Super User
فرصة استثنائية أمام نتنياهو
يحمل عام 2018 المزيد من الفُرَص والتحدّيات بالنسبة إلى إسرائيل. سياسة ترامب على صعيد التسوية وفي ما يتعلّق بسوريا وإيران تراها إسرائيل فرصة تاريخية. بالمقابل هناك ارتفاع في مستوى التهديدات. المُتخصّص في الشؤون الإسرائيلية الدكتور عباس إسماعيل يُفنِّد ميزان التحديات مُعلِّقاً على أبعاد الرسائل بين قاسم سليماني ويحيى السنوار ضمن ملف "2018.. المخاض العسير".
مزيد من التحدّيات أمام إسرائيل هذا العام. تحدّيات يمكن أن تتّخذ شكل تهديدات أو فُرَص.
على المستوى الموضوعي هناك تصنيف لأربعة أنواع من التهديدات: التهديد غير التقليدي، التهديد التقليدي، التهديد شبه التقليدي، وتهديد السايبر.
المقصود بالتهديد غير التقليدي ما له علاقة بالقدرات غير التقليدية مثل الأسلحة النووية. الاعتقاد السائِد في إسرائيل أن هذا التهديد تزايدَ بشكل رئيسي بعد 2005، الفترة التي يعتقدون في إسرائيل بأن المشروع النووي الإيراني بدأ يشهد قفزات سريعة ونوعية.
أما التهديد التقليدي فهو الذي دَرَجت إسرائيل على مواجهته منذ قيامها، والمقصود فيه الجيوش التقليدية. هذا التهديد تراجع في العقدين الماضيين، والآن يكاد يكون غير موجود.
التهديد شبه التقليدي يشمل المنظمات، وهنا تُفرِّق إسرائيل بين نوعين: منظمات المقاومة مثل حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي، ومن جهة أخرى المنظمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة. مشكلة إسرائيل مع هذا التهديد شبه التقليدي أنه بات يحوز على قدرات توازي القدرات التقليدية وأحيانا القدرات غير التقليدية، الأمر الذي يُصعِّب المهمة.
التهديد الرابع هو تهديد السايبر، وهذا الأمر توليه إسرائيل في السنوات الأخيرة أهمية كبيرة. بعض كبار المسؤولين يعتبره من أخطر التهديدات نظراً إلى البنية العسكرية والمدنية الموجودة في إسرائيل والتي تعتمد على السايبر، ونظراً إلى وجود تقنيات سهلة الاستخدام ومُتاحة أمام مَن يريد مهاجمتها.
تعرّضت إسرائيل لكثير من هجمات السايبر. أحياناً تُعلن عن اختراقات، وتتكتّم بالحديث عن كل المنظومات. في أكثر من مناسبة جرى التطرّق إلى قدرات السايبر المُتطوّرة لدى إيران، إضافة إلى قدرات موجودة لدى حزب الله ولدى حماس.
مجال التأثير والهيمنة
هذه عناوين التهديدات الموضوعية، لكن إذا اتّجهنا إلى الجهات التي تعتبرها إسرائيل تهديداً فهناك تصنيف آخر. التصنيف المُعلَن عنه من قِبَل المستويات الأمنية والسياسية والبحثية يتضمّن كل ما له علاقة بمحور المقاومة.
التهديد الأول يكمن في إيران. يذهب البعض إلى اعتباره تهديداً وجودياً. هنا يجري الحديث عن تهديد ثلاثي الأبعاد:
البُعد الأول نووي. على الرغم من الاتفاق الذي وقِّع بين إيران والدول الكبرى، لا يزال هناك في إسرائيل مَن يعتبر أن طهران لديها طموحات نووية عسكرية، إن لم يكن الآن ففي السنوات المقبلة.
البُعد الثاني له علاقة بمجال التأثير والهيمنة الاقليمية. ترى إسرائيل بأن إيران تبسط تأثيرها في الاقليم من اليمن إلى الخليج، إلى سوريا ولبنان والعراق وفلسطين. هذا النفوذ يُنظَر إليه باعتباره تهديداً فعلياً.
البُعد الثالث في التهديد الإيراني يتعلّق بالقدرات العسكرية المُتطوّرة. هناك برنامج إيران الصاروخي البالستي، وأيضاً صناعاتها العسكرية. يقول عموس يدلين، رئيس مركز أبحاث الأمن القومي، ورئيس شعبة الاستخبارات سابقاً، إن جودة الصناعات العسكرية الإيرانية لا تقلّ عن نظيرتها الإسرائيلية.
لهذا يخشون حزب الله
بعد التهديد الإيراني يأتي التهديد الأكثر شدَّة على إسرائيل. التهديد المركزي وفق كلام رئيس الأركان غادي أيزينكوت وغيره هو حزب الله.
لم يعد الحديث الإسرائيلي يقتصر على قدرات الحزب الصاروخية ومستوى دقّتها وقدرتها التدميرية. يتم التداول أيضاً حول منظومة الطائرات المُسيَّرة ومنظمومات الأسلحة المختلفة التي بات يمتلكها. هذا عدا عن الخبرات القتالية نتيجة مشاركته في المعارك في سوريا. خبرات تفتقد إليها بنظر إسرائيل جيوش المنطقة كلها. في هذا الإطار يجري الحديث عن معارك هجومية على مستوى تشكيلات قتالية كبيرة تصل إلى مستوى لواء وما دونه. أيضاً تشكيلات مختلطة تتكوَّن من سلاح بر، ومُدرّعات، ومُشاة، ومعلومات، وطائرات من دون طيّار، وتحكّم وسيطرة. بهذا المعنى كل عناصر المعركة على مستوى الواقع باتت مُكتمِلة لدى حزب الله.
التهديد الذي يليه له علاقة بالمقاومة الفلسطينية في غزّة وتحديداً حماس والجهاد الإسلامي. هذا التهديد الأكثر داهمية، بمعنى الأكثر إمكانية للاشتعال بسببب الوضع القائم في القطاع.
هذه التهديدات واقعية. الجهات التي وراءها تعمل بشكل جدّي على مواجهة إسرائيل وهي في طور المواجهة. هناك أيضاً تهديدات مُفترَضة يمكن أن تتحوَّل مستقبلاً إلى تهديد فعلي. المقصود هنا داعش والقاعدة. هاتان المنظمتان موجودتان في كل المناطق المُتاخِمة لفلسطين المحتلة لكن لا تمارسان أيّ تهديد فعلي. يتجلّى ذلك بشكل واضح في سيناء والجولان وحتى في غزّة وبعض الأماكن.
ترامب فرصة استثنائية
في مقابل هذه التهديدات أمام إسرائيل فرَص أولها أن التهديد التقليدي لم يعد موجوداً. آخر الجيوش التي تُشكّل تهديداً لها جرى إضعافها وهو الجيش السوري.
عدا عن ذلك تعوّل إسرائيل على العلاقة المُتطوّرة مع دول عربية. تعتبر هذا التطوّر من أهم الفُرَص التي أتيحت لها في السنوات الأخيرة وتحديداً العام الماضي.
