Super User

Super User

يشارك الاغتراب في الانتخابات النيابية المقبلة، للمرة الاولى في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية، حيث من المقرر أن يبدأ الاقتراع في دول الانتشار في 29 نيسان الحالي.

وعلى رغم انّ العدد الاجمالي للمسجلين الراغبين الادلاء بأصواتهم هو قليل قياساً الى العدد الكبير للمغتربين، إلّا انّ ذلك لا يقلّل من الأهمية الرمزية لهذا «الجسر الانتخابي» الذي سيساهم في تعزيز الربط بين جناحي لبنان. لكنّ المشكلة التي بدأت تواجه البعض في الخارج، وتحديداً في الولايات المتحدة، تكمن في الشعور بغياب تكافؤ الفرص، سواء على مستوى المرشحين، او على مستوى الناخبين، ما يطرح تساؤلات حول عدالة العملية الانتخابية في المهجر الاميركي تحديداً.

من المعروف أن واشنطن تُصنّف «حزب الله» منظمة إرهابية، وبالتالي فإنّ هناك حظراً لديها لكل أشكال التعامل معه، تحت طائلة ملاحقة المخالفين. هذا الحصار او «الفيتو» على «الحزب» أدّى عملياً الى خلل في قاعدتي المساواة والتوازن الانتخابيين على مستوى الولايات الاميركية التي تضم الجالية اللبنانية، إذ لا يستطيع مؤيّدو «حزب الله» تنظيم مهرجانات او حملات انتخابية في تلك الولايات حيث يتعذّر عليهم الترويج لشعاراته او رفع صور لمرشحيه، ناهيك عن عقد اللقاءات السياسية والاعلامية، بينما تملك القوى الحزبية الأخرى حرية تنظيم النشاطات والمهرجانات الداعمة للوائح الاخرى، وأحياناً بمشاركة شخصيات مركزية من لبنان، تتم دعوتها الى المشاركة في تحفيز الناخبين في اميركا.

والإشكالية الأكبر والأخطر تتمثّل في خشية شريحة معينة من المغتربين المنتشرين في المدن الاميركية من التصويت للوائح «حزب الله»، تحسّباً لاحتمال التعرض لاحقاً الى الملاحقة او المساءلة القانونية لدى الاجهزة الاميركية، الأمر الذي من شأنه ان يهدّد مصالح هذه الفئة او إقامتها في الولايات المتحدة.

وقد انعكس هذ الواقع انخفاضاً في عدد المسجلين للاقتراع، والذي بلغ نحو 10 آلاف شخص، من بينهم 800 فقط في منطقة ديترويت، على رغم من انها تحتوي حضوراً لبنانياً كبيراً، علماً انّ مدينة ديربون وحدها تضم نحو 40 الفاً يحق لهم الاقتراع، وغالبيتهم من مؤيدي حركة «أمل» و»حزب الله»، مع الاشارة الى انه سيتم توزيع 23 مركز اقتراع في مناطق الوجود اللبناني في اميركا.

ولئن كان الدستور الاميركي يكفل حرية التعبير ومن ضمنها حق الاقتراع، إلّا انه ليس خافياً انّ الاولوية الامنية للولايات المتحدة باتت تتفوّق منذ سنوات على مبدأ الحريات العامة. وعليه، يخشى المغتربون الداعمون للوائح «حزب الله» من أن يبادر جهاز «اف بي آي» او غيره، الى استدعائهم عقب الادلاء بأصواتهم للتحقيق معهم حول وجهة اقتراعهم وصلاتهم المفترضة بالحزب.

وحتى اولئك الذين قد يفكرون بالمجيء الى لبنان للتصويت في الدوائر التي ينتمون اليها، يتخوّفون من ان يخضعوا بعد عودتهم الى الاستجواب في المطارات الاميركية.

وتفيد المعلومات أنّ هناك شكوى كبيرة في أوساط اغترابية شيعية في اميركا من واقع انعدام التوازن وتكافؤ الفرَص في المنافسة الانتخابية، بل انّ البعض ذهب الى حدّ المطالبة بإلغاء الانتخابات في الولايات المتحدة بسبب افتقارها الى الشروط المطلوبة والضمانات الضرورية. وقد لجأت تلك الاوساط المعترضة الى مراجعة السفير اللبناني في واشنطن غابي عيسى، ونقلت اليه هواجسها ومآخذها.

وبدوره، تشاور عيسى مع وزارة الخارجية الاميركية التي أبلغته انها تعرف التركيبة اللبنانية وتؤكد ضرورة إجراء الانتخابات النيابية، ما أوحى وفق بعض التفسيرات الاغترابية انّ واشنطن ربما تَغضّ الطرف عن الاقتراع لمرشحي الحزب، لأنها تعتبره تصرفاً غير مصنف ضمن الدعم المادي.

الرسالة الاعتراضية

وعُقد لقاء تشاوري اغترابي أخيراً في مدينة ديربورن الاميركية، تمّ خلاله وضع رسالة احتجاجية، رُفعت في 4 نيسان الحالي الى السفارة اللبنانية في واشنطن لإيصالها الى الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري، متضمنة شرحاً لهواجس فئة من المنتشرين في الولايات المتحدة. وفي ما يلي مقتطفات من هذه الرسالة:

«نتطلّع الى أشخاصكم الكريمة وأنتم حماة الوطن وسياج وحدته وعنوان كرامته، وكلنا أمل في ان تكونوا لنا عوناً وان تنظروا بعين العدل والانصاف والمساواة الى قضيتنا ومطلبنا (...) نحيطكم علماً انّ المشاركة في العملية الانتخابية في الولايات المتحدة ترتّب أعباء ومسؤوليات قانونية على شريحة واسعة من أبناء الجالية اللبنانية من مناطق الجنوب وبعلبك - الهرمل وبعبدا وبيروت (...) انّ الادارة الاميركية تدرج «حزب الله» ظلماً على لائحة الارهاب، وتحظّر التعامل معه وتقديم اي شكل من اشكال الدعم له.

انّ شريحة واسعة من اللبنانيين وجدت نفسها في مواجهة القانون الاميركي، وهي لن تستطيع ممارسة حقها الديموقراطي في اختيار مرشحيها خوفاً من احتمال الملاحقة القانونية او المساءلة لدى الاجهزة الفدرالية في ظل الاجواء الضاغطة التي يعيشها ابناء الجالية في مدينة ديربورن ومحيطها.

نتيجة لذلك، امتنع السواد الاعظم من ابناء الجالية عن التسجيل المسبق بينما يخشى القسم الآخر من المساءلة القانونية اذا ما انتخَبَ أيّاً من اللوائح المشارك فيها «حزب الله». وبناء على الشرح الذي تقدّم، نطلب من مقاماتكم الكريمة والموقرة تصحيح الخلل المترتّب على تصويت المغتربين في الولايات المتحدة، بما يحقق العدالة والمساواة بين جميع اللبنانيين من مختلف المناطق».

توضيح السفارة

ولاحقاً، أصدرت السفارة اللبنانية في واشنطن بياناً أكدت فيه انّ الانتخابات ستتم بالتنسيق مع وزارة الخارجية الاميركية وموافقتها، مشدّدة على «انّ المقترعين سيُدلون بأصواتهم بطريقة سرية خلف عازل التصويت الذي يضمن الخصوصية والسرية». واعتبرت ان «لا مبرر لتخويف الناخبين او ابتزازهم او دفعهم الى الاعتقاد أنّه من الممكن اعتبار التصويت دعماً مادياً لأيّ منظمة»، لافتة الانتباه الى انه «سيتمّ نقل أوراق الاقتراع في أمان وفَرزها في لبنان».

لكنّ هذه الايضاحات لم تكن كافية، كما يبدو، لطمأنة القلقين من المغتربين، في ظل تخوّف من وجود تمايز في السلوك بين وزارة الخارجية الاميركية من جهة ووزارتي الداخلية والعدل من جهة أخرى. وما عزّز هذا الانطباع انّ شخصيات اغترابية سألت المدعي العام الفيدرالي عمّا إذا كان التصويت لمرشحي «حزب الله» يمكن ان يرتّب تبعات قانونية، فامتنع عن إعطاء إجابة واضحة، متجنّباً تأكيد هذا الاحتمال او نفيه.

عماد مرمل  

أعلن مسؤولون أميركيون أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تنوي إحلال قوة عسكرية قوامها من بعض الدول العربية مكان قواتها المنتشرة في سوريا "درءاً لحدوث فراغ جراء انسحابها.. والإعداد لبسط الاستقرار في منطقة الشمال الشرقي من سوريا بعد إنجاز هزيمة داعش".

وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية التي نقلت عن مصادرها في البيت الأبيض، فإنّ مستشار الأمن القومي جون بولتون أجرى اتصالاً هاتفياً مع مسؤول المخابرات المصرية بالوكالة عباس كامل لبحث حجم القوة التي بإمكان مصر المساهمة بها.

وأضافت الصحيفة أن المسألة المشار إليها برزت على بساط البحث عقب العدوان الثلاثي على سوريا، مشيرة إلى جملة للرئيس ترامب خلال إعلانه عن بدء العدوان "طلبنا من شركائنا التحلي بقدر أكبر من المسؤولية لتوفير الأمن في حديقتهم الخلفية، ومن ضمنها تخصيص موارد مالية كبيرة".

وفي هذا السياق، قال المسؤولون الأميركيون للصحيفة إنّ إدارة ترامب توجهت أيضاً لقطر والسعودية والإمارات لتتحمل الكلفة المالية لتلك الخطة قيد الإعداد، مشيرة إلى أنه نظراً لانخراط الأخيرتين في الحرب على اليمن فقد تمّ استثناء هاتين الدولتين من المساهمة البشرية.

أشار إلى أن تسريبات لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية كشفت أيضاً أن هناك اتفاق أو طلب أميركي من السعودية أن تدفع مبلغ 4 مليارات دولار ثمن بقاء القوات الأميركية أو تأجيل بقاء القوات لفترة من الزمن.

