Super User
إيران...ولعبة التاريخ
إن افتراض مواجهة عسكرية بين الغرب وإيران يبدو ضئيلاً، وربما غير مقبول أميركياً، وإن إسرائيل أمام هذا الضعف الغربي تبدو هشّة، وهي بالتأكيد الآن تحرص على حدودها خوفاً من حزب الله، والحال هذه فإن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تغيّرات في الاستراتيجية نحو السلام وربما إدخال إيران أميركياً ضمن القوى الفاعلة في المنطقة قصد الحد من تأثيراتها السلبية على إسرائيل.
لديّ قناعة، وبناء على رؤى تحليلية، أن إيران ستظل العمق التاريخي للمقاومة والنظام الإسلامي بكل محصلاتهما المعرفية والإنسانية، وأنه - بالتالي - لا مجال لأميركا للمغامرة معها في حرب قد تُطيح بهيبة أميركا وترفع إيران إلى مصاف آخر جديرة بالاحترام. إذن ، ثمة مواقف هي للتاريخ وأخرى هي للجغرافيا.. وحين يلتقي التاريخ بالجغرافيا يولد الإنسان كما يقول حسنين هيكل، وذلك ما يؤمن به الجنرال ديغول حسب ما جاء على لسان صديقه المُبدع "أندري مارلو" كما يصفه ديغول نفسه..حين زار الجنرال ديغول إيران عرف أن الشعب الإيراني لا يعرف المكان الذي توجد فيه فرنسا في الخريطة السياسية للعالم، يقول أندري مارلو :" روى لي السفير الفرنسي في إيران أنه عند زيارة الجنرال "ديغول " لإيران وبالضبط للمدينة التاريخية شيراز.... كان مستقبلوه يصيحون عاش رستم " ، ويقول ديغول نفسه أيضاً "التاريخ في شيراز أقوي من التاريخ في فرنسا "، كلمة حق في عالم عاصف ومواقف متضاربة من بعض المُناهضين للحقيقة ، ومن بعض الأعراب المُتآمرين عليها.
ومن هنا يمكن التأكيد على أن الولايات المتحدة الأميركية قد دخلت الدوّامة الإيرانية من دون أن تدرك الخلفيّات التي تحكمها والقوة التي تديرها، وهي تعلم يقيناً مدى قوة الثورة الإيرانية بالمفهوم الإيديولوجي والتاريخي، ولكنها لا تعرف المستويات التي تأخذها أثناء حالات نشوب حرب، وقد جرّبت الحرب الباردة ضدّ إيران على مدى ثلاثة عقود من الزمن ولم تتحكّم في القوة الخفيّة التي تُسيّر إيران إلا ما يمكن اعتباره تجاوزاً بالمعارضة الهشّة، وحتى هذه المعارضة لا تعرف عنها إلا القليل، إن الفكر السياسي الإيراني ـ بالتأكيد ـ يقترب من المستقبل أكثر مما يقترب من الحاضر، وأن الحدث التاريخي فيه مثل الحدث الجغرافي والفكري الذي يملك هذين المبدأين يمثل الحقيقة الاجتماعية بكل ترسّباتها، والمجتمع الإيراني يمتاز بهذه الصفة، صفة الانضباط من جهة، وصفة التصنيف الواقعي للفكرة الأساس التي تناضل إيران من أجلها من جهة ثانية، ولذلك فإن حكّام إيران حين يقرّرون موقفاً ما يأخذون قرارهم من هذا التصفيف التاريخي والجغرافي لواقع إيران ..
وحين يدافعون عن حقيقة ما فإنهم ينطلقون من هذا المخزون العام للشؤون الوطنية وليس من خارجه كما يفعل مجلس التعاون الخليجي المأزوم، وبالتالي فإن أية محاولة أميركية لجرّ إيران إلى صفّها السياسي هي محاولة شبيهة بمحاولات بحّار في محيط هائج وتحت ضربات العواصف العاتية يريد توقيف الأمواج أو تكسيرها بتعبير ونستون تشرشل.. فهل تدرك أميركا الآن،إنها وقعت في الحفر التاريخية الإيرانية، وإنها على طريق الاحتراق سواء أقرّت بذلك أو تمادت في طغيانها..؟ وهل تتكرّر معها مأساة روما فيحرقها المحافظون الجُدد مثلما أحرق نيرون روما.. لقد حان الوقت كي يُدرك الهاربون من السياسة مواقف إيران والرمال التي تتحرّك فوقها، وبالطبع ليست لعبة الرمال المتحرّكة فقط كما يُعَنوِن مدير المخابرات المركزية الأميركية السابق أحد كتبه، إنها لعبة التاريخ ولعبة الجغرافيا ثم لعبة الشعور الديني والوطني..إذن، الغرب أمام المأزق الإيراني والذين سايروه في مواقفه المدمّرة حفاظاً على عروشهم هم أيضاً أمام الاحتمالات السيّئة، فلا الحرب ضد إيران قادمة ولا الاستسلام لمطالب الغرب جاهزة، إنها المعادلة التي تبدو من وجهة نظر البعض مستحيلة ومن وجهة نظر البعض بداية النهاية للاستعلاء الغربي ضد العالم النامي، أو بالأحرى العالم الإسلامي.
إن افتراض مواجهة عسكرية بين الغرب وإيران يبدو ضئيلاً، وربما غير مقبول أميركياً، وإن إسرائيل أمام هذا الضعف الغربي تبدو هشّة، وهي بالتأكيد الآن تحرص على حدودها خوفاً من حزب الله، والحال هذه فإن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تغيّرات في الاستراتيجية نحو السلام وربما إدخال إيران أميركياً ضمن القوى الفاعلة في المنطقة قصد الحد من تأثيراتها السلبية على إسرائيل، لقد فهم الغرب من تجربته مع بن لادن أن ما يبدو مستحيلاً يصير ممكناً ، وأن التطوّر الحاصل على مستوى الرؤية الفكرية ذات البُعد الديني أكثر بكثير من الرؤية العسكرية ، فالأولى نتاج تراكم تاريخي وإنساني ، والثانية نتاج تطوّر آلي في اتجاه مادي هو ملك مشترك، بخلاف الأول، وأن الإيديولوجية أياً كان مصدرها هي مثل التكنولوجيا، الأولى غسيل الدماغ والثانية غسيل للأمعاء، وأن التجارب أيضاً هي بمثابة صخرة الصلصال لا ينحت منها إلا مَن كان وارثاً لها، وإيديولوجية أميركا هي نسخة مشوّهة من إيديولوجية الصهاينة بل ربما هي فوق كل مستويات السوء سوءاً.
