Super User

Super User

التقى يوم الخميس ١٤/٣/٢٠١٩ رئيس وأعضاء مجلس خبراء القيادة بالإمام الخامنئي وكان مما ورد في كلمة سماحته تأكيده على ضرورة التأسيس لخطاب وفهم عام عميق حول لكيفية تصدّي البلد والأفراد ذوي التأثير للأحداث والتحدّيات، كما طرح قائد الثورة الإسلامية ١١ ثنائية في هذا المجال وقال أنّ بالإمكان إلحاق الهزيمة الأكبر تاريخيّاً بأمريكا شرط تعبئة أقصى الإمكانات الذاتيّة.

في ما يلى النص الكامل لكلمة الإمام الخامنئي لدى لقائه بأعضاء مجلس خبراء القيادة:

بسم الله الرحمن الرحيم (1)

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، سيّما بقيّة الله في الأرضين.

نحن مسرورون جداً لأن موعد اللّقاء بحضرات السادة الخبراء قد حلّ من جديد، ووُفّقنا لخدمة الأعزاء واللّقاء بهم. لقد استفدنا جميعاً؛ أنا وأنتم والجميع من كلمات السادة. أسأل الله أن يمدّ لنا يد العون ويوفّقنا للعمل بما نفهمه.

ومن اللازم هنا، أن أبدي بدوري أيضاً أسفي لفقد عالمين وفقيهين جليلين وعالمين بحقّ هما المرحوم السيد الشاهرودي (2) والمرحوم الشيخ مؤمن (3)، وقد كان كلاهما والحقّ يقال من أساطين الحوزة العلمية في قم، ومن المفيدين والعلماء الفاضلين؛ من العلماء الذين تحرّكوا في خدمة أهداف الثورة، وكان فقدانهما خسارة لنا وللحوزة العلمية. فالمرحوم الشيخ مؤمن والمرحوم السيد الشاهرودي كانا بالمعنى الحقيقي للكلمة في خدمة ما يشعران أنّه ضروري للبلاد والثورة؛ ومن دون أيّ توقّعات. أعلى الله درجاتهما إن شاء الله وعوّضنا عن خسارتهما. وإن شاء الله سيزيد فقهاؤنا الشباب مهما أمكنهم من مساعيهم ودقّتهم وأعمالهم في مجال المسائل الفقهية الإسلامية، ويلاحقوا الأعمال ويتابعوها بشكل أكبر؛ فوجود علماء مضطلعين أقوياء مواكبين للعصر واعين لقضايا البلاد مسألة ضرورية.

الموضوع الذي أعددته اليوم لأطرحه على السادة ليس بالموضوع الجديد عليكم. والسبب في طرحي له أنّ كلّ واحد منكم والحمد لله له مكانته في منطقة ما ـ سواء بين الناس أو بين طلبة العلوم الدينية والحوزات العلمية ـ وله كلمة مسموعة. والتطرّق إلى هذه المواضيع هو من أجل تبيين هذه العناوين وهذه الموضوعات التي نطرحها، من قبلكم أنتم السادة، بما تتمتّعون به من علم ومهارة وقدرة على التجزئة والتحليل، ولكي تتحوّل [هذه] إلى خطاب وفهم عامّين. من المهمّ جداً بالنسبة للبلاد أن يصل الشعب إلى فهم عامّ في خصوص القضية التي سأطرحها الآن.

ما أريد طرحه كموضوع للبحث عبارة عن هذه القضية: نوعية مواجهة البلاد والأفراد المؤثرين فيها للتحدّيات والأحداث. هذا ما أريد طرحه ومناقشته. فبالنهاية، لكلّ بلد وكلّ مجتمع أحداثه، وهذه الأحداث قد تكون جيّدة وقد تكون مريرة، وقد تكون هناك ضغوط ـ من قبيل أنّنا معرّضون للحظر ومعرّضون للغزو الثقافي وما إلى ذلك، أو إنّ بعض البلدان عرضة لهجوم عسكري قاسٍ؛ فالبلدان تواجه أحداثاً ـ وأحياناً تحصل حالات تقدّم وتطوّر. فطبيعة مواجهة هذه الأحداث قضيّة على جانب كبير من الأهمية، أن كيف نواجه هذه الأحداث ونتعامل معها. هذا هو الموضوع والبحث الذي أريد طرحه.

وسأعرض في هذا الخصوص لعدد من الثنائيّات المحتملة التي يمكن تصوّرها لطبيعة التعامل والمواجهة: فأحياناً تكون مواجهتنا لهذه الأحداث مواجهة فعّالة، وأحياناً تكون مواجهة انفعالية أو مواجهة منفعلة. المواجهة الفعالة معناها أنّنا عندما نواجه حادثة ما، ننظر لنرى ما الذي يجب أن نفعله قبال هذه الحادثة لدفعها ورفعها وإضعافها، أو لتقويتها في بعض المواطن. فنفكّر ونرد الميدان بنحو فعّال. هذه هي المواجهة الفعّالة. أما المواجهة الانفعالية فهي أنّنا عندما يعرض لنا حدث مرير، صعب، أو مشكلة، نلجأ إلى البكاء والنحيب، ونذكر الحدث دائماً ونكرّره، من دون أن نحرّك ساكناً إزاءه. إذاً، لدينا نوعان من المواجهة: المواجهة الفعّالة والمواجهة الانفعالية.

ومن زاوية أخرى: هناك المواجهة الإبداعيّة، ومواجهة ردود الفعل. مواجهة ردود الفعل هي أنّنا عندما نكون أمام عدوّ مثلاً ويجرّنا هذا العدوّ إلى ساحة مواجهة ما، فنسير نحن أيضاً إلى تلك الساحة نفسها، ونعمل ونتصرّف طبقاً لمخطّطاته وبرامجه، ونتحرّك كردّ فعل للحركة التي يقوم هو بها. هذه مواجهة منفعلة وعلى شكل ردّ فعل. أي إنّ حركتنا هي في الواقع تابعة لطبيعة حركته. أمّا في المواجهة الإبداعيّة فالأمر ليس كذلك، فعندما يهاجمنا العدوّ مثلاً من جهة معيّنة، نهاجمه من جهة وموقع آخر، ونمسك بزمام المبادرة بنحو آخر، ونردّ بطريقة أخرى كأن نوجّه له ضربة. هذان نوعان من المواجهة.

وثمة ثنائية أخرى هي: المواجهة اليائسة والمواجهة المتفائلة. أحياناً عندما يواجه الإنسان حدثاً ما فإن تركيزه على قدرات العدوّ أو حركات العدوّ تجعله يائساً، وقد ينزل إلى الساحة لكنّه ينزل بيأس. هذا نوع من المواجهة. ونوع آخر من المواجهة هو أن يرد المرء الميدان بتفاؤل وأمل. هاتان الطريقتان تختلفان فيما بينهما. فإن وردنا الميدان بيأس سيكون سير العمل بنحو، وإن وردناه بتفاؤل فسيكون سير العمل  بنحو آخر. هذه أيضاً ثنائية أخرى.

وثنائية أخرى، هي ثنائية الخوف والشجاعة. تارة ينزل المرء إلى الساحة وهو خائف. خائف من العدوّ، من الحدث، ومن خوض الغمرات. يدخل بخوف، وهذا نوع من ردود الأفعال والمواجهة للعدوّ. وتارة ينزل المرء إلى الساحة بشجاعة. وقد ورد في الروايات «خُضِ الغَمَراتِ لِلحَقّ‌» (4)؛ فينزل إلى الساحة ببسالة وشجاعة. وهذا أيضاً نوع من المواجهة. لاحظوا، لننظر إلى وضع البلدان في العالم؛ البلدان التي نعرفها ونعرف مشاكلها. إنّنا نلاحظ كلا النوعين من الحراك في أمورها وقضاياها. فتراهم مثلاً يتعاملون في منطقة ما في مقابل الضغوط الأمريكيّة على بعض البلدان، بشجاعة وبسالة، ويتعاملون في منطقة أخرى بخوف. كلّ واحد من البلدان يتعاطى ويتعامل بنحو. فالذي يتعامل بخوف قد يقوم بتحرّك معيّن لكن نوع تحرّكه يختلف عن نوع تحرّك الشخص الذي يتعامل بأمل وتفاؤل وشجاعة.

وهناك ثنائية أخرى، وهي أنّ الحركة التي نريد القيام بها في مواجهة العدوّ هل هي حركة تمتاز بالحزم والتدبير أم تتّصف بالرؤية التبسيطيّة للأمور والتساهل واللامبالاة. على سبيل المثال ما ورد في كلمات السادة في خصوص الفضاء الافتراضي وقضايا من هذا القبيل. نوعية التعامل والتصرّف في هذه القضية يمكن أن تكون على نحوين: يمكن العمل بطريقة مدبّرة، ويمكن التعامل بطريقة التفكير التبسيطي. طبعاً التفكير التبسيطي شيء والتساهل شيء آخر. التفكير التبسيطي يعني أن لا يرى الإنسان تعقيدات الأمور ولا يلاحظ صعوباتها ومنعطفاتها ومشكلاتها. هذا هو التفكير التبسيطي. أمّا التساهل فهو أن يرى الإنسان هذه الأمور ويمر من أمامها دون مبالاة بالخطر. يمكن التصرّف بهذه الطريقة، ويمكن ورود الميدان بتدبير ودقّة، ومع ملاحظة كلّ الأبعاد والجوانب.

ثنائية أخرى: النظر للأحداث على أنّها تهديدات وفرص في الوقت ذاته [من ناحية]، والنظر إليها بنظرة أحادية الجانب، وأنّها إمّا تهديدات أو فرص [من ناحية أخرى]. على سبيل المثال عندما نكون أمام عداء أمريكا يمكننا أن نتعامل بطريقتين: [تارة] ننظر لنرى ما هي فرصنا مقابل هذا العدوّ القوي حسب الظاهر وما هي التهديدات والأخطار التي أمامنا، نلاحظ كلا الأمرين ونخلص إلى نتيجة شاملة ثم نقرّر. وتارة نرى التهديد والخطر فقط ولا نرى الفرص المتاحة لنا، وأحياناً لا، إذ نرى فرصاً أمامنا ولا نرى ما يحيط بنا من أخطار. هذه النظرة الأحاديّة الجانب للأمور خاطئة، ويمكن أن تكون لنا نظرتنا الجامعة الشاملة إزاء مثل هذه القضايا. هذه أيضاً ثنائية أخرى.

لاحظوا، هذه كلّها مهمّة بالنسبة للشعب، وهي ليست قضية خاصّة بالمسؤولين. حتماً المسؤولون هم المخاطبون قبل غيرهم بمثل هذه التوصيات والكلام ـ المسؤولون السياسيون بنحو والمسؤولون العسكريون بنحو ومسؤولو الشؤون الاجتماعية بنحو ـ لكنّ عموم الناس يجب أن يكونوا هم أيضاً أصحاب رؤية في هذه المجالات ويتوفروا على وعي وفهم عميق لها. وهذا هو معنى قولي إنّنا يجب أن نصل إلى فهم عام بين الناس. وسوف أوضح هذه النقطة بعض الشيء لاحقاً.

وهناك ثنائية أخرى: معرفة واقع الميدان. معرفة واقع الميدان وعدم معرفته. بمعنى أن نعلم أين نتموضع ونقف الآن: «أين نحن، أين العدوّ، وما هو موقعنا؟» هذه من جملة الأمور التي يبذل العدوّ مساعيه حولها. ولقد انصبّت محاولاته دائماً طوال هذه الأعوام وكرّر عملاؤه الداخليّون الأمر نفسه، بأن يظهروا موقعنا وموقفنا ضعيفين، وموقف العدوّ وموقعه قويّين، والإيحاء بأنّنا «مساكين ومنكوبين وحلت بنا الويلات ولا نستطيع فعل شيء». هذه من جملة تلك الأمور التي تمثل إحدى هذه الثنائيات الأساسية. يجب أن نعلم أين نحن في الواقع. على سبيل المثال، إذا لم نكن نعلم بأنّ موقعنا وموقفنا في المنطقة الآن بحيث يحسب لنا العدوّ حساباً فسوف نتصرّف بنحو، وإذا علمنا بأنّ موقعنا بحيث يحسب لنا العدوّ حساباً فسوف نتصرّف بشكل آخر. هؤلاء الذين يتكلمون حول وجودنا في المنطقة، ويكتبون، ويعترضون، ويوردون إشكالات في غير محلّها، هؤلاء في الواقع يساعدون ـ ولا أتّهم الآن أحداً ـ على تحقيق مخطّط العدوّ من دون أن يشعروا. هذه أيضاً ثنائية أخرى وهي أن نعرف موقعنا في الساحة وموقع عدوّنا في ساحة المواجهة والتحدّي.

