور الحسن ونور الحسين ونور ولده من الأئمة، ألا إن نوره من نورنا..»([7]).
وعن أبي بصير ليث المرادي قال: قال الباقر(ع) : «.. والله إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفّة ميزان، وإيمان هذا الخلق في كفّه ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم»([8]).
إيمان أبي طالب(ع)
من المؤسف حقاً أن يقع الكلام - بعد الموجز الذي قدمناه في جهاده ونصرته لدين الله ونبيه (ص) - بين المسلمين في إيمان أبي طالب(ع) ، أفلا ينبئ جهاده عن إسلامه، ونصرته عن شدة اعتقاده؟ أوليس سلوك المرء حاكياً عن ما جُبلت عليه نفسه، علاوة على التصريحات البليغة والواضحة التي سبكها أبو طالب في قوالب شعرية تمثل إيمانه واعتقاده، وإليك غيضاً من فيض منها:
قال (سلام الله عليه) في رسالة أرسلها إلى النجاشي يحثّه على حسن جوار من هاجر إليه من المسلمين:
|
ليعلمْْ خيار الناس أنّ محمداً |
|
وزيرٌ([9]) لموسى والمسيح ابن مريم
|
|
أتـانا بهديٍ مثل ما أتيا به |
|
فكـل بأمر الله يهدي ويعصم |
وقال مخاطباً النبي (ص):
|
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
|
حتى أوسَّد في التراب دفينا |
قال الثعلبي بعد نقل هذه الأبيات: وقد اتفق على صحّة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب: مقاتل، وعبد الله بن العباس، والقسم بن محضرة، وعطاء بن دينار([12]).
وأشعاره كثيرة جداً، ومعظمها صريح في إيمانه وإسلامه، وبيان لكون نصرته عن عقيدة وإيمان، لا عن حمية نسب - كما يدعيه البعض -.
وبعد هذا تسقط جميع المرويات التي رواها العامة عن كفر أبي طالب، وأنه في ضحضاح في النار([13])، وللإطلاع على كل ذلك راجع (الغدير) للعلامة الأميني: ج7/444-550، (والصحيح من سيرة النبي الأعظم: 3/228 - 259)، و(إيمان أبي طالب)، للشيخ المفيد.
([1]) تاريخ ابن عساكر 1: 269-272.
([2]) السيرة الحلبية 1: 291- 292، وسيرة دحلان 1: 202 وبحاشية السيرة الحلبية.
([3]) البداية والنهاية 3: 84، ودلائل النبوة: للبيهقي 2: 312، وتاريخ الإسلام 2: 104-141.
([4]) تاريخ اليعقوبي 2: 62، ومنية الراغب: 75.
([5]) تاريخ الخميس 1: 339، وأسنى المطالب: 5، والسيرة الحلبية 1: 375.
([6]) شرح النهج لابن أبي الحديد 14: 70.
([9]) نقل المحدث القمي في منتهى الآمال، عن قصص الأنبياء للراوندي، وإعلام الورى بدل (وزير) (نبي) ويُمكن أن يكون المراد من الوزير - على فرض ورودها في شعره- التالي.
([10]) نقلها في مستدرك الحاكم 2: 623، والمصادر السابقة.
([11]) تاريخ ابن كثير 3: 42، وفتح الباري 7: 153، والإصابة 4: 116، وشرح ابن أبي الحديد 3: 306.
8 ومضات براقة حول الحياة الزوجية
الومضة 1: بإجراء صيغة العقد وقبول ميثاق الزواج، فإنّ الفتاة والشاب اللَّذين كانا أجنبيين بالأمس يصبحان اليوم زوجاً وزوجة. تأتلف أسرة جديدة، وتنمو خلية جديدة في جسد المجتمع الإنساني.
الومضة 2: إنّ الزوج والزوجة متساويان ومتناظران في الجوهر الإنساني والروح الإلهية في نظر الخالق الحكيم، وسهم كل منهما من الحقيقة البشرية هو بنفس المقدار، إلاّ أن الحكمة الإلهية وضعت هذا الجوهر الملكوتي في صدفين أرضيين متفاوتين، وبناءين متمايزين ومحتاجين إلى بعضهما.
