Super User
فلسفة الحجّ وأسرار مناسكه
إنَّ البحث في مسألة الحجّ ومكانته في الشريعة الإسلامية وإن بدا مختصراً وموجزاً، وكذلك البحث في موقعه من الأحكام والفرائض الإسلامية والاهتمام البالغ الذي أبداه الوحي والقرآن والسنّة تجاه الحجّ، ودراسة ماهية وعمق أحكام الحجّ وشعائره
والقدم التأريخي الذي يتمتّع به الحجّ، والعلاقة الوثيقة والصّحيحة الّتي تربط الحجّ بأصل التوحيد، كلّ ذلك يمكنه أن يوضّح لنا الخلفيّة لأفق الفلسفة الواسعة الّتي يمتلكها الحجّ، وبحور أسراره العميقة والأغوار المكنونة في مضمون هذه الشعيرة والعبادة.
لاشكّ في أنّ الحجّ هو أحد أكبر الفرائض الإسلامية( 1)، وأعظم شعائر الدين( 2)، وأفضل الأعمال التي يُراد بها التقرّب إلى الله تعالى( 3)، وهو ركنٌ من أركان الدين( 4)، وتركه ارتكابٌ لكبيرة من الكبائر( 5)، ممّا يتسبّب في خروج المرء عن جادّة الإسلام والمسلمين( 6)، ويؤدّي إلى كفره( 7).
ذلكم هو الحجّ الذي يكافح ويناضل المسلم في سبيل أداء مناسكه، ويتمرّغ على تراب الذُلّ ويُحمِّلُ نفسه مشقّة وتعباً عظيمين، ويعاني مرارة الغُربة والهجران، ويمسك عن جميع ميوله ولذّاته، ويمتنع عن كثير من عاداته وطبائعه، باذلا القدر الأكبر من مصاريفه لذلك، ويتحمّل أعباءَ حجّة مهما بلغت صعوبتها من أجل تنفيذ أمر من أوامر الباري عزّوجلّ( 8).
ومع أنَّ الحجَّ يبدو وكأنّه عبادة من العبادات الأخرى، إلاّ أنَّ هذه العبادة تجمع في جنباتها- في الواقع- عبادات كبيرة عِدّة( 9)، ولايمكن لأيّ عبادة أن توازيه في ذلك( 10)، ولا ثواب لهذه الفريضة سوى حيازة رضوان الله ودخول جنّته( 11)، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «لو أنفقتَ في سبيل الله بحجم جبل أبي قُبيس ذهباً، فإنّك لن تصل مرتبة الحاجّ وما يحوزه من القَدر»( 12).
إنّه الحجّ الذي يُزيح عن كاهل المؤمن الكثير من المعاصي الكبيرة بأدائه هذه الفريضة، يمحو عن قلبه كلّ صَدإ سبّبته سيئاته فيكون كمن ولدته أمّه توّاً( 13)، ولا تكتب ضدّه سيئة أخرى حتّى مرور أربعة أشهر ما دام الحاجّ لم يرتكب كبيرة إثر ذلك، وتكتب له عوضاً عن ذلك حسنات كثيرة( 14).
لقد كان الحجّ فريضة مفروضة في أولى الشرائع الإلهيّة، وأدّاه الملائكة وآدم وحوّاء وأنبياء الله جميعاً على أكمل وجه( 15) وأدخَلَ إبراهيم إمام الموحّدين تعديلات عليه وَجدَّده( 16) وأُمِرَ إسماعيل بالتمهيد لإقامة تلك الشعيرة المقدّسة( 17)، وقد أدّى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) شعائر هذه الفريضة مرّات عديدة رغم كلّ الصعوبات الّتي واجهته( 18) وسعى مدى سنوات طوال لتثبيت هذه الفريضة، وتهيئة المسلمين لإقامة الحجّ الحقيقي. ووُفّق أخيراً وبعد الحوادث المريرة، والغزوات المتعدّدة. وبعد جهاد بالنّفس والمال والرّوح، وبذل أغلى الشهداء والأعزّاء، وقادة وروّاد الإسلام، وُفِّقَ بالدخول إلى مكّة في السنة الثامنة من الهجرة، وتمّ فتحها من قِبَلِ المسلمين، فأدّى (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع بعد ذلك في السنة التاسعة للهجرة بصحبة آلاف مؤلّفة من المسلمين والصحابة( 19)، بكلّ إجلال وأبّهة في جوٍّ تملأه المعنويات الطاهرة، والإخلاص التامّ ممزوجاً بالقُدرة والسلطان الكبيرين للإسلام( 20).
ومع وجود نفي الإكراه في الدّين( 21)، وطبقاً لسيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) المبيّنة على أساس ترك إجبار النّاس على فعل يكرهونه( 22)، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) الواضح في هذا المجال وهو «لستُ أرى أن أجبر أحداً على عمل يكرهه»( 23)، فإنّ الوالي والحاكم بإمكانه اجبار جماعة بالفعل; ذلك من أجل إحياء حجّ بيت الله الحرام( 24).
حقّاً إنَّ الحجَّ اختبارٌ كبير لعباد الله( 25)، إذ يتعامل الإنسان في الحجّ مع الحجارة والصحراء والصخور والحصى الّتي لاتضرّ ولاتنفع( 26) وظلّت الأعمال الّتي يمارسها الحاجّ موضع دهشة الكثير من العقائد الضالّة( 27).
الحجّ هو زيارة بيت الله الحرام( 28)، البيت الذي يبدو وكأنّه يُعبد كما تلوح به الأعمال في الحجّ( 29)، ومثابة للناس وأمناً وقبلةً يتوجّه نحوها الجميع في عباداتهم( 30)، وشعبة من جنّة الرضوان( 31)، والطريق المؤدّي إلى غفران الله( 32) ومجمع عظمته وجلاله( 33)، وأوّل بقعة خُلقت في الأرض( 34).
وكان إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) المنادي للحجّ( 35) حيث لبّت نداءَه كلّ النّطف الطاهرة عبر التأريخ( 36) وكانت الملائكة تؤدّي ذلك قبل آدم أبي البشر بآلاف السنين الطويلة( 37).
ويجذب الحجّ نحوه، كما هو الحال مع متشابه آي القرآن مقارنة مع محكمه، كلّ الأفكار عِبْرَ زوايا ومنعطفات وأبعاد مختلفة، فيخلّف وراءه الخلود والأثر البالغ والتهذيب والحداثة الدائمة في بؤر التأريخ المندثرة.
وليس الحجّ لغةَ عقيدة معيّنة، أو دستوراً مُحدّداً أو قيماً متفرّقة فحسب، بل هو مرآةٌ تعكس وجهات النظر لكلّ المدارس والمذاهب، وصورة مُصغّرة لكلّ ما يحتويه الإسلام، ذلك الإسلام الذي خرج بشكل قرآن مجيد مُبيّن الكلمات، وواضح الأسلوب، وتجلّى في قالب الإمام والإمامة فصار حركات وملامح تمثّلت في الحجّ. ويبدو أنّ كلَّ ما أراد الله تلقينه للبشر وتفهيمه إيّاه، قد صبّه في قالب يُدعى الحجّ.
ذلكم هو الحجّ الذي يسير فيه مخلوق في منتهى الصِغر نحو اللاّنهاية عِبر سَفَر لاينتهي، فتجسّد خلاله فلسفة خَلق بني آدم فيصوغه مشابهاً للتاريخ والعقيدة والأمّة، والُمخرج لكلّ تلك الأحداث هو الله سبحانه، ولغة التمثيل هي الحركة، وشخصياتها وأبطالها هم آدم وإبراهيم الخليل وهاجر وابنها إسماعيل، ومن ثمّ إبليس الذّليل، والماكياج والملابس هما الإحرام، والممثل في المشهد الفردي ذاك الذي هو قطرة في وسط اليمّ هو أنتَ أيّاً كنتَ( 38).
نعم، إنَّ الحجّ هو انموذجٌ مصغّر من هيكل الإسلام ككلّ، كما سمّـاه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ووصفه بأنّه الممثّل الوحيد لكلّ شريعة الإسلام( 39).
ومعَ أنَّ كلا مسؤولٌ عمّا انفق( 40)، وصرف في يوم يُحاسبُ فيه حتّى الأنبياء( 41)، إلاّ أنّه لايُسئل عن المال المصروف في سبيل تأدية الحج وإقامة شعائره( 42)، ذلك لأنَّ ترك هذه الفريضة يؤدّي إلى بروز الفِتن وتسعيرها( 43) وإيجاد المهلكة والفجائع بصورة عامّة( 44).
فالحجّ تفسيرٌ( 45) لآية ﴿ففرّوا إلى الله إنّي لكم نذيرٌ مبين﴾ ( 46) وبيانٌ ومصداقٌ( 47) لـ﴿ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فاصَّدَّق﴾ ( 48) وأخيراً فهو ﴿قياماً للناس﴾ ( 49) ورمز قوّتهم وعزّتهم( 50).
