Super User

Super User

الأربعاء, 08 أيار 2019 06:20

تشبيه الإيمان بالحياة

قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَ﴾[الأنعام: 122].


قد يقول القائل: إنَّ الآية شبَّهت الإيمان بالحياة، والكفر بالموت، مع أنَّ الكافرين والملحدين في هذا العصر أكثر ثراءً ورفاهية من المؤمنين والعابدين.

الجواب: ليس المراد بالحياة في هذه الآية أن يعيش الإنسان في النعيم والرفاهية، فيأكل طيّباً، ويلبس ثميناً، ويشرب سائغاً... إن الرفاهية لا تناط بالكفر ولا بالإيمان، وإلا كان المؤمنون سواء في الشرق والغرب من حيث الحضارة والرفاهية، وكذلك الملحدون والكافرون. إن للرفاهية أسباباً وملابسات لا تمتّ إلى الإيمان والكفر بسبب.. وإنما المراد بالحياة في الآية، الإيمان والشعور الديني الذي يدفع بصاحبه إلى القيام بالواجب كإنسان مسؤول عن سلوكه، يحاسب عليه، ويكافأ على إحسانه بالثّواب، وإساءته بالعقاب.

ولو كان الإنسان غير مسؤول عن شيء، لكانت الشرائع والقوانين ألفاظاً بلا معان.. ومتى سلّمنا بأنّ الإنسان مسؤول، ولا يترك سدى، يلزمنا حتماً أن نسلم بأنّه مسؤول أمام من لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.. ولو كان هذا السائل مسؤولاً، لوجب وجود سائل له، وهكذا إلى ما لا نهاية.

ومن كفر بوجود السائل الأعلى الّذي يسأل ولا يسأل، فقد كفر بالمسؤوليّة ونفاها من الأساس، لأنه لا مسؤوليّة من غير سائل، ومن كفر بالمسؤوليّة، فقد كفر بالحياة الاجتماعية.

وتقول: أجل، إن الإنسان مسؤول، ولكن ليس من الضروريّ أن يكون السائل هو الله، فللناس أن يختاروا هيئة منهم يكون الإنسان مسؤولاً أمامها.

ونسأل بدورنا: إذا أخطأت هذه الهيئة، فمن يسألها ويحاسبها؟ وإن قيل: الوجدان، قلنا: أوّلاً الوجدان أمر معنويّ لا عينيّ. وثانياً: أن الوجدان مشاع يدّعيه كلّ واحد، فلماذا يترك هذا لوجدانه دون ذاك؟ إذاً، لا سائل غير مسؤول إلا الله وحده، فمن آمن بالله وألزم نفسه بشريعته وأحكامه، فقد سار على بصيرة من أمره في عقيدته وسلوكه، وإلا كان مثله كمن يمشي في الظلمات ليس بخارج منها.

﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الأنعام: 122]. أي مثل ما زيّن للمؤمنين أعمالهم، أيضاً زيّن للمشركين أعمالهم، والفرق أنّ تزيين أولئك انعكاس عن الواقع، وتزيين هؤلاء وهم وخيال.

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَ﴾[الأنعام: 123]. المراد بالقرية كلّ مجتمع من الناس قلّ أو كثر، والمعنى أنّه كما وجد في مجتمعك يا محمّد رؤوس للإجرام تمكر وتنصب العداء لدين الله، كذلك وجد في المجتمعات السابقة، ويوجد في اللاحقة أيضاً، رؤساء يمكرون بأمّتهم، ويقفون موقف العداء للحقّ وأهله.

وتسأل: ظاهر الآية يدلّ على أن الله سبحانه هو الذي جعل أكابر المجرمين يجرمون ويمكرون بأهل الحقّ، مع العلم بأنّه تعالى ينهى عن المكر والإجرام، ويعاقب عليهما، فما هو التّأويل؟.

الجواب: إنّ القصد من هذه النّسبة إليه جلّ ثناؤه، هو الإشارة إلى أنّ مشيئة الله قضت بأن تقوم السنن الاجتماعيّة على أساس التناقض بين المحقّين والمبطلين، بين أرباب السلطان المعتدين، وبين الناس المعتدى عليهم، ولا مفرّ من هذا التناقض والصراع إلا بالقضاء على المجرمين، ولا بدّ أن يتم ذلك، وتعلو كلمة الحقّ على أيدي دعاة العدل والصلاح، مهما تضخّم الباطل واستطال. وقد سجّل سبحانه ذلك في كتابه، حيث قال عزّ من قائل: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلً}[فاطر: 43]. إنّ هذا التكرار تأكيد قاطع بأنّ العاقبة للمتقين على المجرمين، مهما طال الزمن، وبهذا نجد تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾[الأنعام: 123].
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ [الأنعام: 124].

اختلف المفسّرون في معنى هذه الآية، على قولين: الأوّل أن أكابر المجرمين من العرب اقترحوا على محمّد (صلى الله عليه وآله) أن يأتيهم من المعجزات مثل ما أوتي موسى من فلق البحر، وعيسى من إحياء الموتى. القول الثاني: أنهم قالوا له: لن نؤمن حتى ينزل علينا الوحي كما نزل على الأنبياء. وقال الرازي: هذا القول مشهور بين المفسّرين. ونحن نرجّحه على الأوّل، لأن سياق الآية يدلّ عليه، حيث ردّ سبحانه على أكابر المجرمين بقوله: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124].

بالإضافة إلى أنّ طلبهم أن ينزل الله الوحي عليهم، يتلاءم مع حسدهم لرسول الله.

قال تعالى في الآية 54 من سورة النساء: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]. وفي مجمع البيان وغيره، أنّ الوليد بن المغيرة قال للنبيّ (صلى الله عليه وآله): "لو كانت النبوّة حقّاً، لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنّاً، وأكثر منك مالاً".

ومعنى قوله: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ واضح، وهو أنه تعالى يختار لرسالته من يصلح لها من خلقه، ومحمد أكرم خلق الله وأشرفهم.

﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ﴾، لأنهم استعلوا وتعاظموا، فاستحقّوا الجزاء بالاحتقار والإذلال. وفي بعض الروايات: أن المتكبرين يحشرون في صورة الذرّ، يطأهم الناس بأقدامهم جزاءً على تعاظمهم في الدنيا ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾.

فالصغار جزاء التكبر، والعذاب جزاء المكر والخداع. وبكلمة، إن الله سبحانه يعامل أرباب النوايا الخبيثة، والأهداف الفاسدة، بعكس ما يقصدون ويهدفون.

التفسير الكاشف - الشيخ محمد جواد مغنية

النص التالي هو مجموعة مقاطع من كتاب: «مدينة الله؛ شهر رمضان وأسرار الصيام» لسماحة الشيخ علي رضا بناهيان، وهو يتضمن مقتطفات مؤثرة من سماحته حول هذا الشهر الكريم...

ما ينبغي أن يكون شعورنا تجاه شهر رمضان؟
• طيب، إن هذا الشهر المبارك مع ما ينطوي عليه من روعة وجمال، والذي دعانا إلى ضيافة الله، وجعل الله مضيّفنا، فما ينبغي أن يكون شعورنا تجاهه؟ وبأي قلب يجب أن نستقبل رمضان؟ فمع وجود كل هذه الوعود الإلهية الرائعة في هذا الشهر، هل ينبغي أن نستقبل شهر رمضان بشوق وفرح وحسب؟ أو أن للخوف والخشية محلا في هذا البين؟

• لا شك في أن أول ما يتبادر إلى القلب هو الاغتباط بلذّة توفيق الحضور في مثل هذه الضيافة الكريمة. ولكن كلما كان الشوق مصحوبا بالخوف، سبقه الخوف في إظهار نفسه وكأنه يطلب من الإنسان أن عالج الخوف وأرح بالك منه أولاً، ثم أسرع إلى شوقك. وأنتم تعلمون جيدا أن الخوف إنما ينبثق من القلب الشائق وإن الشوق هو الذي يفرض على الإنسان الخوف من المخاوف والمخاطر وأن لابدّ من معاملتها بكلّ حكمة وعقل.

هيبة شهر رمضان
• نحن إن كنّا قد صدّقنا بالحضور بين يدي المضيّف في هذه الضيافة، وأدركنا عظمة ربّ شهر رمضان، سيعتري قلبنا الخوف ـ بلا شك ـ من سوء الأدب في هذا المجلس العظيم، مضافا إلى شعور الاغتباط بهذه الضيافة. كما أنه قبل الاستعداد للحضور في هذا الحفل العظيم، ستعترينا الرهبة من تجلّي كل هذه العظمة أمام وجودنا الحقير.

• ألم يقل الإمام السجاد (عليه السلام) في دعاء وداع شهر رمضان: «وَ[ما] أَهْیَبَكَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِینَ» [الصيفة السجادية/الدعاء45] فمن أين أتت هذه الهيبة؟ من الواضح أنها ناجمة من التقرّب إلى محضر ربّ العالمين، وإما ناشئة من أهمية مراعاة آداب شهر رمضان وأداء أعماله، لئلّا يتعدّى الضيف الأدبَ على ساحة القدس الربوبي أو على مجلس ضيافته الكريم.