إن الحقائق على أرض الواقع تغيّر الكثير من الاتجاهات، فالحقائق التي أوجدها في الميدان حزب الله في حربه الأخيرة مع إسرائيل غيّرت الكثير من المفاهيم الخاطئة التي كان ينظّر بها الغرب، والحقائق على الأرض التي رسمتها حرب غزّة غيّرت نظرة العالم إلى المقاومة الإسلامية بقيادة حماس ، وأصبحت الآن جزءاً من المعادلة السياسية في محور المقاومة ومن الأطراف الفاعلة في أي حل للقضية الفلسطينية. شيء آخر هو أن كل سياقات التاريخ تؤكّد أن المقاومة بكل أشكالها هي في النهاية الرابح الأكبر، فمقاومة إسرائيل- كذباً - للعالم لستة عقود جعلتها تنجح في بناء قوّتها، لكن مقاومتها ليست مبينة على أهداف مشروعة ولا مساحة من التاريخ مثل محور المقاومة بقيادة إيران بل مقاومة افتراضية منشؤها الخوف مرة وتارة تعطّشها التاريخي للإرهاب، ولذلك فإن أية مقاومة ولو بسيطة تقف أمامها ستنتصر إن كانت بالطبع تأخذ من واقعها التاريخي وشعورها القومي، وإن ما حصل فعلاً في الحالتين لحد الآن حالة المقاومة الإسلامية في غزّة ولبنان تؤخذ بالحسبان في أية مغامرة عسكرية لها ، بل أن هناك من الساسة الإسرائيليين أمام الانكسار الكلّي، بل أن "أولميرت "رئيس الوزراء الأسبق حدّد النهاية لإسرائيل إن هي ظلّت تأخذ بالأوهام في ما تقول به من "النيل إلى الفرات"، وهناك مصادر إسرائيلية تقول إن الهجرة من إسرائيل إلى بلدان أخرى بدأت في الارتفاع، وإن الهجرة إلى إسرائيل انكمشت إلى حد مُقلق بالنسبة للساسة الإسرائيليين، هناك إذن صراع على المستوى السياسي وعلى المستوى الداخلي إن في إسرائيل أو في الغرب، في إسرائيل عملية الهروب خوفاً من المجهول وفي الغرب تنامي ظاهرة الإحباط من مشاهد الموت التي يشاهدها الملايين من البشر للجنود الأميركيين ومَن تحالف معهم ، بالتالي – يطالبون بعودة أبنائهم من حرب خاسِرة ومُدمّرة لاقتصاد بلدانهم .
العالم إذن، أمام مُنعرجات قد تقوده إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة بفلسفة إيرانية، السلام فيها للجميع وإما أزمات أخرى تقوده إلى متغيّرات دراماتيكية يخسر الغرب فيها كل ما بناه من سياسات تجاه الشرق الأوسط ، وتكون إسرائيل الضحية الأكثر جروحاً والأكثر آلاماً ، وهو الملاحظ اليوم بعد دخول روسيا الحرب ضد "داعش" وأخواتها في سوريا، بل أن انتصار سوريا الذي صار أمرأ مقضياً يضع كل محور المتحالفين ضدها وضد محور المقاومة بقيادة إيران أمام تحديات خطيرة ربما هي الأسوأ في التاريخ، لأن الهزيمة ليست لدولة واحدة بل لأكثر من ثمانين دولة ظنّت وهماً أن نظام بشّار الأسد قد انتهى من على الخارطة السياسية، وقد تم ذلك القول مباشرة مع بداية العدوان ومن أهم الساسة واجهتهم الاستخباراتية، ولكن للتاريخ في سوريا حسابات مع الغُزاة وللجغرافيا فيها حُفَر للأعداء، فهل يتّعظ رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل بن سعود، ومَن معه في الحكم السلالي حين "اعتبر في أسف شديد أن الرئيس الأميركي باراك أوباما أخطأ حينما استبعد إرسال قوات برية لسوريا والعراق"، أم صدق "أشترن كارتر" بقوله " قال لي دبلوماسي خليجي ادّعى أن هناك جيشاً سنّياً من 70 ألف جندي وهؤلاء مستعدّون للعبور نحو العراق وسوريا وهزيمة داعش". يقول كارتر "سألني عضو الكونغرس لِمَ لم أقبل العرض؟ فأجبته "هل قال لك إن 60 ألفاً من هؤلاء هم سودانيون؟".
محمّد لواتي رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي
الجزائر.. المصالحة ولعبة التاريخ....
تساءل مَن تساءل عن الخلفيات التي أعادت بها القناة الوطنية جزءاً من مشاهد العشرية السوداء على قسوتها، وقد أدارت قناة الميادين ندوة في الحدث مشكورة، لكن يبدو أن الكل فَهِم الموضوع خطأ..؟
فالتذكير بالتاريخ عندنا في الجزائر أمر مهم لأننا أمّة التاريخ، 132 سنة من المقاومة فحرب التحرير.. نتذكّر للتاريخ أيضاً طلبة سوريا وهم يردّدون النشيد الوطني الجزائري قبل دخولهم الأقسام الدراسية زمن ثورتنا التحريرية..نتذكّر أيضاً للتاريخ جموع الشعب اللبناني ومقاومته وهي تنزل علم فرنسا من فوق سفارتها وترفع فوقها علم الجزائر.. نتذكّر كي لا ننسى التاريخ ونتعلّم منه، ومن لا يُصغى إلى صوت التاريخ لن يتعلّم أبداً.. وللحقيقة وللتاريخ فإن الأمن القومي العربي بعد ما أخذ بالتجزيئية بالتصنيف للمخاطر التي تحوم حولنا من غيرنا أو من بعض بيوتنا فإنه يبدو في حال انهيار أو تآكل بأدنى توصيف.. أكيد هناك قوى تغريبية داخلية بوعي منها أو بغير وعي تحاول جرّنا إلى مستنقع الخطأ السياسي، ومنه إلى الطائفية تحت مظلّة "محور الاعتدال" وهو ما يعني تقبّل القابلية للاستعمار بتعبير مالك بن نبي.. ربما البعض منا مازال يستنسخ في السياسة على وجه التحديد وثنيّات العصر القبلي، ثم يقول – وبكل بساطة – نحن نصنع التاريخ لنا ولغيرنا بمحور الاعتدال !! كحال السعودية، بل ويقولون في غير وعي نحن قادة الأمّة العربية السنّية المذهب!! وكأن للتاريخ ذيلاً يشدّنا باستمرار إلى الأزمات الكبرى لهذه الأقوال ولتلك الدول.. لسنا وحدنا بالتأكيد في المأساة التي يُعانيها العالم اليوم، ولكن مأساتنا في العالم العربي مُصطنعة، تلعب بها أطراف عربية وغربية غير واعية ولا شيء في منظورها يشدّها صوب التاريخ غير كرسي العرش وفكْر القبيلة!! ولأدعياء السلفية -غير التعبّدية - ولمفاهيم أكثر ارتدادية هم صفوفها، فهل بالإمكان بناء جدار الأمل تحت طائلة المذهب الوهّابي الطارئ والمتطرّف بالنسبة للساحة الجزائرية مثلاً..؟ وهل بالإمكان لدُعاته وعباده الاستحواذ على الصدارة بالوَهْم في عالم متغيّر، وفي ظلّ الافتراضات المبنية على الإلغاء المُطلق للآخر كما يدعو إليه هذا المذهب ويحرق الأرض ويصلب البشر من أجله.. ؟ بالتأكيد لا، هذا هو جوهر الصراع المرير بين ما هو من صنع الذات وبين ما هو مصنوع خارج الذات، أجل من الممكن العودة إلى الذات بالمصالحة وبأضواء كاشِفة – وبالتالي – الخروج من المحنة بانتصارات واعية، وواعِدة، ودائمة، وهذا ما حقّقته المصالحة مع الذات في الجزائر بعد عواصف الأزمة بدءاً من (قانون الرحمة) وصولاً إلى (الوئام المدني وميثاقه)، ولذلك فإن محاولات بعض المستفيدين من الأزمة تصريف التاريخ وفق رؤى تجزيئية ظلّت محاولات بلا صدى، لأن التاريخ ذاته يرفض التجزيئية. ولأن المصالحة أيضاً أعادت التسامح الديني إلى مفهومه الصحيح، والتعدّدية السياسية إلى مرتكزاتها المعمول بها دولياً.
