Super User
الإمارات ومصر والسعودية والبحرين تقطع علاقاتها مع قطر
قطعت كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين علاقتها الدبلوماسية مع قطر، بعد اتهامها بدعم وإيواء الجماعات الإرهابية.
تدهورت علاقة قطر بجيرانها منذ الرابع والعشرين من الشهر الماضي عندما بثت وسائل الإعلام القطرية كلمة لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد ملخصها الخطوط العامة للسياسة القطرية التي لا تتسق وكونها عضو في مجلس تعاون الخليج الفارسي وملتزمه بالخط العام لسياساته.
وجاء في كلمة الأمير التي بثت على وكالة الأنباء الرسمية والتلفزيون الرسمي أن: وجود قاعدة العديد الأميركية في بلاده سبب في حماية بلاده "من أطماع بعض الدول المجاورة"، مؤكدا أنها (القاعدة) "الفرصة الوحيدة لأميركا لامتلاك النفوذ العسكري بالمنطقة".
وأن لدى قطر تواصل مستمر مع إسرائيل، مشيرا إلى أن التوتر مع الولايات المتحدة لن يستمر "بسبب التحقيقات العدلية تجاه مخالفات وتجاوزات الرئيس الأميركي".
وعن علاقات بلاده مع إيران، أوضح أمير قطر أن "إيران تمثل ثقلا إقليميا وإسلاميا لا يمكن تجاهله"، وأن بلاده تحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة وإيران في وقت واحد.
وأوضح في حديثه أن ليس من المصلحة التصعيد مع إيران خاصة أنها قوة كبرى تضمن الاستقرار في المنطقة. كما اعترف الشيخ تميم بان حزب الله اللبنانية حركة مقاومة.
وفي اليوم التالي، وبعد الضجة التي أحدثتها تصريحات الأمير، كونها تعبر تماما عن خط السياسة القطرية، أعلنت قطر أن موقع وكالة الأنباء تم اختراقه وليس هناك تصريحات للأمير وكانت وكالة الأنباء سحبت الكلمة بالفعل.
السیدة خدیجه (س)
السیدة خدیجه بنت خویلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصّی بن کلاب بن مرة بن کعب بن لؤی بن غالب بن فهر، جدّها «خویلد» کان بطلاً مغواراً دافع عن حیاض الکعبة المشرّفة فی یوم لا ینسى. والدتها «فاطمة» بنت زائدة بن أصمّ بن رواحة بن حجر بن عبد بن معیص بن عامر بن لؤی بن غالب بن فهر، کانت سیّدة جلیلة مشهود لها بالفضل والبرّ. إذن، فهذه السیّدة العظیمة خدیجة الکبرى سلام الله علیها تنتسب إلى قبیلة قریش، ویلتقی نسبها بنسب الرسول الأعظم صلى الله علیه وآله عند جدّها الثالث من أبیها، وعند جدّها الثامن من أمّها.
• أسماؤها وألقابها (علیها السلام)
للسیّدة خدیجة علیها السلام ألقاب کثیرة تعکس عظیم نبلها وشدید قدسها، من هذه الألقاب: الصدّیقة، المبارکة، أمّ المؤمنین، الطاهرة، الراضیة، المرضیة ...إلخ. کانت تعطف على الجمیع، وتحنو علیهم کأمّ رؤوم بأولادها، فکانت «أمّاً للیتامى»، و«أمّاً للصعالیک» و«أمّاً للمؤمنین»، وهی کوثر الخلق، وسمّیت أیضاً «أمّ الزهراء» أو ینبوع الکوثر.
• ملامح السیدة خدیجة فی مرآة الوحی
بعد عامین من بعثة الرسول صلى الله علیه وآله التی بدأت من بیت خدیجة، وفی طریق عودته من معراجه فی شهر ربیع الأول، جاءه أمین الوحی جبریل وقال له: «حاجتی أن تقرأ على خدیجة من الله ومنّی السلام»، وعندما أبلغ الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله زوجه خدیجة علیها السلام سلامَ الله تعالى، قالت: إنّ الله هو السلام، منه السلام وإلیه السلام.
فی إحدى الحملات الوحشیة لقریش انتشرت إشاعة اغتیال النبی الکریم صلى الله علیه وآله وسلم، فهامت السیّدة خدیجة علیها السلام على وجهها فی الودیان والصحاری المحیطة بمکة بحثاً عن حبیبها، وکانت الدموع تنهمر على خدیها، فما کان من جبریل إلا أن نزل على الرسول الأکرم وقال له: لقد ضجّت ملائکة السماء لبکاء خدیجة علیها السلام، أُدعُها إلیک وأبلغها سلامی وقل لها بأنّ ربّها یقرؤها السلام ویبشّرها بقصر فی الجنة، لا صخب فیه ولا نصب.
• خدیجة الکبرى عند الرسول الأعظم صلى الله علیه وآله
روی عن الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله أحادیث کثیرة فی مناقب السیّدة خدیجة علیها السلام، نسلّط الضوء على بعضاً منها:
1. یا خدیجة إنّ الله عزّوجلّ لیباهی بک کرام ملائکته کل یوم مرارا.
2. والله ما أبدلنی الله خیراً منها قد آمنت بی إذ کفر بی الناس، وصدَّقتنی إذ کذبنی الناس ، وواستنی بمالها إذ حرمنـی الناس، ورزقنی الله أولادها وحرمنی أولاد الناس.
3. خیر نساء العالمین: مریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم، وخدیجة بنت خویلد وفاطمة بنت محمد صلى الله علیه وآله.
4. خیر نساء الجنة: خدیجة بنت خویلد، وفاطمة بنت محمد، ومریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم (امرأة فرعون).
5. خدیجة سبقت جمیع نساء العالمین بالإیمان بالله وبرسوله.
6. أحببتها من أعماق فؤادی.
7. أحبّ من یحبّ خدیجة.
8. لم یرزقنی الله زوجة أفضل من خدیجة أبدا.
9. لقد اصطفى الله علیّاً والحسن والحسین وحمزة وجعفر وفاطمة وخدیجة على العالمین.
• السیّدة خدیجة فی أقوال العظماء
ونکتفی هنا بالإشارة إلى بعض أصحاب السیر والتراجم:
یقول ابن هشام صاحب المصنَّف الشهیر «السیرة النبویة»: خدیجة صاحبة النسب الکریم، والشرف الرفیع، والثروة والمال، وأحرص نساء قریش على صون الأمانة والتمسّک بالأصول الأخلاقیة والعفة والکرامة الإنسانیة، فهی التی تربّعت على قمة الشرف والمجد". والذهبی وهو رائد علم الرجال عند العامة یقول: "خدیجة، سیّدة نساء الجنة، حکیمة قریش، من قبیلة أسد، عظیمة القدر، ذات دین ومروءة وعزّة، من نساء الجنة وإحدى النساء اللائی تربّعن على قمة الکمال". ویقول ابن حجر العسقلانی فیها: "لقد صدّقت خدیجة بالرسالة فی اللحظات الأولى لبعثة الرسول الکریم صلى الله علیه وآله، وکان رسوخ إیمانها وثبات قدمها نابعین من یقین تام، وعقل راجح، وعزم راسخ. ویقول السهیلی الذی له تصانیف کثیرة فی السیر والمغازی: خدیجة سیدة نساء قریش، لقبّت بـ«الطاهرة» فی الجاهلیة والإسلام.
• أول سیّدة فی الإسلام
لقد کانت السیّدة خدیجة علیها السلام على دین أبیها إبراهیم علیه السلام وذلک قبل أن یُبعث الرسول الکریم صلى الله علیه وآله، وکانوا یُعرفون بالحنفاء، وقد آمنت فی الیوم الأول من بعثة المصطفى صلى الله علیه وآله، کما جاء فی الحدیث الشریف: أوّل من آمن بالنبی صلى الله علیه وآله من الرجال علی علیه السلام ومن النساء خدیجة علیها السلام.
عندما رجع الرسول الکریم صلى الله علیه وآله من غار حراء وهو ینوء بثقل الرسالة العظیمة، کانت السیّدة خدیجة علیها السلام فی استقباله حیث قالت له: أیّ نور أرى فی جبینک؟ فأجابها: إنّه نور النبوّة، ومن ثمّ شرح لها أرکان الإسلام، فقالت له: «آمنت وصدّقت ورضیت وسلّمت».
• أول سیّدة مصلّیة
کانت السیّدة خدیجة أول سیّدة فی الإسلام تصلّی، إذ أنّه لسنوات طویلة انحصر الإیمان بالدین الإسلامی بخدیجة علیها السلام والإمام علی علیه السلام، وکان الرسول الأعظم یذهب إلى المسجد الحرام ویستقبل الکعبة وعلی علیه السلام إلى یمینه وخدیجة خلفه، وکان هؤلاء الثلاثة هم النواة الأولى لأمّة الإسلام، وکانوا یعبدون معبودهم الواحد إلى جانب کعبة التوحید.
• أول سیّدة تأکل من فاکهة الجنّة
نعم، إنّها أول سیّدة مسلمة تأکل من فاکهة الجنّة حیث ناولها الرسول الأعظم صلى الله علیه وآله بیده الشریفة عنقوداً من عنب الجنّة.
• الزوجة الوحیدة
مبارک زواج النور من الطهر السیّدة خدیجة علیها السلام هی الزوجة الوحیدة من بین أزواج النبی الکریم صلى الله علیه وآله التی أنسلها واستمرّ نسلها الطاهر حتى یومنا هذا. لقد ارتأت المشیئة الإلهیة أن تکون السیّدة خدیجة وعاءً لأنوار الإمامة وضیائها. والرسول الکریم صلى الله علیه وآله فی معرض بیان عظم منزلة هذه السیّدة الجلیلة، نجده یخاطب ابنته الأثیرة على قلبه الزهراء البتول علیها السلام بقوله: یا ابنتی، إنّ الله تعالى جعل خدیجة وعاء لنور الإمامة. إنّ الرسول الأعظم صلى الله علیه وآله لم یتزوّج على السیّدة خدیجة فی حیاتها أبداً حتى ماتت، لقد کانت کوثر النبوة الصافی أفاضت على العالمین بما یقرب من 80 ملیون سیّداً علویاً جمیعهم ینتمی إلى الدوحة المحمدیة الوارفة، وهم مظاهر الخیر العمیم ومصادیق الکوثر الوفیر، عطایا الرحمن لحبیبه خیر الأنام وسیّد البشر النبی المصطفى صلوات الله علیه وعلى آله. فی اللحظات الختامیة من عمر هذه السیّدة الجلیلة، بشّرها زوجها الحانی بأنّها ستکون زوجه فی الجنّة أیضاً.
• حکیمة قریش والزواج
اشتهرت السیّدة خدیجة علیها السلام بالجمال والکمال والثروة والشرف الرفیع والعلم والحلم وصلابة فی اتّخاذ القرار، ودقة فی الرأی، ورأی سدید، وعقل راجح وفکر صائب، ومن الطبیعی أنّ من تجتمع لها صفات الکمال والفضل یتسابق الرجال إلى خطبتها والزواج بها، وهذا ما کان مع السیّدة خدیجة حیث سارع رؤوس بنی هاشم وأقطابها، لا بل وصل الأمر إلى ملوک الیمن وأشراف الطائف، الذین سعوا عبر إغداق الأموال والهدایا للفوز بقلبها، والتربّع على قمّة الشرف والمجد، لکنّها خذلتهم جمیعاً، ووقع اختیارها على أمین قریش ومؤتمنها لکی یفوز بقلبها.
وتدخل غرفة الرسول العظم فی بیت االسیدة خدیجة شرح السیّدة خدیجة علیها السلام سبب هذا الاختیار بالقول:
«یا بن عمّ إنّی رغبت فیک لقرابتک منّی وشرفک من قومک وأمانتک عندهم وصدق حدیثک وحسن خلقک». کما أفشت بسرّ هذا الاختیار إلى صفیّة بقولها: «إنّی قد علمت أنّه مؤیّد من ربّ العالمین». لقد استشارت السیّدة خدیجة علیها السلام سیّدة أخرى جلیلة فی هذا الأمر حتى ذهبت بمعیّتها إلى الرسول الکریم صلى الله علیه وآله وعرضت علیه الزواج قائلة: لقد اخترت لک امرأة من قریش، فأجاب الرسول العظیم: ومن تکون؟ فقالت السیّدة خدیجة: هی مملوکتک خدیجة.
• الخطبة والزواج
حضر هذه المراسیم أبو طالب علیه السلام وکان أول المتکلمین إذ ألقى خطبة ذکر فیها عظمة منزلة النبی الکریم صلى الله علیه وآله وشرفه وفضله، ثمّ خطب خدیجة للنبی من والدها خویلد، الذی خیّرها، بعدها استأذنت خدیجة عمّها «عمرو بن أسد» کبیر قومه، فأعلنت موافقتها وقالت بأنّ مهرها سیکون من مالها. ثم قام عمّها فخطب فی الحاضرین خطبة بلیغة ختمها بقوله: زوّجناها ورضینا به. بعد ذلک أعلنها على الملأ بکل صراحة: من ذا الذی فی الناس مثل محمد. وقال خویلد فی مراسیم الخطبة: یا معشر العرب، لم تظلّ السماء ولم تقلّ الأرض رجلاً أفضل من محمد، فاشهدوا أنّی أنکحته ابنتی وأنّی لأفخر بهذا الارتباط المقدّس.