• عندما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتحدث مع جابر بن عبد الله عن بركات شهر رمضان، عرّج على شروطه وآدابه وقال: «یَا جَابِرُ هَذَا شَهْرُ رَمَضَان مَنْ صَامَ نَهَارَهُ وَ قَامَ وِرْداً مِنْ لَیْلِهِ وَعَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ وَکَفَّ لِسَانَهُ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ کَخُرُوجِهِ مِنَ الشَّهْر» فاسترّ جابر من ثمرات شهر رمضان وبشاراته وقال: «یَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْحَدِیثَ» فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: «یَا جَابِرُ وَ مَا أَشَدَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ» [الکافي، ج4، ص87، باب أدب الصائم، ح 2]، ففي الواقع أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن يلفت نظر جابر إلى أهميّة شهر رمضان وخطره. ولا شكّ في أن النبي (صلى الله عليه وآله) يريد من أتباعه أن يكونوا في قلق مراعاة آداب شهر رمضان أكثر من البهجة والتمتع ببركات هذا الشهر وبشاراته.

عدم الاسترخاء من طبيعة مجلس الضيافة
• من شأن كلمة «الضيافة» أن تلفتنا إلى بعض أوجه الصعوبة في شهر رمضان. لأن الإنسان بطبيعة الحال لا يمكنه أن يسترخي ويكون على راحته في مجلس الضيافة ـ حتى وإن كان زاخراً بالعطايا ـ كما إذا كان في بيته، ولذلك وبسبب اقتضاءات مراعاة الأدب، يعاني من بعض القيود التي لا وجود لها في بيته. مهما كان مجلس الضيافة ممتعا ومريحا للإنسان مع ذلك لا يسعه أن يفعل كلّ شيء، وبقدر أهمية المجلس وشموخه، ينشغل الإنسان عن راحته بالانتفاع من هذا المجلس.

الخوف من فقد فرصة شهر رمضان الذهبية
• أليس شهر رمضان فرصة ذهبية؟ أولسنا بحاجة وشوق شديدين إلى هذه الفرصة؟ إذن لابدّ أن نخشى ذهاب هذه الفرصة وعدم انتفاعنا بها. كلما كانت هذه الضيافة أعزّ علينا يزداد خوفنا من ضياعها وتعترينا الهواجس والأسئلة أن: هل سأنتفع بشهر رمضان بأفضل انتفاع؟ أم سأكون في شهر رمضان المبارك من زمرة الذين لا يكون نصيبهم فيه سوى الجوع والعطش؟ وهل ستلبّى احتياجاتنا الكثيرة في هذا الشهر؟... وغيرها من الأسئلة الكثيرة التي تتبادر إلاّ إلى المشتاقين وأولي الهمم العالية. إلا اللهمّ إذا كنّا مُتخَمين بالنعم المعنوية وأصبحنا غير مضطرّين إلى المزيد منها وأصبح شهر رمضان لنا شهر نزهة وتبديل جوّ فعند ذلك سنكون بغنى من هذا القلق. فإن هذا الكلام من السخافة والتفاهة بمكان بحيث لا يستحقّ الاعتناء. إذ عندما نرى أولياء الله يلتمسون ويتضرّعون إلى الله من أجل كسب ذرة من عنايات الله سبحانه، والحال أن كسب رضا الله ليس بأمر عسير عليهم، فتكليف باقي الناس معلوم.

• ولكن من باب ذكر شيء في هذا المقام، أقول إن حالنا لا يخلو من حالين؛ فإما لسنا من أهل العرفان والعبادة، فعند ذلك من الواضح أن سنكون مضطرّين ومحتاجين، وإن لم نشعر بذلك نحن. وإن كنّا من أهل ذلك، فمن المؤكد أن قد أصبحنا من المحبين إلى مناجاة الله واكتساب عنايته بحيث نصبح متعطّشين إلى نيل المزيد من ألطاف الله ورحمته.

• فإذن اسمحوا أن نستعرض عبر عبارات واضحة هواجسنا وعواملها:

هواجس الدخول

1ـ نقصان ما ننجزه من عمل
• أولا يودّ الصالحون من الناس أن ينجزوا جميع أفعالهم بشكل جيّد. فإذا أنجزوا فعلا ما لا يحبون أن يكون ناقصا ومليئا بالعيوب. ورمضان كل سنة عبارة عن فعل وأثر نتركه في عالم الوجود، ونحن سوف نواجه هذا الإنجاز يوم القيامة. وحتى إن أنجزت أشهر رمضان القادمة بشكل جيّد لا تعوّض عن نواقص شهر رمضان الحاضر. فلكلٍّ علامة وسمة مستقلّة. الخوف من عدم إنجاز شهر رمضان بالمستوى المطلوب هو شيء متعارف لدى هؤلاء.

2ـ أن يكون مستوى أوج ارتفاعنا منخفضًا
• ثم إذا كان شهر رمضان أوج صلاحنا وحسننا، وعادة ما لن نحصل على حالة أفضل مما كنا نعيشها في شهر رمضان، وبطبيعة الحال كل درجة سوف نحصل عليها في شهر رمضان، سنحصل على أقلّ منها في غيره من الشهور، فهذه الحقيقة مما تبعث خوفا في نفوس أولي الهمم العالية خشية من أن يكون مستوى أوج تحليقهم وأوج إنسانيّتهم منخفضًا مما يأباه بعد النظر وعلوّ الهمّة.

3ـ عدم مراعاة حرمة شهر رمضان
• كلما ازداد شهر رمضان قدسية ورفعة لدى محبي الله، تصبح أهمية مراعاة حرمة هذا الشهر ومعرفة قدره مدعاة لخوفهم. طبعا لكل من هذه الهواجس طعم خاص. وإن بعض هذه الهواجس كهذا الخوف ليس بمرّ ولا مكروه بل حلو وممتع. وهذا الشعور يشبه بشعور العاشق الذي يخاف على هدية حبيبه، فهو يحافظ عليها بشدّة خشية إصابتها بصدمة.

4ـ الشقاء
• المفترض في شهر رمضان هو أن تشملنا المغفرة الإلهية، وإنها من الأهمية بمكان بحيث قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):«فَإِنَّ الشَّقِيَ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِیمِ» [عيون أخبار الرضا/ج1/ص295] أليس هذا يكفي لخوفنا من عدم الغفران، وعدم العفو والتكفير عن سيئاتنا وأن نخرج من شهر رمضان بنفس مساوئنا؟ وليت شعري أين تطهّر هذه الأقذار إن لم تطهّرها عين رمضان؟

5ـ قبول العمل
• إن كان المفترض هو أن يكون شهر رمضان شهر عبادتنا وأن تعرض طاعاتنا وعباداتنا على محضر إله العالمين سبحانه وتعالى، أليست عظمة مقام ربوبيّته وأبهته مدعاة لخوفنا من قلة قيمة أعمالنا؟ أ وليس من شأن علوّ مرتبة بارئ الخلق سبحانه وتعالى أن ترتجف قلوب عباده خوفا من عدم قبول عملهم؟!

لماذا لم يهتمّ البعض لقبول أعمالهم؟
• ترى بعض الناس إذا قاموا بعبادة ما مثل الصلاة، لا يهتمّون بعد بأنه هل رضي الله بهذه الصلاة أم لا؟ وهل رضي بصوم شهر رمضان هذا أم لا؟ مع أنهم يحملون مثل هذا الهمّ والقلق لكثير من قضايا حياتهم الأخرى. كأنهم يطلبون الله، وقد سمعوا منه كلاما شديدا اضطرهم إلى القيام بهذه العبادة، وكأنهم يرون أن هذه العبادة على علّاتها كافية وزائدة على من أمرهم بها!

• هم لا يعلمون أن الله ينظر إلى مشاعر عباده، فإذا كان أحد غير مهتمّ لقبول عمله، فهو في الواقع يقوم بأعماله كرها. ولا قيمة لهذا العمل عند الله بعد.

• ما قيمة عبادات العبد عند الله، إذا رأى عبده يرمي عباداته صوب ربه بغير مبالاة وهو غير مهتمّ لوصولها إلى الهدف وقبولها من قبل المعبود، والحال أن المهمّ لدى الله قبل العمل وبعد العمل وفي أثناء العمل هو العبد نفسه وإقباله إلى الله وقلبه العاشق لربّه. ومن هنا ترى کم من صائم ليس له من صيام شهر رمضان إلا الجوع والظمأ.

• مثل الأجير الذي فرضوا عليه حرث الأرض. فبعد أن حرث الأرض كرها لا ينظر إلى عين صاحب العمل باحثا عن رضاه، بل ينظر إلى يده ليستلم أجره. وإن كان لا يتوقّع الأجر وكان يعتبر صاحب العمل ظالما لا يؤجره بشيء، فسوف يرمي المسحاة أمام رجله ويذهب.

• هل تعلمون متى نكون غير مبالين بنتيجة أعمالنا ولا يعترينا القلق من أن هل سينال عملنا رضى الله أم لا؟ أضرب مثالا قاسيا مع طلب المعذرة، لأنه بمنزلة الضربة القاضية لمن يريد أن يكون مقاوما لهذا الكلام ولا يتأثر.

• إن دخل على بيتنا فقير مسكين، وأردنا أن نعطيه طعاما، فبما أن شخصية هذا الفقير غير مهمّة لدينا، وكنا بصدد تقديم بعض فضائل الطعام له، عند ذلك لا نهتمّ بثمن الإناء الذي نصبّ الطعام فيه، وبأنه هل سيعجبه الإناء أم لا. ولا سيّما إن كنّا قد أعطيناه الطعام مع الإناء ولم نتوقّع منه إرجاعه. فنحن في هذا المقام غير مهتمّين باستحسان الفقير عملَنا وأسلوبَ ضيافتنا، بل نريد أن نعطيه شيئا ليذهب ويبتعد.

• لا شك في أن الخروج من هذه الهواجس وغيرها التي لم نحصها، لا يمكن إلا بمدد ربّ العالمين. كما أن الدخول في وادي الخوف إنما يتحقق عبر حبّ المعبود ومعرفته.