وهكذا، فلا يمكن للحجّ أن يكون مجرّد عمل عاديّ، وعبادة بسيطة، وشعيرة ظاهرية بحتة. إنَّ سبر أغوار ما ذكر من الأمور سابقاً يُجسّد لنا هذه الحقيقة وهي: أنَّ الحجّ يمتلك روحاً وعقلا وفلسفة عميقة وراقية، وله أسرارٌ وحكمٌ ولطائف قيّمة جمّة وأهد
اف وفوائد ونتائج حياتية كبيرة، ألقت بظلالها على حياة الإنسان في البعدين المادّي والمعنويّ، وبالنفوذ ببصيرة إلى أعماق تلك الأعمال الظاهرية. وبالوصول إلى باطن تلك الأعمال يمكننا تفهّم إشاراتها والمشار إليه فيها على السّواء. ﴿إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد﴾ ( 51).
مصادرنا في الحصول على فلسفة الحجّ وأسراره:
إنَّ ميزة التفكّر والتعقّل اللتين هما رسول الإنسان في باطن وجوده، وإن كانتا غير عاجزتين عن البحث في فلسفة الحجّ وأسراره المعقدة والعميقة، والآثار الحياتية الكبيرة له وأهدافه في مختلف أبعاده، وكذلك بواسطة تحليل منطقي بعد التنبّه إلى ماهية هذه المراسيم والمناسك والعناصر الأساسية المُشَكِّلة لها، والعلائق والكنايات والإشارات الخاصّة به، كلّ ذلك سوف يمكّننا حتماً من التعرّف على الكثير من هذه الحكم والأسرار. ولكن ونظراً لكون المعطيات والنتائج الحاصلة من ذلك هي عقلية بحتة، لاتخلو أن تكون تلك المعطيات ملوّثة بالإشكالات والهفوات و«دين الله لا يصابُ بالعقول»( 52)، ولذا فإنّنا اتّبعنا خطّ سير أكثر أماناً للحصول على فلسفة الحجّ وأسراره، وسنقوم ببحث وتقصّي أحكام وأسرار الحجّ بالاعتماد على نفس المصادر الّتي استخرجنا منها أحكامه ومناسكه.
ولحسن الحظّ فإنّ الوحي (الكتاب والسنّة) لم يتركانا سدًى في هذا المجال، حيث وضّحا لنا قسماً كبيراً من أسرار هذه العبادة وآثارها وأهدافها السامية في الحياة الإنسانية.
ولن نستند في بحثنا هنا- فيما يتعلّق بفلسفة الحجّ وأسراره- على النظرة العقلية والتفسير والتوجيه العقلانيّين، بل سنسعى إلى توضيح جزء من بحر لطائف وأسرار وأهداف ونتائج الحجّ الواسع مستفيدين من النّصوص الّتي بحوزتنا والمستخرجة
من آيات الكتاب، ومتون الأحاديث ونتعرّف على جانب من روح وعقل هذه العبادة الجماعية.
عباس علي عميد الزنجاني
________________________________________
1 «ليس شيء أفضل من الحجّ إلاّ الصلاة، وفي الحجّ هنا صلاة»، علل الشرايع: 156، وسائل الشيعة 8: 77، الحديث2.
2 جواهر الكلام 17: 214.
3 جواهر الكلام 17: 214.
4 قال الباقر (عليه السلام) : «بُني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة و
الحجّ والصوم والولاية». وسائل الشيعة 1: 7 و8، أُصول الكافي 1: 315، المحاسن للبرقي: 286.
5 تحرير الوسيلة 1: 370، وسائل الشيعة 8: 19، 21.
6 المصدر نفسه.
7 «قال الصادق (عليه السلام) في تفسير قول الله عزّوجلّ: (ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين) يعني من ترك»، وسائل الشيعة 8: 20.
8 جواهر الكلام 17: 214.
9 جواهر الكلام 17: 214.
10 «قال الصادق (عليه السلام) : ما يعدله شيء»، وسائل الشيعة 8: 77 و
78، الحديث 3 و7.
11 مستدرك الوسائل كتاب الحجّ، الباب 24، الحديث 22 و24، صحيح مسلم 4: 107.
12 وسائل الشيعة 8: 79، الحديث1، التهذيب 1: 451.
13 ثواب الأعمال: 27، وسائل الشيعة 8: 83، الحديث 15.
14 المصدر نفسه: 79، الحديث1.
15 من لا يحضره الفقيه 1: 159، علل الشرايع: 399- 406.
16 (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم)، البقرة: 127.
17 (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود)، البقرة: 125.
18 في صحيح البخاري: «حجّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قبل النبوّة وبعدها، ولم يعرف عددها ولم يحجّ بعد الهجرة إلاّ حجّة الوداع». وفي الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : حج رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشرين حجّة مستقرة.
19 سفينة البحار 2: 306.
20 نقل الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب والشيخ العاملي في وسائل الشيعة خبر حجّة الوداع عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، وكذلك نقله مسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي والنسائ والترمذي في صحاحهم وسننهم عن الجابر عن الإمام ال
صادق (عليه السلام) .
21 (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ)، البقرة: 256.
22 فروغ أبديّت (باللغة الفارسية): 388.
23 نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5: 359.
24 فروع الكافي 1: 237- 241، علل الشرايع: 138، التهذيب 1: 452.
25 و نهج البلاغة، الخطبة رقم 192.
26 علل الشرايع: 403.
27 وسائل الشيعة 8: 6، سورة الحجّ: 27.
28 وسائل الشيعة 8: 6، سورة الحجّ: 27.
29 (وإذ جعلنا البيت مثابةً للنّاس وأمناً)، البقرة: 125. (فلنولينّك قبلةً ترضاها)، البقرة: 144.
30 «فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه منصوب على اسواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام». فروع الكافي 1: 219.
31 «فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه منصوب على اسواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام». فروع الكافي 1: 219.
32 «فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه منصوب على اسواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام». فروع الكافي 1: 219.
33 «فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه منصوب على اسواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام». فروع الكافي 1: 219.
34 سورة الحجّ: 27.
35 وسائل الشيعة 8: 5، الحديث9.
36 المصدر نفسه، الحديث6.
37 نقلا عن كتاب الحجّ، للدكتور علي شريعتي.
38 «والخامسة الحجّ وهي الشريعة». علل الشرايع.
39 (ولنسئلنَّ المرسلين)، الأعراف: 67.
40 (ثمّ لتسئلنّ يومئذ عن النعيم)، التكاثر: 8.
41 بحار الأنوار 99: 5.
42 المصدر نفسه.
43 «قال عليّ (عليه السلام) : لا تتركوا حجّ بيت ربّكم فتهلكوا»، ثواب الأعمال: 212.
44 تفسير القمّي: 448، معافي الأخبار: 222، بحار الأنوار 99: 6.
45 الذاريات: 50.
46 تفسير القمّي: 682، بحار الأنوار 99: 6.
47 المنافقون: 10.
48 المائدة: 97.
49 «قال الصادق (عليه السلام) : لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة»، الكافي 4: 271، الحديث24، «فرض الله الحجّ تقوية للدين»، نهج البلاغة، المواعظ والحكم، رقم 244.
50 سورة ق: 37.
51 بحار الأنوار 3: 303، الحديث41.
52 مستدرك الوسائل 2: كتاب الحجّ، الباب 17، الحديث5، سفينة البحار 2: 71.
أضواء من أسرار الحجّ
إنّ جميع الأنبياء قد بعثوا لمحاربة الشرك، وعبادة الأصنام، ولفهم هذا الأمر بشكل واضح يكفينا مطالعة هذه الآية الشريفة:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾(1).
إنّ هذه الآية المباركة توضح وبشكل جليٍّ، بأن من أهم واجبات الأنبياء إزالة مظاهر الشرك بأنواعه كافة في كلّ آن ومكان.
من هنا ومن خلال أخذ هذا الأصل بنظر الاعتبار، فإنّ بعض الأعمال في الصلاة ومراسم الحج تبدو في ظاهر الحال وكأنها لا تتلائم مع مبدأ التوحيد; من قبيل: التوجه نحو الكعبة أثناء الصلاة، وما هي سوى أحجار وطين، أو لمس (الحجر الأسود)باليد الذي لا يعدو كونه جماداً ليس إلاّ، أو السعي بين جبلي (الصفا)و (المروة)وغيرها من الأعمال. وعليه يفرض هذا التساؤل نفسه، ما هو السرّ الكامن في هذه الأعمال والواجبات؟ وما هو وجه الاختلاف بينها وبين أعمال المشركين؟
وقبل البدء في بيان أسرار هذه الأعمال، نُشير إلى أن هذا التساؤل سبق أن طرح قديماً. ففي عصر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حضر ابن أبي العوجاء ـ رئيس الماديين آنذاك ـ مع جماعة من أصحابه عند الإمام الصادق(عليه السلام)، وتوجّه له بالسؤال التالي: (يا أبا عبد الله! إنّ المجالس أمانات، ولابد لكلّ من به سعال من أن يسعل أتأذن لي في الكلام؟
فقال: تكلّم، فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المعمور بالطوب والمدّر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، إن مَن فكّر في هذا وقدّر علم أن هذا فعلٌ أمسه غير حكيم ولا ذي نظر. فقل فإنك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أسّه وتمامه فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنّ مَن أضلّه الله وأعمى قلبه استوخم الحق، ولم يستعذبه، وصار الشيطان وليّه وربّه وقرينه، يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره. وهذا بيت استعبد الله به خلقه; ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه وزيارته، وجعله محلّ أنبيائه، وقبلة للمصلّين إليه، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، ومجمع العظمة والجلال، خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام فأحقّ من أطيع فيه أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر الله المنشئ للأرواح والصور(2).