على مستوى صُنَّاع القرار ليس هناك نقاش على أن تلك العلاقات هي إنجاز استراتيجي وفرصة استثنائية. بنيامين نتنياهو عبّر عن ذلك أكثر من مرة وإن كان معنياً بتضخيم هذا الإنجاز من أجل تحقيق مكاسب في الداخل.
هذا التطوّر يتم التعبير عن أهميته على المستويات السياسية والاستخبارية وأيضاً على مستوى الوعي وانعكاساته على القضية الفلسطينية. كل هذه النقاط تجعله ذا أهمية استثنائية. أما التباين في الآراء فينحصر في قراءة فُرَص الاستفادة وجدوى المُراهنة على الدول العربية. مَن سيعطي مَن؟ إسرائيل ستأخذ أم ستُقدِّم؟
في الصورة الأشمل تنظر إسرائيل إلى ما يجري في الواقع العربي بإيجابية. ترى في ذلك فرصة من شأنها حَرْف الأنظار عن الصراع مع إسرائيل وتهميش القضية الفلسطينية.
المشاريع الاقتصادية تندرج بدورها ضمن الفُرَص. هنا يتركّز الحديث عن اكتشافاتها النفطية والغازية وتعاونها المُحتمَل في هذا الإطار مع تركيا واليونان وقبرص. حتى الآن لا توجد لديها علاقات مشابهة مُعلنَة مع دول عربية باستثناء الأردن.
الفرصة الأخيرة يمكن اختصارها بالإدارة الأميركية الجديدة. مجيء ترامب إلى سدَّة الرئاسة اعتبرته إسرائيل فرصة استثنائية. صحيح أن الإدارت السابقة لم تكن مُعادية لإسرائيل، لكن ترامب فرصة استثنائية أمام سلطات الاحتلال لا سيما كل ما له علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي أو بالمحيط الاستراتيجي.
علي فواز
هل يختصّ العلم السوري بالنظام دون المعارضة؟
منذ انطلاق الأزمة السوريّة برزت معضلة "العلم". فقد لجأ المعارضون إلى العلم السابق المستخدم إبان الاحتلال الفرنسي معتبرين أن العلم الحالي يختصّ بالنظام السوري حصراً.
لم تنتهي المسألة عند حدود المظاهرات أو اجتماعات المعارضة في تركيا وفرنسا وقطر والسعوديّة، بل انتقلت إلى الجامعة العربيّة في "قمّة الدوحة" وبعدها إلى العديد من أروقة المفاوضات الدوليّة، ليطرح السؤال الجوهري نفسه: هل العلم السوري يختصّ بالنظام دون المعارضة؟ أو بفئة دون أخرى؟
بعيداً عن التجاذبات السياسيّة حول مسألة "العلم"، يستحق هذا العنوان المقدّس لدى كافة دول العالم وشعوبها، نظراً لرمزيته التي تكرّست على مدى عشرات السنين، المعالجة بصورة واقعية بعيداً عن التحزّبات والتجاذبات القائمة.
الجميع أخطأ في سوريا، وندرك أنها ليست المدينة الفاضلة التي تحدث عنها أفلاطون والفلاسفة القدماء. أوروبا ليست كذلك، ولا حتّى دولها الإسكندنافية. وبالتالي، لا ينكر أحد أخطاء النظام في سوريا، إلاّ أنّه من غير المعقول أن تستخدم هذه الأخطاء ذريعة للنيل من قدسيّة هذا الرمز في نفوس السوريين بأكملهم من مؤيّدي النظام والمعارضة على حدّ سواء.
أزمة العلم، الأزمة الحقيقية، في مكان آخر عنوانه: نسف الوضع الموجود والانتقال إلى وضع آخر حتّى لو كانت النتيجة خاسرة للمعارضة، فالهدف تأرجح منذ اليوم الأول بين تحقيق الأهداف وكسر أهداف الطرف المقابل.
لا ندري الذريعة التي يقدّمها هؤلاء في سبيل تبرير هذه الخطوة لشريحتهم الشعبيّة، كون هذا العلم هو علم الوحدة بين مصر وسوريا، ولا يختصّ بالنظام الحالي، أو الرئيس السابق حافظ الأسد. فلا هو أول علم تم اعتماده بعد تسلم حزب البعث للسلطة في سوريا، ولا حتّى هو العلم الذي تم اعتماده من قبل الرئيس حافظ الأسد بين عامي 1972 و1980.
لسنا في وارد الدخول في جدال العلم المقابل على مختلف مسميّاته "علم الانتداب الفرنسي" أو "علم الاستقلال"، ولا حتّى بدلالاتها الطائفيّة التي تصبّ في خانة تقسيم الوطن، كما يريد اليوم، أعداء سوريا الذين هم أعداء الحكومة والشريحة الأوسع من المعارضة في هذه النقطة تحديداً.
لكن من حقّنا أن نسأل على سبيل الاستفهام أسباب المشكلة التي تمتلكها المعارضة مع العلم الحالي، وهل يحقّ لمن رفع شعارات برّاقة كالمطالبة بـ "الحرية" و"الاستقلال" والـ "تحرير" أنّ يقرّر رمز البلاد دون اللجوء إلى دستورها، أو إلى استفتاء شعبي يعطيهم الحقّ في مسّ هذا الرمز الذي كان مقدّساً لجميع مكوّنات النسيج السوري عدا تلك التي تنادي بالقوميّة أو المذهبية البغيضة.
قد يعتقد البعض أنّ في هذا الأمر حرّية كتلك التي طالب بها، إلاّ أنّه اعتقاد خاطئ فالحريّة مسؤولية تقتضي احترام مقدّسات الشعوب وشعاراتها. هذا التصرّف هو إهانة للشعب السوري بكامل أطيافه، ولعل هذه التصرّفات الصبيانيّة هي التي أفقدت هذه المعارضة الزخم الشعبي وجعلتها معارضة مقطّعة الأوصال تتناثر بين معارضات سياسيّة وأخرى عسكريّة وثالثة تكفيرية. في الحقيقة هناك جملة من الأخطاء القاتلة للمعارضة السوريّة بدءاً من مجلس إسطنبول الذي ترأسه برهان غليون حتى وفد الهيئة العليا في الرياض، ومن ضمن هذه الأخطاء: عدم وجود منهج وخارطة طريق واضحة لدى أغلب القيادات السياسيّة المعارضة، التشرذم والانتقال من فندق إلى آخر، الخطاب الطائفي الذي كانت تتحدث به الجماعات المسلحة في سوريا، تبعية الجماعات المسلّحة للخارج، عدم قدرتها على تقديم نموذج واضح، ومن ضمن هذه الأخطاء ما يتعلّق بإهانة العلم السوري، وهذه النقطة تحديداً اتخذها النظام ممسكاً على المعارضة في الشارع، دفعت بالعديد من السوريين لمراجعة حساباتهم.