• يا له من إنسان رفيع الهمّة والنظر، وهو ذاك العبد الذي يقلق لنتيجة عمله وآخر فعله منذ البداية، ويردد هذا الدعاء القرآني بمشاعر مزيجة من الخوف المصحوب بالعشق والمعرفة منذ دخوله في شهر رمضان: «وَقُل رَبِّ اَدخِلنِي مُدخَلَ صِدقٍ وَ اَخرِجنِي مُخرَجَ صِدقٍ وَ اجعَل لِي مِن لَدُنكَ سُلطَاناً نَصِیراً» [الإسراء/80]

سماحة الشيخ علي رضا بناهيان

الأربعاء, 08 أيار 2019 05:44

خمس صفات خاصّة بالمؤمنين

{إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَـوةَ وَممّا رَزَقْنَـهُمْ يَنفِقُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّاً لَّهُمْ دَرَجَتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزقٌ كَريمٌ} سورة الانفال.

الآيات ـ محل البحث ـ تذكر صفات المؤمنين بحق في عبارات موجزة غزيرة المعنى.

فيشير الذكر الحكيم في هذه الآيات إلى خمس صفات بارزة في المؤمنين: ثلاث منها ذات جانب معنوي وروحاني وباطني، واثنتين منها لها جانب عملي وخارجي...

فالثلاث الأُولى عبارة عن «الإحساس بالمسؤولية» و «الإِيمان» و«التوكل».

والإثنتان الأُخريان هما الإِرتباط بالله، والإِرتباط بخلق الله سبحانه.

فتقول الآيات أوّلا: (إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم).

و«الوجل» حالة الخوف التي تنتاب الإِنسان، وهو ناشيءٌ عن أحد أمرين: فقد ينشأ عند إدراك المسؤولية وإحتمال عدم القيام بالوظائف اللازمة التي ينبغي على الإِنسان أداؤها بأكمل وجه امتثالا لأمر الله تعالى.

وقد ينشأ عند إدراك عظمة مقام الله، والتوجه إلى وجوده المطلق الذي لا نهاية له، ومهابته التي لا حدّ لها.

وتوضيح ذلك: قد يتفق للإِنسان أن يمضي لرؤية شخص عظيم هو ـ بحق ـ جدير بالعظمة من جميع الجوانب، فالإِنسان الذي يمضي لرؤيته قد يقع تحت تأثير ذلك المقام وتلك العظمة، بحيث يحس بنوع من الرهبة في داخله ويضطرب قلبه حتى أنّه لو أراد الكلام لتعلثم، وقد ينسى ما أراد أن يقوله، حتى لو كان ذلك الشخص يحب هذا الإِنسان ويحب الآخرين جميعاً ولم يصدر عنه ما يدعو إلى القلق.

فهذا الخوف والإِضطراب أو المهابة مصدرها عظمة ذلك الشخص، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله).

كما نقرأ في آية أُخرى من قوله تعالى: (إنّما يخشى الله من عباده العلماء).

وهكذا فإن العلاقة قائمة بين العلم والخوف أيضاً، وبناءً على ذلك فمن الخطأ أن نعدّ أساس الخوف والخشية عدم أداء الوظائف المطلوبة فحسب.

ثمّ تبيّن الآية الصفة الثّانية للمؤمنين فتقول: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً).

إنّ النمو والتكامل من خصائص جميع الموجودات الحية، فالموجودات الفاقد للنمو والتكامل إمّا أن يكون ميتاً أو في طريقه إلى الموت. والمؤمنون حقّاً لهم إيمان حيّ ينمو غرسه يوماً بعد يوم بسقيه من آيات الله، وتفتح أزهاره وبراعمه، ويؤتي ثماره أكثر فأكثر، فهم ليسوا كالموتى من الجمود وعدم التحرك، ففي كل يوم جديد يكون لهم فكر جديد وتكون صفاتهم مشرقة جديدة...

وهذه الدّرجات مبهمة لم يعين مقدارها وميزانها، وهذا الإِبهام يشير إلى أنّها درجات كريمة عالية.

وللمؤمنين إضافة لدرجاتهم رحمة من الله ومغفرة ورزق كريم.

والحق أنّنا ـ نحن المسلمين ـ الذين ندّعي الإسلام وقد نرى أنفسنا أُولي فضل على الإسلام والقرآن، نتهم القرآن والإِسلام جهلا بأنّهما سبب التأخر والإنحطاط، وتُرى لو أنّنا طبقنا فقط مضامين هذه الآيات محل البحث على أنفسنا و التي تمثل صفات المؤمنين بحق، ولم نتكل على هذا وذاك، وأن نطوي كل يوم مرحلة جديدة من الإِيمان والمعرفة، وأن نحس دائماً بالمسؤولية لتقوية علاقتنا بالله وبعباده فننفق ما رزقنا الله في سبيل تقدم المجتمع، أنكون بمثل ما نحن عليه اليوم؟!

وينبغي ذكر هذا الموضوع أيضاً، وهو أنّ الإِيمان ذو مراحل ودرجات، فقد يكون ضعيفاً في بعض مراحله حتى أنّه لا يبدو منه أي شيء عملي مؤثر، أو يكون ملوّثاً بكثير من السيّئات. إلاّ أنّ الإِيمان المتين الراسخ من المحال أن يكون غير بناءً أو غير مؤثر ومايراه البعض من أن العمل ليس جزءاً من الإِيمان، فلإقتصارهم على أدنى مراحل الإِيمان.

* تفسير الأمثل _ سورة الأنفال/ اية الله مكارم الشيرازي.

التقارير الاستخبارية المزعومة بشأن أنشطة ضد المصالح الأميركية، يستخدمها جون بولتون لإشباع رغبة "إسرائيل" والسعودية والإمارات في جرّ ترامب والبنتاغون إلى التصعيد العسكري، لكن إيران الواثقة من قدرتها على مواجهة العقوبات والتصدّي لأسوأ الاحتمالات في حال حدوثها، لا تتأثر بالتهويل والحرب النفسية.

جون بولتون يستند إلى تقارير استخبارية تزعم بملاحظة خطط أنشطة إيرانية "تجعل واشنطن أن تعتقد بعملية تصعيد إيران لضرب المصالح الأميركية ومصالح حلفائها"، كما يقول. وفي التفصيل تذكر صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن هذه الأنشطة تستهدف القوات والمصالح الأميركية براً وبحراً في العراق، وربما في سوريا. وتستهدف أيضاً القوات الأميركية في الكويت والخليج وباب المندب.

لكن "نيويورك تايمز" التي تنقل الخبر تلاحظ أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلّة ملموسة، وهو ما يطالب به رئيس القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيت ماكينزي، على الرغم من الطلب بتزويده المزيد من الوحدات العسكرية على سبيل الاحتياط بناءً على المعلومات الأولية.

بيان الادعاء بالمعلومات الاستخبارية يصدر عن مكتب بولتون، على غير المألوف في حالات مماثلة يُصدر بياناتها البيت الأبيض والبنتاغون. لكن بولتون يفرض في مزاعمه ما سمّاه القائم بأعمال وزير الدفاع باتريك شانهان "إعادة تمركز للعتاد رداً على مؤشرات بتهديد جاد من قبل إيران"، وهو ما دعا إليه بولتون "كإجراء وقائي لحماية القوات الأميركية والقوات الصديقة من إيران".

في هذا السياق يُعلن بولتون عن توجه حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لنكولن" مع طرادات وقاذفات من منطقة القيادة الوسطى الأميركية في الشرق الأوسط إلى المتوسط والخليج" ويشير إلى أن أميركا لا ترغب بالحرب لكن أي هجوم سيقابل بقوّة شديدة.

معلومات موقع "أكسيوس" الأميركي تفيد بأن التقارير الاستخباراتية هي تقارير إسرائيلية. وفي كل الأحوال من المستبعد أن تكون تحركات بولتون بعيدة عما وصفه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الباءات الثلاثة وهي بنيامين نتانياهو ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد. وهذه الباءات الثلاثة التي يمكن إضافة إليها مايك بومبيو ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس، تعمل مع الفرق التابعة لها على اختلاق الادعاءات المزيفة للضغط على ترامب وعلى البنتاغون للتدخل العسكري وعدم الاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية والاعتداءات السياسية سواء ضد فنزويلا أم ضد إيران. فهذا التوجه يعبر عنه السفير الأميركي في روسيا بقوله "كل حاملة طائرات في مياه المتوسط تعادل 100 ألف طن من الدبلوماسية العالمية" في إشارته إلى حاملة الطائرات الأميركية "هاري ترومان" التي دخلت إلى قبالة الساحل السوري مع 5 سفن حربية قبل أكثر من أسبوعين.

واقع الحال لا يقدّم التهديد الأميركي بحاملة الطائرات، ولا تؤخر في تغيير المعادلات، ولهذا يصفها المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني كيوان خسروي بأنها عملية استعراضية وبأن بولتون لا يفقه العمل العسكري. فإيران قادرة في الظروف الحالية على بيع نفطها ويمكنها الحفاظ على اقتصادها، كما يؤكد ظريف.

وعلى الرغم من كل الضغط الأميركي في العقوبات وتلويح بولتون بالتصعيد العسكري، لا تزال البحرية الأميركية ملتزمة بالتنسيق مع "حرس الثورة" بالدخول إلى مضيق هرمز ولا تدّعي أميركا بأنها ستتدخل بأي شكل من الأشكال لمنع السفن الإيرانية أو المحملة بالنفط الإيراني من عبور المضيق، وفي البحار والمحيطات. فهي تفرض عقوبات على الشركات العالمية وعلى الدول التي تشتري النفط الإيراني، ولم تنصاع الصين وتركيا وبعض الدول الأخرى ووجدت إيران طرقاً رمادية لتسويق النفط.