فمن خلال المنطق القويم والحديث الحكيم، كشف الإمام الصادق (عليه السلام)النقاب عن بعض أسرار الحج. حيث سننقل نفحات ورشحات من حديثه المبارك وسائر أئمة الهدى، الوارد في الإجابة عن هذا السؤال: والهدف المتوخى من وراء هذا النقل، الإشارة إلى قِدَمِ هذا السؤال، ليتّضح لنا بأن هذه التساؤلات، كان لها حضورٌ في أذهان الناس.
1 ـ سرّ التوجّه إزاء الكعبة أثناء الصلاة:
على العكس ممّا كان يجول في ذهن ابن أبي العوجاء، المادي المعروف في عصر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فانّ الهدف من التوجه نحو الكعبة أثناء الصلاة، لا يعني عبادة الكعبة أو حجرها وطينها. فإنّ جميع المصلّين يعبدون الله تعالى، وحال توجههم نحو الكعبة، فإنّ الجميع يخاطب الله الواحد الأحد بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾والعلة في توجهنا نحو الكعبة حال الصّلاة، تكمن في أن الكعبة تعدّ أقدم معبد وبيت للتوحيد، بني بأيدي أنبياء الله العظام للموحّدين من أهل الأرض، ولا يسبقه في هذا القِدَم أيّ معبد آخر، كما يقول القرآن الكريم:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾(3).
إنّ الشريعة الإسلامية المقدّسة، ومن أجل إيجاد الوحدة بين المصلّين، وتوحيد صفوف المتوسّلين، أوجبت على الجميع أداء الصلاة بلغة واحدة، والتوجّه إلى أقدم المعابد حال الصلاة، لتحفظ من خلال هذا السبيل وحدتهم حال العبادة والتعبّد; أي أن يتفوّه ملايين البشر في آن واحد بكلام واحد، ويتّجهون نحو نقطة واحدة. وأن يعلنوا وحدتهم واتّحادهم بشكل واضح وعلني. وبناءً على ذلك، فإنّ التوجّه نحو هذا المعبد ليس بمعنى عبادته، بل بمعنى جعله رمزاً لوحدتهم واتّحادهم حال العبادة.
لقد كان المسلمون في صدر الإسلام، يقيمون الصلوات جماعة، وصلاة الجماعة من المستحبّات المؤكدة في الإسلام. فلو أراد جمعٌ أداءَ فريضة ما معاً، عليهم أن يتوجهوا جميعاً إلى وجهة واحدة، وبغير هذه الصورة لا يمكن أداء الفريضة.
إنّ نبي الإسلام والمسلمين جميعاً، ظنّوا يصلّون لفترة من الزمن متّجهين في صلاتهم تلك نحو (المسجد الأقصى)إلاّ أنّه وبعد سبعة عشر شهراً من تاريخ الهجرة، جاء الأمر بأن يتّجه المسلمون نحو المسجد الحرام والكعبة حيثما كانوا، لأسباب وعلل ذكرت في محلّها قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿…فولّوا وجوهكم شطره…﴾(4).
لقد ذكّر الإمام الصادق (عليه السلام)هذا المعترض المادي في عصره بواحدة من أسرار التوجه نحو الكعبة حال الصّلاة وقال: (وهذا البيت استعبد الله به خلقه; ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه وزيارته، وجعله محلَّ أنبيائه، وقبلة للمصلّين إليه. فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه.
2 ـ لماذا نستلم الحجر الأسود باليد؟
يستفاد من الأحاديث الإسلامية، أن بناء الكعبة كان موجوداً، قبل عصر سيّدنا إبراهيم(عليه السلام)، وأن جداره تهدم على أثر طوفان نوح (عليه السلام). وبعد أن أُمِرَ النبيّ إبراهيم بإعادة بناء الكعبة، وَضَعَ (الحجر الأسود)وهو جزءٌ من جبل (أبو قبيس، وضعه بأمر الله تعالى في جدارها. والآن يطرح هذا السؤال: لماذا نستلم هذا الحجر بأيدينا؟ وما هو الهدف من هذا العمل؟).
وجواب ذلك: أنّ استلام الحجر ووضع اليد عليه، يعدّ نوعاً من العهد والبيعة مع سيدنا إبراهيم; لمحاربة مظاهر الشرك وعبادة الأوثان بأنواعها كافة، أسوةً ببطل التوحيد، وأن لا ننحرف عن الحنيفية، ولا نخرج عن جادة التوحيد في مظاهر الحياة كافة.
وتتم البيعة مع الفرد أحياناً، بمصافحة يده وغمزها، أو بمسك طرف الثوب، وأحياناً أُخرى تتم بشكل أو بآخر. ونقرأ في التاريخ عندما نزلت الآية المباركة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا…﴾(5)، فإنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) أمر بإحضار إناء فيه ماء، ووضع يده المباركة فيه، ثمّ أخرجها من الماء وقال: مَنْ أرادت منكنّ أن تبايعني، فلتضع يدها في الماء، وتبايعني على ما في هذه الآية. ومن هنا فإنّ مبايعة رسول الله تمت عن طريق وضع اليد في شيء وضع هو يده فيه. ومسألة استلام (الحجر الأسود)من هذا القبيل أيضاً.
فالهدف إذن، أن نبايع بطل التوحيد ونبيّنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) على صيانة التوحيد. لذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام): وقل عند استلامك الحجر:
(أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدتُه لِتَشْهَد لي بالمؤافاة)(6).
يقول ابن عباس: (واستلامه اليوم (أي الحجر) بيعة لمن لم يدرك بيعة رسول الله (صلى الله عليه وآله)(7).
وبناءً على ذلك فإنّ الهدف من تقبيل الحجر واستلامه، تجسيدٌ لميثاق قلبي مركزه روح الإنسان. وحقيقة الأمر، فإنّ زائري بيت الله بعملهم هذا، يجسّدون ذلك الميثاق القلبي على هيئة أمر ملموس ومحسوس.
وفي الكثير من بلدان العالم، يقدّس الجنود أعلام بلدانهم، ويقفون أمامها بإجلال وإكبار مجددين العهد باليمين. ومن المسلم به، أن العَلَم بضعة أمتار من القماش ليس إلاّ. إلاّ أنّه يمثل رمز استقلال البلد، وعنوان إرادته الوطنية والشعبية. وفي هذه الحالة، فإنّ الجندي بدلا من مصافحة أيدي الناس أو القادة وغمزها، فإنّه يشير إلى العلم ويؤدي اليمين والعهد. وستقرأ في الجزء الآخر من الجواب، بأن الهدف من بعض مراسم الحج، هو تجسيدُ نوع من الحقائق، التي جسّدت نفسها عن طريق أعمال الحج.
3 ـ ما الهدف من السعي بين الصفا والمروة؟
إنّ حجاج بيت الله، ومن خلال السعي بين الصفا والمروة، يجسّدون حالة السيدة هاجر أمّ إسماعيل (عليه السلام). وبشهادة التأريخ، فإنّها ـ ومن دون أن تيأس من رحمة الله تعالى ـ سعت في تلك الصحراء العارية من الزرع والماء، سبع مرّات بين ذنيك الجبلين بحثاً عن الماء، وفي نهاية المطاف شملها لطف الله تعالى، ونالت مقصودها، وبعد أن فار الماء تحت أقدام إسماعيل (عليه السلام) نجت هي وابنها من العطش.
ويستفاد من بعض الأحاديث، بأنّ الشيطان قد تجسّد لسيّدنا إبراهيم(عليه السلام)في هذا المكان، وأخذ يعقّبه في سعيه، ليبعده عن حرم بيت الله. وبأدائنا لهذا العمل، إنّما نجسّد ذلك العمل المعنوي(8).
وبذبح القرابين في صحراء منى، فإنّنا نحيي ذكرى فداء سيّدنا إبراهيم(عليه السلام)الذي ضحّى بكلّ شيء في سبيل الله حتى ولده.
4 ـ ما الهدف من رمي الجمرات؟
إنّ حجاج بيت الله الحرام يرجمون في أيام العاشر والحادي عشر والثاني عشر، أعمدة معيّنة في أرض منى (قرب مكّة) بالحجر. وبهذا العمل فإنّهم يرمون في الظاهر نقطة معيّنة بالحجر، إلاّ أنّهم يرجمون الشيطان في باطنهم.
والأحاديث الإسلامية بيّنت ماهية هذا العمل بقولها: إنّ الشيطان قد تجسّد لسيدنا إبراهيم (عليه السلام) في الأماكن الثلاثة هذه، ورجمهُ إبراهيم بالحجر ليظهر تنفّره منه. وبقي عمل إبراهيم هذا سنّةً إلهية في أعمال الحج.
