Super User
الاتحاد الأوروبي يدعو مصر للالتزام بسيادة القانون
دعا الاتحاد الأوروبي مصر إلى الالتزام بسيادة القانون واستقلال القضاء، غداة إعلان الموافقة على تعديلات بالدستور تسمح لرئيس البلاد عبد الفتاح السيسي، البقاء في الحكم حتى 2030.
وقال مكتب المتحدث باسم المفوضية الأوروبية مارغاريتيس شيناس، في بيان الأربعاء: "نذّكر مصر بتعهداتها الدولية والإقليمية بشأن سيادة القانون واستقلال القضاء، وحرية التجمع والتعبير، وننتظر منها الالتزام بهذه التعهدات".
والثلاثاء، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات بمصر، موافقة 88.8 بالمئة من المشاركين في الاستفتاء على تعديلات الدستور، الذي جرى داخل وخارج البلاد خلال الفترة من 19-22 أبريل/نيسان الجاري.
والأسبوع الماضي، وافق البرلمان المصري بأغلبية مؤيدة للنظام على تعديلات الدستور في البلاد.
وانقسمت قوى المعارضة بمصر جراء الاستفتاء على فريقين أحدهما التصويت بلا، والآخر المقاطعة التامة، غير أنهم اتفقوا على عدم دستورية تلك التعديلات.
ومن أبرز تعديلات الدستور المقترحة زيادة الولاية الرئاسية إلى 6 سنوات بدلا من 4، وإضافة مادة انتقالية تسمح للسيسي، بزيادة ولايته الحالية عامين لتنتهي في 2024 بدلا من 2022، وإعادة انتخابه لمدة ثالثة ولايتها 6 سنوات، ما يتيح له البقاء في السلطة حتى عام 2030.
كما تضمنت تعديلات الدستور أيضا تعميق دور الجيش وإنشاء مجلس للشيوخ (غرفة برلمانية ثانية).
فلسفة الحجّ وأسرار مناسكه
إنَّ البحث في مسألة الحجّ ومكانته في الشريعة الإسلامية وإن بدا مختصراً وموجزاً، وكذلك البحث في موقعه من الأحكام والفرائض الإسلامية والاهتمام البالغ الذي أبداه الوحي والقرآن والسنّة تجاه الحجّ، ودراسة ماهية وعمق أحكام الحجّ وشعائره
والقدم التأريخي الذي يتمتّع به الحجّ، والعلاقة الوثيقة والصّحيحة الّتي تربط الحجّ بأصل التوحيد، كلّ ذلك يمكنه أن يوضّح لنا الخلفيّة لأفق الفلسفة الواسعة الّتي يمتلكها الحجّ، وبحور أسراره العميقة والأغوار المكنونة في مضمون هذه الشعيرة والعبادة.
لاشكّ في أنّ الحجّ هو أحد أكبر الفرائض الإسلامية( 1)، وأعظم شعائر الدين( 2)، وأفضل الأعمال التي يُراد بها التقرّب إلى الله تعالى( 3)، وهو ركنٌ من أركان الدين( 4)، وتركه ارتكابٌ لكبيرة من الكبائر( 5)، ممّا يتسبّب في خروج المرء عن جادّة الإسلام والمسلمين( 6)، ويؤدّي إلى كفره( 7).
ذلكم هو الحجّ الذي يكافح ويناضل المسلم في سبيل أداء مناسكه، ويتمرّغ على تراب الذُلّ ويُحمِّلُ نفسه مشقّة وتعباً عظيمين، ويعاني مرارة الغُربة والهجران، ويمسك عن جميع ميوله ولذّاته، ويمتنع عن كثير من عاداته وطبائعه، باذلا القدر الأكبر من مصاريفه لذلك، ويتحمّل أعباءَ حجّة مهما بلغت صعوبتها من أجل تنفيذ أمر من أوامر الباري عزّوجلّ( 8).
ومع أنَّ الحجَّ يبدو وكأنّه عبادة من العبادات الأخرى، إلاّ أنَّ هذه العبادة تجمع في جنباتها- في الواقع- عبادات كبيرة عِدّة( 9)، ولايمكن لأيّ عبادة أن توازيه في ذلك( 10)، ولا ثواب لهذه الفريضة سوى حيازة رضوان الله ودخول جنّته( 11)، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «لو أنفقتَ في سبيل الله بحجم جبل أبي قُبيس ذهباً، فإنّك لن تصل مرتبة الحاجّ وما يحوزه من القَدر»( 12).
إنّه الحجّ الذي يُزيح عن كاهل المؤمن الكثير من المعاصي الكبيرة بأدائه هذه الفريضة، يمحو عن قلبه كلّ صَدإ سبّبته سيئاته فيكون كمن ولدته أمّه توّاً( 13)، ولا تكتب ضدّه سيئة أخرى حتّى مرور أربعة أشهر ما دام الحاجّ لم يرتكب كبيرة إثر ذلك، وتكتب له عوضاً عن ذلك حسنات كثيرة( 14).
لقد كان الحجّ فريضة مفروضة في أولى الشرائع الإلهيّة، وأدّاه الملائكة وآدم وحوّاء وأنبياء الله جميعاً على أكمل وجه( 15) وأدخَلَ إبراهيم إمام الموحّدين تعديلات عليه وَجدَّده( 16) وأُمِرَ إسماعيل بالتمهيد لإقامة تلك الشعيرة المقدّسة( 17)، وقد أدّى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) شعائر هذه الفريضة مرّات عديدة رغم كلّ الصعوبات الّتي واجهته( 18) وسعى مدى سنوات طوال لتثبيت هذه الفريضة، وتهيئة المسلمين لإقامة الحجّ الحقيقي. ووُفّق أخيراً وبعد الحوادث المريرة، والغزوات المتعدّدة. وبعد جهاد بالنّفس والمال والرّوح، وبذل أغلى الشهداء والأعزّاء، وقادة وروّاد الإسلام، وُفِّقَ بالدخول إلى مكّة في السنة الثامنة من الهجرة، وتمّ فتحها من قِبَلِ المسلمين، فأدّى (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع بعد ذلك في السنة التاسعة للهجرة بصحبة آلاف مؤلّفة من المسلمين والصحابة( 19)، بكلّ إجلال وأبّهة في جوٍّ تملأه المعنويات الطاهرة، والإخلاص التامّ ممزوجاً بالقُدرة والسلطان الكبيرين للإسلام( 20).
ومع وجود نفي الإكراه في الدّين( 21)، وطبقاً لسيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) المبيّنة على أساس ترك إجبار النّاس على فعل يكرهونه( 22)، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) الواضح في هذا المجال وهو «لستُ أرى أن أجبر أحداً على عمل يكرهه»( 23)، فإنّ الوالي والحاكم بإمكانه اجبار جماعة بالفعل; ذلك من أجل إحياء حجّ بيت الله الحرام( 24).
حقّاً إنَّ الحجَّ اختبارٌ كبير لعباد الله( 25)، إذ يتعامل الإنسان في الحجّ مع الحجارة والصحراء والصخور والحصى الّتي لاتضرّ ولاتنفع( 26) وظلّت الأعمال الّتي يمارسها الحاجّ موضع دهشة الكثير من العقائد الضالّة( 27).
الحجّ هو زيارة بيت الله الحرام( 28)، البيت الذي يبدو وكأنّه يُعبد كما تلوح به الأعمال في الحجّ( 29)، ومثابة للناس وأمناً وقبلةً يتوجّه نحوها الجميع في عباداتهم( 30)، وشعبة من جنّة الرضوان( 31)، والطريق المؤدّي إلى غفران الله( 32) ومجمع عظمته وجلاله( 33)، وأوّل بقعة خُلقت في الأرض( 34).
وكان إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) المنادي للحجّ( 35) حيث لبّت نداءَه كلّ النّطف الطاهرة عبر التأريخ( 36) وكانت الملائكة تؤدّي ذلك قبل آدم أبي البشر بآلاف السنين الطويلة( 37).
ويجذب الحجّ نحوه، كما هو الحال مع متشابه آي القرآن مقارنة مع محكمه، كلّ الأفكار عِبْرَ زوايا ومنعطفات وأبعاد مختلفة، فيخلّف وراءه الخلود والأثر البالغ والتهذيب والحداثة الدائمة في بؤر التأريخ المندثرة.
وليس الحجّ لغةَ عقيدة معيّنة، أو دستوراً مُحدّداً أو قيماً متفرّقة فحسب، بل هو مرآةٌ تعكس وجهات النظر لكلّ المدارس والمذاهب، وصورة مُصغّرة لكلّ ما يحتويه الإسلام، ذلك الإسلام الذي خرج بشكل قرآن مجيد مُبيّن الكلمات، وواضح الأسلوب، وتجلّى في قالب الإمام والإمامة فصار حركات وملامح تمثّلت في الحجّ. ويبدو أنّ كلَّ ما أراد الله تلقينه للبشر وتفهيمه إيّاه، قد صبّه في قالب يُدعى الحجّ.
ذلكم هو الحجّ الذي يسير فيه مخلوق في منتهى الصِغر نحو اللاّنهاية عِبر سَفَر لاينتهي، فتجسّد خلاله فلسفة خَلق بني آدم فيصوغه مشابهاً للتاريخ والعقيدة والأمّة، والُمخرج لكلّ تلك الأحداث هو الله سبحانه، ولغة التمثيل هي الحركة، وشخصياتها وأبطالها هم آدم وإبراهيم الخليل وهاجر وابنها إسماعيل، ومن ثمّ إبليس الذّليل، والماكياج والملابس هما الإحرام، والممثل في المشهد الفردي ذاك الذي هو قطرة في وسط اليمّ هو أنتَ أيّاً كنتَ( 38).
نعم، إنَّ الحجّ هو انموذجٌ مصغّر من هيكل الإسلام ككلّ، كما سمّـاه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ووصفه بأنّه الممثّل الوحيد لكلّ شريعة الإسلام( 39).
ومعَ أنَّ كلا مسؤولٌ عمّا انفق( 40)، وصرف في يوم يُحاسبُ فيه حتّى الأنبياء( 41)، إلاّ أنّه لايُسئل عن المال المصروف في سبيل تأدية الحج وإقامة شعائره( 42)، ذلك لأنَّ ترك هذه الفريضة يؤدّي إلى بروز الفِتن وتسعيرها( 43) وإيجاد المهلكة والفجائع بصورة عامّة( 44).
فالحجّ تفسيرٌ( 45) لآية ﴿ففرّوا إلى الله إنّي لكم نذيرٌ مبين﴾ ( 46) وبيانٌ ومصداقٌ( 47) لـ﴿ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فاصَّدَّق﴾ ( 48) وأخيراً فهو ﴿قياماً للناس﴾ ( 49) ورمز قوّتهم وعزّتهم( 50).
وهكذا، فلا يمكن للحجّ أن يكون مجرّد عمل عاديّ، وعبادة بسيطة، وشعيرة ظاهرية بحتة. إنَّ سبر أغوار ما ذكر من الأمور سابقاً يُجسّد لنا هذه الحقيقة وهي: أنَّ الحجّ يمتلك روحاً وعقلا وفلسفة عميقة وراقية، وله أسرارٌ وحكمٌ ولطائف قيّمة جمّة وأهد
اف وفوائد ونتائج حياتية كبيرة، ألقت بظلالها على حياة الإنسان في البعدين المادّي والمعنويّ، وبالنفوذ ببصيرة إلى أعماق تلك الأعمال الظاهرية. وبالوصول إلى باطن تلك الأعمال يمكننا تفهّم إشاراتها والمشار إليه فيها على السّواء. ﴿إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد﴾ ( 51).
مصادرنا في الحصول على فلسفة الحجّ وأسراره:
إنَّ ميزة التفكّر والتعقّل اللتين هما رسول الإنسان في باطن وجوده، وإن كانتا غير عاجزتين عن البحث في فلسفة الحجّ وأسراره المعقدة والعميقة، والآثار الحياتية الكبيرة له وأهدافه في مختلف أبعاده، وكذلك بواسطة تحليل منطقي بعد التنبّه إلى ماهية هذه المراسيم والمناسك والعناصر الأساسية المُشَكِّلة لها، والعلائق والكنايات والإشارات الخاصّة به، كلّ ذلك سوف يمكّننا حتماً من التعرّف على الكثير من هذه الحكم والأسرار. ولكن ونظراً لكون المعطيات والنتائج الحاصلة من ذلك هي عقلية بحتة، لاتخلو أن تكون تلك المعطيات ملوّثة بالإشكالات والهفوات و«دين الله لا يصابُ بالعقول»( 52)، ولذا فإنّنا اتّبعنا خطّ سير أكثر أماناً للحصول على فلسفة الحجّ وأسراره، وسنقوم ببحث وتقصّي أحكام وأسرار الحجّ بالاعتماد على نفس المصادر الّتي استخرجنا منها أحكامه ومناسكه.
ولحسن الحظّ فإنّ الوحي (الكتاب والسنّة) لم يتركانا سدًى في هذا المجال، حيث وضّحا لنا قسماً كبيراً من أسرار هذه العبادة وآثارها وأهدافها السامية في الحياة الإنسانية.
ولن نستند في بحثنا هنا- فيما يتعلّق بفلسفة الحجّ وأسراره- على النظرة العقلية والتفسير والتوجيه العقلانيّين، بل سنسعى إلى توضيح جزء من بحر لطائف وأسرار وأهداف ونتائج الحجّ الواسع مستفيدين من النّصوص الّتي بحوزتنا والمستخرجة
من آيات الكتاب، ومتون الأحاديث ونتعرّف على جانب من روح وعقل هذه العبادة الجماعية.