في الختام، ندعو المعارضة إلى مراجعة حساباتها بما يتعلّق بالعلم السوري، بما يخدم مصلحتها قبل أيّ طرف آخر، فهذا الشعار المقدّس يخصّ الشعب السوري بكامل أطيافه، لا فئة دون أخرى، ومن يعتبره كذلك يكون قد أخرج نفسه من الدائرة الشعبية الأوسع التي ترعرعت على تقديس هذا الرمز الوطني، معارضةً كانت أم لم تكن.
عشرة احتمالات لانتصار محور المقاومة في الحرب المقبلة
احتمال الحرب وارد ما دامت مراكز القرار في الإدارة الأميركية مرشّحة للانتقال بين ليلة وضحاها من أقصى الهجوم إلى أقصى الدفاع من دون تدرّج، وهذا يُربك بالطبع بعض حلفاء واشنطن وأعداءها الذين اعتادوا على قراءة كلاسيكية لسياسة الإدارات الأميركية المختلفة استناداً إلى قواعد مُجرّبة ومعطيات شبه ثابتة.
تتوالى المؤشّرات حول احتمال اندلاع حرب مقبلة في المنطقة وآخرها ما نشرته صحيفة "لو كانار أونشينه" الفرنسية في عددها الأخير نقلاً عن ضبّاط فرنسيين في واشنطن، من أن دونالد ترامب يُعدّ خطّة عسكرية لشنّ حرب في سوريا على المراكز الاستراتيجية للقضاء على ما يُسمّيه التقرير "أطراف المحور الإيراني".
ويُضيف أن الرئيس الأميركي أعدّ لهذه الحرب 125 ألف جندي احتياطي. ومن غير المُستبعَد أن يكون التصعيد الأميركي غير المسبوق بإعلان القدس عاصمة حصرية لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، جزءاً لا يتجزأ من هذ التوجّه الذي قد يُفهَم منه أن واشنطن ستشنّ الحرب بمشاركة الدولة العبرية وبدعم من المملكة العربية السعودية وحلفائها، على أن تتوّج هذه الحرب بتصفية القضية الفلسطينية وإعادة رسم خارطة أو خرائط الشرق الأوسط بما يتناسب مع مصالح واشنطن وحلفائها في تل أبيب والرياض.
تزامَن هذا الخبر مع تكاثُر الحديث في إسرائيل عن "الحرب المقبلة" على لبنان وآخره ما ذُكِر على لسان أفيغدور ليبرمان حول المربّع التاسع في حقول الطاقة البحرية اللبنانية، وأن إسرائيل لن تسمح للبنان باستثماره في وقت حرّكت فيه إسرائيل موضوع الحدود المشتركة عبر قضم بعض الأراضي اللبنانية. والملفت في هذا الصدَد اختراق الحدود البحرية اللبنانية وإلقاء قنابل دخانية على الحدود البرية وذلك للمرة الأولى منذ زمن طويل.
والجدير بالذكر أن وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري تقصّد الحديث ضمناً عن الحرب المقبلة عندما أكّد أن مصر¬ في عهد حسني مبارك، والسعودية وإسرائيل كانت تلحّ على إدارة باراك أوباما من أجل قصف إيران وتحطيم دفاعاتها، وكأنه يوحي بأن الأمر يتكرّر الآن مع الإدارة الجديدة التي تترواح قرارتها بين الخفّة التي لا تُطاق واللعب على حافّة جهنم كما هي الحال في الملف الكوري الشمالي.
في هذا السياق لا بدّ من العودة إلى ما أعلنته وتُعلنه بين وقت وآخر أطراف المقاومة العراقية من أنها لن ترضى بوجود عسكري أميركي في العراق، وآخرها ما ورد في بيان للشيخ قيس الخزعلي قائد "عصائب أهل الحق" مع تلميحه إلى أن هذا الموقف قد لا يكون هو نفسه موقف أطراف في الحكومة العراقية. معلوم أن الرئيس ترامب كان قد ذكر مراراً خلال حملته الانتخابية أنه كان على أميركا ألا تغادر العراق وأن تحتفظ بالنفط العراقي لتغطية تكاليف حروبها في العراق منذ العام 1991.
يمكن الرجوع أيضاً إلى مؤشّرات الحرب المُحتملَة في المحاولة الفاشلة التي تمّت أواخر العام الماضي حين اعتُقِل رئيس الوزراء سعد الحريري في الرياض، بموازاة أنباء عن هجوم إسرائيلي مفاجىء على لبنان. كما يمكن الرجوع إلى ما ذكره السّيد حسن نصرالله في خطبه الأخيرة من أن احتمالات الحرب هذه المرة أكبر من ذي قبل.
بالمقابل قد نجد ما يناقض هذه المؤشّرات تماماً في أقصى الشمال السوري عندما أعلنت واشنطن عن نيّتها إنشاء جيش من 30 ألف جندي كردي على الحدود السورية التركية، وتركيز قواعد عسكرية أميركية لمواجهة داعش والنفوذ الإيراني في سوريا، لكنها سرعان ما تراجعت عبر وزير خارجيتها ريكس تيلرسون عن هذا التصريح في الأيام الأولى للهجوم التركي على عفرين وحديث أردوغان عن توسيع الهجوم باتجاه منبج حيث تستقرّ قاعدة أميركية صغيرة وصولاً إلى الحدود العراقية.
يعني ما سبق أن احتمال الحرب وارد ما دامت مراكز القرار في الإدارة الأميركية مرشّحة للانتقال بين ليلة وضحاها من أقصى الهجوم إلى أقصى الدفاع من دون تدرّج، وهذا يُربك بالطبع بعض حلفاء واشنطن وأعداءها الذين اعتادوا على قراءة كلاسيكية لسياسة الإدارات الأميركية المختلفة استناداً إلى قواعد مُجرّبة ومعطيات شبه ثابتة.
في حديثه عن الحرب المُحتملَة يُكرّر السيّد نصرالله القول إن المقاومة مُستعدّة للدفاع عن لبنان وكأن الحرب واقعة غداً، وأن هذا الاعتبار ناجم عن طبيعة العدو الإسرائيلي الذي يمكن أن يشنّ حرباً في اللحظة التي يراها مناسبة من دون رادع أو احترام لعهود ومعاهدات وقوانين دولية، وأن التلويح بالقوّة وبالهزيمة المؤكّدة للعدو هما الوسيلة الوحيدة لإبعاد حربه عن لبنان.
وما يصحّ على المقاومة اللبنانية يصحّ أيضاً على أطراف المحور المقاوِم برمّته، الأمر الذي يتيح الإشارة من دون مخاطرة كبيرة إلى عشرة احتمالات لانتصار المحور في الحرب المقبلة.
أولها أن هذا المحور لم يخسر معركة واحدة بعد منذ انبثاق عناصره، وبالتالي من الصعب إلحاق الهزيمة به في لحظة خروجه مُظفّراً من الحرب السورية.
ثانيها أن المحور يتمتّع بحواضن شعبية كبيرة هي الضامِن الأهم للمُجابهات التي يخوضها، وهو بالتالي يشبه كل حركات المقاومة التي خرجت مُظفّرة في الحروب الحديثة مع دول نووية تحتفظ بتكنولوجيا عسكرية فتّاكة وتفوّق كاسِح في وسائل القتال الحديثة.
