Super User

Super User

عثر علماء في ألمانيا على نسخة من القرآن الكريم تعود إلى القرن السابع الميلادي، وكانت قد وصلت إلى مكتبة جامعة «توبينغن» في العام 1864، ويُعتقد أنها خُطت بعد وفاة الرسول محمد(ص) بحوالي 20 إلى 40 عاماً. وذكرت جامعة «توبينغن» الألمانية أمس الأول ان النسخة الموجودة في مكتبة الجامعة «أقدم مما كان العلماء يعتقدون عند اكتشافها»، حيث اعتقدوا بداية أنها كُتبت في القرن الثامن أو التاسع الميلادي، إلا أنهم أصبحوا يرجحون الآن أنها تعود إلى فترة صدر الإسلام.

وفحصت عينات من المخطوطة خلال مشروع بحثي عالمي، يحـاول الباحثون خلاله تتبع تاريخ كتـابة القرآن على وجه الدقة. وأوضحت متحدثة باسم الجامعة أن مخطوطة المصحف التي عثر عليها «كتبت بالخط الكوفي»، وهو أحد أقدم خطوط اللغة العربية، مشيرة إلى أنه «من الممكن مبدئياً معرفة عمر نصوص القرآن من خلال دراسة خصوصيات المخطوطة، والاستعانة في الوقت ذاته بالطرق الفيزيائية، للتحقق من مدى مطابقة النتائج». وقالت المتحدثة باسم الجامعة «نعتقد بأن هذه المخطوطة هي الأقدم لدينا».وكانت هذه النسخة من القرآن وصلت إلى مكتبة الجامعة في العام 1864، عندما اشترت جزءاً من مجموعة الكتب الخاصة بالقنصل البروسي يوهان غوتفريد فيتس شتاين.

 

السبت, 18 نيسان/أبريل 2015 03:02

"إسرائيل" تضلّل الحجاج المسيحيين

يفضح فيلم «الحجّ المحرّم» الوثائقي للمخرج والمؤلف الموسيقي الفلسطيني أحمد ضامن، تضليل إسرائيل الحجاج المسيحيين الآتين لزيارة الأراضي المقدسة من كل بقاع العالم، والذين يصل عددهم إلى أكثر من مليوني مسيحي. والفيلم يستقصي بشكل درامي– وثائقي كيف ترسم وزارة السياحة الإسرائيلية بالتعاون مع شركات السياحة الإسرائيلية خططاً سياسية واقتصادية عنصرية للترويج لزيارة «مسارات الحج المسيحي» في فلسطين المحتلة عبر العالم، وكيف ترسم مساراً يمنع السائح/ الحاج من التواصل مع أي من السكان الفلسطينيين في بيت لحم والقدس والناصرة، وكيف تضلّلهم بتحديد أماكن الزيارة التي تريدها هي وتخدم مصالحها. وعبر مقابلات مع رجال دين مسيحيين فلسطينيين، وصاحب شركة سياحة وسفر من بيت لحم، ورجل دين بريطاني زار الأراضي المقدسة مع إحدى الشركات الإسرائيلية، يكشف الفيلم كيف تزرع إسرائيل الرعب في نفوس هؤلاء الحجاج خوفاً من نشوء علاقة ولو قصيرة جداً مع سكان البلد الأصليين وأصحاب الأرض، وخوفاً من إخبارهم عن «إنجازات» الدولة الإسرائيلية بحق أصحاب الحق. ويكشف نوعاً جديداً من اضطهاد المسيحيين في القرن الحادي والعشرين في مهد المسيح، ويحاول مقارنته مع فترة الاضطهادات الأعنف في القرن الثاني الميلادي ضد المسيحيين الأوائل. وهنا يلعب المخرج لعبة ذكية باختياره البدء بمشاهد تمثيلية لأوريغانوس، أو أوريغون، أحد آباء الكنيسة في الجبال والصحراء الفلسطينية، حيث هرب وتعقّب خُطى المسيح مقاوماً كل أنواع التعذيب والعنف المعنوية والجسدية، ووصل به الأمر الى الصلاة بالأقبية وفي الخفاء حتى وافته المنية. ومن هذا الباب الدرامي التاريخي يدخل أحمد ضامن إلى التاريخ الحديث والشكل الجديد للاضطهاد، غامزاً الى أن محاربة اليهود للمسيحيين بدأت منذ فجر التاريخ وليست مسألة جديدة. من بيت لحم يطلّ فادي قطان صاحب إحدى الشركات السياحية ليُخبرنا أن دولة الاحتلال «تمثّل» أنها تسمح بممارسة الشعائر الدينية وأنها دولة ديموقراطية، لكنها تمنع المسيحيين الفلسطينيين من زيارة الأماكن المقدسة. و «في حال سمحت للبعض منهم بالدخول في فترة الأعياد المسيحية، تتقصّد «نسيان» إعطاء أذون للأم مثلاً التي من المفروض أنها ستأتي برفقة عائلتها كلها. ومن المعروف أن العائلة أمر مقدس في المسيحية وأن الأعياد ومثل هذه الزيارات تتم بوجود شمل عائلي، لذا عندما لا يعطون إذناً لأحد أفراد العائلة الواحدة، فهم إما ينغّصون على العائلة زيارتها وعيدها، أو يمنعون الجميع من دخول الأراضي المقدسة بطريقة غير مباشرة، وهذا -وفق الفيلم- يدخل في الاضطهاد المعنوي.

ومن بيت لحم والناصرة والقدس وجنين وغيرها، يأخذ صاحب الفيلم آراء مطارنة ورجال دين بحرمان أهل البلد من هذه الزيارات، فيسجلون اعتراضهم الساخط، لكن ما يدلي به الأب البريطاني الدكتور ستيفن سايرز، مؤلف كتابَي «خطى المسيح والحواريين» و»المسيحية الصهيونية»، هو ما يؤجّج الغضب الأعرم في نفوس أي مشاهد، إذ يقول سايرز: «تستغل وزارة السياحة الإسرائيلية المناطق الفلسطينية للتنقيب، لأهمية مواقعها الأثرية والتاريخية في الكتاب المقدس، وتُظهر خرائط لا تظهر الحدود الدولية أو الخط الأخضر، وتعتبر أن الجولان والضفة الغربية هما جزء من إسرائيل». ويدعّم أحمد ضامن هذا الكلام بإعلان مصوّر لوزارة السياحة الإسرائيلية يعرض في كثير من بلدان العالم بعنوان «إسرائيل... رحلة حميمة إلى الأرض المقدسة». ويقول الإعلان حرفياً: «إسرائيل المكان الوحيد في العالم الذي تستطيع فيه تتبّع خُطى المسيح. جميع الحقوق الدينية لكل المعتقدات محمية في سائر البلاد. القدس أيضاً تولد من جديد كعاصمة دولة إسرائيل الديموقراطية». وقد قصد ضامن عرض هذا الإعلان كاملاً، ليؤكد أن إسرائيل لديها أجندة لإبراز رواية إسرائيلية حول الأرض المقدسة، وليُبرهن كيف تتضمن رحلات الحجاج زيارة مواقع مرتبطة بالتاريخ الإسرائيلي إضافة الى مناطق تؤكد حاجة إسرائيل للأرض، بحجة الأمن، وبالتالي تمسكها بأراض سرقت من الفلسطينيين. وهذا الأمر الذي أكده د. سايرز، يدعّمه ضامن بمواد أرشيفية غنية ومتنوعة مختارة بعناية ومواد فنية، مثل الغرافيك والموسيقى التي ألّفها بنفسه وتحفر على الوتر الحساس. ما يجعل المشاهد يتساءل: لمَ يسكت الفاتيكان عن تشويه مسار المسيح وتضليل أبناء الكنيسة؟ ولماذا لا يتطرق الإعلام لهذه القضية وقد أفرد الفيلم مساحة جيّدة لمدينة الناصرة، التي يستثنيها الإسرائيليون من زيارة المقدسات أو يقصرون زيارتها على 45 دقيقة، في حين أن المدينة ذات قدسية مهمة في الديانة المسيحية، حيث بشّر جبريل السيدة مريم بولادة المسيح، الذي أمضى فيها طفولته. وذلك خوفاً من أي تواصل بين الزوار الأجانب والعرب في المدينة. في المقابل يؤكد د. سايرز أنه عندما يذهب الحجاج الى متحف المحرقة الذي تضعه وزارة السياحة وشركاتها الإسرائيلية على «مسارات الحج» المزعومة، «يقول المرشد الإسرائيلي: انظروا ماذا فعل الألمان باليهود... أتُدركون لماذا نحتاج الأمن؟». ويضيف الأب والمؤرخ: «عادة تكون هذه الزيارة في اليوم الأول من رحلة الحج، حتى يتعرض الحجاج لصدمة ويصمتون عن انتقاد إسرائيل». ثم يكشف د. سايرز أن المرشدين الإسرائيليين في القدس يوزّعون قصاصات لمَن يسأل عن الفلسطينيين يكتب عليها اقتباس لغولدا مائير تقول فيه: «الفلسطينيون غير موجودين. هؤلاء عرب يمكنهم العيش في أي مكان آخر»... «الحج المحرّم» غني بالمعلومات والأحداث والصور حول هذا الموضوع وغني بالشهادات، ناهيك بأن نوتات العود وأنغام الموسيقى التي كتبها ضامن من قلب موجوع وصوت يتألم على تاريخ وحضارة عظيمين، هي الأجمل في الفيلم. ولا ننسى أن هذا الشاب يبدو مهووساً بالموسيقى، وخصوصاً العود، منذ الثانية عشرة من عمره، وألّف موسيقى تصويرية لأكثر من 12 فيلماً وثائقياً ودرامياً. كما حاز فيلمه الأول «الحجر الأحمر» اهتمام النقاد والمهرجانات الدولية، وحاز ثناء من لجنة تحكيم مهرجان «تورنتو فلسطين الدولي»، كما مثّل فلسطين في مهرجانات دولية، منها روتردام وإسطنبول. والحال أن ما ينقص الفيلم أن ينزل إلى الشارع متتبّعاً الحجاج العرب والأجانب وهم يمارسون شعائرهم، لنعرف آراءهم وما إذا كانوا يدركون أو يشكّون بما تمارسه عليهم شركات السياحة والوزارة من تضليل واضطهاد؟ كما كان في وسع الفيلم أن يقتصر على موضوع الحجّ حصراً دون التطرق إلى مسألة اضطهاد رجال الدين والكنائس، لكونه أمراً شبه يومي في إسرائيل، ولأنه لم يغن الموضوع الأساسي، بل شتّت الفيلم لدقائق، ولو معدودة.

 

الأربعاء, 15 نيسان/أبريل 2015 07:18

الهند بين العرب وإسرائيل

تعتبر الهند من أهم الدول نمواً اقتصادياً، فهي القوة الاقتصادية الثالثة عالمياً من حيت القدرة الشرائية. يبلغ عدد سكانها نحو ١.٣ مليار نسمة ما يجعلها ثاني أكبر الدول كثافة بعد الصين، هذان البعدان الاقتصادي والديمغرافي يسمحان لها بتأثير سياسي كبير في العالم. الهند المتشبثة بحضارتها وهويتها ترفض كل أشكال الاستعمار، فتميزت سياستها الخارجية بمنهج قومي راديكالي منذ الاستقلال عام 1947.

وقد جمعها مع الدول العربية المستقلة حديثاً السعي الدائم للاستقلال ودعم السياسات والحركات المعادية للاستعمار والإمبريالية. تجلى ذلك بكل وضوح من خلال التنسيق مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في عهد الزعيم الهندي جواهر لال نهرو، وتأسيس حركة عدم الانحياز بغية مساعدة الدول المستعمرة على تحقيق استقلالها الذاتي وتقرير مصيرها واحترام سيادتها.

