Super User
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
أهل الحديث والحشوية
إنّ للحديث النبوي من علو الشأن، وجلالة القدر ما لا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج في إثباته إلى برهان، إذ هو الدعامة الثانية ـ بعد الذكر الحكيم ـ للدين والشريعة والحكم والأخلاق.
وهذه المنزلة الرفيعة تقتضي المزيد من الاهتمام بالمنقول عنه ، ودراسته وتمحيصه بأفضل نحو حتّى يتميز الصحيح عن السقيم، والمعقول عن غيره، وموافق الكتاب عن مخالفه .
وذلك لِما دق رسول الله جرس الإنذار وقال: «من كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار». وذلك يعرب عن أنّ الرسول كان يعلم بإذن الله أنّ أعداء دين الإسلام وسماسرة الحديث سيكذبون عليه، ويضعون الحديث على لسانه.
وقد صدق الخُبر الخبرَ حيث وضع الوضّاعون أحاديث على لسانه، وبثّوها بين صفوف المسلمين بأساليب مختلفة، فصار تمييز الصحيح عن غيره أمراً بعيد المنال .
وقد كان لمنع كتابة الحديث وتحديثه ما يزيد على قرن، مضاعفات جمّة أهمها انتهاز الوضّاعين لوضع الحديث وجعله ونشره بين المسلمين، فلمّا وقف المحدّثون على مدى الخسارة الّتي مني بها الحديث أخذوا بتقييد وضبط كل ما دبّ وهبّ بحرص شديد، سواء وافق العقل أو خالفه، أو وافق الكتاب أو خالفه إلى حد تجاوزت منزلة الحديث، الكتاب العزيز، ويعلم ذلك من الأُصول الّتي اتّخذها أهل الحديث مقياساً لأخذ الحديث وجمعه، فقالوا:
1.ان السنّة لا تنسخ بالقرآن، ولكن السنّة تنسخ القرآن وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها. ( [1 ])
2.ان القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن. ( [2 ])
3.ان القول بعرض الأحاديث على الكتاب قول وضعه الزنادقة. ( [3])
والّذي يعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمة الحديث اخبار تآليفهم الصحاح والمسانيد من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن ذلك الهوش الهائش. قد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث، وقال: انتخبته من خمسمائة ألف حديث.
ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث وسبعمائة وواحداً وستين حديثاً اختارها من زهاء ستمائة ألف حديث .
وفي صحيح مسلم أربعة الآف حديث أُصول، دون المكررات صنّفها من ثلاثمائة ألف. وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث، وكتب أحمد بن الفرات (المتوفّى 258 هـ) ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها.( [4])
ثم إنّ الإمام أحمد بن حنبل (164-241 هـ) قد كتب رسالة بيّن فيها عقائد أهل الحديث تحت بنود خاصة.
قال في مقدّمته: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنّة المتمسّكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء الحجاز والشام عليها; فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة وزائل عن مذهب السنّة وسبيل الحق .
ثم شرع في بيان الأُصول. ( [5])
كما كتب أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى 377 هـ) عقائد أهل الحديث في كتابه المعروف بـ «التنبيه والرد». ( [6])
وقد سرد الإمام الأشعري عقيدة أهل الحديث في كتابيه: الإبانة ومقالات الإسلامييّن، ولعلّ ما كتبه أحسن تناولاً ممّا كتب قبلَه، ونحن نستعرض جملة من أقواله المبيّنة لعقائد أهل الحديث حيث يقول: وجملة قولنا:
1.أنا نقرّ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نرد من ذلك شيئاً.
2.وأنّ الله عزّوجلّ إله واحد لاإله إلاّ هو، فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.
3.وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ.
4.وأنّ الجنّة والنار حقّ.
5.وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور.
6.وأنّ الله استوى على عرشه كما قال: ( الرَّحمنُ عَلى العرشِ اسْتَوى ) .( [7])
7.وأنّ له وجهاً بلا كيف كما قال: ( وَيَبْقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرام ) .( [8])
8.وأنّ له يدين بلا كيف كما قال: ( خَلَقْتُ بيدي ) ( [9])، وكما قال: ( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطتان ) . ( [10])
9.وأنّ له عيناً بلا كيف كما قال: ( تَجْري بِأَعْيُننا ) .( [11])
10.وأنّ من زعم أنّ أسماء الله غيره كان ضالاً. 11.وأنّ لله علماً كما قال: ( أَنْزَلَهُ بعِلْمِهِ ) ( [12])، وكما قال: ( وَماتَحْمِل مِنْ أُنْثى وَلاتَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ ) . ( [13 ])
12.ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك، كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج.
13.وثبت أنّ لله قوّة كما قال: ( أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشدُّ مِنْهُمْ قُوّة ) .( [14])
14.ونقول: إنّ كلام الله غير مخلوق، وإنّه لم يخلق شيئاً إلاّ وقد قال له: كن فيكون،كما قال: ( إِنّماقَوْلُنا لِشَيء إذا أََرْدناهُ أَنْ نَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .( [15])
15.وإنّه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلاّ ما شاء الله، وإنّ الأشياء تكون بمشيئة الله عزّوجلّ.
وإنّ أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله الله.
16.ولا نستغني عن الله، ولا نقدر على الخروج من علم الله عزّوجلّ.
17.وإنّه لا خالق إلاّ الله، وإنّ أعمال العبد مخلوقة لله مقدورة، كما قال: ( وَالله خَلَقكُمْ وَما تَعْمَلُون ) .( [16])
وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يخلقون، كما قال: ( هَلْ مِنْ خالِق غَيرُ الله ) ( [17]) ، وكما قال: ( لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُون ) ( [18]) ، وكما قال: ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُق ) ( [19])، وكما قال: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غير شَيء أم هُمُ الخالِقُونَ ) ( [20]) ، وهذا في كتاب الله كثير.
18.وإنّ الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر إليهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين. ولو هداهم لكانوا مهتدين، كما قال تبارك و تعالى: ( مَنْ يَهْد الله فَهُوَ المُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرُون ) .( [21])
وإنّ الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنّه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وإنّه خذلهم وطبع على قلوبهم.
19.وإنّ الخير والشر بقضاء الله وقدره. وإنّا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشرّه، حلوه ومرّه، ونعلم أنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأنّ ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأنّ العباد لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً إلاّ ما شاء الله كما قال عزّوجلّ: ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاّ ما شاءَ الله ) ( [22]) وإنّا نلجأ في أُمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كلّ وقت إليه.
20.ونقول: إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.
21.وندين بأنّ الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . ونقول: إنّ الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال الله عزّ وجلّ: ( كَلاّ إِنّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمئِذ لَمَحْجُوبُون ) ( [23]) وإنّ موسى (عليه السلام) سأل الله عزّوجلّ الرؤية في الدنيا، وإنّ الله تعالى تجلّى للجبل، فجعله دكّاً، فاعلم بذلك موسى أنّه لا يراه في الدنيا.
22.وندين بأن لا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنى والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنّهم كافرون.
ونقول: إنّ من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبههما مستحلاً لها غير معتقد لتحريمها كان كافراً.
23.ونقول: إنّ الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كلّ إسلام إيماناً.
24.وندين بأنّ الله تعالى يقلّب القلوب «وأنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن»( [24])، وأنّه سبحانه «يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع»( [25]) كما جاءت الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير تكييف. 25.وندين بأن لا ننزل أحداً من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا ناراً إلاّ من شهد له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين.
ونقول: إنّ الله عزّوجلّ يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تصديقاً لما جاءت به الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .( [26])
26.ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأنّ الميزان حقّ، والصراط حقّ، والبعث بعد الموت حقّ، وأنّ الله عزّ وجلّ يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين.
27.وأنّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) التي رواها الثقاة عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
28.وندين بحب السلف، الذين اختارهم الله عزّوجلّ لصحبة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين.
29.ونقول: إنّ الإمام الفاضل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، وإنّ الله أعزّ به الدين وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون للإمامة، كما قدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للصلاة، وسمّوه بأجمعهم خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . ثمّ عمر بن الخطاب ، ثمّ عثمان بن عفان ، وإنّ الذين قتلوه، قتلوه ظلماً وعدواناً، ثمّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهؤلاء الأئمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلافتهم خلافة النبوة.
ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بها، ونتولّى سائر أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و نكف عمّا شجر بينهم، وندين الله بأنّ الأئمّة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم.
30.ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأنّ الربّ عزّ وجلّ يقول: «هل من سائل، هل من مستغفر»( [27]) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل.
31.ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربّنا تبارك وتعالى وسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله مالا نعلم.
32.ونقول: إنّ الله عزّوجلّ يجيء يوم القيامة كما قال: ( وَجاءَ ربّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) ( [28])، وإنّ الله عزّ وجلّ يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريد ) ( [29])، وكما قال: ( ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى* فَكانَ قابَ قَوسين أَوْ أَدنى ) . ( [30])
33.ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كلّ برّ وفاجر، كما روي عن عبد الله بن عمر أنّه كان يصلّي خلف الحجّاج.
34.وأنّ المسح على الخفين سنّة في الحضر والسفر خلافاً لقول من أنكر ذلك.
35.ونرى الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بإنكار الخروج عليهم بالسيف، وترك القتال في الفتنة.
36.ونقرّ بخروج الدجّال، كما جاءت به الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .( [31])
37.ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومساءلتهما المدفونين في قبورهم.
38.ونصدّق بحديث المعراج.( [32])
39.ونصحّح كثيراً من الرؤيا في المنام ونقرّ أنّ لذلك تفسيراً.
40.ونرى الصدقة عن موتى المسلمين، والدعاء لهم ونؤمن بأنّ الله ينفعهم بذلك.
41.ونصدّق بأنّ في الدنيا سحراً وسحرة، وأنّ السحر كائن موجود في الدنيا.
42.وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برّهم وفاجرهم وتوارثهم.
43.ونقرّ أنّ الجنة والنّار مخلوقتان.
44.وأنّ من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل.
45.وأنّ الأرزاق من قبل الله عزّوجلّ يرزقها عباده حلالاً وحراماً.
46.وأنّ الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه خلافاً لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله عزّوجلّ: ( الّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَس ) ( [33])، وكما قال: ( مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الخَنّاس* الَّذي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاس* مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاس ) .( [34])
47.ونقول: إنّ الصالحين يجوز أن يخصّهم الله عزّوجلّ بآيات يظهرها عليهم.
48.وقولنا في أطفال المشركين: إنّ الله يؤجّج لهم في الآخرة ناراً، ثمّ يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الروايات.( [35])
49.وندين الله عزّوجلّ بأنّه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون.
50.وبطاعة الأئمّة ونصيحة المسلمين.
51.ونرى مفارقة كلّ داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه ممّا لم نذكره باباً باباً وشيئاً شيئاً، إن شاء الله تعالى.( [36])
***
نظرنا في بعض هذه الأُصول :
1.ما ذكره في الأُصول الثلاثة: السابع والثامن والتاسع من أنّ لله وجهاً ويدين وعيناً بلا كيف، حاول بذلك الجمع بين أمرين مهمين :
أ ـ إثبات هذه الصفات لله سبحانه بمعانيها اللغوية حذراً من تأويل المعتزلة.
ب ـ الاحتراز من وصمة الجسمانية وذلك بإضافة قيد «بلا كيف» وبذلك جمع بين الإثبات بالمعنى اللغوي والتنزّه عن صفات الجسمانية.