بهذا المنطلق تبدو الجزائر وقد خطت برؤيتها في المصالحة خطوات مهمة نحو تثبيت أمنها القومي، وبعد تفكيك خيوط الأزمة والمُتلاعبين بها وتوطيد المصالحة لاحقاً، يتم ذلك رغم محاولات فرنسا وإسرائيل إجهاضها بوسائل أمنية متطوّرة، تتم مواجهة ذلك بهدوء ودائماً بحثاً عن نقطة ضوء وسط رماد التاريخ، وحسبها في ذلك حقائق الواقع ، وسوابق التاريخ الكاشفة لما هو صائب ولما هو خاطئ، الجزائر بالمصالحة إذن حاولت كسب الواقع وإعادة تصفيفه ونجحت، والواقع الجديد أرغم الجميع على ذلك - كما يقولون – وفي نيّة الكل بناء ما تحطّم من الذاكرة، ذاكرة التاريخ وذاكرة المستقبل، وليس الكل أوفياء للموقف فحسب، ولكن الكل ملزمون بالعمل من أجل الموقف، في زمن تردّت فيه المواقف في بعض الدول العربية ضدّ بعضها البعض إلى ما يشبه التواري وسط توجّهات تتنكّر لكل قِيَم الأمم وثوابت المستقبل، وترتمي في أحضان إسرائيل وأميركا وكأنهما المُخلّص لها مما هي فيه من سوء فهم للإسلام وللسياسة.. تتنكّر كذلك لكل فضل حضاري يأتي من عُمق الذات العربية لأنه من غير مذهبها، وبوسائل لا تثمّنها سوى بقايا التاريخ .. واقعنا الجزائري إذن، وللمصالحة التي تمت فيه، عاد إلى وظيفته التاريخية ولكن بسؤال بسيط : ما طبيعة هذه العودة، وفي أيّ اتجاه يمكن رسم خارطتها، وهل هي عودة بحثاً عن الكلمات داخل الكلمات وكفى..؟ بالتأكيد لا، لأن الجزائر في سياستها تؤمن بالتزاوج بين الثقافة والسياسة، خاصة في الظروف المُتآكلة، وبالمواقف المُتصالحة مع الذات، في الظروف التي تنشأ فيها الأزمات الكبرى، إنها تستنطق التاريخ الجهادي لشهدائها لأنه حصنها المنيع، وصوت شهدائها مرسوم على ألواح الجغرافيا لا تدروه رياح العواصف طالما ظلّ راسخاً في الوجدان الشعبي .. تؤمن أيضاً بالالتزام بقضايا الكل لأن المواقف لا تقبل الانشطار، ولا تقبل الانتصار للطارئ والمؤقت .. إذن عودة الأمّة إلى تاريخها الجهادي بالمصالحة وقد تعرّت كل حقائق التاريخ عن دُعاة الاستئصال، ودُعاة الانشطار الفكري المتسبّبون في الأزمة ..إن التاريخ ، وكما قلت أكثر من مرة " لا يمكن الوصول إليه بمكبّرات الصوت " ، وأن البناء الحضاري لا يمكن أن يأتي ببيانات هي أقرب إلى اليأس منها إلى الحقيقة، وبالتالي هي إضافة جديدة لواقع متأزّم يحتاج إلى بناء جذّاب وفق مسلّمات التاريخ وحساب المستقبل، إننا لسنا أكثر من غيرنا في هذا الكون، وأن السوابق التاريخية ليست مجرّدة من الحاضر ولا من المستقبل، وإلا لماذا يأتي القرآن على ذكْرها في أكثر نصوصه وآياته..؟
إن استنطاق الأزمة بالمصالحة هو عملية إبداعية، واعية، وواعِدة، وأن التأخّر عن هذا الاستنطاق، خاصة في الأزمات الحادّة والدامية – مثل أزمتنا في العشرية الحمراء – هو خيانة للموقف وارتداد حضاري .. فهل حاول النظام وسط تلك العواصف الدامية – ولو بالقليل – استنطاق التاريخ لدفع الأزمة باتجاه الاندثار أو على الأقل صوب الهامش الحضاري..؟ بالتأكيد تم فعل ذلك، فكانت المصالحة الشاملة، المصالحة مع الذات ومع التاريخ، وكل ما قيل لحد الآن ضدّها إن في الداخل أو في الخارج هو مجرّد محاولات لإرغام الناس على تقبّل استمرار الأزمة ومُعايشتها لأسباب فرضتها إشكالية التلاعُب السعودي بأسعار النفط، ثم طبيعة النظام السياسي الدولي لكونه أساس الأزمة ، ولكونه موضوعاً خارج إطار الأغلبية، إن السؤال المطروح اليوم وبحدّة، على العالم العربي وإن هو غير واضح في أبجديات الفكر السياسي، هو لماذا الأقليّة ( استئصالية أو قبلية) تحاول احتكار السلطة وتتصرّف وكأنها فوق التاريخ..؟ هذا السؤال يمكن أن يخلق أزمات متتالية إن استمر ضمير الأغلبية محصوراً ضمن ذاكرة النسيان المتعمّد، من طرف الاستئصالين والحُكم السلالي على أقليّتهم في الساحة السياسية في العالم العربي ومنه الجزائر، إن الظروف تتآكل ضدّهم، والمواقف تتدفّق عندهم باتجاه العودة إلى التشبّث بقِيَم الإنكار المُطلق للواقع والارتكاز كليّة على صدى الواقعية المجرّدة من عناصر البقاء، ربما لأسباب الخوف من أن ينطق الواقع بأدوات الأزمة، أو ربما الخوف مما قد يكشفه المستقبل من رماد هذا الواقع ، وأياً كان الأمر فإن هناك شيئاً من القسوة في هذا الافتراض تستعمل اليوم لدى الاستئصالين والقبليين ضد الأغلبية لحماية الأقلية، وفي كل ذلك هل يكفي أن تكون هذه الأقلية على عداوة تامّة مع التاريخ باستمرار لتحافظ على بقائها..؟ التاريخ نفسه يقول : لا، ذلك أن السياسة مثل الجغرافيا لا تحتمل الفراغ، والفراغ لدى بعض الأنظمة العربية اليوم بلا حدود، بل وتجاوز هذا الفراغ المواقف السياسية المُساهِمة في الأزمة، في الجزائر، وسوريا، واليمن، وعلى نفس المستوى تبدو بعض مراكز الأبحاث بعد أن تحوّلت بدورها إلى مزارع للظروف المُتآكلة، والتصوّرات الظرفيّة المطبوعة بالميوعة وبالخوف أحياناً أخرى، ما الذي تغيّر في النهج السياسي بعد الأزمة في الجزائر وفي البلدان المساهمة في الأزمات التي تعصف بالعالم العربي..؟ سؤال يبدو تجريدياً وغير مُتناسق مع الذات، لكن رغم ذلك يبقى سؤالاً مهماً بالنظر إلى ما نحن عليه في الجزائر من أمن وأمان، ونتمنّاه لسوريا واليمن وليبيا.. ربما ما قاله الخبير الاستراتيجي الدكتور ماركس هو الصواب قال " سيكون العالم يوماً ما ممتّناً لإيران وحزب الله وروسيا الذين خلّصوه من شرور الوهّابية وداعش".