الومضة 3: هذه الزوجية هي القانون الشامل والسنَّة الجامعة والجميلة التي تحكم على خلق هذا العالم، والزواج هو أحد أروع علامات جمال معمار الوجود، يعني اتصال عمودين لتشييد بناء الأُسرة، واتصال كفّتين لإعداد ميزان الحياة الإنسانية.
الومضة 4: كنا نشاهد أحياناً الرجل يعتبر المرأة مخلوقاً من الدرجة الثانية، إلاّ أنه لا يوجد مخلوق من الدرجة الثانية، فكلاهما متماثلان ولكل منهما حق المساواة في أمور الحياة، إلاّ في الموارد التي فرَّق الله تعالى فيها بين الرجل والمرأة، والتي هي لمصلحة معينة وليست بنفع الرجل وبضرر المرأة، فلابد أن يعيشا في البيت مثل شريكين ورفيقين.
الومضة 5: الإسلام يعتبر الرجل قوّاماً والمرأة ريحانة، وليس هذا تجرّؤاً على الرجل ولا على المرأة، ولا تضييعاً لحق المرأة، ولا تضييعاً لحق الرجل، بل الرؤية الصحيحة لطبيعة كل منهما.
الومضة 6: إنّ ميزانهما متساوٍ، أي عندما نضع الجنس اللَّطيف الجميل ومانح السكينة والجمال المعنوي لمحيط الحياة في كفة، ونضع صاحب الإدارة والعمل والمعتمد والمتحرك وملاذ المرأة في الكفّة الأخرى للميزان، تتساوى هاتان الكفتان، ليس ذاك راجحاً على هذا، ولا هذا راجحاً على ذاك.
الومضة 7: يتبع البعض مسلكاً خاطئاً، وليس هذا خاصاً بالنساء، فبعض الرجال أيضاً يقولون: تعالوا لنتبادل ما في كفّتي الميزان، نبدل دور المرأة والرجل، وإذا فعلنا ذلك ما هي النتيجة؟ لن نجني سوى الخطأ وإتلاف البستان الذي بُني على الجمال والإحسان، لا نحصد شيئاً غير ذلك، تنقطع المنافع المطلوبة منهما، وتنتشر اللامبالاة في محيط الأُسرة، ويفقد تودُّد كل من الرجل والمرأة إلى الآخر، وتضيع كلُّ تلك المحبة والعشق الذي هو أساس كل شيء.
الومضة 8: قد يحدث أحياناً أن يأخذ الرجل دور المرأة في البيت، وتصبح المرأة هي الحاكم المطلق تتأمّر على الرجل، إفعل هذا ولا تفعل ذلك، والرجل يسلم لها خانعاً، رجل كهذا لا يصلح ملاذاً للمرأة، فهي بحاجة إلى ملاذ قوي وأحياناً يجبر الرجل المرأة على أشياء من قبيل التبضُّع للمنزل والتعامل مع المراجعين، لماذا؟ لأنه مشغول وليس لديه وقت، فالملاك هو عدم وجود الوقت الكافي، فيقول: الآن يجب أن أذهب إلى الدائرة، يجب أن أذهب إلى العمل، فعلى الزوجة أن تقوم بهذه الأعمال، أي يوكل الأعمال الثقيلة والمملّة إلى الزوجة، وطبعاً يمكن أن تنشغل بها بضعة أيام إلاّ أنه ليس عملها.