في المقابل، تحصّن إيران قدراتها على التصدّي إذا تعرّضت لعدوان أميركي، وأنها قادرة على هزيمة أعدائها، بحسب تأكيد قائد حرس الثورة اللواء حسين سلامي، وبحسب ما توعّد به كل من قائد فيلق القدس ومستشار المرشد لشؤون التصنيع العسكري. فهي تسعى إلى منع أي محاولة لإشعال الحرب مع إيران وإشعال المنطقة. لكن إذا حاول بولتون الانتحار فمن المستبعد أن تقدم على إنقاذه على حساب مصالحها واستقرار المنطقة. وفي هذا الأمر لا تأخذ إيران بالحرب النفسية وتزييف بولتون، إنما تنظر بالوقائع إذا حاول ترامب والبنتاغون الانجرار إلى التصعيد ويكون عندها لكل حادث حديث ولكل مقام مقال.

قاسم عز الدين

اكد قائد الثورة الاسلامیة آیة الله السید علي الخامنئي بان الشعب الایراني عرف قیمة الثورة ولم یثق بقوى الاستكبار، معتبرا العزة المتزايدة والتقدم الباهر الذي حققه الشعب الايراني بانهما يعودان للعمل بالقرآن الكريم والثبات والصمود امام الاستكبار.

وفي مراسم لتلاوة القرآن الكریم من قبل عدد من المقرئین مساء امس الاثنين، بحضور قائد الثورة الاسلامیة، اعتبر سماحته ادراك مفاهیم القرآن والعمل بها من الحاجات الاساسیة للبشریة والمجتمع الاسلامي الیوم.

واشار الى تصریح القرآن الكریم على مواجهة الاستكبار والكفر والطواغیت والوقوف امامهم قائلا، ان العزة المتزايدة والتقدم الباهر الذي حققه الشعب الایراني على مدى الاعوام الاربعین الماضیة، یعودان للعمل بالقرآن والصمود الذي یعد السبیل الوحید للتغلب على القوى الشیطانیة والكفار.

واعتبر آیة الله الخامنئي، احدى مشاكل الیوم في العالم الاسلامي بانها تتمثل في عدم معرفة المعارف القرآنیة وعدم العمل بها واضاف، ان الذین یعربدون من موقع رئیس الجمهوریة او الملك في بعض الدول ضد الشعوب الاخرى هم اولئك الذین امر القرآن صراحة بالتصدي لهم واكد بانه لا ینبغي الثقة بهم.

واشار الى حركة الصحوة الاسلامیة وانتفاضات الشعوب في بعض الدول خلال الاعوام الاخیرة وقال، ان هذه الحركات خمدت بسبب عدم معرفة قیمتها والثقة بامیركا والكیان الصهیوني الا ان الشعب الایراني وببركة الامام الراحل الذي كان زاخرا بالمعارف القرآنیة قد عرف قیمة نهضته وثورته ولم یثق بالقوى الاستكباریة منذ الیوم الاول ووقف امامها.

وفی جانب اخر من حدیثه اكد سماحته ضرورة تلاوة القرآن بجودة ومهارة في الجلسات والمحافل مما یترك تاثیره لدى السامعین وفهم مضامینه.

واعتبر قائد الثورة الاسلامیة فهم القرآن بانه یوفر الارضیة لفتح ابواب المعارف المختلفة واشار الى جلسات تلاوة القرآن خلال ایام شهر رمضان المبارك مؤكدا بان مثل هذه الجلسات ینبغي ان تقام في المساجد على مدار العام وان تتحول المساجد الى قواعد قرآنیة.

واوضح سماحته انه الى جانب اقامة جلسات تلاوة القرآن ینبغي اقامة جلسات لتفسیر القرآن ایضا لرفع مستوى المعارف القرآنیة والدینیة في المجتمع واضاف، ان استئناس المجتمع بالمعارف القرآنیة من شانه ان يرسخ بنیة المجتمع في الشؤون والقضایا المتعلقة بالحیاة الدنیویة والاخرویة.

نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية بنودا، قالت إنها من الصفقة المعروفة إعلاميا بـ"صفقة القرن"، والتي تبنتها الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب لحل القضية الفلسطينية.

وقالت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية، إن الوثيقة بدأت بعبارة "هذه هي بنود صفقة العصر المقترحة من الإدارة الأمريكية".

فيما يلي النقاط الرئيسية في الاتفاقية:

-الاتفاق

يتم توقيع اتفاق ثلاثي بين إسرائيل ومنظمة التحرير وحماس وتقام دولة فلسطينية يطلق عليها "فلسطين الجديدة" على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة من دون المستوطنات اليهودية القائمة.

-إخلاء الأرض

الكتل الاستيطانية كما هي تبقى بيد إسرائيل وستنضم إليها المستوطنات المعزولة وتمتد مساحة الكتل الاستيطانية لتصل إلى المستوطنات المعزولة.

-القدس

لن يتم تقسيمها وستكون مشتركة بين إسرائيل وفلسطين الجديدة، وينقل السكان العرب ليصبحوا سكانا في فلسطين الجديدة وليس إسرائيليين- بلدية القدس تكون شاملة ومسؤولة عن جميع أراضي القدس باستثناء التعليم الذي تتولاه فلسطين الجديدة، وفلسطين الجديدة هي التي ستدفع لبلدية القدس اليهودية ضريبة الأرنونا والمياه.

كما أنه لن يسمح لليهود بشراء المنازل العربية، ولن يسمح للعرب بشراء المنازل اليهودية. لن يتم ضم مناطق إضافية إلى القدس. ستبقى الأماكن المقدسة كما هي اليوم.

-غزة

ستقوم مصر بمنح أراض جديدة لفلسطين لغرض إقامة مطار ومصانع وللتبادل التجاري والزراعة، دون السماح للفلسطينيين بالسكن فيها.

حجم الأراضي وثمنها يكون متفقا عليه بين الأطراف بواسطة الدول المؤيدة، ويأتي تعريف الدول المؤيدة لاحقا/ ويشق طريق أوتستراد بين غزة والضفة الغربية ويسمح بإقامة ناقل للمياه المعالجة تحت أراض بين غزة وبين الضفة.

-الدول المؤيدة

الدول التي وافقت أن تساعد في تنفيذ الاتفاق ورعايته اقتصاديا وهي (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج المنتجة للنفط).

ولهذه الغاية يتم رصد مبلغ 30 مليار دولار على مدى خمس سنوات لمشاريع تخص فلسطين الجديدة. ( ثمن ضم المستوطنات لإسرائيل وبينها المستوطنات المعزولة تتكفل بها إسرائيل).

- توزيع المساهمات بين الدول الداعمة

الولايات المتحدة الأمريكية 20٪، الاتحاد الأوروبي 10٪، دول الخليج المنتجة للنفط 70٪، وتتوزع النسب بين الدول العربية حسب إمكانياتها النفطية (وتفسير تحميل دول النفط غالبية تكلفة المشروع أنها هي الرابح الأكبر من الاتفاق).

-الجيش

يمنع على فلسطين الجديدة أن يكون لها جيش والسلاح الوحيد المسموح به هو سلاح الشرطة.

سيتم توقيع اتفاق بين إسرائيل وفلسطين الجديدة على أن تتولى إسرائيل الدفاع عن فلسطين الجديدة من أي عدوان خارجي، بشرط أن تدفع فلسطين الجديدة لإسرائيل ثمن دفاع هذه الحماية ويتم التفاوض بين إسرائيل والدول العربية على قيمة ما سيدفعه العرب للجيش الإسرائيلي ثمنا للحماية.

-الجداول الزمنية ومراحل التنفيذ

عند توقيع الاتفاقية:

تفكك حماس جميع أسلحتها، وتسليحها ويشمل ذلك السلاح الفردي والشخصي لقادة حماس ويتم تسليمه للمصريين.

يأخذ رجال حماس بدلا عن ذلك رواتب شهرية من الدول العربية.

تفتح حدود قطاع غزة للتجارة العالمية من خلال المعابر الإسرائيلية والمصرية وكذلك يفتح سوق غزة مع الضفة الغربية، وكذلك عن طريق البحر.

بعد عام من الاتفاق تقام انتخابات ديمقراطية لحكومة فلسطين الجديدة وسيكون بإمكان كل مواطن فلسطيني الترشح للانتخابات.

بعد مرور عام على الانتخابات يطلق سراح جميع الأسرى تدريجيا لمدة ثلاث سنوات.

في غضون خمس سنوات، سيتم إنشاء ميناء بحري ومطار لفلسطين الجديدة وحتى ذلك الحين يستخدم الفلسطينيون مطارات وموانئ إسرائيل.

الحدود بين فلسطين الجديدة وإسرائيل تبقى مفتوحة أمام مرور المواطنين والبضائع كما هو الحال مع الدول الصديقة.

يقام جسر معلق يرتفع عن سطح الأرض 30 مترا ويربط بين غزة والضفة وتوكل المهمة لشركة من الصين وتشارك في تكلفته الصين 50%، اليابان 10%، كوريا الجنوبية 10%، أستراليا 10%، كندا 10%. أمريكا والاتحاد الأوروبي مع بعضهما 10%.