عباس علي عميد الزنجاني
________________________________________
1 «ليس شيء أفضل من الحجّ إلاّ الصلاة، وفي الحجّ هنا صلاة»، علل الشرايع: 156، وسائل الشيعة 8: 77، الحديث2.
2 جواهر الكلام 17: 214.
3 جواهر الكلام 17: 214.
4 قال الباقر (عليه السلام) : «بُني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة و
الحجّ والصوم والولاية». وسائل الشيعة 1: 7 و8، أُصول الكافي 1: 315، المحاسن للبرقي: 286.
5 تحرير الوسيلة 1: 370، وسائل الشيعة 8: 19، 21.
6 المصدر نفسه.
7 «قال الصادق (عليه السلام) في تفسير قول الله عزّوجلّ: (ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين) يعني من ترك»، وسائل الشيعة 8: 20.
8 جواهر الكلام 17: 214.
9 جواهر الكلام 17: 214.
10 «قال الصادق (عليه السلام) : ما يعدله شيء»، وسائل الشيعة 8: 77 و
78، الحديث 3 و7.
11 مستدرك الوسائل كتاب الحجّ، الباب 24، الحديث 22 و24، صحيح مسلم 4: 107.
12 وسائل الشيعة 8: 79، الحديث1، التهذيب 1: 451.
13 ثواب الأعمال: 27، وسائل الشيعة 8: 83، الحديث 15.
14 المصدر نفسه: 79، الحديث1.
15 من لا يحضره الفقيه 1: 159، علل الشرايع: 399- 406.
16 (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم)، البقرة: 127.
17 (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود)، البقرة: 125.
18 في صحيح البخاري: «حجّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قبل النبوّة وبعدها، ولم يعرف عددها ولم يحجّ بعد الهجرة إلاّ حجّة الوداع». وفي الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : حج رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشرين حجّة مستقرة.
19 سفينة البحار 2: 306.
20 نقل الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب والشيخ العاملي في وسائل الشيعة خبر حجّة الوداع عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، وكذلك نقله مسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي والنسائ والترمذي في صحاحهم وسننهم عن الجابر عن الإمام ال
صادق (عليه السلام) .
21 (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ)، البقرة: 256.
22 فروغ أبديّت (باللغة الفارسية): 388.
23 نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5: 359.
24 فروع الكافي 1: 237- 241، علل الشرايع: 138، التهذيب 1: 452.
25 و نهج البلاغة، الخطبة رقم 192.
26 علل الشرايع: 403.
27 وسائل الشيعة 8: 6، سورة الحجّ: 27.
28 وسائل الشيعة 8: 6، سورة الحجّ: 27.
29 (وإذ جعلنا البيت مثابةً للنّاس وأمناً)، البقرة: 125. (فلنولينّك قبلةً ترضاها)، البقرة: 144.
30 «فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه منصوب على اسواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام». فروع الكافي 1: 219.
31 «فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه منصوب على اسواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام». فروع الكافي 1: 219.
32 «فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه منصوب على اسواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام». فروع الكافي 1: 219.
33 «فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه منصوب على اسواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام». فروع الكافي 1: 219.
34 سورة الحجّ: 27.
35 وسائل الشيعة 8: 5، الحديث9.
36 المصدر نفسه، الحديث6.
37 نقلا عن كتاب الحجّ، للدكتور علي شريعتي.
38 «والخامسة الحجّ وهي الشريعة». علل الشرايع.
39 (ولنسئلنَّ المرسلين)، الأعراف: 67.
40 (ثمّ لتسئلنّ يومئذ عن النعيم)، التكاثر: 8.
41 بحار الأنوار 99: 5.
42 المصدر نفسه.
43 «قال عليّ (عليه السلام) : لا تتركوا حجّ بيت ربّكم فتهلكوا»، ثواب الأعمال: 212.
44 تفسير القمّي: 448، معافي الأخبار: 222، بحار الأنوار 99: 6.
45 الذاريات: 50.
46 تفسير القمّي: 682، بحار الأنوار 99: 6.
47 المنافقون: 10.
48 المائدة: 97.
49 «قال الصادق (عليه السلام) : لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة»، الكافي 4: 271، الحديث24، «فرض الله الحجّ تقوية للدين»، نهج البلاغة، المواعظ والحكم، رقم 244.
50 سورة ق: 37.
51 بحار الأنوار 3: 303، الحديث41.
52 مستدرك الوسائل 2: كتاب الحجّ، الباب 17، الحديث5، سفينة البحار 2: 71.
ما هي خطة تفكيك الحصار الأميركي في شرقي الفرات؟
لا يبدو أن طوابير الانتظار التي فاضت عن طاقة محطات الوقود السورية ، ستستمر مدة طويلة بحسب مصدر دبلوماسي رفيع أكد للميادين أن ضمن ما تم نقاشه مع وزير الخارجية الإيراني الذي زار دمشق قبل أيام هو أزمة الوقود وإعادة تشغيل الخط الائتماني بين طهران ودمشق ، المتوقف منذ أشهر ، ودمشق لم ترسل رسائل إلى أنقرة.
لن ينتظر السوريون وحلفاؤهم تبلور أي وجهة سياسية اقليمية أو دولية جديدة لزيادة الضغط والحصار الذي تراهن عليه واشنطن لإضعاف دمشق اقتصادياً بما يهدد الانتصارات التي راكمتها مع حلفائها في أي عملية سياسية مقبلة أولا، ودفع الحليف الإيراني ثانياً للانسحاب من سوريا.
ويقول المصدر السوري إن الوقت يداهم الجميع ، ولا بد من التحرك بسرعة لتقويض مساعي واشنطن ، ولن ننتظر أحدا لكي نباشر الحلول مع حلفائنا "الذين نثق بهم بشدة".
ويضيف المصدر أن التنسيق بدأ وعلى أكثر من مستوى لاحتواء الحصار الاقتصادي وأن دمشق التي سبق أن واجهت حصاراً مشابهاً في ثمانينيات القرن الماضي لا تزال تتملك الكثير من الأوراق لمواجهة جديدة.
خلال الأيام الماضية، ازدحمت أجندة الزيارات في القصر الرئاسي بدمشق ، وعكست التصريحات احتلال الازمة الاقتصادية المحل الاول في كل النقاشات. ومن اللقاءات الدمشقية ــ الروسية ــ الإيرانية لم يجد الإعلام ما يشبع نهمه، في البيانات الرئاسية المتقشفة ، فملأ فراغ أسئلة الاعلام ما تحدث به نائب رئيس الحكومة الروسية يوري بوريسوف بأن موسكو ستوقع عقد استئجار ميناء طرطوس لـ ٤٩ عاماً من أجل استخدامه من قبل قطاع الأعمال الروسي، معتبرا أن القرار سينعكس إيجاباً على التبادل التجاري بين البلدين، وسيخدم الاقتصاد السوري.
حرب أخرى توشك أن تستعر في الشرق السوري لإعادة بناء توازن بين الولايات المتحدة وروسيا . وبقايا "داعش" لم تعد هدف الحشد العسكري الوحيد المتزايد حول شرق الفرات من الأطراف كافة، بل السباق على منع الروس والإيرانيين من الإمساك بالممر البري الشرقي ، والحل السياسي والعسكري . كما يهدف السباق إلى استنزافهم، وتحميلهم المزيد من اعباء حشد عسكري جديد في سوريا.
اذ بدأ الاميركيون بنقل الآليات والسلاح التي دخلت الشرق السوري، منذ معركة الباغوز، وتضم معدات لوجستية وآليات مصفحة وأسلحة، إلى القواعد الامريكية في ريفي دير الزور والحسكة، من أجل تجهيز مجموعات محلية في المنطقة، لتنفيذ هجمات على مواقع سورية وإيرانية في منطقة البوكمال بأقصى ريف دير الزور الشرقي بحسب مصادر مطلعة للميادين.
وتلفت المصادر أنه بعد أن وضعت الولايات المتحدة الأميركية، حرس الثورة الإيرانية على لائحة الإرهاب، باتت واشنطن ترى أن الأجواء مناسبة لمهاجمة أهداف إيرانية في شرق الفرات، ودفع مجموعات تابعة لها لقطع طريق بغداد ــ دمشق، لاستكمال الحصار برياً وعزل الشرق السوري عن العراق وإيران بتعزيزات تحافظ على التوازنات الجوية بين القواعد التركية في أنجيرلك وأضنة من جهة، وقواعد حميميم والشعيرات الروسية السورية من جهة أخرى، بانتظار أن تتبلور وجهة التدخل البري، التي يزعم الجميع حتى الآن، أن ترامب لن يقدم عليه ، مفضلاً المنافسة في السماء ، وترك الأرض إلى "فصائل العشائر العربية المتحالفة مع قسد كما جرت عليه العادة" على ما قاله رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون ، في نفيه أي نيّة لإرسال قوات تدخل بري الى المحرقة السورية.
وتكشف المصادر أن المخطط الأميركي لم يلق دعم وقبول من الوحدات الكردية التي تريد الحفاظ على علاقات جيدة مع الإيرانيين، خاصة في ظل عدم انقطاع التنسيق في الحسكة على الأقل. وأنهم يفضلون القيام بعملية ضد قوات "غصن الزيتون" في عفرين، لافتةّ إلى أن البديل هو مجلس دير الزور العسكري وفصائل عربية تقاتل ضمن تحالف "قسد". لكن لم يتم اتخاذ القرار النهائي بعد، في ظل صعوبة حشد قوات كافية لتنفيذ العملية وعدم وجود أي طريق بري يربط شرق الفرات بغربه.
يأتي ذلك، في ظل تصاعد هجمات تنظيم "داعش" فيما اسماها التنظيم " معركة الثأر للشام"، والتي ينفذ خلالها عمليات يومية في كل من أرياف دير الزور والرقة والحسكة وصولاً إلى منبج، والتي طالت كذلك، دورية لـ"التحالف" بسيارة مفخخة على طريق الشدادي قرية 47، وأدت إلى مقتل عدد من مسلحي "قسد".
وتشهد أرياف دير الزور والرقة نشاطاً كثيفاً لخلايا التنظيم، بسبب عدم رضى الأهالي عن حكامهم الجدد، واستعجال "قسد" بالسيطرة على المناطق، والعمل على تطويع أبناء المناطق نفسها، لتحويلهم إلى قوات حماية محلية لها تحت رايتي "الأسايش" و "مجلس دير الزور العسكري"، ما يجعل تغلغل خلايا التنظيم ضمن صفوف "قسد" سائبة، واستثمار ذلك لشن عمليات عسكرية في المنطقة.
فيما بات واضحاً أن الجيش السوري قد يطلق عملية عسكرية قريبة تستهدف الحدود السورية ــ العراقية من محيط البوكمال وصولاً إلى منطقة 55 كم في محيط التنف من جهة، ومنطقة السخنة ومحيطها وصولاً إلى محطتي الـt2 و t3 ، بعد أن عاد النشاط لخلايا "داعش" الذين استغلوا المساحات الصحراوية الواسعة، والإمداد المفتوح من منطقة التنف لتنفيذ هجمات ضد مواقع الجيش، أدت لاستشهاد وإصابة عدد من ضباط وعناصر الجيش السوري والقوى الرديفة قبل أيام .
الكرد قد يدخلون المواجهة مع الروس والإيرانيين والجيش السوري منفردين من دون حلفائهم كما يُقال ، ولا صحة عن تردد في صفوفهم بعد أن قرر الاميركيون خفض عديد قواتهم في سوريا ، فلا يزال الرهان الكردي على دفع الدول الأوروبية المشاركة ضمن تحالف "واشنطن"، لإقناع واشنطن برفع عدد قواتها المتبقية إلى ألفي عنصر كما وسبق أن طلب شاهين جيلو القائد العام لـ"قسد"، من الجنرال جوزيف فوتيل قائد القوات الأمريكية في الشرق الاوسط، وهو ما سعت "قسد" لنقاشه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لقاء جمعهم معه في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس، بحضور رئيس اركان الجيش الفرنسي، وممثلين عن وزارتي الدفاع والخارجية وعدد من مستشاري الرئاسة، وفق ما نقلته وكالة هاوار، المقربة من "الإدارة الذاتية" الكردية.
وأكد الوفد، ان مطالبهم للرئيس الأميركي تلخصت بالضغط لأجل تمثيل "الإدارة الذاتية" في لجان صياغة الدستور وفق مسار أستانة، بالإضافة الى توفير الدعم المادي لتوفير الخدمات وتحقيق التنمية في ملف إعادة الإعمار، وإيجاد حل لمشكلة المعتقلين من "داعش" في سجون "قسد"، وعوائلهم الموجودين في مخيم الهول بريف الحسكة الشرقي.
وتنقل مصادر مطلعة أن فرنسا ترفض الإبقاء على قواتها في حال دخل الانسحاب الأميركي حيّز التنفيذ، وأن كل محاولات واشنطن لإبقاء 200 عنصر من قواتها، مع الحفاظ على وجود قوات أخرى من "التحالف"، باءت بالفشل.
ديمة ناصيف
طهران تؤكد ألَّا قيمة للقرار الأميركي... وأنقرة ترفض العقوبات الأحادية
أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران لا تعترف بقانونية العقوبات عليها ولا تعطي أهمية وقيمة للإعفاءات.
وردّا على إنهاء الولايات المتحدة للإعفاءات، أشارت الخارجية الى أن طهران ستتّخذ القرار المناسب بعد التشاور مع المؤسسات المعنية الداخلية ومع العديد من الشركات الأجنبية الأوروبية والدولية والتابعة لدول الجوار نظراً إلى الآثار السلبية للعقوبات التي ستزيد مع منع الإعفاءات.