وكانت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز قالت الأحد الماضي إن ترامب "لا يزال يريد سحب القوات الأميركية من سوريا في أقرب وقت ممكن، ولكنه لم يحدد وقتاً معينا لذلك"، مضيفة أن "مهمة الولايات المتحدة لم تتغير، وأن ترامب كان واضحاً أنه يريد عودة القوات الأميركية في أسرع وقت ممكن"، وفق المتحدثة.

القمة العربية التاسعة والعشرون تنهي أعمالها في مدينة الظهران السعودية، وبيانها الختامي يؤكد بطلان القرار الأميركي الاعتراف بالقدس "عاصمة لإسرائيل"، والرئيس الفلسطيني يؤكد أن القدس مهددة بسبب مواصلة واشنطن للاستيطان ومساندتها الاحتلال في التملص من تنفيذ القرارات الدولية، والملك السعودي يدعو إلى حل الأزمة اليمنية بالسبل السياسية وفق المبادرة الخليجية.

أكد البيان الختامي للقمة العربية التاسعة والعشرين، المنعقدة في مدينة الظهران السعودية، بطلان القرار الأميركي بشأن الاعتراف بالقدس "عاصمةً لإسرائيل".

قادة الدول العربية حذروا من اتخاذ أي إجراءات من شأنها تغيير الصفة القانونية والسياسية الراهنة للقدس، حيث سيؤدي ذلك إلى تداعيات مؤثرة في الشرق الأوسط بأكمله، وفق البيان.

وشدد القادة على ضرورة إيجاد حل سياسي ينهي الأزمة السورية بما يحقق  طموحات الشعب السوري.

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس اعتبر في كلمته خلال أعمال القمة أن الولايات المتحدة الأميركية "فقدت مصداقيتها بعد أن أصبحت طرفاً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي".

وأضاف أن القدس مهددة "بسبب مواصلة واشنطن دعمها للاستيطان ومساندتها للاحتلال في التملص من تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالحقوق الفلسطينية".

من ناحيته، دعا الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في كلمته إلى حل الأزمة في اليمن "بالسبل السياسية وفق المبادرة الخليجية"، مشدداً على "أهمية الجهود الدولية في إيصال المساعدات الإنسانية إلى اليمن"، على حد تعبيره.

وقبيل القمة جرت مناورات عسكرية بين 25 دولةً من بينها الولايات المتحدة في شرق السعودية، شاركت فيها عدد من دول الخليج(الفارسي) باستثناء قطر بالإضافة إلى مصر وتركيا والبحرين والهند وباكستان.

أكدت لجان المقاومة في يوم الأسير الفلسطيني العهد بعدم ترك الأسرى في السجون، مشيرة إلى أنها ستعمل بكل ما تملك من قوة على تحريرهم على الرغم من أنف الاحتلال الإسرائيلي.

الناطق باسم حركة حماس عبد اللطيف القانوع، شدّد في كلمة له بالمناسبة على أنّ قضية الأسرى على رأس الأولويات وهي عنوان من عناوين الصراع مع إسرائيل.

وطالبت حماس في بيان لها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ببذل أقصى جهد ممكن وتفعيل كل وسائل الضغط على حكومة الاحتلال لاحترام حقوق الأسرى التي كفلتها لهم المواثيق الدولية والإنسانية، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

كما طالبت الحركة الوسيط المصري بإلزام حكومة الاحتلال بإطلاق سراح كل من تمّ اعتقاله من صفقة وفاء الأحرار بشكل مخالف لبنود الصفقة.

وأضاف أنّ تحرير الأسرى هو واجب شرعي ووطني وإنساني، مؤكداً أنّ المقاومة الفلسطينية التي استطاعت أن تحرر المئات من الأسرى هي قادرة على تحرير كل الأسرى.

من جهتها، دعت حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية إلى الاستمرار بحملات الإسناد والتضامن حتى إطلاق سراح الأسرى من سجون الاحتلال، إضافة إلى توسيع حملات الدعم و الإسناد.

كما حيّت صمود هؤلاء الأسرى في ظلّ ما يتعرضون له من إجراءات تعسفية ممنهجة تمارسها إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية وإمعانها في البطش والتنكيل بحقهم لا سيما الاستمرار بالاعتقال الإداري التعسفي والعزل الانفرادي والإهمال الطبي المتعمد.

وفي هذا السياق، دانت حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية استمرار قوات الاحتلال باعتقال الأطفال والقاصرين وإجبارهم على الامتثال أمام المحاكم العسكرية وإصدار الأحكام التعسفية بحقهم، الأمر الذي يُعتبر تعدياً سافراً على الطفولة وتمزيق المعاهدات الدولية.

وطالبت بضرورة التدخل الفوري للمؤسسات الدولية الحقوقية والإنسانية لممارسة ضغطاً أكثر قوة وتأثيراً على حكومة الاحتلال لإنهاء بطشها وتنكيلها بحق الأسرى.

بدورها، أشارت حركة الجهاد إلى أنّ حرية كل أسير وأسيرة أمانة في أعناق أبناء الشعب الفلسطيني ورجال المقاومة الأوفياء لكل هذه التضحيات.

كما دعت الشعب الفلسطيني إلى المزيد من الإسناد والدعم للأسرى والالتفاف خلف قضيتهم.

وعاهدت ألوية الناصر صلاح الدين الأسرى بمواصلة العمل على كسر قيدهم بكل الطرق المتاحة، مؤكدة أن تحرير الأسرى على رأس مهام مجاهديها.

وأيضاً دعا التجمع الإعلامي للتدخل الفاعل من أجل إطلاق سراح 26 صحافياً من سجون الاحتلال.

الجبهة الشعبية لتحرير فلطسين أعلنت عن تضامنها الكامل ووقوفها إلى جانب كل الأسرى في سجون الاحتلال، متمنين لهم الإفراج العاجل للعودة إلى مكانهم الطبيعي بين ذويهم وأبناء شعبهم.

كما دعت كافة الجهات المعنية وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للصحافيين للوقوف عند مسؤولياتها والعمل الجاد من أجل إطلاق سراح الصحافيين الأسرى والبالغ عددهم وفق آخر الإحصاءات (26) صحفياً.

وبالتزامن مع ذلك، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي فرض طوقاً أمنياً شاملاً على الضفة الغربية اليوم الثلاثاء، وأغلق المعابر في قطاع غزة حتى منتصف ليل الخميس المقبل تحسباً لأي تطور خلال إحياء يوم الأسير الفلسطيني.

الإثنين, 16 نيسان/أبريل 2018 05:08

شُبهات وتساؤلات حول المرأة(12)

لا زال بعضٌ من المتأثرين بثقافة الغرب، يفضل أن يبتعد عن الزواج بما فيه من مشاكل ويستبدله بعلاقات الصداقة أو غير مشروعة، والبعض يعتبر أن الحياة الزوجية عبارة عن استخدام المرأة لصالح الرجل، وفيما يلي إطلالة سريعة على معنى ومفهوم الزواج وفوائده والحقوق الزوجية المتبادلة في الإسلام؛ لكي يتضح للقارئ العزيز أنَّ الحياة الزوجية هي لمصلحة الزوجين وتكاملهما.

* * * * *

الزواج

هو الرابطة الشرعية المقدسة، وشركة الحياة بين الزوجين، شرّعه الله عزّ وجلّ لحفظ النوع البشري وتكاثره، وعمران الأرض وازدهار الحياة فيها، وقد رغّبت فيه الشرائع السماوية السابقة والشريعة الإسلامية، وحرّضت عليه كتاباً وسنة، حيث اعتبر الإسلام الرابطة الزوجية من أقدس وأعظم الروابط في المجتمع الإنساني، حتى اعتبرت هذه العلاقة آية من آيات الله تعالى التي تشير إلى جميل فعله وصنعه، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لّتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مّوَدّةً وَرَحْمَةً)([1]).

وقد أولاها اهتماماً بالغاً، وشرّع لها أنظمة وقوانين كثيرة لضمان الحفاظ عليها، لأنها أعظم مؤسسة في الإسلام، وفيما يلي إضاءة لبعض هذه الأحكام والقوانين:

من الثابت أن السعادة الزوجية لا تتحقق، ولا ينال الزوجان ما يصبوان إليه من رغد وهناء، إلا إذا أحسن كل منهما اختيار صاحبه، وشريك حياته، واصطفاه على ضوء القيم الأصيلة والمقاييس الثابتة، التي من شأنها أن توثّق الروابط الزوجية.

والزوجان بعد هذا، لا يكسبان السعادة الزوجية والهناء العائلي، إلا بمراعاة كل منهما حقوق الآخر وأداء واجباته، جرياً على قانون الأخذ والعطاء، وبذلك ينعمان بحياة سعيدة.

وبديهي أن العلاقات الزوجية ليست رهينة الحقوق المتبادلة فقط، بقدر ما هي رهينة العواطف والمحبة المتبادلة بين الزوجين.

وقد أولت الشريعة الإسلامية الحياة الزوجية عناية بالغة، بصفتها الخلية الأولى من خلايا المجتمع الكبير، ورعتها بالتنظيم والتوجيه، وتقوية وشائج الحب والمودة بين الزوجين قبل أن تهتم بفرض الحقوق المتبادلة، ومن ثم قررت الحقوق المشتركة بين الزوجين، والحقوق الخاصة بكل منهما على انفراد، ولا شك أنه إذا رُوعيت هذه الحقوق من الطرفين على أساس المحبة والاحترام المتقابل فلا خوف على هذه الحياة الزوجية.

فالحقوق المشتركة التي يجدر تبادلها بين الزوجين، هي: الإخلاص، والثقة والأمانة والتعاطف والتآزر، وهذه هي عناصر الحياة الزوجية الناجحة، ومقوماتها الأصيلة.

وأما الحقوق الخاصة، فسنعرضها في مطاوي هذا البحث:

 

حقوق الزوج

للزوج حقوق على زوجته، بحكم رعايته لها، وقوامته عليها، منها:

1ـ إطاعة الزوج

وهي أول متطلبات الزوج، وحقوقه المفروضة على زوجته، فهي مسؤولة عن طاعته، وتلبية رغباته المشروعة، واجتناب كل ما يسيئه ويغيظه، كالخروج من الدار بغير رضاه، والتبذير في ماله، ونحو ذلك مما يعرّض الحياة الزوجية لأخطار التباغض والفرقة.