* من كلام الإمام الخامنئي (حفظه المولى)
وقت نزول القرآن وموعد البعثة النبوية
قد يسأل سائل هذا السؤال: إذا كان القرآن قد نزل في شهر رمضان فكيف تكون البعثة النبوية في شهر رجب؟
يمكن أن يُجاب عنه بما يلي:
أولاً: إن هناك ما يدل على نزول القرآن إلى اللوح المحفوظ.. ثم هناك ما يدل على نزوله إلى السماء الدنيا، ثم سورةً سورة، ثم صارت تنزل الآيات تدريجاً.. وعلى هذا فيمكن القول بأن النزول الدفعي للقرآن قد كان في شهر رمضان، وفي ليلة مباركة، هي ليلة القدر. ثم بدأ في السابع والعشرين من شهر رجب ينزل سورةً سورة، وتدريجاً..
ثانياً: بالنسبة إلى البعثة في شهر رجب نقول: إنه لا يجب أن تكون البعثة مقترنة بنزول القرآن، فيمكن أن يبعثه الله في شهر رجب، ثم يبدأ نزول القرآن بعد شهر، أو شهور، أو أكثر، أو أقل، لأن البعثة هي مجرّد أن يُخبر جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله بأنه نبيّ، وقد يخبره بذلك منذ صغره، كما كان الحال بالنسبة للنبي عيسى عليه السلام، حيث قال فور ولادته: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)[1].. وكل فضيلة ثبتت لنبي من الأنبياء، فهي ثابتة لنبينا صلى الله عليه وآله، كما دلت عليه الروايات.. وقد يكون المراد من البعثة، هو بعثته كرسول وهي تتحقق بإخباره ولو في آخر حياته.. بأنه مبعوث إلى قومه، أو إلى البشرية كلها.. ولا يحتاج ذلك إلى نزول قرآن.. وفي هذه الحال قد يكون القرآن قد نزل عليه قبل ذلك بسنوات.. كما أن من الممكن أن ينزل القرآن على النبي صلى الله عليه وآله مذ كان نبياً أي منذ صغره، أو بعد ذلك بسنة أو بسنوات..
وثالثاً: إن الأوضح والأقرب في موضوع النزول الدفعي والتدريجي للقرآن هو: أن القرآن قد نزل دفعةً واحدة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكنّه لم يؤمَر بتبليغه، ثم صارت السورة، ثم الآيات تنزل تدريجاً بحسب المناسبات.. وربّما يُستأنَس لهذا الرأي ببعض الشواهد مثل ما ورد في رواية المفضّل، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «أعطاه الله القرآن في شهر رمضان، وكان لا يبلِّغه إلا في وقت استحقاق الخطاب، ولا يؤدّيه إلا في وقت أمر ونهي الخ..»[2].
رابعاً: إن النبيّ كان نبياً منذ صغره، أو قبل ذلك، فقد رُوي عنه أنه قال: «كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد»[3]. فلا مانع من أن يكون القرآن قد نزل عليه منذ بدء نبوَّته، ثم صار ينزل عليه صلى الله عليه وآله نجوماً بعد أن بلغ الأربعين، لكي يبلّغه للناس.
* السيد جعفر مرتضى العاملي - بتصرّف
[1] - سورة مريم الآية 30 .
[2] - البحار ج 89 ص 38 .
[3] - كتاب التاج ج 3 ص 229 .
من الواجبات التربويّة للأبوين تجاه الأبناء
يحتاج الأبناء في مراحلهم الأولى إلى رعاية ومتابعة حثيثة من الآباء. فتشكل البنية الأخلاقية والسلوكية عند الأبناء يعتمد في أغلبه على هذه الفترة الأولى الحساسة من أعمارهم. والعوامل التربوية، التي تساهم في تشكيل هذه البنية والتي سيكون لها الأثر في تحديد مسار الأبناء ومستقبلهم، كثيرة. ولكننا نشير إلى إثنين منها في هذه المقالة المقتضبة:
1 - حسن اختيار المعلّمين والمربّين:
ينبغي للأهل أن يراعوا الدّقّة في انتخاب المدرسة والمعلّمين والمربّين لأولادهم، وأن يكونوا على علاقة متينة ولصيقة مع المدرسة والمعلّمين والمربّين أثناء تواجد أولادهم في المدرسة. بالإضافة إلى التنسيق مع الهيئة التعليمية والتربوية بشكلٍ تامّ في إيصال المفاهيم الإسلاميّة والتربية الدينيّة لأولادهم. والسعي لإزالة أيّ تعارض وتضاد بين المدرسة والبيت؛ لناحية التربية الدينية.