محمّد لواتي رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي
لافروف: نشجع حواراً شاملاً في سوريا.. ونحظى بدعم تركيا وإيران
دعا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، اليوم الجمعة، إلى حوار شامل في سوريا لإنهاء الصراع الراهن.
وشدد لافروف، على أن الجهود الروسية في هذا المسار تحظى بدعم كل من تركيا وإيران.
وتأتي هذه الدعوة في أعقاب قمة جمعت زعماء الدول الضامنة لوقف إطلاق النار بسوريا، وهم: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيريه الروسي فيلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني، في منتجع بمدينة سوتشي الروسية، الأربعاء الماضي.
وخلال لقائه مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، اليوم في العاصمة الروسية موسكو، قال لافروف في تصريح لصحفيين: "نريد تشجيع حوار شامل في سوريا، وفقاً للمعايير المتفق عليها تحت رعاية مجلس الأمن الدولي".
ومضى قائلاً: "مبادرتنا هذه تلقى دعماً من زعماء تركيا وإيران".
وشدد على أن "كل جهود روسيا تهدف إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 بشأن سوريا".
ويدعو هذا القرار، الصادر عن مجلس الأمن في 2015، إلى وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، وفك الحصار، وإطلاق سراح المعتقلين.
وأضاف لافروف: "نعتقد أن مؤتمر الحوار الوطني (السوري) سيُسرع انطلاق مثل هذا الحوار (الشامل)".
ومن المقرر أن تستضيف روسيا هذا المؤتمر، وتقول إنه سيعقد "في المستقبل القريب"، دون تحديد تاريخ.
من جانبه، قال المبعوث الأممي إلى سوريا: "هناك تقدم نحو حل سياسي في سوريا".
وتابع: "نأمل أن تجتمع قوى المعارضة (السورية) الموجودة في الرياض تحت سقف مشترك للمعارضة".
ويتواصل في العاصمة السعودية الرياض، منذ أول أمس الأربعاء، مؤتمر موسع للمعارضة السورية، ينتهي اليوم، ويستهدف الاتفاق على وفد موحد للمعارضة، تمهيداً للمشاركة في جولة مفاوضات مقبلة مع النظام، بجنيف في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.
وضمن زيارته لموسكو، من المقرر أن يلتقي دي ميستورا، لاحقاً مع وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو.
السيسي: العمل الغادر على مسجد الروضة لن يمرّ دون عقاب... ومواقف عربية ودولية مستنكرة
وسائل إعلام مصرية تتحدث عن ارتفاع حصيلة ضحايا الهجوم الإرهابي على مسجد الروضة في العريش شمال سيناء خلال صلاة اليوم الجمعة، وتشير إلى سقوط المئات بين شهيد وجريح، ومراسل الميادين يكشف أن 15 إرهابياً هاجموا المسجد، والرئيس المصري يقول إن العمل الغادر لن يمرّ من دون عقاب.
أفاد مراسل الميادين في مصر أن 15 إرهابياً هاجموا مسجد الروضة في بئر العبد بالعريش شمال سيناء خلال صلاة الجمعة، كاشفاً أن هدف الهجوم الإرهابي هو إثارة فتنة طائفية لأن المسجد يرتاده الصوفيون.
وتحدثت وسائل إعلام مصرية عن ارتفاع حصيلة ضحايا الهجوم الإرهابي إلى أكثر من 235 شهيداً و 125 جريحاً بينهم أطفال، بحسب النائب العام المصري، مشيرة إلى أن سيارات الاسعاف لاتزال تعمل على نقل الشهداء والجرحى إلى المستشفيات.
وعلى الفور، أعلن الجيش المصري حالة الطوارئ القصوى شمال سيناء. كما أعلنت وزارة الداخلية المصرية حالة الطوارئ في القاهرة، وكشفت مصادر رسمية مصرية عن انطلاق عملية عسكرية وأمنية واسعة تحت عنوان "الثأر للشهداء" في وسط وشمال سيناء.
وكانت مصادر قالت إن مجهولين قاموا بزرع عبوة ناسفة في المسجد الذي يقع غربي المدينة، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد كبير من المصلين الذي من المتوقع ارتفاع عددهم نتيجة التفجير الإرهابي.
وتحدثت وسائل الإعلام عن إعلان حالة الطوارئ القصوى في مستشفى بئر العبد الذي يقع شمال سيناء.
مصادر طبية أكدت من جهتها، أن سيارات إسعاف لاتزال تقوم بنقل الشهداء والجرحى جراء التفجير الكبير.
الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي وفور وقوع التفجير عقد اجتماعاً مع اللجنة الأمنية على خلفية الهجوم الإرهابي لبحث تداعياته.
واعتبر شيخ الأزهر أحمد الطيب أن "انتهاك حرمة المساجد إفساد في الأرض". وقال "بعد استهداف الكنائس جاء الدور على المساجد".
كما دان الأمين العام لجامعة الدول العربية الهجوم الإرهابي على مسجد الروضة بـ العريش.
السيسي يعقد اجتماعًا لبحث تفجير مسجد الروضة بشمال سيناء
وأعلنت الرئاسة المصرية الحداد لمدة 3 أيام على ضحايا الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجد الروضة.
السيسي: العمل الغادر لن يمرّ من دون عقاب
وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده ستنتصر في الحرب ضد الإرهاب، مضيفاً "العمل الغادر لن يمرّ من دون عقاب رادع وحاسم".
وشدد السيسي على أن يدل العدالة ستطال كل من شارك وساهم أو موّل أو حرّض على الاعتداء الأخير في سيناء.
هذا وأعلن مجلس الوزراء المصري أن مصر ماضية في عزمها على استئصال الإرهاب وجذوره.
مواقف معزية ومتضامنة مع مصر بعد الهجوم
وفي ردود الفعل المتضامنة والمدينة، أبرق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معزّياً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث أكد استعداد موسكو لزيادة التعاون مع القاهرة في محاربة الإرهاب الدولي.
المتحدث باسم الخارجية الإيراني بهرام قاسمي دان بشدّة الهجوم في مصر، معلناً تضامن بلاده مع عائلات الضحايا.
وأعرب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن تضامنه مع مصر حكوة وشعباً بعد الهجوم الأخير.
بدورها، قالت وزارة الخارجية السورية إنها تدين بشدة ما وصفته بـ "العمل الجبان والمجزرة المروّعة" التي وقعت في سيناء. وعبّرت الوزارة عن تعازيها الصادقة لأسر الضحايا في مصر.
وأدانت سلطنة عُمان التفجير الإرهابي والهجوم المسلح على مسجد الروضة بشمال سيناء.
وأرسل العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز برقية تعزية إلى الرئيس المصري بضحايا الهجوم الإرهابي، مؤكداً على أن المملكة تقف دائماً إلى جانب مصر في وجه كل ما يستهدف أمنها واستقرارها".
وبعث امير قطر تميم بن حمد آل ثاني ببرقية إلى السيسي أعرب فيها عن تعازيه في ضحايا التفجير الإرهابي الذي استهدف مسجدا بشمال سيناء، مؤكداً "إدانة دولة قطر واستنكارها الشديدين لهذه الجريمة الوحشية التي تتنافى مع كل القيم والمبادئ الدينية والإنسانية".