بعد ذلک أرسلت السیّدة خدیجة علیها السلام إلى أبی طالب أموالاً وأغناماً وقواریر العطور وأنواع اللباس لیعدّ لولیمة العرس. ولم یأل أبو طالب علیه السلام جهداً فی التحضیر لأعظم مأدبة، حیث أطعم أهالی مکة وأطرافها لثلاثة أیام متتالیة. وکانت أول ولیمة یعدّها الرسول الأعظم صلى الله علیه وآله.
• ثروة السیّدة خدیجة (ع)
لسنوات طویلة کانت القوافل التجاریة للسیّدة خدیجة علیها السلام من أکبر قوافل قریش، وقد ربحت من تجارتها ثروات طائلة، وضعتها جمیعها تحت تصرّف الرسول الکریم صلى الله علیه وآله، لینفقها فیما یراه مناسباً. یقول العلامة المامقانی: لقد وصلنا بالتواتر عن الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله أنّه قال: ما قام الدین إلاّ باثنتین: سیف علیّ وأموال خدیجة.
• حکمة السیّدة خدیجة
خدیمة الکبرى أم الأئمة الأطهاریکفی فی رجاحة رأیها وصلابة فکرها ما رواه المؤرّخون من أنّ النبی الأکرم صلى الله علیه وآله وسلم کان یشاورها فی جمیع أموره.
کان علیه الصلاة والسلام یتطلّع إلى أن تُسلم قریش لتنجو من عذاب الله وسخطه، فکان یجابه بعنادهم ورفضهم وإصرارهم على باطلهم، فیعتصر قلبه الشریف ألماً وحزناً، فی تلک اللحظات العصیبة کان یلجأ إلى بیت العطف والرسالة فیشکو بثّه ومعاناته إلى زوجه وشریکة همّه السیّدة خدیجة علیها السلام، فکانت تواسیه وتشدّ من أزره بکلماتها الحکیمة ونظرات العطف والحنان، فتسکن من آلامه وأحزانه.
فی مراحل الشدّة والمشقة والحصار الاقتصادی فی شعب أبی طالب، کان لأموال السیّدة خدیجة علیها السلام الدور الکبیر والحاسم فی التخفیف من آثار الحصار الجائر الذی فرض على آل أبی طالب، فکانت هذه السیدة الجلیلة تشیع الأمل والفرح فی قلوب القوم وترفع الحزن والشقاء عن کاهلهم. وعلى الرغم من أنّ الله تعالى کان سنداً وظهیراً لنبیه الکریم ولم یقطع عنه حبل کرمه ولطفه طیلة تلک الفترة العصیبة، إلاّ أنّ وجه السیّدة خدیجة علیها السلام المضیء والمشرق، ونظراتها المتفائلة کانت تجعله أکثر إصراراً وعزماً على مواجهة قدره والاستعداد لأیّام أصعب وأقسى.
• أصداف الکوثر
رزقت السیّدة خدیجة علیها السلام من الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله ولدین هما القاسم وعبد الله، وبنت واحدة، فاختطف الموت ولدیه وهما صغیران وأبقى على بضعته کوثر الخلق ووالدة أئمة النور والهدى الأحد عشر، سیدة النساء الزهراء البتول علیها السلام. یتّفق أهل السیر والمؤرخین على أنّ الرسول الکریم صلى الله علیه وآله أنجب من السیّدة خدیجة علیها السلام وماریة القبطیة فقط، حیث أنجبت الأخیرة له ابنه «إبراهیم» الذی فارق والده المکرّم وهو فی الثالثة من عمره.
سيرة الإمام الخميني (ره)

الإمام الخميني من الولادة إلى الرحيل
في يوم العاشر من جمادي الثاني سنة 1320هـ.ق الموافق للثلاثين من شهريور عام 1281هـ.ش (24 أيلول 1902م) رأى النور في هذا العالم رجل كبير اسمه روح الله الموسوي الخميني، ولد لعائلة من أهل العلم والهجرة والجهاد من ذرية السيدة الزهراء الطاهرة (سلام الله عليها)، وذلك في مدينة خمين من توابع المحافظة المركزية في إيران.
ورث روح الله سجايا آبائه وأجداده الذين عملوا جيلاً بعد جيل في إرشاد الناس وهدايتهم وتحصيل العلوم والمعارف الإلهية، فكان والده الجليل المرحوم آية الله السيد مصطفى الموسوي من معاصري المرحوم آية الله العظمى الميرزا الشيرازي (رض) وقد أمضى عدة سنين في النجف الأشرف للاستزادة من العلوم والمعارف الإسلامية نال إثرها درجة الاجتهاد وقفل راجعاً إلى إيران فأقام في خمين ليكون هناك ملاذاً للناس ومرشداً وهادياً لهم في شؤونهم الدينية. لم يكن قد مضى على ولادة روح الله أكثر من خمسة شهور، حينما انبرى الطواغيت والاقطاعيون المدعومون من قبل الحكومة آنذاك فردّوا بالرصاص على نداء الحق والعدالة الذي أطلقه والده حين تصدى لعسفهم وجورهم، فنال وسام الشهادة على أيديهم وهو في طريقه من خمين إلى أراك. توجه أقارب الشهيد إلى طهران (عاصمة الحكومة) للمطالبة بتطبيق حكم القصاص الإلهي في حق قاتله، وأصروا على تنفيذ العدالة إلى أن تم لهم ما أرادوا ونفّذ القصاص بحق القاتل. وهكذا خبر الإمام الخميني منذ نعومة أظفاره آلام اليتم وتعرف على معنى الشهادة وأريجها. قضى الإمام الخميني أوان طفولته وصباه في ظل رعاية والدته المؤمنة (السيدة هاجر) وهي بدورها من بيت علم وتقوى وإحدى حفيدات المرحوم آية الله الخوانساري (صاحب زبدة التصانيف) وكذلك في كنف عمته الكريمة (صاحبة خانم) التي كانت سيدة تميزت بالشجاعة وطلب الحق، لكنه عاد ليُحرم حنان هاتين المرأتين العزيزتين في سن مبكرة حينما كان في الخامسة عشرة.
الهجرة إلى قم، الدروس التكميلية، وتدريس العلوم الدينية
بعد فترة من هجرة آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (رحمة الله عليه) إلى مدينة قم في النيروز من عام 1300 هـ.ش (1921م) الموافق لرجب المرجب سنة 1340هـ.ق، توجه الإمام الخميني بدوره إلى الحوزة العلمية في قم، واجتاز بسرعة مراحل الدراسات التكميلية في العلوم الدينية لدى أساتذة تلك الحوزة، و يمكن الإشارة هنا إلى دراسته تتمة مباحث كتاب »المطول« في علم المعاني والبيان على يد المرحوم آقا ميرزا محمد علي أديب تهراني، وتكميل درس السطوح عند المرحوم آية الله السيد محمد تقي الخوانساري، ومن قبله المرحوم آية الله السيد علي يثربي كاشاني، ودروس الفقه والأصول عند زعيم حوزة قم آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (رضوان الله عليهم أجمعين). بعد وفاة آية الله العظمى الحائري اليزدي، أثمرت جهود الإمام الخميني وثلة من المجتهدين في حوزة قم العلمية، فتوجه آية الله العظمى السيد حسين البروجردي (رض) إلى قم زعيماً لحوزتها العلمية. في ذلك الحين كان الإمام الخميني أحد الأساتذة والمجتهدين المعروفين الضالعين في الفقه والأصول والفلسفة والعرفان والأخلاق، إذ درّس طوال سنوات متمادية دورات عديدة من الفقه، والأصول، والفلسفة، والعرفان، والأخلاق الإسلامية في الفيضية، ومسجد أعظم، ومسجد محمدية، ومدرسة الحاج ملا صادق، ومسجد سلماسي، و... كما درّس الفقه ومعارف أهل البيت على أرفع المستويات طوال 14عاماً في مسجد الشيخ الأعظم الأنصاري (ره) في النجف الأشرف، وفي النجف أيضاً طرح لأول مرة المرتكزات النظرية للحكومة الإسلامية ضمن سلسلة دروس ولاية الفقيه.
في خندق الكفاح والنهضة
كان لروح الكفاح والجهاد في سبيل الله جذورها في الرؤية العقيدية والتربوية والبيئة العائلية والظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها الإمام الخميني طوال فترة حياته. إنطلق نشاطه النضالي منذ فترة شبابه الأولى وتكامل بتكامل أبعاد شخصيته الروحية والعلمية من ناحية، وتطور الواقع السياسي والاجتماعي في إيران والمجتمعات الإسلامية من ناحية ثانية. وكانت لائحة الولايات والإمارات التي أطلقتها الحكومة الإيرانية في سنة 1961 و1962م فرصةً مناسبة ليمارس الإمام الخميني دوره في قيادة الثورة وعلماء الدين، وبهذا اندلعت انتفاضة الشعب وعلماء الدين الشاملة في 15 خرداد 1342ش (5/6/1963م) بسمتيها البارزتين: قيادة الإمام الخميني الواحدة، وإسلامية شعاراتها ودوافعها وأهدافها، وكانت بدايةً لفصل جديد من كفاح الشعب الإيراني الذي عرف في العالم لاحقاً باسم الثورة الإسلامية.
يسرد الإمام الخميني ذكرياته عن الحرب العالمية الأولى حينما كان حدثاً في الـ 12 من عمره فيقول: »أتذكر كلا الحربين العالميتين... كنت صغيراً لكنني في المدرسة، وكنت أرى الجنود الروس في نفس المركز الذي كنا نرتاده في مدينة خمين، وكنا عرضة للهجوم والعدوان في الحرب العالمية الأولى«.
يذكر الإمام الخميني في مناسبة أخرى أسماء بعض الإقطاعيين والجائرين الذين سطوا على أموال الناس وأعراضهم في ظل دعم الحكومة المركزية، فيقول: »كُنت في حالة حرب منذ طفولتي... كنا عرضة لاعتداءات أمثال "زلقي" و"رجب علي"، وكنا نحمل البنادق بأنفسنا، وأنا شخصياً مع أني كنت في بداية سن البلوغ، أو كنت طفلاً، لكنني كنت أذهب للخنادق المقامة في منطقتنا حيث كان الأعداء ينوون الهجوم علينا ونهبنا، كنت أذهب وأتنقل بين الخنادق«.
إنقلاب رضا خان في الثالث من أسفند 1299ش (22/2/1921م) الذي أعد له ودعمه الإنجليز كما تشير الوثائق التاريخية الدامغة، مع أنه أنهى عهد الحكومة الملكية القاجارية وقوّض إلى حد ما من حكومة ملوك الطوائف التي صال وجال فيها الإقطاعيون والشقاة على نحو مضطرب فوضوي، لكنه في مقابل ذلك كرّس حكماً دكتاتورياً تسلطت فيه العائلة الكبرى على مصير الشعب الإيراني المظلوم، وتولّت العائلة البهلوية بمفردها الدور الذي كان يمارسه الإقطاعيون والشقاة قبل ذلك.
كان علماء الدين الإيرانيون بعد أحداث ثورة الدستور عرضةً، من ناحية، لهجمات متتالية تشنها ضدهم الحكومات المركزية الإيرانية العميلة للإنجليز، وهدفاً، من ناحية ثانية، لهجمات واعتداءات المستنيرين التغريبيين. في مثل هذه الظروف العصيبة هبّ رجال الدين للدفاع عن الإسلام والحفاظ على وجودهم وكيانهم. فهاجر آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري من أراك إلى قم بدعوة من علمائها.