وهذه المحاولة وإن كانت مقبولة في بدء النظر ولكنه عند الإمعان ينقض أحدهما الآخر، فإنّ إثبات اليد لله سبحانه بمعانيها اللغوية يلازم الكيفية، إذ واقع اليد هو كيفيتها المشتركة بين الإنسان والدواب. هذا من جانب.
ونفي الكيفية من جانب آخر نفي إثبات هذه الصفات بمعانيها اللغوية، وهذا ظاهر لمن دقّق النظر، وأمّا ما هو الصحيح في إثبات الصفات الخبرية فسيوافيك في الفصول الآتية.
2.ما ذكره في الأصل السابع عشر من أنّ أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة كما قال: ( وَالله خَلَقكُمْ وَما تَعْمَلُون ) ( [37]) انّ الاستدلال بالآية غفلة عن سياقها، إذ ليس المراد من «ما» الموصولة أعمال الإنسان بل الأصنام الّتي كان يعمل فيها العباد بالنحت والتسوية، يقول سبحانه: ( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) .( [38]) 3.ما ذكره في الأصل الحادي والعشرين: بأنّا ندين بأنّ الله يرى في الآخرة بالأبصار وهذا تعبير آخر عن كونه سبحانه متحيّزاً يرى في جهة، وذلك لأنّ المرئي يوم القيامة أمّا كلّه سبحانه أو قسم منه، فعلى الأوّل يكون متحيزاً وعلى الثاني يكون مركباً، فالقول بالرؤية من العقائد اليهودية المستوردة، وقد حيكت الروايات على منوال تلك العقيدة ونسبت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
4.ما ذكره في الأصل الخمسين: «وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين» كلام لا يقبل على إطلاقه وقد ذهب أبو الحسين الملطي الى لزوم الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم من عدل وجور وانّه لا يخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا.( [39])
وقد قال أحمد بن حنبل في إحدى رسائله :
السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمة وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنه، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كل من ولي، جائزة إقامته، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.
ومن خرج على أمام من أئمة المسلمين وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهلية. ( [40])
وأين هذه العقيدة ممّا نقله السبط الشهيد أبو الشهداء الحسين بن علي عن جده (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما خطب أصحابه وأصحاب الحرّ قائد جيش عبيد الله بن زياد آنذاك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
«أُيّها الناس انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله وأنا أحق من غيّر». ( [40])
إكمال:
كان أصحاب الحديث قبل تصدر أحمد بن حنبل لمنصَّة الإمامة في مجال العقائد على فرق وشيع، والأُصول الّتي كتبها الإمام ووحدهم على تلك الأُصول لم تكن مورد قبول القدامى منهم، وقد أخذت هذه الأُصول بالانتشار والشيوع عندما انقلب الوضع في أيام المتوكل لصالح الإمام أحمد.
والشاهد على ذلك انّ جلال الدين السيوطي فى كتابه «تدريب الراوي» يذكر الفرق المختلفة لأصحاب الحديث الذين لم يكونوا على وتيرة واحدة كما صاروا كذلك بعد الإمام أحمد، بل كان أصحاب الحديث بين :
مرجئي يرى أنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان وأنّه لا تضر معه معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. ونقدم إليك بعض أسمائهم من الذين عاشوا قبل إمامة أحمد أو عاصروه، نظراء :
1-إبراهيم بن طهمان 2-أيوب بن عائذ الطائي 3 ـ ذر بن عبد الله المرهبي 4-شبابة بن سوار 5-عبد الحميد بن عبد الرحمن 6-أبو يحيى الحماني 7-عبد المجيد بن عبد العزيز 8-ابن أبي رواد 9-عثمان بن غياث البصري 10-عمر بن ذر 11-عمر بن مرة 12-محمد بن حازم 13-أبو معاوية الضرير 14-ورقاء بن عمر اليشكري 15-يحيى بن صالح الوحاظي 16-يونس بن بكير.
إلى ناصبي لعلي وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ، نظراء:
1-إسحاق بن سويد العدوي 2-بهز بن أسد 3 ـ حريز بن عثمان 4 ـ حصين بن نمير الواسطي 5-خالد بن سلمة الفأفاء 6 ـ عبد الله بن سالم الأشعري 7-قيس بن أبي حازم.
إلى متشيع يحب علياً وأولاده ويرى الولاء فريضة نزل بها الكتاب ويرى الفضيلة لعلي في الإمامة والخلافة، نظراء :
1-إسماعيل بن أبان 2-إسماعيل بن زكريا الخلقاني 3-جرير بن عبد الحميد 4-أبان بن تغلب الكوفي 5-خالد بن محمد القطواني 6-سعيد بن فيروز 7-أبو البختري 8-سعيد بن أشوع 9-سعيد بن عفير 10 ـ عباد بن العوام 11-عباد بن يعقوب 12-عبد الله بن عيسى 13-ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى 14-عبد الرزاق بن همام 15-عبد الملك بن أعين 16-عبيد الله بن موسى العبسي 17-عدي بن ثابت الأنصاري 18-علي بن الجعد 19-علي بن هاشم بن البريد 20 ـ الفضل بن دكين 21-فضيل بن مرزوق الكوفي 22-فطر بن خليفة 23-محمد بن جحادة الكوفي 24-محمد بن فضيل بن غزوان 25-مالك بن إسماعيل أبو غسان 26-يحيى بن الخراز .
إلى قدري ينسب محاسن العباد ومساويهم ومعاصيهم إلى أنفسهم ولا يسند فعلهم إلى الله سبحانه، نظراء :
1-ثور بن زيد المدني 2-ثور بن يزيد الحمصي 3 ـ حسان بن عطية المحاربي 4-الحسن بن ذكوان 5-داود بن الحصين 6-زكريا بن إسحاق 7-سالم بن عجلان 8-سلام بن مسكين 9-سيف بن سلمان المكي 10-شبل بن عباد 11-شريك بن أبي نمر 12-صالح بن كيسان 13-عبد الله بن عمرو 14-أبو معمر عبد الله بن أبي لبيد 15-عبد الله بن أبي نجيح 16-عبد الأعلى بن عبد الأعلى 17-عبد الرحمن بن إسحاق المدني 18-عبد الوارث بن سعيد الثوري 19-عطاء بن أبي ميمونة 20-العلاء بن الحارث 21-عمرو بن زائدة 22-عمران بن مسلم القصير 23-عمير بن هاني 24-عوف الأعرابي 25-كهمس بن المنهال 26-محمد بن سواء البصري 27-هارون بن موسى الأعور النحوي 28-هشام الدستوائي 29-وهب بن منبه 30-يحيى بن حمزة الحضرمي .
إلى جهمي ينفي كل صفة لله سبحانه ويعتقد بخلق القرآن وحدوثه، نظير: بشر بن السري.
إلى خارجي ينكر على أمير المؤمنين مسألة التحكيم ويتبرأ منه ومن عثمان ومن طلحة والزبير وأُم المؤمنين عائشة ومعاوية وغيرهم، نظراء : 1-عكرمة مولى ابن عباس 2-الوليد بن كثير.
إلى واقفي لا يقول في التحكيم أو في القرآن بشيء من الحدوث والقدم وإنّه مخلوق أو غير مخلوق، نظير علي بن هشام.
إلى متقاعد يرى لزوم الخروج على أئمة الجور ولا يباشره بنفسه نظير: عمران بن حطان ( [42]).
إلى غير ذلك من ذوي الأهواء والآراء الذين قضى عليهم الدهر وعلى آرائهم ومذاهبهم بعد ما وصل أحمد بن حنبل إلى قمة الإمامة في العقائد. فصار أهل الحديث مجتمعين تحت الأُصول الّتي استخرجها أحمد وجعل الكل كتلة واحدة، بعدما كانوا على سبل شتى .
هذه ملحمة أهل الحديث وسلفهم وعقيدتهم، والأسف أن المفكّرين من أهل السنّة يتخيلون أن هذه الأُصول الّتي يدينون بها هي نفس الأُصول الّتي كان عليها المسلمون الأُول إلى زمن الإمام أحمد.
وهذا التاريخ الواضح يفرض على المفكّرين المتعطشين لمعرفة الحق دراسة هذه الأُصول من رأس حتّى لا يعبأوا بما جاء في هذه الكتب ممّا عليه ماركة «عقيده السلف» أو «عقيدة الصحابة والتابعين» أو تابعي التابعين.
والّذي يوضح ذلك هو أن كل واحد من هذه الأُصول رد لمذهب نجم في القرون الأُولى، فلأجل التبرّي منه صار خلافه شعاراً لمذهب أهل الحديث. وعقائد أهل الحديث كأنّها مركّبة من عدة ردود للفرق وأصحاب المقالات .
[1] . مقالات الإسلاميين: 2 / 251 .
[2] . جامع بيان العلم: 2 / 234 .
[3] . عون المعبود في شرح سنن أبي داود: 4 / 429 .
[4] . خلاصة التهذيب: 9 ; الغدير: 5 / 292- 293 .
[5] . السنّة لأحمد بن حنبل: 44- 50 .
[6] . التنبيه والرد: 14- 15 .
[7] . طه: 5.
[8] . الرحمن: 27.
[9] . ص: 75.
[10] . المائدة: 64.
[11] . القمر: 14.
[12] . النساء: 166.
[13] . فاطر: 11.
[14] . فصلت: 15.
[15] . النحل: 40.
[16] . الصافات: 96.
[17] . فاطر: 3.
[18] . النحل: 20.
[19] . النحل: 17.
[20] . الطور: 35.
[21] . الأعراف: 178.
[22] . الأعراف: 188.
[23] . المطففين: 15.
[24] . رواه مسلم رقم (2654) في القدر: باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء. وأحمد: 2 / 168 و 173 من حديث عبد الله بن عمرو. وابن ماجة برقم (3834) في الدعاء: باب دعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . والترمذي رقم (2141) في القدر: باب ما جاء أنّ القلوب بين أصبعي الرحمن من حديث أنس بن مالك. وأحمد: 6 / 302 و 315. والترمذي رقم (3517) في الدعوات باب 89 من حديث أُمّ سلمة. وأحمد: 6 / 251 من حديث عائشة 302، 315.
[25] . أخرجه البخاري: 13 / 335 ، 336 ، 369 و 397 في التوحيد: باب قوله تعالى: ( لما خلقت بيدي ) وباب قوله تعالى: ( إنّ الله يمسك السموات والأرض ) وباب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء. و 8 / 423 وفي التفسير: باب قوله تعالى: ( والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ) . ومسلم رقم (2786) (21) في المنافقين: باب صفة القيامة والجنة والنار. والترمذي رقم (3236) و (3238) في التفسير: باب: « و من سورة الزمر » كلّهم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[26] . خروجهم من النار بعد أن امتحشوا وحديث الشفاعة، رواه البخاري: 13 / 395- 397 في التوحيد: باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. و 13 / 332 باب قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) . و 13 / 398 باب قوله تعالى: ( وكلّم الله موسى تكليماً ) و 8 / 122 في تفسير سورة البقرة: باب ( علّم آدم الأسماء كلّها ) ومسلم رقم (193) من حديث أنس بن مالك والبخاري: 6 / 264 و 265 ومسلم (194) في الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها من حديث أبي هريرة والبخاري: 11 / 367 و371 من حديث جابر.
[27] . رواه مسلم (758) (170) (172) في صلاة المسافرين: باب الترغيب والدعاء والذكر في آخر الليل. وللحديث صيغ أُخرى رواها البخاري في التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل وفي الدعوات: باب الدعاء نصف الليل وفي التوحيد: باب قوله تعالى: ( يريدون أن يبدلوا كلام الله ) ومسلم (758) (168) (169) وأبو داود رقم (4733) في السنّة. والترمذي رقم (3493) في الدعوات وأحمد: 2 / 258 و 267 و 282 و 419 و 487 و 504 و 521 من حديث أبي هريرة.