وثنائية أخرى هي قضية إظهار المشاعر. في بعض الأحيان قد يطلق الإنسان العنان أحياناً لمشاعره ـ سواء كانت مشاعر إيجابية من قبيل الفرح حيث يفرح الإنسان بنجاح ما ويبتهج فيطلق العنان لمشاعره، أو المشاعر السلبية نظير الحزن أو الإنزعاج والألم ـ هذه حالة وهناك حالة معاكسة هي ضبط المشاعر وإظهار العواطف وإبداؤها بالقدر اللازم. من الحالات التي قد نتلقى منها ضربة حقاً ـ وقد تلقينا منها ضربات في بعض الأحيان ـ عدم السيطرة على المشاعر العامة. أنا مثلاً أعتمد كثيراً على الشباب وأؤمن بالشباب بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ وقد عملنا مع الشباب منذ ما قبل الثورة وكنّا على امتداد عمر الثورة دائماً وإلى الآن معهم وإلى جانبهم ـ لكن ينبغي التفطّن إلى أنّنا نعتمد على الشباب ونثق بهم لكن لا ينبغي  لمشاعر الشباب أن تسود المجتمع بصورة مطلقة وبنحو غير مسيطر عليه، فالمشاعر يجب السيطرة عليها. يمكن التصرف بطريقتين: الأولى التعامل مع العواطف والمشاعر من دون سيطرة، والثانية التعامل مع المشاعر بحيث تبرز بالمقدار اللازم، وهذه ليست بالعمليّة السهلة.

ثنائية أخرى تتمثّل في مراعاة الضوابط والحدود الشرعيّة وعدم مراعاتها. كنّا نلاحظ أحياناً خلال فترة الكفاح ما قبل الثورة أيضاً أنّ البعض ممن ينشطون بشدة في عملية الكفاح والنضال لا يهتمون للكثير من المسائل الشرعية وما شابه. كانوا يقولون يا سيدي إنّنا نعمل في الكفاح ولأجل هدف معين، فإذا لم نؤدِّ الصلاة في أول وقتها مثلاً فلا بأس بذلك، أو إذا لم تتحقّق المسألة الفلانية فلا ضرر في ذلك، وإذا ما حصلت حالات تهمة وغيبة وما شاكل فلم يكن ذلك يشكّل بالنسبة لهم أهمّيّة. حسنٌ، هذا نوع من التعامل، ونوع آخر من التعامل هو أن يراعي الإنسان التقوى. يقول الإمام أمير المؤمنين كما يروى: «لَولَا التُّقىٰ لَكنتُ اَدهَى العَرَب» (5). من أدهى من أمير المؤمنين وأوعى وأكثر فطنة وذكاء؟ لكن التقوى بالتالي تحول دون بعض الممارسات. هذه أيضاً ثنائية أخرى.

الاستفادة من التجارب أو التعرض للّدغ مرّتين من جحر واحد. هذه أيضاً قضية. في قضية مواجهتنا للأعداء الخارجيّين هذه ـ مع الغرب مثلاً ومع أمريكا ومع أوروبا ـ لدينا بعض القضايا والشؤون بالتالي، ولدينا قضايا سابقة، وكانت لنا قضايانا منذ بداية الثورة، لكن في الآونة الأخيرة كانت قضيّة الاتّفاق النووي والتزامات هؤلاء تجاهه، ثم نكثهم لإلتزاماتهم وعدم مراعاتهم لها، حسنٌ، هذه تجربة. علينا في تعاملنا مع هذا التيار، الذي تعامل معنا بهذه الطريقة ولم يعمل بواجباته على الرغم من العهود والمواثيق المؤكّدة، والذي مرّر الأمور هكذا بالابتسامات والابتسامات الساخرة وما شابه، وفي طريقة تعاطينا مع هذا الطرف، ومع هذا الشخص، ومع هذه الحكومة، ومع هذه الجبهة، أن نستفيد من هذه التجربة، ونعلم كيف يجب التعامل مع هؤلاء.

وهناك نقطة أخرى ونوع آخر من التحرّك وثنائية أخرى وهذه هي الثنائية الأخيرة، وهي أن نتهجّم دائماً عند مواجهة الأحداث على بعضنا البعض، وننتقد بعضنا البعض، وتدور عجلة الاتّهامات فيما بيننا، فأعدّك أنا مقصّراً وتعدّني أنت مقصراً. هذا نوع من التعامل يحدث للأسف في كثير من الأحيان، فحين تواجه الجماعات موقفاً أو ظرفاً صعباً ـ سواء كانت هذه الجماعات حزباً أو حكومة أو شعباً ـ تبدأ باتّهام بعضها البعض، أو لا، فبدل تبادل الصراخ على بعضنا البعض، على حدّ تعبير الإمام الخميني «وجهوا كل صرخاتكم ضد أمريكا» (6)، فأمريكا هي الخصم المقابل لنا. وقد قلت مراراً في خطاباتي العامّة بأنّه علينا أن لا نقع في هذا الخطأ وهو أن لا نعرف عدوّنا، فعدوّنا معروف. هناك أناس آخرون يعملون ضدّنا ـ أما بسبب الغفلة أو ما شاكل ـ لكنّ هؤلاء لا أهمية لهم، فالعدوّ الحقيقي «وَهَلُمَّ‌ الخَطبَ في ابنِ أبي‌ سُفيان» (7) كما قال الإمام أمير المؤمنين. فلا نصرخنّ في مثل تلك القضايا على بعضنا البعض من دون مبرّر، ولا نتشاجر فيما بيننا دون سبب. لننظر ونرى مع من يجب أن تكون المعركة حقّاً، ومن يجب أن نخاصم، فنعمل على هذا النحو.

أعتقد أن هذه الثنائيات تمثل أسئلة مهمّة. يجب أن نسأل أنفسنا كيف ينبغي لنا أن نعمل ونتصرّف إزاءها؟ طبعاً الإجابة اللسانية عن هذه الأسئلة سهلة لكن الإجابة العملية عنها والالتزام بها ليست بالأمر السهل. وبرأيي أنّ الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة في مصادرنا الإسلامية. على سبيل المثال يعلّمنا القرآن درساً في كيفيّة التعامل والتعاطي حيال الانتصار: «إذا جاءَ نَصرُ اللهِ وَالفَتحُ، وَرَأيتَ النّاسَ يدخُلونَ في دينِ اللهِ أفواجًا، فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّك وَ استَغفِرهُ إنَّه كانَ تَوّابًا» (8) لا يقول ابتهج وافرح وانزل مثلاً وسط الساحة وارفع الشعارات، بل يقول: «فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّك» عليك أن تسبّح وتستغفر، فهذا النصر ليس من عندك بل هو من الله. وربّما صدرت عنك خلال هذه المسيرة غفلة فاطلب المغفرة من الله تعالى. ينبغي التعامل مع الحوادث الإيجابية بهذه الطريقة: عدم الإصابة بالغرور، وعدّ النجاحات من الله «وَما رَمَيتَ اِذ رَمَيتَ وَلكنَّ اللهَ رَمى» (9). ليس من الصحيح أن يغترّ الإنسان بنفسه ويغرّه بالله الغَرُور، «فَحَقُّ لَك أن لا يغتَرَّ بِك الصِّدّيقون» (10). ورد في دعاء الصحيفة السجّادية أنّ الصدّيقين أيضاً يجب أن لا يغتروا بالله فيقولوا «طالما كنّا مع الله فحالنا ووضعنا واضح إذاً...»، لا، فالله تعالى لا يجامل حتّى الصدّيقين، وإن أخطأوا سيتلقّون الضربة. وعلينا أن لا نحسب العمل الذي يُنجز والعمل الحسن الذي يحصل، من أنفسنا بل من الله. وهذه هي حقيقة الأمر.

حسنٌ، الثاني والعشرون من بهمن لهذه السنة كان أقوى وأكثر ازدحاماً من السنين الماضية، فمن الذي قام بذلك؟ أيّ عامل وأيّ إنسان يستطيع الإدّعاء بأنّه كان مؤثراً في هذه القضية؟ مهما نظرنا ودقّقنا لا نجد سوى يد القدرة الإلهية. قال الجميع إن المشاركة كانت هذه السنة في مختلف المناطق أفضل من السنوات الماضية، وهذه ليست سوى يد القدرة الإلهية، هذه يد القدرة الإلهية. ذات مرة خلال فترة مرض الإمام الخميني (رضوان الله عليه) حينما تكلّمت حول أمر ما، وقلت إنّه من فعل الله، وأنّه كان توفيقاً كبيراً قال لي: إنّني منذ انتصار الثورة أو منذ بداية الأمر وإلى الآن أرى مثل هذا الشيء، وهو أنّ يداً قديرة هي التي تسيّر أمورنا. وقد كتبت عين عبارته بعد ذلك عندما خرجت من عنده، ولا أذكر الآن العبارة بالتحديد، قال إنّني أرى يداً قديرة. وهذا هو واقع القضية. هناك يد قديرة تسيّر الأمور وتنجزها. بيد أن يد القدرة الإلهية هذه [تتدخّل] خاصّة عندما نحسن سلوكنا وتصرّفنا فتشملنا رحمة الله تعالى. «أللهُمَّ إنّي أسئَلُك موجِباتِ‌ رَحمَتِك‌» (11)، موجبات الرحمة في أيدينا. قال الإمام الخميني (رضوان الله عليه) إنّ الله هو الذي حرّر مدينة خرّمشهر. لقد جاهد كلّ أولئك الشباب هناك واستشهدوا وعملوا، وقال الإمام الخميني إن الله هو الذي حرّرها، وهذا هو الصحيح، فالله هو الذي حرّرها. فقد كان يمكن أن يقدّموا هذا العدد نفسه من الشهداء من دون تحقيق أيّ نتيجة. في عمليات رمضان ـ في المعركة التي دارت في تلك الآونة نفسها ـ لم يشأ الله لنا الفتح، لكنّ خرّمشهر تحرّرت، وقد كانت هذه إرادة الله. كان هذا فيما يتعلّق بالأحداث المفرحة الإيجابية.

في مواجهة الأحداث الصعبة من قبيل هذا الحظر وهو حدث صعب، أو خذوا على سبيل المثال الهجوم العسكري والتحرّك العسكري ـ هذه أحداث صعبة قد تفرض من قبل العدوّ ـ هناك أيضاً يعلّمنا الله قاعدته والمنهاج الصحيح: «وَلَمّا رَءَا المُؤمِنونَ الأحزابَ قالوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسولُه وَصَدَقَ اللهُ وَرَسولُه وَما زادَهُم ‌إلّا إيمانًا وَتَسليمًا» (12). لم نكن نتوقّع أن تتشكّل الحكومة الإسلامية في عصر هيمنة النزعة المادية والحكومات المادية في العالم، ويبقى المادّيون في العالم الذين يمسكون بكلّ أسباب القوى المادية في أيديهم ساكتين يتفرجون، فقد كان من الواضح أنّهم سوف يعارضوننا، وكان من المعلوم أنّهم سوف يفرضون الحظر إن استطاعوا، وكان من البيّن أنّهم سيخوضون حرباً عسكرية ضدّنا إن استطاعوا. علينا أن نقوم بعمل لا يفكّرون معه بالقيام بهذه الأعمال، وإن فكّروا وقاموا بها، فإنّهم سيتلقّون الضربات. وإلا فتوقّع عدم مهاجمة العدوّ لنا ليس بالتوقّع الصحيح. إذاً، هذا أيضاً أمر إلهي.