فعن أبي جعفر (ع) قال: جاءت امرأة إلى النبي  (ص) فقالـت: يا رسول الله، ما حق الزوج على المرأة؟ فقال لها: أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تتصدّق من بيته إلا بإذنه، ولا تصوم طوعاً إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب([2])، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه...

فقالت: يا رسول الله، من أعظم الناس حقاً على الرجل؟

قال:   (ص) والده.

قالت: فمن أعظم الناس حقاً على المرأة؟

قال (ص)  زوجها..([3]).

2- الحفاظ على ماله وعرضه

قال تبارك وتعالى: (...فَالصّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ.. .....)([4]). جاء في بعض التفاسير: حافظات للغيب يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال.

قال رسول الله (ص): «ما استفاد امرؤٌ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسه وماله»([5]).

3ـ حسن العشرة والمداراة

على الزوجة أن تحيط زوجها بحسن العشرة، وجميل الرعاية، ولطف المداراة، وذلك بتفقد شؤونه، وتوفير وسائل راحته النفسية والجسمية، وحسن التدبير المنزلي ورعاية عياله، ليستشعر منها العطف والولاء، فعن رسول الله (ص): «جهاد المرأة حسن التبعل»([6]).

وهذه وصية بليغة لأعرابية حكيمة، توصي بها ابنتها ليلة البناء بها:

أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشك الذي فيه درجت، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمةً يكُن لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً:

أما الأولى والثانية: فاصحبيه بالقناعة، وعاشريه بحسن السمع والطاعة.

وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح.

وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإنَّ تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.

وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.

وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمراً، ولا تفشين له سرّاً، فإنك إن خالفتيه أغرت صدره، وإن أفشيت سرّه لم تأمني غدره.

ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتماً، والكآبة بين يديه إذا كان فرحاً، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير.

وكوني أشد الناس له إعظاماً يكن أشدهم لك إكراماً، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبّين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببت وكرهت والله يخير لكR([7]).

حقوق الزوجة

جعل الله تعالى للزوجة على زوجها حقوقاً، كما جعل له حقوقاً على زوجته:

1ـ النفقة

وهي حق محتم على الزوج، يجب أداؤه إليها، وتوفير حاجاتها المعاشية، من الملبس والمطعم والمسكن وخدمة، ونحو ذلك من مستلزمات الحياة حسب شأنها وعادتها.

والنفقة حق للزوجة، تتقاضاه من زوجها، وإن كانت ثرية موسرة، ولا يسقط إلا بنشوزها وتمردها على الزوج.

وقد يقصّر في أداء النفقة فيبخل على أسرته، مما يولد ذلك جملة من المشاكل، ومن هُنا جاءت أحاديث أهل البيت عليهم السلام محذّرة، من ذلك الإمساك ومرغّبة في البرّ بهم والتوسعة عليهم، قال رسول الله (ص): «عيال الرجل أسراؤه، وأحب العباد إلى الله تعالى أحسنهم صنيعاً إلى أسرائه»([8]).

2ـ حسن العشرة معها

الزوجة أنيسة الرجل، وشريكة حياته، تشاطره السراء والضراء، وتواسيه في الأفراح والأحزان، وتنفرد بجهود شاقة من تدبير المنزل، ورعاية الأسرة، ووظائف الأمومة، فعلى الرجل أن يحسن عشرتها، ويسوسها بالرفق والمداراة، تلطيفاً لمشاعرها ومكافأة لها على جهودها، وذلك مما يسلّيها، ويخفف متاعبها، ويضاعف حبّها وإخلاصها لزوجها.

قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنّ بِالْمَعْرُوفِ)([9])، وقال تعالى: (وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ)([10])،وقال رسول الله (ص)  «خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي»[11]).

3ـ وصالها

وهو الإتصال بينهما كما أراده الله تعالى، ولذلك لا يحق للزوج هجرانها والإبتعاد عنها زيادة عن المدة المحدّدة في الشرع المبين، ومن القبح بمكان أن يقتصر الرجل في أداء هذا الحق، على أقلّ المقدار المعين في الشرع، وقد ورد ذم الرجل المتهاون بهذا الأمر في النصوص الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام.([12])

 

[1] ـ الروم: 21.

[2] ـ قتب: الرحل الصغير على قدر سنام البعير، القاموس المحيط للفيروز آبادي: ص113.

[3] ـ الكافي 5: 506 ح1.

[4] ـ النساء: 34.

[5] ـ وسائل الشيعة 7: 23.

[6] ـ الوافي 12: 114 عن الكافي.

[7] ـ مختارات المنفلوطي: 240.

[8] ـ الوافي 12: 17 عن الفقيه.

[9] ـ النساء: 19.

[10] ـ البقرة: 228.

[11] ـ الوافي 12: 117 عن الفقيه.

[12] ـ راجع سفينة البحار، 1: 180.

لقد كان لانتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وفتوحات المسلمين المشرقة في الحجاز صداه في خارج الحجاز، وكان ذلك يُرعب الأعداء، ويدفعهم إلى التفكير في حيلة.

وهذا ما دفع إمبراطور الروم إلى أن يحشد جموعاً كبيرة، ويتهيأ بكل ما أوتي من قوة لمهاجمة المسلمين وغزوهم بغتة، ليحدّ من انتشار الإسلام، ومن قوته التي أخذت تتعاظم، ومن انتشار نفوذه السياسي، الذي بات يزلزل سلطانه.

فحشد ما يقارب أربعين ألف فارس وراجل، وكان مجهّزاً بأحدث الأسلحة والتجهيزات، وقد استقرّ على الشريط الحدودي لأرض الشام([1])، في منطقة (تبوك)، التحقت به قبائل عديدة تسكن الحدود مثل قبيلة (لخم) و(عاملة) و(غسان) و(جذام)، وتقدمت طلائع ذلك الجيش حتى منطقة (البلقاء).

ولما حملت الأنباء هذا الخبر إلى النبي (ص) أمر أصحابه بالتهيؤ لغزوهم، فجهّز جيشه وعسكر في (ثنية الوداع)، وكان يتألف من عشرة آلاف فارس، وعشرين ألف راجل، وقد أمر رسول الله (ص)  أن تتخذ كل قبيلة راية لنفسها([2]).

المتخلفون عن القتال:

تخلّف البعض عن المشاركة في هذه الغزوة، فمنهم الجدّ بن قيس - وكان من الشخصيات ذات المكانة الاجتماعية المرموقة - حيث قال (ص)  له: يا أبا وهب هل لك العام تخرج معنا؟

فقال: يا رسول الله أو تأذن لي، ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما أحدٌ أشدُّ عجباً بالنساء مني، وإني لأخشى أن رأيتُ بنات بني الأصفر (الروم) لا أصبرُ عليهنَّ. فأعرضَ عنه رسول الله(ص)  بعد أن سمع منه ذلك العذر الصبياني، وقد نزل فيه قول الله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ»([3])، كما تخلّف عن النبي ثلاثة حتى يفرغوا من القطاف والحصاد، ثم يلتحقوا به، فوبّخهم القرآن.

وتخلّف جماعة ممن تظاهروا بالإسلام والإيمان، فأخذوا يثبّطون الناس عن رسول الله(ص) ، وقالوا لهم: يغزو محمدٌ بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ، والبلد البعيد إلى ما لا قِبَل له به، يحسب محمدٌ أن قتال بني الأصفر اللعب، فنزل قوله تعالى: «وقالوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»  ([4]).

وعلى إثر هذه الأحداث التي أوجدها المنافقون اكتشف النبي (ص)  شبكة جاسوسية في المدينة تجلس في بيت (سويلم اليهودي) ويحيكون المؤامرات ليثبطوا المسلمين، فبعث إليهم من أحرق الدار عليهم فلاذوا بالفرار.

ومن جانب آخر أتى رجال إلى النبي (ص)  يرغبون في الخروج مع رسول الله، وطلبوا منه ما يحملهم عليه من دابّة، فقد كانوا أهل حاجة فقراء، فقال لهم: لا أجد ما أحملكم عليه. فتولوا وهم يبكون لعدم تمكنهم من المشاركة في الغزو مع النبي (ص) ، ونزل فيهم قوله تعالى:« وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ»  ([5]).

استخلاف الإمام علي (ع) في المدينة

لم يغزو النبي (ص)  غزواً إلاّ كان علي(ع) معه وحامل لوائه، غير أن النبي(ص)  في هذه المرة منع علياً من الخروج من المدينة معه، لأنه (ص)  كان يدرك جيداً أن المنافقين والمتربصين والمتحينين الفرص من رجال قريش سيستغلون فرصة غيبة النبي القائد عن المدينة فيثيرون فيها فتنة، ويجهزون على الحكومة الإسلامية الفتية بانقلاب أو ما شابه ذلك، وأن هذه الفرصة إنما تسنح لهم إذا قصد رسول الله(ص)  مكاناً نائياً، وانقطع ارتباطه بالمدينة، ولقد كانت تبوك أبعد نقطة يخرج إليها النبي (ص)  من جميع غزواته، فخوفاً من أن يقلبوا الأوضاع في غيابه ترك فيها علياً، على الرغم من أنه استخلف على المدينة (محمد بن مَسْلَمة)، حيث قال لعلي: «أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي، يا علي إن المدنية لا تصلح إلاّ بي وبك»([6]).

ولقد استاء المنافقون من إبقاء علي(ع)  في المدينة، وحاولوا بثّ الدعايات والشائعات الخبيثة بغية تحريض علي(ع)  على الخروج من المدينة والالتحاق بالنبي (ص) ، فقالوا: ما خلّف رسول الله علياً إلا استثقالاً له وتخفيفاً منه، أو أنه دعاه إلى الخروج لتبوك، ولكن علياً امتنع من الخروج بحجة الحر الشديد، وبُعد الطريق، وإيثاراً للدعة والراحة والرفاهية، أو أنه خلفه مع النساء والأطفال.