حزب الله في لبنان استنكر "بشدة الإعتداء الوحشي الذي استهدف المسجد، معتبراً أن "الهجوم نتاج الفكر التكفيري الوهابي الذي لا يرى في المسلمين والمؤمنين الذين لا يتبعون خطه إلا كفاراً".
حركة "فتح" وفي بيان لها استنكرت فيه الحركة الهجوم، كما عبّرت عن خالص تعازيها لمصر قيادة وحكومة وشعباً، ولأسر الضحايا، مؤكدة الوقوف إلى جانب هذا البلد في محنته ومعركته في التصدي للإرهاب والحد من انتشاره. هذا ودان الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيانٍ رئاسي التفجير في الروضة.
وأضاف البيان "إننا على ثقة تامة بأن هذه الجرائم والأعمال الآثمة لن تنال من عزم مصر في حربها ضد الإرهاب ومحاربته بكل الوسائل المتاحة".
وأعربت حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين عن "إدانتها بشدة الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجد الروضة في سيناء، معتبرةً "أن هذا الهجوم الإرهابي هو استهداف وعدوان على كل القيم ويخدم أعداء الأمة الصهاينة"، في وقتٍ أكدت فيه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "وقوفها إلى جانب مصر وشعبها الشقيق في هذا المصاب الجلل، وفي مواجهة خطر الإرهاب ومجوعاته التكفيرية".
رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية قدّم التعازي لمصر أيضاً بعد الهجوم في سيناء.
وفي السياق، اعتبرت لجان المقاومة في فلسطين أن "تفجير مسجد الروضة في سيناء جريمة حقيرة وعدوان إرهابي آثم على بيوت الله وإستهداف لعقيدة المسلمين لا يخدم الا أعداء الأمة والمتربصين بها".
بدوره، قال الناطق باسم أنصارالله محمد عبدالسلام "ندين ونستنكر بشدة العمل الاجرامي البشع الذي استهدف مصلين، معتبراًَ أن "استهداف المساجد والمصلين آفة ضربت العديد من البلدان منها اليمن الذي نشطت فيه الجماعات التكفيرية بدعم وإسناد العدوان السعودي الأميركي".
وفي سياق ردود الفعل ، استنكر أبو الاء الولائي الامين العام لكتائب سيد الشهداء باسم فصائل المقاومة الاسلامية في العراق "العمل الإرهابي في مصر العروبة".
وفي تونس أدانت حركة النهضة في تونس بشدّة "العملية الإرهابية الدامية".
الجيش المصري: مقتل عدد من منفذي الهجوم الإرهابي على مسجد بسيناء
أعلن الجيش المصري، فجر اليوم السبت، مقتل بعض منفذي الهجوم الإرهابي على مسجد بشمال سيناء شمال شرقي مصر، وتدمير سياراتهم عبر قصف جوي.
جاء ذلك بحسب بيان للمتحدث باسم الجيش المصري، العقيد تامر الرفاعي، في أول تعليق من القوات المسلحة على الهجوم الذي استهدف مسجد الروضة بمركز بئر العبد غربي العريش، بمحافظة شمال سيناء، أثناء صلاة الجمعة، وأسفر عن مقتل 235 شخصا وإصابة 109 آخرين، بحسب آخر إحصائية أعلنها التلفزيون الحكومي.
وأوضح الرفاعي، في البيان ذاته أن "القوات الجوية قامت بمطاردة العناصر الإرهابية واكتشاف وتدمير عدد (لم يحدده) من العربات المنفذة للهجوم الإرهابى الغاشم وقتل من بداخلها (لم يذكر عددهم) فى محيط منطقة الحدث".
وأضاف أنه "تم استهداف عدد من البؤر الإرهابية التى تحتوى على أسلحة وذخائر (..) بينما تقوم قوات إنفاذ القانون بشمال سيناء بالتعاون مع القوات الجوية بتمشيط بؤرا إرهابية أخرى".
وحتى الساعة لم تعلن أية جهة مسؤوليتها عن الهجوم الإرهابي المسلح الذي يعد الأضخم والأكثر دموية في تاريخ مصر الحديث، فيما أعلنت الرئاسة الحداد لمدة ثلاثة أيام في جميع أنحاء البلاد بدءا من أمس الجمعة.
ووفق مصادر متطابقة، تعرض المسجد لهجوم مزدوج عبر تفجير عبوات ناسفة خارجه، وإطلاق مسلحين النيران على المصلين داخله.
ويأتي الهجوم على المسجد بعد هدوء نسبي للعمليات المسلحة شمال سيناء ضد قوات الجيش والشرطة، ويعتبر تغييرا نوعيا غير مسبوق يتمثل في استهداف مسجد لاول مرة منذ انطلاق العمليات العسكرية ضد العناصر المسلحة بسيناء في العام 2013.
الإمام المهدي(ع)بين التواتر و حساب الإحتمال
|
هل ولد الامام المهدی
|
||
كيف تأتّى للامام المهدي المنتظر هذا العمر الطويل؟
هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً كثيرة كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً أكثر من ألف ومئة وأربعين سنة، أي حوالي (14) مرة بقدر عمر الإنسان الاعتيادي الذي يمرّ بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة؟
كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معان: الإمكان العملي، والإمكان العلمي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي.
وأقصد بالإمكان العملي: أن يكون الشيء ممكناً على نحو يتاح لي أو لك، أو لإنسان آخر فعلاً أن يحقّقه، فالسفر عبر المحيط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً. فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر.
وأقصد بالإمكان العلمي: أنّ هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدينة المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير اتّجاهاته المتحركة إلى ما يبرّر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصة، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه، بل إنّ اتّجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى إمكان ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك, لأنّ الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلاّ فارق درجة، ولا يمثل الصعود إلى الزهرة إلاّ مرحلة تذليل الصعاب الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلاً. وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء فإنّه غير ممكن علمياً، بمعنى أنّ العلم لا أمل له في وقوع ذلك، إذ لا يتصوّر علمياً وتجريبياً إمكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الاحتراق بحرارة الشمس، التي تمثّل أتّوناً هائلاً مستعراً بأعلى درجة تخطر على بال إنسان.
وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي: أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبليّة - أي سابقة على التجربة - ما يبرّر رفض الشيء والحكم باستحالته.
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له إمكان منطقي, لأنّ العقل يدرك - قبل أن يمارس أي تجربة - أنّ الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي, لأنّ انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً، فتكون فرداً وزوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً. ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق، وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية، إذ لا تناقض في افتراض أنّ الحرارة لا تتسرّب من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، وإنّما هو مخالف للتجربة التي أثبتت تسرب الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة إلى أن يتساوى الجسمان في الحرارة.
وهكذا نعرف أنّ الإمكان المنطقي أوسع دائرة من الإمكان العلمي، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العملي.
ولا شكّ في أنّ امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً, لأنّ ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أي تناقض, لأنّ الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع، ولا نقاش في ذلك.
كما لا شكّ أيضاً ولا نقاش في أنّ هذا العمر الطويل ليس ممكناً إمكاناً عملياً، على نحو الإمكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر، ذلك لأنّ العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة، لا يستطيع أن يُمدّد عمر الإنسان مئات السنين، ولهذا نجد أنّ أكثر الناس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير إمكانات العلم، لا يتاح لهم من العمر إلاّ بقدر ما هو مألوف.