في مواجهة الأحداث ينبغي أن لا يعترينا الخوف والفزع. «ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يحزَنون» (13). هذه الآية في سورة يونس، وقد نظرت فوجدت أنّه في سورة البقرة أيضاً هناك ربّما أربعة أو خمسة مواضع (14) وردت فيها عبارة «لا خَوفٌ عَلَيهِم وَ لاهُم يحزَنون» بشأن المؤمنين. هذا بفضل الإيمان وبسبب الارتباط بالله، وبسبب القبول بالولاية الإلهية. يجب أن لا يكون هناك خوف وما شاكل. الإمام الخميني (رضوان الله عليه) لم يكن يخاف حقّاً. ذات مرّة كنت جالساً في حضرته ـ في بداية الثورة، في الآونة التي كانت لنا مع ذلك المسكين (15) مشكلات بشأن قضايا القوات المسلّحة وما شاكل ـ فقلت له «إنّ السبب في أنّكم قلتم العبارة الفلانية عن الشخص الفلاني هو أنّكم تخافون ...» أردت أن أقول «أنّكم تخافون أن يسوء ذلك القوات المسلّحة»، لكنني ما إن قلت «تخافون» حتّى قال مباشرةً وعلى الفور : «إنّني لا أخاف من أي شيء». ولم ينتظر أن أذكر متعلّق الخوف، فبمجرد أن قلت «أنك تخاف» حتى قال «إنني لا أخاف من أيّ شيء». وقد كان هكذا فعلاً. لم يكن يخاف من أي شيء. هذا هو معنى «ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يحزَنون‌». ولماذا سيخاف؟ إنسان عظيم مثله كان هكذا فعلاً.

وفي ثنائية الأمل واليأس يجب أن لا نصاب باليأس: «لا تَيأسوا مِن رَوحِ اللهِ إنّه لا ييأَسُ مِن رَوحِ اللهِ إلَّا القَومُ الكافِرون» (16)، الواردة في سورة يوسف. وهذا الأمر يتعلّق بالشؤون الدنيوية. «لا تَيأسوا مِن رَوحِ الله» لا تتعلّق بالشؤون المعنوية، [بل] بالعثور على يوسف: «يا بَنِي اذهَبوا فَتَحَسَّسوا مِن يوسُفَ وَأخيهِ وَلا تَيأسوا مِن رَوحِ الله‌» (17). «لا تَيأَسوا مِن رَوحِ الله» في العثور على يوسف وهو شأن دنيوي. إذن، «لا تَايئَسوا مِن رَوحِ الله» أمر عامّ في الشؤون الدنيوية. طبعاً الحالة نفسها تنطبق على الشؤون الأخروية، بيد أن الآية تتعلّق بالشؤون الدنيوية. «لا تَيأسوا»، ولماذا يصاب الإنسان باليأس؟ لا، فنحن نأمل أن نستطيع تمريغ أنف هذه القوى المستكبرة في التراب ونذلّها، ويمكننا فعل ذلك، نحن متفائلون آملون. إذا ما سعينا وعقدنا الهمم، وأردنا، وتوكّلنا على الله، وطلبنا من الله، فإن ذلك سيكون ممكناً.

كما يجب أن لا نصاب بالتسرّع ولا باختلاق الذرائع. من الأمور التي ينبغي أن نلاحظها كلّنا بحقّ ـ أنا وأنتم السادة ـ في المدن، وفي خطب صلاة الجمعة، وبين الطلبة والفضلاء والحوزات العلمية، هي أنّ من عيوب العمل عدم الصبر والتسرّع، وأن يصرّ الإنسان إصراراً شديداً ويقول: لماذا لم يحصل كذا ولماذا لم يحصل كذا؟ كلّ شيء له قدره ومقداره ولكلّ شيء أجله وأمده، ولا يمكن لكلّ شيء أن يحدث بسرعة. ذات مرّة جاء رجل إلى الإمام الخميني وشكا إليه وضع الحكومة ـ وقد كنت حينها رئيساً للجمهورية ـ قال شيئاً ما، فقال له الإمام الخميني جملة واحدة لا أنساها، قال: «يا سيد، إدارة البلد صعبة». أنا كنت رئيساً للجمهورية وحين قال الإمام الخميني هذه العبارة صدّقتها حقاً ومن أعماق القلب. الكثير من الأعمال يجب أن تُنجز ويجب الاستعداد وعقد الهمم لها، لكنّ الوصول إلى النتائج يحتاج إلى مقدار من الوقت والفرص.  فالتسرع  والعجلة والشعور بالتأخير ليس بالشعور الجيّد.

سجلت هنا هذه الآية الشريفة التي تروي قصة النبيّ موسى عندما عاد ومعه الألواح ورأى حادثة العجل قد وقعت. «قالَ يقَومِ ألَم‌ يعِدكم‌ رَبكم‌ وَعدًا حَسَنًا» لقد وعدكم الله أن يحسّن لكم حياتكم ويصلحها «أفَطالَ عَلَيكمُ العَهد» فهل طال عليكم الأمد؟ هل انقضي الزمن الذي كان ينبغي أن ينجز فيه الوعد الإلهي حتى رحتم تتبرّمون هكذا؟ انتظروا إذن واصبروا وسوف ينجز الله وعده. حسن الظنّ بالله تعالى ـ وهو ما ذكرته ذات مرّة في هذه الجلسة نفسها (18) ـ أمر ضروريّ، وسوء الظنّ بالوعد الإلهي والقول «لماذا لم يحصل؟ ولماذا لم يحصل؟» أمر مذموم جدّاً. في الآيات «أفَطالَ عَلَيكمُ العَهدُ أم أرَدتُم أن يحِلَّ عَلَيكم غَضَبٌ مِن رَبّكم» (19) أنا أحتمل أنّ الآية «ياَ أيّهَا الَّذينَ ءامَنوا لا تَكونوا كالَّذينَ ءاذَوا موسىٰ فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالوا» (20) تشير إلى هذا الشيء: «وَإذ قالَ موسىٰ لِقَومِه! يا قَومِ لِمَ تُؤذونَني وَقَد تَعلَمونَ أنّي رَسولُ الله» (21)، ربما كانت إشارة إلى أنّهم كانوا يضغطون ويصرّون عليه دائماً أن «لماذا لم يحصل كذا ولماذا لم يحصل كذا؟» وهذا حتماً يعود إلى ما بعد النجاة من أيدي فرعون، لكن الأمر كان على هذا النحو حتى قبل النجاة من أيدي فرعون «قالوِّا أوذينا مِن قَبلِ أن تَأتِينا وَمِن بَعدِ ما جِئتَنا» (22). كانوا يعترضون على النبيّ موسى بأنّ الأذى لا يزال يطالنا حتّى من بعد ما جئتنا. أي إن الاعتراضات والإشكالات الإسرائيلية التي ترد ويتكلّمون عنها هي حقيقةً من هذا القبيل، فيجب أن نحذر من أن نصاب بها.

حسنٌ، قضية أخرى نطرحها أيضاً هي وضع الحدود وتحديدها مع العدوّ للمصونيّة والمنعة ضدّ الهجمات الناعمة. فمن الأمور اللازمة والضرورية جداً أن لا نسمح لحدودنا الفاصلة بيننا وبين العدوّ بالاضمحلال والتبدد. تحديد الحدود مع العدوّ. إن لم يكن هناك من تحديد للحدود مع العدوّ، ولم تكن هذه الحدود بارزة واضحة لأمكن اجتياز هذه الحدود سواء من هذا الجانب إلى ذاك أو من ذاك الجانب إلى هذا. وهذا تماماً كالحدود الجغرافية. إذا لم تكن هناك حدود جغرافية ولم تكن هذه الحدود بارزة واضحة فسوف ينهض شخص من ذلك الجانب ويعبر وينفذ إلى هنا؛ شخص مهرّب أو سارق أو جاسوس يدخل من هناك إلى هنا. ومن هنا [أيضاً] ينهض إنسان غافل فيجتاز الحدود ويذهب إلى هناك ويقع في الفخ. والحدود العقائدية والحدود السياسية أيضاً على هذا النحو تماماً. عندما لا تكون الحدود واضحة سيستطيع العدو التغلغل والنفوذ وممارسة الخداع والحيلة والتسلط والهيمنة على الفضاء الافتراضي. أمّا إذا كانت الحدود مع العدوّ بيّنة جليّة فلن تكون سيطرته على الفضاء الافتراضي والأجواء الثقافية بهذه البساطة والسهولة. إليكم أيضاً هذه النقطة فقد ورد في قوله تعالى «لا تَتَّخِذوا عَدُوّي وَعَدُوَّكم أولِياءَ تُلقونَ إلَيهِم» إلى أن يقول «تُسِرّونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ وَأنَا أعلَمُ بِما أخفَيتُم» (23). لقد نهانا الله تعالى أن نتعامل مع العدوّ بهذه الصورة. هذه أيضاً نقطة.

ولوضع الحدود وتحديدها مع الأعداء وحفظها هامش أرى أنّه على جانب كبير من الأهمية، وهو أن لا نحسب الجميع أعداءً. هذه أيضاً قضية مهمّة. أحياناً بسبب تعصبّنا ضدّ العدوّ ـ وهذا التعصّب تعصب في محلّه وحسن ـ ما إن ينطق شخص بكلام معيّن لا يتفق مع رؤيتنا ونظرتنا للعدوّ حتّى نتّهمه بأنّك مع العدوّ، هذا غير صحيح. حسنٌ، افترضوا الآن أنّ هناك داخل البلاد نقاشاً يدور حول المعاهدة الفلانية أو حول القضية الدولية الفلانية والبعض يعارضون والبعض يؤيّدون، فما من سبب على الإطلاق لأن يتّهم المؤيّدون المعارضين، أو يتّهم المعارضون المؤيّدين. فهما بالتالي رؤيتان واستدلالان. هذا لا يقبل بدليل ذاك، وذاك لا يقبل بدليل هذا. عدم اتّهامنا لبعضنا البعض وعدم التنازع والعراك فيما بيننا هو الفكرة التي سبق أن ذكرتها، وهي أن لا نضيّع الحدود التي وضعناها بيننا وبين العدو. إنّ قضيّة وضع الحدود الفاصلة مع العدوّ قضية على جانب كبير من الأهمية، لكن لا ينبغي لهذا أن يؤدّي بنا إلى أنّنا بمجرّد أن نرى شخصاً يخالفنا أدنى مخالفة وجهة النظر في قضيّة ما، نربطه فوراً بالعدوّ ونقول إن هذا الشخص عميل للعدوّ، لا، فهذا أيضاً غير صحيح برأينا.

وأشير في الخاتمة إلى نقطتين: أوّلاً إنّ هجوم العدوّ بأقصى الدرجات يحتاج إلى تعبئة قصوى للقوى. إنّ هجوم العدوّ في الوقت الحاضر قد بلغ أقصى الدرجات، أي إنّهم يستخدمون كل طاقاتهم وأدواتهم. وهذا ما يفعله الأمريكان بالدرجة الأولى، وعلى هامشهم وتبعاً لهم الصهاينة أي الحكومة الصهيونية. وإلى جانبهم ومن خلفهم عموم الغربيّين وكلّ الأوروبيّين. لنفترض الآن مثلاً أنّ أمريكا قد رفعت حظر شراء النفط الإيراني عن بعض البلدان الأوروبية، لكنّ هؤلاء لا يزالون يمتنعون عن شراء النفط منّا، هذا عداء بالتالي، أي لا وجه آخر لهذا الأمر على الإطلاق. بيد أن هذا نوع من العداء، ونوع خاصّ منه. لقد عبّأوا الناس ضدّنا بأقصى درجات التعبئة. ولطالما كرّر الأمريكان وردّدوا أنّ الحظر الذي فرضناه على إيران هو الحظر الأشدّ على مرّ التاريخ، وهم على حقّ في هذا. وقلت ذات مرّة في الردّ عليهم بأنّ الهزيمة التي ستمنى بها أمريكا في هذه القضية ستكون إن شاء الله الهزيمة الأشدّ على مر التاريخ (24)، هذا إن عقدنا نحن الهمم إن شاء الله وتحرّكنا بصورة صحيحة وتقدّمنا إلى الإمام. إذاً لا بدّ من تعبئة كلّ الطاقات والإمكانيات. وفي مقابل الهجوم بحدوده القصوى لا بدّ من التعبئة بحدودها القصوى. هذه نقطة.

والنقطة الثانية، هي أنّ ذكر الله هو أساس العمل: «وَلا تَنِيا في ذِكرِي» (25). يقول الله تعالى لموسى وهارون في ذلك الظرف الحسّاس حيث يسير رجلان لوحدهما إلى قوة جبّارة قاهرة مسيطرة كفرعون بكلّ تلك الإمكانيات والطاقات: «وَلا تَنِيا في ذِكرِي»، إلتفتوا! قال مراراً: «لا تَخافا إنَّني مَعَكما أسمَعُ وَأرى» (26). إنّني أساعدكما وأحميكما، لكنّه قال أيضاً «ولا تَنِيا في ذِكرِي»، أي لا تقصّرا. الذكر الإلهي وسيلة ومصدر لكلّ هذه القدرات التي عدّدناها وأشرنا إليها، والتي يجب استخدامها والاستفادة منها. الذكر الإلهي هو الأرضية لكلّ هذا.