هذه المبادئ المؤسسة والتقارب مع العرب، دفعا الهند الى رفض الاعتراف بإسرائيل، كما ان انديرا غاندي كانت في طليعة المعترفين بمنظمة التحرير الفلسطينية ودعمتها واعتبرتها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. لكن سياسة الهند التي تقاربت كثيراً مع العرب منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، شهدت انتكاسات متتالية منذ التسعينيات وذلك بسبب عدم إيلاء العرب الأهمية الفعلية لهذا الدول المرشحة لأن تصبح الدولة الاقتصادية الأولى في العالم، كما ان حل الجمهورية العربية المتحدة وتراجع الحركات والمنظمات القومية العربية وقيام منظمة التعاون الإسلامي عام 1969، أسباب باعدت بين الهند والعرب خصوصاً في ظل تنامي الحركات الإسلامية المتطرفة. وجاءت معاهدة كامب ديفيد ثم مؤتمر مدريد للسلام فالمعاهدات العربية الإسرائيلية لتزيل من أمام الهند كل عائق للتطبيع مع إسرائيل...
برز التناقض جلياً في السنوات اللاحقة بين الهند ذات النظام الجمهوري الديمقراطية والمبادئ الاشتراكية والعلمانية، وبين دول ثيوقراطية ترتكز إلى الشريعة الدينية والشمولية السياسية. ووجدت الهند أن دولة عربية كبيرة هي المملكة العربية السعودية تذهب بعيداً في دعم باكستان، ما شجع حركات إسلامية متطرفة على التحرك اكثر في الداخل الهندي. عزز ذلك شعور نيودلهي بأن التقارب مع إسرائيل قد يكون اكثر فائدة لها، خصوصاً في صراعها مع باكستان لا سيما وأن إسرائيل دعمتها في قضية كشمير وعقدت معها اتفاقيات عسكرية وتقنية واقتصادية استراتيجية بالغة الأهمية. ووصل الامر الى تبادل الخبرات العسكرية وتدريب مشترك لتصبح الهند اليوم أول المستهلكين للمعدات العسكرية الإسرائيلية المتطورة. ومؤخراً أبرم البلدان اتفاقاً اقتصادياً يمكن الهند من الاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية في القطاع الصناعي في مقابل أن تفتح هذه الأخيرة اسواقها المحلية للاستثمارات الإسرائيلية، حيث بلغ حجم التبادل التجاري لعام ٢٠١٢ ما يقرب من الـ ٦ بليون دولار أميركي.
بالرغم من ذلك فإن الهند التي طورت سياستها الخارجية حيال اميركا وانفتحت على محاولات التقرب الأميركي منها، نحت صوب عقلانية أكثر في إعادة العلاقات جيدة مع الدول العربية، خصوصاً بعدما شعرت ان تقارب السعودية مع باكستان قد يكون ذا اهداف إيرانية اكثر من أي شيء آخر. بدا ذلك واضحاً في خلال موقف باكستان الأخير بمساندة السعودية في اليمن. كان من نتيجة ذلك ان الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز قام بأول زيارة الى نيودلهي عام ٢٠٠٦ بعد خمسين عاماً من تجميد العلاقات بين البلدين. ارتكزت العلاقات المستجدة إلى المصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة، خصوصاً أن المملكة هي المورد النفطي الأساسي للهند إضافة إلى الحجم الكبير لليد العاملة الهندية في السعودية والخليج، وتقول الاحصائيات إن أكثر من ١.٤ مليون هندي يعملون في السعودية وحدها وأكثر من ٦ مليون في العالم العربي. يساهم هؤلاء في تدفق أكثر من ٣٥ بليون دولار سنوياً إلى الداخل الهندي. هذا الواقع دفع بالهند إلى اعادة النظر بعلاقتها مع العرب، والتروي وتخطي الكثير من العقبات رغم تعارض المصالح وابتعاد الأفكار. في الخلاصة، قادت سياسة العرب غير المسؤولة إلى ابعاد الهند ورميها في الحضن الإسرائيلي بعد ان أجبرتها هذه السياسة على التخلي عن صراعها المبدئي ضد الاستعمار وإعادة النظر بعلاقتها مع الغرب خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث حقق لها هذا التقارب الكثير من المكاسب بعد ان تحولت علاقتها مع العرب إلى خطر حقيقي يهدد أمنها القومي.

ساره صفا - باحثة لبنانية ــ باريس

احتلت منظومة «أس 300» التي ستسلمها روسيا لإيران صدارة الاعلام العبري. فتزوّد إيران بوسائل دفاعية متطورة لا يعني فقط إنهاء قدرة التهديد الإسرائيلية لطهران، بل ما هو أخطر: «قطار صفقات» دولية لمصلحة إيران، وإطلاق يدها في المنطقة.

خطوة تل أبيب الأولى خارج إطار «الصراخ» الكلامي جاءت بمبادرة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي بادر إلى الاتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتن، معرباً له عن استيائه وإسرائيل من قرار تزويد إيران بمنظومة صواريخ «أس 300».
ونقل عن نتنياهو قوله إن «هذه الخطوة ستزيد فقط من عدوانية إيران في المنطقة، وستقوّض الأمن في الشرق الأوسط».
ولفتت وسائل الاعلام العبرية إلى أن رد الفعل الروسي كان «بارداً»، وبحسب تعبير موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن البيان الصادر عن الكرملن حول المحادثة الهاتفية بين الجانبين جاء عاماً جداً، مشدداً على ما سمّاه «عرض وجهات النظر»، العبارة التي تعني أنهما لم يتوصلا إلى اتفاق حول هذه المسألة، خاصة أن البيان الروسي كشف ردّ بوتن على استياء نتنياهو وتأكيده أن منظومة «أس 300» ليست إلا «منظومة دفاعية ولا تشكل خطراً على أي بلد في المنطقة، بما يشمل إسرائيل».

بدوره، أعرب وزير الأمن، موشيه يعلون، عن قلقه الشديد من الخطوة الروسية، وأمل أن تتيح الفترة المقبلة إمكان إصلاحها، محذراً من أن خطوة كهذه تعدّ سيئة جداً لإسرائيل وللمنطقة، لأن «إيران تواصل التسلح والتسليح لكل من هم في محيطنا».

وأكد يعلون أن «هذه الصفقة التي وقّعت بين الدولتين (إيران وروسيا) هي نتيجة مباشرة لاتفاق الإطار بين إيران والدول الكبرى»، لافتاً إلى أن «إيران تسلح حزب الله في الشمال، وتدعم القتال في سوريا، وتنقل السلاح إلى مناطقنا بهدف فتح جبهة في الجولان. وكل ذلك يعكس النيات الإيرانية... وهذا الأمر مقلق جداً، وأنا آمل أن يكون الوقت لا يزال متاحاً لإعادة إصلاحه في الأشهر المقبلة».
وفي ردّ على الطريقة الشرق أوسطية، أعربت محافل أمنية إسرائيلية لموقع صحيفة «معاريف» عن تقديرها أن إسرائيل ستعمد بالفعل إلى تزويد أوكرانيا وجورجيا بأسلحة، رداً على إعلان روسيا أنها رفعت الحظر عن صفقة «أس 300» لإيران، مشيرةً إلى أن الأسلحة المنوي تزويد كييف وتبليسي بها هي صفقات كانت إسرائيل جمّدتها جراء اتفاق متبادل قبل سنوات مع روسيا، تمتنع بموجبه موسكو عن تزويد طهران ودمشق بأسلحة متطورة.
والأمل بإمكان إصلاح الخطوة الروسية، كما عبّر يعلون، لم ينعكس في الاعلام العبري أمس، الذي تعامل مع الخطوة الروسية وكأن الصفقة أبرمت وجرى بالفعل تسليم المنظومة لإيران، إذ ركزت وسائل الاعلام الإسرائيلية على نعي قدرة تل أبيب، بل وأيضاً واشنطن، على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية في المستقبل، وحذرت من تداعيات الصفقة على ميزان القوى في المنطقة، الذي بات يميل لمصلحة الإيرانيين، بعد أن أقدمت موسكو على كسر الباب المغلق أمامهم باتجاه العالم، حتى قبل توقيع الاتفاق النووي معها.
وأشارت صحيفة «معاريف» إلى أن القرار الروسي فاجأ إسرائيل وفاجأ أيضاً الولايات المتحدة، لافتةً إلى أن خطوة موسكو تنطوي على أربع خلاصات يجب الوقوف عندها: إنها خطوة أولى من شأنها أن تفكك نظام العقوبات القائم على إيران قبل توقيع الاتفاق النووي معها. وإنها خطوة تصعب كثيراً القدرة الإسرائيلية والأميركية على شنّ هجوم جوي على منشآت إيران النووية، إن لم تجعل منها مهمة مستحيلة. كذلك إنها تشير إلى أن روسيا غير مستعدة لخسارة إيران التي تنظر إليها باعتبارها ذخراً لها في الشرق الأوسط. وأخيراً الخطوة الروسية تؤكد من جديد أنه رغم السياسة التصالحية لتل أبيب تجاه موسكو، إلا أن التأثير الإسرائيلي لا يزال هامشياً بالنسبة إلى الروس في ما يتعلق بإيران.
صحيفة «يديعوت أحرونوت» أشارت إلى ضرورة التريث وانتظار التوضيح الروسي حول أي طراز من منظومة «أس 300» تنوي بالفعل تزويد إيران بها، رغم تأكيد الصحيفة أن أي نوع من هذه المنظومة سيحدّ من قدرة الخيارات الإسرائيلية على شنّ هجوم ضد إيران. وبحسب الصحيفة، يوجد تقدير بأن الأزمة الروسية في أوكرانيا هي الدافع الأساسي وراء هذه الصفقة، و«هناك من يرى أن القرار غير نهائي ويهدف فقط إلى فحص ردود فعل الغرب وبثّ رسالة تهديد على خلفية الوضع في أوكرانيا»، علماً بأنه بالنسبة إلى إسرائيل، تؤكد الصحيفة، فإن القرار الروسي يعدّ بداية انهيار نظام العقوبات والقيود المفروضة على إيران.
ونقلت الصحيفة عن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية خشيتها من إمكان أن يؤدي الاتفاق النووي مع طهران إلى سباق تسلح إيراني، إذ من شأن الاتفاق أن يفتح الباب العريض أمام الشركات الغربية للقيام بخطوات مماثلة للخطوة الروسية، وذلك في مجالات حساسة أخرى، كما هي الحال في مجال السايبر والتكنولوجيا المتطورة والأسلحة الدقيقة.
بدورها، وصفت صحيفة «هآرتس» «انتقال» صواريخ «أس 300» إلى إيران بـ«العائق المقلق» أمام أي هجوم مستقبلي على المنشآت النووية الإيرانية، الذي يبدو مع هذه المنظومة وكأنه غير واقعي. وأشارت الصحيفة إلى أن من شأن المنظومة الروسية أن تحسّن من وضع إيران بصورة جوهرية بعد أقل من أسبوعين على اتفاق الاطار في لوزان، «فالإيرانيون بدأوا بالفعل يتمتعون بثمار الاتفاقات التي لم تبرم بعد، وفوائد رفع العقوبات التي لم ترفع بعد».
وأكدت القناة العاشرة العبرية في نشرتها الإخبارية المركزية، أمس، أن تزويد إيران بمنظومة «أس 300» لا يقاس فقط بمدلولاته المادية الدفاعية وعملية تصعيب أي هجوم جوي ضد منشآتها النووية، بل بالقيمة المطلقة للخطوة الروسية التي قامت بكسر نظام العقوبات قبل رفعها، الأمر الذي سيليه «قطار» من الصفقات المشابهة من قبل دول في العالم تصطف لبدء العمل مع الإيرانيين، في مختلف المجالات التي تنص العقوبات الدولية عليها.

الأخبار

إثر فوز فريق المصارعة الحرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ببطولة العالم في منافسات كأس العالم للمصارعة الحرة التي أجريت مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن تغلب في النهائي على فريق الدولة المضيفة، أصدر آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية نداء بارك فيه للمصارعين الإيرانيين و مدربيهم ما حققوه من فوز. يذكر أن هذه هي المرة السادسة التي تفوز فيها إيران ببطولة العالم للمصارعة الحرة. و في ما يلي الترجمة العربية لنص النداء:


بسم الله الرحمن الرحيم

أبارك لمصارعي بلادنا العزيزة إيران و العاملين في الفريق الوطني الإيراني للمصارعة الحرة إحرازهم بطولة كأس العالم، و أشكر الله على أن أبناءنا استطاعوا تحقيق الفخر مرة أخرى لهذا الشعب الشريف على الساحة الدولية.
السيد علي الخامنئي
24 فروردين 1394

إنَّ فارسية التشيع من المواضيع التي كثر الأقوال حولها قديماً وحديثاً، وکذلک کثر الکلام حول الشعوبية وکون النزعة العدائية للعرب جاءت من قبل الشيعة، وإنّ أصحاب تلک الأقوال والکلمات هم المستشرقون ومن بعدهم تلاميذهم حيث يستهدف المستشرقون تمزيق الاُمَّة الإسلامية، ويضرب تلاميذهم على الوترنفسه ولمختلف الغايات والأهداف، وکلها تصب في محاصرة الشيعة، وفي القسم الأول من هذا الدرس نبحث موضوع رمي التشيُّع بالفارسية وأسبابه ونذکرأدلة القائلين بفارسية التشيع والإجابة عليها، وفي القسم الثاني من الدرس حيث يرتبط بالأول نبحث موضوع رمي التشيُّع بالشعوبية .