وأما الإمكان العلمي فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرّر رفض ذلك من الناحية النظرية. وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفسلجي لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان، فهل تعبّر هذه الظاهرة عن قانون طبيعي يفرض على أنسجة جسم الإنسان وخلاياه - بعد أن تبلغ قمّة نموّها - أن تتصلّب بالتدريج وتصبح أقل كفاءة للاستمرار في العمل، إلى أن تتعطّل في لحظة معيّنة، حتى لو عزلناها عن تأثير أي عامل خارجي؟ أو أنّ هذا التصلب وهذا التناقض في كفاءة الأنسجة والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها الفسيولوجية، نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات أو التسمّم الذي يتسرّب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكثّف؟ أو ما يقوم به من عمل مكثّف أو أي عامل آخر؟
وهذا سؤال يطرحه العلم اليوم على نفسه، وهو جادّ في الإجابة عنه، ولا يزال للسؤال أكثر من جواب على الصعيد العلمي.
فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتّجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرمي، بوصفه نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية معيّنة، فهذا يعني أنّ بالإمكان نظريّاً، إذا عزلت الأنسجة التي يتكوّن منها جسم الإنسان عن تلك المؤثّرات المعيّنة، أن تمتدّ بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلّب عليها نهائياً.
وإذا أخذنا بوجهة النظر الأخرى، التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعيّاً للخلايا والأنسجة الحيّة نفسها، بمعنى أنها تحمل في أحشائها بذرة فنائها المحتوم، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاءً بالموت.
أقول:
إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض أي مرونة في هذا القانون الطبيعي، بل هو - على افتراض وجوده - قانون مرن, لأننا نجد في حياتنا الاعتيادية, ولأنّ العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية، أنّ الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية لا زمنيّة، قد تأتي مبكّرة، وقد تتأخر ولا تظهر إلاّ في فترة متأخرة، حتى أنّ الرجل قد يكون طاعناً في السن ولكنه يملك أعضاء ليّنة، ولا تبدو عليه أعراض الشيخوخة كما نصّ على ذلك الأطباء. بل إنّ العلماء استطاعوا عمليّاً أن يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعي المفترض، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرّات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية, وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجل فاعلية قانون الشيخوخة.
وبهذا يثبت علمياً أنّ تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معيّنة أمر ممكن علمياً، ولئن لم يتح للعلم أن يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائن معقّد معيّن كالإنسان، فليس ذلك إلاّ لفارق درجة بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان وصعوبتها بالنسبة إلى أحياء أخرى. وهذا يعني أنّ العلم من الناحية النظرية وبقدر ما تشير إليه اتجّاهاته المتحرّكة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان، سواء فسّرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثّرات خارجية، أو نتاج قانون طبيعي للخليّة الحيّة نفسها يسير بها نحو الفناء.
ويتلخّص من ذلك: أنّ طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعدّدة أمر ممكن منطقياً وممكن علمياً، ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً، إلاّ أنّ اتّجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل.
وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهديّ عليه الصلاة والسلام وما أحيط به من استفهام أو استغراب، ونلاحظ:
إنه بعد أن ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، وثبت أنّ العلم سائر في طريق تحويل الإمكان النظري إلى إمكان عملي تدريجاً، لا يبقى للاستغراب محتوىً إلاّ استبعاد أن يسبق المهديّ العلم نفسه، فيتحوّل الإمكان النظري إلى إمكان عملي في شخصه، قبل أن يصل العلم في تطوّره إلى مستوى القدرة الفعلية على هذا التحويل، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان.
وإذا كانت المسألة هي أنه كيف سبق الإسلام - الذي صمّم عمر هذا القائد المنتظر - حركة العلم في مجال هذا التحويل؟
فالجواب: إنه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم.
أو َليست الشريعة الإسلامية ككلّ قد سبقت حركة العلم والتطوّر الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة؟
أولم تنادِ بشعارات طرحت خططاً للتطبيق لم ينضج الإنسان للتوصل إليها في حركته المستقلة إلاّ بعد مئات السنين؟
أولم تأتِ بتشريعات في غاية الحكمة، لم يستطع الإنسان أن يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلاّ قبل برهة وجيزة من الزمن؟
أولم تكشف رسالة السماء أسراراً من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان، ثمّ جاء العلم ليثبّتها ويدعمها؟
فإذا كنا نؤمن بهذا كله، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة - سبحانه وتعالى - أن يسبق العلم في تصميم عمر المهديّ؟وأنا هنا لم أتكلم إلاّ عن مظاهر السبق التي نستطيع أن نحسّها نحن بصورة مباشرة، ويمكن أن نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تحدّثنا بها رسالة السماء نفسها.
ومثال ذلك أنها تخبرنا بأنّ النبيّ صلى الله عليه واله قد أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا الإسراءإذا أردنا أن نفهمه في إطار القوانين الطبيعيّة، فهو يعبّر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يُتح العلم أن يحقّقه إلاّ بعد مئات السنين، فنفس الخبرة الربانية أتاحت للرسول صلى الله عليه واله التحرك السريع قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد ، قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك.
نعم، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس، وفي ما أنجز فعلاً من تجارب العلماء.
ولكن! أوَليس الدور التغييري الحاسم الذي أعدّ له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس، وما مرّت بهم من تطورات التاريخ؟
أوَليس قد أنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحق والعدل؟
فلماذا نستغرب إذا اتّسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف، كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فإنّ غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه. فإذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفريدتاريخياً على الرغم من أنه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة؟
ولا أدري!
هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكلّ منها عمر مديد يزيد على أعمارنا الاعتيادية أضعافاً مضاعفة؟
أحدهما مارس دورا في ماضي البشرية وهو النبيّ نوح، الذي نصّ القرآن الكريم على أنه مكث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وقدّر له من خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد.
والآخر يمارس دوره في مستقبل البشرية وهو المهديّ الذي مكث في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام، وسيقدّر له في اليوم الموعود أن يبني العالم من جديد.
فلماذا نقبل نوح الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهديّ؟.
1- بحث حول المهدي / الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر .
قائد الثورة: الشباب المؤمن قضى على الغدة السرطانية التي زرعها الاعداء في المنطقة
صرح قائد الثورة الاسلامية آية الله السيد علي الخامنئي بان الشباب المؤمن قضى على الغدة السرطانية داعش التي زرعها الاعداء في المنطقة.
وخلال استقباله صباح اليوم الاربعاء حشدا من قادة ومنتسبي منظمة التعبئة بمناسبة أسبوع التعبئة في إيران قال سماحة القائد، أنه وبعد مضي 38 عاماً على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، لمن معاجز الثورة الاسلامية في ايران تواجد الشباب هكذا في الساحة وتاثيرهم في المنطقة وهم الذين لم يروا الامام ولا انتصار الثورة ولا مرحلة الدفاع المقدس.
وقال سماحته ان العدو شدد من عدائه من كل جانب للقضاء على المقاومة الناهضة من الفكر الثوري والاسلامي في المنطقة الا ان الشباب والرجال المؤمنين والصامدين بعزم وثبات قد اركعوا الاعداء بقضائهم على الغدة السرطانية التكفيرية واثبتوا للجميع مفهوم "اننا قادرون".