[28] . الفجر: 22.
[29] . ق: 16.
[30] . النجم: 8- 9.
[31] . صحيح البخاري: 13 / 87 في الفتن: باب ذكر الدجال، وفي الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل، و 13 / 89- 91، وفي فضائل المدينة: باب لا يدخل الدجال المدينة. ومسلم (2933) في الفتن: باب ذكر الدجال وصفته ومن معه ولغاية (2947)، و الترمذي (2235) لغاية (2246) في الفتن، وأبو داود (4315) في الملاحم ولغاية (4328) وأحمد في « المسند » : 1 / 4، 7; 2 / 33، 37، 67، 104، 108، 124، 131، 237، 349، 429، 457، 530; 3 / 42; 5 / 32، 38، 43، 47. وابن ماجة من (4071) ولغاية (4081) في الفتن باب فتنة الدجال.
[32] . رواه البخاري: 13 / 399- 406 في التوحيد: باب ما جاء في قوله عزّ وجلّ: ( وكلّم الله موسى تكليماً ) ، وفي الأنبياء: باب صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومسلم رقم (162) في الإيمان: باب الإسراء برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماوات، والنسائي: 1 / 221 في الصلاة: باب فرض الصلاة، والترمذي رقم (3130) في التفسير: باب و من سورة بني إسرائيل.
[33] . البقرة: 275.
[34] . الناس: 4- 6.
[35] . اختلف العلماء قديماً وحديثاً في أولاد المشركين على أقوال، منها القول الذي ذكره الأشعري أنّهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، و من أبى عذّب. رواه البزار من حديث أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، ورواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.
قال الحافظ في « الفتح » : 3 / 195 وقد صحّت مسألة الامتحان في حقّ المجنون و من مات في الفترة من طرق صحيحة. ومن الأقوال أنّهم في الجنة. قال النووي: وهو المذهب الصحيح الذي صار إليه المحقّقون لقوله تعالى: ( وَماكُنّا معذّبين حتّى نبعث رَسولاً ) . وانظر « الفتح » : 3 / 195 ـ 196.
[36] . الإبانة: 8- 12، باب في إبانة قول أهل الحق والسنّة; مقالات الإسلاميين: 320- 325 .
[37] . فاطر: 3 .
[38] . الصافات: 95- 96 .
[39] . لاحظ التنبيه والرد: 14- 15 .
[40] . تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة: 2 / 322 .
[41] . تاريخ الطبري: 4 / 304، حوادث سنة 61 .
[42] . تدريب الراوي : 1 / 328 .
المرجئة
وهو مأخوذ من الإرجاء بمعنى التأخير، وقد قيل في تسمية هؤلاء بالمرجئة انّهم يقدّمون الإيمان ويؤخّرون العمل، فالإيمان عندهم عبارة عن مجرّد الإقرار بالقول وإن لم يكن مصاحباً للعمل، فأخذوا منه جانب القول وطردوا جانب العمل، فاشتهروا بالمرجئة أي المؤخرة، وشعارهم: «لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة»، وهؤلاء والخوارج في هذه المسألة على جانبي نقيض، فالمرجئة لا تشترط العمل في حقيقة الإيمان وترى العاصي مؤمناً وإن ترك الصلاة والصوم، ولكن الخوارج يضيّقون الأمر فيرون مرتكب الكبيرة كافراً مخلداً في النار.
ويقابلهما المعتزلة فانّ مرتكب الكبيرة عندهم لا مؤمن ولا فاسق بل في منزلة بين الأمرين، فزعمت انّها أخذت بالقول الوسط بين المرجئة والخوارج.
والمعروف بين المسلمين انّ مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق. وبتقييد الإيمان بالفسق خالفت المرجئة، وبوصفه بالإيمان خالفوا الخوارج والمعتزلة.
والحاصل: انّ تحديد الإيمان بالإقرار دون العمل، أو تحديده بالمعرفة القلبية دون القيام بالأركان، يعدّ ركناً ركيناً لهذه الطائفة، بحيث كلّما أُطلقت المرجئة لا يتبادر منها إلاّ من تبنّى هذا المعنى .
ثم إنّهم رتّبوا على تلك العقيدة أُموراً :
1-انّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنّ أمر التصديق دائر بين الوجود والعدم، ومثله تفسير الإيمان بالإقرار باللسان فهو أيضاً كذلك، وليس العمل داخلاً في حقيقته حتّى يقال انّ العمل يكثر ويقل .
2-انّ مرتكب الكبيرة مؤمن حقيقة، لكفاية التصديق القلبي أو الإقرار باللسان في الاتّصاف بالإيمان، وهؤلاء في هذه العقيدة يخالفون الخوارج والمعتزلة.
أمّا الأُولى: فلأنّهم يعدّون العمل عنصراً مؤثراً في الإيمان بحيث يكون تارك العمل كافراً، وقد اشتهر عنهم بأنّ مرتكب الكبائر كافر، وليس المؤمن إلاّ من تحرّز من الكبائر .
وأمّا الثانية: فلأنّهم يعتقدون انّ مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. والمعتزلة أخف وطأة من الخوارج، وإن كانت الطائفتان مشتركتين في إدخال العمل في حقيقة الإيمان.
3-ان مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار وإن لم يتب ولا يحكم عليه بالوعيد والعذاب قطعاً لاحتمال شمول عفوه سبحانه له، خلافاً للمعتزلة الذين يرون أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ العقوبة إذا لم يتب، وانّ من مات بلا توبة يدخل النار، وقد كتبه الله على نفسه فلا يعفو. ( [1])
مؤسّس المرجئة :
إنّ التاريخ لم يسجّل مبدأ تكوّن فكرة الإرجاء، والمؤّرخون ينسبونه إلى الحسن بن محمد بن الحنفية (المتوفّى عام 99 هـ)، ولكنّه بعد غيرثابت، وعلى فرض ثبوته فالإرجاء الّذي قال به غير الإرجاء المعروف، فقد نقلوا عنه أنّه تكلّم في علي وعثمان وطلحة والزبير في محضره فأكثروا وهو ساكت، ثم تكلَّم فقال: قد سمعت مقالكم، أرى أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير فلا يتولّى ولا يتبرى منهم. ( [2])
غير أنّ الإرجاء الّذي تكلّم فيه الحسن بن محمد غير الإرجاء المعروف عند أهل السنّة المتعلّق بالإيمان، فإنّ الإرجاء عند أهل السنّة هو تقديم الإيمان وتأخير العمل، ولعل الحافز لابن الحنفية إلى ترويج الإرجاء بالمعنى المذكور هو إيقاف الهجمة على جده أمير المؤمنين، والله أعلم .
ولعلّ الإرجاء بالمعنى الأوّل الّذي صدر عن ابن الحنفية عن غاية صحيحة، صار أساساً للمعنى الثاني، أمّا تقديم الإيمان وتأخير العمل فقد استعمله الأُمويّون لتبرئتهم حيث كانوا غارقين في العصيان والفساد.
وبذلك يعلم أنّ أصل الإرجاء هو التوقف وترك الكلام في حق بعض الصحابة، لكن نسي الإرجاء بهذا المعنى وأخذ أصل آخر مكانه، وهو تحديد الإيمان بالإقرار دون العمل، أو المعرفة القلبية دون القيام بالأركان. ولمّا كان كلا الأصلين لصالح الأُمويّين حيث يلزم التوقّف في حق عثمان وأعماله، كما أنّه يبرر ما اقترفه الأُمويّون من الجرائم أخذوا يروّجونه بحماس .
خطر المرجئة على أخلاق المجتمع:
إنّ تجريد الإيمان من العمل فكرة خاطئة تسير بالمجتمع ـ وخصوصاً الشباب ـ إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي وترك القيم، بحجّة انّه يكفي في اتّصاف الإنسان بالإيمان وانخراطه في مسلك المؤمنين الإقرار باللسان أو الإذعان بالقلب، ولا نحتاج وراء ذلك إلى شيء من الصوم والصلاة، ولا يضره شرب الخمر وفعل الميسر، ويجتمع مع حفظ العفاف وتركه.
ولو قدر لهذه الفكرة أن تسود في المجتمع لم يبق من الإسلام إلاّ رسمه ومن الدين إلاّ اسمه، ويكون المتديّن بهذه الفكرة كافراً واقعياً، اتّخذها واجهة لما يكنّ في ضميره .
ولقد شعر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بخطورة الموقف وعلموا بأنّ إشاعة هذه الفكرة بين المسلمين عامّة والشيعة بوجه خاص سترجعهم إلى الجاهلية، فقاموا بتحذير الشيعة وأولادهم من خطر المرجئة فقالوا:
«بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة».( [3])
وفكرة الإرجاء فكرة خاطئة تضر بالمجتمع عامّة، وانّما خصّ الإمام منهم الشباب لكونهم سريعي التقبّل لهذه الفكرة، لما فيها من إعطاء الضوء الأخضر للشباب باقتراف الذنوب، والانحلال الأخلاقي، والانكباب وراء الشهوات مع كونهم مؤمنين.
ولو صحّ ان ما ادّعته المرجئة في الإيمان والمعرفة القلبية، والمحبّة لإله العالم، لوجب ان تكون لتلك المحبة القلبية مظاهر في الحياة، فانّها رائدة الإنسان وراسمة حياته، والإنسان أسير الحب وسجين العشق، فلو كان عارفاً بالله محباً له، لاتبع أوامره ونواهيه، وتجنّب ما يسخطه وتبع ما يرضيه، فما معنى هذه المحبّة للخالق وليس لها أثر في حياة المحب؟! ولقد وردت الإشارة إلى التأثير الّذي يتركه الحب والود في نفس المحب في كلام الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال:
«ما أحب الله عزّوجل من عصاه» ثم أنشد الإمام (عليه السلام) قائلاً:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه *** هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادق لأطعته *** ان المحب لمن يحب مطيع( [4])
[1] . لاحظ مقالات الإسلاميين: 126- 147 .
[2] . تاريخ ابن عساكر: 4 / 246، ط دمشق، 1332 هـ .
[3] . الكافي: 6 / 47، الحديث 5 .
[4] . سفينة البحار: 1 / 199، مادة حبب .
الشيخية
الشيخية هم طائفة من الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ولقّبوا بهذا الاسم نسبة إلى شيخهم ومعلمهم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، وهم لا يختلفون في أُصول الدين وأُمهات المسائل الشرعية عن سائر الشيعة الإمامية، وليسوا أخباريّين كما ربما يتوهّم، نعم لهم بعض الآراء والمعتقدات الخاصّة كما نشير إليها.
وهم اليوم موجودون في إيران والعراق والكويت والأحساء، وينقسمون إلى فرقتين: «الركنية» و «الكشفية»، ولكلّ فرقة آراؤها الخاصّة.
ومبدأ نشوء هذه الطائفة هو بعد بروز الشيخ أحمد الأحسائي في مطلع القرن الثالث عشر الهجري كعالم أوحد متميز له بعض النظريات والأفكار الجديدة في علم الفلسفة والعقائد الإسلامية، وحيث كان الشيخ ذا عبقرية فذة وعرف منه الزهد والإغراق في العبادة ـ هذا بالإضافة إلى مقامه العلمي الشامخ ـ لذا كان ذا جاذبية قوية ومؤثرة أدّت إلى وجود تيار جارف من الموالين والأنصار له، ومعظم أنصاره كان من إيران، وبعضهم من العراق ودول الخليج، وهؤلاء هم كانوا النواة والقاعدة الّتي تحوّلت فيما بعد إلى طائفة مستقلة تسمّى بـ «الشيخية».