 القسم الأول: رمي التشيُّع بالفارسية([1])

لقد استدل من رمی التشيع بالفارسية بالاُمور التالية:

 الأمر الأول: إصهار الحسين إلى الفرس: لأنّ الحسين قد تزَّوج ابنة يزدجرد وهو أحد الملوك الساسانيين واسمها شاه زنان أوشهربانو فولدت له عليَّ بن الحسين الذي اجتمعت فيه الخواص الوراثية للأكاسرة وخواص الإِمامة من آبائه، فزواج الحسين على رأي هؤلاء أحد العوامل التي أدَّت إلى انتشار التشيع لأهل البيت عند الفُرس([2]).   

الأمر الثاني: التقارب في الآراء بين الشيعة والفرس:  لقد قرر المستشرق دوزي أنّ أصل المذهب الشيعي نزعة فارسية وذلك لأنّ العرب تدين بالحرية والفرس تدين بالملك والوراثة ولا يعرفون معنى الإِنتخاب ولما كان النبي صلى الله عليه وآله قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ولم يترك ولداً فعليّ أولى بالخلافة من بعده([3]). و تعقيباً على مزاعم المستشرقين في فارسية التشيع نسج تلاميذهم على منوال أساتذتهم فقلدوهم في هذا الزعم ومن هؤلاء الدكتور أحمد أمين حيث قال :« فنظرة الشيعة في عليٍّ وأبنائه هي نظرة آبائهم الأولين من الملوك الساسانيين، ...» ([4]). ويذهب الشيخ محمد أبو زهرة إلى رأي أحمد أمين ([5]).

 الأمر الثالث: أراد الفرس هدم الإِسلام: يقول أحمد أمين: الحق أنّ التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإِسلام لعداوة أو حقد ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته كلُّ هؤلاء كانوا يتَّخذون حبَّ أهل البيت سِتاراً ([6]).
 الإجابة على أدلة القائلين بفارسية التشيع

جواب الأمر الأول وهو:إصهار الحسين (ع) إلى الفرس: إنّ العلة التي ذكرها هؤلاء الكتَّاب في اعتناق التشيُّع من قبل الفرس وهي إصهار الحسين (ع) للفرس موجودة عند عبدالله بن عمر بن الخطاب، وعند محمد بن أبي بكر، فقد ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار وغيره من المؤرخين، أنّ الصحابة لما جاؤا بسبي فارس في خلافة الخليفة الثاني كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد فباعوا السبايا وأمر الخليفة ببيع بنات يزدجرد فقال الإِمام عليّ إنّ بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهنّ فقال الخليفة كيف الطريق إلى العمل معهنّ فقال: يقوَّمن ومهما بلغ ثمنهنّ قام به من يختارهنّ فقوِّمن فأخذهنَّ عليٌّ فدفع واحدة لعبدالله بن عمر واُخرى لولده الحسين واُخرى لمحمد بن أبي بكر، فأولد عبدالله بن عمر ولده سالماً، وأولد الحسين زين العابدين وأولد محمد ولده القاسم فهؤلاء أولاد خالة واُمهاتهم بنات يزدجرد([7]).

وهنا نسأل إذا كانت العلة في دخول الفرس للتشيع هي مصاهرة الحسين للفرس فلماذا لا تطّرد هذه العلة فيتسنن الفرس لإصهار عبدالله بن عمر لهم ومحمد بن أبي بكر كذلك؟ وكل من محمد وعبدالله أبناء خليفة كما كان الحسين ابن خليفة. بالإِضافة لذلك إنّ كلاً من يزيد بن الوليد بن عبدالملك واُمه شاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد ومروان بن محمد آخر خلفاء بني اُمية اُمه ام ولد من كُردِ إيران فلماذا لا تطَّرد العلة هنا أيضاً([8]).  وبالعكس لماذا لايميل العرب السنة لأهل البيت الذين اُمهاتهم عربية في حين نجد قسماً من العرب يبغض أهل البيت كالنواصب مثلاً. هذا سؤال يوجه للعقول التي تقول ولا تفكر.

جواب الأمر الثاني وهو:التقارب في الآراء بين الشيعة والفرس: وهذا القول أيضاًباطل فيما يخص الشيعة لأن الشيعة لا تعتبر الإِمامة والخلافة متوارثة کما عند الفرس، بل تذهب إلى أنّ الإِمام منصوص عليه من قبل الله تعالى عن طريق النبي صلى الله عليه وآله أو الإِمام وكتب الشيعة طافحة بذلك([9]).وليست مسألة النص على الإِمام من المسائل المتأخرة عندهم بل هي معلومة من الصدر الأول عند الطبقة الأولى وذلك لوضوح النصوص التي اعتبروها مصدرهم في مسألة الإِمامة. وللتدليل على ذلك نذكر محاورة طريفة حدثت بين الخليفة الثاني وعبدالله بن عباس وكان الخليفة الثاني يأنس بابن عباس ويميل إليه كثيراً فقال له يوماً: ياعبدالله عليك دماء البُدن إن كتمتها هل بقي في نفس عليٍّ شيء من الخلافة؟ يقول ابن عباس: قلت نعم، قال: أو يزعم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله نص عليه؟ قلت: نعم، فقال عمر: لقد كان من رسول الله في أمره ذروة من قول لاتثبت حجة ولا تقطع عذراً، ولقد كان يربأ في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرِّح بإسمه فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإِسلام فعلم رسول الله أني علمتُ ما في نفسه فأمسك([10]).

 إنّ المنع الذي أشار إليه الخليفة عمر هو عندما طلب النبي من أصحابه في ساعاته الأخيرة دواة وكتفاً وقال: عليَّ بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً فقال عمر: إنّ الرجل ليهجر وقد غلب عليه الوجع([11]).

وعلى العموم إن هذه المحاورة وأمثالها توضح رأي الشيعة في موضوع الإِمامة وأنّها بالنص وليست بالوراثة فمن أين جاء المستشرقون وتلاميذهم بنظرية الوراثة عند الشيعة .

جواب الأمر الثالث وهو: دخول الفرس في الإِسلام لإرادة هدمه: وهو ادعاء بلا دليل حيث أنَّ مؤلفات الفرس في الدفاع عن الإِسلام ومساجدهم ومؤسساتهم الدينية وجهادهم في سبيل الله كل ذلك يشكل شواهد قائمة على كذب هذه الدعوى. ولوصحَّت لشملت الفرس من إهل السُّنة، فلماذا انصبت الحملات على الفرس الشيعة فقط دون الفرس السنة.

عروبة التشيع عند الباحثين
إنَّ هناک نماذج من أقوال بعض الباحثين الذين لم يسعهم  إنكار عروبة التشيع وقد صرَّحوا به في مؤلَّفاتهم فلنقرأ بعض أقوالهم:

يقول الدكتر أحمد أمين: والذي أرى كما يدلنا التاريخ أنَّ التشيع لعليٍّ بدأ قبل دخول الفرس في الإِسلام ولكن بمعنى ساذج... ([12]).

وهذا المستشرق الألماني فلهوزن يقول: إنّ التشيع الواضح الصريح كان قائماً أولاً في الدوائر العربية ثم انتقل منها إلى الموالي([13]).

وقد صرَّح المستشرق آدم متز : إنّ مذهب الشيعة لا كما يعتقد البعض ردّ فعل من جانب الروح الإِيرانية تخالف الإِسلام فقد كانت جزيرة العرب شيعية كلها عدى المدن الكبرى كمكة وتهامة وصنعاء. وكان للشيعة غلبة في بعض المدن مثل عمان وهجر وصعدة وفي بلاد خوزستان التي تلي العراق فكان نصف أهلها على مذهب الشيعة، أما إيران فكانت سنية عدى قم وكان أهل أصفهان يغالون في معاوية حتى اعتقد بعضهم أنّه نبي مرسل ([14]).

بعد استعراض هذه المقتطفات من أقوال الباحثين التي تؤكد عروبة التشيع في طابعه العام في نفس الوقت الذي لا تنفي امتداد التشيُّع إلى جنسيات وقوميات اُخرى وهي في موضع احترام وتقدير ولها أدوار ومواقف في مختلف مراحل نموالتشيُّع وتطوره،وما أروع كلمة الإِمام عَلِيّ بْن الْحُسَيْنِ (ع) حيثُ سُئِلَ عَنِ الْعَصَبِيَّةِ فأجابَ: «الْعَصَبِيَّةُ الَّتِي يَأْثَمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا أَنْ يَرَى الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْمٍ آخَرِينَ وَ لَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبُّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ وَ لَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ» ([15]).

أئمة الشّيعة هم سادة العرب
إنّ أئمة الشيعة الإِثني عشر ابتداءً من الإِمام عليٍّ (ع) حتى الإِمام الثاني عشر محمد بن الحسن (ع) الذين تعتبرهم الشيعة الإِمتداد الطبيعي للنبوة هم سادة العرب ومن صميمهم وبيت هاشم كما هو المعروف هو من أشرف البيوتات العربية. ويأتي بعد ذلك الرواد الأوائل للشيعة في المدينة المنوَّرة، واليمن ثمَّ الکوفة وحتَّی بعض مدن إيران قد إنتقل إليها التشيع عن طريق العرب کمدينة قم حيث هاجر إليها الأشعريون أوآخر القرن الأول وروَّجوا فيها التشيع.

 و من حملة علوم أهل البيت وبيوتات واُسر الشيعة الذين حملوا التشيع وبشروا به فإنّهم کانوا من صميم العرب وذلك ابتداءً من أقطاب مدرسة الإِمام الصادق (ع) مثل أبان بن تغلب بن رباح الكندي، وبيت آل أعين، وبيت آل حيان التغلبي، وآل عطية، وبني دراج وغيرهم([16]). ثمَّ الطبقة التي تلي هؤلاء كالشيخ المفيد محمد بن النعمان، والشريف المرتضى علم الهدى عليّ بن الحسين، والعلامة الحلي جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر، واُسرة آل طاووس، والشهيد الأول محمد بن مكي والشهيد الثاني زين الدين العاملي وغيرهم فإنّ كل هؤلاء من صميم العرب ([17]).

 إيران بين السنة والشيعة
لودرسنا تاريخ المذاهب الإسلامية لرأينا أنّ المذاهب السنية بكل أبعادها مدينة للفرس في الأعم الأغلب، ومع هذا لا أحد يتَّهمَهُم بالتسنن الفارسي،  فلنبحث هذا الموضوع من خلال دراستنا لتاريخ إيران بعد الإسلام حيث تُمثِّل البلد الأکبر لبلاد الفُرس، وهي سابقاً کانت من البلاد السنية وهي الآن تعتبرمن أکبر وأکثر البلاد علی مذهب التشيع، وهي بقدر مالها من تأثيروعطاء للشيعة کان لها التأثير والتطويروالعطاء لمذاهب التسنن التي کانت تدين بها في وقته، ولذا کان من الضروري معرفة تاريخ إيران بعد دخولها إلی الإسلام وبالتحديد ينبغي أن نعرف أين موقع سكانها من المذهبين السني والشيعي ففي ذلك بعض الأضواء التي لابُدَّ منها لإِنارة طريق البحث حول فارسية التشيع المزعومة من قبل أعداء الإسلام والشيعة.

لقد ذكر لنا المؤرخون أنّ فتوحات إيران بكل أجزائها امتدَّت فغطت فترة الخلافة الإِسلامية إلى نهاية فترة حكم الإِمام عليٍّ (ع) فمنذ الفتح وإلى أوآخر القرن التاسع كانت إيران في جملتها سنيّة متوزعة بين المذاهب ويستثنى من ذلك أماکن قليلة کمدن قم وکاشان والأهوازو إقليم خراسان فكان فيها بعض الشيعة وقد أكَّد ذلك مؤرخوا السنة وإليك أقوالهم:

أقوال العلماء في تسنن إيران
يقول شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي الترکماني الدمشقي: کان إقليم خراسان للمعتزلة والشيعة والغلبة لأصحاب أبي حنيفة ...، وأما بالري فمذاهبهم مختلفة والغلبة فيهم للحنفية، وأهل قم شيعة، والدينورغلبته لمذهب سفيان الثوري، وإقليم خوزستان مذاهبهم مختلفة، أكثر أهل الأهواز ورامهرمز والدورق حنابلة، ونصف الأهواز شيعة،... وإقليم فارس العمل فيه على أصحاب الحديث، وأصحاب أبي حنيفة، وإقليم كرمان المذهب الغالب للشافعي، وإقليم السِند مذاهبهم أكثرها أصحاب الحديث، وأهل المُلتان شيعة يحيعلون في الأذان ـ أي يقولون حيَّ على خير العمل ـ ويثنون في الإِقامة ـ أي يقولون الله أكبر مرتين، وأشهد أن لا إله إلا الله مرتين أيضاً وهكذا... ([18]).