من جهته، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو رفض بلاده الإملاءات والعقوبات الأحادية الجانب، وذلك تعليقا على قرار إدارة ترامب بشأن إيران.
من جهتها، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول وصفته بالرفيع في الإدارة الأميركية قوله إن أي خطوة من قبل إيران لإغلاق مضيق هرمز رداً على انتهاء سريان الإعفاءات الأميركية من العقوبات النفطية ستكون غير مقبولة.
المسؤول الذي رفض الكشف عن هويته اضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قناعة بأن السعودية والإمارات ستنفذان التزاماتهما بالتعويض عن النفط الإيراني للمستهلكين الذين حصلوا سابقاً على إعفاءات من العقوبات الأميركية ضد طهران.
مسؤول مطلع في وزارة النفط الإيرانية قال أمس الإثنين لوكالة "تسنيم" الإيرانية إنّه "مثلما لم تتمكن أميركا في تحقيق ادعاءاتها وتصفير النفط الإيراني في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر، فإنّه ليس في العشرة أيام القادمة وإنما في الأشهر والسنوات القادمة أيضاً لن تصل إلى هدفها".
في المقابل، أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بالقرار الاميركي، واعتبر أن "له أهمية كبيرة لتكثيف الضغط على إيران"، على حدّ قوله.
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أعلن أن الرياض تراقب سوق النفط عن كثب بعد البيان الأميركي، مؤكداً أن السعودية ستعمل على ضمان توافر إمدادات النفط للمستهلكين وعدم اختلال توازن سوق النفط العالمية.
وفي الهند، أفاد وزير البترول والغاز الطبيعي الهندي دارمندرا برادان، اليوم الثلاثاء، بأن الهند ستحصل على إمدادات إضافية من دول رئيسية منتجة للنفط وذلك لتعويض إمدادات النفط الإيراني
وتعتبر الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، وأكبر مشترٍ للنفط الإيراني، بعد الصين، ومع دخول العقوبات الأميركية على النفط الإيراني حيّز التنفيذ في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي قلصّت الهند مشترياتها من الخام الإيراني إلى النصف تقريباً.
وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أعلن أمس الإثنين أنّ هدف الولايات المتحدة هو "وقف العائدات النفطية لإيران لمنعها من تمويل المنظمات الإرهابية"، مهدداً بأنّه "إذا لم تلتزم الدول بعقوباتنا على إيران فستتحمل مسؤولية ذلك".
وأعلن بومبيو في مؤتمر صحفي له، عن قرار بوقف كل الإعفاءات من العقوبات، وأضاف: "سنسعى للحفاظ على سوق النفط العالمي".
وأعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي على صادرات النفط الإيرانية، بعد أن انسحب الرئيس دونالد ترامب من جانب واحد من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران وست دول كبرى.
واشنطن: مكافأة مالية مقابل معلومات عن "مموّلين" لحزب الله
بالتوازي، أعلنت الخارجية الأميركية عن تخصيص مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تمكّنها من ملاحقة من وصفتهم بمموّلين لحزب الله هم محمد إبراهيم بزي وأدهم حسين طباجة وعلي يوسف شرارة.
ورداً على سؤال التداعيات التي ستتركها التدابير الأميركية على الشعب اللبناني باعتبار أن الحزب جزءٌ من الحكومة اللبنانية، رأى كلٌ من مساعد وزير الخزانة لتمويل الإرهاب مارشال بيلينغزلي والسفير ناثان سيلز أن العقوبات ستعزز قوة الحكومة اللبنانية لحماية النظام المصرفي اللبناني.
"داعش" يعلن مسؤوليته عن استهداف مقر أمني بالسعودية
أعلن تنظيم "داعش" الإرهابي مسؤوليته عن هجوم استهدف مقر شرطي قرب العاصمة السعودية الرياض، الأحد.
جاء ذلك في مقطع فيديو نشرته وكالة أنباء "أعماق" التابعة لـ"داعش"، الإثنين، أعلنت فيه مسؤولية التنظيم عن الهجوم، حسب وكالة "أسوشيتد برس".
والأحد، قال جهاز أمن الدولة السعودي في بيان إن "السلطات الأمنية تمكّنت من إحباط عمل إرهابي استهدف مركز مباحث محافظة الزلفي (وسط)؛ ما أسفر عن مقتل 4 مهاجمين، وإصابة 3 أفراد أمن".
وفي مقطع الفيديو، قال أحد عناصر التنظيم الإرهابي إن الهجوم "جاء انتقاما للمسلمين المسجونين في المملكة (السعودية) وسوريا والعراق".
وعقب الهجوم، أدانت منظمة التعاون الإسلامي، (مقرها مدينة جدة)، الهجوم الإرهابي، وأعربت عن تضامن المنظمة ووقوفها التام مع السعودية في مواجهة الإرهاب.
وقبل هجوم أمس، كان آخر هجوم تبناه التنظيم في السعودية، في يوليو/تموز 2018، عندما استهدف على نقطة تفتيش أمنية في مدينة بريدة بمنطقة القصيم (وسط)؛ ما أسفر عن مقتل رجل أمن ومقيم بنغالي.
تأمّلات في دعاءِ عرفة للإمام الحسين (عليه السلام)
الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع(1)
1) في هذا المقطع ناحيتان للبحث:
الأولى: بيان حقيقة الحمد الذي جعله الإمام(ع) مفتتح حديثه.
الثانية: الحديث حول قضاء الله سبحانه وتعالى، وبيان معنى عدم وجود دافع له.
ولقد ابتدأ(ع) بالحمد لأنه نحو تحميد وتمجيد لله سبحانه وتعالى، وهو كما عرفنا فيما تقدم من شروط الكمال.
حقيقة الحمد:
لا يختلف اثنان في أن الحمد ثناء على الله سبحانه وتعالى، ولا ينحصر الثناء عليه في خصوص هذه اللفظة، بل يمكن أن يكون الثناء عليه أيضاً من خلال الشكر، كما يمكن أن يكون بواسطة التسبيح، ويمكن أن يكون من خلال المدح، فهذه أربعة عناوين يمكن أن يثنى على الله عز وجل من خلالها، وقد تضمنت كلمات اللغويـين والمفسرين بيان الفوارق بينها.
فعرفوا الحمد بأنه: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، وهذا التعريف أشتمل على قيدين:
الأول: الثناء، وذلك بذكر فعل شخص ما مادحاً إياه على ذلك الفعل.
الثاني: الاختيار، فلا يمدح ولا يحمد ما يكون من الحسن لا عن اختيار، أي ما كان أمراً تكوينياً، فاللؤلؤ مثلاً، لا يمدح صفائه وحسنه، لأنه ليس بالاختيار. فالثناء على شخص ما لأنه يداوم الحضور لصلاة الجماعة، أو لأنه يلتـزم بقراءة الأدعية والأذكار المستحبة، يعبر عنه بأنه حمد، وذلك لتوفر الأمرين المعتبرين في حقيقة الحمد فيه، كما لا يخفى.
وأما الشكر، فقد عرف بأنه ما أنبأ عن عظمة المنعم، سواء أكان بالقلب أم كان باللسان، أم بالأركان، ولذا قالوا بأن التفكر في عظمته سبحانه وتعالى شكر له، كما أن ذكره عز وجل باللسان شكر له، وفعل الطاعة له والعبادة من صلاة وما شابه شكر له.
ووفقاً لهذا يمكننا القول بأن حقيقة الشكر عبارة عن الثناء على النعمة الصادرة من المنعم، فكل ثناء صدر منك لنعمة حصلت عليها من المنعم عبرنا عنه بأنه شكر للمنعم.
وأما التسبيح، فهو التنـزيه عن كل نقص مطلقاً، وهو مختص بالله سبحانه وتعالى، فينـزه الله سبحانه عن كل نقص، بمعنى نفي كل نقص عنه، فنقول: بأنه ليس جاهلاً، ولا عاجزاً، ولا بخيلاً، ولا مركباً، إن هذا كله يسمى تسبيحاً، لأنه تنـزيه له سبحانه عن كل نقص.
وأما المدح، فهو الثناء على الجميل باللسان، ولو لم يكن الجميل اختيارياً، كما لو مدحت اللؤلؤة على صفائها وجمالها، أو مدحت النجوم على جلائها وبهائها، فإن هذا الجمال الموجود في اللؤلؤ، أو الجمال الموجود في النجوم ليس اختيارياً.
ومن خلال ما تقدم من عرض لبيان حقيقة المفاهيم الأربعة من صيغ الثناء على الباري سبحانه يتضح الفرق بينها، إذ يختلف الحمد عن المدح من خلال السعة والضيق، ضرورة أن الحمد أضيق دائرة من المدح، والمدح أوسع دائرة من الحمد، فكل حمد مدح، لكن ليس كل مدح حمد، لأنه ربما كان مدحاً لفعل غير اختياري، فهو ليس حمداً. فالنسبة بينهما هي العموم المطلق، كما هو واضح.
والنسبة بين الحمد والشكر هي نسبة العموم من وجه، فهما يلتقيان في أمور، وكل واحد منهما يختلف عن الآخر في أخرى، فالحمد أعم من الشكر من ناحية متعلقه، لأن الجميل الاختياري قد يكون للحامد كما يكون لغيره، وهو أخص منه من ناحية المورد، لانحصار مورده في خصوص اللسان فقط في الإنسان، بخلاف الشكر، فإن متعلقه ينحصر بخصوص الإنعام على الشاكر فقط، ولا ينحصر مورده في خصوص اللسان فقط، بل يشمل القلب واللسان والأركان.
والفرق بين الحمد والتسبيح واضح لا يحتاج بياناً، ضرورة أن التسبيح منحصر في خصوص تنـزيه الذات المقدسة عن النقص، وهو يفترق تماماً عن الحمد، كما لا يخفى.
نعم يشترك التسبيح مع الحمد في شيء وهو أن كليهما مختصان بالذات المقدسة، فكما أن التسبيح بمعنى التنـزيه عن النقص يختص بالذات المقدسة وينحصر فيها، فكذلك الحمد بالمعنى السابق منحصر فيها أيضاً، فهو نظير لفظ(الله، الرحمن) فلا يطلق على غيره تعالى، ومتى ما أطلق كان مدحاً، وليس حمداً. أما الشكر فلا ينحصر به سبحانه، لأنه كما يمكن للإنسان أن يشكر الله تعالى بمعنى الجزاء على الخير، سواء في الدنيا، أم في الآخرة، أم فيهما معاً، يقع أيضاً من الخلق للخلق، قال تعالى:- (أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير)[1].
ثم إن الحمد له صورتان:
الأولى: أن يكون الحمد من الله سبحانه وتعالى لذاته المقدسة، قال تعالى:- (وله الحمد في السماوات والأرض)[2].
الثانية: أن يكون الحمد من خلقه له سبحانه، قال عز من قائل:- (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا)[3]،[4].
الافتتاح والختم بالحمد:
هذا ومما يلحظ أنه قد جُعل الحمد مفتـتحاً في موارد عديدة، كما في القرآن الكريم، فإن أول سورة منه، وهي سورة الفاتحة، افتتحت بالحمد، وكذا في كثير من الأدعية، كما هو الدعاء محل الكلام أيضاً جعل الحمد مفتـتحاً للكلام، كما أن الملاحظ أن الحمد جُعل خاتمة الكلام، فقد ورد في على لسان أهل الجنة قوله تعالى:- (وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين)[5].فلماذا جُعل الافتتاح بالحمد، وجُعل الختم به، دون غيره من ألفاظ الثناء الأخرى، فلماذا لم يكن الافتتاح مثلاً بالتسبيح، أو لماذا لم يكن الافتتاح مثلاً بالشكر؟
هناك ثلاثة أجوبة يمكن ذكرها في المقام:
الأول: ما يظهر من خلال الرجوع لبيان حقيقة الحمد وحقيقة الشكر والتسبيح التي قدمناها فإن المستفاد مما تقدم من البيان أن الحمد بمثابة المفتاح لجميع أنواع الثناء، ذلك لأن الشكر والتسبيح يتوقفان عليه، فلو لم يكن هناك حمد، فلن يكون هناك شكر، وكذا لن يكون هناك تسبيح، وذلك لأن الشكر الذي هو ثناء على النعم لن يتحقق ما لم يحصل للشاكر معرفة بجمال الفعل الصادر من المنعم، فمتى عرف جمال الفعل كان ذلك موجباً لشكره على نعمه، فلو لم يعرفه لن يشكره، ولا ريب في أن إدراك أن الجميل نعمة يعد ثناءً-ولو كان ثناءً عقلياً وليس لفظياً-فيكون حمداً، فيثبت أن الشكر متوقف على الحمد.
وكذلك بالنسبة للتسبيح، فإن التنـزيه للذات المقدسة يتوقف على إدراك الجمال، لأنه لو لم يدرك جماله، فلن ينـزهه عن النقص، وهذا يعني أن التنـزيه عنه فرع معرفة أنه جمال بذاته، وبأسمائه وأفعاله، ولما كان إدراك الملازمة بين محض الجمال ونفي النقص حمد في نفسه، ثبت أن التسبيح أيضاً متوقف على الحمد.
الثاني: إن الموجب لذلك يعود للعمومية والشمولية في الحمد دون بقية ألفاظ الثناء، وذلك لأن الحمد لا يختص بجانب دون آخر، فهو كما يشمل الأفعال، كذلك يشمل الذات والأسماء، وهذا بخلافه بالنسبة للشكر لما عرفت من اختصاصه بالنعم، وبالتسبيح لما عرفت من اختصاصه بالتنـزيه عن النقص[6].
بل إن جميع أنواع الحمد حتى ما كان منها راجعاً للمخلوقين فإنها تؤول لباً له سبحانه وتعالى، لأنه سبحانه مصدر الجمال، وهذا معنى قوله تعالى:- (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)[7].