بعد مدة وجيزة وظّف الإمام الخميني موهبته الاستثنائية لاجتياز دروس المقدمات والسطوح في حوزات خمين وأراك بسرعة ملحوظة وانتقل عقب ذلك إلى قم فساهم عملياً في تكريس مكانة الحوزة الفتية في هذه المدينة. ولم يمض وقت طويل حتى ذاع صيته في عداد الفضلاء المميزين الذي احتضنتهم هذه الحوزة في حقول العرفان والفلسفة والفقه والأصول. بعد وفاة آية الله العظمى الحائري (10 بهمن 1315ش 30/1/1937م) تعرضت الحوزة العلمية في قم لخطر الانهيار والتلاشي، فهب العلماء الملتزمون لعلاج هذه المعضلة، وتولّى آيات الله العظام السيد محمد حجت، والسيد صدر الدين الصدر، والسيد محمد تقي الخوانساري (رضوان الله عليهم) مهمة الإشراف على حوزة قم لمدة ثمانية أعوام. أبان هذه المدة، ولاسيما بعد سقوط رضاخان، توفرت الظروف اللازمة لقيام مرجعية عظمى في حوزة قم، وكان آية الله العظمى البروجردي شخصية علمية مميزة بوسعها تمثيل البديل المناسب للمرحوم الحائري من أجل الحفاظ على كيان الحوزة. لذلك توبع هذا الاقتراح بكل جد وإسراع من قبل تلاميذ آية الله الحائري ومنهم الإمام الخميني الذي بذل جهوداً حثيثة في دعوة آية الله البروجردي للانتقال إلى قم وتقبل المسؤولية الخطيرة لزعامة الحوزة. كان الإمام الخميني يراقب الظروف السياسية للمجتمع والوضع القائم في ا لحوزات بكل دقة، ويزيد من معارفه ومعلوماته السياسية عن طريق القراءة المتواصلة لكتب التاريخ المعاصر والمجلات والصحف التي كانت تصدر آنذاك، مضافاً إلى زياراته لطهران وحضوره عند شخصيات كبيرة نظير أية الله المدرس. وفي ضوء معارفه السياسية هذه كان يدرك إدراكاً عميقاً أن كوة الأمل الوحيدة للتحرر والخلاص من ظروف الذل التي هيمنت بعد إخفاق الثورة الدستورية وفرض رضا خان حاكماً على إيران، هي يقظة الحوزات العلمية وضمان حياتها والصلة الروحية للناس برجال الدين. ولأجل متابعة أهدافه القيمة هذه أعد الإمام الخميني في سنة 1328ش (1949م) مشروع إصلاح بنية الحوزة العلمية بالتعاون مع آية الله مرتضى الحائري، واقترح هذا المشروع على آية الله البروجردي. بادر تلاميذ الإمام وطلاب الحوزة الواعون للترحيب بهذا المشروع ودعمه. وكان النظام الحاكم قد أخطأ في حساباته، ففي السادس عشر من مهر 1341ش (8/10/1962م) صادقت حكومة أمير أسد الله علم على لائحة »اتحادات الولايات والإمارات« التي أُريد لها أن تغيّر بعض الضوابط السابقة الخاصة بالمقترعين والمرشحين ومنها أن يكونوا مسلمين، وأن يُقسموا بالقرآن، وأن يكونوا ذكوراً. كان منح حق الانتخاب للمرأة غطاءً لإخفاء أهداف أخرى. وإلغاء أو تغيير الشرطين الأول والثاني كان يرمي تحديداً لتكريس وجود العناصر البهائية في مرافق البلاد المهمة. دعم الشاه للكيان الصهيوني عبر تطوير العلاقات بين إيران وإسرائيل كان الشرط اللازم لدعم أمريكا للشاه، وتغلغل أتباع الفرقة البهائية المرتبطة بالاستعمار في السلطات الإيرانية الثلاث من شأنه تحقيق هذا الشرط. بمجرد أن ذاع خبر المصادقة على هذه اللائحة اجتمع الإمام الخميني للتشاور مع كبار علماء قم وطهران ثم أعلن معارضته الأكيدة والشاملة لها. وقد كان دور الإمام في تسليط الضوء على الأهداف الحقيقية لنظام الشاه والتذكير بالرسالة الخطيرة لعلماء الدين والحوزات العلمية مؤثراً وفاعلاً جداً في تلك الظروف. البرقيات ورسائل الاعتراض المفتوحة التي بعثها العلماء للشاه وأسد الله علم أثارت تياراً هائلاً من الدعم لتحركات الإمام الخميني بين مختلف شرائح الشعب الإيراني. كانت البرقيات التي بعثها الإمام الخميني للشاه ورئيس الوزراء شديدة اللهجة وتشتمل على كثير من التحذير. جاء في أحد هذه البرقيات: » إنني أنصحك مرة أخرى بالعودة لطاعة الله والخضوع للدستور والخوف من العواقب الوخيمة للتنكر للقرآن وأحكام علماء الأمة وزعماء المسلمين والحياد عن الدستور، فلا تلقِ بالبلاد في الخطر متعمداً ومن دون سبب، وإلا فلن يتجنب علماء الإسلام إبداء آرائهم فيك«.
وهكذا كانت تجربة اتحادات الولايات والإمارات تجربة انتصار قيمة للشعب الإيراني، خصوصاً لأنه عرف من خلالها سمات شخصية جديرة بقيادة الأمة الإسلامية من كل النواحي. رغم هزيمة الشاه في قضية الاتحادات، إلا أن ضغوط أمريكا لتمرير إصلاحاتها لم تنقطع. لذلك أذاع الشاه في شهر دي 1341ش (بداية شتاء 1963م) مبادئه الإصلاحية الستة وأعلن الاستفتاء العام عليها. فعاد الإمام الخميني لمناشدة مراجع الدين وعلماء الأمة في قم للاجتماع والتفكير في حل. وباقتراح من الإمام الخميني تمّت مقاطعة الاحتفال بعيد النيروز التراثي في بداية العام الشمسي 1342ش (آذار 1963م) اعتراضاً على خطوات النظام هذه. في البيان الذي أصدره الإمام وصف الثورة البيضاء التي أطلقها الشاه بأنها ثورة سوداء، وفضح تماشي الشاه مع الأهداف الأمريكية والإسرئيلية. من جهة، كان الشاه قد طمأن الساسة في واشنطن بشأن استعداد المجتمع الإيراني لتطبيق الإصلاحات الأمريكية، وأطلق على هذه الإصلاحات اسم (الثورة البيضاء)، لذا شق عليه كثيراً أن يعارضه علماء الدين. في تجمع جماهيري كبير وصف الإمام الخميني وبكل شجاعة الشاه بأنه الأداة الرئيسية للجرائم التي ترتكب في البلاد وأنه حليف لإسرائيل ودعا الجماهير إلى الثورة. وفي كلمته يوم 12 فروردين 1342ش (1/4/1963م) انتقد بشدة صمت علماء قم والنجف وسائر البلاد الإسلامية حيال جرائم النظام الجديدة وقال: »إن الصمت اليوم مواكبةٌ للنظام المتجبّر«. وفي اليوم التالي أي 13 فروردين 1342ش (2/4/1963م) أصدر بيانه المعروف تحت عنوان »محبة الشاة معناها النهب والغارة«. وهنا، يجب البحث عن سر التأثير المذهل لنداءات الإمام وكلامه في نفوس مخاطبيه والذي يصل حدود التضحية والفداء بأرواحهم، يجب البحث عنه في أصالة تفكيره، وصلابة رأيه، وصدقه الخالص مع الشعب.
ابتدأ عام 1342ش بمقاطعة احتفالات عيد النيروز واصطبغ بدماء المظلومين في المدرسة الفيضية. كان الشاه مصراً على تطبيق الإصلاحات التي تريدها أمريكا، بينما بقي الإمام ثابتاً على توعية الشعب واستنهاضه ضد التدخل الأمريكي وخيانات الشاه. في 14 فروردين 1342ش (3/4/1963م) بعث آية الله العظمى الحكيم من النجف برقية للعلماء والمراجع في إيران طالباً منهم الانتقال بشكل جماعي إلى النجف. أطلق هذا الاقتراح حفاظاً على أرواح العلماء وكيان الحوزات، لكن الإمام الخميني بعث جواب برقية آية الله العظمى الحكيم دون أي اكتراث لهذه التهديدات مؤكداً فيه أن الهجرة الجماعية للعلماء وإخلاء الحوزة العلمية في قم ليس من المصلحة إطلاقاً. وفي 12/2/1342ش (2/5/1963م) أصدر الإمام الخميني بياناً بمناسبة أربعينية فاجعة المدرسة الفيضية مشدداً فيه على ضرورة مواكبة علماء الدين والشعب الإيراني لرؤساء البلدان الإسلامية والعربية في مواجهة إسرائيل الغاصبة، وإدانة المعاهدات بين الشاه وإسرائيل.
انتفاضة 15 خرداد (5 حزيران 1963م)
وحل شهر المحرم ليصادف شهر خرداد من عام 1342ش، فاستثمر الإمام الخميني هذه الفرصة لإثارة الشعب ضد نظام الاستبداد الشاهنشاهي، ففي عصر يوم عاشوراء 13 خرداد سنة 1342ش (3/6/1963م) ألقى الإمام كلمته التاريخية التي اشعلت شرارة انتفاضة 15 خرداد، وقال فيها بصوت عال يخاطب الشاه: »أنا أنصحك يا سيد، أيها السيد الشاه، يا حضرة الشاه، أنا أنصحك أن تقلع عن هذه الأعمال، إنهم يخدعونك يا سيد. أنا لا أرغب أن يرفع الجميع أيديهم بالشكر إذا أرادوا أن تسقط وتغادر... إذا أملوا شيئاً وأعطوه لك وقالوا لك اقرأه ففكّر فيه قليلاً... إسمع نصيحتي... ما العلاقة بين الشاه وإسرائيل حتى يقول مجلس الأمن: لا تذكروا إسرائيل بسوء... وهل الشاه إسرائيلي؟! «
أصدر الشاه أوامره بإخماد الانتفاضة. بدايةً، أُلقي القبض على عدد كبير من أنصار الإمام الخميني ليلة 14 خرداد، وفي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل (فجر الخامس عشر من خرداد) حاصر المئات من قوات الكوماندوز الموفدين من طهران منـزل الإمام وألقوا القبض عليه وهو يصلي صلاة الليل، ونقلوه إلى طهران ليسجن في معتقل نادي الضباط، ثم نقلوه غروب ذلك اليوم إلى سجن (قصر). وكان أن وصل نبأ اعتقال قائد الثورة إلى طهران ومشهد وشيراز وسائر المدن صبيحة يوم 15خرداد فسادتها أجواء مماثلة لأجواء قم. يروي الجنرال حسين فردوست أحد أقرب الندماء الملازمين للشاه في مذكراته أنهم أستخدموا تجارب وخدمات خيرة العناصر السياسية والأمنية الأمريكية لقمع الانتفاضة، ويتحدث كذلك عن الاضطراب الذي خيّم على الشاه والبلاط وأمراء الجيش والسافاك في هذه الساعات، وأوضح في مذكراته كيف أن الشاه وجنرالاته كانوا يصدرون أوامر القمع كأنهم مجانين. بعد 19 يوماً من اعتقاله في سجن (قصر) نقل الإمام الخميني إلى مقر (عشرت آباد) العسكري. وباعتقال قائد النهضة وارتكاب المجازر الوحشية ضد الجماهير في يوم 15 خرداد 1342ش، كانت الانتفاضة قد أُخمدت على ما يبدو. إمتنع الإمام الخميني في السجن عن الإجابة على أسئلة المحققين بكل شجاعة وبإعلانه أنه يعتبر الهيئة الحاكمة في إيران وسلطتها القضائية غير قانونية وتفتقر للصلاحية. في مساء 18/1/1343ش (7/4/1964م) أطلق سراح الإمام دون سابق إشعار ونقل إلى قم، وبمجرد أن علمت الجماهير بالنبأ عمت الفرحة كل أرجاء المدينة وأقيمت احتفالات كبرى في المدرسة الفيضية وأماكن أخرى تواصلت لعدة أيام. وبعد فترة تم إحياء الذكرى الأولى لانتفاضة 15 خرداد بإصدار بيان مشترك للإمام الخميني وباقي مراجع التقليد وبيانات منفصلة أخرى أصدرتها الحوزات العلمية أعلن فيها هذا اليوم يوم عزاء عام. في يوم 4 آبان 1343ش (26/10/1964م) أصدر الإمام الخميني بياناً ثورياً كتب فيه: »لتعلم الدنيا أن كل مشكلة يعاني منها الشعب الإيراني والشعوب المسلمة إنما هي بسبب الأجانب وعلى رأسهم أمريكا. الشعوب المسلمة تكره الأجانب عموماً وأمريكا على الخصوص... أمريكا هي التي تدعم إسرائيل وأنصار إسرائيل. أمريكا هي التي تقوّي إسرائيل كي تشرِّد العرب المسلمين«. الحقائق التي كشفها الإمام للناس ضد لائحة الكوبيتولاسيون (الحصانة القضائية) وضعت إيران في آبان سنة 1343ش (خريف 1964) على أعتاب انتفاضة ثانية. في فجر 13 آبان 1343ش (4/11/1964م) هجمت قوات الكوماندوز الموفدة من طهران مرة ثانية على بيت الإمام الخميني في قم وحاصرته. والعجيب أن ساعة الاعتقال صادفت كما في المرة السابقة وقت تضرع الإمام وعبادته الليلية. اعتقل الإمام الخميني ونقلته قوات الأمن مباشرة إلى مطار مهرآباد في طهران، وأقلته من هناك طائرة عسكرية أعدت من قبل إلى العاصمة التركية أنقرة برفقة عناصر من الأمن والعسكر. وفي عصر ذلك اليوم نشر السافاك في الصحف خبر نفي الإمام بتهمة التآمر ضد أمن البلاد (!) ورغم أجواء القمع والإرهاب إلا أن رياح الاعتراض هبت بقوة على شكل مظاهرات في سوق طهران وعطلة طويلة في دراسة الحوزات العلمية وإرسال طومارات ورسائل للمنظمات الدولية ومراجع التقليد. استمرت إقامة الإمام في تركيا 11 شهراً قمع نظام الشاه خلالها بقايا المقاومة والمعارضة في إيران بكل قوة، وبادر بسرعة لتنفيذ الإصلاحات التي ترغبها أمريكا منتهزاً غياب الإمام. وكان الإمام قد استغل إقامته الإجبارية هناك لتدوين رسالته العملية الكبيرة التي حملت عنوان (تحرير الوسيلة).