أسأل الله تعالى أن يمنّ علينا وعليكم بالتوفيق لذكره والتوجّه إليه إن شاء الله، وأن يحقّق وعده قريباً بحقّ هذا الشعب وحقّ هذه الأمّة إن شاء الله.

وأقول ضمناً، سمعت البعض يقولون إنّ فلاناً قال: «التوجّه نحو شريحة الشباب يعني إقصاء الشيوخ»، وأنا أنكر هذا الشيء فليس مرادي إقصاء الشيوخ والمسنّين. النزعة الشبابية معنى من المعاني يجب التفكير والتأمل فيه. لدينا معنى واضح للنزعة الشبابية، ولا نعني بها إقصاء المسنّين والشيوخ.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الهوامش:

1 ـ في بداية هذا اللقاء ـ الذي أقيم في نهاية الاجتماع السادس من الدورة الخامسة لمجلس خبراء القيادة ـ تحدّث آية الله الشيخ أحمد جنّتي (رئيس مجلس خبراء القيادة) وآية الله الشيخ محمّد علي موحّدي كرماني (نائب رئيس مجلس خبراء القيادة).

2 ـ آية الله السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي.

3 ـ آية الله الشيخ محمّد مؤمن قمي.

4 ـ نهج البلاغة، الكتاب رقم 31 .

5 ـ الكافي، ج 8 ، ص 24 .

6 ـ صحيفة الإمام الخميني، ج 11 ، ص 121 ، كلمة للإمام الخميني أمام حشد من حرس الثورة الإسلامية في طهران بتاريخ 25/11/1979 م .

7 ـ أمالي الصدوق، ص 619 .

8 ـ سورة النصر، الآيات 1 إلى 3 .

9 ـ سورة الأنفال، شطر من الآية 17 .

10 ـ الصحيفة السجّادية، الدعاء 39 بقليل من الاختلاف.

11 ـ مصباح المتهجّد، ج 1 ، ص 61 .

12 ـ سورة الأحزاب، الآية 22 .

13 ـ سورة يونس، الآية 62 .

14 ـ من ذلك الآيات 62 و 112 و 262 و 274 و 277 .

15 ـ أبو الحسن بني صدر.

16 ـ سورة يوسف، شطر من الآية 78 .

17 ـ م. ن .

18 ـ كلمة الإمام الخامنئي في لقائه بأعضاء مجلس خبراء القيادة بتاريخ 03/09/2015 م .

19 ـ سورة طه، شطر من الآية 86 .

20 ـ سورة الأحزاب، شطر من الآية 69 .

21 ـ سورة الصف، شطر من الآية 5 .

22 ـ سورة الأعراف، شطر من الآية 129 .

23 ـ سورة الممتحنة، شطر من الآية 1 .

24 ـ كلمة الإمام الخامنئي في لقائه بمختلف شرائح الشعب من أهالي مدينة قم بتاريخ 09/01/2019 م .

25 ـ سورة طه، شطر من الآية 42 .

26 ـ سورة طه، شطر من الآية 46 .

دان الرئیس الایراني حسن روحاني بشدة الجریمة الارهابیة المروعة في نیوزیلندا، واعتبرها مؤشرا اخر على ضرورة التصدي الشامل لظاهرة التخويف من الاسلام (الاسلاموفوبیا) الرائجة في الغرب.

وجاء في بیان اصدره الرئیس روحاني الجمعة بهذا الصدد، ان الهجوم الارهابي والعنصري على المصلین في نیوزیلندا، كان عملا وحشیا وشنیعا آلم قلوب الشعب الایراني وجمیع المسلمین والاحرار في العالم.

واضاف، ان هذه الجریمة الهمجیة التي اسفرت عن استشهاد وجرح العدید من المصلین الابریاء والعزل، مؤشر اخر على ضرورة التصدي الشامل للارهاب وبث الكراهیة تجاه الادیان والقومیات وكذلك التخويف من الاسلام (الاسلاموفوبیا) الرائجة في الغرب والتي للاسف یتم النفخ فیها من قبل بعض الحكومات الغربیة ایضا.

وقال، ان التغطیة الخبریة غیر المهنیة واللاانسانیة لهذه الجریمة الارهابیة من قبل بعض وسائل الاعلام المتشدقة في الغرب، وثیقة اخرى على عنصریتها ومعاییرها المزدوجة حتى فیما یخص حیاة البشر. ان هذه الجریمة الوحشیة والظلم الصارخ لیس حدثا یمكن ان تنساه الضمائر الحیة والملتزمة بالقیم الانسانیة.

واضاف الرئیس روحاني، ان هذه الجریمة اثبتت بان الارهاب مازال من المشاكل العالمیة المهمة وبحاجة الى مكافحة شاملة ومنهج موحد من قبل جمیع الدول ضد العنف والتطرف في ای نقطة من العالم، ویتوجب على المحافل العالمیة خاصة الدول الاسلامیة ابداء رد الفعل الجاد تجاه هذه الجرائم المناهضة للبشریة وفضح الحماة السریین والعلنیین لمثل هذه الممارسات.

واكد الرئیس روحانی بان حكومة الجمهوریة الاسلامیة الایرانیة مازالت عازمة على المكافحة الحازمة للارهاب والعنصریة في ظل وحدة وتضامن المسلمین واضاف، ان مثل هذه المؤامرات العمیاء والعشوائیة التي یقوم بها الاعداء لن تعود لهم سوى بالمزید من الخزي.

ودان الرئیس الایراني هذه الكارثة المروعة واعرب عن مواساته لاسر الضحایا وتقدم بالعزاء لجمیع مسلمي العالم، مبتهلا الى الباری تعالى بان یبوئ الشهداء الدرجات العلى في جنان النعیم وان یلهم اهلهم وذویهم جمیل الصبر والسلوان وان یمن على الجرحى بالشفاء العاجل.

واكد الرئیس روحاني فی الختام بان جهاز السیاسة الخارجیة للجمهوریة الاسلامیة سیتابع بجد على الصعید الدولی مسالة البت في هذه الجریمة البشعة والطلب باعتقال ومحاكمة كل الضالعین فیها.

في خطوة تصعيدية دعا تجمع المهنيين السودانيين المعارض إلى حملة مقاطعة اقتصادية للسلع والخدمات المرتبطة بالحكومة .

وكانت مدن عديدة قد شهدت أمس تظاهرات طالبت بتنحي الرئيس البشير، وشملت التظاهرات أم درمان غربي العاصمة ومناطق عديدة في الخرطوم، ولا سيما في الكلاكلة والطائف.

يأتي ذلك فيما توعد جهاز الأمن والمخابرات الوطني بالضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه المساس بأمن البلاد واستقرارها وتخريب الاقتصاد الوطنيِّ كما قال.

شهدت العاصمة الجزائرية تجمعّات جماهيرية للمشاركة في مسيرات جديدة ضد قرارات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

ووفق مراسل الميادين، فإن قوات الأمن انتشرت بشكلٍ مكثف في الساحات والشوارع الرئيسية بالعاصمة وبالقرب من قصر الرئاسة في المرادية، فيما انطلقت مسيرات شعبية في عدد من المدن الجزائرية.

وقد دعت النقابات العمالية لتظاهرات في مختلف المدن، فيما عد الناشطون هذه التظاهرات "محورية وستعبر عن الموقف الحقيقي للشارع من قرارات الرئيس الأخيرة".

ووعد رئيس الحكومة الجزائري نور الدين بدوي أمس الخميس بتأليف حكومة كفاءات وطنية، داعياً المعارضة إلى الحوار.

وأعلنت شخصيات مرشحة للانتخابات الرئاسية رفضها قرار المجلس الدستوري التحفظ على ملفات المرشحين.

كما تعهّد رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح بالمحافظة على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها في كل الظروف، وخلال كلمة بثها التلفزيون الجزائري قال صالح إن استقرار البلاد يزعج أعداء الشعب في الداخل والخارج.

وأعلنت أحزاب وشخصيات جزائرية معارضة رفضها القرارات الأخيرة للرئيس بوتفليقة التي تضمنت تأجيل الانتخابات الرئاسية وعدم ترشحه لولاية خامسة.

بعد أن أنهى أمير المؤمنين علي(ع) حرب الجمل، وهدأت الأوضاع في البصرة تحرّك(ع)  نحو الكوفة ليتخذها مقرّاً له بعد أن بعث برسالة أوضح لأهل الكوفة فيها تفاصيل الأحداث([1]).

وكان لاختيار الإمام (ع)  الكوفة عاصمةً جديدةً للدولة الإسلامية أسباباً عديدة منها:

1- توسّع رقعة العالم الإسلامي، ولابد أن تكون العاصمة الإدارية والسياسية للدولة في موقع يُعين الحكومة في التحرك نحو جميع نقاط العالم، وموقع الكوفة استراتيجي إلى حد كبير بالنسبة إلى هذه الجهة.

2- تقع الكوفة في تماس مع ولاية الشام التي يتحصّن فيها معاوية بن أبي سفيان معلناً التمرّد دون باقي أقطار العالم الإسلامي، فيكون وجود الإمام (ع)  في الكوفة ضرورياً لقمع تمرد الشام، وللتهيئة السريعة أمام أي اعتداءٍ محتمل من قبل الشام.

3- إن الثقل الأكبر الذي وقف مع الإمام (ع)  في القضاء على فتنة أصحاب الجمل هم كبار شخصيات العراق ووجهاء الكوفة وجماهيرها، فكان (ع)  يرى فيهم مادةً صالحة لمجتمع إسلامي سليم وقويّ بإمكانه أن يربيهم لينطلق بهم إلى العالم أجمع.

4- إن الظروف السياسية المتوتّرة والناجمة عن مقتل عثمان، وحرب أصحاب الجمل جعلت الإمام يستقر في الكوفة ليعيد الأمن والاستقرار للمنطقة التي يحكمها، وخاصة العراق ويمنع من حدوث انشقاقات محتملة في المجتمع الإسلامي بشكل عام.

وبمناسبة قدوم أمير المؤمنين (ع)  إلى الكوفة نتعرض إلى معطيات حكومته العادلة.

معطيات حكومة الإمام علي(ع)

سيرة الإمام علي(ع)  متعدّدة الأبعاد والجوانب، فمن العسير بمكان الإلمام بها جميعاً غير أننا اخترنا جانباً مهماً، وبعداً عميقاً في شخصيته المباركة ألا وهو معطيات حكومته التي أسسها على أنقاض من سبقه، حيث أنّ الاضطرابات السياسية والاقتصادية عصفت بالمسلمين إلى أن ثاروا على ولاتهم، وبعدها اتجه الناس بكلهم نحو الإمام علي(ع) ، يطالبون إستخلافه ويصرّون على مبايعته إلا أنّ علياً(ع)  كان يرفض لما أيقن - نتيجة لابتعاد الناس و انفصالهم الكبير عن خط الإسلام الحقيقي الأصيل بأنه من الصعب جداً ممارسته الحكم بعد ذلك الفساد والانحراف الكبيرين اللذين عصفا بالأمة الإسلامية، وقد لا يحتمل الناس وخاصة كبار القوم تعديلاته وإصلاحاته التي يرمي إليها، ولا يطيقون عدالته، ولهذا رفض الخلافة عندما عرضت عليه.

عاش الناس مدة خمسة أيام بعد مقتل عثمان فوضى عارمة، وضياعاً كبيراً كان خلالها الناس يراجعون الإمام أفواجا تلو أفواجاً، والإمام يبعد الخلافة عن نفسه، إذ يرى الظروف غير مناسبة لقبولها، وأنّ الحجة لم تتم عليه بهذا الاقتراح، فقال لهم: “دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغمت والحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإنّ تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً”([2]).

غير أنّ الناس ترابضوا على داره وتكاثروا على مراجعته، وقد وصف(ع)  شغف الناس وإقبالهم وإصرارهم عندما طالبوه بالبيعة في مواضع عديدة من النهج منها: “فتداكوا عليّ تداك الإبل الهيم يوم وردها، وقد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها حتى ظننت أنهم قاتلي، أو بعضهم قاتل بعض ولدي، وقد قلّبت هذا الأمر بطنه وظهره حتى منعني النوم”([3]).

وقال (ع) : “فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون عليّ من كلّ جانب حتى لقد وطىء الحسنان، وشقّ عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم”([4]).

ولولا أن تمّت الحجة على الإمام علي(ع)  لما قبلها، فقد قال (ع) :

“أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز”([5]).