ثالثها أن هذا المحور يتمتّع بعقيدة دينية وثقافة سياسية وقواعد سلوك وقتال أخلاقية متينة يفتقر إليها أعداؤه وخصومه.
رابعها أن تجارب وحروب جيوش الدول الثريّة أفصحت عن أنها لا تتمتّع بأفضلية قتال على الأرض وتعمل من دون جدوى على كسب الحرب بواسطة التكنولوجيا العسكرية، لذا انتصرت الولايات المتحدة على الجيش العراقي النظامي وهُزِمت في مواجهة حركات المقاومة العراقية، كما أنها لم تتمكّن حتى الآن من الانتصار على طالبان في أفغانستان على الرغم من اشتراك الحلف الأطلسي في الحرب. هذا يصحّ أيضاً على إسرائيل التي هُزِمَت في كل المجابهات المباشرة التي خاضتها قوّاتها مع المقاومين على الأرض.
خامسها أن محور المقاومة يقاتل على أراضيه قوات أجنبية ما انفكّت تسعى للسيطرة على الشرق الأوسط وتطويعه منذ قرون، وقوّة استيطانية صهيونية معزولة يحلم أبناء المنطقة بهزيمتها وينقلون هذا الحلم من جيل إلى جيل. والثابت في كل تجارب القتال بين غُزاة أجانب وشعوب تعرّضت للغزو، أن الشعوب المُعتدَى عليها انتصرت ولو بعد حين كما هي الحال في فييتنام والجزائر واليمن وجنوب أفريقيا ولبنان وأفغانستان إلخ...
سادسها أن محور المقاومة تجاوز بنجاح مخاطر الفتنة الطائفية التي بلغت ذروتها في توسّع داعش والنصرة في سوريا والعراق ولبنان، وبالتالي ما عاد بوسع الغُزاة الأجانب الرِهان على كسْب الحرب عبر اقتتال الناس في مناطق المقاومة.
سابعها أن روسيا والصين تتحرّكان بقّوة للحؤول دون استخدام الشرعية الدولية في حصار وعزل محور المقاومة، وبالتالي حمل الولايات المتحدة على تحمّل مسؤولية قرارات المقاطعة والحصار والعزل منفردة الأمر الذي يُضفي عليها الطابع الفئوي والعدواني.
ثامنها أن الحكومات الإيرانية والسورية وإلى حد مُعيّن العراقية واللبنانية تتمتّع بدعم روسي وأحياناً صيني يتيح لمحور المقاومة هوامش واسعة للمناورة على كل صعيد، وبالتالي توفير خطوط الإمداد ونقل العتاد والمقاتلين إلى الجبهات الكامنة أو المشتعلة.
تاسعها أن الولايات المتحدة تعاني من عزلة دولية خانِقة في عهد ترامب، وبالتالي فإن قرارها بشنّ حرب جديدة في سوريا سيزيد من عزلتها وسيضعف الالتفاف الدولي حولها. وينطبق الأمر نفسه على إسرائيل التي تعاني في عهد نتنياهو أيضاً من عزلة شبه شاملة قد تضعف إلى درجة غير مسبوقة تحرّكها الدولي في حال الحرب.
عاشراً أن التغطية الخليجية لحرب مُحتملَة لن تعدّل شيئاً يُذكر في موازين القوى على الأرض، بل ربما تضعف الأنظمة الخليجية في مواجهة شعوبها والرأي العام العربي ولا تشكّل قوّة معنوية إضافية للمُعتدين في نظر شعوبهم التي لا تحترم هذه الأنظمة.
يُملي ما تقدّم أن محور المقاومة يتمتّع بأفضليات وعناصر قوّة جديرة حقاً بالفوز في الحرب المُعلَنة وهي نفسها قد تحمل واشنطن وتل أبيب على الابتعاد عن أبواب الجحيم.
فيصل جلول، باحث لبناني مقيم في فرنسا
الإعراض عن الدنيا شرط الرقيّ المعنوي
قال أمير المؤمنين (عليه السلام):"ولَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّه (صلّى الله عليه وآله) كَافٍ لَكَ فِي الأُسْوَةِ، ودَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وعَيْبِهَا، وكَثْرَةِ مَخَازِيهَا ومَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْه أَطْرَافُهَا ووُطِّئَتْ لِغَيْرِه أَكْنَافُهَا".
بغضّ النظر عن الحلال والحرام في الدنيا فإنّ الانشداد إليها حتى لو كان في الحلال والاستغراق في متاعها وملذّاتها وإن كانت مباحة والنيل من خيراتها بشكل كبير ولافت وإن كان وفق الضوابط الشرعية والعُرفية فإنّ هذا كلّه على ما يبدو مانعٌ من بلوغ درجات عالية في الرقيّ المعنوي والاقتراب من المقامات الرفيعة التي نالها المقرّبون والأولياء. وقد أشار الإمام (عليه السلام) إلى ذلك حين تحدّث عن الأنبياء والجوع والهروب من الدنيا والإعراض عنها، فقال أيضاً:"وإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّه (عليه السلام) حَيْثُ يَقُولُ:﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ واللَّه مَا سَأَلَه إِلَّا خُبْزاً يَأْكُلُه، لأَنَّه كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الأَرْضِ، ولَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِه، لِهُزَالِه وتَشَذُّبِ لَحْمِه".
وهذه كلّها أمور تشير إلى مستويات وأنماط من التعلّق بالدنيا أو الانشداد إليها أو الانشغال بها أو النيل منها وهي أمور جافاها الأنبياء وأعرضوا عنها, فيا ترى هل هذا الإعراض المشترك بين الجميع يُعدّ صدفة أم أنّه باختيار الأنبياء والأولياء وبتوفيق وتسديد الله تعالى لهم؟ وإنّما هذا من أجل أن تنمو في نفوسهم أسباب الرفعة المعنوية وأن يكون التوحيد في قلوبهم حقيقةً صافيةً نقيّةً خالية من الشوائب والأشراك الخفيّة التي تتسلّل من خلال المغريات والتلذّذ بها كالأكل والشرب وسائر المتع التي تطلبها النفس توقاً للراحة والأنس في الدنيا، ولذا سنجد أنّ الذين وفّقهم الله تعالى لكسب المال المشروع بالحلال والجهد والتعب وهم يبتغون الله ورضاه قبل أيّ شيء أقحموا أنفسهم في عادات وأنماط تبعدهم عن اللذائذ والتنعّم بها كسليمان وداوود (عليهما السلام) والإمام عليّ (عليه السلام) والأئمّة (عليهم السلام) فإنّهم كانوا يستحوذون على إمكانيات كبيرة لكنّهم كانوا يوزّعونها وينفقونها للآخرين بينما هم يأنسون بقليل من المأكل والمشرب والملبس ولا يجنحون أو يميلون نحو امتلاك العقارات وبناء القصور والدخول في عالم المفاخرة الذي يلجأ إليه عادةً من حصلوا على مواقع عالية متقدّمة في الدنيا, ثمّ إنّ هذا المسلك هو سبب تحقّق الكرامة الإلهيّة الخاصّة التي يحتاجها كل مؤمن صادق ويسعى إليها كلّ طالب رقيّ معنوي، ويمكن أن نضع المعادلة التالية كلّما ابتعد الإنسان عن الاهتمام والانشغال بالدنيا قلبياً وعملياً كلما اقترب من عالم الكرامة بغضّ النظر عمّا كان يملكه أو لا يملكه في هذه الحياة الدنيا.