-غور الأردن

سيظل وادي الأردن في أيدي إسرائيل كما هو اليوم، وسيتحول الطريق 90 إلى طريق من أربعة مسارات، وإسرائيل تشرف على شقه، منها مسلكان يكونان للفلسطينيين ويربطان فلسطين الجديدة مع الأردن ويكون الطريق تحت إشرافهم.

-العقوبات

في حال رفضت حماس ومنظمة التحرير الصفقة، فإن الولايات المتحدة سوف تلغي كل دعمها المالي للفلسطينيين وتعمل جاهدة لمنع أي دولة أخرى من مساعدة الفلسطينيين.

إذا وافقت منظمة التحرير الفلسطينية على شروط هذا الاتفاق ولم توافق حماس أو الجهاد الإسلامي، يتحمل التنظيمان المسؤولية وفي أي مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحماس، ستدعم الولايات المتحدة إسرائيل لإلحاق الأذى شخصيا بقادة حماس والجهاد الإسلامي، حيث أن أمريكا لن تتقبل أن يتحكم عشرات فقط بمصير ملايين البشر.

في حال رفضت إسرائيل الصفقة، فإن الدعم الاقتصادي لإسرائيل سوف يتوقف.

أعلن المجلس العسكري الانتقالي في السودان اتفاقه مع "قوى إعلان الحرية والتغيير" بخصوص الهيكل العام للحكم في الفترة الانتقالية، مفيدا بإدخال بعض التعديلات في هذه الرؤية.

وقال المتحدث باسم المجلس، شمس الدين الكباشي، خلال مؤتمر صحفي عقده اليوم الثلاثاء: "نثمن وثيقة رؤية قوى إعلان الحرية والتغيير. إنها مثلت إرادة للوصول إلى مخرج آمن للأزمة".

وأضاف الكباشي: "هناك الكثير من النقاط التي نلتقي فيها مع وثيقة قوى إعلان الحرية والتغيير. نتفق معها على الهيكل العام لنظام الحكم في المرحلة الانتقالية".

وأشار الكباشي إلى أن هناك أيضا "نقاطا عليها ملاحظات"، موضحا أن المجلس العسكري أدخل بعض التعديلات على البنود التي اختلف حولها مع رؤية "إعلان قوى الحرية والتغيير".

وبين المسؤول، في تطرقه إلى هذه الاختلافات، أن وثيقة "قوى إعلان الحرية والتغيير" أغفلت مصادر التشريع في البلاد، فيما يصر المجلس على ضرورة أن تكون الشريعة الإسلامية والأعراف مصدرا له.

كما أضاف أن الوثيقة الدستورية تقترح أن تمتد الفترة الانتقالية 4 سنوات، بينما يعتقد المجلس العسكري أنها يجب أن تكون سنتين فقط.

ولفت إلى أن المجلس يتحفظ على تسمية الولايات السودانية في الوثيقة بـ "الأقاليم"، وذكر أن هذه الرؤية أغفلت الإشارة إلى دساتيرها.

ونوه المسؤول إلى أن وثيقة المعارضة منحت قرار إعلان حالة الطوارئ لمجلس الوزراء بدل السلطة السيادية، مضيفا أن المجلس العسكري تحفظ على إخضاع هذه الرؤية للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة السياسية.

وأكد الكباشي رفض أن يخضع الجيش والأمن للمجالس السيادية، وأشار كذلك إلى أن وثيقة قوى إعلان الحرية أغفلت ذكر بقية القوى السودانية المشاركة في هذه الفترة بما في ذلك المجلس العسكري.

وأردف الكباشي أن الوثيقة أغفلت تحديد أجل نهاية المجلس التشريعي وهي نهاية الفترة الانتقالية.

وتابع بالقول: "نثق في أن ردنا على الوثيقة ستقبله قوى إعلان الحرية والتغيير بروح الشراكة والوطنية. نعتقد أن جلسة التفاوض القادمة مع قوى الحرية والتغيير ستصل إلى حل الخلافات".

وأوضح الكباشي أن وثيقة المعارضة ستكون صالحة إذا تم تعديلها وفقا للملاحظات التي طرحناها.

وشدد المتحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي على أن هناك خيارا لإجراء انتخابات مبكرة في البلاد، في غضون 6 أشهر، حال عدم التوصل إلى أي اتفاق بين الجانبين. 

ويمر السودان بفترة تغييرات ملموسة في نظام السلطة عقب عزل الجيش السوداني، يوم 11 أبريل، عمر البشير من الرئاسة، بعد 3 عقود من حكمه، على وقع احتجاجات شعبية واسعة متواصلة منذ نهاية العام الماضي، قتل خلالها نحو 90 شخصا.

وشكل الجيش بعد الإطاحة بالبشير ما سمي بالمجلس العسكري الانتقالي لإدارة السلطة مؤقتا في البلاد، ولا تزال طبيعة الجهة التي ستقود المرحلة الانتقالية بعد عزل البشير نقطة الخلاف الرئيسة، بين القادة العسكريين والقوى المدنية والسياسية المنظمة للاحتجاجات.

ويوم الخميس الماضي، سلمت "قوى الحرية والتغيير"، التي تعتبر قائدة لاحتجاجات السودان، المجلس العسكري الانتقالي، وثيقة دستورية لطريقة الحكم خلال الفترة الانتقالية.

الأربعاء, 08 أيار 2019 05:37

الدعاء في شهر رمضان المبارك

يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[1].

ذكر الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان قدس الله روحه: إن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الصوم فيما تقدم من الآيات عقبه بذكر الدعاء باعتباره أحد وسائل الارتباط بين العبد والمعبود، فمجيء هذه الآية في سياق الحديث عن الصوم يعطيه مفهوماً جديداً إذ أن الدعاء والتقرب إلى الله روح كل عبادة وبالأخص الصوم.

ومما يؤيد ذلك، ما ورد في خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله) بهذا الصدد، ذكرها الصدوق بسنده عن زيد بن علي (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لما حضر شهر رمضان، قام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس كفاكم الله عدوكم من الجن والانس وقال ادعوني استجب لكم ووعدكم الإجابة، ألا وقد وكل الله بكل شيطان مريد سبعة من ملائكته فليس بمحلول حتى ينقضى شهركم، ألا وأبواب السماء مفتحة من أول ليلة منه، ألا والدعاء فيه مقبول [2].

وكان سبب نزول هذه الآية كما في كتاب أسباب النزول للسيوطي: إن رجلاً سأل النبي (صلى الله عليه وآله)، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية.

وذكر المفسرون عدة معان، منها أن الله لا يخلو منه مكان، بل هو في كل مكان، إذ لو كان في مكان معين لما كان قريباً لكل من يدعوه، فقوله تعالى: ﴿فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ أي أنه أقرب مما تتصورون، أقرب منكم إليكم.

وللدعاء في هذه الآية التي مرت عدة معان أهمها ثلاثة:
الأول:
يراد بالدعاء الطلب وهو موضوع الآية.
المعنى الثاني: يراد بالدعاء العبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾[3] أراد بالدعاء هنا العبادة.
الثالث: مضافاً إلى ما تقدم، يراد به التوجيه للعمل والحركة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، والوتر بحركته يدفع السهم نحو الهدف.

ومن ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وآله) دخل المسجد ضحى يوم، فرأى رجلاً من الأنصار يدعى أبو أمامة، رآه جالساً وهو كئيب، فاستنكر النبي (صلى الله عليه وآله) عليه الجلوس وقت العمل لطلب الرزق.
فقال: يا رسول الله! لقد أصبحت وللناس علي دين عجزت عن أدائه، وأخجل من مواجهتهم.
فقال (صلى الله عليه وآله): ألا أعلمك شيئاً إن عملته تخرج من محنتك هذه؟
فقال: بلى يا رسول الله.
فقال (صلى الله عليه وآله): أن تقول بعد كل صلاة: (اللهم إني أعوذ لك من العجز والكسل، وأعوذ لك من الهم، وأعوذ بك من البخل والجبن وأعوذ بك من كثرة الدين وغلبة الرجال)، فالنبي بهذا الدعاء أراد أن يدفع أبو أمامة إلى العمل والحركة، وأن لا يكون مغموماً في الحياة وعاجزاً عن العمل.
قال أبو أمامة: فعملت بها فانقضى ديني وحسن حالي.

الخلاصة: الدعاء من جهة هو أمر ضروري وينبغي للمؤمن أن لا يهجره لما فيه حينئذ من هجران لأحد أهم وسائل التواصل معه تعالى واستقبال فيضه، ومن جهة ثانية، تتأكد أهمية وثمرة الدعاء في شهر رمضان المبارك لكونه الشهر الذي تفتح فيه أبواب السماء، ويغمر الله الإنسان فيه بالرحمة والمنح والبركات..

فخاسر حقاً، من يدخل إلى حريم هذا الشهر ولا يجعل له حظاً مهماً من الدعاء..
 
في ظلال شهر رمضان - بتصرّف

[1]  البقرة: 186
[2]  ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص 59.
[3] غافر:

الأربعاء, 08 أيار 2019 05:35

الحكمة من الصيام

لماذا نصوم؟ إنّه سؤال قد تتنوّع فيه الإجابات:

1- الصحة: فقد يجيب من يعتني بأمور الطبّ والصحة الجسديّة بالحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله «صوموا تصحّوا»[1].

2- الشعور بالفقراء: وقد يجيب من يهتمّ بأمور المجتمع والفقراء بالحديث الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام : «إنّما فرض الله عزّ وجل الصيام؛ ليستوي به الغنيّ والفقير؛ وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير؛ لأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عزّ وجل أن يسوّي بين خلقه، وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم؛ ليرقّ على الضعيف، فيرحم الجائع»[2].