إنّ حجاج بيت التوحيد، وإظهاراً لنفرتهم من الشيطان والشياطين، يرجمون تلك النقطة بالحجر تعبيراً عن إبراهيميتهم. وبهذا الشكل فإنّهم يعبرون عن غضبهم من كلّ موجود شرير خبيث ونجس. وإن النفرة من النجاسة وهي أمر معنوي وقلبي، يعبرون عنها بهذه الطريقة بشكل ملموس ومحسوس.
واليوم فإنّ الشعوب المستضعفة، التي تعاني من الظلم والجور، تقوم بإحراق أعلام الدول المستكبرة السلطوية، والعلم ليس أكثر من بضعةِ أمتار من القماش الملوّن. إلاّ أنّ الشعوب ـ ومن أجل إظهار غضبها تجاه الفضائع والجرائم التي ترتكبها القوى العظمى ـ تقوم بإحراق رموزهم، وكأنهم قاموا بإحراقهم وإبادتهم والقضاء عليهم، وعلى الأقل فإنّ هذا العمل يبيّن انزعاجهم الشديد من أولئك الظّلمة.
وخلاصة القول: فإنّ الذي يتأمل في تاريخ فرائض الحج، يتلمس الحقيقة التالية: وهي أنّ الكثير من هذه الأعمال، الغرض منها تجسيد طائفة من الذكريات البنّاءة من حياة وسيرة سيّدنا إبراهيم (عليه السلام)، ومجموعة من الأمور المعنوية والأخلاقية، التي تؤدّى بسلسلة من الأعمال بشكل نموذجي ومنظّم، وليس الغرض منها عبادة الحجر والطين
والجبل مطلقاً.
سماحة الشيخ جعفر السبحاني
1– الأنبياء: 25.
2– الكافي 4: 197 ح 1.
3– آل عمران: 96.
4– البقرة: 144.
5– الممتحنة: 12.
6– وسائل الشيعة 9: 400 باب 12 ح 1.
7– وسائل الشيعة 9: 406 باب 12 ح 15 أبواب الطواف.
8– وسائل الشيعة 9: 512 ح 12 أبواب السعي.
فلسفة الحج الاجتماعية.. رحلة بناء الإنسان
يقول الله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً، وعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، ويَذْكُروا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعلومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ، فَكُلوا مِنْهَا وأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ) (الحج: 27، 28).
جعل الله لعباده في أيامه أعيادًا ومواسم، يتذكرون فيها نَعماءه، ويشكرون آلاءه، ويحمدونه أثناءه على توفيقه لهم في ميادين الطاعة والعمل الصالح، والصفة الغالبة على هذه الأعياد والمواسم، هي أن الحقَّ ـ تبارك وتعالى ـ قد جعلها مناسبات لتجميع الأمة، وتأليف قلوبها، وتوحيدها في وجهتها وطريقتها، وحركاتها وسكناتها، وآلامها وآمالها، والتسامي نحو الوحدة التي يريد الله لعباده وأوليائه أن تكون متحققة فيهم على الدوام،( وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون: 52)، كما يريد سبحانه لهذه الأمة أن تكون متكافلة متضامنة، تبدو كتلة واحدة إذا تحركت بأجمعها؛ لأن كل جزء منها ملتئم مع بقية الأجزاء ومرتبط بها، ومن هنا صَوَّرَ الرسول ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ الأمة بهذه الصورة الرائعة فقال: “مثل المؤمنين في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسَّهَر”، كما قال: “المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا”.
وأكبر عيد تبدو فيه الأمة المؤمنة مجتمعة متلاقية هو عيد الحج الأكبر، الذي يمثل المؤتمر الإسلامي الأعظم، حيث تخرج الألوف بعد الألوف، من مشارق الأرض ومغاربها، ساعين إلى ربّهم، متحمّلين وَعثاء السفر ومشقّات الرحلة، ليتلاقَوا فيتعارَفُوا ويتآلَفًوا، ويتدارَسُوا ويتباحثوا، ويطلبوا الحلول لمشكلاتهم المختلفة، وليشهدوا منافع لهم، وليذكروا اسم الله في أيام معدودات، وليوفوا نذورهم، وليطّوّفوا بالبيت العتيق أول بيت وضع للناس…
وقد شرع الله الحجّ ليكون رحلة خالصة مخلصة لوجهه وفي سبيله، تتوافر فيها رياضة الحسّ والوجدان، وحمل النفس على التجرُّد من زينة الحياة، والإقبال بها على طاعة الرحمن؛ ولذلك كان في الحج انتقال وارتحال، وإعداد للزاد، واحتمال لمشاقِّ السفر وتغير الأجواء، وتجرد من متاع الحياة، حتى في الثياب المألوفة والملابس المعروفة، وإقبال على الله بالحسّ والنفس، والعمل والقول، والذكر والفكر، فشعار المسلم منذ إحرامه هو نداؤه ودعاؤه:” لَبّيكَ اللهمّ لَبيْكَ، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.
ولذلك كان من أول ما يلزم للحجِّ هو النيّة الطاهرة الصادقة، التي يعزم فيها المسلم على الرحيل إلى ربه بنفس مؤمنة، وذات تائبة، وهمّة معرضة عن الشهوات والملذات، مقبلة على الطاعات والقربات؛ لأنه سيحل ضيفًا على ربه عزّ وجلّ، حول بيته الذي جعله الله مباركًا وهدى للعالمين.
وبيت الله كما علَّمنا الإسلام يحتاج في زيارته إلى طهارة المظهر والمخبر، وقد روى الإمام القرطبي عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:” إن الله أوحى إليَّ: يا أخا المنذرين، يا أخا المرسلين، أنذر قومك ألا يدخلوا بيتًا من بيوتي إلا بقلوب سليمة، وألسنة صادقة، وأيدٍ نقية، وفروج طاهرة، وألا يدخلوا بيتًا من بيوتي ما دام لأحد عندهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائمًا بين يديّ، حتى يردّ تلك الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيّين والصديقين، والشهداء والصالحين”.
واذا كان هذا يقال في حق أي بيت من بيوت الله، فكيف بالبيت الحرام الذي يقول فيه بديع السموات والأرض: (وإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثابَةً للنّاسِ وأَمْنًا، واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، وعَهِدْنا إِلَى إِبْراهِيمَ وإسماعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطّائِفينَ والعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة: 125).
ويقول تبارك وتعالى: (جَعَلَ اللهُ الكَعْبةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيامًا للنّاسِ والشَّهْرَ الحَرَامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ، ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَواتِ ومَا فِي الأَرْضِ، وأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ) (المائدة: 97).
كما شرع الله الحجَّ ليعلم عباده كيف يترفَّعون عن الأحقاد والأضغان، ويتناسَون الشحناء والبغضاء، ويزهقون رُوح الخصومة والمعاداة؛ ولذلك جعل الله موسم الحج فرصة للإخاء والصفاء، والتنزه عن الخلاف والاعتساف، حتى في الكلام والحوار، والتطهر من كل أسباب التمرد والانحراف؛ ولذلك يقول أصدق القائلين سبحانه: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعلوماتٌ، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ ولاَ فُسوقَ ولاَ جِدالَ فِي الحَجِّ، ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْه اللهُ، وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوَى، واتَّقونِ يا أُولِي الألْبابِ) (البقرة: 197).
وموسم الحجّ موسم أمان وسلام، يأمن فيه كل فرد على نفسه ومتاعَه، وكلّما تطلَّع المسلم إلى بيت الله الكريم قال، كما كان يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربَّنا بالسلام”.
بل إن الحَمَام نفسه – وهو طائر رقيق ضعيف – يأمن على نفسه، فهو يطير هنا وهناك، وينتقل من مكان إلى مكان، لا يخشى عند الحرم أذى أو عدوانًا، وكيف يخشى ذلك وهو في الحرم، وحول البيت الحرام، وفي البلد الحرام، وفي الموسم الحرام، حيث لا يكون اعتداء أو انتقام؟
وهذا رسول الله ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ يقول عن مكة يوم الفتح: “إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، لا يُعضد شوكه – أي لا يقطع – ولا ينفَّر صيده، ولا تلتقط لُقَطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها” (أي لا يقطع نباتها الرطب الرقيق ما دام رطبًا).
وهؤلاء هم ضيوف الله حول بيته، كأنهم في صلاة ممتدة الأجل طويلة الأمد، فهم يتحركون ويذهبون ويجيئون، وذكر الله هو الشغل الشاغل لهم، وتصفية قلوبهم هو الأمر المسيطر عليهم، وتطهير نفوسهم هو المقصد الأسمى من رحلتهم، حتى يتحقق فيهم ومنهم الحج المبرور الذي يجعل المرء وكأنه قد ولد من جديد، مصداقًا لقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: “ليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة”. ولعل هذا لا يبعد عن مجال الحكمة في أن يطوف المسلم حول الكعبة طاهرًا متوضِّئًا كأنه في الصلاة.
وقد جاء في الحديث “الطواف بالبيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير”، ألا ما أجملها من رحلة، وما أكرمها من ضيافة، وما أعظمها من نعمة وما أجلَّه من فوز مبين.