2 - المساعدة في اختيار الأصدقاء:
إنّ الأصدقاء والرفاق هم قدوةٌ سلوكيّة وتربويّة لأبنائنا. إذ يرغب الفتيان والفتيات بنحو طبيعيّ في إقامة علاقات صداقة، ويحبّون أن يتّخذوا من هم في سنّهم أصدقاء لهم، وأن يعمّقوا أواصر الصداقة معهم، ولكن لبراءتهم، ولغلبة انفعالاتهم؛ وعدم الالتفات إلى مصالحهم؛ فإنّه من الممكن أن تشتبه عليهم الأمور في انتخاب الأصدقاء، فينتقون أفراداً غير مناسبين لمعاشرتهم. من هنا، تكمن وظيفة الوالدين في أنْ يساعدوا الأبناء، وأن يوضّحوا لهم خطر رفقاء السوء، والأضرار الناجمة عن مصادقتهم، وأن يحذّروهم بأسلوب منطقيّ واستدلالي ومحبِّ من معاشرة الأفراد غير الصالحين والإفراط في بعض الصداقات.
وقد وردت العديد من الروايات التي تحثّ على اختيار الصديق الجيّد، وترك أصدقاء السوء. روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "انظر إلى كلّ من لا يفيدك منفعة في دينك؛ فلا تعتدنّ به، ولا ترغبن في صحبته؛ فإنّ كلّ ما سوى الله تبارك وتعالى مضمحل وخيم عاقبته"[1]؛ ليؤكّد أنّ الصحبة الحقيقية هي الصحبة التي تتّجه نحو الله تعالى.
وممّا لا شكّ فيه أنّ زيارة الوالدين للعوائل المتديّنة والخلوقة والملتزمة بالأحكام الشرعيّة، واصطحاب الأولاد إلى المساجد والمحافل ذات الطابع الدينيّ والتربوي، وأمثال ذلك، يساعد بنحو غير مباشر على أن يجد الأولاد أصدقاء مناسبين لهم.
* المصدر: التربية الاسرية - بتصرّف
[1] بحار الانوار،ج71، ص191.
مصر تدرج "ولاية سيناء" و300 شخص على قوائم الإرهاب
نشرت الجريدة الرسمية في مصر، يوم أمس حكماً أصدرته محكمة للجنايات الأسبوع الماضي، بإدراج جماعة "ولاية سيناء" الموالية لتنظيم داعش الارهابي، وأكثر من 300 شخص متهمين بالانتماء لها، على قوائم الإرهاب.
وكانت جماعة "أنصار بيت المقدس"، التي تنشط في محافظة شمال سيناء أعلنت مبايعة "داعش" عام 2014، وأطلقت على نفسها اسم "ولاية سيناء".
وكانت محكمة أدرجت الجماعة باسمها القديم على قائمة الكيانات الإرهابية في 2015، فيما تشير بيانات القوات المسلحة ووزارة الداخلية إلى الجماعة باسم "أنصار بيت المقدس".
وأعلنت الجماعة مسؤوليتها عن الكثير من الهجمات، التي أسقطت المئات من قوات الجيش والشرطة والمدنيين في شمال سيناء ومناطق أخرى بالبلاد، خلال السنوات القليلة الماضية.
وجاء في نص القرار "قررت المحكمة: أولا إدراج جماعة «ولاية سيناء» بقائمة الكيانات الإرهابية لمدة 3 سنوات، تبدأ من تاريخ صدور هذا القرار مع ما يترتب على ذلك من آثار".
كما نص القرار على إدراج 319 متهما على قائمة الإرهابيين لمدة 3 سنوات.