3- الصبر: وقد يجيب من يولي الأولوية لأمور التربية النفسية بتفسير قوله تعالى: ﴿اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾[3] بكون المراد من الصبر في الآية هو الصوم[4]، فيؤكّد على ما ينتج من الصوم من تقوية إرادة الصبر في الإنسان على المستوى الفردي، كما أشار إلى ذلك الإمام الرضا عليه السلام :«... وليكون الصائم خاشعاً ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً عارفاً صابراً لما أصابه من الجوع والعطش»[5]، بل قد يعمِّم ذلك إلى صبر المجتمع كما في قول الإمام الخميني ﴾ حينما علّق على الحصار الاقتصادي على الجمهورية الإسلامية: «نحن قوم اعتدنا أن نصوم في السنة شهراً، ونحن مستعدون أن نصوم كلّ السنة، ولا نخضع لإرادة أعداء الله».

4- إذهاب الكِبر والتذلٌّل لله: وقد يجيب من يلتفت إلى خُلُقيّات الإنسان بحديث أمير المؤمنين عليه السلام : «وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات، تسكيناً لأطرافهم، وتخشيعاً لأبصارهم، وتذليلاً لنفوسهم، وتخفيضاً لقلوبهم، وإذهاباً للخُيلاء عنهم. ولما في ذلك من تعفيرِ عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً، ولُحُوق البطون بالمتون من الصيام تذلُّلاً[26].

5- التحرّر من سيطرة الشهوات: وقد يجيب من يتعمّق بالأخلاق الباطنية التي تتعزّز من خلال سيطرة العقل على قوى الشهوة والغضب والوهم بحديث الإمام الرضا عليه السلام في بيان فلسفة الصوم «... مع ما فيه من الانكسار عن الشهوات»[7]، فالصوم يعرِّف الإنسان على قدرته على السيطرة على شهواته لينظمها بدل أن تجرفه إلى حيث تميل هي.

6- تثبيت الإخلاص: وقد يجيب من تجذبه العلاقة الخالصة مع الله تعالى بحديث السيدة الزهراء عليها السلام : «فرض ... الصيام تثبيتاً للإخلاص»[8].
فالصوم هو إمساك عن المفطرات بنيَّة، فلا يتحقّق بمجرّد الإمساك، بل لا بدّ أن يتقرّب باطنيّاً إلى الله تعالى، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله الوارد عنه «الصوم عبادة بين العبد وخالقه، لا يطّلع عليها غيره، وكذلك لا يُجازي عنها غيره»[9]، إضافة إلى أنَّ الإنسان يمكن له أن يتظاهر بالصوم، ويتناول الطعام والشراب، إلا أنّه حينما لا يفعل ذلك، فلأنّه يشعر بمراقبة الله تعالى له، وبالتالي فهو يعلِّم الإنسان، ويدرّبه على الإخلاص لله تعالى.

7- تذكّر الآخرة: وقد يجيب من يقدّم الآخرة في تفكيره ومسلكه بأنّ الصوم هو لتذكير الإنسان بالآخرة معتمداً على ما ورد من حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله : «واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه»[10].

الحكمة والعلّة
إنّ العناوين المتقدّمة كلّها تصبّ في خانة الحكمة من الصوم، وقلت: الحكمة؛ لأنّ هناك فرقاً بين العلة والحكمة، فإنّ العلّة هي التي لأجلها شرَّع الله الصيام، بحيث يدور تشريع الصيام في رحاها، فإنْ وجدت يشرَّع الصيام، وإنْ لم توجد لا يحصل تشريع، وهذا ما لا يمكن للإنسان أن يتعرّف عليه، لا سيّما في أمور العبادات إلّا إذا ورد نصٌّ واضح في بيان العلّة الحقيقية من التشريع، فطالما لم يصل إلينا مثل هذا النص، فإنّنا لا بدّ لنا من الانتقال من الحديث عن العلّة إلى الحديث عمّا يقاربها من فلسفة للحكم من دون الالتزام بكون ذلك هو العلّة الحقيقية، وهذا ما يصطلح عليه بالحكمة.

بناءً عليه فإنّ ما تقدّم من أجوبة هو من نوع الحكمة من تشريع الصوم، والتي تتصدّرها الحكمة الواردة في القرآن الكريم، ألا وهي:

8- التقوى: يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾[11].

والتقوى التي يراد الصوم لأجل تحقيقها في الإنسان نسبها القرآن الكريم وأضافها إلى قلب الإنسان كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[12].

والقلب سمِّي قلباً؛ لأنّه يتقلَّب، وهذا ما يفهمنا معنى تقوى القلب؛ فإنّها تحصين القلب من التقلُّب، وحمايته منه، يقال في المثل المشهور: «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، فالتقوى تعني أن يكون الإنسان محميّاً ومحصّناً ومنيعاً من التقلُّب السلبيّ الذي يكون بارتكاب المحرّمات، من هنا عرَّف الإمام الصادق عليه السلام التقوى بقوله الوارد عنه: «أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك»[13].

وهذه الخصلة الحميدة تحصل حينما تقوى إرادة الإنسان، ويسيطر عقله على شهواته وسائر قواه الباطنية.

كيف نصل إلى التقوى بالصوم؟
إنّ الوصول إلى التقوى والمنعة والإرادة التي يتغلّب فيها سلطان العقل على باقي قوى النفس يحتاج إلى أمور:

الأول: البناء المعرفي
وهو يبدأ من تعزيز الاعتقاد بالله تعالى وصفاته، وأنّه حكيم، قد شرّع التشريعات باعتبارها قوانين العبور في طريق كمالنا، سواء فهمنا خلفيّتها أو لم نفهمها، فحالنا مع تلك التشريعات قريبة من حال الطفل الذي يوقظه والداه للذهاب إلى المدرسة، وهي مصلحة له في مستقبله، لكنّ هذا الطفل قد يشعر بالانزعاج من هذا الإلزام، وكذا حينما ينهيانه عن طعام يضرُّ بصحته لكون الطبيب قد منعه عنه لما يسبّبه من خطر في صحته، لكنّ الطفل قد ينزعج من هذا النهي.

ويستمر البناء المعرفي حينما يعزّز الإنسان اعتقاده بالحياة في الآخرة، وأنّها هي الحياة الحقيقية التي تستحقّ وصفها بالحياة، وأنّ الدنيا هي محطة عبور إلى تلك الحياة، يتخلّلها الكثير من الموهمات بكونها كمالات، وهي ليست كمالات.

ومن لطيف ما ورد حول هذا الأمر أنّ أحدهم تنفَّس الصعداء أمام أمير المؤمنين عليه السلام فقال له عليه السلام : «يا جابر، على ما تنفّسك؟ أعلى الدنيا؟ فقال جابر: نعم، فقال له: يا جابر، ملاذّ الدنيا سبع: المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمركوب والمشموم والمسموع ، فألذّ المأكولات العسل، وهو بصق من ذبابة، وأحلى المشروبات الماء، وكفى بإباحته وسباحته على وجه الأرض، وأعلى الملبوسات الديباج، وهو من لعاب دودة، وأعلى المنكوحات النساء، وهو مبال في مبال، ومثال لمثال، وإنما يراد أحسن ما في المرأة لأقبح ما فيها، وأعلى المركوبات الخيل، وهو قواتل، وأجلّ المشمومات المسك وهو دم من سرة دابة، وأجلّ المسموعات الغناء والترنّم وهو إثم، ما هذه صفته لم يتنفس عليه عاقل»[14].

الثاني: البناء العملي
إنّ الكثير قد يصل إلى اعتقاد نظريّ بما سبق، إلا أنّ اعتقاده هذا لا يؤثِّر في سلوكه، بل قد يسلك سلوكاً منافياً لذلك الاعتقاد.

ويكون حاله كحال الذي أيقن أنّ الإنسان الميت لا يضرّ أصلاً، ولكن حينما يقال له: اقترب، ونمْ إلى جانبه، فإنّه يخاف من ذلك.

وهنا يُطرح سؤال مهمّ: كيف يتحوَّل الاعتقاد النظريّ إلى دافع حقيقيّ نحو السلوك الملائم؟

والجواب أنّه لا بدّ من إضافة شيء إلى المعرفة والاعتقاد، ألا وهو الدخول في تدريب عمليّ بكسر الحواجز النفسيّة الموهومة وهذا ما يحصل فعلاً في حالات دنيوية عديدة، فإنّنا نرى من يدرس الطبّ، قد يتفاعل سلباً حينما يرى جثّة في مكان التشريح، ولكن عند تكرار المشهد، والتدرُّب على الأمور يصل الطالب في النهاية إلى مستوى يشرِّح الجثة بالسكين بدون أيّة مبالاة منه.

إذاً التحوُّل إلى الوضع الموائم بين الاعتقاد والسلوك يحتاج إلى عمل إضافة إلى الاعتقاد.

وهذا ما انتهجه الدين لإيصال الإنسان إلى كماله، فهو لم يقتصر في توجيهاته على الدعوة إلى التفكّر والبحث الذي يفضي إلى الاعتقاد العقلي، بل دعت إلى أعمال وممارسات لها أثرها في تحوّل ذلك الاعتقاد إلى سلوك.

الصلاة: من هنا أمرت الشريعة بالصلاة التي فيها قيام وركوع وسجود تمثل حالة التذلّل أمام الله على المستوى العملي.