هذا الحكم الذي مارسه علي(ع)  على الرغم من قصر عمره إلا أنه كان نموذجاً كاملاً للحكومة الإسلامية التي أشاد صرحها النبي )ص) في المدينة، وعلى الرغم من أنه (ع)  لم يصل إلى كافة أهدافه الاصلاحية التي نادى بها، نتيجة المؤامرات الداخلية التي حيكت ضده إلا أنه استطاع بدون شك أن يطرح نموذجاً ناجحاً للحكومة، وفق تعاليم الإسلام ومعاييره.

وفيما يلي لمحة سريعة للخطوط العريضة والمعطيات العامة لسيرته (ع)  في الحكم:

1- من خلال أقواله الكثيرة في (نهج البلاغة) يؤكد الإمام علي(ع)  أنّ قبوله للخلافة فقط لأجل إجراء العدالة الاجتماعية في المجتمع، ومكافحة الفوارق الطبقية التي تجذّرت في نفوس الناس، نتيجة للحكم السابق، فقد قال (ع) :

“أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا.. ما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها”([6]).

وقال (ع)  عندما رد على المسلمين قطائع عثمان: “والله لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الإماء لرددته، فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق”([7]).

2- يرى أمير المؤمنين(ع)  أنّ الحكم والمنصب ليس إلا وسيلة يستخدمها الحاكم لخدمة الناس و إحقاق الحق، ودحض الباطل لا أنه غاية لدرّ الأرباح، وقد إلتزم الإمام بهذه الرؤية إلى أبعد الحدود حتى نراه يجتنب عن إعطاء المهام الحساسة كالولاية وبيت المال إلى المتعطّشين للسلطة كطلحة والزبير، ولهذا السبب فقد أجّجوا نائرة الفتن، ورفعوا لواء العصيان ضد الإمام (ع) ، وقال (ع)  لما عاتبه البعض على التسوية بين المسلمين: “أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! والله ما أَطُورُ به ما سَمَرَ سمير وما أمّ نجم في السماء نجماً، ولو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله”([8]).

وقال A: “اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك”([9]).

3- كانت لأمير المؤمنيين(ع)  رؤيا عميقة في زهادة الحاكم وعيشة البساطة والعزوف عن الدنيا ذلك كي لا يؤثر هوى على هداية، وباطلاً على حق، ولا تغرّه الدنيا فيقضم مال الله، ويجعله دولاً ويتخذ من عباد الله خولاً.

لقد كان عزوفه عن الدنيا وزخارفها من أبرز خصائصه الذاتية، وسيرته الحكومية فقد كتب إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها، فقال له:

“ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ثوبين خرقين، ومن طعامه بقرصيه، …. فو الله ما كنزت من دنياكم تبـراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً - أي ثوباً آخر-، ولا حزت من أرضها شبـراً، ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرةٍ، ولهي في عيني أوهى من عفصة مِقرَة … ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أوَ أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة

 

وحولك أكباد تحنُّ إلى القدِّ

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش”([10]).

4- لم يكن أمير المؤمنين على منوال الزعماء والرؤساء حيث عندهم الغاية تبرر الوسيلة، إذ لم يتوصل إلى أهدافه الإلهية النبيلة بوسائل غير شرعية، ولهذا لم يقرّ معاوية من اليوم الأول لخلافته على ولاية الشام، على الرغم من أنّ البعض اقترح عليه إقراره إلى حين، ثم عزله في وقت أمكن لعلي عزله إلا أنّ علياً(ع)  لم يكن ليداهن الباطل على الحق، ولا يتوسّل به عليه، وقد كتب إلى معاوية بعد ما طلب الأخير إبقاءه على الشام، قال (ع) :

“.. وحاشى لله أن تلي للمسلمين بعدي صدراً أو ورداً، أو أجري لك على أحد منهم عقداً أو عهداً”([11]).

5- كان (ع)  يراعي الأصول والضّوابط في تعامله مع أعدائه ومخالفيه، دون أن يصادر حرياتهم، إلا إذا فعلوا ما يستوجب ذلك، ففي الأشهر الأولى من خلافته همّ طلحة والزبير بالخروج، من المدينة، بعد أن يئسا منه في الحصول على الولاية، وأقبلا على الإمام، وقالا: إنا نريد العمرة. فأذن لهما بالخروج فقال (ع)  لبعض أصحابه: “والله ما أرادا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة”([12]).

يعكس هذا النص التاريخي أنّ الإمام لم يصادر حريتهما قبل أن يرفعا لواء العصيان على الرغم من علمه بما يضمران له.

وأيضاً لمّا خالف الخوارج إمامهم وأميرهم(ع) ، إثر جهلهم وعنادهم، وسوء فهمهم إعتزلوا معسكر الإمام (ع)  حين رجوعهم من صفين، وأقاموا معسكراً في النهروان، فخاطبهم الإمام (ع)  بعد أن كانت مخالفتهم سياسية، ولم تتعدى القيام بعمليات عسكرية بقوله:

“أما أنّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا، لا نمنعكم من مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا”([13]).

وبهذه الطريقة فقد سايرهم الإمام (ع)  من منطلق القوة، إلى أن قاموا بنشر الرعب والخوف والإخلال بالأمن حينها اضطر الإمام إلى استعمال القوة بغية القضاء على فتنتهم.

6- على الرغم من أن الإمام (ع)  كان ينصب عمالاً وولاةً صالحين وكفوئين، إلا أنه كان لا يحرمهم من نصائحه ومواعظه، على الرغم من انشغاله في الحوادث المتكاثرة عليه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، كما كان له عيون على الولاة في مناطقهم ينقلون إليه كل مخالفة ولو جزئية للوالي فسرعان ما يبدأ بالتقريع والتوبيخ والتهديد في بعض الأحيان لقمعها ومعالجتها، راجع قسم الكتب في (نهج البلاغة) ترى ما كتبه لمالك الأشتر، ولمحمد بن أبي بكر، وعثمان بن حنيف، ولزياد بن أبيه، ولغيرهم.

هذه بعض معطيات خلافة الإمام علي(ع)  التي ما عرف المسلمون بعد رسول (ص)  مثلها أبداً وكانت جميع الثورات التي ثارت على الدولتين الأموية والعباسية للوصول إلى حكومة الإمام علي(ع) ، والى عدالته التي تذوّقها المسلمون فترة من الزمن، ثم غابت عنهم شمسها لتقصيرهم وجهلهم.

 

([1]) تاريخ الطبري 5: 579.

([2]) نهج البلاغة: الخطبة 92.

([3]) المصدر السابق: الخطبة: 54

([4]) المصدر السابق خطبة 3.

([5]) المصدر السابق

([6]) المصدر السابق.

([7]) نهج البلاغة: 99.

([8]) نهج البلاغة: خ 126.

([9]) نهج البلاغة: خ 131.

([10]) نهج البلاغة: كتاب 45.

([11]) المصدر السابق: 633، كتاب 65.

([12]) تاريخ اليعقوبي 2: 180.

([13]) تاريخ الأمم والملوك 6: 41 حوادث سنة 37.

شخصية الإمام الجواد(ع)

ولد الإمام الجواد في المدينة المنورة سنة (195هـ)، والمشهور بين المؤرخين أن ولادته في (19 رمضان)([1])، وذهب بعضهم إلى أنها في (رجب)([2])، وقد صرّحت بعض الأدعية بالأخير، فقد جاء: “اللهم إني أسألك بالمولودين في رجب محمد ابن علي الثاني، وابنه علي بن محمد المنتجب”([3]).

أبوه الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، وأمه سبيكة، وكان اسمها درّة، وقد سمّاها الإمام الرضا بعد ذلك بـ(خيزران)([4])، وهي - على ما قيل - من آل مارية القبطية زوج النبي(ص)([5]).

وكانت امرأة فاضلة تمتعت بفضائل أخلاقية سامية، وكانت أفضل نساء عصرها([6])، حتى قال الإمام الرضا(ع) في حقها: “قُدست أمّ ولدته - أي الجواد - قد خلقت طاهرة مطهرة”([7]).

كانت ملامحه (ع) كملامح آبائه التي تحكي ملامح الأنبياء، فأسارير التقوى بادية على وجهه الكريم، وقد وصفته بعض المصادر بأنه كان أبيضاً معتدل القامة([8]).

يكنّى بأبي جعفر الثاني تمييزاً له عن جده الإمام الباقر الذي كان يكنّى بأبي جعفر أيضاً، ولقّب بالجواد، لكثرة ما أسداه من الخير والبر والإحسان إلى الناس، كما لُقِّب بالتقي، والمرتضى، والرضي، والمختار، والمتوكل، والزكي، وباب المراد، وقد عُرف بالأخير بين عامة المسلمين لقناعتهم بأنه باب من أبواب الرحمة الإلهية([9]).

تولّى منصب الإمامة بعد شهادة أبيه الرضا(ع)، وكان في الثامنة أو السابعة من عمره، وكان ذلك في سنة (203هـ)، وكانت ظاهرة الإمامة المبكرة لأهل البيت غير مألوفة للشيعة، فضلاً عن غيرهم فأوجبت إمامته بهذا السن المبكر اضطراباً بين بعض رجالات الشيعة، فأظهر الله المعجزات القاطعة، والبراهين الساطعة والحجج الباهرة، والبينات النيرة، مما قوي به موقف الفكر الإسلامي، فأجلّه وسلّم بفضله جميع من عرفه فضلاً عن شيعته ومحبيه.

وقد نقل الشيخ المفيد روايات كثيرة ومتواترة في النص من الإمام الرضا(ع) على إمامته، وبعد أن ذكر عدداً من رواة النص قال: “في جماعة كثيرة يطول بذكرهم الكتاب”([10]).

عاصر الجواد(ع) في تمام فترة إمامته خليفتين عباسيين، هما (المأمون 193-218هـ) و(المعتصم 218-227هـ)، وقد دامت إمامته (17 سنة).

استشهد(ع) في آخر ذي القعدة سنة (220هـ) ببغداد متأثراً بسم دسه إليه المعتصم على يد زوجته أم فضل، ودفن في مقابر قريش في بغداد إلى جانب قبر جده الإمام الكاظم(ع)([11]).

نشأة ظاهرة الإمامة المبكرة عند الشيعة:

كان الإمام الجواد(ع) أول إمام يبلغ الإمامة في طفولته، فمن الطبيعي أن يكون مثاراً للتساؤل والجدل بين صفوف الشيعة، وغيرهم من المسلمين، حيث كيف يمكن لحدث أن يتحمل مسؤولية ومهمة إمامة وقيادة المسلمين الحساسة والكبيرة؟! ويُشبع الساحة فكرياً وسياسياً ودينياً، فهل يمكن أن يبلغ إنسان وهو بذلك العمر إلى الكمال الذي يجعله خليفة رسول الله؟!

يتبين من خلال دراسة حياة الأئمة أنهم كانوا يواجهون هذا الأمر، ولا سيما في عهد الجواد(ع)، وكانوا يدحضون التشكيكات بما نصّ عليه القرآن الكريم من نبوة يحيى وهو صبي، قال تعالى: «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»  ([12]).

ونبوة عيسى وهو في المهد، قال تعالى:« قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا»  ([13]).

وفي هذا الصدد ننقل ثلاث روايات:

الرواية الأولى: عن علي بن أسباط قال: قدمت المدينة، وأنا أريد مصر، فدخلت على أبي جعفر محمد بن علي الرضا(ع)، وهو إذ ذاك خماسي، فجعلت أتأمّله لأصفه لأصحابنا بمصر، فنظر إليّ، وقال: يا علي إنّ الله أخذ في الإمامة كما أخذ في النبوة، فقال سبحانه في يوسف:« وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً»  ([14]).

وقال عن يحيى:« وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»  ([15])([16]).

الرواية الثانية:يقول بعض أصحاب الإمام الرضا(ع): كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن الرضا بخراسان، فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى من؟ قال: إلى أبي جعفر ابني. فكأن القائل استصغر سن أبي جعفر(ع)، فقال أبو الحسن(ع): «إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولاً نبياً صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر»([17]).

الرواية الثالثة: قال الإمام الرضا(ع)، لمعمر بن خلاد: “هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي: وصيّرته مكاني، إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابـرنا القذة بالقذة”([18]).