الثالث: قد تقدم منا عند تعداد بعض شرائط الصحة وشرائط الكمال، أن واحداً من شرائط الكمال في الدعاء الابتداء بالثناء والحمد على الذات المقدسة، وقد أشرنا هناك أيضاً إلى أهمية مراعاة شرائط الكمال، لما لها من مدخلية في الاستجابة.
مراتب الحمد:
هذا وقد ذكروا أن للحمد مراتب ثلاث:
الأولى: الحمد القولي، وهو ما يجري على اللسان بالمأثور وما يحصل فيه من ثناء على الباري سبحانه وتعالى على ما أنعمه على الإنسان.
الثانية: الحمد القلبي، وهو معرفة العبد ولي نعمه بأن هذه النعمة من أين جاءت ومتى وصلت إليه نعمة في الدين ونعمة في الدنيا تحصل بها سعادته وخيره وعزه وصلاحه في الدارين.
الثالثة: الحمد الفعلي، ويتحقق من خلال الإتيان بالتكاليف السماوية، البدنية والمالية، من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله سبحانه وتعالى. فكما أن الحمد واجب على كل إنسان باللسان، كذلك هو واجب عليه بحسب مقابلة كل عضو عند كل حال من الأحوال، وذلك باستعمال كل عضو فيما خلق لأجله، وأن يصرف في ما هو المشروع له[8].
ويبقى الكلام في كيفية تحقيق الحمد الفعلي، وهو أصعب أنواع الحمد، ولسنا بصدد
الحديث عن ذلك، فإن له مجاله الخاص، فليطلب من هناك.
قضائه الذي ليس له دافع:
وأما الناحية الثانية في هذا المقطع، وهي قضاء الله سبحانه، وأول ما ينبغي التوجه له هو معرفة مقصوده(ع) من قضاء الله سبحانه وتعالى، فهل يقصد من ذلك قضائه المقابل للقدر، أم أن المقصود منه عبارة عن الإرادة، أم أن المقصود منه قدرته سبحانه وتعالى؟ الاحتمالات الثلاثة واردة في العبارة، لأنه قد يستعمل لفظ القضاء مقابل القدر، فيقال: القضاء والقدر، كما يستعمل لفظ القضاء ويراد منه الإرادة، فيقال أراد الله سبحانه وتعالى وقضى، وقد يكون استعماله بمعنى قدرته سبحانه، فيقال: إن قضاء الله سبحانه لا يرد، بمعنى أن قدرته لا تمنع، وعلى أي حال، فلنشر لشيء منها.
الاحتمال الأول: أن يكون المقصود من القضاء هنا ما يكون مقابلاً للقدر، وهذا المعنى للقضاء فعل من أفعال الله سبحانه وتعالى، وقد ذكرت له عدة معان ربما أوصلها البعض إلى عشرة، والظاهر أن جميعها تعود للمعنى الأصل، وهو الحتم والحكم، فقضاؤه سبحانه هو حكم وحتم وفعل.
وبحث القضاء من المباحث الدقيقة جداً، وربما كان مزالق الأقدام، ويكفي أن تعرف أن هناك نزاعاً شديداً في مسألة قضاء الله سبحانه وتعالى، حتى صار الناس فيها على طرفي نقيض، فبين من يجعل الأفعال من العباد كلها مخلوقة له سبحانه وتعالى، وهو الذي يجبرهم على الإتيان بها دون أن يكون لهم أدنى اختيار، يمضي آخر ليقرر أن الله تعالى قد فوض أمر الخلق للخلق، ورفع يده عنهم جميعاً، فصار أمرهم إليهم من دون أن يتدخل هو في ذلك. وكان طريق الحق هو ما جاء عن أهل بيت العصمة والطهارة، وهو الأمر بين الأمرين، فلا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين.
وقد دلت الأدلة النقلية والعقلية على نفي الجبر، ويكفي لإثبات الاختيار الوجدان، فإن وجدان القدرة والاختيار، خير دليل على نفي الجبر. كما أن المحصل من الأدلة نفي التفويض، خصوصاً وأن ملكيته سبحانه وتعالى لا تقاس بالملكية الاعتبارية حتى يتصور فيها تفويضها إلى الغير، بل هي ملكية تكوينية، لا تنفك عن مالكها، وإلا فلا وجود لها.
وبالجملة، فالأعمال الاختيارية الصادرة من الإنسان داخلة في قضائه سبحانه وتعالى، وهذا يعني أن الأعمال لا تستند إليه سبحانه فقط، بحيث لا مباشرة للإنسان ولا تأثير حتى يقال بأن في البين جبراً، كما أنها غير مستندة للإنسان فقط لتخرج عن سلطانه وقدره، ليتصور التفويض، بل الصحيح أن الأفعال مستندة إلى الإنسان بالحقيقة، لأنها صادرة عنه بالاختيار، وهي مستندة إلى الله سبحانه لأنه تعالى معطي الوجود والقدرة، فالاستناد إليه تعالى طولي، وملكيته ملكية طولية، والظاهر أن هذا هو المقصود من الأمر بين الأمرين.
وبالجملة، فالقول بثبوت قضائه سبحانه لا يستلزم البناء على أن هناك جبراً أصلاً.
ثم إنه(ع) وصف قضائه تعالى بأنه ليس له دافع، وهذا يشير إلى تحقق الحتم والإبرام،
فهو من قبيل قوله تعالى:- (سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون)[9].
الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود من القضاء عبارة عن الإرادة، وهي الطلب مع الاختيار، وهي كالقضاء في مرتبة إنهاء الأمر والطلب، ويشير إلى ذلك قوله تعالى:- (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون). وتوضيحه:
إن جميع الحوادث الكونية يتوقف وجودها على توفر الأسباب والعلل الموجبة لتحققها خارجاً وارتفاع الموانع، فما لم يكن ذلك، لم يكن لها وجود خارجاً، فإذا تمت العلل الموجبة للتحقق واكتمل ما يتوقف وجودها عليها من الشرائط وارتفاع الموانع، لم يبق لها إلا أن تتحقق خرجت من التردد والإبهام، وكان لها التحقق عندها. ولما كانت الحوادث في وجودها وتحققها مستندة إليه سبحانه، وهي فعله وإرادته، جرى فيها الاعتباران بعينهما، فهي ما لم يرد الله تحققها ولم يتم لها العلل والشرائط الموجبة لوجودها باقية على حال التردد بين الوقوع واللاوقوع، فإذا شاء سبحانه وقوعها وأراد تحققها، فتم لها عللها وعامة شرائطها، ولم يبق لها إلا أن توجد كان ذلك تعيـينا منه تعالى، وفصلاً لها من الجانب الآخر، وقطعاً للإبهام، فهذا هو ما يسمى بقضاء الله. ويظهر هذا جلياً في قوله تعالى:- (فقضاهن سبع سماوت في يومين)[10]،
وقال تعالى:- (وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون)[11]. ولا ينحصر هذا في خصوص الجانب التكويني، فإنه جارٍ أيضاً في الجانب التشريعي، وقد أشير إليه في غير واحدة من الآيات الشريفة، قال تعالى:- (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً)[12]، وهذا المعنى من القضاء قد يعبر عنه في بعض الموارد بالحكم أيضا، لكنه بضرب من المسامحة والتجوز[13].
الاحتمال الثالث: أن يكون المقصود من القضاء هو القدرة، وهي صفة انتـزاعية منتـزعة من الحياة، وتساوق الوجود، وهي صفة من الصفات الذاتية يفعل بها الباري سبحانه إذا شاء، ويترك بها إذا شاء.
هذا ولو تأملنا في المحتملات الثلاثة المذكورة في العبارة، لوجدنا أن أقربها من حيث الظهور هو الاحتمال الثاني، فيكون المقصود من قضائه الذي لا دافع له، يعني إرادته سبحانه وتعالى وفعله، وهذا لا يلغي احتمالية المعنيـين الآخرين، إلا أننا نقرر أن هذا المحتمل الثاني أوضح ظهوراً في المقام، ضرورة أنه(ع) بصدد عرض نفاذ الأمر الإلهي، واستعلائه، وعظمته، فيقرر أن الإرادة الإلهية والفعل الرباني محكمان، في أنه لا يبقى مجال بعدهما لأن يتصور إمكانية تدخل أحد، أو إيجاد مانع يمنع، لأنه ليس لهذه الإرادة والفعل، أي مانع يمنع، بمقتضى قانون العلية والمعلولية الفلسفي، فلاحظ قوله تعالى:- (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً)[14].
هذا وقد تضمنت النصوص الشريفة أن الله سبحانه وتعالى لا يقضي لأحد إلا ما كان فيه خيره وصلاحه، يقول أبو عبد الله الصادق(ع): عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عز وجل له قضاء إلا كان خيراً له، وإن قرض بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له[15].
وكما أشارت النصوص إلى أن قضاء الله بعباده، إنما هو فيما يكون فيه صلاحهم، دعت أيضاً إلى الرضا بقضاء الله تعالى، وهذا أيضاً ما نستوحيه من كلام الإمام الحسين(ع) في هذا المقطع، إذ يبدو أن داعيه(ع) للتعبير بأنه ليس لقضاء الله تعالى دافع، خلق جو من الرضا بالقضاء الإلهي، والتسليم به والانقياد، وأن لا يعيش المرء شيئاً من التبرم والرفض، أو التذمر. نعم كيف يتسنى للإنسان تحصيل الرضا بقضاء الله سبحانه، إن هذا يحتاج منا بداية أن نعرض حقيقة الرضا، ونتعرف عليها، ومن ثمً نجيب على كيفية حصول الإنسان على ذلك، وهذا نرجئه للحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
سماحة الشيخ: محمد العبيدان
[1] سورة لقمان الآية رقم 14.
[2] سورة الروم الآية رقم 18.
[3] سورة الأعراف الآية رقم 43.
[4] مواهب الرحمن ج 1 ص 27.
[5] سورة يونس الآية رقم 10.
[6] في ظلال دعاء الافتتاح ص 12-14.
[7] سورة التغابن الآية رقم 1.
[8] تفسير البصائر ج 1 ص 251.
[9] سورة مريم الآية رقم 35.
[10] سورة فصلت الآية رقم 12.
[11] سورة البقرة الآية رقم 117.
[12] سورة الإسراء الآية رقم 23.
[13] ميزان الحكمة ج 6 بتصرف.
[14] سورة الدهر الآية 30.
[15] أصول الكافي ج 2 ص 62 ح 8.
أين الإسلاميون من الثورة السودانية؟
بينما يجادل البعض بأن فترة حكم البشير محسوبة على الحكم العسكري أكثر من كونها محسوبة على الإسلاميين، ينظر آخرون إلى أن فترة حكم البشير كانت بمثابة فترة حكم للتيار الإسلامي، وبالتالي فإن الثورة على نظام البشير تطال بالضرورة هذا التيار
عقب صلاة الجمعة الماضية في مسجد الخرطوم الكبير، تعرض إبراهيم السنوسي (82 عاما)، القيادي في حزب "المؤتمر الشعبي" ذا التوجه الإسلامي، إلى الطرد بواسطة المصلين الغاضبين.
وكان السنوسي المنتمي للحزب الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل ،حسن الترابي، يشغل منصب مساعد الرئيس في حكومة عمر البشير الذي أطاحت به ثورة شعبية في 11 أبريل/ نيسان الجاري.
وقال شهود عيان إن السنوسي حاول مخاطبة المصلين ودعاهم للقبول بالمجلس العسكري بقيادة عبد الفتاح البرهان الذي تولى المسؤولية بعد سقوط البشير، لكن مصلين قاطعوه بالهتاف المحلي الذي يندد بـ"الجماعة الإسلامية": "أي كوز ندوسو دوس"، ثم حصبوا زجاج سيارته بالحجارة لدى مغادرته.
وتطلق لفظة "كوز" محليا للإشارة إلى "الجماعة الإسلامية" التي أسسها الترابي منذ ستينيات القرن الماضي، ونفذ بها انقلابا في عام 1989 قاده العميد -وقتها- عمر البشير، وحكم به البلاد لمدة ثلاثين سنة تحت مسمى حزب "المؤتمر الوطني"، الذي أعلن عن تأسيسه في العام 1992.
وحادثة السنوسي في المسجد جاءت ردا على موقف قيادة حزب "المؤتمر الشعبي"، التى استمرت في حكومة "الوحدة الوطنية"، التي شكلها البشير، حتى إعلان عزله في 11 أبريل/ نيسان الجاري، رغم مطالبة قواعد الحزب بالانسحاب من تلك الحكومة قبل ذلك بكثير.
ففي المقابل، شارك العديد من شباب حزب الترابي في الاحتجاجات ضد البشير، وكثير منهم أبدى غضبه على واقعة قتل أحد كوادر حزبهم المعلم أحمد الخير بمدينة كسلا على يد قوات الأمن إبان هذه الاحتجاجات التي أسقطت البشير.
ومنذ الستينيات، اتخذت جماعة الترابي عدة مسميات: الإخوان المسلمون، جبهة الميثاق الإسلامي، الجبهة الإسلامية القومية، ثم المؤتمر الوطني، لينشق عنه الترابي إثر خلاف مع البشير في 1999 ويؤسس حزب "المؤتمر الشعبي".
وعقب رحيل الترابي في 2015، عاد "المؤتمر الشعبي" ليشارك في الحكومة بعدة مناصب وزارية.
وبينما يجادل البعض بأن فترة حكم البشير محسوبة على الحكم العسكري أكثر من كونها محسوبة على الإسلاميين، ينظر آخرون إلى أن فترة حكم البشير كانت بمثابة فترة حكم للتيار الإسلامي، وبالتالي فإن الثورة على نظام البشير تطال بالضرورة هذا التيار.