يقول (عليه السلام):"فَإِنَّ اللَّه جَعَلَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله) عَلَماً لِلسَّاعَةِ، ومُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ ومُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ، خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً ووَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِه وأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّه، فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّه عِنْدَنَا، حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِه سَلَفاً نَتَّبِعُه وقَائِداً نَطَأُ عَقِبَه، واللَّه لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِه حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، ولَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَلَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ، فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى".
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
غنى الزوجين في نظر الإمام الصادق عليه السلام
قال الصادق (ع) (( لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته وهي : الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها . وحسن خلقه معها . واستعماله استمالة قبلها بالهيئة الحسنة في عينها وتوسعته عليها . ولا غنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها الموافق لها عن ثلاث خصال وهن : صيانة نفسها عن كل دنس حتى يطمئن قبله إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه . و حياطته ليكون ذلك عاطفاً عليها عند زلة تكون منها . وإظهار العشق له بالخلابة والهيئة الحسنة لها في عينه )) انتهى موضع الحاجة . (1)
توضيح :
في هذه الرواية الشريفة يذكر الإمام الصادق – عليه السلام – بعض النصائح التي لا غنى للزوجين عنها . و قد بدأ الإمام – عليه السلام – بتوجيه الزوج فهو القيم على الحياة الزوجية , و أوصى الزوج ثلاثة خصال :
الخصلة الأولى :
أن يكون هناك انسجام بين الرجل و المرأة و توافق فكري , فكلما اشتركا الرجل و المرأة في الفكر و الهموم و القضايا كلما كانا روحاً واحدة في جسدين . و كما يقال أن الطيور على إشكالها تقع , فإذا كان الرجل متديناً تكون المرأة المتدينة أقرب إليه , و إذا كان رسالياً فالمرأة الرسالية أقرب إليه و هي التي تعيش همومه و يمكن أن تقف معه في مسيرته .
الخصلة الثانية :
حسن الخلق مع الزوجة . فكثير من المشاكل تنبع من سوء الأخلاق مع الزوجة و المعاملة معها بقسوة و جفوة و فظاظة .
الخصلة الثالثة :
استمالة قلب الزوجة و ذلك عبر الهيئة الحسنة و التوسعة على الزوجة بالمقدار الممكن . فكما أن الرجل يحب أن يرى زوجته في هيئة جميلة و حسنة فكذلك الزوجة تحب أن ترى زوجها في هيئة جميلة و حسنة .مضافاً إلى أن المرأة لا تحبّ الرجل البخيل الذي يقتّر عليها , و قد أفتى الفقهاء تبعاً للأدلة الشريعة باستحباب التوسعة على الزوجة و العيال .
ثم عطف الإمام الصادق – عليه السلام – كلامه لينصح الزوجة بثلاث خصال لا غنى عنها :
الخصلة الأولى :
صيانة نفسها عن كل دنس حتى يطمئن قبله إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه . فالمرأة التي تتحدث سراً مع رجل أجنبي مثلاً هي السبب في فقدان ثقة زوجها بها , و إذا فقد الزوج ثقته بزوجته تتحوّل الحياة الزوجية إلى جحيم .
الخصلة الثانية :
حياطة الزوج أي حفظه و تعهده و الاهتمام بالزوج و تلبية حاجاته , فإذا فعلت ذلك ثم حدث منها زلة يتغاضى الزوج عن ذلك .
الخصلة الثالثة :
إظهار العشق له بالخلابة أي اللسان الجميل و القول اللطيف وبالهيئة الحسنة لها في عينه . فوجود كلمات الحب و العشق و الكلمات الجميلة اللطيفة له دور بالغ في انجذاب كل طرف إلى الآخر , كما أن تجمّل المرأة لزوجها له دور لا ينكر , و الغريب من بعض الزوجات أنها تصرف المبالغ الضخمة من أموال زوجها بحجة شراء الملابس و أدوات التجميل لكنها لا تلبس هذه الملابس الجميلة لزوجها بل للخروج من المنزل .
(1) تحف العقول- ابن شعبة الحراني – عليه الرحمة - ص 323 .
عتاد دراسة التاريخ
مقدمة:
إن حياة الأمم والمجتمعات عبارة عن سلسلة مترابطة، لا يمكن فصل أية حلقة من حلقاتها عما سواها، ولا يمكن دراسة أية ظاهرة من الظواهر، حضارية كانت، أم اجتماعية، أم سياسية أم غيرها، بمعزل عما يحيط بها من أحداث وتراكمات، وأفعال وانفعالات إذ ما من ظاهرة تطفو على سطح الزمن من خلال الطفرة.
وعلى هذا الأساس، فإن دراسة المجتمعات المعاصرة، بما فيها من تعقيدات ومشاكل، لا بد وأن ترتبط بما سبقها من أحداث على كافة المستويات، كما أن دراسة المجتمعات التي سبقت متوقفة على مدى معرفة المجتمعات والأحداث التي سبقها وأسست لها، وهكذا تتراكم هيكلية الدراسة وتزداد إيغالا في عمق الماضي حتى بداية التشكلات البشرية.
وهذا يعني أن دراسة التاريخ، ومحاولة استشرافه، تسلط الضوء ـ ولو نسبيا وبقدر الإمكان بحسب ما يتاح لدى الباحث من وثائق وقرائن ـ على الأحداث والتراكمات التي أسست وأسهمت في بناء المجتمع المعاصر، بحيث تسهم في إغناء المعرفة من جهة، وتشكل ركنا أساسيا في تصحيح المسارات، أو تصويب الظواهر، التي تحتاج إلى تصحيح أو تصويب، إذ كثيراً ما نجد من شخصياتنا سواء من الناحية العلمية أو الأدبية أو العاطفية، وحتى في العادات والتقاليد التي تجدها المجتمعات وكأنها جزء من كيانها وشخصيتها الفردية والاجتماعية، قد نتجت عن أصول ومبررات، قد تكون موغلة في تاريخ الأمم، مما قد لا يجد له سندا تاريخيا ظاهرا، فدراسة التاريخ إذن ضرورية في فهم حياتنا وثقافتنا الحاضرة، وفي محاولة إغناء هذه الحياة، والدفع بها قدما نحو التطور والرقي.