الحج: وكذا أمرت الشريعة بالحجّ الذي هو مخيَّم تدريبيّ لتربية النفس وتعويدها على التواضع والتذلّل لله تعالى، والتسليم له في كلّ ما يريده، وذلك من خلال مسار عمليّ يبتدئ بخلع لباس الدنيا الذي اعتاد عليه الإنسان، ولبس ثوب هو أشبه بالكفن بحيث لا يتميّز فيه غنيّ من فقير فالزينة ممنوعة، ولا رئيس من مرؤوس فالتيجان محرّمة، ولا عالم من جاهل فالعمائم منهيّ عنها.

بهذا اللباس يسير الإنسان طائفاً حول بيت من أحجار، ساعياً بين صخرتين كبيرتين، صاعداً إلى جبل، هابطاً إلى وادٍ، راجماً كتلة أحجار أخرى. كلّ ذلك ليضيف الإنسان إلى اعتقاده بوجوب التسليم تسليماً عملياً لأمر الله تعالى.

الصوم: وفي إطار نفس الهدف شرّع الله تعالى الصيام في مخيَّم زماني هو شهر رمضان ليكون مدرسة عمليّة في تحقيق التقوى والمنعة والحصانة من خلال اكتشاف الإنسان لإرادته التي يتعرّف عملياً في الصوم على أنّها قادرة على لجم شهواته، وهذا مما يساهم في تحقيق التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[15]».

الثالث: البناء الروحي
وتتعزّز التقوى حينما يتفاعل المؤمن مع عبادة الصوم تفاعلاً قلبياً وروحياً ينتج منه عشقاً لهذه العبادة التي تقرِّب من المعشوق الحقيقي؛ ليكون بذلك أفضل الناس بتعبير الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الذي ورد أنّه قال: «أفضل الناس من عشق العبادة، فعانقها، وأحبَّها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرّغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر»[16].

ولعلّ عشق العبادة التي منها الصيام يتبيَّن حينما نتعرف على معنى العشق في اللغة، فإنّ كلمة العشق مأخوذة من نبتةٍ تسمّى «عشقة» تلصق نفسها بشجرة تعيش عليها، ولا تتركها حتى تذبل الشجرة فيقال لها: أصابتها عشقة.

وهذا العشق للصيام يوصل الإنسان إلى القرب الإلهيّ الذي يبيّن الله تعالى مرتبته بقوله في الحديث القدسي الوارد: «الصوم لي وأنا أجزي به»[17]، فلم يكتف تعالى بالقول «الصوم لي» بل قال «وأنا أجزي به» فقدَّم ضمير المتكلم «أنا» على الفعل ولم يقل «وأجزي به»، ليبين المرتبة العليا لمن سار في طريق عشق الصيام عشقاً لكاتبه على الذين آمنوا ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[18].

* كتاب شهر الله، سماحة الشيخ أكرم بركات.

[1] المصدر السابق، ج59، ص267.
[2] الصدوق محمّد بن علي، من لا يحضره الفقيه، (لا،ط)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، (لا،ت)، ج2، 73.
[3] سورة البقرة، الآية 153.
[4] الراوندي، فقه القرآن، تحقيق السيد أحمد الحسيني، ط2، مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي، 1405هـ، ج1، ص174.
[5] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج93، ص370.
[6] المصدر السابق، ج14، ص471.
[7] المصدر السابق، ج93، ص370.
[8] الصدوق محمّد بن علي، علل الشرائع، تحقيق محمّد صادق بحر العلوم، (لا، ط)، النجف، المكتبة الحيدرية، 1385 هـ، ص 248.
[9] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، (لا،ط)، مؤسسة إسماعيليان، (لا،ت)، ج20، ص296.
[10] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج93، ص357.
[11] سورة البقرة، الآية 183.
[12] سورة الحج، الآية32.
[13] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج67، ص285.
[14] المصدر السابق، ج75، ص11.
[15] سورة البقرة، الآية 183.
[16] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج67، ص253.
[17] المصدر السابق، ج29، ص259.
[18] سورة البقرة، الآية: 187.

 

الأربعاء, 08 أيار 2019 05:29

أخلاق الصائم وآدابه

بسم الله الرحمن الرحيم

وصية النبي للصائم

ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) في خطبته الخالدة، ووصيّته إلى الصائمين في استقبال شهر رمضان أنّه قال: "... أيّها الناس من حَسَّن منكم في هذا الشهر خُلُقَهُ، كان له جواز على الصراط يوم تزلُّ فيه الأقدام... ومن كفَّ فيه شرَّه، كفَّ الله عنه غضبه يوم يلقاه".

من التقاليد والأعراف الشائعة عند البعض في أيّام الصيام أن تصبح أخلاقهم وطباعهم مرهونة بما يعانونه خلال النهار من ألم الجوع والعطش، فإذا اقتربت من أحدهم يبادرك بالقول "إنّي صائم" وذلك تعبيراً عن الحالة التي يعانيها والتي تجعل منه إنساناً متوتّر الأعصاب، فظّاً، غليظاً، لا يستطيع أن يضبط إنفعالاته أمام تأثير الحالات السلبية التي قد تواجهه.

ومنشأ ذلك هو الإحساس بالجوع والعطش الذي يولّد لدى الإنسان حالة الفوضى والعصبية.

ولمثل هؤلاء الناس كان الصيام، ولمثل هؤلاء نقول: إنّ شهر رمضان الذي جعله الله سبحانه وتعالى مدرسة يدخل إليها الطالب في أوّله ليخرج منها في آخره وقد حصل على الدرجات الرفيعة، والعلامة القصوى نتيجة لتطبيقه لشروط الصوم وأحكامه الظاهرة والباطنة.

ولأجل الحصول على الدرجات الرفيعة التي تجعلنا من الفائزين في هذا الشهر الكريم، ها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطينا الإشارة والعلامة للسير في الدرب الموصل إلى النجاح، إنّه يخاطبنا جميعاً ويقول لنا: أيّها الصائمون الكرام إلتفتوا إلى أخلاقكم وطباعكم، فإنّ حُسْنَ الخُلق في هذا الشهر والسعي للتحلّي بالأخلاق الفاضلة والمعاشرة الطيبة تؤدّي بكم إلى الجواز على الصراط في الوقت الذي تزلُّ فيه الأقدام، وإن أردتم وشئتم المزيد فما عليكم إلّا أن تزيّنوا الجوع والعطش بالكفّ عن الأذى، وضبط النفس إزاء ما يثير الغضب، فإنّ ذلك يدل على سمّو النفس وكرم الأخلاق.

وقد دعانا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى الحلم وكظم الغيظ دائماً وباستمرار وفي كلّ الحالات إذ قال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾1.

فالأخلاق هي التعبير الظاهري عن الصورة الباطنة للإنسان والتي يمكن أن تظهر للآخرين بأشكالٍ مختلفة على جوارحه الظاهرة للناس.

الأخلاق زينة الصائمين
عرّف علماء الأخلاق الإسلامية بأنّها مجموعة الأقوال والأفعال التي يجب أن تقوم على أصول وقواعد وفضائل وآداب مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالعقيدة والشريعة الإسلامية من خلال القرآن الكريم وسنّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار عليهم السلام.

فالأخلاق في الإسلام ليست جزءاً من الدين بل هي جوهره وروحه وعلى هذا الأساس قامت توجيهات النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهم السلام لتؤكّد على هذه الحقيقة الكبرى التي ينطوي عليها الإسلام وللتأكيد على أنّ القيم الدينية جوهرها وروحها حُسْنُ الخُلق.

فكلّ تشريع في الإسلام وواجب فرضه الله تعالى أساسه وعماده الأخلاق، فكيف بالصوم الذي يُزيّنه حُسْنُ الخُلق من الصائم!

وكفى بحُسن الخُلق شرفاً وفضلاً، أنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث رسله وأنبياءه إلى الناس إلّا بعد أن حلّاهم بهذه الخصلة الحميدة، والسّجية الكريمة، وزانهم بها، فهي رمز فضائلهم، وعنوان شخصياتهم.

وعلى هذا النسق جاءت التوجيهات إلى بني البشر، فعن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال فيما رواه الشيخ الصدوق في كتابه من لا يحضره الفقيه "إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم".

وعنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال يوماً للإمام علي (عليه السلام):
ألا أُخبرك بأشبهكم بي خُلقاً؟
قال: بلى يا رسول الله.
قال: أحسنُكم خُلقاً، وأعظمكم حلماً، وأبرّكم بقرابته، وأشدّكم من نفسه إنصافاً"2.

وعن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "لو كنّا لا نرجو جنّة ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقاباً لكان ينبغي لنا أن نطالب بمكارم الأخلاق فإنّها ممّا تدلُّ على سُبل النجاح".

وإنّ من أهم الفضائل والخصال والآداب التي ينبغي أن يتحلّى بها الصائمون في هذا الشهر الكريم الأخلاق الحميدة، فهي الزينة التي يتزيّن بها جوعهم وعطشهم، وهي التعبير الواضح والصريح على حُسن صيامهم، ودليلاً على مرضاتهم ورضاهم بأوامر الله تعالى.

فصوم القلب كما ورد في الحديث خير من صيام اللسان، وصيام اللسان خير من صيام البطن.

وصوم الجسد هو الإمساك عن الأغذية بإرادة واختيار خوفاً من العقاب، ورغبة في الثواب والأجر، ولكنّ صوم النفس له بُعْدُهُ الآخر حيث هو إمساك الحواس الخمس عن سائر المآثم، وخلوّ القلب من جميع أسباب الشرّ.