أدّى صغر سن الإمام الجواد(ع) إلى كثرة المناظرات والحوارات معه، وقد كان لبعضها صدى كبيراً جداً، لما كان يدحض فيها من الشبهات التي كانت تثار في ذلك الوقت مع الكثير من المعتزلة، وقد كان الكثير من الناس بما فيهم بعض الشيعة يطرحون عليه أسئلة معقّدة وغامضة ظناً منهم أنه لا يتمكن من الإجابة عليها، ولكنه (ع) كان يجيب عن آخرها، بل ويضيف بعض الشقوق ويكثر في تعميق التساؤلات وتعقيدها بحيث لا يتسطيع أن يدرك إجابتها جميع المناظرين، ثم يجيبهم عن بكرتها بجواب يشفي الغليل، ويبرد قلب الحبيب.

مناظرة يحيى بن أكثم

لما قدم المأمون بغداد أشخص الجواد(ع) إليها، واقترح عليه الزواج بابنته أمّ الفضل، وكان غرضه من هذا الزواج التخفيف من وطئة الظروف السياسية الحرجة التي سببها انكشاف قتلة الإمام الرضا(ع) عند العلويين، فثار غضبهم وانزعجوا من ذلك كثيراً، فلاحظ المأمون أنّ هناك خطراً آخر قد يهدد حكمه، وهو وجود الإمام الجواد وإلتفاف الشيعة حوله فعمد إلى تزويج الجواد من ابنته ليتقرب بنفسه إلى أهل البيت(عليهم السلام)، ويخمد ثائرة الثائرين من العلويين([19])، وتنقل له ابنته عن قرب جميع ما يجري على الساحة الشيعية. وعلى كل حال فقد واجه المأمون معارضة شديدة في ذلك من العباسيين حتى قالوا له: إن هذا الفتى - وإن راقك منه هديه - فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه.

فقال المأمون: ويحكم إني أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى ومدده وإلهامه، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت لكم من حاله.

فاختار بنو العباس يحيى بن أكثم من بين جميع العلماء لشهرته العلمية، وقد جاء يحيى ومعه وفود العلماء فقال له يحيى: ما تقول في محرم قتل صيداً؟

فقال الإمام الجواد(ع): “قتله في حلِّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأً؟ حراً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النهار؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً؟”.

فتحيّر يحيى بن أكثم من كلّ هذه الفروع التي فرّعها الإمام على هذه المسألة، وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج وتعتع في الكلام حتى عرف جميع أهل المجلس أمره.

فطلب المأمون من الجواد(ع) أن يجيب عن جميع هذه الشقوق، فأجاب عنها، فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر إلى أهل بيته، فقال: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرون([20]).وله (ع) الكثير من هذه النماظرات فمن رام الاطلاع فليراجع([21]).

رجوع الإمام إلى المدينة

ثم إنّ أبا جعفر(ع) بعد أن أقام في بغداد هاجر إلى المدينة وسكن فيها مدة، كان خلالها المأمون يترصد تصرفاته وتحركاته من ابنته أم الفضل، ولما توفي المأمون وبويع لأخيه المعتصم لم يزل المعتصم متفكراً في أبي جعفر يخاف من اجتماع الناس حوله، ووثوبه على الخلافة، ولأجل ذلك مارس نفس السياسة التي مارسها أخوه المأمون، فاستقدم الإمام الجواد إلى بغداد سنة (220هـ)، وبقي فيها حتى دس إليه السم فقتله وعمره 25 سنة([22]).

 

([1]) أصول الكافي 1: 492، والإرشاد: 316.

([2]) إعلام الورى: 344.

([3]) مفاتيح الجنان: أدعية شهر رجب.

([4]) أعيان الشيعة 2: 32.

([5]) أصول الكافي 1: 315، والمناقب لابن شهر آشوب 4: 379.

([6]) إثبات الوصية، للمسعودي: 209.

([7]) بحار الأنوار 50: 15.

([8]) الإرشاد: 356، والفصول المهمة: 252، ولكنه خلاف المعروف من وصفه بالسمرة لا البياض.

([9]) قبسات من سيرة القادة الهداة 2: 166.

([10]) الإرشاد للمفيد 2: 274- 275.

([11]) أئمتنا 2: 162.

([12]) سورة مريم: الآية 12.

([13]) سورة مريم: الآيات 30-32.

([14]) سورة يوسف: الآية 22.

([15]) سورة مريم: الآية 12.

([16]) مرآة العقول، للمجلسي 4: 250.

([17]) أصول الكافي 1: 322 و 384، والإرشاد: 319، وروضة الواعظين: 261.

([18]) كشف الغمة 3: 141، وبحار الأنوار 50: 21، وأصول الكافي 1: 320.

([19]) سيرة الأئمةG، للبيشوائي: 496.

([20]) قصة معروفة ومشهورة راجعها في الإرشاد: 319-321، وإعلام الورى: 352، وإثبات الوصية: 216، والاختصاص: 99.

([21]) راجع فتاوى الإمام في القضاء وفشل فقهاء البلاط: تفسير العياشي 1: 320، والبرهان في تفسير القرآن 1: 471، ووسائل الشيعة 18: 490، (أبواب حد السرقة: ب4)، ,راجع أجوبته في فضح وضاع الأحاديث: الاحتجاج 2: 247-248، وبحار الأنوار 50: 80-83.

([22]) الإرشاد: 322.

شخصية الإمام علي الهادي(ع)

ولد الإمام علي الهادي(ع) في صريا([1])، وأكثر المؤرخين على أنه ولد في سنة (212هـ)([2])، وقيل في سنة (214هـ)([3])، وقد اختلفوا في الشهر واليوم الذي ولد فيهما، فبعض المصادر على أنها كانت في منتصف ذي الحجة([4])، والبعض الآخر منها على أنها في رجب، في اليوم الثاني منه أو في الخامس على الاختلاف، وقد صرّحت بولادته في رجب بعض الأدعية منها: “اللهم إني أسألك بحق المولودين في رجب محمد بن علي الثاني - الجواد - وعلي بن محمد المنتجب - الهادي -”([5]).

أبوه الإمام الجواد(ع)، وأمه السيدة القديرة سمانة المغربية التي اشتراها له محمد بن الفرج بسبعين ديناراً([6])، وتولى الإمام (ع)  تربيتها، فأقبلت على العبادة والطاعة، حتى كانت من القانتات المتهجّدات والتاليات لكتاب الله تعالى([7])، ويكفي في جلالتها أنها كانت المفزع للشيعة في نقل الأحكام الشرعية، في أيام الشدة([8]).

كان الإمام الهادي(ع)  متوسط القامة، ذا وجه أبيض مشرّباً بالحمرة، وذا عينين كبيرتين، وحاجبين واسعين، وكانت أسارير وجهه تبعث على الفرح والسرور لكل من رآه.

تولى منصب الإمامة بعد شهادة أبيه الجواد(ع)  وكان عمره ثمان سنوات، وكان ذلك في سنة (220 هـ)، ودامت ثلاثاً وثلاثين سنة.

وقد ورد الكثير ممّا دلّ على إمامته، قال الشيخ المفيد: “الأخبار في هذا الباب كثيرة جداً... وفي إجماع العصابة على إمامة أبي الحسن(ع) ، وعدم من يدَّعيها سواه في وقته ممن يلتبس الأمر فيه غنى عن إيراد الأخبار بالنصوص على التفصيل”([9]).

ولنذكر نصاً واحداً منها، فقد قال الصقر بن دُلف: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا(ع)  يقول: “إنَّ الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمامة بعده في ابنه الحسن”([10]).

يكنى الإمام الهادي(ع)  بأبي الحسن الثالث، ويلقّب بالناصح، والتقي، والمرتضى، والفقيه، والعالم، والأمين، والطيب، والعسكري، والرشيد، والشهيد، والوفي، والخالص، وأشهر ألقابه الهادي([11]).

عاصر الإمام الهادي ستة من خلفاء بني العباس، وهم المعتصم والواثق والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، والمعتز، وله مع كل واحد منهم قضايا لا يتسع المقام لذكرها أجمع.

إِشخاص الإمام الهادي(ع)  إلى سامراء

لقد مارس المتوكل العباسي نفس الأسلوب الذي رسمه المأمون، ثم أخوه المعتصم من إشخاص أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من مواطنهم، وإجبارهم على الإقامة في مقر الخلافة، وجعل العيون والحرّاس عليهم، حتى يطّلعوا على دقيق شؤونهم.

وكان المتوكل من أشدّ الخلفاء العباسيين عداءاً لعلي وآله، فبلغه مقام علي الهادي بالمدينة، ومكانته بين أهلها، وميلهم إليه، فخاف على نفسه منه، خصوصاً وقد كتب له بريحة العباسي - أحد أنصاره وأزلامه - إن كان لك بالحرمين حاجة فأخرج منها علي بن محمد، فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه، وتبعه خلق كثير([12]).

فدعى يحيى بن هرثمة، وقال له: اذهب إلى المدينة وانظر في حاله وأشخصه إلينا.

قال يحيى: فذهبت إلى المدينة، فلمّا دخلتها ضجَّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله، خوفاً على علي الهادي، وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسناً إليهم، ملازماً للمسجد، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا.

قال يحيى: فجعلت أسكِّنهم وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلاّ مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عيني، وتولّيت خدمته بنفسي، وأحسنت عشرته، فلما قدمت به بغداد، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري، وكان والياً على بغداد، فقال لي: يا يحيى إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله، والمتوكل من تعلم، فإن حرّضته على قتله، كان رسول الله خصمك يوم القيامة، فقلت له: والله ما وقعت منه إلاّ على كل أمر جميل، ثم صرت إلى (سر من رأى)، فلما دخلت على المتوكل وأخبرته بحسن سيرته وسلامته وورعه وزهادته، وأني فتشت داره فلم أجد فيها إلا المصاحف وكتب العلم، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه، فأمر المتوكّل به فأنزلوه في خان يقال له خان الصعاليك، ليوهن الإمام ويقلل من شأنه، فأقام فيه الإمام يومه، ثم تقدم المتوكل فأفرد له داراً، فانتقل إليه، وكان تحت رقابة شديدة([13]).

ولكن مع هذه الرقابة الشديدة، وعلى الرغم من أنّ الإمام يعيش في نفس بلد المتوكل، إلاَّ أنه وشي به إلى المتوكل بأنّ في داره كتباً وسلاحاً من شيعته، وأنه عازم على الوثوب على الدولة، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهاجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً، ووجدوه وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصى، متوجه إلى الله تعالى يتلو آيات القرآن، فحملوه على هذه الحالة إلى المتوكل، وكان الأخير جالساً في مجلس الشرب، والكأس في يده، فلما أدخلوه عليه ناوله الكأس، فقال (ع) : “والله ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني”، فأعفاه، ثم قال له: أنشدني شعراً! فقال (ع) : أنا قليل الرواية للشعر: فقال: لابد، فأنشده (ع) :

باتوا على قلل الأجيال تحرسهم

 

غُلْب الرجال فما أغنتهم القلل

واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم

 

وأسكنوا حُفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد دفنهم

 

أين الأسرة والتيجان والحلل؟

أين الوجوه التي كانت منعّمة

 

من دونها تضرب الأستار والكلل؟

فأفصح القبـر عنهم حين ساءلهم

 

تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا

 

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

فبكى المتوكل حتى بلّت لحيته دموع عينه، وبكى الحاضرون([14]).

اهتمامات الإمام الهادي(ع) 

اهتم الإمام (ع)  في نشر الثقافة الإسلامية، والدفاع عن فكر الإسلام، ومحاربة المفوّضة والمجبّرة، وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين، وله رسالة في ذلك أوردها الحرّاني في (تحف العقول).

كما اهتم بتفسير القرآن الكريم كثيراً، ورفع غوامضه، كما عمل على إرشاد الضالين، والإجابة على جميع التساؤلات الواردة من مختلف بقاع العالم الإسلامي، كما كان حلّالاً لمعضلات المتوكل وغيره من الخلفاء، وبسبب إلتفاف الأمة حوله عمد المتوكل إلى زجّه في سجن مظلم وبحذاه قبر محفور، ولكن كل ذلك لم يوهن من عزم الإمام على مواصلة طريق أجداده، وفي النهاية وجدوا أن الطريقة الوحيدة للتخلص من كل ما يعانونه إطفاء نور الله، فدسّ المعتز السم إليه، فاستشهد(ع)  في رجب سنة (254هـ)، ودفن في داره في سامراء([15]).

فالسلام على علي الهادي يوم ولد، ويوم أدّى رسالته، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً.

 

([1]) صريا: قرية أسسها الإمام موسى بن جعفرA تبعد من المدينة ثلاثة أميال، جوهرة الكلام: 151.