ولإبطال مثل هذه الشائعات توجّه علي(ع)  إلى النبي(ص)  وقال له: يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلّفتني أنك استثقلتني، أو تخففت مني، أو خلفتني مع النساء والأطفال. فقال له النبي(ص): كذبوا، ولكنني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي - أو قال له: لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي([7]).

النبي (ص)  في طريقه إلى تبوك:

تحرك النبي (ص)  من معسكره إلى تبوك، وفي طريقه راسل كلاً من قبيلة تميم، وغطفان وطي، التي كانت تسكن في مناطق بعيدة عن المدينة، بغية الاشتراك في هذا الغزو الاستثنائي، وقد استجاب لدعوته الكثير من الفدائيين الغيارى.

وقد واجه جيش الإسلام في طريقه إلى تبوك مصاعب كثيرة، ومشاقاً بليغة حيث الرياح الشديدة والسامّة، والعواصف القوية بحيث ربما تحتمل البعير بصاحبه، وتلقيه في واد آخر، ولهذا فكان النبي (ص)  قد نبههم بعقل آبالهم، وأن لا يخرج أحد منهم في تلك الليلة وحده من خبائه.

كما أن الجيش واجه في الطريق أزمة العطش، وعدم وجود الماء حتى حمل ذلك البعض على نحر إبلهم ليشقوا أكراشها، ويشربوا ماءها، بينما صبر آخرون.

ولم يدم صبرهم طويلاً حتى أغاثهم الله تعالى بسحابة ممطرة، أروت جيش الإسلام، واحتملوا ما يحتاجون إليه.

حلّ جيش الإسلام في أرض تبوك في غرة شعبان في السنة التاسعة للهجرة، ولكن لم يرَ أثراً لجيش الروم، وكأن جيش الروم لما علموا بكثرة جنود الإسلام، وكانوا قد سمعوا عن شجاعتهم وتضحياتهم الفريدة، رأوا أنه من صالحهم الانسحاب، وعدم دخول حرب قد تكسر شوكتهم وكبريائهم وعظمتهم([8]).

وهنا كان النبي (ص)  أمام خيارين، فإما أن يقفل راجعاً إلى المدينة، وكأنّ شيئاً لم يقع، وإمّا أن يهاجم الروم عبر الدخول في أراضي الشام، فاستشار النبي (ص)  أصحابه، فقالوا: إن كنت أُمرت بالسير فسر، فقال (ص) : لو أمرتُ به ما استشرتكم فيه. فأشاروا عليه بالرجوع إلى المدينة، فقبل النبي اقتراحهم وأقفل راجعاً بجيشه([9]).

قطاف غزوة تبوك:

هب أن هذا المسير الطويل لم ينتج غزواً ولا فتحاً، ولكن كانت له قطاف مهمة جداً، وإليك بعضها:

أولاً: كانت هناك قبائل من النصارى كأيلة، وأذرح والجرباء ودومة الجندل، وكان من المحتمل أن يستغل الروم قواهم ضد الإسلام، ويحملوا بمساعدتهم على الحجاز، فعقد النبي أثناء رجوعه من تبوك معاهدة عدم اعتداء، وأن لا يعينوا على المسلمين أحداً، فحصل النبي (ص)  على أمن واسع على الحجاز من الحدود الشامية.

ثانياً: ارتقاء سمعة الجيش الإسلامي، وازدياد عظمته في قلوب سكان الحجاز، وعرف الصديق والعدو أن المقدرة العسكرية الإسلامية بلغت من القوة والعظمة بحيث أصبح بمقدورها أن تواجه أكبر القوى في العالم، وهذا ما أدّى أن يتخلّى الكثير من القبائل عن التفكير في التمرد والطغيان.

ثالثاً: كان هذا السفر بمثابة التمهيد لفتح الشام، فقد تعرّف قادة هذا الجيش طرق هذه المنطقة ومشاكلها، وتعلموا كيفية تجييش الجيوش الكبرى في وجه القوى العظمى، ولعله لذلك، كانت الشام أول منطقة فتحها المسلمون بعد وفاة النبي(ص) .

المنافقون يخططون لاغتيال النبي(ص) :

لدى عودة النبي(ص)  إلى المدينة تآمر (12منافقاً) منهم ثمانية من قريش، والباقي من المدينة لاغتيال رسول الله (ص)  في أثناء الطريق، وذلك بتنفير ناقته ليطرحوه في واد كان هناك، حيث كان بين الشام والمدينة عقبة لما وصل الجيش إليها قال لهم النبي (ص): من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم، فأخذ الناس بطن الوادي، بينما
أخذ (ص)  طريق العقبة، فيما يسوق (حذيفة بن اليمان) ناقة النبي، ويقودها (عمار بن ياسر) فبينما هم يسيرون إذ التفت النبي إلى خلفه، فرأى في ضوء ليلة مقمرة فرساناً ملثمين لحقوا به من ورائه لينفروا به ناقته، وهم يتخافتون، فغضب النبي (ص) ، وصاح بهم، وقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم. فأرعبوا وهربوا وخالطوا الناس كيما يعرفوا.

يقول حذيفة: فعرفتهم برواحلهم، وذكرتهم للنبي (ص) ، وقلت: يا رسول الله ألا تبعث إليهم لتقتلهم. فأجابه: إن الله أمرني أن أعرض عنهم، وأكره أن يقول الناس إن محمداً دعا أناساً من قومه وأصحابه إلى دينه، فاستجابوا له، فقاتل بهم حتى ظهر على عدوّه، ثم أقبل عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة فإن الله لهم بالمرصاد([10]).

هذا وقد منع النبي (ص)  حذيفة من إذاعة أسمائهم، والعجيب أن عمر بن الخطاب كان يكرر على حذيفة قوله: أقسمت عليك بالله أأنا منهم؟([11]).

 

 

 

([1]) حيث كانت تحت سيطرة إمبراطورية الروم.

([2]) السيرة لابن هشام 2: 515-517.

([3]) سورة التوبة: الآية 49.

([4]) سورة التوبة: الآيتين81 و82.

([5]) سورة التوبة: الآية 92.

([6]) بحار الأنوار 21: 207، والسيرة النبوية لابن هشام 2: 520.

([7]) مسند أحمد 1: 709/3062، والسنن الكبرى للنسائي 5: 119 ح8429، وغيرهما كثير.

([8]) المغازي للواقدي 3: 1019.

([9]) السيرة الحلبية 3: 142.

([10]) المغازي للواقدي 3: 1042-1045، وعنه في إمتاع الأسماع 1: 477.

([11]) السيرة النبوية لابن كثير 4: 34، وشرح النهج لابن أبي الحديد 6/ باب 83/385.

الإثنين, 16 نيسان/أبريل 2018 04:28

الحج عند اهل البیت(علیهم السلام)

الحج عباده مُتمیِّزه وشَعیرهٌ مقدسه ذات أهمیه کبرى، وهو من أهم الفرائض الدینیه التی فرضها الله عَزَّ وجَلَّ على المسلمین ضمن شروط خاصه. ونحن المسلمون لا نشکَّ فی أن الله عَزَّ وجَلَّ لم یُشَرِّع الحجَّ إلا لحِکمهٍ ومصلحهٍ، وذلک لأنه جَلَّ جَلالُه حکیمٌ عالِمٌ بمصالح العباد، والحکیم لا یصدُر منه إلا ما یکون فیه مصلحهٌ وفائدهٌ.ونحن أیضاً نؤمن بأن الحج تشریعٌ إلهیٌ لا یخلو تشریعه ـ کغیره من العبادات و التشریعات الإلهیه ـ من المصالح والحِکَم والأهداف والفوائد الجمه.ومن الواضح إن السعی وراء معرفه فلسفه تشریع الحج أو غیره من التشریعات الإلهیه عمل حسن وجید، إلا أنه لو لم نتمکن من معرفه حِکمه التشریع فذلک لا یؤثر على طاعتنا للشریعه الإسلامیه مادمنا نؤمن بأنها من جانب الله، وما دمنا نؤمن بصدق الرسول الکریم (صلى الله علیه وآله) الذی جاء بهذا التشریع الإلهی وقام بتبلیغه إلینا، فنحن متعبدون بکل الأحکام والتشریعات الإلهیه سواءً عرفنا علل تشریعها أم لا، إیماناً منا بحکمه مشرِّعها ومنزِّلها العالِم الحکیم.ومن حُسن الحظ فإن الآیات القرآنیه والأحادیث الشریفه قد کشفت لنا عن جوانبَ من فلسفه الحج وبیَّنت شطراً من الأهداف والمقاصد المنشوده من تشریع هذه الشریعه المقدسه، لکن ما تمَّ الکشف عنه قد لا یکون إلا جزءً من المصالح والفوائد والحِکَم والأهداف التی من أجلها شُرِّعَ الحج.