فقد يقدر كلّ إنسان على صيام الجسد، ولكن ليس كلّ إنسان قادر على صيام النفس، إذ أنّ عملية التحكّم بالطبائع والأخلاق ليست إلّا من صنع الأولياء والصلحاء. ولأنّ كلّ إنسان قادر على إصلاح نفسه وتهذيب أخلاقه، باعتبار أن الخُلق يمكن تبديله وتغييره إلى الأفضل والأحسن ولولا ذلك لما اجتهد الأنبياء والأولياء في الدعوة إلى مكارم الأخلاق.

ولأنّ النفس الإنسانية تحتاج إلى التأديب والتهذيب والترغيب والترهيب، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾3.

وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾4.

لأجل ذلك وضع الله سبحانه وتعالى لعباده المناهج والطرق التي تكفل لهم الوصول إلى القمم في هذا المجال، فكان الصوم عبادة وفريضة تكفل للإنسان التحلّي بالقيم الأخلاقية، كيف لا وقد جعل سبحانه وتعالى العلّة والغاية منه الوصول إلى "التقوى".

النبي (صلى الله عليه وآله) القدوة
لقد كان سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه المثل الأعلى في حُسن الخُلق، وغيره من كرائم الفضائل والصفات، حتّى أنّه استطاع بأخلاقه المثالية العالية أن يملك العقول والقلوب، واستحقّ بذلك ثناء الله تعالى عليه بقوله عزّ من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾5.

يقول أمير المؤمنين وأكثر العارفين بسيّد الأنبياء والمرسلين، وهو يصوّر لنا أخلاق رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله): "كان أجود الناس كفّاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجةً، وأوفاهم ذمّةً، وألينهم عريكةً، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه فعرفه أحبّه، لم أرَ مثله قبله ولا بعده"6.

وحسبنا أن نذكر ما أصابه من قريش، فقد تألبّت عليه، وجرّعته ألوان الغصص، حتّى اضطرّته إلى مغادرة أهله وبلاده، فلمّا نصره الله عليهم، وأظفره بهم، لم يشكّوا أنّه سيثأر منهم، وينكل بهم، فما زاد أن قال لهم:
ماذا تقولون إنّي فاعل بكم؟!
قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخٍ كريم.
فقال: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، إذهبوا فأنتم الطلقاء.

وهكذا كان الأئمّة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام في مكارم أخلاقهم، وسموّ آدابهم.

وقد حمل إلينا الرواة صوراً رائعة ودروساً خالدة من سيرتهم المثالية، وأخلاقهم الفذّة.

فقد روت لنا صفحات التاريخ المواقف الخالدة التي تحكي لنا أخلاق الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وسيرته في الحلم والصفح ومعالي الأخلاق.

فعندما ظفر بعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وهم ألدّ أعدائه والمؤلبين عليه، عفا عنهم، ولم يتعقّبهم بسوء.

وظفر بعمرو بن العاص وهو أخطر عليه من جيش ذي عدّة، فأعرض عنه، وتركه ينجو بحياته حين كشف عن سوأته إتقاءً لضربته.

وحال جند معاوية بينه وبين الماء في معركة صفين، وهم يقولون له: ولا قطرة حتّى تموت عطشاً، فلمّا حمل عليهم، وأجلاهم عنه، سوّغ لهم أن يشربوا منه كما يشرب جنده7.
ولقد أجاد الشاعر الفرزدق في تصوير أخلاق أهل البيت عليهم السلام عندما قال:
من معشرٍ حبهم دين وبغضهم ** كفر وقربهم منجىّ ومعتصم
إن عُدْ أهل التقى كانوا أئمّتهم ** أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

بهذه المعاني والقيم الأخلاقية السامية التي تحلّى بها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين يستطيع الإنسان أن يحدّد معالم ومعاني الصوم الحقيقي، ويجسّدها عملاً وفعلاً في سلوكياته وعلاقاته مع الآخرين.

وبهذا يكون من السائرين في الطريق السليم لتحقيق المعنى الحقيقي للصوم.

فأيّ نفع لصوم مقرون بالغيبة والنميمة واللسان البذيء.

وأي صوم يستطيع الصائم أن يقول بأنّه صوم لله وصاحبه لا يعرف من الإسلام وقيمه وتعاليمه إلّا الإمساك عن الطعام والشراب، وهو بعيد كلّ البعد عن أخلاق النبي (صلى الله عليه وآله) وآدابه.

آداب الصائم
للصوم والصائمين أهمية خاصّة، وقيمة سامية في سماء التشريع الإسلامي، وما دام الإنسان صائماً فهو مجلّل ومكلّل بوسام المجد والشرف، لأنّه مورد عناية الله سبحانه وتعالى، إذ أنّه ناداه فلبّى النداء. ولهذا شرّف الله الصائمين وكرّمهم وأعطاهم من فضله وعنايته ورحمته.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله متقبّل، ودعاؤه مستجاب.."8.

وعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "إنّ الله وكلّ ملائكةً بالدعاء للصائمين"9.

وعنه صلوات الله وسلامه عليه أنّه قال: "إنّ للجنّة باباً يدعى الريّان لا يدخل منه إلّا الصائمون"10.

فإذا كنت أيّها الصائم قد حصلت على هذه المزايا والعطايا الربّانية التي أنعم الله بها عليك لمجرّد أنّك أطعته في هذه الفريضة.

فتعالى معنا لنرتقي سويّاً علّنا نزداد ونحصل على المزيد من هذه العطايا، وذلك من خلال العمل على التأدّب بأدب الصوم الذي يحبّ الله تعالى لعباده أن يتحلّوا به في هذا الشهر الكريم.

وها نحن نضع بين يديك أخي القارئ وأختي القارئة جملة من الآداب المهمّة التي ينبغي أن نكون عليها في شهر الصوم، على ضوء ما ورد في الروايات الشريفة:

أوّلاً: إستقبال شهر رمضان عن طريق التوبّة والعودة إلى الله، والإقلاع عن المحرّمات، فإنّ الله يحبّ التوابين والمستغفرين خصوصاً في هذا الشهر.
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:
"إذا تاب العبد توبةً نصوحاً، أحبّه الله تعالى فستر عليه في الدنيا والآخرة.
قال الراوي: وكيف يستر عليه؟
قال: ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ثمّ يوحي الله إلى جوارحه أكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض أكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله تعالى حين يلقاه، وليس شيء يشهد عليه بشيءٍ من الذنوب"11.

ثانياً: تسخير جميع أعضاء الجسم في طاعة الله وإبعادها عن المعاصي وارتكاب الآثام والذنوب، فكما أنّ الطعام والشراب يفطران الصائم، كذلك فإنّ أيّة معصية قد تعرّض عبادتك وصومك للفساد والهلاك.
فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك، وجميع جوارحك عن المحرّمات بل عن المكروهات أيضاً.

ثالثاً: التوجّه نحو العبادة، والعزم على مزاولة المستحبات والإبتعاد عن المكروهات، والإكثار من تلاوة القرآن والأدعية والإستغفار. فقد روي أنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان إذا دخل شهر رمضان لا يتكلّم إلّا بالدعاء والتسبيح والإستغفار والتكبير.
ويكفيك أيّها الصائم أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بشّرك في مطلع هذا الشهر بأنّ الله سبحانه وتعالى قد أقسم بعزّته أن لا يعذّب المصلّين والساجدين، وأن لا يروّعهم بالنار يوم القيامة.
وأنّ من تطوّع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أدى فيه فرضاً، كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور...

رابعاً: تجنّب لغو الحديث، ومجالس الفحش والسوء، وأماكن الغيبة والنميمة، وترك الخصومة والمنازعة والمشاجرة مع الناس، فإن وصيّة نبيّك إليك في هذا الشهر ونصيحته التي يسدّده إليك هي قوله (صلى الله عليه وآله):
"ما من عبدٍ يصبح صائماً فيشتم، فيقول: إنّي صائم، سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني، إلّا قال الربّ تبارك وتعالى: إستجار عبدي من شرّ عبدي فأجيروه من ناري وأدخلوه جنّتي".

خامساً: التقرّب إلى الله في هذا الشهر بالتصدّق على الفقراء والمساكين، ومساعدة المحتاجين، ففي الحديث الشريف:
"فطرك أخاك الصائم أفضل من صيامك"12.
وفي خطبة النبي (صلى الله عليه وآله):
"أن من أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه".

سادساً: صلة الرحم في هذا الشهر الكريم، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجّه عنايته نحو هذا الأمر الخطير، وأرشدك إلى أن من وصل رحمه في شهر رمضان، وصله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه، قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه.

سابعاً: أيّاك وأن تغفل في أيّام وليالي هذا الشهر الكريم عن مراجعة الذات، ومحاسبة النفس، فإنّ هذا من أهم الأعمال فيه، فضلاً عن أنّ ذلك مطلوب من الإنسان في كلّ يوم "ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنة إستزاد الله تعالى، وإن عمل سيئة إستغفر الله تعالى منها وتاب إليه".

فعليك أخي الصائم أن تلتفت وتتبصّر كيف تقضي هذا الشهر ليلك ونهارك، وكيف تصون جوارحك وأعضاءك عن المعاصي والذنوب.

والحمد لله رب العالمين

1- سورة فصّلت، الآيتان 34 – 35.
2- البحار، ج 77.
3- سورة يوسف، الآية 53.
4- سورة الشمس، الآيات 7 – 10.
5- سورة القلم، الآية 4.
6- سفينة البحار، القمي، مادة خلق.
7- أخلاق أهل البيت عليهم السلام، ص 33.
8- بحار الأنوار، ج 96، ص 253.
9- بحار الأنوار، ص 253.
10- المصدر السابق، ص 53.
11- الكافي، ج 4، ص 68.
12- البحار، المجلسي، 96: 356.