  وقال المستشرق نُولدكه((ص)oeldeke ): ظلَّت بلاد فارس في أجزاء كبيرة منها تدين بالمذهب السني واستمر ذلك حتى سنة 1500م عندما أعلن التشيع مذهباً رسمياً فيها بقيام الدولة الصفوية([19]).

الفرس وأئمة المذاهب الأربعة
إذا قرأنا حياة وترجمة أئمة المذاهب السنية لوجدنا ثلاثة من هؤلاء الأربعة هم من الفرس والعربي فيهم هو الرابع فقط وهوالإِمام أحمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، أما الثلاثة فهم:

الإِمام أبو حنيفة: هوالنعمان بن ثابت بن زوطي وهو مولى لبني تيم الله ومولده بالكوفة([20]). وأصله من کابل أفغانستان .

الإِمام الشافعي: هومحمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع مولى أبي لهب ...فهو من موالي قريش وقد ذكر ذلك كل من الرازي في كتابه مناقب الشافعي وأبو زهرة في كتابه المعروف الإِمام الشافعي([21]).

الإِمام مالك: هو مالک بن أنس بن مالك ذهب كل من ابن عبد البر صاحب الإِستيعاب في كتابه الإِنتقاء، والواقدي محمد بن عمربن واقد، والسيوطي في تزيين الممالك إلى أنّه مولىً من موالي بني تيم وليس بعربيّ([22]).

 
الفرس وأصحاب الصحاح والمسانيد
إذا قرأنا حياة وترجمة أصحاب الصحاح الروائية لوجدنا أکثرهم من الفرس،و إنّ المصادر([23])  التي کتبت ترجمتهم تذکر أنسابهم على النحو التالي:

 صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم صاحب الصحيح الشهير: أعجمي.

 صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري منصوص على عروبته ويبقى انتماؤه إلى بلد أعجمي.  

 صحيح الترمذي: ابن عيسى بن سورة الضرير تلميذ البخاري كذلك.

 سنن بن ماجه: محمد بن يزيد بن ماجة مولى ربيعة، أعجمي.

 سنن النسائي: أحمد بن علي بن شعيب النسائي نسبة لمدينة نسا بخراسان، أعجمي.

 مسندأحمد:  للإِمام أحمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، وهو العربي الوحيد في المذاهب وينتمي إلى بكر بن وائل([24]).

سائر علماء السنة الفرس
سنذکر نماذج من علماءالسنة الفرس و هي شريحة متوزعة على المذاهب الأربعة في امتداد تاريخها الطويل غير ملتزمين بالتسلسل الزمني لذکرها نقدمها لکم لتكون مجرد مؤشر على نسبة ما في المذاهب الأربعة من العلماء الفرس، ولا نريد الإستقصاء:

إن معظم رواة الأحكام والأخبار، ومعظم الفقهاء والمفسرين هم من الفرس، ومنهم على سبيل المثال: مجاهد، وعطاء وسعيد بن جبير، ومجاهد وعكرمة، والبيهقي صاحب السنن، الحاكم صاحب المستدرك، و عبدالرحمن العضد الإِيجي صاحب كتاب المواقف، و عبدالرحمن الجامي صاحب فصوص الحكم، و أحمد بن عامر المروزي صاحب كتاب مختصر المزني. ومنهم سهل بن محمد السجستاني صاحب كتاب إعراب القرآن، و محمد بن إدريس أبو حاتم الرازي، و يعقوب بن إسحاق النيسابوري صاحب المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج؛و أحمد بن عبدالله أبو نعيم صاحب الحلية، وابن خلكان صاحب وفيات الأعيان، و أحمد بن محمد الثعلبي المفسر وغيرهم ([25]).

ولو أردنا أن نستمرَّ بذکر أمثال هؤلاء العلماء فسنصل إلى نسب عالية جداً من الناحية الكمية من نسبة العلماء والمؤرخين والمفسرين من الفرس، وحتى الإِمام محمد بن عبدالوهاب تربّى ونشأ وتثقف على أيدي الفرس وكانت تربيته وثقافته بين كردستان وهمدان، وإصفهان وقم كما نص على ذلك جماعة([26]).

عالمان من السنة الفرس
من الجدير بالذكر أنّ بعض الألسنة الطويلة والبذيئة والمتسرعة التي تفتري ما تشاء على الفرق الإِسلامية وخصوصاً على الشيعة هي  ألسنة فارسية، وهذا يدلُّ علی عدم مدخلية العرقية الفارسية في مسألة التشيع وسنقدم لكم نموذجين من علماء هذا الصنف الذي ليس يشعر بالمسؤولية تجاه مايقول ويکتب: 

العالم الأول: هو الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: وشهرستان هي بليدة في خراسان، إنّ هذا الرجل إسمه محمد بن عبدالکريم واشتهر بالشهرستاني  نسبة إلی بلدته وقد ألَّف کتاب «الملل والنحل» فخلط وخبط وافترى ونسب اُموراً بدون علم وتثبت وخلف تركة من الإِفتراء تأخذ منها الأقلام والله تعالى سائله عن ذلك، و مما نسبه إلی الشيعة بصلف ووقاحة: القول بالتناسخ والحلول والتشبيه، ومن راجع كتب الشيعة وأحاديث أئمّتهم يجد أنّهم حكموا بكفر القائلين بالتناسخ والحلول والتشبيه و أُلوهية غيره سبحانه!. ولهذ قد انتُقد الشهرستاني حتَّی من قبل علماء مذهبه، و إليک بعض آرائهم في حقّه :

 يقول ياقوت الحموي في معجمه مادة شهرستان : ولولا تخبطه (أي: الشهرستاني) في الإِعتقاد وميله إلى هذا الإِلحاد لكان الإِمام،...ونعوذ بالله من الخذلان والحرمان من نور الإِيمان وليس ذلك إلا لإِعراضه عن نور الشريعة واشتغاله بظلمات الفلسفة وقد حضرت عدة مجالس من وعظه فلم يكن فيها قال الله ولا قال رسول الله ولا جواب من المسائل الشرعية والله أعلم بحاله([27]).  ويقول الإمام الفخر الرازي في كتابه مناظرات مع أهل ما وراء النهر المسألة العاشرة متحدثاً عن كتاب الملل والنحل: إنّه كتاب حكى فيه مذاهب أهل العالم بزعمه إلا أنّه غير معتمد عليه لأنّه نقل المذاهب الإِسلامية من الكتاب المسمى بالفرق بين الفرق من تصانيف الأستاذ أبي منصور البغدادي وهذا الاستاذ كان شديد التعصب على المخالفين ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه الصحيح، ثم إنّ الشهرستاني نقل مذاهب الفرق الإِسلامية من ذلك الكتاب فلهذا السبب وقع فيه الخلل في نقل هذه المذاهب([28]).  

العالم الثاني: عليّ بن أحمد بن حزم الأندلسي الفارسي: هو من موالي يزيد بن معاوية ومن محبي بني اُمية والمعتقد بإمامتهم ماضيهم وباقيهم وحسبه بذلك شرفاً، وكان ابن حزم في أول أمره شافعياً ثم انتقل إلى الظاهرية، وله كتب كثيرة منها الفصل في الملل والنحل والمحلى وغيرهما، ولهذا الرجل قدرة عجيبة على الإِفتعال والإِختلاق وله جرأة في التهجم على الناس، ومن الذين سلطوا لسانهم على المسلمين، فقد قال فيه أبو العباس بن العريف: إنّ لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان. وقال ابن العماد الحنبلي كان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء والمتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه فنفرت منه القلوب ([29]). فإذا كان ابن حزم وأمثاله كالشهرستاني هم الذين يكتبون عن عقائد وفقه وسلوك الفرق الإِسلامية وخاصَّة الشيعة فهل يمكن للأجيال أن تثق بتاريخها وسيرة أسلافها.

مراحل تشيع الفرس وأسبابها
لقد تشيَّع قسم من الفرس عن طريق الصحابة الذين رافقوا عمليات فتح بلاد الفرس ونقلوا معهم عقائدهم وفكرهم الشيعي ومن أبرز مواطن التشيع في هذا القسم خراسان، ثم قم بعد ذلك. وقسم آخر من الفرس دخلوا التشيع مع التيار الذي صنعه الحكَّام، وفيمايلي نبحث تاريخياً کلا المرحلتين:

 

1- تشيع الفرس في مرحلة الفتوحات الإسلامية :
لقد ذكر لنا المؤرخون أنّ فتوحات إيران بكل أجزائها امتدت فغطت فترة الخلافة الإِسلامية إلى نهاية فترة حكم الإِمام عليٍّ (ع) وكانت هذه البلدان عندما يتم فتحها قد يتخلف بعض جنود الحملة في تلك المدن وبعض هؤلاء كانوا من الشيعة ومن الذين حملوا معهم مبادئهم وعرفوا بها، وفي فترة حكم زياد بن أبيه للكوفة كانت في جملة تخطيطاته للقضاء على التشيع بالكوفة أن هجّر خمسين ألف من الشيعة وسفّرهم إلى خراسان، كما أنّ مدينة قم تم تمصيرها أيام الحجاج، وذلك أنّ عبدالرحمن ابن الأشعث كان أمير سجستان من قبل الحجاج ثم خرج على الحجاج وقاتله وعندما فشلت حركته كان بجيشه مجموعة من علماء التابعين منهم: عبدالله، والأحوص، وعبدالرحمن، وإسحق، ونعيم، وهم بنو سعد بن مالك الأشعري فنزل هؤلاء على سبعة قرى في منطقة قم استولوا عليها وجعلوها سبع محلات لمدينة قم والتحق بعبدالله بن سعد ولد له كان إمامياً تربىّ بالكوفة فنقل التشيع لأهلها فليس بها سني قط([30]).  

وکان الفرس الإيرانيون في مرحلة الفتوحات غالباً تشيعوا تعاطفاً مع الشيعة الذين نالهم الإِضطهاد بعد ذلك،ومن هؤلاء الموالي ممَّن كان داخل بلدان الخلافة أو الذين لحقهم الإِضطهاد داخل إيران وقد بدأت تصل إليهم أفواج من المهجرين المضطهدين لأجل تشيعهم والذين دفع منهم زياد بن أبيه خمسين ألفاً إلى خراسان حتى يخلّص الكوفة من العناصر الشيعية الصلبة([31]). ومنهم تشيعوا عن طريق اللقاء الثقافي لأنّ الشيعة اضطروا إلى تعميق ثقافتهم وولوج مختلف ميادين المعرفة للدفاع عن وجودهم والذود عن عقائدهم خصوصاً وأنّ الحكم ووسائل القوة ليست بأيديهم.

2- تشيع الفرس في مرحلة الحکومات الشيعية :
هم الذين دخلوا التشيع مع التيار الذي صنعه الحكَّام کمايقول المثل المعروف: الناس علی  دين ملوکهم، فکان للحکَّام دور في نموِّ التشيع وإنتشاره بين الناس إمَّا بصورة غيررسمية بل بالتطعاطف مع الشيعة وإعطائهم الحرية في إقامة الشعائر ودراسة العقيدة الشيعية والتحدُّث والکتابة عنها، کما حدث في خلافة المأمون في خراسان، وفترة من إمارات البويهين في الري وهمدان وإصفهان، أ وبإعلان ضرورة العدول إلى مذهب الشيعة وذلك حينما أعلن خدابنده في القرن السابع ثم الصفويون في أوآخرالقرن التاسع و بداية القرن العاشر رسمية المذهب الشيعي. وذلك مثلما حدث لديار بكر وربيعة التي كانت شيعية أيام الحمدانيين ثم حولهم الحكام إلى سنة، وكما حدث لمصر بعد حكم الفاطميين إذ حولت إلى سنية أيام الأيوبيين وكما حدث ذلك لكثير من البلدان. إذاً فإنَّ بذور التشيع في إيران نمت في مجال محدود حتى بداية القرن العاشر حيث تحوّلت بعد ذلك مناطق كثيرة للتشيع أيام الصفويين.