وتجري محاكمة هؤلاء المتهمين في قضية تنظرها محكمة أمن الدولة العليا منذ العام الماضي، بتهم أبرزها الانتماء لجماعة "ولاية سيناء"، وتجنيد عناصر لها والترويج لأفكار تنظيم "داعش"، وشن هجمات ضد قوات الجيش والشرطة والمسيحيين.
ووفقا لقانون تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين الذي صدر عام 2015، فإن إدراج أي جماعة أو أشخاص على هذه القوائم يتبعه تلقائياً التحفظ على الأموال والمنع من السفر.
ويحق للأشخاص الذين تدرجهم محاكم الجنايات على قائمة الإرهابيين الطعن على القرار أمام محكمة النقض، وهي أعلى محكمة مدنية في البلاد.
كما نشرت الجريدة الرسمية قراراً أصدرته محكمة جنايات القاهرة، الأربعاء الماضي، برفع أسماء 14 شخصاً كانوا يحاكمون في إحدى القضايا من قائمة الإرهابيين، بعد أن ثبت عدم تورطهم في تقديم دعم مادي إلى جماعة الإخوان، التي تحظرها مصر.
وبعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، أدرجت مصر جماعة الإخوان على قائمة التنظيمات الإرهابية.
فيتو روسي ضد مشروع القرار الأميركي بشأن سوريا
استخدمت روسيا حق النقص الفيتو ضد مشروع قرار أميركي في مجلس الأمن الدولي يدعو لتشكيل لجنة تحقيق دولية حول مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في مدينة دوما قبل أيام، وييتهم السلطات السورية بانتهاك قرار مجلس الأمن رقم 2118.
وعارضت بوليفيا القرار أيضاً، فيما امتنعت الصين عن التصويت، ووافقت عليه 12 دولة.
وبعد ذلك صوتت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا و4 دول أخرى ضد مشروع القرار الروسي، فيما صوتت 6 دول لصالح القرار وامتنعت دولتان عن التصويت.
مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري تحدث في كلمته عن جرائم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا النووية والكيميائية والجرثومية.
وهاجم الجعفري مندوبة بريطانيا كارين بيرس التي وصفت سكان دوما بأنهم شعب. وإقتبس كلامه من شكسبير، فقال إن "الكذب يشوهك فكن صامتاً أو أسكت".
مندوبة بريطانيا قالت إنه "ليس من صلاحية الروس الذهاب إلى دوما والمعاينة"، على حدّ تعبيرها.
فرد عليها الجعفري قائلاً "لماذا لم تقل هذا لنفسها عندما أخذت عينات من خان شيخون إلى مخابر بريطانية وفرنسية بدون تنسيق مع جيم وبعثة تقصي الحقائق؟.
وكانت بريطانيا قد وقعت قبل فترة إتفاقاً مع ولي عهد السعودية لبيع أسلحة بمئة مليار دولار.
وتابع الجعفري "الفرنسي روع بالصور، لكنه لم يرّوع من صور قتل الطائرات الفرنسية في قرية طوخار في عام 2016، ولم يرها".
الجعفري قال أيضاً إن "الخارجية السورية وجهت دعوة لحضور بعثة تقصي الحقائق والوقوف على الحقائق". وأشار إلى أن "سوريا تتطلع لأن تقوم بعملها بشفافية، مؤكداً أنه "عندما تصل بعثة الحقائق ستصل إلى أي مكان تريده بعد تحرير دوما".
وأضاف أن "مقدمي مشروع القرار الأميركي لا يريدون الحقيقة ومعرفة إذا حصل هجوم كيميائي في دوما بل يريدون آلية تخدم أجنداتهم"، مشيراً إلى أن الدول الغربية هي التي أفشلت آلية التحقيق المشتركة بتسييس عملها، فأصدرت تقارير مفبركة من مصادر مفتوحة معتمدة على مجموعات إرهابية مثل النصرة والخوذات البيضاء".
وأعطى مثلاً على ذلك فقال إن "هذا الأمر مشابه قبل عام عندما إعتدت أميركا على الشعيرات بحجة السلاح الكيميائي في خان شيخون، لكنهم منعوا خبراء آلية التحقيق من زيارة خان شيخون ومن أخذ عينات".