([2]) أصول الكافي 1: 497، والإرشاد 2: 368.

([3]) الإتحاف بحب الأشراف: 7.

([4]) على رواية الشيخ المفيدH في الإرشاد.

([5]) مفاتيح الجنان: أدعية رجب.

([6]) تاريخ الخميس 2: 321، ودلائل الإمامة: 216

([7]) أئمتنا 2: 213.

([8]) جوهرة الكلام: 151.

([9]) الإرشاد 2: 297.

([10]) المصدر السابق، وبحار الأنوار 12: 127.

([11]) قبسات من سيرة القادة الهداة 2: 202.

([12]) أعيان الشيعة 2: 37.

([13]) الإرشاد 2: 298، وإعلام الورى: 348.

([14]) مروج الذهب، للمسعودي 4: 11.

([15]) سيرة الأئمة، للبيشوائي: 455.

مناسبات أيام شهر رجب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شمس الهداية نبينا محمد(ص)، وعلى الأقمار المضيئة الأئمة الطاهرين(عليهم السلام).

جعل الله تعالى لعباده رحمة بهم مواقيت زمانية ومكانية، بغية تعميق العلاقة والارتباط بخالقهم والتفرغ فيها عمّا سواه.ومن هذه المواقيت شهر رجب وشعبان ورمضان، حيث جعلها الله تعالى موعداً للقاءه والقرب منه والزلفى إليه، مثلما جعل شهري رجب وشعبان بوابة لشهر رمضان، كما جعل أرض عرفة بوابة لدخول حرمه المقدس، فعلى المؤمن أن يبدأ فيهما بتهذيب نفسه، والتخلّق بأخلاق ربّه، والسّعي الدؤوب لتذليل كل شيء في ذات الله، وجلببته بثوب العبودية والفقر لله تعالى، ليأتي عليه شهر رمضان المبارك، وهو طاهرٌ من درن الذنوب والخطايا، قد نفض عن قلبه ونفسه وعقله غبار التعلق بغيره تعالى.

ويعتبر شهر رجب من أكثر الشهور مناسبات، وأيام الله فيه كثيرة، ومن تلك المناسبات ولادة المعصومين: أمير المؤمنين(ع) ، والأئمة الباقر والجواد والهادي(عليهم السلام).، وشهادة الإمامين الكاظم والهادي(ع) ، ووفاة السيدة زينب (عليها السلام) .

ومن أيام الله المشهودات في هذا الشهر المبارك الإسراء والمعراج ويوم المبعث، والأيام البيض، وهي (11-12-13) من الشهر، ويوم النصف منه إذ يحظى باهتمام خاص من لدن أئمتنا(عليهم السلام)...ففي منتصف رجب ليلة ونهاراً يطلبه الغسل وزيارة الحسين والصلاة والدعاء بزيارة يا مذل كل جبار، ودعاء أم داود على ما ذكر في (مفاتيح الجنان ص194) من أعمال شهر رجب.

وقد وصف الرسول الأعظم (ص)، شهر رجب فقال: “إن رجباً شهر الله وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، فمن صام من رجب يوماً، استوجب رضوان الله الأكبر”([1]).

وفي هذا الشهر  أعمال مهمةً موزّعة على أيامه ولياليه، أهمها الصوم، والصدقة، والصلوات، والغسل، والدعاء بالمأثور، والاجتهاد في طلب الحوائج من الله تعالى. وخصّ من الشهر اليوم الأول بأعمال أهمها الصدقة والصيام وزيارة الحسين(ع)  حيثما تكون.

والليلة الخامسة والعشرون ويومها، حيث ذكرى وفاة الإمام موسى الكاظم(ع) .

وليلة السابعة والعشرون منه باعتبارها بعثة الرسول الأكرم (ص)،.

وفي اليوم الأخير من الشهر يستحب الغسل والصيام.

نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعاً للفوز ببركات هذا الشهر، ونيل رضاه، إنه ولي السداد والتوفيق.

 

ولادة الإمام محمد الباقر (ع)(1 / رجب / السنة 57 هـ)

مولده ونسبه الشريف:

ولد الإمام محمد الباقر(ع) يوم الجمعة - وقيل الاثنين - في غرة رجب سنة (57هـ)، وهناك من قال بأن ولادته كانت في الثالث من صفر، أبوه الإمام الهمام علي بن الحسين(ع)  زين العابدين وسيد الساجدين، وأمه فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى(ع)

وعلى هذا فيعتبر الإمام الباقر(ع)  أول فاطمي من فاطميين، وأول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين.

ويروى أنه كان كثير الشبه بجده المصطفى محمد(ص)، ولذا كان يلقّب بالشبيه، وكان ربع القامة، رقيق البشرة، جعد الشعر، أسمر اللون، له خال على خده، وكان يكنّى بأبي جعفر، ويلقّب بالشاكر لله، والهادي، والأمين، وأشهر ألقابه على الإطلاق ما لقبّه به جدّه رسول الله(ص): أي (الباقر)، فقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أنّ النبي(ص) قال له: “يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين، يقال له محمد، يبقر علم الدين بقراً، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام”([2]).

وجاء في معاجم اللغة، أن الباقر هو المتبحر بالعلم، المستخرج غوامضه ولبابه، وأسراره، والمحيط بفنونه، ومغازيه.

النص على إمامته:

جرت عادة الأئمة (عليهم السلام) أن ينصّ المتقدم منهم على المتأخر، ويشير السابق على اللاحق، قطعاً للمعاذير، وإقامة للحجة، وقد نصّ الإمام علي بن الحسين(ع)  على إمامة ولده في مواضع متعددة، فمنها قوله (ع) : “ألا وإنه الإمام أبو الأئمة، معدن العلم يبقره بقراً، والله لهو أشبه الناس برسول الله”(ص) ([3])، وقد تواترت النصوص على إمامته، ونقلها العامة كالمسعودي والزهري، فضلاً عن الخاصة([4]).

جوانب من شخصية الإمام الباقر(ع)

1- الجانب الروحي: المتتبع لحياة الأئمة (عليهم السلام)  يجدها حلقات متصلة في العبادة، وهي كلها لله وفي الله وإلى الله تعالى، والإمام الباقر(ع)  واحد من هؤلاء الأئمة، والذي كان له السبق في سلّم العبادة والتعلق المطلق بذات الله تعالى، فقد ارتقى فيه حتى بلغ ذروته.

 يقول الإمام الصادق(ع)  في حقه: “كان أبي كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وإنّه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنّه ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه، يقول: لا إله إلا الله، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا، ومن كان لا يقرأ أمره بالذكر”([5]).

وقال أفلح - مولى للإمام الباقر -: “خرجت مع محمد بن علي (الباقر(ع) ) حاجاً، فلما دخل المسجد، نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته، فقلت: بأبي أنت وأمي إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفقت بصوتك قليلاً، فقال لي: “ويحك يا أفلح، ولم لا أبكي، لعل الله ينظر إليّ برحمة فأفوز بها عنده غداً”، ثم طاف بالبيت، ثم جاء حتى ركع عند المقام، (أي صلّى ركعات) فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه”([6]).

2- الجانب الاجتماعي: كان الإمام الباقر(ع)  - كسائر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)  - أباً عطوفاً للأمة بأسرها، فعنده محط محتاجهم، وإلى كنفه منتهى مكروبهم، وبفناء داره شفاء مغمومهم، فقد روي عن الأسود بن كثير: شكوت إلى أبي جعفر(ع)  الحاجة، وجفاء الإخوان، فقال (ع) : “بئس الأخ يرعاك غنياً ويقطعك فقيراً”. ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمئة درهم، فقال: “استنفق هذه فإذا فرغت فأعلمني”([7]).

وقالت سلمى - مولاة أبي جعفر -: “كان يدخل عليه أصحابه، فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويكسوهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدنانير، فأقول له في ذلك ليقلل منه فيقول (ع) : “يا سلمى ما حسنة الدنيا، إلا صلة الإخوان والمعروف”([8]).

وعن أبي عبد الله(ع)  قال: “دخلت على أبي يوماً وهو يتصدق على فقراء أهل المدينة بثمانية آلاف دينار، وأعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكاً”([9]).

3- الجانب العلمي والثقافي: لا نشكّ أبداً أنّ هدف الأئمة(عليهم السلام)  هو: بثّ روح العلم والثقافة في أرجاء العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ولكن كل إمام يحقق من هذا الهدف ما تسنح له الظروف، غير أن الإمام الباقر(ع)  قد سنحت له الظروف أن يبثّ الكثير الكثير من علوم الدين والثقافة الإسلامية بما لم تسمح لغيره منهم(عليهم السلام) ، فقد أدى تمادي معاوية في قتل الصحابة والتشنيع بهم، وكذلك أدى قتل يزيد للحسين وأهل بيته(عليهم السلام)  وأصحابه، وواقعة الحرة.. واستباحة المدينة المنورة ورميه الكعبة بالمنجنيق و... أدّى كل ذلك إلى تدهور أوضاع الدولة الأموية، حتى وصلت إلى حافة الانهيار في عهد هشام بن عبد الملك، حيث بدأت دعوة العباسيين بـالثورة للقضاء على الدولة الأموية، داعين إلى الرضا من آل محمد(عليهم السلام)  ظاهراً فاستغلّ الإمام الباقر هذا الظرف لفتح مدرسته، وليتخرج منها المئات من العلماء، الذين انتشروا في مختلف البقاع ليبثّوا الدين والفكر والثقافة على مذهب آل محمد(عليهم السلام) ، هكذا شاء الله وكان.

قال جابر الجعفي: “حدثني أبو جعفر سبعين ألف حديث”([10])، وقال محمد ابن مسلم: ما شجر في رأيي شيء إلا سألت عنه أبا جعفر(ع)  حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث([11]).

ونقل بعض من شاهد الإمام (ع)  في الحج: انثيال الناس عليه يستفتونه عن المعضلات، ويستفتحون أبواب المشكلات، فلم يرم حتى أفتاهم في ألف مسألة ثم نهض يريد رحله([12]).

واليوم، وبعد مضي ثلاثة عشر قرناً على تأسيسه (ع)  لهذه المدرسة العظيمة، لا يزال الفقه والحديث والتفسير وغيرها من العلوم معوّلاً عليها، تستمد من منهلها العذب، وتغترف من معينها الفيّاض.

أما تلامذته: فقد قال ابن شهر آشوب:.. وقد روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة، ووجوه التابعين، ورؤساء فقهاء المسلمين، فمن الصحابة: جابر عبد الله الأنصاري، ومن التابعين: جابر بن يزيد الجعفي، وكيسان السختياني صاحب الصوفية، ومن الفقهاء نحو: ابن المبارك، والزهري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وزياد بن المنذر النهدي، ومن المصنفين نحو: الطبري، والبلاذري، والسلامي، والخطيب في تواريخهم، وفي الموطأ، وشرف المصطفى والإبانة، وحلية الأولياء، وسنن أبي داود، والالكاني، ومسندي أبي حنيفة، والمروزي، وترغيب الأصفهاني، وبسيط الواحدي، وتفسير النقاش والزمخشري، ومعرفة أصول الحديث، ورسالة السمعاني، فيقولون: “قال محمد ابن علي، وربما قالوا: قال محمد الباقر”([13]).

4- منفاه وسجنه وشهادته:

كان الإمام الباقر(ع)  في وجوده وحركاته وسلوكه، وجميع تصرفاته في المدينة يشكّل خطراًً ضد الجهاز الأموي الحاكم آنذاك، المتمثل بهشام بن عبد الملك، والإمام (ع)  وإن تخلى عن الجهاد والكفاح المسلح، وعمد إلى التغيير الفكري، وترويج الثقافة والمعرفة، ولكن مع ذلك فقد كان الجهاز الحاكم يعتبر ذلك مخالفاً لسلطته وجهاداً ضد حكومته، فعزم هشام على استقدام الإمام إلى الشام، فحُمل مع ولده الصادق(ع)  إليها، ومبالغة في إذلاله حُبس عن لقاء هشام ثلاثة أيام لم يأذنوا له بالدخول عليه، وأنزلوهم في دار الغلمان.

ثم أذن له بالدخول، فسلم الإمام على الجميع وجلس، دون أن يخصه بالسلام، فقال له هشام:

يا محمد بن علي لا يزالُ الرجل منكم قد شقَّ عصا المسلمين، ودعا إلى نفسه، وزعم أنه الإمام سفهاً وقلة علم.