عتاد دارس التاريخ:
لا بد للباحث التاريخي من أن يتسلح بأنواع مختلفة، من المصادر والوثائق التي يستند إليها في بحثه وتقييمه، ويختلف نوع عتاد الباحث باختلاف الجهة التي يحاول دراستها والوصول إلى نتيجة فيها، ذلك أن غاية عالم الاجتماع مثلا تختلف عن غاية الفيلسوف، الذي تختلف بدورها غايته عن غاية السياسي، وهكذا في سائر المجالات الحضارية.
إلا أن التركيز على نوع أو أنواع، لكل فرع من فروع المعرفة، لا يعني إهمال الأنواع الأخرى، بل لا بد له من متابعة مختلف العناصر التي ترتبط بالحياة الإنسانية في الفترة التي يريد دراستها، لأن الحياة الإنسانية ـ وكما أسلفنا ـ وحدة مترابطة لا يمكن فصل جوانبها بعضها عن بعض، وإن كان تركيزه ينصب على جانب معين من جوانبها.
يضاف إلى ذلك: أن المؤرخين عادة ما يؤرخون للحكام والسياسات، وما يرتبط بهم، وبالتالي فهم على الأغلب، يتعرضون إلى وجهة نظر الحكام، ويهملون ما عداها من رؤى، على مختلف الصعد والمستويات، إما تزلفا لهم وسعيا إلى إرضائهم، وإما فرارا بأنفسهم من التهمة، والملاحقات السياسية والقانونية وغيرها، وهذا ما أدى في أكثر الأحيان إلى ضياع الوثائق التي تفيد الباحث في كتب المؤرخين، وهو ما يدفعه بالضرورة إلى النظر بكثير من الحذر والحيطة عند ملاحظة كتابات المؤرخين، وإن كانت متسالما عليها بينهم، بأن يحاول تمحيصها ونقدها، وتفنيد ما يمكن تفنيده منها، استنادا إلى ما يملكه من وسائل ووثائق، مدعمة بوعي تام وحس مرهف لديه، في ملاحقة الأحداث والربط بينها.
من هنا نجد أنه لا بد لدارس التاريخ أن يحيط، ما أمكنه ذلك، بمختلف الوثائق التي تصل إليه من مختلف المنتديات المعاصرة للفترة المدروسة، من أدبية، وشعرية، وفنية، وقضائية، وفقهية، وغير ذلك، وهو ما يجعل مهمة الباحث التاريخي شاقة للغاية، لأنه، بعمله هذا، يشكل الركيزة الأساسية لأي بحث في فروع المعرفة على اختلافها، فإن مدى دقة وسلامة النتائج التي يتوصل إليها عالم الاجتماع أو الفيلسوف أو السياسي أو الفقيه أو غيرهم، ترتبط ارتباطا مباشرا بمدى دقة وسلامة النتائج التي أثبتها الباحث التاريخي، بل تتوقف عليها.
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى عنصر هام وخطير جدا في دراسة التاريخ، وهو علم الآثار، الذي نشأ واتسع إطاره في القرنين الأخيرين، فقد سلط الضوء على كثير من كنوز التاريخ التي ظلت مطوية في زوايا الإهمال والنسيان، بل التجاهل والإنكار المستمر على صفحات التاريخ، هذا العلم الذي استطاع تزييف الكثير من المسلمات، التي كان الناس يتعاملون معها على أنها حقائق لا يتطرق إليها الشك، فأثبت زيفها وبطلانها.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن القرآن الكريم قد تعرض للإشارة إلى هذا العلم في العديد من الآيات الشريفة، وحث الناس على البحث في أعماق التاريخ، من قبيل قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾([1]).
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾([2]).
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ﴾([3]).
* محاضرات في تاريخ الإسلام - بتصرّف
([1]) سورة الأنعام، آية:11.
([2]) سورة الروم، آية: 9.
([3]) سورة غافر، آية: 21.
محركية الإحاطة الإلهية في حياة الإنسان
يقول تعالى: ﴿يَـبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّة مِّنْ خَرْدَل فَتَكُن فِي صَخْرَة أَوْ فِى السَّمَـوَتِ أَو فِى الاْرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
كانت اُولى مواعظ لقمان عن مسألة التوحيد ومحاربة الشرك، وثانيتها عن حساب الأعمال والمعاد، والتي تكمّل حلقة المبدأ والمعاد، فيقول: (يابنيّ إنّها إن تك مثقال حبّة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله) أي في يوم القيامة ويضعها للحساب ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
"الخردل": نبات له حبّات سوداء صغيرة جدّاً يضرب المثل بصغرها، وهذا التعبير إشارة إلى أنّ أعمال الخير والشرّ مهما كانت صغيرة لا قيمة لها، ومهما كانت خفيّة كخردلة في بطن صخرة في أعماق الأرض، أو في زاوية من السماء، فإنّ الله اللطيف الخبير المطّلع على كلّ الموجودات، صغيرها وكبيرها في جميع أنحاء العالم، سيحضرها للحساب والعقاب والثواب، ولا يضيع شيء في هذا الحساب.
والضمير في "إنّها" يعود إلى الحسنات والسيّئات، والإحسان والإساءة(1).
إنّ الإلتفات والتوجّه إلى هذا الإطّلاع التامّ من قبل الخالق سبحانه على أعمال الإنسان وعلمه بها، وبقاء كلّ الحسنات والسيّئات محفوظة في كتاب علم الله، وعدم ضياع وتلف شيء في عالم الوجود هذا، هو أساس كلّ الإصلاحات الفرديّة والإجتماعية، وهو قوّة وطاقة محرّكة نحو الخيرات، وسدّ منيع من الشرور والسيّئات. وذكر السماوات والأرض بعد بيان الصخرة، هو في الواقع من قبيل ذكر العامّ بعد الخاصّ.
وفي حديث روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "اتّقوا المحقّرات من الذنوب، فإنّ لها طالباً، يقول أحدكم: أُذنب وأستغفر، إنّ الله عزّوجلّ يقول: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين﴾. وقال عزّوجلّ: ﴿إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّة مِّنْ خَرْدَل فَتَكُن فِي صَخْرَة أَوْ فِى السَّمَـوَتِ أَو فِى الاْرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾(2)..
* آية الله مكارم الشيرازي - بتصرف
1 ـ إحتمل البعض أنّ الضمير أعلاه ضمير الشأن والقصّة، أو يعود إلى مفهوم الشرك، وكلا الإحتمالين بعيد.
2 ـ نور الثقلين، الجزء 4، صفحة 204.
آداب التعامل مع الأستاذ
- عند دخولك الصف، سلم عليه أولاً ثم على زملائك.
• إذا دخل الأستاذ الصف وألقى التحية، فردَّ تحيته بما جرت عليه العادة من الرد باللسان أو الوقوف احتراماً، وانقطع فوراً عن الأحاديث الجانبية، وأعد الكتاب والدفتر وما يلزم للدرس.
• توجه إلى شرح أستاذك بجدية أثناء كلامه وتوضيحاته على اللوح.
• لا تضحك لأي كلمة أو حادثة في الصف، خاصة تعليقات زملائك إلا أن يكون الأستاذ راضياً أو مشاركاً في ذلك.