وبعد إيراد هذه الشواهد والنصوص التي تذكر أنّ إيران کانت معقل التسنن حتى بداية القرن العاشر بل وحتى الآن فإنّ فيها مقاطعات بكاملها سنية تستمتع بكل حرياتها الدينية وهي منتشرة في  شرق إيران وغربها وشمالها وجنوبها، فأين موقع إيران ياترى من تأسيس التشيع أيُّها الباحثون! حتی تزعمون أنَّ مذهب الشيعة فارسي الأصل، کبر عند الله أن تقولوا مالا تعلمون، وأکبر من ذلک أن تعلموا ولکن تتغافلون أولحقد تکذبون !

خلاصة القول في بطلان فارسية التشيع

أولاً: إنّ بذرة التشيع قد غرسها النبي (ص) في مهد العرب ونشأت في الجزيرة العربية وإنّ الرواد الأوائل للتشيع کعمَّار ومقداد وأبي ذر وغيرهم کانوا يشكلون مؤشراً واضحاً في ذلك، وما كان من غير العرب في الرواد الأوائل من الشيعة عدى واحداً هو سلمان الفارسي الذي سماه النبي (ص) سلمان المحمدي.

ثانياً: إنّ الفرس لا يكوَّنون إلا جزءاً قليلاً من ناحية الكم الشيعي فالتشيع منتشر عند العرب والهنود والترك والأفغان والكرد والصينيين والخ ويشكل الفرس جزءاً من الشيعة ليس كما يصوره البعض عن سوء فهم أو سوء نية.

ثالثاً: إنّ عقائد الشيعة تحفل بها مئات الكتب والمراجع وهي ميسورة تحت أيدي الباحثين والكتّاب في كل مكتبات العالم، وإنّ عقائد الشيعة مصدرها الكتاب والسنة وفقه الشيعة مصدره الكتاب والسنة والإِجماع والعقل وهي مسطورة في کتبهم التي تشرح ذلك مفصلاً منها: أوائل المقالات للشيخ المفيد و عقائد الصدوق، وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ومن كتب الأخبار والأحاديث الكتب الأربعة وهي الاُصول المعتمدة عند الشيعة بالجملة وهي : الكافي اُصولاً وفروعاً لمحمد بن يعقوب الكليني و التهذيب و الإستبصار للشيخ الطوسي، ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق مع ملاحظة أنَّه ليس بمعنی أنَّ كل ما فيها معتمداً بل هو قابل للنقد والرد والجرح والتعديل فالإنسان غير المعصوم يجوزعليه الخطأ والنسيان.

رابعاً: إنَّ هؤلاء الذين يرمون التشيع بالفارسية ويستدلون بأکثرية الشيعة من الفرس يتناسون أنَّه کانت أکثرية الفرس قبل القرن العاشرللسنة ولم يتهموا السنة بالفارسية،ولمَّا غلب التشيع في بلاد الفرس بعد القرن التاسع، جاء المقريزي في القرن التاسع فرام أن يصوِّر أنّ التشيع فارسي وجاء من بعده المستشرقون فضربوا على هذا الوتر ومعهم تلاميذهم و کان هدفهم الأساسي ضرب وحدة المسلمين وشوکتهم، فمسألة رمي الشيعة بالفرس جاءت متأخرة([32]).  

 القسم الثاني من الدرس: رمي التشيُّع بالشعوبية ([33])
ممَّا نسب إلی التشيُّع ظلماً وعدواناً کون الشيعة عشُّ الشعوبية ومأواه کما يقول الدكتور أحمد أمين ([34]). وهذا الأمر يدعو للاستغراب والتعجب فليس هناك أي علاقة بين الشعوبية والتشيُّع، بل العکس إنَّ المواقف الإيجابية للشيعة تجاه العرب و العروبة يشهد لها التاريخ، وسنحاول استقصاء بعض الاُمور الدَّالة علی ذلک بعد ما نتعرَّف علی معنی الشعوبية لغة وإصطلاحاً:

الشعوبية لغة وإصطلاحاً
الشعوبية لغة جمع شعوبي نسبة للشعب، وإصطلاحاً يراد بها النزعة العدائية للعرب، والشعوبي في إطلاق آخر هو الذي يسوِّي بين العربي وغيره ولا يفضِّل العربي، وذلك لأنّ المسلمين من غير العرب دعوا إلى التسوية وقد اشتق هذا الإِسم من آية التکريم التي أصبحت من شعاراتهم وهي قوله تعالی: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ » ([35]).وكان من شعاراتهم أيضاً الحديث النبوي الشريف:«أيها الناس إن ربكم واحد و إن أباكم واحد لا فضل لعربي على عجمي و لا لعجمي على عربي و لا لأحمر على أسود و لا لأسود على أحمر إلا بالتقوى قال الله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُم‏»([36]). ثم توسع العرب فأطلقوا لفظ الشعوبي على من يحقِّر العرب وتوسعوا بعد ذلك فأطلقوه على الزنديق والملحد، معتبرين الزندقة والإِلحاد مظهراً ينم عن كره العرب لأنّه كره لدينهم، ثم اُطلق بعد ذلك على الموالي الفُرس ([37]). وأهمُّ المجالات التي تجلَّت فيها الشعوبية الأدب بقسميه الشعر والنثر، ابتداءاً من أيام الامويين حتى العصر العباسي، والمظاهر الاُخرى التي تجَّسدت فيه الشعوبية هو السلوك الإجتماعي عند الحكام والمواطنين في الأكل واللباس فتراهم قد تأثَّروا بغير العرب .

الشعوبية ردَّة فعل العرب
ملخص الکلام: أنّ العرب كانوا في الجاهلية ممزقين لا تجمعهم جامعة،  فجاء الإِسلام ووحَّدهم فنظر العرب فجأة فإذا بهم اُمة عظيمة تخافها الاُمم  فنفخ ذلك فيهم روح الغرور وأخذوا يعاملون الشعوب التي افتتحوها معاملة فيها كثير من الغطرسة، ومنعوا الموالي من الزواج بالعربية وسموا من يولد من زواج كهذا هجيناً([38]). وذكر ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد أن العرب كانوا يقولون: لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة: حمار، أو كلب، أو مولى، وكانوا لا يكنون المولى ولا يمشون معه في الصف ولا يواكلونه بل يقف على رؤوسهم فإذا أشركوه بالطعام خصصوا له مكاناً ليعرف أنّه مولى وكانت الأمة لا تخطب من أبيها وأخيها وإنما من مولاها وكانوا في الحرب يركبون الخيل ويتركون الموالي مشاة([39]).

وكان ما أشرنا إليه من معاملة للموالي هو على مستوى سائر الناس، أما ما كان على مستوى الحكَّام فكان لا يلتقي بحال من الأحوال مع الإِنسانية وخصوصاً ولاة الاُمويين كالحجاج الذي لم يرفع الجزية عمَّن أسلم من أهل الذمة، والذي وسم أيدي الموالي وردَّهم إلى القرى لمَّا هاجروا للمدن كل ذلك دفع هؤلاء الموالي إلى تبني شعار الإِسلام والدعوة للمساواة فسموا أهل التسوية، ثم مرَّت ظروف أدَّت إلى رفع شأن الموالي خصوصاً أيام عمر بن عبدالعزيز وما بعده، وتطور الأمر بعد ذلك إلی أن بدأت ردود الفعل تشتد فتصل إلى احتقار العرب وشتمهم من قبل الموالي وسائر الشعوب ([40]).

دور العباسين في النهضة الشعوبية
لقد کان الموالي من اُمم ذات خلفية حضارية فكان قد نبغ مجموعة منهم في مختلف الشؤون الإدارية والعلمية ولذا قد اعتمدت الدولة العباسية على كثير منهم لتنظيم شؤونها الإدارية وتشبهاً بهم في البذخ والترف، وقد لعب الفرس والترك دوراً مهمَّاً في كسر شوكة العرب و بعد ذلك قضوا على الخلافة العباسية وحتى على مظهرها العربي.

ما هي علاقة الشعوبية بالتشيع ؟
إنَّ المواقف الإيجابية للشيعة تجاه العرب و العروبة يشهد لها التاريخ، والتراث العربي، ولم يكن للشيعة موقف سلبي إزاء حضارة العرب بل العكس فالشيعة هم الرواد الأوائل في خدمة الحضارة العربية في مختلف أبعادها. لقد وقف مؤلفوا ومفكروا وشعراء الشيعة إزاء العروبة والعرب موقفاً جليلاً في تكريم العرب وتكريم الفكر العربي والإِشادة بإسهامه في خدمة الشريعة مبرهنين على أن الله تعالى كرم العرب بحملهم للرسالة وجعل لغة القرآن الكريم لغتهم، واعتبر أرضهم مهداً لانطلاق الدعوة الإسلامية، وإليك شريحة من أعلامهم الذين خدموا في ميادين الثقافة والأدب العربي فمن الرواد في علم النحو: أبو الأسود الدؤلي، ويعقوب بن السكيت صاحب إصلاح المنطق، وأبو بكر بن دريد صاحب الجمهرة، ومحمد بن عمران المرزباني صاحب المفصل في علم البيان وصفي الدين الحلي صاحب الكافية في البديع، وغيرهم... ([41]). ومن الشعراء الشيعة في الذود عن العرب والعروبة  الشريف الرضي محمد بن الحسين،و أبو الطيب المتنبي أحمد بن الحسين،و الحارث الحمداني أبو فراس، وغيرهم.

الشعوبيون البارزون ليسوا بشيعة

أن أبرز من عرف بالشعوبية في مختلف الأبعاد الفكرية والإِجتماعية هم من غير الشيعة وسنذكر لكم جملاً قصيرة من تراجمهم تنهض بالمطلوب.

1 ـ الهيثم بن عدي بن زيد: كانت امه أمةً وأبوه عربياً وكان من أبرز الشعوبيين وكان كذلك خارجياً في عقيدته وقد وضح ذلك في كل كتبه منها كتاب المثالب الكبير، وكتاب المثالب الصغير([42]). 

 2ـ معمر بن المثنى أبو عبيدة: من أبرز المؤلفين وممن عرف بأنه من أئمة الشعوبية وهو من موالي بني تيم بالبصرة وكان يهودي الأصل اسلم جده على يد بعض أولاد أبي بكر وهو الذي جدد كتاب مثالب العرب وزاد فيه: كان خارجياً يرى رأي الأباضية([43]). 

3 ـ علان الشعوبي: وهو علان بن الحسن الوراق كان من أبرز الشعوبيين وكان كما يقول الآلوسي زنديقاً ثنوياً عمل كتاباً لطاهر بن الحسين بدأ فيه بمثالب بني هاشم، ثم بطون قريش، ثم سائر العرب([44]).

4 ـ عبدالله بن مسلم بن قتيبة: كان من أئمة أهل السنة ومبرزيهم كان من الشعوبيين كما نص على ذلك ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد([45]). 

5 ـ عبدالله بن المقفع: عده الباحثون من الشعوبيين، ويذهب جماعة من قدامى المؤرخين كأبي الفرج الأصبهاني والمسعودي إلى أنه زنديق، أما الدكتور محمد نبيه حجاب فيرى أنه مجوسي الدين ثنوي العقيدة، ولكن الأستاذ محمد كرد علي في كتابه أمراء البيان تصدى للدفاع عنه واعتبره ممَّن أسلم ([46]).