وفي وقت سابق، قال المؤرخ السوداني البروفيسور عبد الله علي إبراهيم إن الإسلاميين الحاكمين "اكتفوا بالإشارة إلى أعدائهم ليتولى جهاز الأمن بقية المهمة"، رغم نفى الكثير من القيادات الإسلامية في السودان لذلك، والتأكيد على أن "الحركة الإسلامية" استلمت الحكم بالفعل في العام 1989، لكن الحكم تحول شيئا فشيئا ليصبح في قبضة الرئيس وحده، وأن المعاناة في البلاد طالت الإسلاميين كما طالت غيرهم من التيارات.
من جهته، قال الكاتب والباحث في شأن الإسلام السياسي، خباب النعمان، للأناضول، إنه كان يتوقع "سقوط التجربة الإسلامية في الحكم من واقع انسداد الأفق أمامها بغير النفط والموارد الاقتصادية".
ومنذ انفصال جنوب السودان في 2011، يعاني السودان حالة تضخم وارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السيولة النقدية والسلع الاستهلاكية الأساسية.
وفي العام 2013، انشق على البشير أبرز قادته الفكريين الإسلاميين، غازي صلاح الدين، إثر تعامل الحكومة الفظ مع هبة شعبية قتل فيها أكثر من 200 قتيل طبقا لإحصائيات غير رسمية.
وأسس صلاح الدين "حركة الإصلاح الآن"، لتكون بمثابة "المعيار العصري" للإسلام السياسي وتبعه البعض من الإسلاميين الشباب الذين يَرَوْن أنفسهم أكثر انفتاحا وليبرالية على المستوى السياسي، حسب غازي نفسه الذي تحدث في 2013 في منتدى عقد بمنزل أحد الإسلاميين من حزب "المؤتمر الوطني".
الآن يجد الإسلاميون أنفسهم في وضع حرج بعد سقوط حكومة البشير وعدم قبول من طرف كثير من المتظاهرين، رغم تسجيلهم حضورا في الاحتجاجات التي قادت لعزل البشير.
فقبل عزل البشير، زار المراقب العام لجماعة "الإخوان المسلمون" في السودان، عوض الله حسن، المعتصمين أمام مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم، وظهر في صور، وهو يخط بيديه لافتات تطالب بإطلاق سراح المعتلقين؛ ما أن يعني مشاركة هذا التيار الإسلامي في الثورة على نظام البشير.
وبعد عزله، أصدرت بيان من الأمانة السياسية للإخوان المسلمين، بيانا رحبت فيه بتلك الخطوة، مؤكدة أن "هذه الثورة المباركة لا تستطيع جهة أو حزب احتكارها أو توجيهها بل الكل مشارك دون إقصاء إلا من يدان قضائيا".
كما أن غازي صلاح الدين، الذي يتولى ائتلاف من عدة أحزاب كانت ذات تقارب مع البشير، هو وجه إسلامي آخر كان حاضرا بقوة في الثورة، ومن خلفه بالتأكيد الكثير من أنصاره من شباب الإسلاميين.
وقد التقى صلاح الدين، الخميس، رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري الانتقالي الفريق أول ركن عمر زين العابدين، وأبلغه أن المرحلة الراهنة تستدعي محاربة فكرة الإقصاء بين القوى السياسية.
ويقول النعمان إن "تجربة الإسلاميين التي سقطت في السودان عبر ثورة سلمية متحضرة ليس أمامها سوى خيارين، الأول إعمال النقد والمراجعة والثاني الإنكار وإنتاج خطاب ما ورائي يقوم على تسويغ نظريات المؤامرة".
وتوقع خباب الغلبة للخيار الأول؛ حيث يتم إنتاج تيارات "ما بعد إسلامية"، تتجاوز أخطاء المرحلة السابقة.
السيد نصر الله: أستبعد وقوع عدوان إسرائيلي على لبنان
الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ينفي حديثه عن حرب إسرائيلية وشيكة على لبنان، مستبعداً وقوع هذه الحرب. وأوضح "أنا لم أقل شيئاً مما ذكر في إحدى الصحف الكويتية حول الحرب مع إسرائيل وإمكانية استشهاد بعض القادة"، مشدداً "انتهى الزمن الذي كانت فيه "إسرائيل" تحسم الحرب من الجو".
السيد نصر الله: ما نشر في إحدى الصحف الكويتية حول الحرب مع "إسرائيل" خطأ في المضمون وسيء في التوقيت
ألقى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اليوم الإثنين كلمة في الذكرى الـ34 لتأسيس كشافة الإمام المهدي، استهلها بإدانة الاعتداءات الأخيرة في سريلانكا ووصفها بالجريمة المروعة.
وقال السيد نصر الله "ندعو إلى مواجهة شاملة للإرهاب ولجذوره ولكل من يقف خلفه ويدعمه".
وبخصوص "صفقة القرن"، قال السيد نصر الله إن "جميع طواغيت العالم لن يتمكنوا من فرض إرادتهم على الفلسطينيين طالما يتمسكون بالأمل"، مضيفاً"أن المنطلق الأساسي في المواجهة هو التمسك بالأمل ورفض الاستسلام والثقة بالقدرة الذاتية لشعوبنا".
وتطرق السيد نصر الله إلى ما نشر في صحيفة كويتية حول الحرب مع "إسرائيل"، وأكد أنه "خطأ في المضمون وسيء في التوقيت"، نافياً قوله ذلك في أي جلسة عامة أو خاصة، معتبراً أن بعض المقالات التي تكتب بشان ترتيبات تنظيمية لحزب الله فيها ظلم وعدوان.
وأوضح "أنا لم أقل شيئاً مما ذكر في إحدى الصحف الكويتية حول الحرب مع "إسرائيل" وإمكانية استشهاد بعض القادة"، مؤكداً "أنا أميل إلى استبعاد قيام "إسرائيل" بحرب على لبنان"، ومشدداً "انتهى الزمن الذي كانت فيه "إسرائيل" تحسم الحرب من الجو".
السيد نصر الله رأى أن "إسرائيل" عدو طماع طبيعته المكر وكل الاحتمالات تبقى قائمة ولا يمكن الاعتماد على تحليل من هنا وهناك،موضحاً أن "ما يجري هو جزء من حملة منظمة منسقة ضدنا والأمثلة على ذلك كثيرة".
وأكد أن "التعاون الميداني بين الحلفاء في سوريا لا يزال كما كان في السابق ويجب الحذر من كل ما يقال ويكتب".
كما رأى أن تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو حول إيران اليوم هي مشهد جديد من مشاهد الاستعلاء والعتو على العالم كله.
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه يمارس ويدعم الإرهاب ويتهم الآخرين به. ولفت إلى أن العالم الذي يسكت عن عدوان ترامب على إيران يفتح الباب أمام الاستباحة الاستكبارية الأميركية.
السيد نصر الله رأى أن شعوب العالم مطالبة برفض السياسات الأميركية الاستعلائية على إيران وفلسطين واليمن وغيرها، معتبراً أن هذه الدولة الطاغية التي لا تعترف بمؤسسات دولية يجب أن تصبح العدو الأول في ثقافتنا.
السيد نصر الله دعا إلى تسليط الضوء على سياسة السعودية والإمارات العدوانية في اليمن والبحرين والتدخل في السودان وليبيا، مؤكداً أن هناك دور حقيقي للسعودية والإمارات في طبخة "صفقة القرن".
السيد نصر الله: حزب الله سيتحمل جزءاً من المسؤولية لمعالجة الوضع الاقتصادي اللبناني
وفي سياق آخر، تناول السيد نصر الله الوضع الاقتصادي في لبنان، وأوضح أن هناك "إجماعاً في لبنان بأن الوضع المالي صعب ومتأزم"، مشيراً إلى أن "هناك اجماع على التعاون بين جميع القوى السياسية في لبنان لتحمل المسؤولية وإيجاد الحل".
واعتبر أن الحل الاقتصادي في لبنان يحتاج إلى قرارات صعبة وشجاعة، وأن المشكلة الاقتصادية في لبنان تعني جميع المناطق والطوائف ويجب التصرف بحكمة وشجاعة.
وأكد أن حزب الله سيتحمل جزءاً من المسؤولية إلى جانب القوى السياسية لمعالجة الوضع الاقتصادي، معتبراً أن ما يجري من مناقشات هي فرصة ذهبية للحد من الهدر والفساد المالي في الدولة.
السيد نصر الله أشار إلى أن حزب الله منفتح على أي نقاش لكن لديه ثوابته وأبرزها عدم المس بالفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود، مشدداً "لا يجوز أن تناقش الإجراءات الاقتصادية تحت عامل الضغط الشعبي والحسابات الانتخابية".
الأمين العام لحزب الله قال "من الممكن أن نعبر هذه المرحلة الصعبة والأزمة التي تمر بها البلاد"، مؤكداً "من الممكن أن نعبر هذه المرحلة الصعبة والأزمة التي تمر بها البلاد".
الحجّ و تربيةُ النّفسِ
للحج أثر فعال في تربية النفس، وذلك لما يتضمنه من التزامات وأفعال تۆدي بمجموعها إلى تربية الذات تربية سليمة ودقيقة وفعالة، فالحج تجرد عن المادة وما يتعلق بها، وارتفاع نحو مدارج الكمال الروحي، والسمو النفسي.
ولا شك أن للحج تأثيراً قوياً جداً في تطهير النفس من ذ
مائم الأخلاق كالغرور والتكبر والزهو والعجب، يقول الإمام علي: (( جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته )) (1 ) فالجميع في الحج سواء، فلا فرق بين شريف ووضيع، ولا بين غني وفقير، ولا بين سيد ومسود، فلا وجود للاعتبارات الدنيوية، وإنما الاعتبار الوحيد هو للتقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ( 2).
وبمجرد وصول الحاج إلى الميقات، يخرج من الملذات الجسمية ليمتلئ بالملذات المعنوية والروحية، فيُحرِم، وعندئذٍ عليه الالتزام بمحظورات الإحرام، واجتناب كل الملذات المحددة، فيحرم جسده من اللباس الراقي ليلبس لباساً متواضعاً وبسيطاً، ويُحرَم عليه شم الروائح الطيبة كالزعفران والمسك والعطر بجميع أنواعه، وممارسة الشهوات كالجماع والتقبيل واللمس، والتزين بأدوات الزينة كالاكتحال والتدهين، واللَّهو بالصيد البري أو قطع شجر ونبات الحرم، والتظليل حال السير .. الخ.
وبالملاحظة الدقيقة نكتشف أن لكل منسك وعمل في الحج أثره في تكميل النفس الإنسانية، وفي التحليق بالإنسان نحو مدارج العرفان والسمو الروحي، فالوقوف بعرفات والمزدلفة ومنى، والطواف حول البيت، والسعي بين الصفا والمروة، كلها مواقف قدسية، ومقامات مقدسة، وأعمال عبادية توقيفية، تقرب العبد إلى خالقه عزّ وجلّ، فيعود الحاج بعد انتهاء مناسك الحج بغفران ذنوبه كيوم ولدته أمه، وبرضا اللَّه تعالى عنه، وهو غاية الغايات، يقول الإمام علي:(( وقفوا مواقف أنبيائه، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يُحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعِدِ مغفرته )) (3 ).
ولن يفوز بثواب الحج إلا من تجرد عن كل شيء سوى طاعة اللَّه تعالى، والخشوع والخضوع لعظمته حلَّ جلاله، يقول الإمام الصادق عليه السلام في حديث رائع وجميل جداً:
(( إذا أردت الحج فجرد قلبك لله من قبل عزمك من كل شاغل وحجاب كل حاجب، وفوض أمورك كلها إلى خالقك، وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلم لقضائه وحكمه وقدره، وودع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك، مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، قال: من ادعى رضا الله واعتمد على شيء سواه صيره عليه عدواً ووبالاً، ليعلم أنه ليس له قوة ولا حيلة ولا لأحد إلا بعصمة الله وتوفيقه، واستعد استعداد من لا يرجو الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات فرائض
الله وسنن نبيه وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاء وإيثار الزاد على دوام الأوقات.
ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك..
والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع.
وأحرم من كل شيء يمنعك من ذكر الله ويحجبك عن طاعته.
ولبِّ بمعنى إجابة صافية خالصة زاكية لله عزّ وجلّ في دعوتك متمسكاً بالعروة الوثقى.
وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت.
وهرول هرباً من هواك تبرياً من جميع حولك وقوتك.
واخرج عن غفلتك وزلاتك بخروجك من منى ولا تتمن ما لا يحل لك ولا تستحقه..
واعترف بالخطايا بعرفات.. وجدد عهدك عند الله بوحدانيته، وتقرب إلى الله واتّقه بمزدلفة.. واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك إلى الجبل..
واذبح حنجرة الهواء والطمع عند الذبيحة..
وارم الشهوات والخساسة والدناءة والأفعال الذميمة عند رمي الجمرات.
واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك..
وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته من متابعة مرادك بدخولك الحرم.
وزر البيت متحققاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه..
واستلم الحجر رضاء بقسمته وخضوعاً لعزته..
وودع ما سواه بطواف الوداع..
واصف روحك وسرك للقاء الله يوم تلقاه بوقوفك علىالصفا..
وكن ذامروَّة من الله تقياً أوصافك عند المروة..
واستقم على شرط حجتك ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربك وأوجبت له إلى يوم القيامة )) ( 4).