• إذا كان لديك سؤال أو استيضاح، أشر طالباً الإذن ولا تؤخره، ولكن إذا طلب الأستاذ التأخير لدقة الموضوع مثلاً، أو تجنباً للفوضى، فلا بد لك من تدوين السؤال كي لا تنساه، وباختصار، حتى لا تنصرف عن الشرح.
• لا " تتذاك " بأسئلتك على أستاذك بل كن جاداً وهادفاً.
• لا تستهزئ بأستاذك أو تروي عنه النوادر المضحكة ولا تشارك الآخرين فعلهم هذا، بل يجب أن تنهي عن ذلك.
• إذا غاب عن الدرس لأكثر من مرة، اسأل عنه، فإن كان مريضاً، زره مع زملائك في موعد محدد مسبقاً، وأظهر اهتماماً به، وكن صادقاً في ذلك.
• إذا صادفته في الشارع، أو في مكان عام، تبسم وتوقف عن المشي هنيهة محيياً إياه، ودع الآخرين ينتبهون لذلك فتكون قد :
• أشعرته بالسرور والاهتمام والاحترام.
• علمت الآخرين عادة حسنة.
• إذا التقيته في مناسبة اجتماعية، فاحرص على أن تكون الضيافة له قبلك، وعرفه على الحاضرين معتزا به.
• إذا رأيته بعد سنوات طويلة، وكنت قد تخرجت من الجامعة، أو تعمل في التجارة الحرة، وقد ظهرت على أستاذك بصمات الزمن، فاقترب منه بأدب وعرفه بنفسك وعملك مذكراً إياه ببعض الذكريات الجميلة، ولا تظهر استهجاناً واستغراباً إذا لم يذكرك بسرعة، ثم ودعه بتحية وابتسامة.
* كتاب الآداب / تأليف السيد سامي خضرة.
آداب التعامل مع الإخوان والأصدقاء
- تذكر أن لك إخوانا لم تلدهم أمك، وأن الأخوة قي الله لا انفصام لها في الآخرة كما في الدنيا، وأن المرء كثير بإخوان الصدق، وأنها أمتن علاقة بين بني آدم.
- لا تتهاون بحق أخيك عليك في نصحه ونصرته وإعانته.
- تغاض عن أخطائه إن فعل، فكلنا خطاءون...
- لا تتركه وحيداً عند الضائقة والبلاء والمصيبة... وإن طلب ذلك تخفيفاً عنك
- إذا غاب عنك على غير عادته، فاسأل عنه مطمئناً عليه، وقم تجاهه بما يلزم.
- أطلعه على أهم المستجدات المفصلية، والأحداث الهامة في حياتك...و لا تجعله يعرف ذلك صدفة أو من الآخرين.
- لا تتوقع ولا تنظر من علاقتك معه ثمناً مادياً.
- لا ترفض له دعوة لطعام ولا هدية اختصك بها.
- تعامل معه في منزلك وخصوصياتك كما تحب أن يعاملك في منزله وخصوصياته.
- مهما بلغت علاقتكما من المتانة ووحدة الحال.. فلا تتخل في تعاملك معه عن الأدب والحشمة.
- ميز بين من يحبك في الله تعالى ومن يحبك لمصلحة آنية.
- أحب الصديق الصدوق الذي يرشدك إلى عيوبك، لا الذي يغطيها.
- إذا وقع بينكما ما يقع بين أعز البشر، من سوء تفاهم أو مشكلة :
- فلا تؤجج النار بينكما.
- لا تتعامل بحدة أو تحد مع المسألة.
- كن في تعاملك مع المشكلة كأنك حكمٌ وليس طرفاً.
- تصرف وكأن الحق كله عليك، وإن كان الحق معك برأيك.
- لا تفضح أسراره، ولا تحدث غيره بما حصل معكما، ولا تتجاوب مع من يحدثك بالموضوع، إلا في حالات نادرة ومع أشخاص معينين.
- لا تتكلم أو تتصرف بما يكون حجة عليك لا لك.
- تأكد أن الأمور إلى سترجع إلى نصابها مهما طال الزمن.
- كن المبادر إلى اتصال أو هدية أو زيارة عند أول فرصة سانحة.
- وأخيراً : " أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من خسر من ربحه منهم ".
________________________________________
* كتاب الآداب / تأليف السيد سامي خضرة.
ما يُقال همساً.. الموقف الروسي بين سوريا وإسرائيل
بعض المنظومات التي تمتلكها سوريا روسية الصنع ومنها سلاح للدفاع الجوي، ما يبّرر السؤال عن دور روسيا في إطار أي مواجهة سورية إسرائيلية مفترضة. ما حقيقة الموقف الروسي في ظل تعارض المصالح والمواقف بين محور المقاومة وإسرائيل؟ وأين تقف روسيا في سوريا اليوم؟ هنا قراءة في المنظور الإسرائيلي للتطورات الخاصة في سوريا والمنطقة، وهي تستند إلى آراء وتحليل المتخصص في الشؤون الإسرائيلية الدكتور عباس اسماعيل ضمن ملف "2018.. المخاض العسير".
روسيا قادِمة إلى المنطقة لتحقيق مصالحها، لا لمواجهة إسرائيل. هذا التقدير ساد أوساط القيادة الإسرائيلية منذ اليوم الأول للانخراط العسكري الروسي في الأزمة السورية.
رأت تل أبيب في الوجود الروسي على تخومها قيداً وفرصة. هو من جهة يُقيِّد حركتها في الداخل السوري ويُقلِّص تهديدها بضرب مفاصِل النظام على اعتبار أن هذا الأمر يمسّ الخطوط الحمراء الروسية. في المقابل يُساعد هذا التواجد على الحدّ من فُرَص حصول عمل من سوريا باتجاه إسرائيل. من هذا المُنطلق كانت الهرولة الإسرائيلية إلى الروس والاتفاق معهم على قواعد اللعبة داخل سوريا.
حالياً هناك وجهتا نظر متعارضتان في إسرائيل بخصوص مستقبل سوريا:
المسألة الأولى، هل الوجود الروسي في سوريا يُشكّل ضمانة للحد من النفوذ الإيراني في سوريا؟
المسألة الثانية العكسية، وهي أن الروس في سوريا يتعاونون مع إيران. هذا التنسيق جزء من شبكة مصالح كبيرة. في التسوية السياسية النهائية روسيا سوف تأخذ بالاعتبار مصالح إيران ودمشق لا مصالح إسرائيل. هذا الكلام عبَّر عنه الوفد الإسرائيلي الذي زار روسيا نهاية العام المنصرم. حينها التقى كبار المسؤولين الروس، وسمع الرسالة التالية: "أنتم لديكم عداء مع إيران ، ونحن لدينا مصلحة وشراكة معها".