6ـ دعبل بن علي الخزاعي: وهو عربي صلبي وليس من الموالي كما حاول البعض أن يصوره وكان من مشاهيرأدباء الشيعة وهو صاحب القصائد الرائعة في مدح أهل البيت (ع) ورثائهم، وقد استدل نبيه حجاب على أنه من الشعوبية لأنه هجا المأمون في هذه الأبيات وغيرها:

أيسومني المأمون خطة عاجز     أو ما رأى بالأمس رأس محمد

اني من القوم الذين سيوفهم      قتلت أخاك وشرفتك بمقعد

 

 

الهوامش:

([1]) إقتباس من کتاب (هوية التشيُّع )للدکتور الشيخ الوائلي، وموسوعة «الملل والنحل»  لآية الله السبحاني مع تصرف في العبارات وتلخيص وإضافات .
([2]) تاريخ المذاهب الإِسلامية 1 :40.
([3]) تاريخ المذاهب الإِسلامية لأبي زهرة 1: 41.
([4]) فجر الإِسلام:111.
([5]) تاريخ المذاهب الإِسلامية 1: 41.
([6]) فجر الإِسلام :276.
([7]) فجر الإِسلام :91.
([8]) تاريخ الخميس للدياربكري 2: 321 .
([9]) راجع الفصول المهمة لشرف الدين:281، وعقائد الإِمامة للمظفر:71.
([10]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 :97.
([11]) انظر صحيح البخاري 5 :137، و طبقات ابن سعد 4/61، و النهاية لابن الأثير 5: 246. في مادة هجر. لأنّ كلاً منهما كانت وصيته في مرض الموت.
([12]) فجر الإِسلام :276.   
([13]) الشيعة والخوارج :241.
([14]) الحضارة الإِسلامية 1: 101.
([15]) الکافي 2: 307، باب العصبية.
([16])راجع طبقات ابن سعد 6 :تراجم من سكن الكوفة من التابعين. 
([17]) هذا ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فعليه بمراجعة كتب التراجم الشيعية وغيرها ليطلع على نسبة العرب من الشيعة ومن أهم هذه الكتب: الأعلام للزركلي، وتأسيس الشيعة لعلوم الإِسلام للسيد حسن الصدر، وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين العاملي ودائرة المعارف الشيعية، للسيد حسن الأمين .
([18])  أحسن التقاسيم للشاري :199.
([19]) دراسات في الفرق والعقائد :326.
([20])  مناقب أبي حنيفة، للموفق بن أحمد 1: 16.
([21]) انظر الإِمام الصادق، لأسد حيدر3: 220.
([22]) الإِمام الصادق، لأسد حيدر 2: 200.
([23])  أنظر وفيات الأعيان1: 21، والكنى والألقاب3: 207، ومعجم المؤلفين2: 115، ومقدمات الصحاح الستة في تراجم أصحابها.
([24]) طبقات الحنابلة لأبي يعلى 1: 4.
([25])  انظر في تراجم هؤلاء معجم المؤلفين لكحالة1: 206، فجر الإِسلام :241 والكنى والألقاب للقمي 1:6.
([26]) زعماء الإِصلاح لأحمد أمين:10.
([27]) معجم البلدان3: 377.
([28]) المناظرات للرازي :25 .
([29]) راجع فيما كتب عن ابن حزم المراجع التالية ،شذرات الذهب3: 299، وفيات الأعيان1: 369، ولسان الميزان4: 199.
([30]) راجع معجم البلدان لياقوت الحموي4: 397.
([31]) الطبري 6 :126.
([32]) راجع دراسات في الفرق والعقائد:25.
([33]) إقتباس من کتاب (هوية التشيُّع )للدکتور الشيخ الوائلي، وموسوعة «الملل والنحل»  لآية الله السبحاني مع تصرف في العبارات وتلخيص وإضافات .
([34]) ضحى الإِسلام1: 63.
([35]) الحجرات: 13.
([36]) معدن‏الجواهر21 :21،باب ما جاء في واحد.
([37]) إقتباس من کتاب (هوية التشيُّع) للدکتور الشيخ الوائلي مع تصرف في العبارات وتلخيص وإضافات .
([38]) راجع کتاب الکامل للمبرِّد في هذا الموضوع .
([39]) مظاهر الشعوبية لمحمد نبيه حجاب :51.
([40]) راجع تاريخ الطبري8: 35.
([41]) تأسيس الشيعة لعلوم الإِسلام: 46- 182، الغدير للأميني3: 330.
([42]) معجم الأدباء 19: 310.
([43]) معجم الأدباء19: 156.
([44]) معجم الأدباء 19: 191.
([45]) مظاهر الشعوبية :422.
([46]) مظاهر الشعوبية:397.


إذا راجعنا التاريخ بكل مراحله لن نجد في طياته إلا نوراً واحداً ينبع من بيت الرسالة. وهذا النور يشع من علم سيدة نساء العالمين(ع) المربية والمعلمة الأولى...

إن السيدة الزهراء(ع) اهتمت كثيراً بموضوع التربية حيث بذلت كل ما بوسعها لترسيخ القيم التي جاء بها رسول السماحة محمد (ص) فحملتها إلى أبنائها بما يضمن نبوغهم فنجحت بذلك نجاحاً تاماً.

فما هي أهم الركائز التي تقوم عليها التربية الفاطمية التي كانت تعتمدها سيدة نساء العالمين(ع) مع أولادها؟

احترام شخصية الطفل: كانت(ع) تهتم كثيراً بشخصية أطفالها، تعاملهم معاملة الرجال في التخاطب معهم. لأن هذه المعاملة تقوي معنوية الطفل وتفهمه أنه أيضاً يتمتع بمكانة ممتازة في الأسرة والمجتمع، وبدوره ينشأ على الطموح والاستقلال والثبات بعكس الأمهات اللواتي يحتقرن أطفالهن فإنهن يقتلن بعملهن هذا  جذور الشخصية والاستقلال.

التربية على أساس الإيمان: إن التربية التي لا أساس إيماني لها بالله تعالى تعتبر بلا جدوى, لأنها تقود الطفل إلى الإنكار والجحود. أما الزهراء(ع) فبيتها المتواضع كان منارة للإيمان ومشكاة للهداية. لقد أرضعت أولادها الإيمان الخالص وغذتهم بالقيم الروحية العالية فغدوا الامتداد الخلاق للرسالة المحمدية.

الاستقامة: السلوك المستقيم هو أساس المجتمع السليم الذي يقوم على أسس متينة تتحدر من القيم الأخلاقية التي أوصانا بها الله تعالى ورسوله(ص).

فالزهراء زرعت في أولادها الصراحة والصدق والوفاء بالوعد والتاريخ يشهد.

الاعتماد على النفس: الاعتماد على النفس من الشروط الأساسية للتكامل الفردي والاجتماعي. وعلى الوالدان أن يلقنا الطفل هذا الدرس من صغره حتى ينشأ مستندا إلى عمله لا مفتخرا بأمجاده وآبائه. والزهراء(ع) والإمام علي(ع) جسدا ذلك في أولادهم. هذه التربية الفاطمية كانت نابعة من علم لا ينضب تلقته الزهراء(ع) في بيت الوحي والرسالة.

فقد كان بيتها(ع) المدرسة الأولى في الإسلام وكانت(ع) المعلمة الأولى أيضا. فكانت الزهراء(ع) تستقبل النساء المسلمات اللواتي كن يقبلن على بيتها مستفهمات متعلمات فتفيض عليهن فاطمة(ع) مما وعته وتعلمته كما كانت تشجعهن على طلب العلم والمعرفة.

إن مجمل ما ورد حول الزهراء(ع) المعلمة والأم ما هي إلا استعارة من وصف الواقع المطلوب من كل معلمة وأم أن تلتزم بهذه التعاليم لأجل إنشاء أولاد وأجيال أفضل وأحسن وأجمل ما في الوجود.

 

 

السبت, 11 نيسان/أبريل 2015 05:25

السيدة الزهراء(ع).. حياة مفعمة بالجهاد

إلى جانب فيوضات السيّدة فاطمة الزهراء والمقامات المعنوية لهذه السيدة الجليلة، توجد نقطة مهمّة في حياتها اليومية عليها السلام وهي الجمع بين حياة امرأة مسلمة في سلوكها مع زوجها وأبنائها وقيامها بمسؤولياتها في البيت من جهة، وبين مسؤوليات الإنسان المجاهد الغيور الّذي لا يعرف التعب في التعامل مع الأحداث السياسية المهمّة بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث جاءت إلى المسجد وخطبت واتّخذت المواقف ودافعت وتحدّثت وكانت من جهاتٍ أخرى مجاهدة بكلّ ما للكلمة من معنىً، لا تعرف التعب وتتقبّل المحنة والصعاب.

كذلك من الجهة الثالثة، كانت عابدة ومقيمة للصلاة في الليالي الحالكة وتقوم لله خاضعة خاشعة له، وفي محراب العبادة كانت هذه المرأة الصبية كالأولياء الإلهيين تناجي ربّها وتعبده.

هذه الأبعاد الثلاثة مجتمعةً تمثّل النقطة الساطعة لحياة فاطمة الزهراء عليها السلام . لم تفصل بين هذه الجهات الثلاث.

بعض الناس يتصوّر أنّ الإنسان عندما يكون مشغولاً بالعبادة، وهو أهل الذكر، لا يمكنه أن يكون سياسياً. أو بعض آخر يتصوّر أنّ أهل السياسة، سواء من الرجال أم النساء، إذا كانوا حاضرين في ميدان الجهاد في سبيل الله بفاعليّة، إذا كنّ من النساء، لا يمكنهنّ أن يكنّ ربّات منزل يؤدّين وظائف الأمومة والزوجية والخدمة، وإذا كان رجلاً لا يمكنه أن يكون ربّ منزل وصاحب دكّان وحياة. يتصوّرون أنّ هذه تتنافى فيما بينها وتتعارض في حين أنّ هذه الأمور الثلاثة لا تتنافى مع بعضها بعضاً ولا توجد ضدّية بينها من وجهة نظر الإسلام. ففي شخصية الإنسان الكامل تكون هذه الأمور معينة بعضها بعضاً. تعتبر شخصية الزهراء المطهّرة عليها السلام في الأبعاد السياسية والاجتماعية والجهادية شخصية مميزة بحيث إنّ جميع النساء المجاهدات والثوريات والمميّزات والسياسيات في العالم يمكنهنّ أن يأخذن الدروس والعبر من حياتها القصيرة والمليئة بالمحتوى والمضمون.

امرأةٌ وُلدت في بيت الثورة، وأمضت كلّ طفولتها في حضن أبٍ كان في حالة مستمرّة من الجهاد العالميّ العظيم الّذي لا يُنسى.

تلك السيّدة الّتي كانت في مرحلة طفولتها تتجرّع مرارات الجهاد في مكّة، وعندما حوصرت في شعب أبي طالب، لمست الجوع والصعاب والرعب وكلّ أنواع وأصناف الشدائد في مكة، وبعد أن هاجرت إلى المدينة أضحت زوجة رجلٍ كانت كلّ حياته جهاداً في سبيل الله، وفي كلّ المدّة، الّتي كانت نحو 11 سنة، في حياتها المشتركة مع أمير المؤمنين، لم تمرّ سنة أو نصف سنة على هذا الزوج لم يكن فيها في جهادٍ في سبيل الله ولم يذهب إلى ميدان المعركة. وكانت هذه المرأة العظيمة والمضحية زوجةً لائقةً لرجلٍ مجاهدٍ وجنديّ وقائد دائمٍ في ميدان الحرب.

فحياة فاطمة الزهراء عليها السلام إذاً، وإن كانت قصيرة ولم تبلغ أكثر من عشرين سنة، لكنّها من جهة الجهاد والنّضال والسعي الثوريّ والصبر الثوريّ والدرس والتعليم والتعلّم، والخطابة والدفاع عن النبوّة والإمامة والنظام الإسلاميّ هي بحرٌ مترامٍ من السعي والجهاد والعمل وفي النهاية الشهادة أيضاً. 

هذه هي الحياة الجهادية لفاطمة الزهراء عليها السلام الّتي هي عظيمة جداً واستثنائية وفي الحقيقة لا نظير لها، ويقيناً ستبقى في أذهان البشر - سواء اليوم أم في المستقبل - نقطةً ساطعةً واستثنائية.

من كتاب "إنسان بعمر 250 سنة"  الإمام السيد علي الخامنئي دام ظله 

 

في أجواء العلم كانت عالمةً عظيمة. تلك الخطبة الّتي ألقتها فاطمة الزهراء عليها السلام في مسجد المدينة بعد رحيل النبيّ، هي خطبة، بحسب كلام العلامة المجلسيّ، يجب على فطاحل الفصحاء والبلغاء والعلماء أن يجلسوا ويفسّروا معاني كلماتها وعباراتها؛ فهي من العمق بحيث إنّها بلحاظ جمالية الفن كأجمل وأعلى كلمات نهج البلاغة.

فاطمة الزهراء عليها السلام تذهب إلى مسجد المدينة وتقف مقابل الناس وترتجل ولعلّها تتحدّث لمدّة ساعة بأعذب وأجمل العبارات وأكثرها بلاغةً.

نحن الّذين نُعدّ من أهل الخطابة والكلام الارتجاليّ نفهم كم أنّ هذه الخطبة عظيمة. فتاة ابنة 18 أو 20 سنة و في الحدّ الأكثر 24 سنة - بحسب الاختلاف في تاريخ ولادتها - ومع كلّ تلك المصائب والصعاب أتت إلى المسجد وخاطبت الجمع الغفير من وراء الحجاب(الستار)، وكلّ كلمة من هذه الخطبة بقيت في التاريخ.