نفي الإمام الخميني (ره) من تركيا إلى العراق
في يوم 13 مهر 1344ش (5/10/1965م) توجه الإمام الخميني بصحبة ابنه آية الله السيد مصطفى الخميني من تركيا إلى منفاه الثاني في العراق. بعد وصول الإمام الخميني إلى بغداد سارع لزيارة مراقد الأئمة الأطهار (ع) في الكاظمية وسامراء وكربلاء، لينتقل بعد أسبوع إلى محل إقامته الرئيس في مدينة النجف الأشرف. فترة إقامة الإمام في النجف التي استمرت 13 عاماً ابتدأت في ظروف مع إنها لم تسجِّل ضغوطاً وقيوداً واضحةً من قبل إيران وتركيا على الإمام الخميني، لكن المعارضات والمشاكسات والغمز واللمز لا من قبل جبهة الأعداء الحقيقيين بل من قبل المتمظهرين بلباس رجال الدين وطلاب الدنيا المتسترين بأزياء العلم والحوزة كان قد أتسع وتفاقم إلى درجة أن الإمام رغم كل ما أوتي من صبر واحتساب اشتهر بهما ذكر ظروف الكفاح في تلك الأعوام بكل مرارة. إلا أن أياً من هذه الصعاب والمحن لم تتمكن من ثنيه عن المسار الذي اختاره بكل وعي. بدأ الإمام دروس البحث الخارج في الفقه رغم كل الاعتراضات والعراقيل التي افتعلتها العناصر المغرضة بتاريخ آبان 1344ش (11/1965م) في مسجد الشيخ الأنصاري (ره) بالنجف الأشرف، واستمرت هذه الدروس حتى مغادرته العراق إلى باريس. وكانت دروسه من أبرز وأفضل الدروس نوعياً وكمياً في حوزة النجف. منذ بداية وصوله إلى النجف بعث الإمام الخميني رسائل ونواباً إلى إيران كي يحافظ على تواصله مع المجاهدين والمعارضين وكان يدعوهم في كل مناسبة إلى الصمود في متابعة أهداف ثورة 15 خرداد. طوال كل فترة النفي التي حفلت بشتى صنوف المحن والمرارات لم يتخل الإمام عن الكفاح والنضال إطلاقاً وأبقى الأمل بالانتصار حياً في القلوب عبر ما كان يوجهه من نداءات وما يلقيه من خطابات. في حوار له مع ممثل منظمة فتح الفلسطينية بتاريخ 19 مهر 1347ش (11/10/1968م) شرح وجهات نظره حول قضايا العالم الإسلامي وجهاد الشعب الفلسطيني وأفتى في هذا الحوار بوجوب تخصيص مقدار من أموال الزكاة للمجاهدين الفلسطينيين.
في مطلع سنة 1348ش (آذار 1969م) تفاقمت حدة الخلافات بين نظام الشاه وحزب البعث في العراق حول الحدود المائية بين إيران والعراق فأخرج النظام العراقي عدداً من الإيرانيين المقيمين في العراق بأساليب وظروف جد سيئة، وحاول حزب البعث كل جهده أن يستغل عداء الإمام الخميني للنظام الإيراني. كانت أربعة أعوام من الجهود التنويرية والعلمية التي بذلها الإمام قد استطاعت إلى حد ما تغيير المناخ في حوزة النجف. وفي سنة 1969كان هناك فضلاً عن المجاهدين الكثر في داخل إيران أنصار غير قليلين للإمام الخميني في العراق ولبنان وسائر البلاد الإسلامية يعدون النهضة الخمينية نموذجاً صالحاً لهم.
الإمام الخميني (ره) ومواصلة النهضة (1970 - 1977م)
في النصف الثاني من سنة 1971م تصاعدت شدة الخلاف بين النظام البعثي العراقي وشاه إيران ما أدى إلى طرد وتشريد الكثير من الإيرانيين المقيمين في العراق. فبعث الإمام الخميني برقية لرئيس الجمهورية العراقية أدان فيها ممارسات نظامه بشدة. ولأجل إعلان معارضته لهذه الظروف والأحوال قرر الإمام مغادرة العراق، لكن حكام بغداد تنبهوا إلى تبعات هجرة الإمام من العراق فلم يسمحوا له بمغادرة العراق في ذلك الظرف. في الذكرى السنوية لانتفاضة 15 خرداد، 5 حزيران 1975م شهدت المدرسة الفيضية تارةً أخرى انتفاضة طلبتها الثوريين، وتواصلت هتافات (يعيش الخميني) و(الموت للدولة البهلوية) يومين كاملين. وقبل هذا كانت المنظمات المسلحة المعارضة للشاه قد أُبيدت وأودعت الشخصيات الدينية والسياسية المناضلة في السجون. ومواصلة لسياساته المعادية للدين غيّر الشاه في أسفند 1354ش (أذار 1976م) بكل وقاحة التاريخ الرسمي للبلاد من هجرة النبي الأكرم (ص) إلى بداية حكم الدولة الأخمينية. فبادر الإمام لإصدار فتوى شديدة حرم فيها استخدام هذا التاريخ الشاهنشاهي عديم الأساس، ورحب الشعب الإيراني بمقاطعة هذا التاريخ الوهمي كما رحب بمقاطعة حزب رستاخيز (البعث) فكانت هاتان الخطوتان فضحيةً لنظام الشاه ما اضطره للتراجع وإلغاء التاريخ الشاهنشاهي في سنة 1978م.
تصاعد الثورة الإسلامية سنة 1977م
الإمام الخميني الذي كان يتابع التطورات الجارية في إيران والعالم بكل دقة استثمر الفرصة التي سنحت فأعلن في نداء له في مرداد (آب 1977م): »الآن وبفضل الوضع في داخل إيران وخارجها، وإنعكاس جرائم النظام في المحافل والصحف الأجنبية، تتوفر فرصة يجب أن تستثمرها الأوساط العلمية والثقافية والشخصيات الوطنية والطلبة خارج البلاد وداخلها والاتحادات الإسلامية أينما كانت فينهضوا جميعاً بشكل علني«.
استشهاد نجل الإمام آية الله السيد مصطفى الخميني في الأول من آبان 1356ش (23/10/1977م) وإقامة مراسم حافلة لتأبينه في إيران كانت نقطة البداية لانتفاضة أخرى فجرتها الحوزات العلمية والمجتمع الديني في إيران. وقد وصف الإمام الخميني تلك الحادثة في حينها بأنها من الألطاف الإلهية الخفية. نشر نظام الشاه مقالاً مهيناً ضد الإمام في صحيفة اطلاعات لينتقم منه، وأدت الاعتراضات على هذا المقال لانتفاضة 19 دي في قم سنة 1356ش (9/1/1978م) حيث سقط عدد من الطلبة الثوريين مضمخين بدمائهم. ورغم كل ما اقترفه الشاه من مجازر جماعية لكنه لم يستطع إخماد مشعل الثورة المتقد.
هجرة الإمام (ره) من العراق إلى باريس
في لقاء وزيري خارجية إيران والعراق في نيويورك تقرر إخراج الإمام الخميني من العراق. في يوم 2/7/1357ش (24/9/1978م) حوصر بيت الإمام في النجف من قبل عناصر الأمن البعثية في العراق، فأثار النبأ غضباً واسعاً لدى الجماهير المسلمة في إيران والعراق وبلدان أخرى. في 12/7/1357ش (4/10/1978م) غادر الإمام النجف نحو الحدود العراقية الكويتية فرفضت الحكومة الكويتية بإيعاز من نظام الشاه دخول الإمام إلى أراضيها. كانت هناك أحاديث سابقة عن سفر الإمام إلى لبنان او سورية لكنه بعد استشارة نجله حجة الإسلام السيد أحمد الخميني قرر التوجه إلى باريس التي وصلها يوم 14/7/1357ش (6/10/1978م) وبعد يومين أقام الإمام في بيت أحد الإيرانيين في منطقة نوفل لوشاتو إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية. وسارع المسؤولون في قصر الإليزيه لإبلاغ قرار رئيس الجمهورية الفرنسي للإمام الخميني بضرورة تحاشيه أي نشاط سياسي في فرنسا، فكان رد فعل الإمام شديداً حين صرّح أن مثل هذه القيود على الضد تماماً من دعاوى الديمقراطية الغربية، وأنه لن يترك العمل في سبيل أهدافه حتى لو اضطر للتنقّل الدائم من مطار إلى مطار ومن بلد إلى آخر. في شهر دي من سنة 1357ش (1/1979م) شكّل الإمام الخميني شورى الثورة الإسلامية في إيران، أما الشاه فقد هرب من البلد في 26/10/1357ش (16/1/1979م) بعد تشكيله الشورى الملكية وإحرازه ثقة البرلمان على حكومة شاهبور بختيار. وسرعان ما ذاع هذا الخبر في طهران ثم إيران كلها فخرج الناس إلى الشوارع يعربون عن فرحتهم واحتفالهم لهزيمة الشاه.
عودة الإمام إلى إيران بعد 14 عاماً من النفي
في بدايات شهر بهمن 1357ش (أواخر كانون الثاني 1979م) ذاع خبر عودة الإمام إلى البلاد، ففاضت أعين الناس بالدموع شوقاً إليه واغتباطاً برجعته بعد أن انتظروا هذا الميعاد 14 سنة. لكن الجماهير والأصدقاء المقربين للإمام كانوا في الوقت ذاته قلقين عليه وعلى حياته لأن الحكومة العملية للشاه لا تزال قائمة وقد أعلنت الحكومة العسكرية. بيد أن الإمام كان قد اتخذ قراره وذكر في نداءاته للشعب الإيراني أنه يريد أن يكون بجانب شعبه في هذه الأيام المصيرية الخطيرة. فما كان من حكومة بختيار إلا أن أغلقت مطارات البلاد بوجه الرحلات الخارجية بتنسيق مع الجنرال الأمريكي هايزر، غير أنها لم تستطع الإصرار طويلاً على قرارها هذا واضطرت للرضوخ لإرادة الأمة فحلَّ الإمام الخميني عائداً إلى وطنه صبيحه يوم 12 بهمن 1357ش (1/2/1979م) بعد 14 عاماً من الفراق. وقد كان استقبال الجماهير له مدهشاً وغير مسبوق إلى درجة اضطرت وكلات الأنباء الغربية للاعتراف به وذكرت أن عدد المشاركين في هذا الاستقبال تراوح بين 4 إلى 6 ملايين إنسان.
رحيل الإمام (ره)... لقاء الله.. فراق الأحبة
كان الإمام الخميني قد أعلن طوال سنوات حياته عن أهدافه ومبادئه وكل ما كان ينبغي أن يبلِّغه، بذل كل طاقته وجهوده في سبيل تحقيق هذه الأهداف. وعلى أعتاب ذكرى انتفاضة النصف من خرداد (5 حزيران) سنة 1368ش (1989م) كان قد أعد نفسه للقاء حبيبٍ أنفق كل عمره في سبيل تحصيل مرضاته، ولم تنحن قامته أمام كائن سواه، ولم تبك عيناه إلا من أجله. قصائده العرفانية تنم كلها عن آلام فراق هذا الحبيب وتفصح عن تعطّشه الكبير للحظة وصاله. وها قد اقتربت تلك اللحظة الشامخة العظيمة بالنسبة له، العصيبة القاتلة بالنسبة لأنصاره ومحبّيه. كتب هو في وصيته: »بقلب تجلّله السكينة، وفؤاد مطمئن، وروح مبتهجة، وضمير متفائل بفضل الله، أستأذِن الأخوات والإخوة وأرحل إلى موطني الأبدي وأنا بأمس الحاجة إلى أدعيتكم لي بالخير، وأطلب من الله الرحمن الرحيم أن يتقبّل عذري لقصوري وتقصيري وقلّة خدمتي، وارجو من الشعب أيضاً تقبل عذري في قصوري وتقصيري، وأن يواصلوا مسيرتهم إلى الأمام بكل قوة وعزم وإرادة«. الغريب أن الإمام الخميني كان قد قال في إحدى قصائده الغنائية (غزليات) التي نظمها قبل سنوات قليلة من رحيله: »تمر الأعوام وتتعاقب الأحداث وأنا أنتظر الفرج من النصف من خرداد«.