وعندما يلتزم الحاج بهذه التعليمات القيمة، والتوصيات الهامة، فإنه يعود من الحج وقد حاز على قبول حجه، وفاز بالثواب والأجر الجزيل، وحصل على رضا خالقه عنه، كما أنه يعود من الحج وقد طهَّر نفسه من الرذائل المادية والمعنوية، واكتسب السمات السلوكية السوية.. وهذه من أهم حِكَم الحج.
الشيخ عبد الله اليوسف
ـــــــــــــــــــ
(1 ) نهج البلاغة، ج1، ص81، خطبة رقم 1.
(2 ) سورة الحجرات، 13.
(3 ) نهج البلاغة، ج1، ص81، رقم الخطبة 1.
(4 ) البحار، ج96، ص124، رقم 1.
الحج، رموزٌ وحِكَمْ
مظهر التوحيد
الخلوص شرط معتبر في تمام العبادات، إلاّ أنّ تجلّيه في بعضها يبدو أكثر ظهوراً، كما وطرد الشرك أكثر قوّةً ووضوحاً، ومن بين هذه العبادات الحجّ، الذي يتجسّد فيه التوحيد، ويظلّ من بدايته وحتى نهايته، أنموذجاً عن التوحيد ونفي الشرك، من هنا كان تركه كفراً (1).
ومعنى تجلّي التوحيد في الحج أن تنزّله في درجاته يصيّره حجاً، كما أنّ صعود الحجّ كذلك يبلغ به الله تعالى أو يتحوّل إلى التوحيد. يقول الإمام الصادق(عليه السلام) فيما ينقل عنه من دعاء سفر الحجّ: «… بسم الله دخلت، بسم الله خرجت وفي سبيل الله…» إلى أن يقول: «فإنما أنا عبدك وبك ولك» (2).
وعلى أساس هذه الرواية، يغدو الحج سيراً نحو الله سبحانه، ورحلةً إلى لقائه، وسعياً للقرب منه، ومن الواضح أنّ العبد لا يقدر على التقرّب من مولاه إلاّ بالتوحيد الدائم الأصيل، ونفي الشرك الجليّ والخفي.
الشاهد الآخر هنا كلام النبي(صلى الله عليه وآله) في سفر الحج بعد حمل الجهاز على الراحلة: «هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة»، ثم قال: «من تجهّز وفي جهازه علمٌ حرام لم يقبل الله منه الحج» (3).
وعليه، فالحج توحيد مجسّم وأنموذج من التوحيد الجامع، والتوحيد هو تلك الفطرة التي خلق الله الناس عليها، والتي لا تبديل لها…
الوحي المجسّم
الحجّ تمثيل للوحي، ذلك أن مناسكه تجلّت بالوحي وظهرت، وقد أخذها الأنبياء عن الملاك الأمين على الوحي جبريل(عليه السلام).
وتوضيح ذلك أنّ النبي إبراهيم(عليه السلام) طلب من الله سبحانه بعد بناء الكعبة أن يُبدي له كيفية العبادة في هذا البيت: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (4)، وبعد هذا الطلب جاءه جبرائيل، وأنجز أمامه أعمال الحجّ، ودلّه على مناسكه بصورة عينية خارجية، ليقوم الخليل(عليه السلام)بتكرار هذه الأعمال بعده (5).
إنّ هذه الإراءة والتعليم لم يكونا شيئاً جديداً ولا من مختصات إبراهيم(عليه السلام)، بل قد تقدّمه آدم(عليه السلام) في هذا المضمار، حيث ظهر له جبرئيل، كما ظهر أيضاً على أفضل الأنبياء وخاتمهم (6)، حيث أخذ منه الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) مناسكه.
يقول الإمام الصادق(عليه السلام) في هذا المجال: «إنّ الله بعث جبرئيل إلى آدم، فقال: … إن الله أرسلني إليك لأعلّمك المناسك التي تطهر بها…» (7).
ويقول الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً: «كنت أطوف مع أبي، وكان إذا انتهى إلى الحجر مسحه بيده، وقبّله، وإذا انتهى إلى الركن اليماني التزمه، فقلت: جعلت فداك، تمسح الحجر بيدك وتلزم اليماني؟ فقال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ما أتيت الركن اليماني إلاّ وجدت جبرئيل قد سبقني إليه يلتزمه» (8).
وبعد أن اتضح أنّ الحجّ وحي ممثل، وأنّ باني الكعبة قد تعلّم مناسكه بالمشاهدة والعيان، لزم أن يكون الناس مأمورين بإقامة هذه المناسك التي ورثوها عنه، علّهم يرون بعضاً قليلاً مما كان رآه(عليه السلام)، قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ…﴾ (9); ذلك أن ما يفهم من كلمة (يأتوك) في هذه الآية هو مجيء الناس عند إبراهيم(عليه السلام)، وبلوغهم ما كان(عليه السلام)قد بلغه من قبل، لا مجرّد السفر إلى مكّة وزيارة الكعبة، ذلك أنّ هذا التعبير لا ينحصر بدائرة عمل المناسك والقيام بها.
فالوحيدون الذين يأتون إبراهيم(عليه السلام) هم أولئك الذين كانوا مثله في الوقوف بوجه عابدي الهوى والأصنام (10)، والتبرّي من الكفر والنفاق وما يعبدون (11)، مهيئين لتلقي ألوان المخاطر (12)، بعقيدة حنيفية وسلوك كذلك (13)، وقلب سليم (14)حاضر في محضر الله تعالى.
ومع الأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصيات، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (15)، من هنا قدّم رسول الله(صلى الله عليه وآله)قربانه الذي لم يقدّمه إبراهيم(عليه السلام) نفسه، ألا وهو الحسين بن علي(عليه السلام).
ومع ملاحظة النقاط المشار إليها يتضح أمامنا سرّ عرض إمام الزمان(عليه السلام)نفسه في بداية نهضته ضدّ الظلم ولأجل العدل على أ نّه أولى الناس بالأنبياء سيما إبراهيم الخليل ورسول الله(عليهما السلام): «إن القائم إذ خرج، دخل المسجد الحرام فيستقبل الكعبة، ويجعل ظهره إلى المقام، ثم يصلّي ركعتين، ثم يقوم فيقول: يا أيها الناس! أنا أولى الناس بآدم. يا أيها الناس! أنا أولى الناس بإبراهيم…» (16).
ومن ذلك كلّه يتضح البُعد السياسي للحج، أي البراءة من المشركين وتجافيهم وإعلان الانزجار منهم، وقطع أيديهم وتدخلاتهم، ذلك كلّه بشكل واضح وعلني هو ما يمثل المناسك السياسية للحج.
المعاد المجسّم
لا يُعثر على الحج بمناسكه الخاصة به في أ ي عبادة أخرى، ولا يعلم تأويلها غير الله سبحانه، فهو معاد مجسّم، وحكاية عن يوم البعث والنشور، وكاشف واضح عن يوم الحشر، ذلك أن الناس تلبي هناك نداءاً واحداً على مابينها من اختلاف في اللغات والألوان، فتجيب أمراً واحداً، وتستجيب لصرخة واحدة، ولا آمر يُصدر أوامره لهم عدا الله الواحد القهار.
إن مناسك الحج أنموذج حيّ لأحداث القيامة والحشر الأكبر، وتمثُّل جلي لحشر الناس يوم القيامة عراة في يوم معاد.
ونشير هنا إلى نماذج من تجلّي المعاد في الحجّ:
1- اجتماع الحجاج في المواقيت وعند المواقف.
2- انفراد كل إنسان لوحده في ظلّ هذا الجمع، تماماً كما هو الحال يوم المعاد، فهو وإن كان «جمعاً» تلتئم الناس فيه وتلتف حول بعضها ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ (17)، ﴿إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ / لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ (18)، إلاّ أ نَّه يوم يعود الجميع فيه إلى الله فرادى، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (19).
3- فرار الناس من غير الله إلى الله تعالى، كما يقول الإمام الباقر(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (20): «حجّوا إلى الله عزّوجلّ» (21).
4- تعرّيهم من اللباس ومظاهر الحياة الدنيوية.
5- تجرّدهم عن زينة الدنيا وبهرجها.
6- رؤية الآيات الواضحة التي كانت مخفيةً عليهم في ديارهم.
7- خلعهم على أنفسهم لباس الإحرام، وهو لباس شبيه بالكفن، ويستحب للحاج أن تكون قطعتا الإحرام كفنه، كما كُفّن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في لباس إحرامه (22).
8- تذلّل الحجيج وتواضعهم أمام الله سبحانه، حتى أ نّهم يحجون مشاةً حفاةً بأرجل عارية، ذلك أ نّه «ما عبد الله بشيء أفضل من المشي» (23).
من هنا، حجّ الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) عشرين حجةً ماشياً (24)، وفي هذا الصدد يقول الإمام الصادق(عليه السلام): «جُعل السعي بين الصفا والمروة مذلّةً للجبارين» (25).
9- اعتراف الناس بذنوبهم التي ارتكبوها.
10- أمن الناس بل والوحوش والطيور.
11- حماية الحجاج من التعدّي والجدال، وكلّ ما يوجب أذية المحرم أو عذابه، وهو تجسيدٌ واضح لقوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (26).
وحصيلة القول: الحج مظهر المعاد وتجسيده، وحيث كان المعاد رجوعاً إلى المبدأ كان أساساً للإسلام الكلي والخالد، لذا غدا الحج من أهم مظاهر الإسلام وأركانه.
الولاية روح الحج
لا نفع للحج بدون الولاية، ولا لقصد الكعبة من دون الإمامة، ولا لحضور عرفات دون معرفة الإمام، ولا للأضحية في منى دون التضحية في طريق الإمامة، ولا لرمي الجمرة دون طرد شيطان الاستكبار الداخلي والخارجي، ولا للسعي بين الصفا والمروة دون السعي لمعرفة الإمام وطاعته… ذلك أ نّه وإن كان من أركان الإسلام ومبانيه، إلاّ أنّ الحج والصلاة والزكاة والصوم لا يضاهون الولاية في ركنيتها الراسخة والقوية للإسلام، «ولم يُناد بشيء كما نودي بالولاية» (27).
منشأ حرمة الكعبة وعزّتها
من جملة الأمور التي أقيمت عليها البراهين العقلية، ضرورة انتهاء كلّ ما بالعرض إلى ما بالذات، ووفقاً لهذا المبدأ الذي توافق عليه البرهان والقرآن، وكما أنّ كلّ عزّة- طبقاً لتصريح النص القرآني- تنتهي إلى عزّة الله سبحانه: ﴿لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (28) و ﴿لِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (29)… وفقاً لذلك كلّه فإن حرمة الكعبة وعزّتها لابدّ أن تنتهي إلى حرمة الحقّ سبحانه وعزّته تماماً، كما إذا دار الأمر بين هدم الكعبة وهدم الحقّ فإن الكعبة تغدو حينئذ قرباناً فداءاً للحق.
ولتوضيح الأمر لابدّ من القول: للحرم أحكام تبيّن عزّته وفضيلته، وتمام هذه الأحكام ناتج عن حرمة الكعبة وعزتها، وشاهد ذلك ما جاء في الرواية عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)حول سرّ الوقوف في عرفات، وعدم وجوب الوقوف في الحرم حيث قال: «لأن الكعبة بيته، والحرم بابه، فلّما قصدوه وافدين وقفهم بالباب يتضرّعون»، ثم سئل الإمام(عليه السلام) عن جعل المشعر الحرام من الحرم فقال: «لأنّه لما أذن لهم بالدخول وقفهم بالحجاب الثاني، فلمّا طال تضرعهم بها أذن لهم بتقريب قربانهم، فلمّا قضوا تفثهم تطهّروا بها من الذنوب التي كانت حجاباً بينهم وبينه أذن لهم بالزيارة على الطهارة» (30).
وعليه، فحرمة الأرض التي احترم الله كلّ ما فيها إنما جاءت من حرمة الكعبة نفسها، إلاّ أنّه مع كون الكعبة القبلة الوحيدة، ومطاف العالمين، وموت المسلمين جميعهم إلى جهتها، والقصد إليها قصدٌ للهجرة إلى الله سبحانه، وأيضاً رغم أنّ لمكّة خصائص فقهية وسياسية ثابتة، تفتقدها سائر الأماكن والبقاع والمدن، ورغم أن للحج ومواقفه أبعاداً سياسية- عبادية تفتقدها بقية العبادات… إلاّ أن تمام هذه الخصائص والمزايا مرهونة للولاية والإمامة.
وسرّ هذا الكلام أن الإرشادات والإدارات الملكوتية للأعمال والنيات، والأدعية، ومشاهدة الآيات البينات، وفهم الأسرار المعنوية للحج، وأمثال ذلك يتمّ جميعه في ظلال الولاية التكوينية للإمام المعصوم(عليه السلام)، كما أنّ الإدارة والرعاية السياسية للحج ومواقفه، وتوجيه حركة هذا الاجتماع العظيم للصالحين على محور البناء الطاهر الحر، والاستفادة من أفكار أقطار العالم، وارتواء عطاشى الاستقلال والنجاة من الاستعباد والاستكبار العالمي، إنما يكون بالأصالة تحت مظلّة إمامة الإمام المعصوم(عليه السلام) وبالنيابة في عصر الغيبة تحت شعاع نوّابه.
ارتباط الحج وشؤونه بالولاية
ترتبط الجوانب والشؤون المختلفة للحجّ بالولاية، ونعرض هنا شرحاً لكيفية هذا الارتباط بين الكعبة والولاية، وكذلك طبيعة العلاقة بين كلّ من عرفات والمشعر ومنى وزمزم والصفا و… وبين الإمام المعصوم(عليه السلام)، وذلك في ثقافة الوحي ووفق ماجاء على لسان الأئمة المعصومين(عليهم السلام).