العرب معروفون بقوّة حافظتهم. فيأتي شخصٌ وينشد قصيدة من 80 بيتاً وبعد أن ينتهي يقوم 10 أشخاص ويكتبون هذه القصيدة، وهذه القصائد الّتي بقيت إلى يومنا هذا، في الأغلب هكذا حُفظت.

فالأشعار في الأندية - أي تلك المراكز الاجتماعية - كانت تُتلى وتُحفظ، وهذه الخطب وهذه الأحاديث كانت تحفظ غالباً بهذه الطريقة. لقد جلسوا وكتبوا وحفظوا وبقيت هذه الخطب إلى يومنا هذا.

والكلمات الجوفاء لا تبقى في التاريخ، فليس كلّ كلام يُحفظ، فلقد قيل الكثير الكثير، وألقي الكثير من الخطب والكثير من الأشعار ولكن لم تبقَ كلّها، ولم يعتنِ أحدٌ بها.

كلّما نظر الإنسان إلى ذاك الشيء الّذي حفظه التاريخ في قلبه، وبعد مرور 1400 سنة، يشعر بالخضوع، وهذا إنّما يدلّ على هذه العظمة. برأيي إنّ هذا يُعدّ بالنسبة للفتاة الشابّة قدوة.

إنّ حياة فاطمة الزهراء عليها السلام في جميع الأبعاد كانت مليئة بالعمل والسعي والتكامل والسموّ الروحيّ للإنسان.

وكان زوجها الشاب في الجبهة وميادين الحرب دائماً، وكانت مشاكل المحيط والحياة قد جعلت فاطمة الزهراء عليها السلام مركزاً لمراجعات الناس والمسلمين. إنّها ابنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المفرّجة للهموم، وقد صارت في حياتها في تلك الظروف بمنتهى العزّة والسموّ، وقامت بتربية أولادها الحسن والحسين وزينب، وإعانة زوجها عليّ عليه السلام ، وكسب رضا أب كالنبيّ.

وعندما بدأت مرحلة الفتوحات والغنائم لم تأخذ بنت النبيّ ذرّة من لذائذ الدنيا وزخرفها ومظاهر الزينة والأمور الّتي تميل لها قلوب الشابات والنساء.

وكانت عبادة فاطمة الزهراء عليها السلام عبادة نموذجية. يقول الحسن البصريّ الّذي كان أحد العبّاد والزهّاد المشهورين في العالم الإسلاميّ، حول فاطمة الزهراء عليها السلام إنّ بنت النبيّ عبدت الله ووقفت في محراب العبادة حتى "تورّمت قدماها"

ويقول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام إنّ أمّه وقفت تعبد الله في إحدى الليالي - ليلة الجمعة -"حتى انفجر عمود الصبح".

ويقول الإمام الحسن عليه السلام إنّه سمعها تدعو دائماً للمؤمنين والمؤمنات، وتدعو للناس ولقضايا المسلمين العامة، وعند الصباح قال لها: "يا أمّاه أما تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بنيّ الجار ثمّ الدار"

هذه هي الروحية العظيمة. إنّ جهاد تلك المكرّمة في الميادين المختلفة هو جهاد نموذجيّ، في الدفاع عن الإسلام، وفي الدفاع عن الإمامة والولاية، وفي الدفاع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي حفظ أكبر القادة الإسلاميين وهو أمير المؤمنين عليه السلام زوجها.

وقد قال عليه السلام مرّة بشأن فاطمة الزهراء عليها السلام : "ما أغضبتني ولا عصت لي أمراً"

ومع تلك العظمة والجلالة، فإنّها كانت زوجة في بيتها، وامرأة كما يقول الإسلام.

هكذا كانت عبادتها وفصاحتها وبلاغتها وحكمتها وعلمها ومعرفتها وجهادها وسلوكها كابنة وزوجة وأمّ، وإحسانها إلى الفقراء.

مرّة أرسل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً عجوزاً فقيراً إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام وقال له أن يطلب حاجته منهم، فأعطته فاطمة الزهراء عليها السلام جلداً كان ينام عليه الحسن والحسين عليهما السلام حيث لم يكن عندها شيء غيره، وقالت له أن يأخذه ويبيعه ويستفيد من نقوده.

هذه هي الشخصية الجامعة لفاطمة الزهراء عليها السلام . إنّها أسوة للمرأة المسلمة. إنّ على المرأة المسلمة أن تسعى في طريق الحكمة والعلم وفي طريق بناء الذات معنويّا وأخلاقيّاً وأن تكون في الطليعة في ميدان الجهاد والكفاح، وأن لا تهتمّ بزخارف الدنيا ومظاهرها الرخيصة، وأن تكون عفّتها وعصمتها وطهارتها بحيث تدفع بذاتها عين ونظرة الأجنبيّ المريبة تلقائياً، وفي البيت سكينة للزوج والأولاد وراحة للحياة الزوجية، وتربّي في حضنها الحنون والرؤوف وبكلماتها اللطيفة والحنونة أولاداً مهذّبين بلا عُقد، وذوي روحية حسنة وسليمة، وتربّي رجال المجتمع ونساءه وشخصياته.

إنّ الأم أفضل من يبني، فقد يصنع أكبر العلماء آلة إلكترونية معقّدة جداً مثلاً، أو يصنعون أجهزة للصعود إلى الفضاء، أو صواريخ عابرة للقارّات، ولكن كلّ هذا لا يعادل أهمية بناء إنسان سامٍ، وهو عمل لا يتمكّن منه إلا الأم، وهذه هي أسوة المرأة المسلمة.

 

من كتاب إنسان بعمر 250 سنة للإمام آیة الله العظمی سید علی الخامنئی

 

 