يذهب المسلم الصادق إلى الحج، فإذا وفقه مولاه جل علاه لتأدية الفريضة على الوجه الأكمل، فقد وصل إلى جملة أغراض وعدة مقاصد: إنه يسهم أولا بشخصه مع إخوانه في الله، في تطبيق الوحدة على أوسع نطاق مستطاع، وهو يزور الأماكن الطيّبة المقدسة صاحبة الذكريات الدينية المجيدة، والنفحات الإلهية العديدة، فيكون له من هذه الذكريات نور وضياء، ومن هذه النفحات غذاء ودواء، ومن التدبر والتفكر وإيقاظ وإحياء، والذكرى تنفع المؤمنين.
وهو يرى المشاعر الحرام فيزداد لدين الله إجلالاً، وعلى ربه إقبالاً، وهو يرى بعينه كيف انبعث دين الإسلام الهادي من جوف الصحراء، ومن واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، ومع ذلك عمر هذا الإسلام دنيا الناس بالخيرات والبركات، وزانها بالطيّبات الصالحات، وأخرج من رمال الفيافي ومن جوف الخيام رجالاً صاروا فرسان النهار ورُهبان الليل، فعلموا الدنيا كيف تكون القيادة الرشيدة، والعبادة المجيدة، والجهاد من أجل الحق والخير والعدالة والإخاء.
إن الحج فريضة تُوجِد في الإنسان إذا أدّاها بصدق وإخلاص كثيرًا من مقومات الشخصية الاجتماعية المنشودة للمجتمع الحي الدؤوب، فهي تأخذه أولاً بالتوبة، والتطهر من المآثم والمظالم، وتعلمه الرحلة في سبيل العقيدة، والتعب في سبيل المبدأ، وهي تعلمه أيضًا كيف يلتئم وينسجم مع إخوانه في مؤتمر عام ضخم، وهي تعوّده كيف تنبسط يده بالبرِّ والإحسان، وتعوّده على التضحية والبذل، وحبَّذا لو فقهت ملايين المسلمين هذه الفريضة الجليلة على هذا الوضع، حتى تتضاعف الثمرات من أداء الحج في كل عام.
د.أحمد الشرباصي (رحمه الله) أمين سابق للفتوى في الأزهر الشريف، توفي في عام 1980م
معنى أن تكون مقاوِماً فلسطينياً وليس ضحيّة تستدرِج العطف
يربح الفلسطيني ويربح كل شعب محتل معركته ضد الاحتلال بخلع ثياب "اللجوء" و"الضحية" وارتداء ثياب المقاومة والامتناع عن خلعها إلى أن يرحل المحتل هو وديمقراطيته وقضاؤه وأخلاقه وعاداته وتقاليده مرة واحدة وإلى الأبد.
شاهدنا في الأيام الأولى لانتفاضة القدس، جنوداً إسرائيليين يبطحون فتى فلسطينياً قاصِراً على الأرض ويثبت أحدهم سبطانة بندقية أميركية أم 16 على رقبته فيما الكاميرا تصوِّر المشهد، على مقربة نصف متر أو أقل. ليس هذا الحادث فريداً من نوعه، فقد شاهدنا من قبل عشرات الحوادث التي طالت فلسطينيين من أعمار مختلفة. كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية تنقل تفاصيلها لحظة بلحظة، بل أحياناً تنقل تفاصيل قتل متظاهر كما هي الحال مع الطفل الشهيد محمّد الدرّة خلال انتفاضة الأقصى مطلع هذه الألفية.
لم يسبق أن طرح السؤال حول غاية سلطات الاحتلال من السماح بتصوير هذه اللقطات التي يفترض أنها تُدين المحتل. فهل يريد إدانة نفسه بنفسه ؟ وهل هو عاجز عن منع المصوّرين من مواكبة أعمال القمع ؟ أم أن المحتل ديمقراطي إلى حد لا يمكنه منع وسائل الإعلام من إظهار وحشيّته؟ أم أن سبباً أو أسباباً أخرى تقف وراء هذه المشهدية القذرة؟
ما من شك في أن المحتل ليس مازوشياً لكي يتيح صوَراً تُدين قمعه للشبّان الفلسطينيين، فقد منع ويمنع دائماً تصوير المشاهد التي تضعف معنويات الإسرائيليين أو يمكن استخدامها في المحاكم الدولية لإدانة المحتل، وفرض عقوبات عليه وهذا يعني أنه قادر على المنع والسماح بالتصوير وفق حساباته ومصلحته.
أما القول بأن الديمقراطية الإسرائيلية تحول دون المنع فلا قيمة له، لأنها لا تعصم المحتل عن ارتكاب المجازر بحق الفلسطينين والعرب في مناسبات عديدة ومعروفة. أما لجان التحقيق في المجازر المرتكبة فهي من باب التأكيد على "ديمقراطية المحتل" وبالتالي قطع الطريق على محاسبته دولياً وهو لم يُحاسَب أبداً عن المجازر التي ارتكبها وأشهرها صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982.
أحسب أن اندراج هذا النوع من الممارسات في مشهديّة يريد الصهيوني فرضها على مخيّلة الفلسطينيين وتثبيتها في لا وعيهم، وتقوم على حصرهم في صورة الضحية، وحملهم على التصرّف كما يتصرّف الضحايا الذين يستدرِجون العطف. ومن جهة أخرى نقل صورة إلى المجتمع الإسرائيلي تعكس علاقة القوّي بالضعيف والسيّد بالضحية. بعبارة أخرى تأكيد نظرة الإسرائيلي لنفسه بوصفه سيّدا قوّياً يقمع ويصوّر قمعه ويرفع معنويات شعبه بمواجهة عدوّه الوجودي، ناهيك عن الظهور أمام المجتمع الدولي بصفة مَن يقمع ويتيح المُقاضاة والعقاب وفق القوانين وليس بحسب شريعة الغاب.
بالمقابل من الصعب علينا أن نرى صوَراً صهيونية لجنود أذّلاء وهم يبكون خلال حرب العام 2006 ويسارع الصهاينة على الفور إلى اخلاء ساحات المعارك من آثار تدلّ على هزيمتهم، أو انسحابهم أو تراجعهم، فإذا كان التصوير الحر هو جزء لا يتجزّأ من "الديمقراطية" المزعومة لماذا لا تسلّط الأضواء على الجنود الباكين أو الذين يتبوّلون في ملابسهم أو الذين يرتكبون أعمال قتل وحشية أو يسرقون أو يغتصبون ... الخ
بعيداً عن هذا الهراء الديمقراطي الإسرائيلي يبدو لي أن المقصود هو تثبيت صورة الضحية في ذهن الفلسطيني وحمله على التصرّف ككل الضحايا الذين لا يلوون على شيء غير التظلّم والشكوى وطلب العدالة، كما أن الصورة نفسها تؤكّد على هرمية الاحتلال بين "سيّد" صهيوني قوّي وفلسطيني ضعيف يتطلّع إلى عدالة ما محلية أو عالمية تنصفه من عسف الاحتلال وظلمه.
لطالما سمعت عبارات من فلسطينيين تحت الاحتلال يقولون " الصهاينة كلاب بس عندهم قانون يحترمونه بتعرف من خلاله وين الك ووين عليك".. هذا القول خطير للغاية لأنه يعكس الصورة التي أحاول رسم معالمها للضحية الفلسطينية والتي يسعى المحتل لتثبيتها ، وإذ ينجح فإنه يطيح بمعادلة المُغتصِب الذي لا شرعية له ولا لقوانينه ولا رابط بينه وبين ضحاياه غير الاقتلاع ، فإما أن يثبت وجوده الغريب الذي ينفي وجود أصحاب الأرض أو أن يرحل مع كل مزاعمه.
عندما تقبل بالتقاضي مع المحتل في محكمته أو في محاكم أخرى فأنت تعترف بوجوده وبكونه جديراً بالتحكيم معك بوصفك ضحية وليس صاحب أرض. هذه المعادلة رفضها المقاومون في جنوب لبنان في كل مراحل التفاوض مع المحتل ولم يوقّعوا أوراقاً واتفاقات معه ، وعندما طرح عليهم الأمر كانوا يقولون هم جاؤوا إلى بلادنا وعليهم أن يرحلوا كما جاؤوا بلا قيد أو شرط.
لتبيان خطورة منطق الضحية لابدّ من التذكير بتعريفها في القواميس المُتداوَلة حيث نرى أن الضحية "الشخص أو الجماعة التي تتعرّض لأذى أو لضرر مادي أو أخلاقي أو لسوء معاملة أو لاغتصاب جنسي أو جرّاء كارثة طبيعية ... الخ " و لكل ضحية " الحق في الذهاب إلى القضاء أو طلب المساعدة من الدولة أو طلب التعويض أو توفير الحماية أو التمتّع بالعطف من طرف المُعتدي ".