واضاف، ان الجمهورية الاسلامية وبعد 38 عاما من عداء الاستكبار والصهيونية والرجعية لها هي اليوم اكثر تقدما واقوى مئات ولربما آلاف المرات مقارنة مع بدايات الثورة وهو ما يعني الاجر الدنيوي للثبات والصمود.
واعتبر تاثير جيل الشباب والمؤمن بالبلاد في المنطقة رغم انه لم ير بداية الثورة والامام والدفاع المقدس، بانه من معاجز الثورة الاسلامية واضاف، لقد تمكنتم انتم الشباب من اركاع ودحر اميركا المستكبرة.
واعتبر قائد الثورة الاسلامية الروح والشعور التعبوي بانه العنصر الحقيقي في القضاء على الغدة السرطانية داعش واضاف، لقد سعى الاعداء بواسطة هذا التنظيم التكفيري اللاانساني للتصدي للتاثير على تيار المقاومة الا ان الشباب المؤمن دخلوا ساحة الجهاد بحافز ولهفة واركعوا العدو.
وانتقد سماحته الذين يبثون اليأس ويدعون للمحاباة امام القوى الكبرى واضاف، ان عدة مؤامرات متتالية لاميركا والصهيونية والرجعية في المنطقة تم اجهاضها باقتدار الجمهورية الاسلامية احداها القضاء على داعش، الا يثبت هذا الامر "اننا قادرون" ؟.
واعتبر آية الله الخامنئي القضاء على هذا التنظيم التكفيري اللاانساني بهمم الشباب والرجال المؤمنين وجهود الذين يقبلون بالمقاومة، انجازا عظيما جدا واضاف، انه في بعض الدول الجارة لم يكن هنالك الايمان متوفرا بامكانية القضاء على داعش ولكن حينما دخلوا الساحة راوا الانتصار باعينهم وايقنوا برسالة الثورة الاسلامية وهي "اننا قادرون" كما ان الثورة اثبتت بانها توصل الى الشعوب عملانيا رسائلها البديعة والتي تحمل في طياتها الحلول.
واعتبر سماحته "اسقاط النظام الملكي المستبد والعميل" و"ايجاد عوامل وعناصر تقدم واقتدار الجمهورية الاسلامية" و"القدرة على النفوذ في افكار الشعوب" من ضمن الامثلة الكثيرة لقدرة الشعب الايراني واضاف، انه من الان فصاعدا وبتوفيق من الباري تعالى ستواصل الثورة الاسلامية حركتها في مسار تحقيق اهدافها اعتمادا على الجيل الشاب والمؤمن.
واشار آية الله الخامنئي الى اهداف الثورة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والسياسية والثقافية واضاف، انه وبفضل الباري تعالى ستصل ايران العزيزة في المستقبل غير البعيد الى جميع اهدافها وسيقوم جيل الشباب بحل المعضلات الاقتصادية ومضاعفة الانجازات العلمية وتحقيق المفاهيم والمضامين الثقافية والقرآنية في المجتمع.
واوصى قائد الثورة الاسلامية باليقظة امام الاعداء واضاف، انه على القوى المبدعة والمؤمنة الاستعداد للتصدي لاحابيل واساليب الاعداء الجديدة وان تعمل بمسؤوليتها عبر الوقاية والرد المناسب.
لماذا حذر السيد نصر الله المقاومة الفلسطينية من المرحلة المقبلة؟
في مرحلة ما، كان المحور المقابل يعاني من غياب شريك فاعل في الساحة الإسلامية "السنية" يدحض التفاهم معه مذهبية الصراع في المنطقة. وبالرغم من محاولة إيران الرهان على حركة "الإخوان المسلمين" في مصر تحديدًا إبّان حكم محمد مرسي، إلا أنّ تجربة الإخوان في علاقاتها الخارجية عكست غياب الرؤية لديها داخليًا، ولم تُحسن إلتقاط الفرصة.
يُنقل عن دبلوماسي أميركي "عريق" معروف بقربه من إسرائيل قوله إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "سعيد برؤية بنيامين نتنياهو و محمد بن سلمان يتوليان القيادة" وملء الفراغ الذي خلّفه الإنسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، وتحديدًا من سوريا. هكذا يردّ الدبلوماسي الأميركي على التحليلات القائلة بأن الرياض وتل أبيب يسعيان لإعادة النفوذ الأميركي إلى المنطقة.
تطرق أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في كلمته التلفزيونية قبل الأخيرة إلى قاعدة تحكم المشهد الإقليمي: "إسرائيل لا تعمل عند السعودية بل عند الولايات المتحدة وعند مصالحها وإسرائيل لن تذهب إلى حرب مع لبنان إلا إذا كانت سريعة".
قبل حرب تموز 2006، كان التقدير السائد أن إسرائيل تحكمها عوامل أخف قيداً عند دراسة قرار الحرب. بعد حرب تموز/ يوليو، بات التقدير أنّ إسرائيل لا تذهب إلى حرب من دون ضوء أخضر أميركي بالكامل.
ما القواعد الحاكمة الآن؟ هل بمقدور السعودية إقناع اسرائيل بشنّ حرب في المنطقة وإلى أي مدى بمقدور دول وجهات عربية لا تسير في الفلك السعودي أن تشكلّ عنصر توازن في وجه محاولات "مذهبة" الصراع؟
تُجمع التقديرات العسكرية الإسرائيلية، والأميركية، على إكتساب حزب الله لخبرات نوعية نتيجة الحرب في سوريا. لكن بُعدًا أخراً يتم إدراجه في حسابات الحرب: الإستنزاف. تعتقد العديد من الدراسات المرموقة، البعيدة عن العناوين الإعلامية البرّاقة، أنّ حزب الله قد وجد نفسه يقاتل "مسلمين" مثله في سوريا. ترتبط هذه الفكرة من منظور إسرائيلي بما تعتبره تل أبيب فرصةً لإضفاء طابع مذهبي على الصراع بالإستناد إلى آلة إعلامية محترفة تدفع بهذا الإتجاه. في الإتجاه نفسه، يكاد مصطلح "الدول السنية المعتدلة" لا يغيب عن أدبيات القادة والإعلام الإسرائيليين منذ حرب تموز 2006.
في مرحلة ما، كان المحور المقابل يعاني من غياب شريك فاعل في الساحة الإسلامية "السنية" يدحض التفاهم معه مذهبية الصراع في المنطقة. وبالرغم من محاولة إيران الرهان على حركة "الإخوان المسلمين" في مصر تحديدًا إبّان حكم محمد مرسي، إلا أنّ تجربة الإخوان في علاقاتها الخارجية عكست غياب الرؤية لديها داخليًا، ولم تُحسن إلتقاط الفرصة.
وبعد أن بدأت إرهاصات الإتفاق النووي مع إيران تلوح في الأفق، ضغطت إسرائيل أكثر باتجاه تقديم العالم العربي على أنه خاسرٌ من الإتفاق، مع أنّ مضمونه يعكس بوضوح إشارات للسلام الدولي والإقليمي ورغبةً إيرانية في فكّ الحصار. يمكن تحميل إيران وحلفائها مسؤولية محددة في هذه المسألة لناحية طريقة تقديم الإتفاق النووي للمحيط العربي إعلاميًا وسياسيًا، ما ساهم عن غير قصد في تعزيز "بروباغندا" الدول والجهات التي وجدت نفسها خاسرة منه؛ وفي مقدمها السعودية وإسرائيل.