لحظة الوصال كانت الساعة العاشرة وعشرون دقيقة من مساء يوم الثالث عشر من خرداد 1368ش (3/6/1989م) كفّ عن الخفقان قلبٌ أحيى بأنوار الله والمعنوية ملايين القلوب. وكان أصدقاؤه ومحبوه قد نصبوا كاميرا خفية في المستشفى التي رقد فيها أواخر أيامه سجلوا عبرها أحواله أيام مرضه وإجراء العمليات الجراحية له واللحظات التي فاضت فيها روحه. وحينما عرضت من التلفاز لقطات من الحال المعنوية السامية والسكينة التي كانت تغمره في تلك الأيام هاجت القلوب وتفجرت بالعواطف وعمّها وجدٌ لا يمكن وصفه والشعور به إلا لمن عايش تلك الأجواء. كانت الشفاه تتمتم بذكر الله دوماً. في الليلة الأخيرة من حياته وبعد أن تحمل وهو في الـ 87 من عمره إجراء عدة عمليات جراحية صعبة وطويلة، وفي حين ربطوا بذراعيه المباركين عدة أمصال، كان يصلي نافلة الليل ويتلو القرآن. وكانت تغشاه في ساعاته الأخيرة طمأنينة وسكون ملكوتي وهو يلهج دوماً بوحدانية الله ورسالة نبي الإسلام محمد (ص)، فحلّقت روحه إلى الملكوت الأعلى وهو في هذه الحال. حينما ذاع خبر رحيل الإمام تغيرت حال البلاد كما لو ضربها زلزال عنيف، فتفجرت الحناجر بالبكاء، وأنهالت الأيدي باللطم على الرؤوس والصدور وعمَّ هذا التيار العارم إيران برمتها وكل أماكن العالم التي سبق أن تعرفت على اسم الإمام الخميني ورسالته. ما من قلم أو لسان بوسعه وصف أبعاد ذلك الحدث وطوفان المشاعر الجماهيرية المنفلتة التي غمرت إيران تلك الأيام. كان من حق الشعب الإيراني والجماهير المسلمة الثورية أن تضج كل هذا الضجيج صانعةً مشاهد لا نظير لها في حجمها وعظمتها طوال التاريخ. كانوا قد فقدوا شخصاً أعاد لهم عزتهم المسحوقة، وقصّر أيدي الملوك الظالمين والغربيين الناهبين عن أرضهم، وأحيى الإسلام، وأعزّ المسلمين وأسس الجمهورية الإسلامية، ووقف بوجه كافة القوى الجهنمية والشيطانية في العالم، وصمد عشرة أعوام حيال مئات المؤامرات الرامية إلى إسقاط هذه الجمهورية الفتية، ومشاريع الانقلابات، والفتن الداخلية والخارجية، وقاد لثمانية أعوام دفاعاً حربياً وقف في طرفه الآخر عدوٌّ دعمته قوى الشرق والغرب العظمى دعماً علنياً وشاملاً. كانت الجماهير قد فقدت قائدها الحبيب ومرجعها الديني والمنادي بالإسلام الحقيقي. الذين لا يستطيعون استيعاب هذه المفاهيم وهضمها قد يعجزون عن تفسير ما شاهدوه في وسائل الإعلام من أحوال عاشتها الجماهير عند توديعها وتشييعها ودفنها الجسد الطاهر للإمام الخميني، وحين سمعوا أنباء وفيات العشرات ممن لم يستطيعوا الصبر على هول الحدث الجلل فسكتت قلوبهم عن الخفقان، وإذا هم رأوا أجساد المغمى عليهم من شدة الألم والغم تُحمل على أيدي المشيعين دون انقطاع لتنقل إلى المستشفيات والمستوصفات. لكن الذين يعرفون معنى الحب وسبق لهم أن جربوه وذاقوا حلاوة طعمه لن يجدوا أية صعوبة في فهم هذه المشاهد الفريدة. لقد كان الشعب الإيراني يعشق الإمام عشقاً حقيقياً، وقد اختار شعاراً جميلاً معبراً جداً في ذكرى رحيله: »حب الخميني حب لكل الخصال الحسنة«. في يوم الـ 14 من خرداد 1368ش (4/6/1989م) اجتمع مجلس خبراء القيادة فقرأ آية الله الخامنئي وصية الإمام الخميني التي استغرقت قراءتها ساعتين ونصف الساعة. وبعد ذلك بدأ بالتداول لتعيين خَلَف للإمام الخميني وقائد للثورة الإسلامية، وبعد عدة ساعات من النقاش والتداول تم بالإجماع اختيار سماحة آية الله الخامنئي (رئيس الجمهورية آنذاك) لحمل هذه الرسالة الخطيرة، وآية الله الخامنئي هو أحد تلامذة الإمام الخميني - سلام الله عليه - ومن شخصيات الثورة الإسلامية الفذة، وأحد المساهمين الفاعلين في انتفاضة 15 خرداد (5 حزيران) ومن المعاقين والمضحين طوال فترة النهضة التي قادها الإمام الخميني بكل منعطفاتها وشدائدها. الغربيون وعملاؤهم في الداخل ممن يئسوا من الانتصار على الإمام الخميني كانوا يمنّون أنفسهم والآخرين منذ سنوات بموت الإمام الخميني. بيد أن يقظة الشعب الإيراني والانتخاب السريع والسليم الذي نهض به مجلس خبراء القيادة، والدعم الذي أبداه أنصار الإمام وجنوده، بدد كل آمال أعداء الثورة وألقى بها أدراج الرياح، فلم يكن رحيل الإمام نهاية لطريقه اللاحب على الإطلاق، وليس هذا وحسب بل يتسنى القول إن عصر الإمام الخميني انطلق بعد وفاته بأبعاد أوسع من السابق، وهل يموت الفكر والصلاح والمعنوية والحقيقة؟ في يوم وليلة الـ 15 من خرداد 1368ش (5/6/1989م) تجمع في مصلى طهران الكبير الملايين من أهالي طهران والمعزين القادمين للعاصمة من مدن البلاد وقراها ليودّعوا للمرة الأخيرة الجسد الطاهر لرجل أعاد بنهضته الشموخ والاعتدال لقامة القيم والكرامة المحنيّة في عصر الظلم الحالك، وأطلق في العالم نهضة تدعو إلى العودة لله تعالى والفطرة الإنسانية السليمة. لم يكن هناك أي أثر للتشريفات الجامدة المتداولة في مثل هذه المراسم، كل شيء كان يجري بطريقة تعبوية وشعبية عاشقة. الجسد الطاهر المجلل بوشاحٍ أخضر كان قد وضع على مرتفع يحيطه ملايين المعزين وهو يتألق وسطهم كالجوهرة. كل فرد كان يناجي إمامه بلغته الخاصة ويذرف الدموع مدرارةً عليه. كل الطرق المؤدية للمصلى كانت تغصّ بأمواج الجماهير الموشحة بثياب الحداد. أعلام العزاء السوداء ترتفع فوق كل بناية وجدار، وأصوات القرآن تسمع من كل المساجد والدوائر والمنازل. حين جن الليل اشتعلت آلاف الشموع في صحراء المصلى والتلال المحيطة بها تيمّناً بالمشعل الذي أوقده الإمام. العوائل المفجوعة تحلّقت حول الشموع وشخصت أبصارها إلى تلك القمة النيرة. هتافات »يا حسين« التي أطلقها الشباب التعبويون الذين غمرتهم مشاعر اليتم وهم يلطمون الرؤوس والصدور، بثت في تلك الأجواء أريج عاشوراء الزاكي. فكرة أنهم لن يسمعوا ثانية صوت إمامهم من حسينية جماران أجزعت النفوس وبددت الصبر والاحتساب في قلوبهم. قضت الجماهير مساءها عند جسد الإمام، وفي الساعات الأولى من صباح السادس عشر من خرداد (6حزيران) صلّى الملايين بإمامة آية الله العظمى الكلبايكاني (ره) على جسد الإمام بعيون بللتها الدموع. حشود الشعب وعظمة ملحمة حضورهم يوم عودة الإمام للوطن في 12 بهمن 1357ش (1 شباط 1979م) وتكرار هذه الملحمة في مراسم تشييعه، هو بحق من عجائب التاريخ. قدرت وكالات الأنباء الرسمية العالمية عدد الذين استقبلوه في عودته للوطن بستة ملايين نسمة وعدد المشاركين في تشييعه وتوديعه بتسعة ملايين، هذا في حين تحمل الشعب الإيراني طوال 11 سنة من حكم الإمام الخميني الكثير من المشكلات والصعاب بسبب اتحاد البلدان الغربية والشرقية في عدائهم للثورة وفرضهم حرب الثماني سنوات على إيران مضافاً إلى مئات المؤامرات الأخرى التي حاكوها ضد إيران، وقدم هذا الشعب الكثير من أعزائه وأحبائه قرابين في هذا السبيل وكان ينبغي طبعاً أن يصابوا شيئاً فشيئاً بالتعب والملل من هذا الواقع، إلا أن هذا لم يحدث على الإطلاق. الجيل الذي تربّى في مدرسة الإمام الإلهية كان يؤمن إيماناً عميقاً بمقولة الإمام: »مقدار الصبر على المصاعب والآلام والتضحيات والفداء والحرمان يتناسب وعظمة حجم الغاية وقيمتها ورفعة مكانتها«.
بعد أن تعذرت مواصلة مراسم الدفن بسبب عاصفة المشاعر والزحام، أُعلن من الإذاعة كراراً أن يرجع الناس إلى بيوتهم وأن المراسم قد أوكلت إلى وقت لاحق سيعلن عنه فيما بعد. لم يكن المسؤولون يشكون في أن مضي مزيد من الوقت سيضاعف من أعداد المشيعين الخيالية ويضيف إليهم مئات الآلاف من محبي الإمام الآخرين الذين انطلقوا من المدن البعيدة متوجهين إلى طهران، ومع ذلك لم تكن ثمة مندوحة من مواصلة مراسم الدفن وسط تلك المشاعر الجياشة وبصعبوةٍ قصوى نقل مراسلو وسائل الإعلام لقطات منها لأنظار العالم وأسماعه. وهكذا كانت وفاة الإمام الخميني كما هي حياته ينبوع يقظة ونهضة متجددة خلّدت ذكراه وطريقه، فقد كان حقيقةً.. حقيقةً حيةً لا تفنى أبداً.
أبو طالب مؤمن آل قريش
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾1.
كثير من الناس يدخلون بعد النصر أفواجاً، لكنّ القليل الذين ينصرون الحقّ في أوقات المحن والبلاء.
من هؤلاء القليل أحد أولياء شهر رمضان أبو طالب عمران بن عبد المطلب (رض) الذي نبتدىء حديثنا عنه بالإشارة على طهارة آباء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
طهارة آباء النبيّ
قال تعالى: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾2.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، حتى أُسكنتُ في صلب عبد الله، ورحم آمنة"3.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرّهم في خير مستقر". تناسختهم كرائم الأصلاب، إلى مطهَّرات الأرحام. كلّما مضى منهم سلف قام منهم بدين الله خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعزِّ الأرومة مغرساً، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتجب منها أمناءه"4.
قال الشاعر:
تنقل أحمد نوراً عظيماً
تلألأ في جباه الساجدين
تقلّب فيهم قرناً فقرناً
إلى أن جاء خير المرسلين5
آزر والتوحيد
بناءً على ما تقدَّم يرد سؤال حاصله:
كيف نجمع بين الاعتقاد بطهارة آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقصّة آزر في القرآن الكريم، إذ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾6.
والجواب: إنَّ العرب كانوا يطلقون على العمّ صفة الأب، ولهذا شاهدٌ في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾7. فاسماعيل عليه السلام هو عمّ يعقوب عليه السلام وليس أباه، ومع ذلك شمله لفظ "آبائك".
أبو طالب كفيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
من الأصلاب الشامخة أولد عبد المطلب عبد الله والد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، الذي تكفلّه عمّه أبو طالب(عمران)، الموحِّد لله تعالى، فهو الذي طالما كان يسمعه أهل قريش ينطق بشعر التوحيد والعبودية لله تعالى، فيقول:
مليك الناس ليس له شريك
هو الوهّاب والمبدي المعيد
ومَن فوقَ السماء له ملاك
ومن تحت السماء له عبيد
وربّته فاطمة بنت أسد، التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاتها: "اللهم اغفر لأمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها"8.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم عنها
"هذه المرأة كانت أمي بعد أمي التي ولدتني"9.
في عمر 12 سنة أراد أبو طالب السفر في تجارة فأخذ معه محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم فلما خرج معه أظلَّته غمامة بقيت فوق رأسه حيثما حلّ وهذا ما زاد من تعلُّق أبي طالب عليه السلام بابن أخيه حتى قال فيه: وهناك لقيه بحيراء الراهب الذي رأى فيه تلاؤم النبيّ الخاتم، فأخبره بنبوّته.