1- تتمتع مدينة مكة ودائرة الحرم كلّه ببركة خاصة إثر دعاء الخليل إبراهيم(عليه السلام)، وقد جعلت بهذا الدعاء بلداً آمناً، تماماً كما يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (31).
إن هذا الأمن الاجتماعي، والاقتصادي وغيره، الذي جاء بيانه في آية ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (32) وآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (33) إنما كان لما للكعبة من حرمة، إلاّ أنّ هذا الاحترام الخاص الذي كان أساساً لقسم الله سبحانه بهذا البلد إنما جاءها من بركات الوحي، والنبوة، والرسالة، والولاية.
وتوضيح ذلك، أن القرآن الكريم أقسم ببلاد وبقاع هامة وتاريخية، كما أقسم بالزمان والأوقات الحسّاسة والتاريخية، نظير عصر الوحي والرسالة (34)، قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ / وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (35).
ففي هذه الآيات يقسم الله سبحانه بأرض مكّة، لكن قسماً مقيداً بكون نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله)فيها، وإلاّ فإن مكة من دون النبي، والكعبة من دون قائد سماوي ليستا سوى أرض عادية وبيت عادي غدا تدريجياً بيتاً لعبادة الأصنام، وأصبح أسيراً في قبضة عبدة الأوثان والسائرين خلف ميولهم وشهواتهم حتى أن «أبو غبشان» سادن الكعبة ومن بيده مفاتيحها يبيع مفتاح الكعبة وغلقها إلى رجل يدعى قصي بن كلاب مقابل بعير وزق خمر، وذلك في ليلة ثملة (36).
2- ويعرّف الإمام السجاد(عليه السلام) نفسه وسائر الورثة الحقيقيين الإلهيين في المسجد الجامع بدمشق، بعد الحمد والثناء الإلهيين، والسلام على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)فيقول: «.. أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا» (37).
إن كلمة «ابن» وأمثالها في اللغة العربية تحكي عن علاقة شديدة وارتباط دائم ومستحكم، فالإنسان الكامل، وهو أصل حرمة المراكز العبادية، وفي الوقت عينه إبنها ووارثها، يرجع في طليعة الأمر إليها ويعمل طبق أحكامها، بل يجعل ذلك كلّه ضمن الشعارات الرسمية للموحدين، فيرغب فيها، ويرهب من الإعراض عنها أو الاعتراض عليها أو معارضتها، وفي المحصّلة النهائية: إنّه حافظ مآثرها وحارس آثارها، إن الأنبياء والأولياء الإلهيين(عليهم السلام) هم كذلك بالنسبة إلى مناسك الحج.
وبعبارة أخرى: إنهم أبناء هذه المواقف العبادية بلحاظ بعض النشآت الوجودية، وهم أمراؤها وأصلها ومصدرها بلحاظ نشآت وجودية أخرى.
ومعنى الكلام النوراني للإمام السجاد(عليه السلام) أن الابن الحقيقي لمكّة إنما هو حامي روح القبلة، وحارس قلب المطاف ونفسه، إن الابن الواقعي لمنى هو ذاك الذي لا يأسف على إيثار بدم أو نثار، بغية حفظ الوحي وما فيه، إنّه يُحكم علاقته بأرض التضحية عبر الفداء والعطاء.
إنّ المولود الحقيقي لزمزم إنما هو الذي يرشّ أفضل الدماء تحت أقدام غرس الإسلام حتى تنمو بذلك وتكبر، كما أن الابن الواقعي للصفا هو الذي لا سبيل للرجس والنجس والرجز إلى حرم قلبه، فهو منزّه- طبقاً لآية التطهير (38)- عن مختلف أنواع الرجس، وكل قذارة ولوث ودنس.
لانفع للحجّ بدون الولاية، ولا لقصد الكعبة من دون الإمامة، ولا لحضور عرفات دون معرفة الإمام الإنسان الكامل هو الإمام المعصوم(عليه السلام) والذي بدونه لا حرمة للحرم ومواقفه، من هنا، فالزائر الذي لا يعرف الإمام المعصوم، ويضع جانباً مسألة الإمامة، ويتخذ إدارة أمور المسلمين في العالم هذواً وباطلاً، ويفصل ما بين قيادة سواد الناس وبين الحج والزيارة وسائر العبادات، ويراها أمراً عادياً يرجع إلى خيار كل فرد من الناس، ولا يرى كرامةً لهداية خلق الله وتدبير أمورهم… لا يعرف في الحقيقة الإنسان، بل لم تطأ قدمه حريم الإنسانية، من هذا المنطلق يتحدّث الإمام الباقر(عليه السلام)عن مثل هذا الزائر والحاج فيقول: «أترى هؤلاء الذين يلبّون، والله لأصواتهم أبغض إلى الله من أصوات الحمير» (39).
ومع الأخذ بعين الاعتبار مقولة رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتةً جاهلية» (40) و «كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون، وكما تبعثون تحشرون» (41)، فإن حياة الإنسان الذي لا يعرف إمامه هي حياة جاهلية، وكلّ سننها وشؤونها إنما هي جاهلية في جاهلية، ومن المؤكد قهراً أن زيارة مثل هؤلاء للبيت وحجهم سيكون حجاً جاهلياً، ولن يكون لهم نصيب من الحج التوحيدي، وسيأتي مزيد توضيح.
3- لقد أعدّ الله سبحانه عذاباً لكل من أراد بالكعبة ظلماً وقصداً سيئاً: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (42)، من هنا وانطلاقاً من هذه السنّة الإلهية التي لا تبديل فيها، والحكم الإلهي الخالد، لم تكن واقعة الفيل، والتي تلقّى فيها جيش أبرهة عذاباً إلهياً، واقعةً حصرية لا تكرار فيها أو مجرد صدفة تاريخية.
الأمر الرئيس الذي لا ينبغي الغفلة عنه، وهذه الدراسة متكفلة لبيانه، هو أنّ الكعبة رغم قداستها الخاصة، وحمايتها- منذ قديم الأيام- من أذى حملات أصحاب الفيل وأمثال ذلك، إلاّ أنّه عندما التجأ إليها ابن الزبير وتحصّن فيها، أقدمت حكومة ذلك العصر الجبارة، وعلى يد المنحوس الحجاج الثقفي على قصف الكعبة بالمنجنيق وتدميرها، ثم اعتقال ابن الزبير (43)، دون أن تمتدّ يدٌ من الغيب لتفعل فعلها أو تتدخّل.
يتحدّث الشيخ الصدوق، المحدّث الشيعي الشهير، عن هذا الأمر فيقول: «وإنما لم يجر على الحجّاج ما جرى على تبّع وأصحاب الفيل; لأنّ قصد الحجاج لم يكن إلى هدم الكعبة، إنّما كان قصده إلى ابن الزبير، وكان ضدّاً لصاحب الحقّ، فلمّا استجار بالكعبة أراد الله أن يبيّن للناس أنّه لم يجره، فأمهل من هدمها عليه» (44).
وعليه، فاختلاف أبرهة عن الحجاج في أ نّه ظالم أراد تخريب الكعبة وتدمير القبلة، أما الحجاج فلم يكن يقصد الكعبة بسوء، بوصفها قبلةً ومطافاً، بل كان يريد- فقط- السيطرة على ظالم مثله لم يكن يعرف إمام زمانه، ألا وهو سيد الشهداء والإمام السجاد(عليهما السلام).
نعم، الحجاج كابن الزبير جرثومة لا تعرف الحق، وعنصر مناهض للولاية، وقد كان الطرفان ساعيين للإطاحة بنظام ولاية أهل البيت(عليهم السلام)، وكان خصامهم على حطام الدنيا، لا لعدم مساعدة ابن الزبير لسيد الشهداء والإمام السجاد(عليهما السلام).
ومن هذا الحدث يتضح جيداً أن معارضة الولاية والإمامة أمر منبوذ جداً إلى حدّ أنّ كلّ من يخالف قيادة الإمام(عليه السلام) ويذره وحيداً فريداً دون أن يساعده، بل يتخذ موقفاً مضاداً له، ثم يزعم لنفسه أنه داعية الولاية، لن ينعم بالأمان الخاص الإلهي حتى لو احتمى بالكعبة وقصدها.
ومن هذه الحادثة يعلم جيداً قدر الإمام وحرمة الولاية وعزّة الخلافة الإلهية، تماماً كما يعلم قدر حقه (الإمام) ونورانيته، وجماله، وجلاله، وكبريائه، ومشيئته، وقدرته جيداً بالتحليل العقلي، ذلك أن حرمة الحرم والبلد الأمين إنما تنتهي إلى الكعبة، وحرمة الكعبة تنتهي إلى الإمام الذي اختاره الله سبحانه للولاية، وحرمة الإمام تنتهي بدورها إلى الحق المطلق، أي الله تعالى الذي تخضع له تمام الموجودات وتخشع في حضرته ومكانته.
وعليه، فلو أمهل الله سبحانه ظالماً ليخرّب الكعبة، فلا ينتقض بذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (45).
تذكّر:
رغم أنهم قتلوا الإمام المعصوم(عليه السلام) وغدا على يديهم شهيداً، إلاّ أنّ حقيقة الإمامة قائمة بروحه الملكوتية التي لا مجال للشهادة فيها، ولا سبيل للموت إليها، على خلاف بدنه الذي يعرف الشهادة، وهذا ما يختلف الحال فيه مع الكعبة التي لا وجود فيها إلاّ للأحجار والأبعاد المادية.
4- ويشاهد الإمام الباقر(عليه السلام) الطائفين بالكعبة، فيقول: «هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية»، فلم يأت الإسلام لكي تستمرّ السنن الجاهلية، ثم يقول: «إنما أمروا أن يطوفوا، ثم ينفروا إلينا، فيعلمونا ولايتهم، ويعرضوا علينا نصرهم» ثم قرأ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (46).
وعليه، فثمة وظيفتان على كاهل القادمين من بعيد أو قريب للتشرّف بالكعبة المعظمة هما:
أ- أن يطوفوا ببدنهم حول الكعبة، بوصفها طيناً وأحجاراً.
ب- أن يطوفوا بأرواحهم حول «كعبة القلب» وحرم ولاية أهل بيت النبوة.
وعليه، فأولئك الذين جاؤوا بأرواحهم ليعرضوا ولايتهم على أهل البيت(عليهم السلام)، ويعلنوا جهوزيتهم للتضحية والفداء وتقديم النفوس والإيثار بالمال يحققون حينئذ «حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر» (47).
5- يقول الإمام الباقر(عليه السلام): «تمامُ الحجّ لقاءُ الإمام» (48)، بعرض الولاية عليه والإعلان عن الاستعداد للفداء والتضحية; وعليه فالحج الذي لا ظهور فيه للإمام والقائد والمرشد سيكون حجاً ناقصاً.
نعم، ذكر الحج في هذا الحديث الشريف إنما جاء من باب التمثيل، لا التعيين، أي أنّه ليس الحج فقط حاله «تمام الحج لقاء الإمام»، بل إنّ «تمام الصلاة والصيام والزكاة لقاء الإمام» أيضاً.
ويؤيد هذا الكلام، أي أن الصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات إنّما يتممها لقاء الإمام وتولّيه، ما جاء في قسم من الحديث المعروف الذي يتحدّث عن قيام الإسلام على خمسة أسس، إذ- وفي إطار التأكيد على مبدأ الولاية- يشير الحديث إلى دور «الوالي» وكونه حجةً ودليلاً على الأركان الأربعة الأخرى، فيقول: «والوالي هو الدليلُ عليهنّ» (49).
وهذه المسألة مستفادةٌ من الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (50)، فقد رضي الله سبحانه لنا الإسلام مع الولاية الإلهية، وعليه، فليس الحج وحده «تمام الحج لقاء الإمام» بل يمكن القول: «تمام الإسلام لقاء الإمام».
ونشير أخيراً إلى أنّه رغم انتهاء احترام الحرم بالكعبة، وحرمة الكعبة بالوحي والنبوّة والرسالة والولاية، إلاّ أنّه- وكما أشرنا مطلع هذا البحث- تختتم تمام هذه الحرمات بالحرمة الإلهية.
من هنا ذكر الله تعالى في إطار شرحه لسبب احترام الكعبة ما جعلها تنتسب إليه فقال: ﴿بَيْتِيَ﴾ (51)، أي أنّ الحرمة الذاتية لله سبحانه هي السبب وراء الحرمة العرضية للبيت الذي ينتسب إليه، حتى لو كانت الكعبة هي الأصل في حرمة الأشياء اللاحقة.
الحج والوجه السياسي
الحج مظهر الحكومة الإلهية السامية
الحج- كما تبيّن- مظهر لأصول الدين المتينة وتجسّدٌ للعقائد الثلاثة:
التوحيد، والنبوّة والعدل، تلك الأصول التي تعدّ ثماراً لشجرة الإسلام الطيبة.
وأحد أطهر هذه الثمار في هذه الشجرة الطيبة هو الحكومة الإسلامية، وهي من أهمّ مظاهر الإسلام، فالمجتمع الذي لا يديره الله ولا يسري فيه أمره مجتمع كفر وطغيان، ومعبود مثل هذه المجتمعات إنما هو الأهواء المختلفة والرغبات المتنوّعة.
بهذه المقدّمة، نصل إلى فهم أسرار بعض مضامين أدعية عرفة، فالمضمون المشترك لدعاء سيد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام)- وهو أهم دعاء في عرفة- مع دعاء الإمام السجّاد(عليه السلام) الذي اعتبر وجودَ الإمام العادل أساساً لإحياء آثار الدين… المضمون المشترك هو أهمية الولاية في النظام الإسلامي.