لم تكن المفاوضات حول النووي الإيراني قد وصلت إلى مرحلة الإتفاق، حين بدأ اللبنانيون يتهامسون في الصالونات السياسية أنباءَ عن مداورة في موقع الرئاسات الثلاث، فضلًا عن إتفاق لتحويل حزب الله إلى ما يشبه "الحرس الثوري" للجمهورية اللبنانية. لم تكن هذه الأنباء بريئة، بل كانت إحدى خطوات التأجيج المذهبي والطائفي في لبنان، نظرًا لحساسية أي حديث يدور حول تغيير في شكل النظام المعتمد منذ عشرات السنين. بالتوازي، كان وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير" يتنقل بين العواصم، ومن بينها بغداد، ناقلًا "تمنيات" بحصول حرب أميركية – إسرائيلية على إيران و حزب الله، مع أن السياق الأميركي وقتها كان قد بدأ بإعادة التموضع في الشرق الأوسط مع إقتراب نهاية ولاية باراك أوباما، وتصاعد الحديث في أروقة واشنطن حول الحاجة لنقل الإهتمام إلى الشرق الأدنى.
ناهيك عن أنّ المصلحة الفعلية الأميركية والإسرائيلية كانت حتى تلك اللحظة في الإستمرار في "إشغال" حزب والله وإيران في سوريا. فما الحاجة للذهاب إلى حرب إقليمية ما دامت سوريا "تستنزف" أعداء إسرائيل، بحسب تقديراتها؟
أما وقد انتهت ورقة "داعش" العسكرية، وباتت "النصرة" محاصرةً في جيب جغرافي سهل التعامل معه نسبيًا، فإنّ "الإستنزاف" الذي كانت تحسبه إسرائيل ورقة رابحة قد إنتفى، وهناك حاجة لتثبيت اركان نظرية "الدول السنية المعتدلة" التي تنادي بها تل أبيب منذ أكثر من عقد من الزمن.
في هذه اللحظة، إرتكبت السعودية خطأ استراتيجيًا لا يمكن فهمه سوى بأنه نتيجة إنفعال وتسرّع "الحاكمون الجدد" في المملكة، من خلال إستعداء قطر وشرخ التحالف الخليجي الهش.
هذا الإستعداء أثار بطبيعة الحال شهية الإدارة الأميركية للمال عملًا بسياسة الإبتزاز الرسمية التي نجح دونالد ترامب في جعلها منهجًا لسياسة واشنطن الخارجية، في ظلّ صمت إسرائيلي حيال الأزمة تخرقه بين الحين والأخر تحذيرات من تطور الخلاف العربي – العربي !
عند هذه النقطة، تبحث الرياض وتل ابيب مرة جديدة عن التقاء المصالح. ليس من مصلحة السعودية وجود أصوات عربية معارضة لتزعمها وقيادتها العالم العربي. وليس من مصلحة إسرائيل وجود "دول سنية غير معتدلة". لذا، ستجد المقاومة الفلسطينية نفسها محاصرة وسط هاتين المصلحتين، وليس مستبعدًا أن تقع إسرئيل في حسابات خاطئة عند جبهتها الجنوبية نتيجة إلتقاء المصالح مع السعودية. لهذا حذر أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير المقاومة الفلسطينية من مخاطر المرحلة المقبلة، ولهذا أيضاً أشار بوضوح إلى عمل الحزب على نقل السلاح النوعي إلى فلسطين المحتلة.
حزب الله نصرُ العرب والإسلام
وصف وزراء خارجية الأنظمة العربية حزب الله بالإرهابي، وتعهّدوا بمُلاحقته ومُلاحقة أنصار الله، وبالتأكيد أضمروا مُلاحقة حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية. هؤلاء لا يخيفون أحداً، ولا يُعتدّ بقراراتهم، وأعجز من أن يكونوا أهل حرب أو أهل سلام.
وزراء خارجية العرب كما الذين نصَّبوهم شهوانيون يلهثون وراء مصالح خاصة تافهة تأتي على صاحبها بالوبال. فقط اعترضت دولتان وفق ما قرأنا في الإعلام وهما لبنان والعراق. وأين أهل فلسطين؟ أين وزير خارجية سلطة الحُكم الذاتي الفلسطيني الذي من المفروض أن يشعِل جلسة هؤلاء الوزراء؟ لم نسمع منه شيئاً عِلماً أن حزب الله يقف من أجل فلسطين. لقد أنهى حزب الله احتلال لبنان إلى حد كبير من قِبَل الصهاينة والإرهابيين، وبقيت فلسطين التي تنتظر أهلها ليثأروا لها.
حزب الله ليس إرهابياً، وإنما تنظيم يقاتل من أجل الحرية، حرية العرب والمسلمين، وحرية الديار المُقدّسة في فلسطين، وسينتقل يوماً نحو تحرير الأراضي المُقدَّسة. الإرهابيون هم الكيان الصهيوني وأعوانه من الأنظمة العربية التي يجسِّدها وزراء الخارجية. الكيان الصهيوني هو رأس الإرهاب. هو كيان قام على الإرهاب وقَتْل الفلسطينيين وتهجيرهم من أجل أن تخلو له الأرض. وقد ساعدت الأنظمة العربية الصهاينة قبل عام 1948 للاستيلاء على فلسطين وتشريد شعبها بدعم من بعض القادة العرب وبعض القيادات الفلسطينية المقدسية والإقطاعية.
الاحتلال بالتعريف إرهاب، والكيان الصهيوني هو مصدر الإرهاب الأول في المنطقة والعالم، ولولا وجوده لما تطوّرت تنظيمات إرهابية أساءت إلى العرب والمسلمين.
حزب الله هو الذي أثبت قدرته وجدارته في الدفاع عن الأمّة. إنه تنظيم لم يشهد له التاريخ مثيلاً من حيث الالتزام والانتماء والشجاعة والتدريب والتنظيم والتضحية والفداء والإقدام. لقد هزم الكيان الصهيوني مرتين، وقدَّم خدمات جليلة للمقاومة الفلسطينية التي صدَّت الجيش الصهيوني في ثلاث حروب متتالية. لا يحق لمن طوَّعوا الأمّة ذليلة لأعدائها أن يتطاولوا على حزب الله وقائده السيّد حسن الله. السيّد حسن هو القائد العربي الفذّ الذي من المفروض أن يقود الأمّة العربية، ولولا بعض أبناء لبنان التابعين لأنظمة عربية يعرقلونه ويضعون الأشواك في طريقه لتصدَّر لبنان المشهد العربي من دون مُنازِع. حزب الله هو الذي سيقود المعركة ضدّ الكيان الصهيوني، وهو الذي سيسجلّه التاريخ في ألمع صفحاته البيضاء. أما حُكّام العرب فسيحكم عليهم التاريخ بما هم أهل له.
ضرب حزب الله مثلاً عالمياً أعلى في الأدب والقِيَم الأخلاقية. لقد طوَّر منظومة أخلاقية سامية يتحلَّى بها أفراده وعناصره ومناصروه، وقد أثبتوا جميعاً المستوى الرفيع في ميادين المعارك. وإذا كان هناك مَن يُقاوِم الإرهاب فهو حزب الله. ولا غرابة أن تقف أنظمة العرب التي زوَّدت الإرهابيين بالمال والسلاح من أجل تدمير دول عربية أن تقف ضدّه.
عبد الستار قاسم




