لذا وقبل كل شيء لابد أن نعرج على سيرة وحياة الشيخ أحمد الأحسائي.
سيرة الشيخ أحمد الأحسائي : ( [1])
أحمد بن زين الدين بن إبراهيم بن صقر بن إبراهيم الأحسائي المطيرفي.
كان فقيهاً، إمامياً، حكيماً، مشاركاً في فنون شتى، له شهرة وأتباع أسّسوا ما يُعرف بفرقة الكشفية، ويقال لها أيضاً الشيخية.
ولد في المُطيرف (من قرى الأحساء) سنة ست وستين ومائة وألف .
وتلقّى مبادئ العلوم عن محمد بن محسن الأحسائي، وغيره .
وارتحل إلى العراق في سنة (1186 هـ)، فحضر في كربلاء على: محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني، والسيد محمد مهدي بن أبو القاسم الشهرستاني، والسيد علي بن محمد علي الطباطبائي، وفي النجف على جعفر كاشف الغطاء.
وأجاز له أساتذته الشهرستاني والطباطبائي وكاشف الغطاء، وآخرون مثل: السيد محمد مهدي بحر العلوم، وأحمد بن حسن الدمستاني، وحسين بن محمد العصفوري البحراني.
وقد أقام في البحرين مدّة أربع سنين، ثمّ سكن البصرة بعد أن زار العتبات المقدسة سنة (1212 هـ). وسافر إلى إيران، فلبث في يزد مدة ثمّ انتقل إلى كرمانشاه بطلب من محمد علي ميرزا بن السلطان فتح علي شاه القاجاري، وزار عدة مدن في إيران.
ثمّ ارتحل إلى العراق، فاستقرّ في كربلاء.
وكان مواظباً على المطالعة والبحث والتدريس، وعلى بثّ أفكاره ونشر طريقته بالخطابة والكتابة والتأليف والرحلات .
تتلمذ عليه وروى عنه جمع، منهم: ابناه محمد تقي، وعلي نقي، والسيد كاظم بن قاسم الرشتي وهو أشهر تلامذته وعميد طريقته، ومحمد باقر بن حسن النجفي صاحب الجواهر، وأسد الله بن إسماعيل التستري صاحب المقابس، ومحمد إبراهيم بن محمد حسن الكلباسي، والميرزا علي محمد الشيرازي الملقب بالباب، وحسين بن مؤمن اليزدي الكرماني، وغيرهم.
وصنف كتباً ورسائل جمّة، منها: الرسالة الحيدرية في الفروع الفقهية، الرسالة الصومية، شرح «تبصرة المتعلمين في أحكام الدين» للعلاّمة الحلّي لم يتم، أحكام الكفّار بأقسامهم قبل الإسلام وبعده وأحكام فرق الإسلام، شرح مبحث حكم ذي الرأسين من «كشف الغطاء»، ذكر فيه أحكامه من أوّل الطهارة إلى الديات، المسائل القطيفية، تحقيق القول بالاجتهاد والتقليد وبعض مسائل الفقه، جواز تقليد غير الأعلم وبعض مسائل الفقه، مباحث الألفاظ في الأُصول، أسرار الصلاة، تفسير سورة التوحيد وآية النور، شرح الزيارة الجامعة (مطبوع)، جوامع الكلم (مطبوع)، شرح «الحكمة العرشية» لصدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بملا صدرا، كيفية السير والسلوك الموصلين إلى درجات القرب والزلفى، معرفة النفس، معنى الكفر والإيمان، بيان أحوال أهل العرفان والصوفية وطرائقهم وطرق الرياضات، رسالة في التجويد، رسالة في علم النجوم، شرح علم الصناعة، والفلسفة وأحوالها، وديوان شعر، وغير ذلك كثير.
توفّي حاجّاً بقرب المدينة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف، وحمل إليها، فدفن في البقيع.
اختلاف العلماء فيه :
وقد اختلف علماؤنا في صاحب الترجمة اختلافاً عظيماً، فمنهم من بالغ في مدحه والثناء عليه وتبيان علمه، ومنهم من أفرط في قدحه والتشنيع عليه وطعن في علمه ودينه وعقيدته، ونكتفي هنا بنقل نماذج من كلمات المادحين له والقادحين فيه :
قال المحدث النيسابوري: أحمد بن زين الدين الأحسائي القاري، فقيه محدّث عارف، وحيد في معرفة الأُصول الدينية، له رسائل وثيقة، اجتمعنا معه في مشهد الحسين (عليه السلام) ، لا شك في ثقته وجلالته.
أوّل من قدح في علمه ورد عليه معاصره الشيخ محمد إسماعيل بن السميع الاصفهاني المعروف بواحد العين، حيث قال في مقدّمة «شرح العرشية»: وقد تصدى لشرحها المولى الجليل... الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي... فشرحها شرحاً كان كلّه جرحاً، لعدم فهمه ما هو المراد من الألفاظ والعبارات، لعدم اطّلاعه على الاصطلاحات، وإلاّ فهو عظيم الشأن .
وقال السيد أبو تراب الخوانساري: إن الشيخ أحمد الأحسائي كان فقيهاً فدخل في علم الحكمة وأخذ يطالع كتبها حتّى مهر فيها وألّف فيها كتباً، وحيث لم يحضر فيها على أُستاذ ماهر زلّت أقدامه فضلّ وأضل.
ولعلّ أهم ما نسب إلى الشيخ من مؤاخذات هو الأُمور التالية:
1-إنكاره المعاد الجسماني ودعوى انّ هذا الجسم المادي لا يمكن أن يعود بكلّ ما فيه من كثافة وكدورة.
2-إنكاره المعراج الجسماني، أي انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعرج إلى السماء بجسمه المادّي بكل ما فيه .
3-إنكاره شق القمر المرئي الحقيقي معجزة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المتّفق عليها بين المسلمين، ودعوى انّ الّذي انشق انّما هو صورة القمر المنتزعة منه .
4-الغلو في شأن أهل البيت (عليهم السلام) وإعطاؤهم بعض المقامات الّتي لا تصحّ إلاّ لله تعالى، مثل القول بأنّ الله تعالى فوض كلّ ما في الكون إليهم من الخلق والرزق والحياة والممات وما إلى ذلك، والقول بأنّ علمهم حضوري وليس حصولي يعني انّهم يعلمون بكلّ ما كان وجميع ما يأتي على نحو يكون ذلك كلّه حاضراً في ذهنهم وذاكرتهم في كلّ حين كما يرون العين .
حقيقة الشيخية:
ولم يكن في بادئ الأمر شيء باسم الشيخية، ولا كان في نيّة الشيخ تأسيس فرقة جديدة أو الدعوة إلى مذهب جديد، ولكن المواجهة الحادة والجدال الّذي بلغ أوجه بين الشيخ ومعارضيه، واستمر بعد وفاته بين أنصاره ومخالفيهم أدى إلى تحيّز جمع من العلماء وطائفة من الناس إلى جانب الشيخ وتحمسّهم في الدفاع عنه والدعوة إليه، ثم تحول هؤلاء بشكل تدريجي إلى جماعة مستقلة منسوبة إلى الشيخ تتبنّى أفكاره وتنشر كتبه وتدعو إلى خطه، وعرفوا حينها باسم الشيخية.
وقد اتّسعت رقعة الشيخية بعد وفاة الشيخ وازداد أتباعها ومؤيّدوها، وكان الزعيم الأكبر لهم بعد الشيخ خليفته السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي الّذي كان يتخذ من كربلاء مقراً لزعامته حتّى توفّي فيها سنة 1259 هـ .
وكانت الشيخية في حياة السيد متفقة على زعامته ومرجعيته ولكن بعد وفاته انقسمت إلى فرقتين، فرقة تبعت الحاج محمد كريم خان الكرماني المتوفّى سنة 1288 هـ وعرفوا فيما بعد بالركنية، وفرقة تبعت الميرزا حسن گوهر الحائري ثم آل الاسكوئي من بعده فعرفوا بالكشفية.
الطائفة الركنية:
أمّا الركنية فتتلخص عقيدتهم في التالي: يعتقدون انّ الدين قائم على أربعة أركان: 1-معرفة الله 2-معرفة الرسول 3-معرفة الإمام 4-معرفة الفقيه الجامع للشرائط الذي يقوم مقام الإمام في زمن الغيبة .
وتجسد الركن الرابع في الشيخ أحمد الأحسائي، ثم في السيد كاظم الرشتي، ثم في الحاج كريم خان نفسه ولهذا سميت هذه الطائفة بالركنية.
قال صاحب الذريعة: ولمّا شدّد عليهم الأصحاب النكير بعدم ما يسمّى الركن الرابع في الإسلام، ألّف محمد كريم خان الكرماني رسالة عام 1279 هـ، أثبت فيها انّ الركن الرابع هم رواة الأئمة والعلماء جميعاً ولا تختص الركنية بشخص معين .
ومن الناحية العملية أصبح الركن الرابع منصب تتوارثه سلالة الكرماني حتّى اليوم، باعتبارهم المصداق الحقيقي لهذا الركن.
وكان مقر زعامتهم مدينة كرمان بإيران، حيث يتواجد أحفاد الكرماني والأكثرية من أتباعه، ولما قتل مرشدهم عام 1400 هـ ، انتقل مقر الزعامة إلى مدينة البصرة بالعراق أهم معقل لهم بعد كرمان، ولا زال زعيمهم الحالي في مدينة البصرة حتّى اليوم، والركنية أكثر أتباعاً من منافسيهم الكشفية، ويتمركز وجودهم في مدينة كرمان بإيران، ثم مدينة البصرة، ويوجد قليل منهم في الكويت وبعض مناطق إيران الأُخرى .
ويمكن التعرف على أفكارهم من خلال كتبهم، مثل «رجوم الشياطين» و «كشف المراد في علم المعاد» و «هداية الأطفال» و «هداية الصبيان» و «إرشاد العوام» و «الفطرة السليمة» و «الفلسفية» للشيخ أبو القاسم الكرماني.
الطائفة الكشفية :
أمّا الطائفة الكشفية فيعتقدون انّ الشيعة ينقسمون إلى قسمين: كاملي العقيدة، وناقصي العقيدة. والمعني بكاملي العقيدة هم الكشفية أنفسهم ومن يعتقد بعقيدتهم في أهل البيت (عليهم السلام) ; وأمّا ناقصي العقيدة فهم معظم الشيعة الإمامية. وتتلخص عقيدتهم في أهل البيت (عليهم السلام) بأمرين :
الأوّل: الاعتقاد انّ علم الإمام حضوري وليس حصولي، يعني أن يعلم بما كان وما سيكون إلى يوم القيامة بإرادة الله تعالى، بحيث تكون جميع هذه المعلومات حاضرة في ذهنه دائماً كمن يشاهد بالعيان .
الثاني: الاعتقاد بأنّ دم الإمام وجميع فضلاته طاهرة.
وعلى أساس هذا التقسيم للشيعة أصدر علماء الكشفية أحكاماً فقهية خاصّة منها:
انّه لا يجوز لمن كان كامل العقيدة أنّ يقلّد مرجعاً ناقص العقيدة أو يصلّي خلف إمام ناقص العقيدة، أي من كان يعتقد بطهارة دم الإمام وانّ علمه حضوري لا يجوز له أن يقلّد أو يصلّي خلف من لا يرى ذلك، فكمال العقيدة بهذا المعنى شرط في مرجع التقليد وإمام الجماعة.