قال أبو طالب (رض):
"إن ابن آمنة النبيّ محمداً
عنــدي يفــــوق منــــازل الأولاد"10.
أبو طالب يخطب طالباً يد خديجة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
قال في خطبته:
"الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم عليه السلام، وزرع إسماعيل عليه السلام، وجعل لنا بلداً حراماً، وبيتاً محجوباً، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إنَّ محمد بن عبد الله أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برّاً وفضلاً وحزماً وعقلاً ورأياً ونبلاً، وإنْ كان في المال قلٌّ، فإنّما المال ظِلّ زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليَّ، وله -والله- بعدُ نبأٌ شائع وخطب جليل"11.
أبو طالب المدافع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
1- روى ابن الأثير في النهاية: لمّا أراد النبيّ أن يتكلم اعترضه أبو لهب، فقال له أبو طالب (رض): "اسكت"، ثم قال للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "قمْ يا سيّدي، فتكلّم بما تحبّ، وبلِّغ رسالة ربِّك؛ فإنك الصادق المصدَّق".
2- وجاءت قريش تشكو محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه يؤذيها في الكعبة والديار، ويُسْمِعهم ما يكرهون، فراجع أبو طالب النبيَّ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم: "والله، ما أنا بقادر أن أردَّ ما بعثني به ربّي، ولو أنْ يشعل أحدُهم من هذه الشمس ناراً"، فقال أبو طالب: "والله ما كذب قط، فارجعوا راشدين"12.
3- وجاء أهل قريش مرّة أخرى عند أبي طالب(رض) يطلبون منه أن يتحدَّث مع النبيّ أن يكفّ عن تعييب آلهتهم، وإلا فالحرب، فكان جواب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه"13، فأجابه أبو طالب (رض): "اذهب -يا ابن أخي- فقل ما أحببت، فوالله لا أسلّمك لشيء أبداً". وأنشد يقول:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
حتى أوسَّــد في التراب دفينا
فانفذ لأمرك ما عليك مخافة
وأبشر وقرَّ بذاك منه عيونا
وقد علمت أنّ دين محمّد
من خير أديان البرية دينا14
4- بينما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مناجاة ربّه يؤدّي الصلاة جاء أحد المشركين وهو عبد الله بن الزَّبعري، ورمى عليه فرثَ ودم جزور، وعرف أبو طالب وجاء إلى أهل قريش الذين حاولوا الفرار من المجلس بعدما رأوا غضبه، لكنّه سمَّرهم بقوله "والله لئن قام رجلٌ جلَّلته بسيفي"15.
والتفت إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "يا بني، من الفاعل بك هذا؟" فدلّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابن الزبعري، فوجأ أنفه، ثم مرَّ بالدن والفرث على القوم، ولطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم، وأغلط عليهم القول، ثمّ قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: يا ابن أخي، أرضيت، سئلت من أنت؟
أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أنت والله أشرفهم حسباً وأرفعهم منصباً.
وأردف يقول:
أنت النّبيّ محمّد
قرم أغرّ مسوّد
لمسوّدين أكارم
طابوا وطاب المولد
أنَّى تضام ولم أمت
وأنا الشجاع العربد
وبنو أبيك كأنّهم
أسد العرين توقد
ولقد عهدتك صادقاً
في القول لا تتزيّد
ما زلت تنطق بالصواب
وأنت طفل أمرد16.
5- في ليلة الاسراء افتقد أبو طالب محمداً، فدعا فتيان بني هاشم، وأمر كلاًّ منهم أن يخبّئ تحت ثيابه سلاحاً، وأن يقف كل واحد منهم عند زعيم من رجال قريش، وبعد أن عاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أعلن أبو طالب(رض) لقريش ما كان يريد أن يفعل، فقال لهم:
"يا معشر قريش أتدرون ما هممتُ به،....والله لو قتلتموه ما أبقيت منكم أحداً، حتى نتفانى نحن وأنتم"، وأنشد:
ألا أبلغ قريشاً حيث حلَّت
وكل سرائر منها غرور
لآل محـمــــد راع حفــيـــــظ
وداد الصدر مني والضمير
ويشرب بعده الولدان رّياً
وأحمد قد تضمنه القبور
أيا بن الأنف أنفِ بني قُصَيٍّ
كأنَّ جبينك القمر المنير17.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشعر بدعم عمِّه الكبير الذي كان يحثّه على إظهار دعوته بقوله:
لا يمنعنّك من حقٍّ تقوم به
أيدٍ تصول ولا سلقٌ بأصوات
فإن كفَّك كفّي إن بليت بهم
ودون نفسك نفسي في الملمَّات
وفاة أبي طالب
في شهر رمضان وفيما كان شعره الإيماني يملأ قريشاً:
يا شاهد الله عليَّ فاشهدِ
آمنت بالواحد ربِّ محمدِ
من ضلَّ في الدين فإني مهتد
يا ربِّ فاجعل في الجنان موردِ
نزل جبرئيل قائلاً لمحمد: إن الله يأمرك أن تخرج من هذه القرية الظالم أهلها فإنّ ناصرك قد مات.
* كتاب شهر الله، سماحة الشيخ أكرم بركات.
1 سورة الانفال، الآية، 74.
2 سورة الشعراء، الآيتان: 218-219.
3 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج12، ص 48.
4 نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج1، ص 185.
5 الكجوري، محمد باقر، الخصائص الفاطمية، ط1، تحقيق علي أشرف، منشورات الشريف الرضي، 1380ش، ج2، ص 127.
6 سورة الانعام، الآية 74.
7 سورة البقرة الآية 133.
8 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج35، ص 179.
9 الأمين، محسن، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، (لا،ط)، بيروت، دار التعارف، (لا،ت)، ج1، ص 325.
10 المفيد، محمد، إيمان أبي طالب، تحقيق مؤسسة البعثة، ط2، بيروت، دار المفيد، 1993م، ص36.
11 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج35، ص 158.
12 الأميني، الغدير، ط3، دار الكتاب العربي، بيروت، 1387هـ، ج7، ص 354.
13 الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج8، ص 115.
14 المرجع السابق نفسه.
15 القرطبي، تفسير القرطبي، تحقيق أحمد البردوني، (لا،ط)، دار احياء التراث العربي، بيروت، (لا،ت)، ج6، ص 406.
16 محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج8، ص 119.
17 المصدر السابق، ص 121.
المصحف التتارى هو أغلى وثاني أكبر مصحف في العالم
يعد المصحف النفيس والمعروف بالمصحف التتارى هو أغلى وثانى أكبر مصحف في العالم، لما يحتويه من جواهر ثمينة، ويبلغ طوله متراً ونصف المتر، وعرضه متران، ويزن المصحف 800 كجم وأبعاده: 2م×1.5م×25 سم، ويتألف من 632 صفحة.
فى قاعة صغيرة أنيقة بمبنى تذكارى في مدينة بولغار على نهر الفولغا، في تتارستان إحدى الجمهوريات الروسية الاتحادية تقبع النسخة الأكثر ثمناً في العالم من المصحف الشريف والتى ظهرت للنور لأول مرة عام 2011.
ويعد المصحف النفيس والمعروف بالمصحف التتارى هو أغلى وثانى أكبر مصحف في العالم، لما يحتويه من جواهر ثمينة، ويبلغ طوله متراً ونصف المتر، وعرضه متران، ويزن المصحف 800 كجم وأبعاده: 2م×1.5م×25 سم، ويتألف من 632 صفحة.
وغلافه يتزين بأوراق الذهب والفضة والمرمر ومرصع بالأحجار الكريمة مثل الفيروز وحجر الذهب.. وقد عرض المصحف الشريف لبضعة أشهر فى مسجد "غول شريف " فى مدينة قازان عاصمة تتارستان قبل أن يستقر فى موضعه النهائى.
وبداية التفكير فى طباعة المصحف الأغلى ثمناً فى العالم ترجع الى محاولة لإحياء الآثار التاريخية والثقافية لجمهورية تتارستان حيث قام منتيمير شايمييف رئيس الجمهورية السابق والرئيس الحالى لصندوق «الانبعاث (ياناريش)»، بتكليف شركة «ريفيرا» الإيطالية بطبع هذه النسخة من القرآن الكريم، وصرح حينها الدوس فائزوف مفتى جمهورية تتارستان بأن هذه النسخة الفريدة من القرآن الكريم والمطعمة بالذهب والمرمر، هدية لجميع المسلمين لا فى تتارستان وحدها، بل وفى روسيا ككل.
ولقد انضمَّت جمهورية تتارستان إلى موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية باعتبارها مالكة أغلى مصحف فى العالم.
وقد زار المصحف التتارى منذ اتمامه، متاحف فرنسا وبريطانيا وسويسرا، كما تم تقديم عروض لذلك المصحف النفيس شهدها ملايين المسلمين والسائحين الأوروبيين والأجانب، ولكن دون ملامسة، طبقاً للاتفاق المبرم بين المسئولين عن المصحف التترى وتلك المتاحف.
من بين المصاحف النفيسة والتى لا تقدر بثمن لقيمتها التاريخية والروحية فى نفوس المسلمين، مجموعة المصاحف الأثرية الموجودة بضريح الإمام على بن ابى طالب(ع) فى مدينة النجف الأشرف العراقية، حيث يقول الباحث الدكتور سعيد الطريحى فى بحثه عن حاضرة النجف ومرقد الإمام علي(ع): إن أقدم النفائس من الهدايا فى ضريح الامام على(ع) فى النجف يرجع عهدها الى القرن الرابع الهجري، وتوجد الآن فى خزانة مبنية فى جدار الروضة الحيدرية نفائس لا تقدر بثمن أو مال، منها 550 مصحفا أثرياً نفيساً يرجع تاريخ أقدم مصحف فيها الى القرن الاول الهجري، وفيها مصاحف موشاة بالذهب، و420 قطعة من الحلى الذهبى المرصع بالجواهر النادرة كالزمرد والياقوت والماس واللؤلؤ.
من المصاحف النفيسة والغريبة فى كتابتها مصحف مكتوب بخيوط ذهبية وفضية على قماش من الحرير الأسود الشفاف، ففى العام الماضى فاجأت فنانة أذربيجانية تدعى «تونزالا محمد زاده» بإعداد مصحف كتبته باللون الذهبى على قماش حريرى أسود شفاف.
واستخدمت الفنانة لإعداد مصحفها 50 متراً من القماش الشفاف الأسود، وألفا و500 مليمتر من الألوان الذهبية والفضية. واعتبرت الفنانة أن هذا المصحف هو أثرها الفنى الأهم الذى حاولت من خلاله تنفيذ فكرة جديدة بعد سنوات من العطاء الفنى. واستغرق صنع المصحف من قبل الفنانة ثلاث سنوات، وقررت إنجازه بعد أن أظهرت الأبحاث التى قامت بها أنه لم يسبق لأحد كتابة القرآن كاملاً على الحرير. واعتبرت تونزالا أن ما من مشكلة فى كتابة القرآن على قماش الحرير الذى ورد ذكره فى القرآن. وأعربت الفنانة عن سعادتها لإنجازها أول مصحف مكتوب على الحرير فى العالم، وأشارت إلى أنها لم تلق صعوبة كبيرة فى كتابته لأنها تعرف الحروف العربية.
وأخيراً يبدو أن رحلة المصاحف النفيسة لن تنتهى طالما أن هناك عشاق ومحبين لآيات الذكر الحكيم والمحفوظة بين دفتى المصحف الشريف، ففى نادرة من النوادر والتى تعتبر الأولى من نوعها على مستوى العالم قدمت مجموعة النمر للذهب والمجوهرات السعودية مصحفاً يكسوه الذهب الخالص، حيث يصل وزنه 2 كيلو من الذهب عيار 18 ومطعم بمجموعة من أنفس الأحجار الكريمة من الألماس والياقوت والزمرد والزفير والفيروز، وتم استخدام أفضل الأوراق وأجودها على مستوى العالم والذى دهن بماء الذهب فى أطرافه.
ولقد تمت ترجمة هذا المصحف الثمين الى اللغتين الانجليزية والفرنسية، مع وجود تفسير للقرآن الكريم، كما عمل على تصميمه وشغله أفضل المصممين العالميين منهم مصممة يونانية خبيرة فى مجال الذهب والمجوهرات.
"الحج والمعنویات والقدرات الوطنیة والتضامن الإسلامي"
أعلن ممثل قائد الثورة لشؤون الحج والزیارة حجة الإسلام السید علي قاضي عسکر أن شعار مناسك الحج في العام الحالي هو "الحج والمعنویات والقدرات الوطنیة والتضامن الإسلامي ".