 فأقبل القوم الذين في مجلس هشام على توبيخه - تنفيذاً لما طلبه هشام منهم قبل دخول الإمام عليه -، فلما سكت الجميع نهض الإمام (ع)  وقال: أيها الناس أين تذهبون، وأين يراد بكم، بنا هدى الله أولكم، وبنا يختمُ آخركم، فإن يكن لكم ملكٌ معجّلٌ فإن لنا ملكاً مؤجّلاً، وليس بعد مُلكِنا مُلكُ، لأنا أهل العاقبة بقول الله عز وجل: «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»   ([14]).

 فأمر هشام بسجنه، ولكن لم يمضِ وقت طويل حتى تناقلت الأخبار إلى هشام بأنّ الإمام قد استطاع بأخلاقه وعلمه وعبادته أن يأسر قلوب السجّان إليه، فخاف انقياد أهل الشام إليه، فأمر بإعادة الإمام إلى المدينة([15]).

 وحين خرج(ع)  من القصر يريد المدينة، وإذا براهب قد اجتمعت حوله الناس من النصارى والمسلمين، وكان من كبار رهبانهم في الشام، فلما وقع بصره على الإمام سأله عن معضلات فأتى الإمام على آخرها، مما جعل الراهب يقول للناس: “جئتم بأعلم مني كي يفضحني، لعمري ما رأيت بعيني قط أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام، فكل ما أردتم تجدوه عنده حاضراً”، فسرّ المسلمون وأخذوا يتناقلون الحديث عن الإمام (ع).

اشتعل هشام حقداً وحنقاً على الإمام إثر هذه الحادثة، فأرسل إليه أن يعجل بالذهاب إلى المدينة، كما أرسل إلى عامله على المدينة أن يبلّغ الناس أنه لا يحق لأحد أن يتحدث مع محمد بن علي وابنه، فإنهما وردا عليّ، ولما صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسيسين والرهبان، وأظهرا لهم ميلاً، ومرقا من الإسلام إلى الكفر، وتقرّباً إليهم بالنصرانية، فكرهت أن أنكّل بهما لقرابتهما، فإذا قرأت كتابي هذا، ووصلا إليكم فناد في الناس: برئت الذمة منهما([16]).

وبعد هذا فقد أخذ عامل هشام يُضيّق على الإمام مدة من الزمان، حتى ختم ذلك بدسه السم إليه بأمر من هشام بن عبد الملك، فقضى (صلوات الله عليه) شهيداً، ودفنه ولده الصادق(ع)   في البقيع أمام عمه الحسن، وأبيه علي ابن الحسين(عليهم السلام). فسلام على الإمام الباقر(ع)  يوم ولد، ويوم أدّى رسالته، ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

 

([1]) مستدرك الوسائل 7: 534.

([2]) تاريخ اليعقوبي 2: 63.

([3]) كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر: 98.

([4]) راجع في النص على إمامته (إثبات الوصية: 142).

([5]) أعيان الشيعة 4: 48.

([6]) الفصول المهمة: 197، وصفة الصفوة 2: 63.

([7]) مطالب المسؤول 2: 53، وكشف الغمة: 211.

([8]) نور الأبصار 2: 7.

([9]) بحار الأنوار 11: 86.

([10]) أعيان الشيعة 4: 28.

([11]) رجال الكشي: 109.

([12]) المناقب لابن شهر آشوب 2: 275.

([13]) المصدر السابق 2: 284.

([14]) سورة الأعراف: الآية 128.

([15]) الكافي 1: 471، (بتصرف).

([16]) دلائل الإمامة: 105-107.

قبل بضع سنوات، تم الاتفاق على تسليم مسؤولية حماية منطقة الخليج الفارسي إلى القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني وتعدّ هذه المنطقة الزرقاء ذات أهمية كبيرة على الرغم من صغر حجمها، وتعتبر واحدة من أكثر خمس نقاط بحرية حساسة في العالم وذلك يرجع إلى مرور الكثير من حاملات النفط والغاز العملاقة من هذه المنطقة إلى نقاط متفرقة من العالم، ولهذا فلقد جلبت هذه المنطقة الحساسة والاستراتيجية أنظار واهتمام العديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين.

ونظراً لأهمية هذه المنطقة الاستراتيجية وطمع الدول الغربية بالسيطرة عليها، فلقد قامت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني بتطوير العديد من القطع البحرية والصاروخية لحماية هذه المنطقة التي تعدّ جزءاً لا يتجزّأ من الأراضي الإيرانية.

وحول هذا السياق، أعرب قائد القوات البحرية في الحرس الثوري اللواء "علي رضا تنكسيري" عن دخول القوات البحرية إلى مجال إنتاج واستخدام الغواصات، قائلاً: "إن الغواصة التي نعمل عليها هي من فئة "ميدجت" والتي هي أكثر تطوراً من الغواصة "غدير"، وسوف تعمل مثل غواصة "فاتح" التي يتم إنتاجها اليوم في وزارة الدفاع"، وحول الأسلحة التي يتم استخدامها في غواصات الحرس الثوري، قال "تنكسيري": "إن هذه الغواصات مزودة بطوربيدات وسوف يتم تزويدها بصواريخ كروز تحت الماء" ولفت "تنكسيري" إلى أن أول استخدام لصواريخ كروز "نصر"  كان من قبل القوات البحرية لحرس الثورة الإسلامية.

 

الخليج الفارسي يعدّ تحدياً للغواصات

تشكّل منطقة الخليج الفارسي، باعتبارها منطقة مائية ضحلة، تحدياً كبيراً لمعظم الغواصات، في الأساس، تحتاج هذه المنطقة إلى معدات عسكرية صغيرة وخفيفة الوزن لها القدرة على إطلاق طوربيدات وصواريخ كروز للقيام بمواجهات عسكرية تحت الماء.

وهنا يجب أن ننوه بأن إمكانية إطلاق الألغام المائية تعدّ أحد أهم الخصائص التي سوف تتمتع بها المعدات والغواصات التابعة للحرس الثوري الإيراني، في الواقع إن منطقة الخليج الفارسي، تعتبر بيئة جغرافية معقّدة حيث يوجد فيها العديد من الارتفاعات والمنخفضات الحجرية والتي تجعلها بيئة صعبة للغاية على الغواصات.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في وقتنا الحالي توجد غواصتان مرشحتان للعمل في هذه البيئة الصعبة، الغواصة الأولى هي الغواصة "غدير" والغواصة الأخرى هي "فاتح"، وهما غواصتان تمت صناعتهما على أيدي أبطال وخبراء وزارة الدفاع الإيرانية.

يذكر أن وزارة الدفاع الايرانية قامت قبل عدة أشهر بتسليم القوات البحرية التابعة للحرس الثوري غواصة "غدير" وفي بداية عام 2019 أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن غواصة "فاتح" قد انضمت إلى الأسطول البحري الإيراني بعدما اجتازت الاختبارات النهائية، في حفل حضره العديد من المسؤولين الإيرانيين وأفادت تلك المصادر الإعلامية، بأن غواصة "فاتح" مجهزة بالسونار، وبمحرك كهربائي لإدارة المعركة، وجهاز توجيه الصواريخ أرض -أرض الموجهة، وجهاز توجيه الطوربيدات، ومجهزة بتقنيات حديثة تمكّنها من المشاركة في حرب إلكترونية وحرب الاتصالات، ولديها أنظمة اتصالات آمنة ومتكاملة وعشرات من أحدث الأنظمة المتطورة وتتمتع غواصة "فاتح" أيضاً بسرعة تحت الماء تصل إلى 11عقدة، وهي قادرة على السفر تحت الماء لمسافة تصل إلى 25 كم من دون التزود بالوقود وهذه الغواصة أيضاً مسلّحة بأربعة طوربيدات من طراز 533 ملم ويمكنها أن تحمل ثمانية ألغام بحرية واثنين من الطوربيدات الاحتياطية ولكن الميزة الجيدة التي تتمتع بها غواصة "فاتح" هي امتلاكها لصواريخ مضادة للسفن من فئة كروز "نصر" وهذا النوع يعدّ من الصواريخ قصيرة المدى ويعمل بالوقود الصلب من إنتاجات مصانع القوة الجو فضائية التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية وصاروخ "نصر" لديه رأس حربي يصل وزنه إلى 150 کيلوغرام قادر على تدمير سفن حربية يصل وزنها إلى 3 آلاف طن وباستطاعة هذا الصاروخ الذي يتم تصنيفه في قائمة الصواريخ القصيرة المدى، الانطلاق من الساحل، ويمكن تركيبه على مختلف أنواع العوامات والغواصات.

 

إيران هي المصنع الوحيد لغواصة "ميدجت" في العالم

واحدة من أكثر النقاط إثارة للاهتمام حول هذه الفئة من الغواصات، تتمثل في أنه يمكن القول بأن إيران هي البلد الوحيد في العالم الذي يعمل حالياً على تطوير وصناعة هذه الفئة من الغواصات.

وهنا تؤكد العديد من التقارير الإخبارية، بأن بلداناً مثل كوريا الجنوبية والصين وإيطاليا وألمانيا، تعكف حالياً على وضع خطط مختلفة لتطوير وإنتاج غواصات مشابهة لهذه الغواصة ولفتت تلك التقارير إلى أن كوريا الشمالية كانت آخر دول قامت بإحداث تعديلات على هذه الفئة من الغواصات ولكنها في وقتنا الحالي توقفت عن إنتاج عيّنات من هذه الغواصات وهنا يمكن الإشارة إلى الغواصة HDS-500 التي قامت كوريا الجنوبية بإنتاجها، والغواصة Typing 300 الألمانية، والغواصة MS 200 الصينية.

لقد بدأت وزارة الدفاع الإيرانية بالدخول إلى عالم تطوير وصناعة أنواع مختلفة من الغواصات الخفيفة وتمكّنت مؤخراً من قطع شوط كبير في هذا المجال واستطاعت أن تقوم بصنع غواصات يصل وزنها إلى 600 طن.

لقد تحققت كل هذه الإنجازات على الرغم من وجود عقوبات اقتصادية وعسكرية فرضتها الدول الغربية على طهران وهنا يمكن القول بأن تسليح القوات البحرية التابعة للحرس الثوري بغواصات من فئة "فاتح"، سوف يغيّر قواعد اللعبة في منطقة الخليج الفارسي وسيقلب موازين القوى لمصلحة إيران.

وفي النهاية، يمكن القول بأنه إلى الأمس كانت قوارب الحرس الثوري الإيراني تشكّل تهديداً للقوات العالمية المعادية المتواجدة في الخليج الفارسي وبعد فترة وجيزة ستنضم الغواصات الإيرانية الصامتة التابعة لقوات الحرس الثوري إلى قائمة مشكلات وتحديات القوات المعادية.

دعت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" (أكبر تجمع لعلماء الدين في البلاد)، الأحد، السلطات إلى إلغاء ترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة وفتح حوار جاد لتهدئة الأوضاع في البلاد.

جاء ذلك في بيان للجمعية وهو الثاني الذ يصدر عنها حول الأزمة السياسية في الجزائر.

ودعت المنظمة السلطات إلى "تحمل مسؤوليتها التاريخية في هذا الجو المشحون والظرف الخطير قبل فوات الأوان بإعلان إجراءات فورية لتهدئة الأوضاع منها إلغاء العهدة الخامسة (لبوتفليقة) وفتح حوار جاد وتحرير وسائل الإعلام من الرقابة".

كما أعلنت "رفضها المطلق لأي تدخل أجنبي في هذه الأزمة الداخلية"، وحذرت "من دعوات العصيان المدني الذي تدعو إليه جهات خفية لما له من آثار غير محودة على الحراك الشعبي".

وفي الثاني من مارس/آذار الماضي، دعت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، في بيان آخر، السلطة الحاكمة إلى الإصغاء لرسالة الشعب، والعدول عن ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة، في انتخابات 18 أبريل/نيسان المقبل.

ومنذ إعلان ترشح بوتفليقة (81 عاما)، في 10 فبراير/شباط الماضي، تشهد البلاد احتجاجات وتظاهرات رافضة كانت أقواها الجمعة الماضية، بمشاركة مئات الآلاف في مظاهرات غير مسبوقة وصفت بـ"المليونية" ضد ولاية خامسة لبوتفليقة.

ويرتقب أن يعود الرئيس الجزائري مساء اليوم إلى الجزائر بعد رحلة علاج بسويسرا دامت أسبوعين، وسط توقعات بصدور قرارات مثل إجراء تعديل حكومي.