ويعتقد أنّ تسميتهم بالكشفية لادّعاء علمائهم أنّ خفايا بعض الأُمور تُكشف إليهم ببركات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) .
ويتواجد الكشفية اليوم بشكل رئيسي في الكويت وهناك مقر زعامتهم، كما يتواجد بعضهم في مدينة الهُفوف وبعض القرى بالأحساء ولهم أيضاً بعض الأتباع في تبريز بإيران وبعض المدن الجنوبية بالعراق .
بقي أن نشير إلى أنّ كلاًّ من الركنية والكشفية يعتقد بانحراف الطائفة الأُخرى وضلالتها. ونكتفي بهذا التعريف الموجز للطائفة الشيخية. ( [2])
وقد ألّف حول الشيخية والطائفتين المنشقتين منها رسائل ومقالات، غير انّ ما كتبه الأُستاذ هاشم محمد الشخص من أوجز وأوثق ما كتب، في الموضوع وقد اقتبسنا في بيان ما يرجع إلى هذه الطائفة وفروعها من كتابه «أعلام هجر من الماضين والمعاصرين
[1] . روضات الجنات: 1 / 88 برقم 22; مستدرك الوسائل (الخاتمة): 2 / 121; قصص العلماء: 47 ; هدية العارفين: 1 / 185 ; إيضاح المكنون: 1 / 205 ; أنوار البدرين: 406 برقم 8 ; أعيان الشيعة: 2 / 589 ; ريحانة الأدب: 1 / 78 ; الذريعة: 7 / 124 برقم 667 ; الكرام البررة: 1 / 88 برقم 180 ; الأعلام: 1 / 129 ; معجم رجال الفكر والأدب في النجف: 1 / 89 ; معجم المفسرين: 1 / 38 ; معجم المؤلفين: 1 / 228 ; فرهنگ بزرگان: 36 .
[2] . نقل من كتاب « أعلام هجر » بتلخيص وتصرّف، تأليف هاشم محمد الشخص .
الإمام الخامنئي: لا ينبغي الخوف من القيود خلال الحديث عن الحرية

أكد سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي أنه لا ينبغي الخوف من القيود خلال الحديث عن الحرية. قال سماحته هذا في حضور قرابة 150 من المفكرين والنخب واساتذة الحوزات العلمية والجامعات والباحثين والمؤلفين، الذين بحثوا مساء الثلاثاء بحضور سماحته مختلف ابعاد موضوع الحرية، في اطار الملتقى الرابع للافكار الاستراتيجية للجمهورية الاسلامية.
وفي بداية اللقاء، طرح 10 من المفكرين واصحاب الآراء رؤاهم حول موضوع الحرية، ثم تناول 17 من الاساتذة والباحثين هذه الرؤى والآراء بالبحث والدراسة والنقد.
وفي كلمته أشار سماحة الإمام الخامنئي إلى أهمية عقد هذا الملتقى، واوضح ان الحاجة الماسة للبلاد للفكر والتفكير في المواضيع البنيوية هو من الاهداف الرئيسية لإقامة ملتقيات الافكار الاستراتيجية، ولفت الى ان الشعب الايراني يمضي قدما في مسار التطور والتقدم، وهو بحاجة ماسة الى تفعيل الافكار في المواضيع البنيوية والاساسية.
واضاف بأن اهمية التواصل المباشر مع النخبة والتمهيد للتوصل الى اجابات للاسئلة الهامة في المواضيع البنيوية والحياة الاجتماعية، هو من الاهداف الرئيسية لاقامة ملتقيات الافكار الاستراتيجية. ووصف سماحته هذه الملتقيات بأنها تمهد لإيجاد تيارات فكرية عميقة وواسعة، واضاف: من الضروري البدء بالمهمة الرئيسية بعد هذه الاجتماعات، وان يتناول الباحثون والمفكرون في الحوزات والجامعات القضايا المطروحة، باعتبارهم ينابيع فياضة للفكر في هذا المجال.
واشار سماحته الى الفراغ الكبير والنواقص الملموسة في معرفة وتبيين مختلف ابعاد موضوع الحرية في البلاد، وقال: ان موضوع الحرية حاز اهتماما كبيرا خلال القرون الاخيرة في الغرب، مقارنة بالمواضيع الاخرى، معتبر ان السبب في ذلك يعود الى بروز احداث اوجدت موجات فكرية عاتية، من قبيل الثورة الصناعية في اوروبا والثورة الفرنسية وثورة اكتوبر في روسيا.
ولفت سماحته الى ان موضوع الحرية، والى ما قبل ثورة الدستور في ايران، لم يحظ بالاهتمام، والسبب في ذلك هو التبعية للغرب وتقليده، الامر الذي لم يحث المفكرين على انتاج الفكر وبالتالي لم يؤد الى ايجاد تيار فكري يذكر في هذا المجال.
واشار آية الله الخامنئي الى وجود فراغ كبير رغم وجود وفرة كبيرة في المصادر الاسلامية بشأن الحرية، داعيا الى سد هذا النقص عبر إعمال الفكر والبحث عن اجوبة لجميع التساؤلات المطروحة في موضوع الحرية، لبناء منظومة متناسقة في هذا المجال، مشيرا الى ان تحقيق هذا الهدف يتطلب عملا جادا وإلماما بالمصادر الاسلامية والغربية.
ولفت سماحته الى ان المقصود من موضوع الحرية في هذا الملتقى، هو المعنى الشائع والمتداول للحرية في الاوساط الجامعية والفكرية بالعالم، اي الحريات الفردية والاجتماعية، وليس الحرية المعنوية والسلوك الى الله.
وانتقد قائد الثورة الفكر الذي يصف الحرية بأنها التحرر المطلق من كل شيء، وقال: لا ينبغي الخوف من القيود خلال الحديث عن الحرية.
وتابع انه في الفكر الليبرالي فإن مصدر الحرية هو الفكر الانسانوي او الاومانية، بينما يؤكد الفكر الاسلامي ان مصدر الحرية هو التوحيد بمعنى الاعتقاد بالله والكفر بالطاغوت، فمن وجهة نظر الاسلام، يعتبر الانسان حرا من جميع القيود الا العبودية لله. ورأى ان الكرامة الانسانية تشكل الأساس الرئيسي للحرية في الاسلام.
وانتقد سماحة آية الله الخامنئي الواقع الغربي المنبثق من فهمه للحرية، فعلى الصعيد الاقتصادي ادى هذا الفهم الى بروز الرأسمالية وعلى الصعيد السياسي ادى الى احتكار السلطة من قبل حزبين فقط وعلى الصعيد الاخلاقي ادى الى بروز شتى انواع الفساد من قبيل المثلية. واردف ان هذه المواضيع تشير الى حقائق فظيعة ومريرة وقبيحة وفي بعض الاحيان شنيعة في المجتمع الغربي، والتي تؤول بالتالي الى التمييز والغطرسة واثارة الحروب والتعامل الانتقائي مع مواضيع سامية من قبيل حقوق الانسان والديمقراطية. واكد سماحته انه رغم هذه الحقائق المؤسفة، الا ان مراجعة آراء المفكرين الغربيين، للبحث بشأن الحرية امر مفيد، لأن الغربيين لديهم سابقة مديدة في تدوين المنظومة الفكرية بشأن الحرية وتضارب الآراء في هذا المجال. وشدد سماحة الإمام في ختام كلمته على ضرورة تجنب النظرة التقليدية، باعتباره الشرط الرئيسي لمراجعة آراء المفكرين الغربيين، لأن التقليد يتعارض مع الحرية.
انهيارات ترابية جنوب الأقصى بسبب حفريات الاحتلال
كشف مركز معلومات وادي حلوة، الثلاثاء، عن وقوع انهيارات ترابية وتشققات في الشارع الرئيس لحي وادي حلوة بسلوان، الأقرب إلى جدار المسجد الأقصى المبارك الجنوبي، وذلك بسبب الحفريات التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي أسفل المنطقة لشق أنفاق متعددة. ونقل شهود عيان وأهالي الحي لمراسل وكالة أنباء فارس، تأكيداتهم بأن سبب هذه الانهيارات والتصدعات والتشققات هي الحفريات التي تقوم بها جمعية "العاد" الاستيطانية وسلطة الآثار الإسرائيلية في سلوان، أسفل منازلهم و شوارعهم، علما بأنه يوجد بمكان الانهيارات نفقا يربط عين سلوان التاريخية بحائط البراق- السور الجنوبي للأقصى.
وأشار مركز معلومات وادي حلوة أن موسم الانهيارات الأرضية والتشققات قد بدأ مع هطول الأمطار على مدينة القدس المحتلة، ولفت إلى أن ذلك يحدث باستمرار منذ عام 2008 ولغاية اللحظة، بسبب أعمال الحفر المتواصلة في شوارع الحي، مؤكداً أن حدوث هذه الانهيارات سنوياً يثبت أن ما تقوم به جمعية العاد الاستيطانية هي "حفريات لأهداف سياسية احتلالية"، رغم محاولتها إخفاء أعمالها.
وأوضح الأهالي أن ما يدل على أعمال الحفر التي تقوم بها "العاد"، هو قيام عمّالها بإصلاح الحفريات وإخفائها، وليس عمّال بلدية الاحتلال، لافتين إلى الانهيار الأرضي الذي وقع في صف مدرسة تابعة لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين، وإصابة عدد من الطالبات، فضلا عن انهيارات أخرى قرب مسجد العين، وفي الشارع الرئيس، وفي عدد من منازل المواطنين.
عالم بالازهر: لن نسمح بالمساس بآثار الرسول (ص)
أكد منصور مندور أحد علماء الأزهر في تصريح خاص أمس الاحد إن التطوير في المدن الإسلامية مطلوب، لكن دون إعتداء على معلم أو أثر يهم الأمة الإسلامية، لأن الآثار والمعالم الإسلامية ليست ملكا لأحد، وإنما هي ملك للمسلمين جميعا، ولذلك فيجب قبل إحداث أي تطوير الرجوع الى المجامع الإسلامية والفقهاء والعلماء لتحديد ما إذا كان هذا التطوير مطلوبا أم أنه يضر في جانب آخر.
واضاف: لابد من أخذ رأي أهل الخبرة وأهل الذكر في هذا الباب حتى يكون التطوير ملائما للمصلحة العامة، نحن لا نمنع من التطور ولا من التطوير، وإنما نمنع من الإعتداء على أي ملعم أو أثر يهم جموع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها.
وتابع مندور: نحن يهمنا أن نرى تطورا أو أي شيء جميل في المدن الإسلامية، ولكن إذا كانت هناك نية لإزالة شيء ذا أهمية أو ذا ميزة لجموع المسلمين فنحن نرفض هذا الأمر.
وقال: لن يسمح لأحد أن ينال من آثار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الأزهر وعلماء الأزهر يقفون ضد أي مساس بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كالمسجد النبوي وجذع النخلة والإسطوانة التي كان يصلي إليها ومنبر التهجد وغيرها من الآثار المعروفة والموجودة، ولن يستطيع أحد أن يزيلها وستبقى خالدة لتذكر المسلمين بما كان عليه المسلمون وما وصلوا إليه.
آل طالب : لا خـــير في أمــــة تؤذى في نبيها فـــلا تغضب
أكد فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة الشيخ صالح بن محمد آل طالب على تقوى الله في السر والعلن واتباع أوامره واجتناب نواهيه ابتغاء لمرضاته عزوجل.