قواعد اللعبة
بين إسرائيل وسوريا "قواعد للعبة". تتفرَّج روسيا على هذه اللعبة طالما بقيت مضبوطة تحت سقف المصالح الروسية. تفعيل الرادارات السورية العام الماضي تجاه الاعتداءات الإسرائيلية لم يتجاوز هذه القواعد. لكن هل من الممكن أن نشهد تطوّرات في العام الحالي تكسر قواعد الاشتباك القائمة؟
يحتاج هذا السؤال إلى معلومات. تعتبر إسرائيل أن ما حصل عام 2017 لجهة التصدّي لاعتداءتها سوف يبقى قائماً عام 2018، لكن من جانب الجيش السوري وحلفائه وليس من طرف الروس. السؤال: هل يُفعِّل الجيش السوري راداراته ومنها منظومات روسية الصنع بموافقة من الروس؟
ليس هناك ما ينفي ذلك لاسيما وأن إسرائيل والجيش السوري يحترمان قواعد اللعبة بما يضمن المصالح الروسية. لا يُتوقَّع أن يطلب الروسي من السوري ألا يدافع عن نفسه، ولم يطلب الروسي من الإسرائيلي ألا يعمل وفق مصالحه.
بمعزل عن ذلك إسرائيل هي من أكثر الأطراف تضرّراً نتيجة ما آلت إليه موازين القوى في سوريا. النظام الذي تعتبره جزءاً من محور المقاومة لم يسقط، بل تعزَّزت علاقته بمحور المقاومة. تعتبر إسرائيل أنه في ما خصّ الجغرافية السورية كانت مشكلتها تنحصر بالنظام السوري. الآن لديها مشكلة مع محور المقاومة كله في سوريا لاسيما أنها باتت تعتبر سوريا ولبنان جبهة واحدة.
من سوريا إلى البيئة الاستراتيجية الأوسع. شهدت المنطقة تحوّلات أدّت إلى نهاية دولة داعش وفشل استقلال كردستان العراق. كيف تُقيِّم تل أبيب الواقع الجيوسياسي الجديد؟
بالنسبة إلى إسرائيل كان استقلال كردستان سيشكّل لها فرصة استراتيجية تودّ تحقيقها. هذا المشروع يُتيح لها وجود قاعدة استراتيجية مُتقدّمة في مثلّث الحدود التركية الإيرانية العراقية. هذه الفرصة الضائعة تجد إسرائيل نفسها مُتضرّرة من سقوطها.
ملفات متداخلة ومرحلة معقّدة
إعلان دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل جاء في خضمّ مجموعة ملفات مُتداخِلة. مُصالحة داخلية فلسطينية مُتعثّرة، عزْل قطر من الدول الأربع وانسحاب هذا الأمر على نفوذها في فلسطين، رسائل انفتاح من حماس على محور المقاومة.
الخطاب السعودي الرائِج اليوم هو موضع ترحيب في إسرائيل. بالمقابل عودة التقارُب بين حماس وفصائل مقاومة وبين محور المقاومة يُنظَر إليه إسرائيلياً بسلبية كبيرة. من زاوية الرؤية الإسرائيلية تحاول حماس أن تجمع المجد من طرفيه. أن توازن بين علاقتها مع مصر وبين علاقتها مع إيران. هذا تحدٍ كبير له أسُسه. واضح أنه يأتي بسبب مكانة مصر وأهميتها بالنسبة إلى حماس وأيضاً بسبب اقتناع حماس بأن إيران هي الدولة الوحيدة التي تدعم المقاومة بشكل حقيقي.
أما المُصالحة الفلسطينية الداخلية فإن مآلها الفشل وفق التقديرات الإسرائيلية. التطوّرات الأخيرة التي طرأت على علاقات دول الخليج كانت تطوّراً إيجابياً لإسرائيل لأنه أثّر على تمويل حماس.
ترامب والجوانب المخفية
موضوع القدس محطّ إجماع في إسرائيل. لا فرق في هذه المسألة بين يمين ويسار، بين متديّنين وعلمانيين. رئيس الحكومة الإسرائيلية ومَن معه لديهم الحرص على تحصين هذا القرار والاستفادة منه إلى أقصى الحدود. النقاش في موضوع القدس طُرِحَ خارج دائرة نتنياهو.
هناك من سأل سؤالاً وجيهاً: هل قرار ترامب هدية مجانية لإسرائيل أم هدية ملغومة؟ هل هو نابع من اعتبارات أميركية وشخصية صرفة؟
بعد عام على رئاسته يحاول ترامب الوفاء بوعده وإرضاء الإنجيليين والتيار الصهيوني. هل هذا ما حصل فعلاً أم هو جزء من خطّة سياسية بالاتفاق مع الدول العربية؟ من هذا المنحى ترك الإعلان نوعاً من الشك لدى اليمين الإسرائيلي. هذا التيار مهما قدَّمت له يطلب المزيد.
في الخطاب اليميني الإسرائيلي القدس خارج التفاوض. من هنا لاحت علامات استفهام لديه تعقيباً على كلام ترامب إن للقدس حدودها، وسيادتها تخضع للتفاوض. بنظرهم ترك الرئيس الأميركي الباب مفتوحاً كأنه يقول إن الحدود قابلة للنقاش.
على خطورة إعلان ترامب فإن الأخير لم يقل أيّة قدس هي عاصمة لإسرائيل. بالنسبة إلى اليمين الإسرائيلي هذا هام جداً. هم يعتبرون أن القدس كلها عاصمة لإسرائيل، أما ترْك موضوع الحدود والسيادة للمفاوضات فهذا يخالف خطابهم اليميني المُتطرِّف.
السماء لن تسقط على الأرض
وفق التقديرات المُسبقَة الأميركية والإسرائيلية فإن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل سيكون مكسباً سياسياً كاملاً من دون الاضطرار إلى دفع أيّ ثمن باهِظ. مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن نيكي هايلي قالت بوضوح إن السماء لن تسقط على الأرض.
ما حصل منذ الإعلان حتى الآن، قد يظهر خطأً في تلك الحسابات في جانب، وصوابية في مكان آخر. ربح ترامب على المستوى الشخصي وربحت إسرائيل. بالمقابل غابت المواقف الجادّة والمؤثّرة من الدول العربية والإسلامية.
لكن شهدنا أيضاً ردود أفعال شعبية. بالحد الأدنى عادت القضية الفلسطينية بوصلة العالم العربي. تعزَّزت الأواصر بين فصائل فلسطينية ومحور المقاومة. هذه تداعيات سلبية بالنسبة إلى إسرائيل وأميركا، لكن لم تصل الأمور إلى درجة الانتفاضة. بالتالي لم تصل إلى درجة تندم فيها إسرائيل وأميركا على هذا القرار.
تعلم إسرائيل مُسبقاً أن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية غير معنية بإطلاق انتفاضة. أيضاً حركة حماس مُقيّدة نتيجة الحصار في غزّة والضغط العربي عليها. من هنا تُقدِّر السلطات الأمنية في إسرائيل أن الحراك يمكن أن يبقى تحت السيطرة ما لم تحصل أمور غير مُتوقّعة.




