وإذا ما أضفنا إلى هذا التعريف وصف "لاجىء" فلسطيني أي إنه لجأ ولم يقتلع من أرضه واستقرّ حيث هو كغيره من ضحايا الكوارث أو المعاملة السيّئة، إذا أضفنا هذا الوصف إلى وصف الضحية ينتفي فعل الاقتلاع ومعادلة الوجود بالوجود ، وبالتالي خوض صراع وجودي بين أن يكون الصهيوني أو أن يكون الفلسطيني على أرض فلسطين. ويحلّ محلّ الفعل المقاوِم، التقاضي أمام المؤسّسات الدولية وطلب الحق من محاكم الدول التي زرعت الكيان الصهيوني في أرض فلسطين باعتبارها أرضاً "محتلة" من طرف المسلمين و"تحرّرت" على يد البريطانيين والفرنسيين في العام 1916 خلال الحرب العالمية الأولى
فيصل جلول
احتجاجات الجزائر دِفاعاً عن القدس
موقف الشعبي للشارع الجزائري يعكس الموقف الرسمي الرافِض لهذا القرار، إذ أصدرت وزارة الخارجية الجزائرية بياناً شديد اللهجة أكّدت من خلاله على دعم الدولة الجزائرية لصمود الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال الصهيوني، ورفضها القاطِع لقرار ترامب والذي ترى فيه الدولة الجزائرية انتهاكاً خطيراً وفاضحاً لكل لوائح مجلس الأمن الدولي، ولقرارات الشرعية الدولية، باعتباره يقوِّض جهود بعث مسارات السلام المُتوقّفة منذ مدة طويلة بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني.
ارتباط الشعب الجزائري بالقضية الفلسطينية وحبّه الجارِف لكل ما يتعلّق بها ورفضه كل أشكال التطبيع أو التعاون مع الكيان الصهيوني، والسياسات التي تتّبعها بعض الدول لإنهاء وتصفية القضية الفلسطينية ومنها قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المُستفزّ لمشاعر الأمّتين العربية والإسلامية ، والقاضي بنقل السفارة الأميركية من مدينة تل أبيب إلى مدينة القدس ، وإعلان تلك المدينة التي تُعتبَر جوهر الصِراع العربي الصهيوني عاصمة للكيان الصهيوني المُحتل، في تجاوز صريح وفاضِح لكل القرارات الدولية المُتعلّقة بملفات الحلّ النهائي للقضية الفلسطينية، الشعب الجزائري الغيور على الأقصى انتفض عن بكرة أبيه ، فخرجت تظاهرات مُندِّدة بهذا القرار المُجحِف ، وذلك في العديد من المدن الجزائرية كمدن قسنطينة ووهران ومدن داخلية وجنوبية كالوادي وبوسعادة، كما نُظَّم تجمّع شعبي نصرة للأقصى في القاعة البيضاوية في العاصمة. بعد أن سمحت السلطات السياسية بذلك. حيث امتلأت القاعة عن آخرها وحضرت هذا التجمّع شخصيات سياسية معروفة. بالإضافة إلى زعماء أحزاب وشخصيات وطنية ومئات الآلاف من المواطنين ، وقد أكّد الحضور على دعمهم لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المُستقلّة على كامل تراب فلسطين وعاصمتها القدس الشريف، ورفع الحضور عدَّة شعارات داعِمة للقضية الفلسطينية ومنها الجزائر مع فلسطين ظالِمة أو مظلومة ، بالروح بالدم نفديك يا أقصى ، والقدس إسلامية، وكذلك شعار على القدس رايحين شهداء بالملايين.
كما نُظّم الكثير من المسيرات الطلابية وفي مختلف الجامعات الجزائرية كجامعات بوزريعة وبن عكنون ودالي إبراهيم، وكذلك جامعة جيلالي اليابس في سيدي بلعباس وجامعة الحاج لخضر بباتنة في الشرق الجزائري، وكذلك جامعات الأغواط والمسيلة وبجاية وتيزي وزو وتلمسان وعين الدفلى ... الخ، وطالب بعض الطلبة السلطات الجزائرية بالسماح لهم بالجهاد في فلسطين المحتلة بعد أن سئم هؤلاء من التخاذُل الرسمي العربي لعقود، مُعتبرين إيّاه السبب الرئيس في ضياع المسجد الأقصى، كما رفعت الجماهير الجزائرية في ملاعب كرة القدم عدّة صوَر جدارية تُبيّن مدى عشق الشعب الجزائري لفلسطين، كما رفعوا خلال إحدى المباريات الودّية التي أقيمت فوق أرضية ملعب مدينة عين مليلة صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب والملك سلمان بن عبد العزيز ملك السعودية ، وقد كتبت عبارة "وجهان لعملة واحدة" بالانكليزية أسفل تلك الصورة، في إشارة واضحة إلى أن قرار نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس جاء بتواطؤ سعودي واضح للعيان. وهذا ما أغضب السفير السعودي في الجزائر السيّد سامي بن عبد الله الصالح ، ما جعله يُهدِّد بأن السعودية لن تسكت عن هذا الأمر فور التأكّد من حقيقة هذه الصورة التي تصنع الحدث حالياً على مواقع التواصل الاجتماعي وفي مختلف وسائل الإعلام الجزائرية.
الموقف الشعبي للشارع الجزائري يعكس الموقف الرسمي الرافِض لهذا القرار، إذ أصدرت وزارة الخارجية الجزائرية بياناً شديد اللهجة أكّدت من خلاله على دعم الدولة الجزائرية لصمود الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال الصهيوني، ورفضها القاطِع لقرار ترامب والذي ترى فيه الدولة الجزائرية انتهاكاً خطيراً وفاضحاً لكل لوائح مجلس الأمن الدولي، ولقرارات الشرعية الدولية، باعتباره يقوِّض جهود بعث مسارات السلام المُتوقّفة منذ مدة طويلة بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني، وتوالت التصريحات الرسمية الرافِضة لهذا القرار الجائِر ومُندّدة به ، ومنها تلك التصريحات التي أطلقها رئيس المجلس الشعبي الوطني السيِّد السعيد بوحجة ورئيس مجلس الأمّة السيِّد عبد القادر بن صالح، وكذلك فإنَّ كل الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني والفعاليات الشبابية والمجتمعية ، قد أصدرت مئات البيانات التي تصبّ كلها في إطار دعم صمود الشعب الفلسطيني ورفض الاحتلال الصهيوني بكل أشكاله ، وبأن تكون له عاصمة أبدية إسمها مدينة القدس الشريف، ومنها بيانات لأحزاب وطنية وإسلامية وتروسكية كحزب جبهة التحرير الوطني والجبهة الوطنية الجزائرية وحزب العمال، بالإضافة إلى بيان جمعية العُلماء المسلمين الدينية والتي اعتبرت هذه الخطوة الأميركية تستهدف كل المُقدّسات الإسلامية وفيها استفزاز واضح لمشاعر كل المسلمين في العالم، ولا تزال الوقفات السلمية والاحتجاجات مستمرة في الجزائر، فالشعب الجزائري لا يزال يدعم القضية الفلسطينية ما دامت فلسطين محتلة.
نصر الله لوفد الجبهة الشعبية: محور المقاومة بات متفرّغاً للصراع مع إسرائيل
الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يؤكد أنّ محور المقاومة بعد إنجازاته في مواجهة الإرهاب بات لديه الوقت الكافي للتفرغ للصراع مع إسرائيل، وذلك خلال استقباله وفداً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي أبدى استعداد الجبهة للمشاركة في أي فعاليات ضد إسرائيل، وفي وضع خطة مشتركة لمقاومة الاحتلال.
التقى وفد رفيع المستوى من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله حيث جرى التأكيد على وضع خطة مشتركة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
وخلال اللقاء الذي استمرّ لعدة ساعات وصف الأمين العام لحزب الله الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بأنه "وعد بلفور الجديد"، مضيفاً أن محور المقاومة حقق إنجازات كبيرة في مواجهة الإرهاب، وأنه أصبح لديه الوقت الكافي للتفرغ للصراع العربي الإسرائيلي.
وثمّن نصر الله نضالات الفلسطينيين داعياً للوحدة الوطنية فيما بينهم، مؤكداً في الوقت نفسه على أن الانتفاضة "هي الخيار الذي يُجمع عليه الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية والإسلامية".
وقال "حتى تثمر الانتفاضة وتحقق أهدافها، لابد من تجميع طاقات الشعب والتفافه حول الانتفاضة".
وفد "الشعبية" الذي ترأسه نائب الأمين العام للجبهة أبو أحمد فؤاد، وماهر الطاهر، وأبو علي حسن، ومروان الفاهوم، استعرض مع السيد نصر الله الأوضاع العربية والدولية، والوضع الفلسطيني وآخرها قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن القدس.
وأبدى الوفد استعداد الجبهة للمشاركة في أي فعاليات ضد إسرائيل، وفي وضع خطة مشتركة لمقاومة الاحتلال.
وكان الأمين العام لحزب الله قد التقى قبل أيام وفداً قيادياً من حركة فتح الانتفاضة وتناول اللقاء الأوضاع في فلسطين المحتلة ومستجدات القرار الأميركي الأخير بخصوص القدس وآخر التطورات في سوريا والمنطقة.
وقد تم الاتفاق على مواصلة اللقاءات لتعزيز هذه العلاقات والبحث في الوسائل والآليات المناسبة لتعزيز العمل المشترك الذي تقتضيه الظروف والمستجدات الراهنة.