وتابع "القرار لكم اليوم، والشعوب هي الحكم على ممارستكم.. وأدعوكم لخيار الإنتصار لنظام عادل يؤمن بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها"، مؤكداً أن "سوريا حريصة على التعاون مع منظمة حظر الأسلحة".
وختم الجعفري قائلاً "أساطيلهم موجودة في شرق البحر المتوسط لاستغلال الفيتو للعدوان"، مؤكداً أن "العدوان لن يحيدنا عن ممارسة واجبنا في الحفاظ على سيادة سوريا وصدّ أي عدوان مهما كان مصدره.. ولن نسمح تكرار ما فعلوه بالعراق وبليبيا".
مندوب روسيا في الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا قال إن "الولايات المتحدة تحاول الخداع مجدداً، وإن أصحاب مشروع القرار الأميركي.. يعولون على عدم تبنيه لاستغلال ذلك في مهاجمة سوريا".
وأضاف "قدمنا قراراً لا يحتاج إلى جدل.. التهديد يوجه من قبلكم وليس من روسيا ونرى أحداثاً حزينة وخططاً تضعونها لسوريا، وهذا دليل على أن الأميركيين يضمرون شراً برفض هذا القرار"، مؤكداً أن "روسيا وسوريا ستحميان بعثة تقصي الحقائق".
واعتبر نيبينزيا أن مشروع القرار الأميركي "لا يمت بأي صلة إلى التحقيق في الهجوم المزعوم في دوما"، مؤكداً عدم العثور على أي آثار للهجوم الكيميائي المزعوم في دوما.
وأكد نيبينزيا أن روسيا موجودة في سوريا "تلبية لدعوة من الحكومة الشرعية بينما أنتم تدعمون الإرهابيين".
المندوبة الأميركية قالت إن "هذه سادس مرة يستخدمون الفيتو ضد مشروع قرار يتعرض للكيميائي السوري.. رفضوا إدخال أي تعديل على مشروع القرار". وأضافت أن "بعثة تقصي الحقائق وصلت إلى دوما ولا تحتاج إلى قرار.. القرار الروسي يضع الحكومة السورية والروس في موقع القيادة وتحديد أين يسمح بالتحقيق وأين لا يسمح".
نائب مندوب الصين قال من جهته، "ندعم إرسال بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة الحظر.. دعمنا القرار الروسي لهذه الغاية".
أما مندوب السويد فأعرب من جهته عن الأسف لعدم إعتماد القرار الوسط الذي قدمته روسيا لدعم بعثة تقصي الحقائق، وقال "خاب الأمل لعدم الإتفاق".
ودعا المشروع الأميركي لإنشاء آلية تحقيق مستقلة مشتركة لمدة عام في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في دوما، كما طلب من سوريا التعاون التام مع هذه الآلية.
وعبر مشروع القرار عن القلق من استخدام الأسلحة الكيميائية في دوما في 7 نيسان/ابريل الجاري، وأدان استخدام هذه الأسلحة.
كما اعتبر المشروع الأميركي أن امتلاك سوريا لأي أسلحة كيميائية يعد انتهاكاً للقرار 2118 (القاضي بنزع مخزون سوريا من المواد الكيميائية)، وانتهاكاً لعضوية سوريا في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وكان دبلوماسيون أكدوا أن روسيا أبلغت أعضاء بمجلس الأمن رفضها مسودة القرار الأميركي بشأن إجراء تحقيق بشأن الكيميائي بسوريا، وأنها ستطرح مشروع قرار بشأن الكيميائي في سوريا للتصويت بعد تصويت المجلس على المشروع الأميركي.
وأفاد مراسلون بأن مشروع القرار الروسي يدعو لإنشاء آلية تحقيق مشتركة من مستوى موضوعي ومن عدة مناطق جغرافية.




