فلسفه الحج فی القران الکریم

:أشار القرآن الکریم إلى أهداف هذا التشریع الإلهی المهم بصوره مُجْمَلَه، قال الله عَزَّ وجَلَّ : { وَأَذِّن فِی النَّاسِ بِالْحَجِّ یَأْتُوکَ رِجَالًا وَعَلَى کُلِّ ضَامِرٍ یَأْتِینَ مِن کُلِّ فَجٍّ عَمِیقٍ * لِیَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ … } [سوره الحج: الآیه۲۷و۲۸]، وهذه الآیه صریحه فی إشتمال الحج على منافع للناس، ولا بد أن هذه المنافع والفوائد تُشکِّل جزءً من فلسفه الحج وأهدافه المنشوده.ولو أردنا إلقاء الضوء على المنافع المتصوره للحج لوجدناها کثیره ومتنوعه لا تکاد تجتمع فی غیرها من العبادات، وهذه المنافع بعضها عبادیه وبعضها تربویه، وأخرى اقتصادیه وتربویه وسیاسیه واجتماعیه ووحدویه.فلسفه الحج فی الأحادیث الشریفه:تحدَّثت الأحادیث والروایات الشریفه عن جوانب من المنافع التی أجمل القرآن الکریم فی بیانها، کما تحدثت عن فلسفه تشریع الحج، وإلیک عدداً من هذه الأحادیث:۱- قال أمیر المؤمنین الإمام علی (علیه السلام) فی جمله ما أوصى به وهو یُبیِّن أهمیه الحج وأنه رمز بقاء الإسلام: ” … اللَّهَ اللَّهَ فِی بَیْتِ رَبِّکُمْ فَلَا یَخْلُو مِنْکُمْ مَا بَقِیتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِکَ لَمْ تُنَاظَرُوا [أی أنّ البلاء الإلهی سیشملکم]، وأَدْنَى مَا یَرْجِعُ بِهِ مَنْ أَمَّهُ أَنْ یُغْفَرَ لَهُ مَا سَلَفَ …” [نهج البلاغه: ۴۲۲، طبعه صبحی الصالح، والکافی: ۷ / ۵۲ طبعه دار الکتب الإسلامیه، سنه: ۱۳۶۵ هجریه / شمسیه، طهران / إیران].۲- وقال (علیه السلام) أیضاً مُذکراً أهمیه هذه الشعیره الإلهیه المقدسه: “… جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى لِلْإِسْلَامِ عَلَماً …” [نهج البلاغه : ۴۵ ، طبعه صبحی الصالح].۳- ویقول (علیه السلام) فی حدیث آخر: ” فَرَضَ اللَّهُ الْإِیمَانَ تَطْهِیراً مِنَ الشِّرْکِ، والصَّلَاهَ تَنْزِیهاً عَنِ الْکِبْر، وَالزَّکَاهَ تَسْبِیباً لِلرِّزْقِ، وَالصِّیَامَ ابْتِلَاءً لِإِخْلَاصِ الْخَلْقِ، وَالْحَجَّ تَقْرِبَهً لِلدِّینِ…”[نهج البلاغه: ۵۱۲، طبعه صبحی الصالح]، أی أن الحج سببٌ لتقارب الأمه الإسلامیه وتماسکها ووحدتها ورَصِّ صفوفها، وقد نُقِلَ هذا الحدیث بلفظ آخر هو: “… وَالْحَجَّ تَقْویَهً لِلدِّینِ …”[راجع شرح نهج البلاغه: ۱۹ / ۸۶، لأبن أبی الحدید]، أی أن الحج منشأ قوه الدین الإسلامی وحیویته.۴- ومما جاء فی خطبه السیده فاطمه الزهراء (علیها السلام): ” … فجعل اللّه الإیمان تطهیرا لکم من الشرک، والصلاه تنزیها لکم عن الکبر، والزکاه تزکیه للنفس، ونماء فی الرزق، والصیام تثبیتا للإخلاص، والحج تشییداً للدین…”[بحار الأنوار: ۲۹ / ۲۲۳، طبعه مؤسسه الوفاء، بیروت / لبنان، سنه: ۱۴۱۴ هجریه].۵- ورَوى هِشَامُ بْنِ الْحَکَم قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الإمام جعفر بن محمد الصَّادق (علیه السلام) فَقُلْتُ لَهُ: مَا الْعِلَّهُ الَّتِی مِنْ أَجْلِهَا کَلَّفَ اللَّهُ الْعِبَادَ الْحَجَّ وَالطَّوَافَ بِالْبَیْتِ؟فَقَالَ: “إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ ـ إِلَى أَنْ قَالَ ـ وَأَمَرَهُمْ بِمَا یَکُونُ مِنْ أَمْرِ الطَّاعَهِ فِی الدِّینِ وَمَصْلَحَتِهِمْ مِنْ أَمْرِ دُنْیَاهُمْ، فَجَعَلَ فِیهِ الِاجْتِمَاعَ مِنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ لِیَتَعَارَفُوا، وَلِیَنْزِعَ کُلُّ قَوْمٍ مِنَ التِّجَارَاتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَلِیَنْتَفِعَ بِذَلِکَ الْمُکَارِی وَالْجَمَّالُ، وَلِتُعْرَفَ آثَارُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله علیه وآله) وَتُعْرَفَ أَخْبَارُهُ وَیُذْکَرَ وَلَا یُنْسَى، وَلَوْ کَانَ کُلُّ قَوْمٍ إِنَّمَا یَتَّکِلُونَ عَلَى بِلَادِهِمْ وَمَا فِیهَا هَلَکُوا وَخَرِبَتِ الْبِلَادُ وَسَقَطَتِ الْجَلَبُ وَالْأَرْبَاحُ وَعَمِیَتِ الْأَخْبَارُ، وَلَمْ تَقِفُوا عَلَى ذَلِکَ، فَذَلِکَ عِلَّهُ الْحَجِّ “[وسائل الشیعه: ۱۱ / ۱۴، للشیخ محمد بن الحسن بن علی المعروف بالحُر العاملی طبعه: مؤسسه آل البیت، سنه: ۱۴۰۹ هجریه، قم / إیران].۶- وَرَوى خَالِدُ الْقَلَانِسِیّ عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) أنهُ قَالَ: قَالَ عَلِیُّ بْنُ الْحُسَیْنِ (علیه السلام): “حُجُّوا وَاعْتَمِرُوا تَصِحَّ أَبْدَانُکُمْ، وَتَتَّسِعْ أَرْزَاقُکُمْ، وَتُکْفَوْنَ مَئُونَاتِ عِیَالِکُمْ، وَقَالَ: الْحَاجُّ مَغْفُورٌ لَهُ وَمَوْجُوبٌ لَهُ الْجَنَّهُ وَمُسْتَأْنَفٌ لَهُ الْعَمَلُ، وَمَحْفُوظٌ فِی أَهْلِهِ وَمَالِهِ” [الکافی : ۴ / ۲۵۲]

الحج مؤتمر إسلامی کبیر:

الحج لیس عملاً عبادیاً فحسب، بل یُعَدُّ من أحد أهم الشعائر الإلهیه التی أنعم الله بها على الأمه الإسلامیه خاصه دون غیرها من الأمم، وهو بحکم الجهاد بالنسبه إلى الضعفاء من المسلمین، قال أمیر المؤمنین (علیه السلام): “… وَالْحَجُّ جِهَادُ کُلِّ ضَعِیفٍ … ” [نهج البلاغه: ۴۹۴، طبعه صبحی الصالح].والحج مؤتمر إسلامی کبیر، ومصدر عظمه الإسلام وإتحاد المسلمین وتقویه شوکتهم، فهو من جانب یُرعب أعداء الإسلام ویفشل خططهم الاستعماریه، ومن جانب آخر فهو یبُثُ فی نفوس المسلمین کل عام روح الإیمان والتقوى والجهاد والإلتزام الدینی، والوحده الإسلامیه، ویُبصِّرَهم هموم الأمه، کما ویُشعرهم بقوتهم وعزتهم، الأمر الذی یُرعب الأعداء وینغص عیشهم ویربک مخططاته التآمریَّه تجاه الأمه الإسلامیه.وهناک کلمه مشهوره تُنسب لأحد الساسه الأجانب تکشف عن أهمیه الجانب السیاسی للحج فی تقییم الساسه غیر المسلمین، حیث یقول: “ویل للمسلمین إذا لم یعرفوا معنى الحج، وویلٌ لأعداءِ الإسلام إذا أدرک المسلمون معنى الحج ! “.هذا وینبغی على علماء الإسلام المخلصین، والساسه المفکرین، ورجال الأعمال والاقتصادیین، والخبراء وأصحاب القرار فی العالم الإسلامی التنسیق فیما بینهم لأجل عقد المؤتمرات المختلفه المختصه خلال موسم الحج لتبادل الأفکار وتلاقیها وبلورتها وصیاغتها، والتشاور فیما بینهم فی قضایا الأمه الإسلامیه بهدف تنمیه الرؤى والأفکار الکفیله بوضع الحلول الناجعه لمعالجه آلام الأمه الإسلامیه ومشاکلها المتزایده، والنهوض بها إلى مستوى قول الله عَزَّ و جَلَّ: { کُنتُمْ خَیْرَ أُمَّهٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ … } [سوره آل عمران: الآیه ۱۱۰]، وجعل موسم الحج ملتقىً إیمانیاً وتربویاً وثقافیاً وسیاسیاً واقتصادیاً مبارکاً بتوفیق من الله العلی القدیر.جمله من فوائد الحج:ذکرت الأحادیث الشریفه ‘ن أهل البیت (علیهم السلام) عدداً من الفوائد والثمار التی یجنیها حجاج بیت الله الحرام من الحج، وها نحن نذکر نماذج من هذه الأحادیث لمزید من الفائده:۱- رَوَى الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) عَنْ آبَائِهِ (علیهم السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله علیه وآله): ” الْحَجَّهُ ثَوَابُهَا الْجَنَّهُ وَالْعُمْرَهُ کَفَّارَهٌ لِکُلِّ ذَنْبٍ”[الکافی: ۴ / ۲۵۳].۲- وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ الإمام جعفر بن محمد الصَّادق (علیه السلام) إِنِّی قَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِی عَلَى لُزُومِ الْحَجِّ کُلَّ عَامٍ بِنَفْسِی أَوْ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَیْتِی بِمَالِی.فَقَالَ: ” وَقَدْ عَزَمْتَ عَلَى ذَلِکَ”؟.قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ.قَالَ: “إِنْ فَعَلْتَ فَأَبْشِرْ بِکَثْرَهِ الْمَالِ”[الکافی: ۴ / ۲۵۳].وَقال الإمام الصادق (علیه السلام): “الْحُجَّاجُ یَصْدُرُونَ عَلَى ثَلَاثَهِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ یُعْتَقُ مِنَ النَّارِ، وَصِنْفٌ یَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ کَهَیْئَهِ یَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَصِنْفٌ یُحْفَظُ فِی أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَذَاکَ أَدْنَى مَا یَرْجِعُ بِهِ الْحَاجُّ” [الکافی: ۴ / ۲۵۳].۳- وَعَنِ الْفُضَیْلِ بْنِ یَسَارٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الإمام محمد بن علی الباقر (علیه السلام) َیقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله علیه وآله): ” لَا یُحَالِفُ الْفَقْرُ والْحُمَّى مُدْمِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَهِ ” [الکافی : ۴ / ۲۵۴].کما وینبغی لزعماء المسلمین وعلمائهم ومفکریهم التعاون فی مجال وضع الخُطط العَمَلیه ـ وفقاً للأسالیب العلمیه الحدیثه ـ التی تُمَکِّن المسلمین من أداء فریضه الحج بیُسر وبأفضل وجه وبأقل تکلفه مادیه وفی أجواء إیمانیه وروحانیه ممیزه وبقدره استیعابیه لأکبر قدر ممکن من الحجاج، کل ذلک من أجل الوصول إلى أهداف الحج السامیه وتحقیق أمنیه الوحده و لأخوه الإسلامیه.وهذه الروایه التی تروى عن الإمام علی بن الحسین (علیه السلام) توضح الجوانب المعنویه من هذه الفریضه التی فرضها الشارع المقدس على المسلمین عند القدره والاستطاعه، کما وردت فی کتاب التحفه السنیه (مخطوط)- للسید عبد الله الجزائری ص ۱۸۴:لما رجع مولینا زین العابدین (علیه السلام) من الحج استقبله الشبلى فقال له (علیه السلام): حججت یا شبلی؟قال: نعم یابن رسول الله.فقال له: انزلت المیقات وتجردت عن مخیط الثیاب و اغتسلت؟ قال: نعم.قال: فحین نزلت المیقات نویت انک خلعت ثوب المعصیه ولبست ثوب الطاعه؟قال: لا.قال: فحین تجردت عن مخیط ثیابک نویت انک تجردت من الریاء والنفاق والدخول فی الشبهات؟قال: لا.قال: فحین اغتسلت نویت انک اغتسلت من الخطایا والذنوب؟قال: لا.قال: فما نزلت المیقات ولا تجردت عن مخیط الثیاب ولا اغتسلت.ثم قال: تنظفت واحرمت وعقدت الحج؟قال: نعم.قال: فحین تنظفت واحرمت وعقدت الحج نویت انک تنظفت بنوره التوبه الخالصه لله (تع)؟.قال: لا.قال: فحین أحرمت نویت انک حرمت على نفسک کل محرم حرمه الله عزوجل؟قال: لا.قال: فحین عقدت الحج نویت انک قد حللت کل عقد لغیر الله عزوجل؟قال: لا.قال له (علیه السلام): ما تنظفت ولا احرمت ولا عقدت الحج.قال له: ادخلت المیقات وصلیت رکعتی الاحرام ولبیت؟قال: نعم.قال: فحین دخلت المیقات نویت انک دخلت بنیه الزیاره؟قال: لا.قال: فحین صلیت رکعتین نویت انک تقربت إلى الله بخیر الاعمال من الصلوه واکبر حسنات العباد؟قال: لا.قال: فحین لبیت نویت انک نطقت لله سبحانه بکل طاعه وصمت عن کل معصیه؟قال: لا.قال له (علیه السلام): ما دخلت المیقات ولا صلیت ولا لبیت. ثم قال له: ادخلت الحرم ورایت الکعبه وصلیت؟قال: نعم.قال: فحین دخلت الحرم نویت انک حرمت على نفسک کل غیبه تستغیبها المسلمین من اهل مله الإسلام؟قال: لا.قال: فحین وصلت مکه نویت بقلبک انک قصدت الله سبحانه؟قال: لا.قال (علیه السلام): فما دخلت الحرم ولا رایت الکعبه ولا صلیت. ثم قال: طفت بالبیت ومسست الارکان وسعیت؟قال: نعم.قال: فحین سعیت نویت انک هربت إلى الله وعرف ذلک منک علام الغیوب؟قال: لا.قال: فما طفت بالبیت ولا مسست الارکان ولا سعیت. ثم قال له: صافحت الحجر ووقفت بمقام ابرهیم (علیه السلام) و صلیت به رکعتین؟قال: نعم.فصاح (علیه السلام) صیحه کاد یفارق الدنیا ثم قال: آه آه، ثم قال: من صافح الحجر الاسود فقد صافح الله سبحانه فانظر یا مسکین لا تضیع اجر ما عظم حرمته وتنقض المصافحه بالمخالفه و قبض الحرام ونظر اهل الاثام، ثم قال (علیه السلام): نویت حین وقفت عند مقام ابرهیم انک وقفت على کل طاعه وتخلفت عن کل معصیه؟قال: لا.قال: فحین صلیت فیه رکعتین نویت انک اتصلت بصلوه ابرهیم وارغمت انف الشیطان لعنه الله؟قال: لا.قال له (علیه السلام): فما صافحت الحجر الاسود ولا وقفت عند المقام ولا صلیت فیه رکعتین. ثم قال له اشرفت على بئر زمزم وشربت من مائها؟قال: نعم.قال: انویت انک اشرفت على الطاعه وغضضت طرفک عن المعصیه؟قال: لا.قال: فما اشرفت علیها ولا شربت من مائها. ثم قال له: اسعیت بین الصفا والمروه ومشیت وترددت بینهما؟قال: نعم.قال: نویت انک بین الرجاء والخوف؟قال: لا.قال: فما سعیت ولا مشیت ولا ترددت بین الصفا والمروه. ثم قال: اخرجت إلى منى؟قال: نعم.قال: نویت انک امنت الناس من لسانک وقلبک ویدک؟قال: لا.قال: فما خرجت إلى منى. ثم قال: اوقفت الوقفه بعرفه وطلعت جبل الرحمه وعرفت وادی غره ودعوت الله سبحانه عند المیل والجمرات؟قال: نعم.قال: هل عرفت بموقفک بعرفه معرفه الله سبحانه امر المعارف والعلوم وعرفت قبض الله على صحیفتک واطلاعه على سریرتک وقلبک؟قال: لا.قال: فنویت بطلوعک جبل الرحمه ان الله یرحم کل مؤمن ومؤمنه ویتوالى کل مسلم ومسلمه؟قال: لا.قال: فنویت عند نمره انک لا تامر حتى تأتمر ولا تزجر حتى تنزجر؟قال: لا.قال: فعندما وقفت عند العلم والنمرات نویت انها شاهده لک على الطاعات حافظه لک مع الحفظه بامر رب السموات؟قال: لا.قال: فما وقفت بعرفه ولا طلعت جبل الرحمه و لا عرفت نمره ولا دعوت ولا وقفت عند النمرات. ثم قال: مررت بین العلمین وصلیت قبل مرورک رکعتین ومشیت بمزدلفه ولقطت فیها الحصى ومررت بالمشعر الحرام؟ قال: نعم.قال: فحین صلیت رکعتین نویت انها صلوه الشکر فی لیله عشر تنفى کل عسر وتیسر کل یسر؟قال: لا.قال: فعندما مشیت بین العلمین ولم تعدل عنهما یمینا وشمالا نویت ان لا تعدل عن دین الحق یمینا وشمالا لا بقلبک ولا بلسانک ولا بجوارحک؟قال: لا.قال: فعندما مشیت بمزدلفه ولقطت منها الحصى نویت انک رفعت عنک کل معصیه وجهل وثبتت کل علم وعمل؟قال: لا.قال: فعندما مررت بالمشعر الحرام نویت انک اشعرت قلبک شعار اهل التقوى والخوف لله عزوجل؟قال: لا.قال: فما مررت بالعلمین ولا صلیت رکعتین ولا مشیت بالمزدلفه ولا رفعت منها الحصى ولا مررت بالمشعر الحرام. ثم قال له: وصلت منى ورمیت الجمره وحلقت راسک وذبحت هدیک وصلیت فی مسجد الخیف ورجعت إلى مکه وطفت طواف الافاضه؟قال: نعم.قال: فنویت عندما وصلت منى ورمیت الجمار انک بلغت إلى مطلبک وقد قضى لک ربک کل حاجتک؟قال: لا.قال: فعندما رمیت الجمار نویت انک رمیت عدوک ابلیس وغضبته بتمام حجک النفیس؟قال: لا.قال: فعندما حلقت راسک نویت انک تطهرت من الا دناس ومن تبعه بنی ادم وخرجت من الذنوب کما ولدتک امک؟قال: لا.قال: فعندما صلیت فی مسجد الخیف نویت انک لا تخاف الا الله عزوجل وذنبک ولا ترجو الا رحمه الله ( تع )؟قال: لا.قال: فعندما ذبحت هدیک نویت انک ذبحت حنجره الطمع بما تمسکت به من حقیقه الورع وانک اتبعت سنه ابرهیم بذبح ولده وثمره فؤاده وریحان قلبه وحاجه سنه لمن بعده وقربه إلى الله تعالى لمن خلفه؟قال: لا.قال: فعندما رجعت إلى مکه وطفت طواف الافاضه نویت انک افضت من رحمه الله تعالى ورجعت إلى طاعته وتمسکت بوده وادیت فرایضه وتقربت إلى الله تعالى؟قال: لا.قال له زین العابدین (علیه السلام): فما وصلت منى ولا رمیت الجمار ولا حلقت راسک ولا ذبحت نسکک ولا صلیت فی مسجد الخیف ولا طفت طواف الافاضه ارجع فانک لم تحج. فطفق الشبلی یبکی على ما فرطه فی حجه وما زال یتعلم حتى حج من قابل بمعرفه ویقین.*.

 

*هذا الحدیث منسوب الی الامام زین العابدین(ع)

الإثنين, 16 نيسان/أبريل 2018 04:26

انكسار العدوان

الردّ الحقيقي على عدوانهم واحتلالهم ومحاولاتهم لتصفية القضية الفلسطينية والاستهانة بالعرب والعروبة، هو المزيد من العلم والمزيد من المعرفة وتطوير قدراتنا المعرفية ودفاعاتنا الجوية ومختبراتنا وإنتاج كلّ ما من شأنه أن يؤمّن حاجات أجيالنا من دون الحاجة إليهم.

بينما ينهض أهالي دمشق على صلاة الفجر يسبّحون بحمده تعالى، كانت الصواريخ المعتدية الآثمة تشنّ هجوماً غير أخلاقي وغير إنساني من قبل حكومات استعمارية اعتادت على شنّ الحروب على البلدان الآمنة المسالمة لتكمل بذلك ما قام به مرتزقتها من العصابات الإرهابية، ولم تنجح في تدميره أو كسر إرادة الصمود لدى هذا الشعب الذي تماهى مع أرضه ووطنه وقراره المستقلّ.