وقال قاضي عسكر إنه تم إختیار هذا الشعار بعد إجراء دراسات دقيقة مضیفا انه يبين أهم الفلسفة الإلهية والسياسية والاجتماعية في الحج وكذلك مسؤولية الحجاج في العلاقات مع ربهم والحجاج الآخرين داعیا الحجاج الإيرانیین إلی تعزيز المعارف الاسلامية ومكارم الأخلاق.
وتابع رئيس بعثة الحج الايرانية أن المتاع الأفضل في الحج هو تعزيز قدرات الشعب الايراني وتطویر الثقافة الشعبية والدينية وتعزيز مكانة الجمهورية الإسلامية الايرانية في المنطقة لاسيما مع الدول العربية المجاورة معتبرا أن موسم الحج يمثل فرصة طيبة للتشاور بين الأمة الإسلامية حول أهم التحديات التي یواجهها العالم الإسلامي".
وصرح أن کلمة التضامن الإسلامي يعزز التقارب بين جميع المذاهب الإسلامية وهو أهم رسالة يحملها الحجاج ولا سيما العلماء والمثقفون خلال هذه الزیارة الإلهیة.
ودعا قاضي عسکر الحجاج الإيرانيين إلی المشارکة الواسعة والمنتظمة في صفوف صلاة الجماعة في الحرمین الشریفین والإکتراث بتعزیز عزة ومکانة إيران الإسلامية والمذهب الشیعي في سلوکهم مع حجاج الدول الإسلامية.
یمتلك مسلم هندی مصحفاً مذهباً عمره 500 عام کتب في العهد العثماني.
الموظف المصرفي الهندي "محمد حارث" الذي يعيش 30 عاماً في مالیزیا یختتم المصحف المذهب الذی یحتفظ به خلال لیالي شهر رمضان المبارك.
وقال محمد حارث انه حصل علی هذا المصحف منذ 5 سنوات مؤکداً أنه جلب له ولأسرته السعادة.
ووصف المصحف، قائلاً: ان هذا المصحف المذهب عبارة عن مجموعة نادرة مکونة من 28 قسماً کل منها يحتوي على 19 لغایة 20 صفحة کتبت بالخط العثماني، ویحفظ في 14 علبة ذهبیة مؤکداً أنه یمتلك إحدی الـ14.
وقال محمد حارث ان صهره "إسماعیل کاظم" يحتفظ بالـ13 علبة الباقیات.
وأکد أن رئیس الوزراء المالیزي السابق "مهاتیر محمد" قام بتأیید صحة وسلامة هذا المصحف الشریف في نوفمبر عام 2009 للميلاد.
وقال محمد حارث انه ينوي تأسيس مركز للدراسات وتراث الثقافة الاسلامية من خلال بيع هذا المصحف المذهب.
عشر صفات سبب للمغفرة
الرجل والمرأة في الآيات
(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).(سورة الاحزاب).
تفسير
المسلمين: الّذين استسلموا لأمر الله وانقادوا له.
المؤمنين: المصدِّقين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما أتاهم به من عند الله تعالى.
ذكر سبحانه في هذه الآية عشر خصال تسبّب المغفرة والعفو عن الزلاّت للموصوفين بها:
1 و 2: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ):ربّما يقال بأنّ المراد من الإسلام هو التسليم لساناً لا جَناناً، كما أنّ المراد من الإيمان هو التصديق قلباً، يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ الإسلام هو تسليم الدين حسب العمل وظاهر الجوارح، والإيمان أمر قلبي، ثم إنّ الإيمان الذي هو أمر قلبي، اعتقاد وإذعان باطن، بحيث يترتّب عليه العمل بالجوارح. الميزان في تفسير القرآن: 16 / 314. ويُريد رحمه الله تعالى بهذا الكلام وجود التسليمين معاً، أي التسليم لساناً، والتسليم اعتقاداً.
(3) وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَات :أي العابدين والعابدات والمطيعين والمطيعات. ومن المعلوم أنّ العبادة والطاعة من آثار الإيمان والتصديق، وبما أنّ الآية بصدد التكريم فالمراد الملازمة مع العبادة والطاعة، لا مجرّد التلبّس بهما ولو مرّة واحدة.
(4 )وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ: في النيّة والقول والعمل والوعد. والصدق ركن الاستقامة والصلاح، وسبب الفوز والفلاح، قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا المائدة: 119 .
(5)وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ: يتلبّسون بالصبر على الطاعة والصبر عن المعصية والصبر عند النائبة. قال الإمام علي عليه السلام): «والصَّبْرَ مِنَ الاْيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلاَ خَيْرَ فِي جَسَد لاَ رَأْسَ مَعَهُ، وَلاَ فِي إِيمَان لاَ صَبْرَ مَعَهُ/ نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 82 . وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «اصبروا على طاعة الله، وتصبّروا عن معصيته، فإنّما الدنيا ساعة، فما مضى فلست تجد له سروراً ولا حزناً، وما لم يأتِ فلست تعرفه، فاصبر على تلك الساعة، فكأنّك قد اغتبطْتَ الوافي: 3 / 63 .
(6) وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ: بالتذلّل باطناً، والخضوع هو التواضع ظاهراً بالجوارح.
(7)وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ : مَن يبذلون المال للفقراء ويُخرجون الصدقات تقرّباً إلى الله سبحانه. (والصدقة في اصطلاح الأحاديث والأخبار تطلق على معنيين: الصدقة الواجبة كالزكاة، والصدقة المستحبّة كالتي تُعطى إلى السائل مثلاً. وإذا ما كان الإنسان مخلصاً زكياً صادق التعامل مع الله وبعيداً عن رئاء الناس، فإنّ صدقاته مقبولة مرضية سواء دفعها سرّاً أم علناً، فلكلّ حال منهما مبرّراته ومسوّغاته المشروعة، فصدقة السرّ تطفئ غضب الربّ تبارك وتعالى، وصدقة العلانية تدفع ميتة السوء ومصارع الهوان، وقد تضافرت الروايات حول ذلك ، كما صحّح القرآن أصل الإنفاق سرّاً وعلناً، بيد أنّه ـ بصورة عامّة ـ صدقة السرّ أفضل الصدقتين.
(8)وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ : والصوم رياضة بدنية وروحية تقوّي في الإنسان ملكة ترك المعاصي والمحارم.
(9)وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ: يحفظون الفروج عمّا حرّم الله، وليس المراد ترك التزوّج والرهبانية، لأنّه مذموم، كما سيوافيك في سورة الحديد اية 27.
(10)وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ: والظاهر أنّه من الذُّكر ـ بضم الفاء ـ والمراد من يذكر الله قياماً وقعوداً وعلى عامّة الأحوال ففيه حياة القلوب.
وهذه الخصال العشر، هي الّتي تسبب شمول رحمة الله ومغفرته كما يقول: (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيًما)
* اية الله جعفر السبحاني ، تفسير منية الطالبين
إنضمام "الناتو" الى التّحالف الدّولي ضدّ داعش.. أسباب و دلالات
إنضمام "الناتو" إلى التحالف الدّولي ضد داعش، موضوع تكهّنه الكثيرون في الآونة الأخيرة. فقد طرحته الولايات المتحدة الامريكية، وترامب شخصيا بجدّية، لكنّه واجه مخالفة ألمانيا وفرنسا وبعض دول الحلف، إلا أن اجتماع قادته في بروكسل يوم الخميس أسفر عن اتخاذ قرار بالإنضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش والإرهاب.
يمكن القول أن أحد أسباب موافقة أعضاء الناتو على الإنضمام هو الأعمال الإرهابية التي ضربت العمق الأوروبي، وخصوصا الهجوم الأخير الذي استهدف منشستر البريطانية. فقد عززت هذه الهجمات لدى الدول الغربية أهمية مواجهة داعش والمجموعات الإرهابية. لكن من المهم النظر إلى الموضوع من زاوية ثانية، والتفكير في الأهداف الأخرى التي دفعت الناتو إلى الإنضمام تحت قيادة أمريكية إلى تحالف لقتال داعش، لذلك تجدر الإشارة إلى بعض النقاط التي يجب أخذها بعين الإعتبار:
1- إصرار أمريكا على انضمام الناتو هو إعتراف غير مباشر بضعف التحالف الدولي ضد داعش
يوجد في المنطقة مجموعتين لهما نهج وأهداف مختلفة، مجموعة تضمّ الائتلاف الغربي - العربي ضد داعش والإرهاب، وتضمّ أكثر من 60 دولة تعمل تحت قيادة أمريكا، ومجموعة أخرى تضم الدول المعروفة بمحور المقاومة، والتي تشمل إيران والعراق وسوريا وروسيا. كان للائتلاف الغربي إلى جانب محاربة الإرهاب، أهداف معلنة أخرى كتنحية الرئيس بشار الأسد، الذي يرونه عنصرا مهما في محور المقاومة، وأهداف غير معلنة كمحاولة تهميش القضية الفلسطينية، وتحقيق الأمن والإستقرار للكيان الصهيوني في ظل الأزمات التي تعصف بالمنطقة.
على الرغم من الحملة الإعلامية التي يشنها التحالف على الارهاب، إلا أن وسائل الإعلام التابعة له تسعى دائما للترويج بأن محور المقاومة، وخصوصا إيران، هو سبب عدم الإستقرار في المنطقة. ويتزامن ذلك مع تقدم قوات المقاومة في الميدان وإلى جانبهم روسيا، ونجاحهم في تحرير حلب واستعادة أجزاء من المناطق التي كان الإرهابيون قد سيطروا عليها، مما يؤكد أن جهود الائتلاف الغربي - العربي باءت بالفشل، واللافت أن أغلب أعضائه لم يستطيعوا أن يحصدوا أي نتائج إيجابية في أعمالهم ضد الإرهاب.
وإن ضم الناتو إلى التحالف، هو عمل رمزي لإظهاره قويا بعد فشله المتكرر في مواجهة داعش، وبحسب رأي أحد كبار المسؤولين الروس، إن هذا الانضمام جاء بعد فشل أعضاء التحالف في تحقيق اي إنجاز ضد داعش.
في الحقيقة يجب الإذعان أن النجاحات التي تحققها روسيا إلى جانب محور المقاومة في سوريا، أثارت قلق الائتلاف الغربي بقيادة أمريكا، وأشعرته بالضعف، ولهذا السبب جاء الإصرار على حلف الناتو للإنضمام، بغية المحافظة على الائتلاف وترهيب منافسيه.
2- نوايا ترامب الإستغلالية
على مشارف الإنتخابات الأمريكية، توجهت الأنظار إلى مدى تأثير أمريكا ومشاركتها في دول المنطقة، وكان لذلك تأثير على نتائجها، وإن فشل التحالف الغربي - العربي أدى إلى إضعاف جبهة ترامب، لذلك أصر الأخير على انضمام الناتو إلى التحالف، ليظهر عزمه على حل المشاكل في المنطقة، ويعطي المحيطين به أملا بتحقيق مطامعهم.
وإن انضمام منظمة عسكرية كحلف الناتو للتحالف الدولي، هو شكل من أشكال الإستعراض أمام محور المقاومة لتغطية الفشل في تحقيق الأهداف. وإن ترامب أظهر للعالم أنه رئيس يبذل كل جهوده في التنسيق من أجل مواجهة داعش، وبالتالي إن أي فشل في هذا المجال سينسب اليه. ويريد أيضا من خلال ذلك أن يوصل رسالة الى روسيا مفادها أن ظروف انتصارها لم تعد متوفرة كما كانت في السابق.
مع ذلك، يبدو أن ترامب لم يحسبها جيدا في هذا المجال، فإن عدم مشاركة الناتو في المواجهات البرية، هو دليل واضح على عدم تطور قوة الائتلاف. وهو في الوقت نفسه يسعى إلى توريط الدول الاوروبية في نزاعات المنطقة، وقد أعلن مرارا أن أمريكا لن تتحمل لوحدها تكلفة أمن العالم وأوروبا. وإن جلب الناتو الى هذه الأزمات والحديث حول مديونية الدول له ولأمريكا، يعزز ذلك.
3- المواجهة بين الناتو وروسيا
منذ بدء الأزمة الأوكرانية ومسألة شبه جزيرة القرم، باتت العلاقات غير متوازنة بين روسيا والناتو، وتصاعدت الخلافات بينهم. الآن وبعد تطور المنافسة بين روسيا والغرب في منطقة الشرق الأوسط، باتت النجاحات الروسية على حساب الائتلاف الغربي تعد استعراض عضلات روسي أمام أوروبا وحلف الناتو. وإن ذلك ساعد ترامب ومن معه على جلب الناتو إلى الساحة. ومع وجوده اليوم يوجه الائتلاف رسالة مضمونها أنّ على روسيا مواجهتهم مجتمعين في الخلافات الاوروبية، وأن الولايات المتحدة بإمكانها تشكيل هذا التحالف في مواجهة روسيا أيضا.
اللافت أن وزير الخارجية الروسي أظهر قلقه من دخول الناتو إلّا أنه تحدث فقط عن تعميق الخلاف مع أوروبا حول المسائل المتعلقة بأوكرانيا. وهذا لم يكن خارج تصور الناتو، وإن اشتراطهم عدم المشاركة البرية جاء نتيجة الخوف من مواجهة وجها لوجه مع القوات الروسية في الشرق الأوسط.