استقبل سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية صباح يوم الخميس 09/04/2015 م حشداً من السيدات و شعراء أهل البيت (عليهم السلام) و مداحيهم، و بارك ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) مشيراً إلى نقاط على جانب كبير من الأهمية بخصوص المفاوضات النووية و تطورات اليمن.
و بدأ سماحته كلمته بهذه المقدمة: البعض يسأل لماذا لم تتخذ القيادة موقفاً من المفاوضات النووية الأخيرة؟
و أكد قائد الثورة الإسلامية: السبب في عدم اتخاذ القيادة لموقف هو أنه لا مجال لاتخاذ موقف لأن مسؤولي البلاد و المسؤولين النووين يقولون إن الأمر لم يحسم بعد، و لم يتكون شيء ملزم بين الجانبين. و لفت الإمام الخامنئي: مثل هذا الوضع لا يحتاج إلى موقف.
و أضاف سماحته: إذا سؤلت: «هل توافق المفاوضات النووية الأخيرة أم تعارضها؟» سأقول لا أوافقها و لا أعارضها، لأنه لم يحدث شيء لحد الآن.
و تابع قائد الثورة الإسلامية: المشكلة كلها بعد أن يجري النقاش و الحوار حول التفاصيل، لأن الجانب الآخر لجوج و ناكث للعهود و سيئ المعاملة و من أهل الطعن بالخنجر من الخلف، و قد يجعل البلد و الشعب و المفاوضين في حصار أثناء فترة النقاش حول التفاصيل.
و قال سماحته: ما حدث لحد الآن ليس أصل الاتفاق، و لا مفاوضات تؤدي إلى اتفاق، و لا يضمن محتوى الاتفاق، و لا يضمن حتى أن تفضي هذه المفاوضات إلى اتفاق، و إذن فلا معنى لإرسال بيانات التبريك.
و استطرد قائد الثورة الإسلامية ملفتاً إلى جملة من النقاط فقال: إنني لم أكن أبداً متفائلاً بخصوص المفاوضات مع أمريكا، و هذا ليس ناجماً عن أوهام بل ناتجاً عن تجربة موجودة في هذا الخصوص.
و أضاف قائد الثورة الإسلامية: إذا نشرت في المستقبل تفاصيل قضايا المفاوضات النووية الجارية هذه الأيام و أحداثها و محاضرها، فسيعلم الجميع من أين تنبع تجربتنا هذه؟
و تابع قائد الثورة الإسلامية: مع أني لم أكن متفائلاً بالتفاوض مع أمريكا، لكنني دعمت بكل كياني هذه المفاوضات الخاصة بموضوع معين، و أدعمها الآن أيضاً.
و قال قائد الثورة الإسلامية: إنني أدعم مائة بالمائة الاتفاق الذي يحفظ عزة الشعب الإيراني و إذا قال قائل إن القيادة تعارض الوصول إلى اتفاق فكلامه هذا بخلاف الواقع.
و أضاف قائد الثورة الإسلامية: إنني لستُ عديم الاهتمام بالمفاوضات لكنني لم أتدخل لحد الآن في التفاصيل و لن أتدخل بعد الآن أيضاً.
و لفت سماحته قائلاً: لقد ذكرتُ القضايا الكلية و الخطوط الرئيسية و الأطر و الخطوط الحمراء لرئيس الجمهورية غالباً و لوزير الخارجية في بعض الأحيان، لكن التفاصيل عندهم.
و أكد قائد الثورة الإسلامية: إنني أثق بالقائمين على المفاوضات النووية، و لم أشك فيهم لحد الآن، و سيكون الأمر على نفس هذا النحو في المستقبل أيضاً إن شاء الله، لكنني أحمل هموماً جدية بخصوص المفاوضات النووية.
و أشار آية الله العظمى السيد الخامنئي إلى الجانب الآخر و هو من أهل الخداع و الكذب و نكث العهود و السير بخلاف المسار الصحيح، و اعتبر ذلك السبب في همومه الجدية بخصوص هذا الموضوع، مردفاً: في المفاوضات الأخيرة حدث نموذج من هذه السلوكيات التي يعتمدها الطرف المقابل، و نشر البيت الأبيض بعد نحو ساعتين من انتهاء المفاوضات بياناً من عدة صفحات لتبيين المفاوضات كان في الغالب بخلاف الواقع.
و أضاف سماحته: كتابة مثل هذا البيان غير ممكنة في غضون ساعتين، و إذن ففي الوقت الذي كانوا فيه يتفاوضون معنا كانوا يعملون على تدوين بيان مشوّه خاطئ و مخالف لمحتوى المفاوضات.
و أكد قائد الثورة الإسلامية على أن الطرف المقابل لنا طرف سيئ العهد و مخادع و غشاش، ملفتاً: النموذج الآخر هو أنهم بعد كل جولة من المفاوضات يطلقون كلاماً علنياً ثم يقولون بشكل خصوصي إن ذلك الكلام كان من أجل حفظ ماء الوجه في الداخل و من أجل مواجهة المعارضين، و الحال أن هذه الأمور لا علاقة لها بنا.
و أضاف سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي: إنهم وفقاً للمثل المعروف: «كافر همه را به كيش خود پندارد» [الكافر يخالُ الجميعَ كفاراً] يقولون إن قيادة إيران إذا عارضت المفاوضات فهذا ليس كلامها الحقيقي، إنما هو من أجل حفظ السمعة داخلياً، و الحال أنهم لا يفهمون حقائق الداخل الإيراني.
و أكد سماحته قائلاً: كلام القيادة مع الشعب قائم على أساس الثقة المقابلة، و كما يثق الشعب بي أثق أنا أيضاً تمام الثقة بالشعب، و اعتقد أن يد الله مع هذا الشعب دوماً.
و أوضح قائد الثورة الإسلامية: مشاركة الشعب في برد الثاني و العشرين من بهمن، و في حر شهر رمضان في يوم القدس، كلها علامات على يد الله المعاضدة لهذا الشعب، و نحن على نفس هذا الأساس نعتمد اعتماداً تاماً على الشعب، و كلامنا مع الشعب في إطار هذا الشعور و الصدق و على أساس بصيرة الشعب.
و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي: إنني أحمل هموماً بخصوص سلوك الطرف المقابل في المتبقي من المفاوضات. و أشار سماحته إلى بعض حالات موافقة المفاوضات النووية و معارضتها، مردفاً: يجب عدم المبالغة و الاستعجال في هذا الخصوص، بل يجب الصبر و النظر ما الذي سيحدث.
و أكد قائد الثورة الإسلامية في الوقت نفسه على المسؤولين إنه يجب إطلاع الشعب و خصوصاً النخبة على التفاصيل و الحقائق، إذ لا يوجد أي شيء سري.
و اعتبر الإمام السيد علي الخامنئي إطلاع الشعب و النخبة على تفاصيل المفاوضات النووية مصداقاً للتعاطف بين المسؤولين و الشعب، مؤكداً: التعاطف ليس شيئاً تصنعه الأوامر و الضوابط، إنما ينبغي إيجاده و تنميته، و الظروف الراهنة فرصة مناسبة لإيجاد التعاطف مع الشعب.
و تابع الإمام الخامنئي حديثه بتقديم اقتراح على المسؤولين قائلاً: المسؤولون، و هم أشخاص صادقون و محبون للمصالح الوطنية، يجب أن يدعوا ناقدي المفاوضات المعروفين و يتحدثوا معهم، فإذا كانت في آرائهم نقاط لافتة انتفعوا منها لأجل التفاوض بشكل أفضل، و إذا لم يكن في نقودهم نقاط لافتة أقنعوهم. و أكد قائد الثورة الإسلامية: هذا مصداق للتعاطف و توحيد للقلوب و الأعمال.
و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: قد يقول المسؤولون إنه بسبب فرصة الثلاثة أشهر الباقية حتى موعد إبرام الاتفاق لا يوجد وقت كثير للنقاش و استماع كلام الناقدين، و يجب في الإجابة على ذلك القول إن فرصة الثلاثة أشهر ليست شيئاً لا يقبل التغيير، و لا إشكال أبداً في زيادة هذا الوقت، كما أن الطرف المقابل في فترة من المفاوضات أجّل الوقت إلى سبعة أشهر قادمة.
و تابع قائد الثورة الإسلامية حديثه بالتأكيد على أن المفاوضات مع الأمريكان مقتصرة على الملف النووي فقط، و لا يدرج فيها أي موضوع آخر، مردفاً: طبعاً المفاوضات بخصوص الملف النووي تجربة، و إذا أقلع الجانب المقابل عن اعوجاجه، يمكن مواصلة هذه التجربة في خصوص قضايا أخرى، و لكن إذا واصل الجانب المقابل اعوجاجه فإن تجربتنا السابقة في عدم الثقة بأمريكا سوف تتعزز.
كما أبدى آية الله العظمى السيد الخامنئي عتابه على بعض المواقف التي تعتبر الطرف المقابل مجتمعاً عالمياً مردفاً: الجانب المقابل للشعب الإيراني، و الذي ينكث عهوده، هو أمريكا و ثلاثة بلدان أوربية و ليس المجتمع العالمي. المجتمع العالمي هو تلك البلدان المائة و الخمسون التي حضر رؤساؤها و ممثلوها قبل سنوات في مؤتمر عدم الانحياز في طهران، و أن يقال إن الطرف المقابل لنا هو المجتمع الدولي أو العالمي الذي يجب أن يثق بنا فهذا كلام لا مصداقية له.
بعد ذلك أشار قائد الثورة الإسلامية للأمور و النقاط التي طالب بها المسؤولين في الملف النووي في جلسات خاصة قائلاً: إنني أصرّ على المسؤولين بأن يعتبروا المكتسبات النووية الحالية على جانب كبير من الأهمية، و لا يقللوا من أهميتها أو يستهينوا بها.
و شدّد الإمام السيد علي الخامنئي على أن الصناعة النووية ضرورية للبلاد مضيفاً: أن يقول بعض أشباه المثقفين «لماذا نريد الصناعة النووية؟» فهذه خدعة.
و ألمح سماحته إلى حاجة البلاد للصناعة النووية المتقدمة في مجالات الطاقة و إنتاج الأدوية الإشعاعية، و تحلية مياه البحر، و الزراعة، ملفتاً: الخصوصية الأهم في الصناعة النووية للبلاد هي أن التوصل إلى هذه الصناعة البالغة الأهمية يفجّر المواهب الذاتية للشباب الإيرانيين، و عليه ينبغي استمرار هذا السياق من التقدم في الصناعة النووية.
و أشار قائد الثورة الإسلامية إلى ادعاءات عدة بلدان مجرمة مثل أمريكا التي استخدمت القنبلة الذرية أو فرنسا التي قامت باختبارات نووية خطيرة، قائلاً: هؤلاء يتهموننا بالسعي لامتلاك قنبلة نووية، و الحال أن النظام الإسلامي في إيران و على أساس الفتوى الشرعية و كذلك الركائز العقلية لم و لن يسعى أبداً لامتلاك سلاح نووي، و يعتبره سبباً في المتاعب.
و كانت المطالبة التالية لآية الله العظمى السيد الخامنئي من المسؤولين هي عدم الثقة بالطرف المقابل حيث قال: قال أحد المسؤولين بصراحة في الآونة الأخيرة إننا لا نثق بالطرف المقابل، و مثل هذه المواقف جيدة.
و أكد سماحته على ضرورة عدم الانخداع بابتسامات الطرف المقابل و عدم الوثوق بوعوده بالدفع نقداً مضيفاً: النموذج البارز لهذه القضية مواقف و تصريحات رئيس جمهورية أمريكا بعد البيان الأخير.
و أوضح قائد الثورة الإسلامية أن الإلغاء الشامل و الدفعي للحظر مطالبة أخرى يطلبها من المسؤولين مردفاً: هذا الموضوع على جانب كبير من الأهمية و الحظر يجب أن يرفع في نفس يوم الاتفاق بشكل كامل.
و لفت آية الله العظمى السيد الخامنئي قائلاً: إذا تقرر ربط إلغاء الحظر بعملية جديدة فإن أساس المفاوضات سيكون من دون معنى، لأن الهدف من المفاوضات هو رفع الحظر.
و في معرض بيانه لمطالبته الأخرى من المسؤولين أشار الإمام الخامنئي إلى قضية التفتيش مؤكداً: يجب بالمطلق عدم السماح لتغلغلهم إلى المجال الأمني و الدفاعي للبلاد بذريعة الإشراف و التفتيش، و المسؤولون العسكريون في البلاد غير مسموح لهم أبداً بإفساح المجال للأجانب بالدخول إلى هذا الحيز و المجال أو إيقاف التنمية الدفاعية للبلاد بذريعة الإشراف و التفتيش.
و أضاف سماحته: من اللازم أن تبقي القدرات الدفاعية للبلاد و القبضة القوية للشعب في الميدان الدولي قوية صلبة و أن تزداد صلابة يوماً بعد آخر. كذلك يجب في المفاوضات عدم المساس مطلقاً بدعم إخوتنا المقاومين في مختلف المناطق.
كما أكد قائد الثورة الإسلامية بخصوص أسلوب الإشراف على البرنامج النووي الإيراني: أي أسلوب من الإشراف غير المألوف الذي يجعل إيران بلداً خاصاً من حيث الإشراف، أمر غير مقبول، و الإشراف يجب أن يكون في حدود الإشراف المألوف الذي يحصل في كل مكان من العالم و ليس أكثر.
و كانت النقطة الأخرى التي أشار لها قائد الثورة الإسلامية تتعلق بضرورة استمرار التنمية التقنية للبرنامج النووي الإيراني حيث أكد سماحته: التنمية العلمية و التقنية في مختلف الأبعاد يجب أن تستمر، و طبعاً فإن الفريق المفاوض قد يجد من اللازم الموافقة على بعض القيود، و لا نعارض في هذا الجانب، لكن التنمية التقنية يجب أن تستمر بالتأكيد و تتقدم إلى الأمام باقتدار.
و لفت آية الله العظمى السيد الخامنئي: تأمين هذه المطاليب يقع على عاتق المفاوضين، و يجب بالاستفادة من آراء الأشخاص المطلعين و الأمناء و كذلك الناقدين، العثور على الأساليب الصحيحة في المفاوضات و متابعتها.
و أشار الإمام السيد على الخامنئي في جانب آخر من حديثه إلى تطورات اليمن البالغة الأهمية مؤكداً: السعوديون باعتدائهم على اليمن ارتكبوا خطأ و أطلقوا بدعة سيئة في المنطقة.
و عدّ قائد الثورة الإسلامية ما تقوم به الحكومة السعودية في اليمن هذه الأيام يشبه جرائم الصهاينة في غزة، و ألمح إلى جانبين مهمّين في هذا الموضوع.
اعتبر سماحته العمل ضد الشعب اليمني جريمة و إبادة جماعية ممكنة الملاحقة دولياً، و أضاف يقول: قتل الأطفال و تهديم البيوت و تدمير البنى التحتية و الثروات الوطنية لبلد من البلدان جريمة كبرى.
و أكد قائد الثورة الإسلامية: من المتيقن منه أن السعوديين سوف يخسرون في هذه القضية و لن ينتصروا أبداً. و قال سماحته موضحاً المبرّر في تخمين هزيمة السعوديين: السبب في هذا التخمين واضح لأن القدرات العسكرية للصهاينة أضعاف ما للسعوديين، و منطقة غزة منطقة صغيرة، لكن الصهاينة لم يستطيعوا النجاح فيها، بينما اليمن بلد كبير و سكانه عشرات الملايين.
و شدد الإمام علي الخامنئي: السعوديون سوف يتلقون ضربة في هذه القضية بالتأكيد و سوف يمرّغ أنفهم في الوحل.
و أشار سماحته إلى سوابق السعوديين في قضايا السياسية الخارجية قائلاً: لدينا مع السعوديين اختلافات متعددة في شتى الأمور السياسية، لكننا كنا نقول دوماً إنهم يبدون في السياسة الخارجية وقاراً و رزانة، بید أن حفنة من الشباب غير ذوي التجربة أمسكوا بزمام الأمور في ذلك البلد، و راحوا يغلبون جانب الوحشية على جانب الرزانة و المظاهر، و هذا العمل سينتهي بضررهم يقيناً.
و أكد قائد الثورة الإسلامية مخاطباً الحكومة السعودية: هذا التحرك غير مقبول في المنطقة، و إنني أحذر بأنه يجب أن يقلعوا عن تحركهم الإجرامي في اليمن.
ثم أشار آية الله العظمى السيد علي الخامنئي إلى دعم أمريكا للحكومة السعودية و دفاعها عنها مردفاً: هذه طبيعة أمريكا أن تتحيّز في كل القضايا للظالم بدل الدفاع عن المظلوم، لكنهم هم أيضاً سوف يخسرون و ينهزمون في هذه القضية.
و أشار سماحته إلى ادعاء تدخل إيران في اليمن قائلاً: طائراتهم المجرمة تزعزع الأمن في سماء اليمن، و يصطنعون ذرائع بلهاء و مرفوضة عند الله و الشعوب و المنطق الدولي للتدخل في اليمن، لكنهم لا يعتبرون هذا تدخلاً، و في المقابل يتهمون إيران بالتدخل.
و وصف قائد الثورة الإسلامية شعب اليمن بأنه شعب عريق و ذا سوابق قديمة و لديه الإمكانية و القدرة على تعيين حكومته، و أكد ثانية: من الضروري أن تقلع الحكومة السعودية بأسرع وقت عن هذه الجرائم المفجعة.
و أوضح آية الله العظمى السيد الخامنئي أن الخطة الأولية المرسومة من قبل خصوم الشعب اليمني هي خلق فراغ في السلطة و إيجاد ظروف تشبه الوضع البالغ السوء و المؤلم في ليبيا قائلاً: لحسن الحظ أخفقوا في تحقيق مثل هذا الهدف لأن الشباب المؤمنين و المحبين و المعتقدين بنهج سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من شيعة و سنة و زيدية و حنفية وقفوا بوجههم، و سيقفون بعد الآن أيضاً و سوف ينتصرون.
في بداية هذا اللقاء حيّى آية الله العظمى السيد الخامنئي ذكرى المرحوم آهي کأحد مداحي أهل البيت (ع) الملتزمين و الخيرين و الدؤوبين، و خاطب مداحي أهل البيت (ع) بعدة نقاط.
و كانت النقطة الأولى التي ذكرها الإمام الخامنئي مخاطباً مداحي أهل البيت (ع) معرفة قدر فرصة المشاركة الكبيرة، و الشبابية خاصة، في مجالس أهل البيت (ع). و أشار سماحته أيضاً إلى نقطة أخرى هي ضرورة أن يشيع مداحو أهل البيت (ع) في مجالسهم معارف الدين و أسلوب الحياة الإسلامية و يأخذوا بأيدي مخاطبيهم إلى العمل بالمسؤوليات الكبرى في هذه الفترة.
و من النقاط الأخرى التي ذكرها قائد الثورة الإسلامية تجنب الانحرافات و الخرافات و خلق العقد في معتقدات الشباب.