ولنبدأ أولاً بتفكيك أكاذيبهم وادعاءاتهم والتي لا علاقة لها بواقع الحال. فالحملة المسعورة حول الكيميائي تسقط مباشرة حين نتذكّر أن بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تصل السبت إلى دمشق لتباشر أعمالها، أي أنه لا دليل أبداً لديهم على استخدام الكيميائي سوى المسرحيات الهزلية المضحكة التي نشروها حول هذا الموضوع.

ولا شكّ أنّ هذا العدوان الموصوف هو جريمة بحقّ دولة مستقلّة عضو في الأمم المتحدة، وهي الدولة الأولى عالمياً في محاربة الإرهاب، وهذا بحدّ ذاته يبرهن بما لا يقبل الشكّ أنهم رعاة الإرهاب وحماته، وأنّ كلّ ما يروّجون له من محاربة للإرهاب هو مجرّد أكاذيب بعد أن برهنوا أنهم السند والمتابع والمموّل والمسلّح للإرهاب الذي يضرب بلدنا منذ سبع سنوات ونيّف.

والحقيقة الثانية الهامّة التي نريد أن نسطّرها هنا هي أنّ الطائرات الحاملة للصواريخ قد انطلقت من قاعدة العديد في قطر، تماماً كما كانت الطائرة الأولى التي قصفت بغداد في عام 2003 من قطر أيضاً، وهذا يُظهر للمرة الألف الدور المدمّر الذي تؤديه دول الخليج (الفارسی)في استهداف الدول والشعوب العربية؛ إذ كانت الطائرة الأولى التي قصفت بغداد في عام 2003 منطلقة أيضاً من قاعدة العديد القطرية وهذا ما يتعمّده خصوم وأعداء هذه الأمة لأنهم يريدون أن يروا العرب يضربون بلدان بعضهم البعض لأن الفرقة والخصومة بين العرب هي أقصر الطرق وأرخصها لاستهداف هذه الأمة والقضاء على عوامل قوّتها.

ولكنّ الحقيقة الأهمّ، والتي يجب أن نسجّلها هنا لترامب، هي أن صواريخه لم تكن ذكية ولا دقيقة، وإذا كان يعتبرها كذلك فإنّ الدفاعات الجوّية السورية كانت أصدق إنباءً من صواريخه، حيث برهنت أنها أذكى منها وأكثر دقّة ولذلك عليه توخّي الحذر في تغريداته المقبلة، وتوخّي الدقّة أيضاً كيلا يزيد على جريمة عدوانه اليوم على سوريا، والذي كشف انفلات القوة العظمى من أيّ منطق قانوني ودولي، ولكنه كشف أيضاً أن قوتهم، كأكاذيبهم الإعلامية، لا تصمد أمام إرادة الشعوب وروح التحدي المنبثقة من إيمان وطني لا تزعزعه التهديدات. فبدلاً من أن يلجأ الشعب السوري إلى الملاجئ كان على أسطح منازله يراقب دفاعاتنا الجوية تُسقط صواريخ ترامب بالعشرات قبل أن تصل إلى أهدافها بينما هرب مستوطنو الكيان الصهيوني إلى ملاجئهم، وهذا هو الفرق بين صاحب الحقّ والأرض، وبين المعتدي على هذه الأرض وهذا الحقّ.

أمّا عن أهم الأهداف التي قرّر ترامب وزمرته توجيه صواريخهم إليها؛ فكان مركز البحوث العلمي في دمشق، والذي يستقطب خيرة الطلاب السوريين في كلّ عام من أجل تطوير البحث والعلم في سوريا. والذي قد يفاخر ترامب في تدميره هو مخابر الطلاب ومقاعدهم الدراسيّة، ولا شكّ أنّ مثل هذا المعهد العالي لا علاقة له بإنتاج أيّ شيء؛ هذه هي كذبة الحرب التي قادها ترامب ضدّ الكيميائي أو استخدامه في سوريا؟ هنا يجب أن نخرج من دائرة تفكيرهم ونحلّل بشكل علمي وموضوعي. أمران لا يريدهما الغرب ولا العدوّ الصهيوني في هذه الأمة، وهما: أولاً وحدة كلمتها أو التنسيق الأكيد بين أبنائها. وثانياً: اعتلاؤها سلّم العلم والمعرفة والمنافسة في ساحة المعرفة لأنّ المعرفة اليوم بعد الأخلاق هي القيمة العليا للبشرية، وهم يريدون أن يسجنوا أبناءنا في غياهب القرون الماضية، وألا يسمحوا لنا بأن ننافسهم في مجالات المعرفة. بل هم يعتمدون على سلبنا حتى المعارف التي تفوّقنا بها تاريخياً، ولذلك يسلبوننا حتى براعتنا في تطوير الثروات الزراعية والحيوانية، ناهيك عن المعرفة التقنية والعلمية.

الردّ الحقيقي إذاً على عدوانهم واحتلالهم ومحاولاتهم لتصفية القضية الفلسطينية والاستهانة بالعرب والعروبة هو المزيد من العلم والمزيد من المعرفة وتطوير قدراتنا المعرفية ودفاعاتنا الجوية ومختبراتنا وإنتاج كلّ ما من شأنه أن يؤمّن حاجات أجيالنا من دون الحاجة إليهم. الردّ الحقيقي إذاً يكمن في تطوير مراكز للبحوث العلمية وتطوير التعليم والمعرفة، وهذا هو السرّ الحقيقي لعدائهم للجمهورية الإسلامية الإيرانية لأنها ارتقت  سلّم المعرفة العلمية، ولم تعد تعير وزناً لتهديداتهم. وهذا هو سرّ جنونهم ضدّ روسيا بعد أن أعلن الرئيس الروسي بوتين عن التقدّم الهائل في صناعاته العسكرية والتي سبقت بعدة أجيال صناعاتهم. انكسار عدوانهم الآثم اليوم على أرض سوريا سيكون بداية لانكساراتهم المتلاحقة والتي تؤذن، من دون شكّ، بأفول إمبراطوريتهم العدوانية وصعود القوى التي تحترم سيادة وحياة وسلامة الشعوب جميعاً. وكما أنّ الشمس تشرق دائماً من الشرق، فإنّ شمس العالم الجديد العادل والحرّ ستشرق من دون شكّ من هنا وستدحض كلّ ما ادّعوه وحاولوا إيهام العالم به.

ثينة شعبان مفكرة عربية

الإثنين, 16 نيسان/أبريل 2018 04:23

هل حقّاً مواقف الغرب تجاه سوريا إنسانيّة؟

تحت ذرائع إنسانية واهية شنّت أمريكا فجر اليوم عدواناً ثلاثياً على دمشق، أطلقت فيه طائرات وبوارج أمريكية فرنسية بريطانية ما يقارب مئة صاروخ استهدفت مواقع للجيش السوري الذي أخلاها احترازياً بعد التهديدات الأمريكية المتكررة بضرب سوريا، وكعادة الإدارات الأمريكية المتعاقبة وقبل شنّ أي عدوان على أي بلد عربي أو مناوئ ومعادٍ لها، بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه بالحديث عن المجازر والقتل وعدم الأخلاق في استخدام السلاح الكيميائي في دوما وكأن بلاده راعية للأخلاق والقيم الإنسانية في العالم والموكلة بالاقتصاص من المجرمين.

إنه النفاق الأمريكي بحدّ ذاته الذي بدأ منذ قرون ويستمر وسيستمر إلى القادم من الأيام والسنين، وفي هذا المقال سنبرز حقيقة الأخلاق الأمريكية والإنسانية التي تعاطت فيها مع شعوب العالم في القرون والسنوات والأيام والساعات القليلة الماضية.

اولاً-إذا كان الأمر بسبب قتل الشعب فأمريكا مسؤولة عن قتل أغلب شعوب العالم، حيث أسفرت سياسة الإبادة الأمريكية أكبر جريمة في البشرية وخلال قرنين قتل 122 مليون هندي أحمر في سبيل تحقيق الحلم الأمريكي، هذا الحلم كان لا يمكن أن يكتمل إلا بشراء العبيد من إفريقيا، ففي عام 1978 أصدرت منظمة اليونسكو تقريراً يتحدث عن الكارثة الإنسانية التي حلّت بالدول الإفريقية جاء فيه إن إفريقيا فقدت من أبنائها في تجارة الرقيق نحو 210 ملايين نسمة من أجل بناء دولة أمريكا دولة الـ " المحبة والسلام".

ثانياً-وإن عدنا بالزمن قليلاً للوراء، نتذكر الفاجعة الكبيرة التي ارتكبها الأمريكيون ضد البشرية خلال الحرب العالمية الثانية في عام 1945، حين أمر جورج مارشال، رئيس الأركان الأمريكي آنذاك، بتنفيذ أكبر عملية قصف للمدن اليابانية، حيث ألقيت فيها القنابل الحارقة لتدمر ما مساحته 16 ميلاً مربعاً، ولتقتل في ساعات نحو 100 ألف شخص، ناهيك عن تشريد نحو مليون آخرين!

إلى أن أتى الدور على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين اللتين أظهرتا الوجه الحقيقي "الأخلاقي لأمريكا" حيث أقدم الأمريكيون على استعمال السلاح النووي، عندما أسقطوا قنبلتين فوقهما لتحصد أرواح مئات الألوف من المدنيين الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال.

ثالثاً-بين عامي 1950-1953 وقعت الحرب الكورية حيث كان الأمريكيون طرفاً فيها وارتكبوا مجازر شنيعة بحق الكوريين، وبعد عزلهم الحكومة الشعبية أغرقوا البلاد في حرب طاحنة أشاعت ناراً ودماراً وأسفرت عن مقتل أكثر من 600 ألف قتيل.