الجمعية العامة للأمم المتحدة تدين بأغلبية مطلقة إعلان ترامب بشأن القدس
128 دولة تصوت لصالح مشروع القرار المطروح أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يدين قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والجمعية تتبنى القرار بأغلبية مطلقة.
صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية مطلقة لصالح مشروع قرار يدين إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس "عاصمة لإسرائيل".
وقال مراسل الميادين إن الضغط الأميركي والتهديد بقطع المساعدات نجح في تقليص عدد الأصوات المؤيدة للقرار، حيث امتنعت 35 دولة عن التصويت، واعترضت 9 دول، بينما أيدت 128 دولة القرار.
وقال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي خلال الجلسة إن القدس هي مفتاح الحرب والسلم في الشرق الأوسط والعالم أجمع، مضيفاً أن انحياز الوسيط الأميركي إلى إسرائيل يستدعي إنشاء مظلة دولية جديدة لعملية السلام.
واعتبر المالكي أن القرار الأميركي لن يؤثر على وضع مدينة القدس بل على دور الولايات المتحدة كوسيط للسلام، مؤكداً أن القرار يخدم الحكومة الإسرائيلية في مشاريعها الاستعمارية وقوى التطرف والإرهاب.
وذكّر المالكي بأن الأيام القليلة الماضية شهدت انتهاكات إسرائيلية كثيرة بحق الفلسطينيين، وقال "لن يثنينا فيتو أو تهديد أو وعد ديني يوظف لأجل تبرئة الاستعمار والاستيلاء على الأرض".
المندوبة الأميركية التي ألقت كلمتها وانسحبت من الجلسة عقب انتهاء كلمة المندوب الإسرائيلي، قالت إن أميركا هي أكبر دولة مساهمة بالأمم المتحدة وعندما تقدم مساعدات يجب أن تلقى الاحترام ولكنها تلقى الإهانة.
وسائل إعلام إسرائيلية اعتبرت أن التصويت في الأمم المتحدة ضد الاعتراف الأميركي ضربة لترامب وخيبة أمل لإسرائيل، وكان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو وصف الأمم المتحدة بأنها بيت أكاذيب، وخلال زيارته مستوطنة أسدود قال إنّ القدس عاصمة إسرائيل سواء رغبت الأمم المتحدة في ذلك أم لم ترغب.
متحدث باسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس اعتبر أن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة انتصار لفلسطين، بينما قالت حركة فتح عقب إعلان نتائج التصويت إنه يمثل "صفعة لترامب ونتانياهو وانتصار للعدالة الدولية وللقدس".
وقال أسامة القواسمي المتحدث باسم الحركة إن القرار الأممي "صفعة للرئيس الأميركي الذي أخذ قراراً مخالفاً للقانون والشرعية الدوليين وهدد بوقف المساعدات عن الدول التي ستصوت لصالح المشروع، كما أنها صفعة لنتنياهو الذي استهزأ بالأمم المتحدة وتعدٌى على كل دول العالم، وانتصارا للعدالة الدولية وللقدس ولنضال شعبنا".
وأشاد القواسمي بدول العالم التي عبرت عن قيمها وأخلاقها وإنسجامها مع القانون الدولي، ولم تخضع للابتزاز والتهديد الأميركي الإسرائيلي.
حركة "حماس" رحبت بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة واعتبرته خطوة في الإتجاه الصحيح وانتصاراً للحقوق الفلسطينية ونسفاً لإعلان ترامب وتأكيداً على الحق الفلسطيني في المدينة المقدسة.
ودعت الحركة في بيان لها إلى ترجمة هذا القرار عملياً وفعلياً على الأرض وإنقاذ القدس من التهويد والحفريات والإستيطان.
أما الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري فقد اعتبر في تغريدة نشرها على حسابه على "تويتر" أن القرار الأممي هو "انتصار للقدس وهزيمة لعنجهية ترامب".
من جهتها أعلنت لجان المقاومة الفلسطينية عن أنّ تصويت الجمعية العمومية للأمم المتحدة هو انتصار للحق الفلسطيني وبداية كسر قرار ترامب.
أما حركة الجهاد أكدت على أنّ التصويت في الأمم المتحدة "انتصار لصمود الشعب الفلسطيني وصفعة على وجه أميركا وإسرائيل وهزيمة لهما".
وأضافت الحركة "علينا استثمار القرار الأممي في عزل إسرائيل ومقاطعتها والتصدي للهيمنة الأمريكية"، داعية الشعب الفلسطيني إلى تصعيد انتفاضته واستمرار الغضب في كل مكان.
بدورها، رحّبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلة إنّ "القرار يُشكّل دعم للشعب الفلسطيني في معركته ضد سياسات الاحتلال الصهيوني الاستعمارية المدعومة أميركياً".
وأشارت إلى أن هذا القرار يفضح السياسات الأميركية التي تريد أن تجعل من قراراتها قرارات ملزمة للمجتمع الدولي ذات صفة أعلى من تلك التي تقررها الأمم المتحدة.
ودعت الجبهة الشعبية القيادة الفلسطينية للبناء على هذا القرار ومجمل القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية التابعة لها.
كما أكدت الجبهة أن المطلوب هو موقف فلسطيني شديد الوضوح في التعامل مع الاحتلال من خلال الانتهاء من الاتفاقات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي ومن أي التزامات ترتبت عليها،
وحدة الأصل الإنساني من منظور الإسلام
إنّ سورة الحُجرات اشتهرت باسم "سورة الآداب والأخلاق" لما تضمّنته من آداب راقية، وأخلاق سامية في التعامل مع أفراد المجتمع. ولذا نجد الإسلام اهتمّ اهتماماً كبيراً بمسألة رعاية الأدب، والتعامل مع الآخرين مقروناً بالاحترام والأدب سواءً مع الفرد أم الجماعة.
فإنّنا حين نقرأ تأريخ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام ونُمعن النظر فيها نلاحظ أنّهم يراعون أهم النقاط الحسّاسة واللطائف الدقيقة في الأخلاق والآداب حتى مع الأناس البسطاء، وأساساً فإنّ الدين مجموعة من الآداب، الأدب بين يدي الله والأدب بين يدي الرّسول والأئمة المعصومين، والأدب بين يدي الأستاذ والمعلِّم، أو الأب والأم والعالم والمفكّر.
وإذا رجعنا إلى بينات سورة الحجرات وغيرها من السور المباركة نجد أنها تؤكّد وحدة الأصل الإنساني، فكثيراً ما تتكرّر في القرآن صِيغ النداء بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، مما يشير إلى أنّ الله سبحانه كرّم هذا الإنسان وفضّله على كثيرٍ من خلقه، مُعلناً بذلك مبدأ المساواة بين البشر، فلا فضل لجنس على آخر باعتبار اللون والعنصر والنشأة.
وفي سورة الحجرات بيّن لنا نقطة أخرى في تحديده لوحدة الأصل الإنساني وهو أنَّ هذا الأصل تفرَّعت عنه الشعوب والقبائل والأمم، وأنَّ الهدف من هذا التنوّع بين الناس هو التواصل والتفاهم والتعارف فيما بينهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ .1
فالأصل في دين الإسلام أنه دينُ تجمّعٍ وألفة، لا دينَ عزلةٍ وفرارٍ من تكاليف الحياة، ولم يأت القرآن ليدعو المسلمين إلى الانقطاع في دير، أو العبادة في صومعة، بعيداً عن مشاكل الحياة ومتطلّباتها. بل إنّ نزعة التعرّف إلى الناس والاختلاط بهم أصيلة في تعاليم هذا الدين . 2
فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الفضل لمن خالط الآخرين وتعرَّف عليهم ولم يتقوقع على نفسه، وذلك في قوله: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" .3
* كتاب أسوار الأمان.
1 سورة الحجرات، الآية 13.
2 ينظر: خلق المسلم، محمد الغزالي، ص172.
3 مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، علي الطبرسي، الفصل الثاني: في آداب المعاشرة، ص 337.
ولاية الأمر والاقتصاد الإسلامي
إن من المزايا المهمة التي إمتاز بها المذهب الاقتصادي الاسلامي هو اشتماله على نحوين من الأحكام: الأولى ثابتة لا تقبل التغيير، والثانية متحركة تتحدد وفقاً لمتطلبات الأهداف العامة وبملاحظة الزمان والمكان وهو ما اصطلح عليه ب (منطقة الفراغ) التي يملؤها ولي الأمر بصفته الحاكم الشرعي في الدولة سواء كان نبياً أو إماماً أو فقيهاً.
ولذا فالتعبير ب (منطقة الفراغ) ليس تعبيراً عن فراغ في التشريع الاقتصادي الاسلامي بمعنى الكلمة، بل هو استيعاب تشريعي ثابت للمتغيرات والتطورات الحتمية مع مرور الزمن في المجتمعات الانسانية. وتقوم فكرة (منطقة الفراغ) على رؤية واقعية عميقة لنوعين من العلاقات الانسانية: علاقة الانسان بالطبيعة وعلاقته بأخيه الانسان.