وقال في خطبة الجمعة التي القاها بالمسجد الحرام يوم أمس إن البقاع والبشر والكتب والكلم قد تتساوى في أصلها المجرد فإذا أضيفت فإنها تكتسب قيمتها من قيمه ما أضيفت إليه وأعظم وأجل إضافه هي الاضافه الى الله الأعظم،وبيوت الله أطهر البيوت وكلام الله اعظم الكلم ورسله هم غرة البشر وزينة الدنيا اصطفاهم الله خيار من خيار وعصمهم قبل النبوة وبعدها وتمثلت كمالات البشر في ذواتهم وسمو الانسانيه في ارواحهم ورسل الله وانبيائه هم خير من وطىءالثرى وأكرم وأبر الورى، لاسبيل للجنة إلا بطاعتهم ولا نجاة من النار الا بتصديقهم ولا وصول الى الله الأجل الأكرم الا بإرشادهم، عظمة الرسول من عظمة من أرسله وتكريمه من تكريم من بعثه ومقامهم عند الله عظيم، وأن الله يغار على انبيائه ويدافع عنهم، كم من أمم أبيدت بدعوات انبيائها عليها وكم من ديار قلبت وصعقت ورجفت بسبب تكذيبهم لرسلهم واستهزائهم بهم (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ماكانوا به يستهزؤن) ومازال الانبياء والرسل لهم المكانة العظمى في الشرائع والرسالات كلما جاء رسول صدق الرسول الذي قبله وبشر برسول بعده واجتمعت بشارات الرسل لأقوامهم برسول يأتي من بعدهم اسمه أحمد هو خاتمهم وامامهم وفي الخير مقدمهم وان كان آخرهم في الزمان صلى الله عليه وصلى على أنبيائه ورسلهم واتباعهم أجمعين.
وأوضح فضيلته أن العبارات والمدائح تقتصر وتضيق المعاني والقرائح امام عظمة النبي الكريم والرسول العظيم محمد ةبن عبد الله ةبن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي ولن تبلغ ولن توفي قدره المنابر والمحابر، وليست السيره الشريفه بحاجة الى تعريف فالقدر عالم كيف ترقى رقية الأنبياء، يا سماء ما طاولتها سماء، مشيرا إلى ان العالم من أزله الى أبده لم يعرف مصفى المعدن زكي السيره بهي الخلائق صلب الجهاد شديد التعلق بربه مثل ماعرفت النبي محمد صلى الله عليه وسلم ،ولم يعرف العالم انساناً شقّ طريق الكمال ومهده للناس تمهيداً ودعاهم اليه أحق دعوة وشرح معالمه لهم أرقّ شرح وتحمل في ذات الله ما لم يتحمل أحد مثلما عرف عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأضاف آل طالب أن حقيقه الرسول صلى الله عليه وسلم فوق مايصف الواصفون والأيادي التي أسداها تجعل كل مؤمن مدين له بنور الايمان الذي اضاء نفسه وزكاها (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له مافي السماوات ومافي الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) إن محمد صلى الله عليه وسلم جاء في أعقاب نبوات أعقب الشيطان ثمارها وكانت بعثته كلمة السماء الأخيره فكانت ضمان يمنع العوج ويقي من الانحراف لتصون مستقبل الانسانيه الطويل (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمه لقوم يؤمنون).
وبيّن امام وخطيب المسجد الحرام في خطبته انه وجدت ديانات مفتعله ومعتقدات نسبت الى الله مالا يليق وقوّلته ما لم يقل وبلغ من فسوخ هذه وتلك أنها قاومت الحق أشد مقاومه لمّا جاءها ولم يكسب العالم منها الا الشقاء لذلك قال الله عزوجل( فمن أظلم ممّن كذب على الله وكذّب بالصدق إذ جاء أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصّدق به أولئك هم المتقون لهم مايشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ) مفيداً فضيلته أن بعثه النبي صلى الله عليه وسلم كانت انقاذا من الالحاد وعواقبه الشائنه ورفعا ودفعا للظلم واستعباد الانسان لإنسان، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء إلى الأجناس كافة بدين يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث .
وأوضح فضيله الشيخ آل طالب في خطبته أن هناك ثمة وقفات واشارات حول ماشغل الناس من اساءه لجناب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومساس بديننا الخاتم ممّا جاش في الصدور وغلت منه القلوب كما تغلي القدور ولاخير في أمة تؤذى في نبيها فلا تغضب ولا خير في غضبه لرسول الله تؤدي إلى غضب من الله ورسوله، ويستحيل أن يحقد على محمد رجل له ثقافه محترمه أو عقل بصير، لماذا يحقد عليه، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبارك يتبعه اليوم مليار وخمس مئة مليون من البشر أو يزيدون هو أحب إليهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم والناس أجمعين.
وتساءل إمام وخطيب المسجد الحرام لمصلحه من تثار هذه النزغات؟ ولمصلحة من تصادم الحضارات والثقافات؟ ومتى كانت حريه التعبير تعني العدوان بلا حدود أو قيود ؟ألا فأين حريه التعبير عند إنكار مذبحه اليهود قبل عقود والتي فرضتها السياسه أكثر من حقائق التاريخ لم يجرؤ فرد في العالم أن ينكرها أو يشكك فيها حتى تلاحقه منظمات العالم وحكوماته ومحاكمه، أما الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم فالحديث عنه مباح وحرية يكفلها القانون، إن على الساسه وصناع القرار أن يدركوا أن ردود أفعال الشعوب طوفان لا يمكن ضبطه وجحيم متفجر لا يمكن توّقيه وربما أفلت الزمام فلا كلمه تسمع ولا حكمه تنفع وبخاصه إذا أهينت الأمه في رمزها المقدس، لذا على الحكماء منع السفهاء وعلى الساسه منع الذين يشعلون الحرائق ،ولن يقبل أحد في دينه عذراً إننا ننادي بالحوار والتفاهم والتسامح ولكن هذا كله لايجدي اذا بقي أولئك الناس يتوارثون ريحه الضغون والبغضاء نحو الاسلام ورسوله وأمته، أين القانون الدولي والمعاهدات الدوليه التي تجرّم الدعوة الى الكراهية والتمييز العنصري وبخاصة حين تشّكل تحريض مباشر على العنف، إننا نطالب العالم الذي يدّعي بمجموعة وضع الضوابط لحمايه الجميع ان يصدر ميثاق شرف ويسّن قانون ملزم يحرم ويجرّم الإساءة للأنبياء والرسل ورسالاتهم السماوية، وقد نادي بذلك خادم الحرمين الشريفين في كل محفل وسعى إلى مد جسور الحوار بين أتباع الديانات السماويه والثقافات الإنسانية حتى تكون العلاقة بين أمم الأرض مبنية على أسس التعارف والعدالة والمرحمة ويتحول العالم من صدام الحضارات الى حوار الحضارات والدعوة إلى الحق بلا صد ولا تشويه، فهذا مبدؤنا مبدأ الإسلام في احترام الأنبياء كلهم والإيمان بهم كلهم واتباعهم ونشر الامن والخير والسلام وفي وصف الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين ).
ودعى فضيلته في كل من سمع بإساءه للدين وللرسول ألا ينشره ولايحّدث به إلا لذي سلطه قادر يمنع المتجاوز، ولقد ضاع شعر المشركين في هجاء سيد المرسلين مع كثرته وتغني القيان به وماتت تلك القصائد في حينها حين لم يحفل بها المسلمون ولم يتداولوها بينهم ولم يعد لأكثرها ذكر في دواوين الشعر وأخبار العرب فديننا ظاهر ونبينا صلى الله عليه وسلم مكفي ومنصور ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ولن يلحق مقام الانبياء شيء لتطاول ملحد سفيه او كافر مخذول والله تعالى يقول (إنا كفيناك المستهزئين) بمقامات الأنبياء محفوظة وأقدارهم عزيزه مصونه وإنما المتطاول هو المسكين الخاسر ( إن شانئك هو الأبتر ) ولعل في هذا مرهم لنفوس المكلومين وترطيباً لقلوب المؤمنين الغيورين ترشيداً لغيرتهم المشكورة ونصرتهم المأجورة، مشيرا فضيلته إلى أن في حادثة هذه الأيام هاجت مشاعر طالما كانت باردة في نفوس بعض المسلمين والتفتت أنظار غير مسلمة لهذا الدين ونبيه الكريم وحركت ماءً راكداً لدى المسلمين وغيرهم ولو أحسن المسلمون استغلال الحادثة لكان بها فتح وعزّ وإن أساءوا التعامل معها صارت نكسة وتنفيراً إن الخيرية الموصوفة بها هذه الأمة خيرية مطلقة لاتتجزأ فيجب على المسلمين إظهار خيريتهم في ردود الأفعال فليس من الخيريه قتل الأبرياء وتدمير ممتلكات ولا الغوغائيه في التعاطي مع الأحداث ولو أظهر المسلمون زياده في التمسك بهدي نبيهم واقتفاء أثره ونشر سيرته والتعريف به مستفيدين من المواقع العالميه للتواصل كما فعل كثير من المسلمين لكان هذا أبلغ رد على المتطاولين ولبادر خصومهم لمنع تكرار الإساءة لما يشاهدونه من نشاط دعوي مضاد فإن هذا الرد هو الأنكى لمن أساء أما الانجرار وراء كل من يريد بهذه الامة شرا إما بإشغالها عن حالها الذي ابتليت به في هذا الزمان او استفزاز الجاليات المسلمه في بلاد الغرب الى أفعال غير مسوؤلة ليبروا بها طردهم كما تنادي بذلك الاحزاب اليمينية في تلك البلاد أو لتكون تلك الأفعال مبرراً لمنع ومحاصرة كل نشاط دعوي في بلاد الغرب بعد ما أحسوا أن الإسلام حاضر في كل زوايا بلادهم وأن المستقبل له ، إن على المسلمين أن يدركوا أنهم ليسوا في حاجة إلى حوادث جديدة ينحسر بها مد الإسلام وتضيع مكاسبه، إن على المسلمين ان يكونوا على مستوى من الوعي والنضج وألا تتكرر الأخطاء.
وأكد فضيلة الشيخ صالح آل طالب في ختام خطبته أن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم لاتعني الخروج عن سنته ولا عمل يخالف هديه، إن حادثة الاساءة يجب أن تزيد الأمة تمسكاً بدينها وحمية لنبيها وعودة لاتباع سنته في الرضى والغضب والضعف والقوه ( فاصبر ان وعد الله حق ولايستخفنك الذين لايوقنون ).
أعظم الجهاد
وفي المدينة المنورة أوصى فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ حسين أل الشيخ المسلمين بتقوى الله عز وجل وأتباع الحق وترك الباطل , قائلا إن الحق يثبت ويستقر ويعلو والباطل يزول وينتهي مستشهدا بقول الله تعالى (وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَـقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) .
وأضاف فضيلته أن من سنن الله تعالى في عباده المؤمنين أن يبتليهم كلا أو بعضا بأهل الطغيان والفجور والعلو والفساد وكل ذلك لحكمة عظيمة ينتظمها قول الله تعالى (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).
وأبان فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي في خطبة الجمعة أمس أنه على أبناء الأمة الإسلامية أن يعلموا أنهم أصحاب رسالة خالدة وأهل عقيدة صحيحة مهما تعددت وسائل الطغيان الموجهة للمسلمين لأن عقيدتهم راسية كالجبال في وجه الطغيان والعاقبة دائما للمتقين والنصر للمسلمين مستدلا بقول الحق تبارك وتعالى ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) .
وزاد إن سنة الله تعالى عزوجل ماضية بهذا المعنى لاتتبدل ولا تتغير وإن ظن الناس أن البلية لا نهاية لها وأنه لا يلــــــــوح في الأفق المخلص منها .