رابعاً-وبين عامي 1955 و1973 شنّ الأمريكيون حرباً على الفيتناميين وارتكبوا المجازر بحقهم وبلغ عدد القتلى فيها 3.6 ملايين قتيل، و6 ملايين جريح، و13 مليون لاجئ حسب التقرير الذي نشرته مجلة نيويورك تايمز في 8 نوفمبر عام 1997.

خامساً-العراق كان له نصيب الأسد من المجازر الأمريكية الأخلاقية، حيث لا يزال حتى اليوم يعاني جرّاء التدخل الأمريكي فيه منذ عام 1990 خلال الحرب الكويتية العراقية، حيث نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في ديسمبر 1991، تقريراً نقلت فيه عن العقيد الأمريكي بانتوني مارينوم وهو يصف عمليات طمر العراقيين في الخنادق أحياء حيث قال إنه من المحتمل أن نكون قد قتلنا بهذه الطريقة آلاف الجنود… لقد رأيت العديد من أذرع العراقيين وهي تتململ تحت التراب وأذرعها ممسكة بالسلاح.

كلام مارينوم أكدت عليه مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة حين سئلت عن رأيها في مقتل أكثر من 500 ألف طفل عراقي بسبب الصواريخ الأمريكية فكان الجواب الأخلاقي الذي نطقت به أمريكا التالي: أنا أعتقد أن الخيار صعب للغاية، ولكن هل يستحقون ذلك أم لا، نعم... أنا أعتقد أنهم يستحقون ذلك.

سادساً-وإذا كان الأمر كيميائياً كما يقول الأمريكيون فلماذا لم يطرف لهم جفن عندما ارتكب صدام حسين مجازر مشابهة راح ضحيتها الآلاف خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988.

سابعاً-الجرائم اليومية التي تحصل بحق الشعب الفلسطيني من قبل الكيان الإسرائيلي المدعوم غربياً وأمريكياً، حيث يعد الفيتو الأمريكي من أهم وسائل الدعم السياسي الذي تقدمه للكيان الإسرائيلي، والذي بموجبه تمنع حتى الإدانة الشكلية للجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، ومثالاً على ذلك ليس ببعيد يوم الأرض الذي ارتكب خلاله العدو الإسرائيلي جريمة بحق الفلسطينيين حين قتل بدم بارد أكثر من 20 فلسطينياً بالرصاص الحي، ليأتي الفيتو الأمريكي بعد هذه الجريمة ليقف خلف الجندي الإسرائيلي المجرم في مجلس الأمن.

ثامناً-وإذا كان الأمر بسبب قمع الحريات ودعم الإرهاب كما يدّعي أصحاب القرار في أمريكا أن كلّاً من روسيا وإيران تدعم الرئيس الأسد المنتخب شعبياً، فلماذا يدعمون السعوديةّ بالسلاح في حربها على اليمن، وهي المتهمة بدعم الإرهاب في العالم، فمن السعودية نشأت القاعدة، وكذلك بقية التنظيمات الإرهابية سواء في سوريا والعراق أم اليمن، وقد بدأ يتضح للغربيين يوماً تلو الآخر أن الرياض الشريك الأبرز لأمريكا في المنطقة، هي المصدّر الأساسي للإرهاب في الشرق الأوسط.

تاسعاً-يدّعون محاربة الإرهاب وهم من صنعوا الوهابية الفكر الأساسي لكل إرهابي في هذا العالم وهذا ما أتى في اعترافات ابن سلمان الأخيرة بدعم القاعدة في أفغانستان ضد روسيا بناءً على طلب أمريكا.

سناريوهات كثيرة ومشابهة تبرز الوجه الحقيقي لأمريكا، إلا أن اللافت في الأمر أن أغلب الادعاءات الأمريكية لا تستند إلى دليل بل دليلها الرئيسي الآلة الإعلامية العالمية التي تسيطر عليها، وهذا ما حدث في العراق بعد اتهام صدام بحيازة أسلحة دمار شامل، وهذا ما حدث ويحدث أيضاً في سوريا، وحتى في الاتفاق النووي، ظهر يوم أمس الكذب الأمريكي على لسان رئيس وكالة الاستخبارات المركزية حين قال إنه يعلم أن إيران لم تكن تسعى إلى السلاح النووي، فلماذا روّجت أمريكا إلى ذلك؟.

وأمام هذه الشواهد، لا يزال بعض من العرب يصدقون أن أمريكا راعية السلام والمدافعة عن الحريات في العالم، إلا أن الحقيقة أن أمريكا مستعدة للتحالف مع الشياطين من أجل تحقيق مصالحها القذرة، وتدوس كل القيم والأخلاق والديمقراطيات عندما تتعارض مع مصالحها، فهي لطالما وقفت ودعمت أحقر وأقذر الطواغيت على وجه الأرض، وعادت كل من يحاول أن ينهض بوطنه وشعبه، لأن الأشرار يحققون المصالح الأمريكية أكثر بكثير من الأخيار.

الإثنين, 16 نيسان/أبريل 2018 04:21

العدوان الأحمق يكشف عجز الدول الغربية؟

دول العدوان الثلاثي على سوريا سعت جُلَ قدرتها للانتقام من خسارة مخالبها في تحرير الغوطة الشرقية. فهي تراهن على التهويل بالعمل العسكري على سوريا وروسيا وإيران، أملاً بالعودة إلى التأثير في الأزمة السورية وأملاً باستعادة قادتها الهيبة المعرّضة للانحلال في داخل بلادهم. لكن خيبتها في العدوان على سوريا تُنذر بملاحقة انحدارها الإقليمي والدولي أمام صعود محور مواجهة العدوان.

فشلُ العدوان الثلاثي على سوريا بمشاركة إسرائيل التي قدمت ما يسمى بنك المعلومات والأهداف، يفتح شهية النقد التبسيطي للذين يستسهلون الحرب بالنظارات ظناً منهم أن الدول الغربية يمكن لها أن تحقق أهدافها في الحرب حين تحزم أمرها. فمعظم الذين وجّهوا النقد لبارك أوباما واتهموه بالضعف والتردد والتخاذل، ينتقدون ترامب أو وزير دفاعه جيمس ماتيس بعد فشل العدوان، اعتقاداً منهم أن أميركا والدول الغربية المشاركة في العدوان لم تكن جادة بما فيه الكفاية لفرض القوة على روسيا وإيران وسوريا، كما يتخيّلون ويشفي غليلهم.

ترامب "القوي" الذي يعوّل عليه معظم المحبطين من هزائم الجماعات المسلّحة وتركيا والدول الخليجية الداعمة، ظنّ هو الآخر أن لديه القدرة مع حلفائه في العدوان الثلاثي، لتحجيم روسيا وسوريا وإيران تحت أزيز الصواريخ والسلاح. أعرب عن سذاجته العسكرية في تغريدة "استعدي يا روسيا فصواريخنا قادمة". لكنه حين واجهه وزير الدفاع ماتيس ورئيس هيئة الأركان الموحّدة جوزيف دانفورد بحقائق المعادلات، أُسقط في يده ولم يجد غير مستشاره جون بولتون يشد من أزره للحفاظ على ماء الوجه.

لم يكن من المحتمل أن يجرأ ترامب على الاصطدام بروسيا أو قصف قواتها. فتهديد رئاسة الأركان الروسية بالرد الفوري على قواعد الاعتداء جاءت حازمة وحاسمة. ولم يكن من المحتمل تهديد التواجد الإيراني في سوريا، خشية من تهديد الأمن الإقليمي، بحسب تعبير الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

ولم يكن من المحتمل أن تلجأ دول العدوان إلى غير "ضربة موضعية" تؤدي إلى تداعيات ليس من المتوقع أن يتحملها ترامب وماكرون وتيريزا ماي.

العدوان الفاشل لم يجد أمامه غير استهداف مناطق مدمّرة، بحسب تأكيد الفريق سيرغي رودسكوف رئيس غرفة العمليات في هيئة الأركان الروسية. وقد أسقطت الدفاعات السورية 71 صاروخاً من أصل حوالي 100 صاروخ أطلقته الطائرات والسفن الحربية من قبرص والبحر الأحمر وقاعدة العديد في قطر وقاعدة انجريليك في تركيا. ولم تشارك الدفاعات الجوّية الروسية التي وُضعت على حالة تأهب في إسقاط الصواريخ، بل شاركت في تتبّع صواريخ العدوان من قاعدتي طرطوس وحميميم "لتمكين العسكرين السوريين من إسقاطها"، بحسب بيان وزارة الدفاع.

السوريون الذي يسخرون من العدوان الثلاثي خرجوا في الشوارع يعبّرون عن استهزاء بالتهديدات وعن أمل فائق بقدرتهم وقدرة الجيش مع الحلفاء على الاستمرار في تحرير سوريا من دول العدوان وجماعاتها المسلّحة.  وفي إشارة ساخرة من العدوان ذكرت روسيا أن الرئيس بشار الأسد يمارس عمله كالمعتاد في مكتبه بقصر المهاجرين منذ صباح يوم العدوان.

لكن وزارة الدفاع الروسي في إشارة تهديد للدول الغربية، وعدت ببحث إمكانية تسليم سوريا صواريخ من طراز "إس 300" الأكثر تطوراً من الدفاعات التي أسقطت الصواريخ الغربية.

الدول الغربية تحاول بعد العدوان أن تخفف من فشلها في إعلان ماتيس وتيريزا ماي "أن الضربة هي لمرة واحدة فقط". وأن المسألة الأوسع هي بشأن الحل السياسي المستقبلي لسوريا عبر القنوات الدبلوماسية، بحسب تعبير تيريزا ماي.

لكن الفشل لا يخفف من الدلالة على أن رؤساء أميركا وفرنسا وبريطانيا مجرمون، كما وصفهم المرشد الإيراني علي خامنئي، وأن الرد على العدوان يبدأ بمعركة تطهير سوريا من الإرهابيين حيث جاء العدوان نتيجة فشل هؤلاء؛ وكلاء الدول الغربية، وفق تعبير الرئيس حسن روحاني. وقد يكون بين تداعيات فشل العدوان أنه يكشف عجز الدول الغربية عن تغيير المعادلات في الميدان وعجزها عن العودة من النافذة إلى سوريا في مسار جنيف.

قاسم عزالدين