ولا شك أن العلاقة الأولى في تطور دائم عبر الزمن تبعاً لتطور معارف الانسان وقدراته على الاستفادة من الثروة واستثمارها وسيطرته عليها. في حين أن العلاقة الثانية محكومة بقيم ثابتة وجوهرية، لا تقبل التبديل، وإذا كان التمييز ضرورياً بين النوعين إلاّ أنه لا يمكن إغفال الاثار السلبية التي تخلفها علاقة الانسان بالثروة على علاقته بأخيه الانسان مما يولد أخطاراً على الجماعة باستمرار ولذا كانت ( منطقة الفراغ) من الناحية التشريعية مواكبة لهذا العامل المتحرك والمتطور لدرء الأخطار الناجمة عنه.
ومن هنا لا يصح تقويم المذهب الاقتصادي في الاسلام بمعزل عن تشريع منطقة الفراغ وإلاّ كان ناقصاً.
وقد أوكل الاسلام أمر هذا النوع من التشريعات الى ولي الأمر استناداً الى قوله تعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾[1]. وهذا يعني بالنتيجة أن الصورة التطبيقية الكاملة للاقتصاد الإسلامي ترتبط بوجود نظام الحكم الذي على رأسه ولي الأمر وهو في زماننا الفقيه العادل الجامع للشرائط المتصدي لأمر الدين والأمة.
وفي الحقيقة أن الإشراف والتوجيه للحياة الاقتصادية في المجتمع الاسلامي وتقنين مختلف الأنشطة فيه من المهام الرئيسية لولي الأمر الفقيه وفق أصول الاجتهاد المقررة التي تعطي للمباح صفة ثانوية بحسب الظروف والمصالح يقضي الولي على ضوئها بالوجوب أو الحرمة.
ويمكن في الختام أن نذكر مجموعة من النماذج لصلاحيات ولي الأمر في المجال الاقتصادي لها شواهدها في الحديث والسيرة المطهرة وقد تقدم ذكر بعض منها ونذكر الباقي وهي:
1- منع الاحتكار الذي لا مانع منه بصورة عامة.
فقد جاء في عهد الامام علي عليه السلام لمالك الأشتر رضوان الله عليه: "واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين في البائع والمبتاع".
2- السماح أو المنع من إحياء الأرض الموات.
3- توجيه الانتاج لتأمين السلع الضرورية والحيوية بما يتلاءم مع خطط التنمية والتطوير.
4- الأحكام المساهمة في إنماء الثروة الزراعية والحيوانية. فعن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "قضى رسول الله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع فضل ماء وكلاء".
5- توزيع الثروات الطبيعية الخام وتوجيه استثماراتها.
6- التدخل في الأسواق لمنع الصراعات الخطرة.
فعن الامام الصادق عليه السلام أنه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها؟ فقال: "قد اختصموا في ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وآله فكانوا يذكرون ذلك فلما راهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكنه فعل ذلك من أجل خصومتهم".
وفي الختام
هذه هي الصورة العامة الأساسية للمذهب الاقتصادي الاسلامي بشكل موجز وهناك الكثير من التفاصيل والعناوين التي يحتاج الدخول فيها الى دراسات مستقلة على ضوء الأصول والقواعد الفقهية والفكرية ولا شك أن التجربة الرائدة للدولة الاسلامية المباركة في إيران والتي شيّدها الامام الخميني المقدس رضوان الله تعالى عليه تشكل فرصة تاريخية هامة ينبغي متابعتها ومعاضدتها والاستفادة منها لأجل إبراز عظمة هذا الدين وهدايته للبشرية الى طريق الخير والسعادة واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* المصدر: الإقتصاد الإسلامي، سلسلة المعارف الإسلامية، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
أصلحوا بين الناس تكونوا من المحسنين
ذاتُ البين: هي الأحوال والعلاقات التي تكون بين القوم. وإصلاحها: هو تعهّدها، وتفقّدها، وطلب الصلاح لها. فمعنى إصلاح ذات البين هو إصلاح الفساد الذي يحدث بين القوم، أو بين العائلة، أو بين المؤمنين. وهو من معالي الأخلاق، ومكارم الأعمال. وقد أمر به ونصّ عليه في القرآن الكريم والسنّة الشريفة.
قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)[1]. وقال عزّ اسمه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[2].
وفي الحديث في وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام للإمامين الحسنين عليهما السلام: (أُوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّ كما صلى الله عليه وآله يقول: صلاح ذات البيت أفضل من عامّة الصلاة والصيام)[3].
وفي حديث آخر قال: مرَّ بنا المفضّل، وأنا وخَتَني[4] نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة، ثمّ قال لنا: تعالوا إلى المنزل، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم، فدفعها إلينا من عنده، حتّى إذا استوثق كلّ واحد منّا من صاحبه قال: أما إنّها ليست من مالي، ولكن أبو عبد الله عليه السلام أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن اُصلح بينهما وأفتديها من ماله، فهذا مال أبي عبد الله عليه السلام[5].
وفي حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: (صدقةٌ يحبّها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقاربٌ بينهم إذا تباعدوا)[6].
وعنه عليه السلام: (من أصلح بين اثنين فهو صديق الله في الأرض، وإنّ الله لا يُعذّبُ من هو صديقه)[7].
وعنه عليه السلام: (أكرم الخلق على الله بعد الأنبياء ؛ العلماء الناصحون، والمتعلِّمون الخاشعون، والمصلح بين الناس في الله)[8].
وعنه عليه السلام: (من أصلح بين الناس أصلح الله بينه وبين العباد في الآخرة، والإصلاح بين الناس من الإحسان. ..)[9] .
وعنه عليه السلام: (ملعونٌ ملعون رجلٌ يبدؤه أخوه بالصلح فلم يصالحه)[10].
وقمّة المصلحين بين ذات البين هم أهل بيت النبيّ وعترته صلوات الله عليهم أجمعين كما تدلّ عليه سيرتهم المباركة.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله أصلح بين القبيلتين العربيّتين المعروفتين في المدينة الأوس والخزرج.
وكانت الحرب قد دامت بينهما في الجاهليّة مائة وعشرين سنة، إلى أن جاء دين الإسلام، وهاجر الرسول صلى الله عليه وآله إلى المدينة فآخى بينهما فصاروا إخوة متحابّين.
وعلى سيرة الرسول ولده الإمام الحسين عليه السلام الذي كانت نهضته المقدّسة لطلب الإصلاح في اُمّة جدّه وشيعة أبيه.
وعلى سيرته أيضاً ولده الإمام الصادق عليه السلام، الذي اعتنى بالإصلاح بين المؤمنين حتّى بدفع المال من نفسه.
وتلاحظ نصحه وإصلاحه أيضاً في حديث إبراهيم بن مهزم قال: خرجت من عند أبي عبد الله عليه السلام ليلةً ممسياً، فأتيت منزلي بالمدينة، وكانت اُمّي ـ خالدة ـ معي، فوقع بيني وبينها كلامٌ، فأغلظتُ لها. فلمّا كان من الغد، صلّيت الغداة، وأتيت أبا عبد الله عليه السلام، فلمّا دخلت عليه قال لي مبتدئاً: يا ابن مهزم ما لكَ ولخالدة؟ أغلظتَ في كلامها البارحة، أما علمتَ أنّ بطنها منزلٌ قد سكنته، وأنّ حِجرَها مهدٌ قد غمزته، وثديها وعاءٌ قد شربته؟!
قال: قلتُ بلى.
قال عليه السلام: فلا تغلظ لها[11].
فما أحسن هذه الصفة الممدوحة، إصلاح ذات البيت بين المؤمنين، يفعلها الإنسان تقرّباً إلى الله تعالى، وتحصيلاً لسرور أهل البيت عليهم السلام بصلاح شيعتهم ومواليهم.
فإنّهم يعرفون ذلك ويعلمونه بإذن الله تعالى ويطّلعون عليه كما لاحظته في حديث إبراهيم بن مهزم الآنف الذِّكر، وتعرف مفصّل بيانه في أحاديث علم الإمام عليه السلام[12].
* أخلاق أهل البيت (ع) - بتصرف
[1] سورة الأنفال: الآية 1.
[2] سورة الحجرات: الآية 10.
[3] نهج البلاغة / الرسالة 47. واعلم أنّه فُسّرت الصلاة والصيام في الحديث الشريف بصلاة التطوّع والصوم المستحبّ، كما وأنّ الفرق بين الصلاح لعلّه هو أنّ الإصلاح يكون في صورة وجود الفساد في البين، بينما الصلاح يكون بإيجاده حتّى لو لم يكن فسادٌ في البين، فيسعى في عدم وقوعه، ولعلّه لذلك عُبّر في هذا الحديث الشريف بصلاح ذات البَيْن.
[4] الخَتَن: زوج البنت أو زوج الاُخت يعني النسيب.
[5] اُصول الكافي / ج 2 / ص 209.
[6] اُصول الكافي / ج 2 / ص 209.
[7] جامع الأخبار / ص 185 / ح 141.
[8] جامع الأخبار / ص 185 / ح 142.
[9] جامع الأخبار / ص 185 / ح 143.
[10] بحار الأنوار / ج 74 / ص 236.
[11] بحار الأنوار / ج 74 / ص 76 / ب 2 / ح 69.
[12] لاحظ كتاب في رحاب الزيارة الجامعة / ص 50.




