وأوضح فضيلته أنه مهما اشتد العذاب بالمؤمنين في أي زمان أو في أي مكان فليعلموا وليستيقنوا أن العاقبة الحميدة في الدارين لأهل الأيمان والتقوى مهما طال الزمن أو قصر لأن عقيدة المؤمن المستقرة في قلبه مؤمنة بأنه ليس هناك إلا الملاذ الأوحد وهو الملاذ الحصين الأمين وذلك بالتوجه الصادق للمولى جل وعلا القوي المتين ولإن البشر مهما علت قوتهم وعظم ملكهم فما هم إلا نزلاء في أرض الله والله سبحانه ذو القوة النافذة يورث الأرض من يشاء من عباده .
وقال فضيلته “ إن مما أغاظ كل مسلم وغم كل مؤمن ذلكم التطاول الوقح والاستهزاء الآثم المجرم ضد خير خلق الله أجمعين نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فهو تطاول من حثالة حقيرة و لا ينبئ هذا التطاول إلا عن حقد دفين وبغض مكين ضد هذه الرسالة المجيدة الخالدة التي جاء بها هذا النبي العظيم التي أغاظت الشياطين وأعوانهم في كل زمان ومكان وأغاظت الطغاة وأذنابهم ولكنهم بإذن الله مقطوعون من كل خير مبتورون من كل نصر وعز وتمكين وسعادة وحياة طيبة .
وأضاف أن رب العزة والجلال امتن على النبي المصطفى صلى الله عيه وسلم أن رفع له الذكر المجيد في العالمين ، في الأولين وفي الآخرين فهو سيد الأنبياء والمرسلين قال تعالى ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) وأعطاه ربه جل وعلا مالم يعطي أحدا في الأولين والآخرين ، قال الله تعالى ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) , منبها إلى أن الله سبحانه وهو الخالق القادر العزيز المنتقم هو من تكفل بالدفاع عن نبيه صلى الله عليه وسلم من كل مجرم عنيد مريد.
ولفت فضيلة الإمام الانتباه إلى أن الدفاع عن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم بحسب الوسع والطاقة ، قائلا إن ذلكم من أعظم الجهاد في سبيل الله جل وعلا .
ودعا جموع المسلمين إلى الدفاع عن مقام الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم بكل وسيلة ممكنة يترتب عليها تحقيق المصالح ودفع المفاسد والمخاطر على أن يكون ذلك الدفاع مبنياً على العلم الصحيح والطريقة السديدة لا المبني على مجرد العاطفة الجياشة فحسب مما يؤدي الى فتنة عظيمة ومفسدة أعظم .
كما حث المسلمين على مزيد من التمسك بحب المصطفى صلى الله عليه وسلم و التمسك بسنته وبذل كل غالٍ ونفيس في نشر رسالته العظيمة.
الصحوة الاسلامیة أسبابها و عوامل ديمومتها
...هُوَ الَّذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنينَ * وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهمْ .... (الأنفال 62و63)
یکاد الحدیث عن الصحوة الاسلامیة یُعد من أهمِّ الحدیث في عصرنا الحاضرخاصة بين الشباب المسلم الثوري،لأنّه یتعلّق بأهم قضیة و ظاهرة تعیشها الاُمة الإسلامیة کمنعطف فی تاریخها المملوء بالحوادث ....وقد إرتأيتُ فی مجال تناولی هذه الظاهرةُ المبارکة أن أتعرض لها من الزاویتين ( أسباب الصحوة،وعوامل ديمومتها)، للترابط الموجود بین هذين الزاویتين ، و تأکیداً للنتائج العملیة التی یجب أن ننتهی الیها من خلال البحث.
الزاویة الاُولی :أسباب الصحوة الاسلامیة
لیس من الصعب علی من ینطلق فی تفکیرديني وموضوعی أن یکتشف أسباب هذه الصحوة الإسلامیة وهذا التحول العظیم فی حیاة الأمة، فالإنسان البصیر بالأمور التي تجري حوله لا یشک فی کون هذه الظاهرة المبارکة لطفاً إلهیا محضا،شمل هذه الأمة بعد فترة، و أهلّها لأن تطرح نفسها فی الساحة العالمیة،و تمکِّن إسلامها من قیادة العالم من جدید، قال تعالی : ... هُوَ الَّذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنينَ * وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَميعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزيزٌ حَكيمٌ
ومن أهمِّ العناصر التی أهّلت الأمة ليشملها هذا اللطف الإلهی ، هو العودة إلی الإسلام الأصيل والتوکل علی الله القدير والذي جاء وحصل من خلال العمل الدؤوب للعلماء و المفکرین والفئة القليلة من المؤمنين الذین احسوا بداء هذه الأمة، و أخذوا یخططون لها سبل العلاج فانصبَّ عملهم علی الدعوة إلی الإلتزام بالدين الحنيف وأحکامه النيرة لکي یستعید الإسلام دوره فی النفوس و العقول، و حینئذ فهو یتکفّل بدفعها نحو سبل السعادة، بما یحمل الإسلام من طاقات ،و إبداع ،یفجّر الفطرة الإلهية فيهم،و یستخرج مکنوناتها الذاتية، فتثورالاُمة ضد الظلم والطغيان .
وکانت صرخات الإصلاح ونداءات العودة إلی الإسلام الحقيقي الأصيل من قبل علماء الإسلام ومفکريهم تدوِّي في سماء عالم الإسلام منذ سنين من قِبَل أمثالِ الأسد آبادي الأفغانی، و محمدعبده، و حسن البنا، و المودودی، وابن بادیس، والإبراهیمی، و السيد محمد باقرالصدر، والاُستاذ الشهيد مطهری وعلی رأس کل هؤلاء الإمام الخمینی (رحمهم الله جميعاً ) .
ولا شک أنَّ کلُ هؤلاء لعلماء و المفکرین والقادة وحرکاتهم الإسلامية قد أدَّت دورها اللازم فی تحقیق الصحوة الإسلامية ، وذلک بنشر الوعی، و الحماس الثوری بین أبناء الأمة، ولکن قد اختلف تأثیر هذه الحرکات علی هذه المنطقة أو تلک، کما اختلف مستوی الوعی و الحماس لدی هذه الحرکة عن تلک، إلاّ انّها جمیعاً قد دفعت الناس خاصة الشباب المسلم نحو تطبیق الإسلام، ولکن الأمرالذي اتفق عليه من قِبَل أصحاب الفکروالقلم والخبراء فی الحرکات الإسلامیة المعاصرة أنَّ نجاح الثورة الإسلامیة المبارکة، بقیادة الإمام الخمینی ، والتی هزّت العالم الإسلامی من أقصاه الی أقصاه، کان لها الأثر الکبير والدورالأکبر و الأمثل فی تحقق الصحوة، و تنامیها، و انتشارها وهی من أهم الدوافع لعملیة الصحوة الاسلامیة فی المنطقة فعلی الرغم من أنَّ هذا العامل هونفسه معلول للصحوة المبارکة إلاّ أنَّه بعد ذلک اصبح هوبدوره یشکّل أکبر العوامل لتوسعة الصحوة و نموِّها فی کل العالم الاسلامی.
دور الإمام الخميني وثورته في الصحوة الإسلامية
قد امتازت حرکة الإمام الخميني الإصلاحية بإطارها الواسع علی سائر الحرکات والثورات فشملت العالم الإسلامي بأجمعه حيث کان الإمام ، من بداية حياته السياسية یعتقد بوجوب القيام ضد جميع حکَّام الطغات الظلمة وبضرورة إصلاح أوضاع جميع المسلمين واهتمَّ بقضايا الاُمة الإسلامية ،خاصة قضية فلسطين والقدس، وقد بدأ ثورته من إيران وشعبه حيث کانت الظروف مهيئة له فيها وشعبها مطيعاً له وباذلاً مهجته لأهدافه ، فقام الإمام بثورة إسلامية أطاحت بأکبرنظام ديکتاتوري عميل للغرب في إيران ومن أهمِّ جنوده في المنطقة .
ولکن وبعد إنتصار الثورة لم يقف الإمام إلی هذا الحد بل صرَّح من البداية بضرورة تصدير الثورة إلی العالم ،خاصة العالم الإسلامي وکان يقصد من ذلک تصدير فکر الثورة وثقافتها ونموذجها وأهدافها لأجل خلاص الأمة الإسلامية من الجور والفساد والطغيان ، ولم يکن يقصد الصورة التي کان يروِّجها الإعلام الغربي أی: تصدير الثورة بالقوة والسِّلاح أو الإنقلابات العسکرية وما إلی ذلک .
وکان الامام الخمینی هو المثل الأعلی لوحدة المسلمین حيث دعی إلی الحج الإبراهیمی، وتحرير القدس ، واستخدم موسم الحج و قضیة فلسطین والقدس رمزاً لهذه الوحدة فصرَّح بضرورة البراءة من المشرکين في موسم الحج وأعلن یوم الجمعة الآخر من شهر رمضان يوم القدس العالمی لأجل تحريرها من الصهاينة ، ومجموع ما قام به الإمام من کلمات ومواقف قبل الثورة وبعدها ساعد علی إنتشار الصحوة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.
و کيف لا يکون کذلک وقد استطاعت الثورة الإسلامیة أن تهزم کل الأسالیب القومیة، والوطنیة الضیقة، والشیوعیة الملحدة، واللیبرالیة غیر الملتزمة، و انتهجت سیاسة اقتصادیة مستقلة، قائمة علی أساس الإکتفاء الذاتی،فاستطاعت أن تقف علی قدمیها، رغم کل أنماط الحصار و الظروف القاسیة، التی فرضها الإستکبار العالمي وعملاؤه ، فأصبحت الثورة نموذجاً ونهجاً للمسلمين بل لکل من أراد أن يقاوم الظلم والإستبداد والإستکبارالمتمثل بأمريکا. وقد کتب الشهيد الدکتور الشقاقی فی کتابه "الإمام الخمینی، الحل الجدید للعالم الإسلامی" إنَّ نهج الثورة الایرانیة یستحق الاتباع من أجل مواصلة النضال» .
وکل هذه المعطیات من الثورة و غیرها دفعت الصحوة الإسلامية نحو الأمام،و فتحت آفاق الأمل نحو الغد الإسلامی الأمثل للاُمة الإسلامية.