بالتالي يمكن القول أن تشجيع الولايات المتحدة، بسبب غايات مختلفة، للناتو من أجل الانضمام إلى تحالفها، لا يمكنه أن يحقق مطامعها، وروسيا ستكون الفائزة في المعركة الراهنة.
أمور يجب التنبه إليها في الدعاء
الأمور مهمة جداً وأحببت أن أركّز عليها:
الأمر الأول ـ وهو أمر إذا حصل خطأ بالفهم؛ يعني بالمفهوم لدينا نقع في إشكالية كبيرة جداً. وهو أنَّ الدعاء ليس بديل العمل. لننتبه جيدا لأن البعض من الناس ربما يدخلون الناس بشكل خاطئ في هذا الاتجاه. الدعاء ليس بديل العمل وإنما هو مكمّل للعمل.
الدعاء قبل العمل. قبل ما تعمل العمل الذي تتجه للقيام به. بعد لحظات أتكلم بالتفاصيل: تطلب من الله أثناء العمل، تطلب من الله بعد العمل، تطلب من الله التوفيق. الدعاء يواكب العمل: قبله ومعه وبعده، ولكنه ليس بديلا من العمل.
مثلاً، موضوع طلب الرزق. الله سبحانه وتعالى ما قال إقبعوا في البيوت ودعوني حتى أرزقكم. لا يوجد نبي جاء بهذا الكلام؛ أبداً. هذا غريبٌ عن أنبياء الله عز وجل وعن رسالات الله عز وجل. بل دائماً: إطلب، إسعى، اعمل، إكدح؛ والكادح من أجل عياله كالمجاهد في سبيل الله عز وجل. لذلك نجد أن كل أنبياء الله عز وجل باشروا العمل بأيديهم: منهم من عمل بالزراعة، ومنهم من عمل بالتجارة. ومنهم من كان نجارا، ومنهم من كان راعيا يرعى الغنم. هكذا هي المهن التي كانت متوفرة في تلك الأزمنة. أحد الأنبياء كان يصنع سيوف ويصنع دروع مثل داوود (عليه السلام).
النبي داوود كان ملكا وكان يصنع دروعا من الحديد. في كل الأحوال، ليس هناك شي إسمه: إجلس في البيت وأدعو الله. أو أجلس في المسجد وأغلق الباب على نفسك: تصوم وتصلي وتقرأ القرآن ثم تدعو الله فينزل عليك الرزق في "السلة" من السماء.
هذا غريبٌ عن الإسلام وعن الأديان الإلهية. بل نحن مأمورين بطلب الرزق؛ بالسعي، بالعمل: بالزراعة، بالتجارة، بالصناعة، بالكد، بأي شيء يدرّ على الإنسان رزقاً من أجل نفسه ومن أجل عياله. وأيضاً نحن مأمورون بإدارة مالنا بطريقة موضوعية وعلمية وواقعية يعني، ما نسميه اليوم " الاقتصاد" يعني، حرمة الإسراف حرمة التبذير. ليس مسموحا لصاحب المال أن ينفق ماله في ليلة واحدة ثم يجلس ويطلب من الله أن يرزقه.
لذلك ورد في بعض الأحاديث الشريفة من المفيد أن اقرأ الحديث التالي، لان هاهنا أمر مهم يشير إلى حالة من الحالات؛ ممن لا يستجاب لهم: رجل جالسٌ في بيته يقول يا رب ارزقني، فيقول الله له:" ألم آمرك بالطلب ". ألم أقل لك إسعى واعمل كي أرزقك. الدعاء فقط لا يكفي. ورجلٌ كان له مالٌ فأفسده فيقول يا رب ارزقني فيقول له الله: ألم آمرك بالاقتصاد. فطلب الرزق يتطلب من الإنسان أن يعمل ثم يدعو الله أن يرزقه. كذلك الأمر في حالة من يكون مريضا. لا يجوز لك أصلا أن لا تعرض مرضك على الطبيب أو إذا أوصاك الطبيب بحمية ما أن تخالف وصيته أو تمتنع عن تناول الدواء الذي وصفه لك. أنا أتكلم هنا بالحلال والحرام: إذا قال لك الطبيب في شهر رمضان الصوم يضر بصحتك فلا يجوز لك أن تصوم. في بعض حالات المرض لا يجوز أن تصوم نهائيا. لا بد للمريض أن يراجع الطبيب. مع الطبيب ومع الدواء يصح الدعاء. الدعاء مكمّل للعمل. طلب العلم مثل عندما صدرت نتائج امتحانات "البروفيه" أهل الشباب الناجحين ملئوا الدنيا بالرصاص وبالمفرقعات. واقعاً كان أمرا محزنا ومزعجا جداً جداً جد هذه بين هلالين. حسنا؛ قبل امتحان البروفيه يقول لك: أدعو لنا الله أن يجعل النجاح من نصيب ولدنا. لا مانع من الدعاء من أجله، ولكن إذا هو لم يدرس ماذا ينفعه الدعاء. لا بد من أن تدرس. إذا طلبت العلم فلا بد أن تذاكر، ومن ثم ندعو. الله سبحانه وتعال ينوّر لك قلبك، ينشط حافظتك،يساعدك أن لا تنسى. لكن عليك أن تقوم بالخطوات الأولى. لا يصح أن يجلس أحدهم في المسجد ويقول: اللهم ارزقني علماً، واجعلني من العلماء ومن الفقهاء ومن العرفاء؛ مكتفيا بالدعاء فقط.
مثل آخر؛ النصر. أرضنا محتلة ها هم العرب لا يزالون يدعون على إسرائيل منذ أكثر من 65 سنة؛ خير إن شاء الله. هذا إذا دعوا ! في هذه الأيام لا أحد يدعو على إسرائيل. صار دعاؤهم في اتجاه الآخر حسنا؛ أرضك محتلة وعدوك يهددك ويريد أن ينهب مياهك والخيرات التي أعطاك إياها الله، ونفطك وغازك. إذاً، أنت ماذا فعلت: اللهم ادفع عنا هذا العدو؟ اللهم انصرنا على هذا العدو؟ اللهم أعد لنا أرضنا؟ اللهم أعد لنا أسرانا؟ حسنا؛ هناك تهديد قادم لاجتياح المنطقة، كلاَّ. اللهم ادفع عنا هذا التهديد. هذا لا يستجاب، لأن الله أمرك بالإعداد والله أمرك بالجهاد والله أمرك بالدفاع والله أمرك بالتضحية والله أمرك بالحضور في الميادين. تعد العدة وتجاهد وتدافع وتحضر في الميادين وتضحّي، فينزّل الله النصر عليك.
كذلك في حوائج الآخرة: يا رب أدخلنا الجنة، أعتق رقابنا من النار وأنت ترتكب المعاصي. هذا لا ينفع: لا تصلي، لا تصوم، لا تحج، لا تدفع زكاة أموالك؛ لا تقوم بالأعمال التي تدخلك الجنة بل بالعكس، تقوم بالأعمال التي تدخلك النار ثم تدعو الله وتقول يا رب أدخلني الجنة واعتق رقبتي من النار. هذا الدعاء لا ينفع.
فإذاً، لا في شأنٍ من شؤون الدنيا الدعاء يغني عن العمل ولا في شأنٍ من شؤون الآخرة الدعاء يغني عن العمل.
العمل مطلوبٌ على كل حال والدعاء متممٌ ومكمّل. بل ورد في بعض الأحاديث تعبير شعبي ولكن يقرب الفكرة "كالملح في الطعام". هل يوجد وجبة طعام فقط من الملح؟ هل إذا استضفت أحدا إلى الطعام تقدم له صحن ملح ؟ لا أحد يأكل ملح فقط. ولكن إذا قدمت له طعاما غير مملح فإنه سيطلب منك " رشة ملح". بالمثل يجب أن نعمل كي نرفعه بالدعاء؛ ندعمه بالدعاء.
فإذاً، النقطة الأولى بهذا العنوان هو أهمية العمل.
النقطة الثانية، أن لا ندعو الله سبحانه وتعالى فيما يكرهه. المعاصي مثلا. هذا الآن موجود حتى على ألسنة الناس العاديين. تسمع أحدهم يقول للآخر: لا بأس لو مزحنا؛ غدا نريد أن نسرق " مصرفا"؛ لو تدعو الله الليلة عسى الله أن يوفقنا. أو يقول لك مثلاً: إذا أردنا أن نسرق "مصرفا" فهل يجوز أن ندعو الله للتوفيق ؟ أو: نريد أن نقتل فلان بغير حق فادعو لنا الله أن يوفقنا فنقضي علية بضربة واحدة. ومثل ذلك من يريد أن يفتن بين الرجل وزوجته، وهكذا. هذا لا يجوز. التقرب إلى الله والتوجه إليه لا يكون بما هو مبغوض إليه أو مكروه لديه. ثالثا: لا تدعو بما لا يكون أو يخالف الحكمة الإلهية أو السنن الطبيعية إذا قلت: الله سبحانه وتعالى يطلب من عباده أن يدعوه: " أدعوني استجب لكم "فربما أحدهم يقول لك: أنا دعوته بالأمر الفلاني فما استجاب لي. ماذا دعوته؟ يا رب بحق ليلة القدر التي تقضي فيها وتقدّر اجعل السماوات السبعة ثمانية ؟! هذا تضييع وقت.
النظام الكوني قام على سبع سماوات. الله خلق سبع سماوات؛ هذه هي حكمته. أو مثلاً: يا رب أقم الساعة الآن. الآن أقمم القيامة على البشرية. الحكاية على مزاجك أنت ؟!. أو مثلاً: يا رب ابعثني نبياً فأنا عبدك الذي يحبك ويطيعك؛ ابعثني نبياً في هذا الزمن. الله بمشيئته ختم النبوة، وأنت تطلب منه أن يتخذك نبيا ؟ّ!
طبعاً. في هذا الزمن هناك ناس من يدعي لنفسه النبوة، وهناك من يدعي الإمامة ! على كلٍ؛ أن لا يدعو بما لا يكون أو بما يخالف الحكمة الإلهية والسنن الكونية. البند الرابع مهم جداً أيضاً، وهو عدم الاستعجال: أنه ليس بمجرد أن طلبنا من الله يعني أن الاستجابة ستقع غدا أو بعد غد. وهذا لا يتنافى مع الإلحاح بالطلب. الإلحاح شيء وعدم الاستعجال شيء آخر. الإلحاح مطلوب. الله سبحانه وتعالى يحب أن يسمع صوت عبدهُ؛ يحب أنَّ يلح عبده عليه في الطلب. ولكن عدم الاستعجال، بمعنى أن لا أشعر باليأس أو أمتنع عن الدعاء مجددا،إذا لم يحصل غدا ما طلبت. لأنَّ عدم الاستجابة قد يكون لها ظروف ومعطيات مختلفة: من أهمها أن الله سبحانه وتعالى كريم وجواد، لكن هو أيضاً لطيف رحيمٌ بعباده وخبيرٌ بعباده، يعرف ما يصلحهم؛ ما يصلح لهم في الدنيا وما يَصلح لهم ليكونوا من أهل الآخرة.
مثلاً، أنا قد أطلب مالا، لكن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لو أعطاني هذا المال لفسدت وفسدت عائلتي ولأنفقت هذا المال في المعاصي وليس في عمل الخيرات فيحجب عني هذا المال، لأنه يريد صلاحي في الدنيا وفي الآخرة. الله سبحانه وتعالى قد أطلب منه الرئاسة فيحجب عني هذه الرئاسة لإنه يعرف أن قلبي ضعيف وإذا صرت رئيسا سأغتر بالدنيا؛ بجاهها وزخارفها. وقد أظلم وأطغى وأكون من أهل جهنم. لذ ورأفةً بي الله سبحانه وتعالى لا يعطيني الرئاسة.
الله سبحانه وتعالى يعرف ما يَصلُح لعبده؛ لدنياه ولآخرته. قد أكون الآن مريضا فأطلب من الله شفاء. الله يعلم أن مصلحتي خلال السنتين أو الثلاثة، في أن أبقى مريضا. وأنني لو عوفيت سأقوم بأعمال سيئة: أقتل فأدخل السجن، وفي ألآخرة سيكون مصيري إلى جهنم. الله يعلم، فلذلك يجب أن لا أعجل على الله، والله لا يعجل لعجلة العباد. وإنما أطلب من الله سبحانه وتعالى ما هو حلالٌ، ما هو مطلوبٌ وما هو مرغوبٌ وألحّ بالطلب وأسلّم لله عز وجل؛ أسلّم له وهو الذي يختار ما فيه صلاحي في الزمان والمكان المناسب.
* سماحة السيد حسن نصر الله حفظه الله




