وثمة شواهد عدّة على أن الحجّ مظهر الحكومة الإسلامية، وأن لهذه الحكومة تأثيراً على بقائه واستمراره وتكرّره، نشير إليها هنا على الترتيب التالي:
1- كان من أدعية إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) عند بناء الكعبة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (52).
وسرّ هذا الدعاء والطلب أن الموحدين قد دعوا للحج من تمام نقاط العالم المختلفة وفي تمام الأزمنة والعصور، إذاً فلابد أن يكون هناك من ينظم أمورهم، فعلاوةً على المناسك العبادية للحج لابد أن تكون لديهم أصول وأحكام أخرى تتعلّق بحياتهم السياسية، وهذه هي الحكومة الإسلامية عينها، التي تغدو ضرورةً لتنظيم أمور الحجيج وسياستهم وإرشادهم.
إنّ الدين الذي يقول: «إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمّروا أحدكم» (53)، حاشاه أن يذر الناس على حالهم هناك، ولا يضع على هذا الجمع العظيم الذي لا يحصى حاكماً أو آمراً، بل يتركهم يسيّرون أمورهم بأهوائهم ورغباتهم.
وبناءً عليه، كان لزاماً أن يكون هناك من يكون القائد لهم والرائد فيهم، حتى تنظم معاملاتهم، وتصوّب نزاعاتهم، وتنتهي خصوماتهم، وترتّب أنماط معيشتهم وعلاقاتهم ببعضهم بل وعلاقاتهم بسائر الملل والشعوب.
على هذا الأساس، يقول الإمام علي(عليه السلام) لواليه على مكّة: «أقم للناس الحج» (54)، والمستفاد من هذا الأمر أنّ الحجّ لم يقم بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) طيلة خمس وعشرين عاماً، عنيت الحج الإبراهيمي والمحمدي (55).
2- يجب على مرشد الدولة الإسلامية وقائدها، أن ينفق قدراً من بيت المال لدفع الناس إلى الذهاب إلى مكة عندما يمتنع عامة المسلمين عن الذهاب إليها أو لا يكون ذلك في مقدورهم، فيدعم مالياً العاجز، ويجبر الممتنع على ذلك.
جاء في الحديث: «لو عطّل الناس الحج لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحج، إن شاؤوا وإن أبوا، فإن هذا البيت إنما وضع للحج» (56).
وسرّ تعبير الإمام الصادق(عليه السلام) في هذا الحديث: «إن هذا البيت إنما وضع للحج»، هو أن للكعبة خصوصيات قيمة تدفع الناس للسفر إليها، فإذا لم يسافروا إليها- لقصور أو تقصير- ولم يؤدوا فريضة الحجّ عندها، كان على والي المسلمين أن يجبرهم حتى يتجهوا ناحية البيت الحرام، ويلتحقوا بدائرة الطواف، ولا يتركوا ذلك.
إن هذه هي الحكومة الإسلامية التي يديرها حاكم عادل، ويكون بيت مال المسلمين في يده.
جاء عن الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث آخر: «لو أنّ الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك، وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي(صلى الله عليه وآله)لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك، وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين» (57).
ويستظهر من هذه الرواية أن زيارة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) بمنزلة تجديد للبيعة معه والميثاق لتحكيم الحكومة الإسلامية.
3- قال الإمام الباقر(عليه السلام): «إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار، فيطوفوا بها، ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم، ويعرضوا علينا نصرهم» (58).
فإذا كانت الحكومة والولاية بغير معنى السياسة فلا حاجة لإخبار الإمام بالولاية وعرض النصرة عليه.
4- يتجلّى الإسلام الذي بعث به الأنبياء في التوحيد الذي يطرد مختلف أنواع الشرك وألوانه، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (59).
ولا ينحصر هذا الإبعاد للشرك والطرد له في مجرّد الاعتقاد القلبي أو الذكر القالبي، بل يستوعب إعلان الانزجار، ونداء التبرّي، وصرخة البراءة من الطغاة الأراذل وكل متجبّر متمرّد لئيم، وهذا ما يتحقق في الحج، ذلك أ نّه موضع «الإعلام» و «الأذان» بتبرّي الإسلام من ألوان الشرك، وأن المسلمين بريؤون من المشركين، وأ نّه لا مودّة ولا أُلفة بين المسلمين والمشركين: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (60).
ومفاد هذه الآية تبلور البُعد السياسي في الحجّ، وتجلّي الاستقلال الثقافي، حتى لا تبقى سيطرة لأحد من الكفار والمشركين على أيٍّ من المسلمين، فهل يمكن أن يكون ذلك غير تجسيد لأرفع مراتب الحكومة الإسلامية في الحج؟ وهل يمكن طرد رؤوس الإلحاد وتدمير مواقعهم ومتاريسهم إلاّ في ظلّ الحكومة الإسلامية؟!
إذا لم يكن للإسلام حضور سياسي في منى، وهي التي فسّر بها «الحج الأكبر» (61)، فلا يمكن إعلان البراءة من عمّال الجور وعبدة الطاغوت، تماماً كما لا يمكن قيام الناس والمقاومة بحجم العالم، ونشر الاستقامة وتعميمها على العالم- وهو ما بُنيت الكعبة لأجله- سوى بإقامة نظام إسلامي.
ولعلّه لهذه الأسباب أو سائر الأسرار الإلهية المستورة عنا، لم يحج سيد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام) عام 60 للهجرة رغم مجيئه إلى مكّة، فأدى عمرةً مفردةً احتراماً للكعبة (62)، ويؤيّد ذلك، ما جاء في كلامه(عليه السلام) في دعاء عرفة حول الحكومة الإسلامية.
ولمزيد من إيضاح فكرة ظهور الحكومة في الحج وتجلّيها فيه، لابدّ من التركيز المضاعف على ما قام به الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، وما قاله للناس، وما قرّره لهم من القضايا السياسية الهامة وغيرها.
المظهر التام للتبرّي من الطاغوت
بُعث الأنبياء الإلهيون جميعهم كي لا يفرش نسر الشرك وطائره ريشه فوق قلّة هرم التوحيد، وأن لا يحرموا بشيطان الطاغوت والعصيان في حرم الوحدانية السامي (63)، فالكعبة والحج والزيارة محور التقوى، وأساس الاجتناب عن الطغيان، والتمرّد في وجه الطاغوت.
لقد أظهر المولى سبحانه مناسك الحج بالوحي لخليله إبراهيم (64)، ولا ثمر لذلك ولا نتاج سوى التوحيد، وهذه المناسك التوحيدية هي التي علّمها خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله)لسالكي طريقه ومتّبعيه، حيث قال: «خذوا عني مناسككم» (65).
وحيث قام بناء التقوى الفولاذي على قاعدة التوحيد التي لاتهتز أو تختلّ، وكان الحج هو التجسيد الجلي للتوحيد; قال الله سبحانه- ضمن إصداره أوامر الحج -: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ… وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (66).
وحول الأضحية، وهي من مناسك الحج، التي كانت ممتدّة في تاريخ السنن والعادات الجاهلية مشوبةً بالشرك، يكلّمنا الله تعالى في إرشاد تقوائي فيقول: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ (67)، أي يناله الاجتناب عن الذنوب، والقيام ضدّ العاصي، والتورّع عن المعصية، والثورة ضدّ المذنبين المتمرّدين، والإمساك عن العصيان، والصرخة ضدّ العاصي، والاجتناب عن الطغيان، والهجوم على الطواغيت و… كلّ عبادة هي تبرؤ من الشرك وانزجار من الطاغوت، أما الحج فهو عبادة خاصة امتزجت بالسياسة واختلطت، وإن حضور مختلف شرائح المجتمع العالمي وطبقاته يمثل ظرفاً مناسباً لتجلي روح هذه العبادة- كسائر العبادات الإلهية- في هذا الجمع العظيم، وظهور هذه العبادة الممتازة في تلك الساحة ظهوراً تاماً.
من هذا المنطلق، أمر رسولُ الله(صلى الله عليه وآله)- بأمر من الوحي الإلهي- الناطقَ باسم الحكومة الإسلامية- وهو علي بن أبي طالب(عليه السلام)- أن يعلن البراءة من المشركين (68)، حتى تمتاز بشكل قاطع حدود التوحيد عن الطغيان والشرك، وتتخارج صفوف المسلمين المتناسفة عن صفوف الكفار، فتظهر- عبر ذلك- الصورة السياسية العبادية للحج، ويحمل زوّار الكعبة زاد التوحيد معهم مع استماعهم إلى قرار الحكومة الإسلامية الصادر بالانزجار من الشرك، وإعلان نبذ الصلح والمصالحة مع المشركين (69).
من هنا، ينتشر قرار التوحيد وإعلانه ببركة الكعبة في أقطار العالم المختلفة، تماماً كما يتوجه المسلمون كافة في الكثير من شؤون حياتهم ناحية الكعبة.
محور البراءة من المشركين
لا كمال أرفع ولا أسمى من نيل التوحيد الأصيل الخالص، ولا يمكن ذلك ولا يتسنّى إلاّ بالتنزه والتبرّي التام من مختلف ألوان الشرك والإلحاد، والرفض لكلّ مشرك وملحد.
من هنا، جعل الله سبحانه الكعبة بيت التوحيد، واعتبرها محوراً للبراءة من الذنوب والعصيان والتهاوي، بل مهّد لذلك وهيأ سبله عبر الأمور التالية:
أولاً: أصدر المولى سبحانه وتعالى أوامر لخليله إبراهيم(عليه السلام) بعد إتمام بناء البيت العتيق الطاهر، بيت المواساة والمساواة، وبعد تشريع قرار الأمن للحرم أمام الضيوف والزوار والركع السجود والعاكفين والطائفين، فقال: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (70).
والهدف من هذا الإعلان العام دعوة أولئك القادرين على الحضور بشكل طبيعي ومتعارف.
ثانياً: عندما يأتي الجميع، من الشرق والغرب، ومن الشمال والجنوب، ومن القريب والبعيد… فيشتركون في هذا الملتقى الشامل الواسع، تصل النوبة للإعلان المحمدي والأذان، من هنا قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (71).
كان هذا الإعلان الذي سبق مقدّمةً للإعلان الثاني، الذي هو الهدف النهائي لبناء الكعبة، وإعلامه هذا الهدف النهائي يعني الوصول إلى التوحيد متبلوراً على صورة إعلان براءة الله ورسوله الأكرم(صلى الله عليه وآله) من المشركين، ومادام الإنسان حياً يرزق على وجه البسيطة فإن الحج والزيارة يبقيان في عهدته وضمن مسؤولياته، ومادام ثمة مشرك في هذا العالم مادام إعلان البراءة منه جزءاً من أهم وظائف الحج.
من هنا، تتضح مسؤولية نهوض الأمّة لتطهير الكعبة المقدّسة من ولاية الطغاة والنفعيين الوصوليين، أولئك السرّاق الذين قال عنهم الإمام الصادق(عليه السلام): «أما إن قائمنا لو قد قام لقد أخذهم، فقطع أيديهم، وطاف بهم، وقال: هؤلاء سرّاق الله» (72)
إنّ القيام لتطهير الكعبة وتخليصها من يد الأشرار شريعة إبراهيمية، لا يصرف النظر عنها سوى فاقد العقل، ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (73).
وحيث كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومن اتبعه وآمن به أولى الناس بإبراهيم، وهو الذي طهّر الكعبة من ألوان اللوث والنجاسة والخسّة و… (74) فعلى الأمة الإسلامية اليوم أن تطهّر بيت الله سبحانه من مختلف القبائح والدنائس والنجاسات.
نعم، ليس المقصود مجرّد إبعاد الجسم المادي للمشرك حتى يُقال: لا مشرك في الحجاز اليوم كي يحصل التبرّي منه في موسم الحج! بل المراد من البراءة إعلان الرفض والتنديد والانزجار من كل فكر مشوب بالشرك، وكلّ تمدّن باطل لأولئك الذين تأثروا بهذا الشرك، وكل استعمار ظالم للملحدين، وكل استثمار طاغ للماديين، وكل استعباد قاس مجحف للمستكبرين، وكلّ استعمار سامريّ (75)للإسرئيليين، وكل استضعاف ماكر للدول العظمى.
والحج أهم الأمكنة التي يتجلّى فيها هذا الأمر، وقمم هذه النهضة، حيث يلزم على المسلمين فيه حفظ حرمة الله تعالى، والسعي لرفع عزة الحقّ عالياً، والتقوّي بقوّته، وأخذ المدد والعون منه، والتخلّق بالأخلاق الإلهية، حتى لا يصيروا موضعاً لظلم الظالمين وبطشهم، فالحج هجرة إلى الله تعالى، يقصده الناس لأداء مناسكه من مختلف نقاط الدنيا.
آية الله جوادي آملي
مجلة ميقات الحج
السنة الثانية عشر- العدد الرابع و العشرون- 1426ه-.
1– آل عمران: 97.
2– وسائل الشيعة 8: 279.
3– المصدر نفسه 8: 103.
4– البقرة: 128.
5– وسائل الشيعة 8: 160 ـ 171.
6– المصدر نفسه.
7– المصدر نفسه.
8– المصدر نفسه 9: 419.
9– الحجّ: 27.
10– الأنبياء 67.
11– الزخرف: 26.
12– الأنبياء: 68.
13– الأنعام: 79.
14– الصافات: 84.
15– آل عمران: 68.
16– بحار الأنوار 51: 59.
17– التغابن: 9.
18– الواقعة: 49 ـ 50.
19– مريم: 95.
20– الذاريات: 50.
21– وسائل الشيعة 8: 5.
22– المصدر نفسه 9: 37.
23– المصدر نفسه 8: 55.




