الزاویة الثانية:عوامل ديمومة الصحوة الإسلامیة
لاشک إنّ الصحوة الإسلامية في عصرنا هذا هي من أعظم النعم علینا، فینبغی أن نشکر اللّه تعالی علیها،و شکرهذه النعمة أن نعمل علی تعمیمها و تعمیقها و دیمومتها فی حیاتنا اليومية ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. ویجب أن لا تغیب عن بالنا حقیقة مهمة، وهی:إنَّ الإیمان قد یحصل فی لحظة بسب من الأسباب ، و لکن الأمر الصعب هو الإستقامة علی الإيمان،و العمل بمقتضیاته،و الصمود بوجه المشاکل و العقبات الداخلیة و الخارجیة... و ربَّما کانت هذه الصعوبة هی السرُ الکامن فی قول رسول الله (ص):«شیبتنی سورة هود»،و ذلک لمکان آیة الإستقامة فیها التي تأمرالنبي(ص) ومن معه بالإستقامة الإيمان والعمل الصالح بقوله تعالی: فاستقم کما أمرت و من تاب معک... (هود:112)
فبالنسبة إلی ربيع الصحوة الإسلامي ألأمر المهم، هو المحافظة علی الصحوة، و نتائج ثوراتها ،والإهتمام بإستمرارها بعد أن تهدأ الأوضاع ، ولايحصل ذلک إلا بالإنتباه إلی عدَّة اُمورمن قبل الثوار وخاصة قادتهم ومن أهمّ تلک الأمور، أمرين:الأمرالأول: ضرورة إستمرارالتمسک بالإسلام المحمدي الأصيل . والأمر الثاني: الحذر من إحتواء الصحوة ثمَّ التحريف، وسنوضح هذين الأمرين بإختصار:
الأمر الأول: ضرورة إستمرارالتمسک بالإسلام المحمدي الأصيل
کما ذکرنا إنَّ من أهمِّ أسباب هذه الصحوة الاسلامیة وهذا التحول العظیم فی حیاة هذه الأمة هو اللطف الإلهی الذي جاءها بسبب التوکل علی الله والتمسک بالإسلام الأصيل وإنَّ علینا أن نطمئن دائماً إلی أنَّ هذا العامل أيضاً هو سرُّ بقاء الصحوة وإستمرارها ، و لنعلم أنَّ العقبات التي أوجدوها الأعداء أمر طبیعی فی مسیرة الصحوة ، بل هی مصدر قوة إذا وعینا کیف نتلافاها، أمّا الألم ، فهو أمر نشترک فیه مع العدو: «...إن تکونوا تألمون فإنّهم یألمون کما تألمون و ترجون من اللّه ما لایرجون...» (النساء:104) فنحن نتفوق علی العدو بالأمل والرجاء العظیم باللّه تعالی بما سيثيبنا علی هذا الجهاد المقدس، وهو أعظم دافع للنصر. فالتوکِّل علی الله والتمسک بالإسلام الأصيل في إستمرارنهضة الشعوب هومن أهمِّ عوامل بقائها وديمومتها وحيويتها وأصالتها .
ولمَّا نتحدَّث عن ضرورة تمسک أصحاب الصحوة بالإسلام، نقصد بذلک الإسلام الأصيل الذي من خصائصه أنَّه لا يميل إلی الغرب ولا إلی الشرق بل هو مستقل في نظامه السياسي والثقافي والإجتماعي والإقتصادي ويرفض الهيمنة والإستکبار العالمي وهذا هو الإسلام الذي دعی إليه الإمام الخميني قبل الثورة وبعدها وعبَّر عنه بالإسلام المحمدي الأصيل ، ورفض الإسلام الإلتقاطي الذي يروّجه الغرب والذي عبَّر عنه الإمام وخليفته الإمام الخامنئي بالإسلام البريطاني أو الأمريکي الذي يؤيد الحکَّام العملاء و الدول المناصرة للغرب ، و يحفظ علی مصالحهم اللاشرعية .
لقد بيّن الإمام الخميني أنّ شعار لا شرقية ولا غربية هو الإطار الأصيل الذي يمكن الاستناد إليه، في بقاء الثورة الإسلامية و في هذا الصدد ممَّا قاله : إنَّ ديمومة وبقاء الجمهورية الإسلامية في إيران مرهون بتمسكها بسياسة لا شرقية ولا غربية، وإنّ أيّ تراجع عن هذه السياسة يعتبر خيانة بحق الإسلام والمسلمين،... . وقال أيضاً: يجب أن لا يتصوّر البعض بأن هذا الشعار مرحلي، بل هو سياسة إستراتيجية لشعبنا وجمهوريتنا الإسلامية ولجميع مسلمي العالم.... ] 1[.
الأمر الثاني: الحذر من إحتواء الصحوة ثمَّ التحريف
إنَّ عملیة إحتواء صحوة المسلمين ثمَّ تحریفها هی من أخطر العملیات التی واجهها الإسلام خلال تاریخه الطویل، و هی- نفسها- أخطر ما تواجهه الصحوة الإسلامیة الیوم...لقد تمثلت الصحوة فی عطش جماهیری حاد لتطبیق الإسلام علی کل شؤون حیاتها، و ما ان أحسّ الإستکبار بأنّه لا یستطیع أن یواجه هذا السیل،حتی خطط لاحتوائه، من خلال شعارات برّاقة تجذب الأنظار، دون أن تحمل مضمونا معینا، وأخذ يُروّج الإسلام الذي يحفظ مصالحه ومصالح عملاءه ، وقد شهدنا علی الساحة الإسلامیة: اتجاه الکثیر من الأنظمة لطرح الإسلام الأمريکي والبريطاني، والذي من خصوصياته إعلان الکثیر من الحکّام التدیّن المصطنع،و عقد الکثیر من المؤتمرات الضخمة المترفة باسم الإسلام، بحیث یبهر المرء المسلم عندما یواجه هذا العمل الإسلامی الضخم، وراحت القرارات تصدر الواحد تلو الآخر، لتعبر عن الطموح الموحد، بل و اُنشئت عدة تنظیمات و جمیعات کبری،باسم العمل علی حمل همِّ الإسلام إلی العالم.
إنّ المستعمرین أشاعوا فکرة الفصل بین الدین و السیاسة فی المجامع الدینیة و الشعبیة المسلمة، وبتعمیم هذه الفکرة بواسطة الحکّام العملاء و الخونة و وعّاظ السلاطین تمکّنوا من إغفال طبقة عظیمة من المسلمین البسطاء غیر الواعین عن الحقائق الدینیة و الأهداف الإجتماعیة و السیاسیة للشعائر الإسلامیة الکبیرة مثل؛الحج و صلاة الجمعة و صلاة العیدین.
وقد رأینا أن رؤوس الکفر علی مرّ العصور، وقفوا أمام الصحوة الإسلامیة، بل حاربوها بشتَّی الوسائل. و من الأساليب التي استخدموها في هذا المجال هي بثُّ التهم ، فقد بدأت التهم الإستکباریة تنهل، و تتشکل بأشکال مختلفة و بألفاظ من قبیل: الفئة التقلیدیة،الفئة الرجعیة،الفئة التی تخرق الأعراف الإجتماعیة،الفرق الإنتحاریة،الإرهاب الإسلامی،و ما إلی ذلک، وإذا کانت التهم قد استطاعت أن توقف مسیرة الإسلام العظیم الهادرة فی الصدر الأول، فانّها تستطیع أن تؤثر أثرها الیوم، أمَّا في الوقت الذي ینتشر الوعی الثوری الأصیل ، ونری تواجد الجماهیر فی الساحة الإسلامیة العامة و نری أنَّ المفکرين الوعين یسعون لنشر الحقیقة، فإنّ کید الشیطان یرد الی نحورهم بلاریب، بفضل اللّه تعالی.
ومن أخطارالتي يمکن أن تتعرض لها الصحوة علی الصعید الإجتهادی أن یفرط المرء فی التجدید،حتی لینبُذ الاُسس القویمة التی أسسها القُدماء من المفکرین المسلمین، و حتّی لیتصور الإنسان أنَّه ینبغی أن ینفصل عن کل تراثه، بحجة الصحوة الجدیدة. و قد ابتلینا نحن فی إیران باُناس جهلة، و انحرفوا عن طريق الصواب ومسيرالجهاد والإصلاح الحقيقي، وانخرطوا فی المَسلک الیساری الإلحادی، أواليميني المتطرف والمنحازإلی الغرب.
ومن أعراض هذه الصحوة والأخطارالمحدقة بها ما قد یبدو من تطرف فی تقویم الجهاد وکيفية إستمراره، حتی أنَّه یرفض البعض الدخول فی أیّ حوار بنّاء،أو التسليم لسلوک خاص خلال مسيرة النضال، بحجة الإنشغال فی عملیة الجهاد،أوغيرها من الأمورالتي غالباً تشغل الثوار. إلاّ أنّ الصحوة إذا امتلکت قیادتها الواعیة، و أحسّت فی شتی مجالاتها بالشمول الإسلامی و التفاعل الإنسانی،کهدف إسلامی،لم تنحرف إلی مجالات التطرف،أوغيرها من الإنحرافات کما فعلت القيادة الحکيمة في إيران طوال مسيرة الثورة الإسلامية المبارکة وعلی رأس تلک القيادة الواعية المجاهد الکبير المرحوم الإمام الخميني ومن بعده خليفته بالحق الإمام الخامنئي والذي له إطَّلاع وسيع بما يجري في العالم العربي والإسلامي وله إلمام شامل بقضايا الصحوة الإسلامية المعاصرة وما يحدق بها من أخطار علی الصعيد داخل تلک البلاد وخارجها ولذا کان دائماً يحذِّر المسلمين وقادة الصحوة ومفکريها من الوقوع في فخِّ الذي نصب لهم الغرب ليبدّل ثوراتهم إلى ثوراتٍ مضادّة،وليحتويها ويُصادرها ،وکان من أهمِّ خطابه وأجمعه ما جاء في خطبته يوم الجمعة بتاريخ العاشرمن شهرربيع الأول عام 1433هـ ،ذکری اقتراب المولد النبوي الشريف، وإسبوع الوحدة الإسلامية ،والتي تصادف شهرفبراير عام 2012م ، الذكرى الأولى لربيع الصحوة الإسلامية، ونهضة بعض الشعوب العربية في العالم الإسلامي ، حيث بدء سماحته بذکر حقيقة هذه الصحوة وأسبابها وعوامل ديمومتها ومايحدق بها من مخاطر ثمَّ ذکر خصائص الأنظمة العربية وطبيعة نهضة شعوبها ، واستمر يحذر المسلمين من دور الغرب في إنحراف ثورات الشعوب وها نحن نذکر مقتطفات من تلک الخطبة القيمة :
الصحوة الإسلامية في کلام الإمام الخامنئي[2].
يقول سماحة القائد :«.....لقد عمّت نهضة العودة إلى الإسلام واستعادة العزّة والهويّة والانعتاق أكثر مناطق العالم الإسلامي حساسيّة، وفي كل مكان يرتفع شعار «الله أكبر». الشعوب العربية لم تعد تتحمل الحاكم الدكتاتور وسيطرة العملاء والطواغيت، لقد ضاقت ذرعاً بما تعانيه من فقر وتخلّف وتحقير وعمالة. وجرّبت العلمانية في ظل الاشتراكية والليبرالية والقومية، ورأت أنها جميعاً وصلت إلى طريق مسدود. الشعوب العربية طبعاً ترفض أيضاً التطرف والعنف الطائفي والعودة إلى الوراء، والنعرات المذهبية والسطحية الساذجة المغلَّفة بالإسلام.
انتخابات تونس ومصر وشعارات وتوجّهات الشعوب في اليمن والبحرين وسائر البلدان العربية تدلّ بوضوح أنهم يريدون أن يكونوا مسلمين معاصرين دونما إفراط متعجرف أو تفريط متغرّب، وبشعار «الله أكبر» يريدون ضمن مشروع إسلامي وبالتأليف بين المعنوية والعدالة والتعقّل وبأسلوب السيادة الشعبية الدينية، أن يتحرّروا من قرن من التحقير والاستبداد والتخلّف والاستعمار والفساد والفقر والتمييز، وهذا هو الطريق الصحيح.
خصائص الأنظمة العربية وطبيعة نهضة شعوبها
ما هي خصائص الأنظمة العربية التي تعرضت لغضب شعوبها؟
إنَّ معارضة التوجه الديني، والخضوع، والاستسلام والعمالة للغرب.. أي أمريكا وبريطانيا ونظائرهما، والتعاون مع الصهاينة وخيانة القضية الفلسطينية، والتسلط الدكتاتوري الأسَري والوراثي، وفقر العباد وتخلّف البلاد، إلى جانب الثروات الطائلة للعوائل الحاكمة، والتمييز وانعدام العدالة، وفقدان الحرية القانونية والمسائلة القانونية، كل هذه من الخصائص المشتركة لتلك الأنظمة.
حتى التظاهر بالإسلام أو الجمهورية في بعض المواضع لم يستطع أن يخدع الجماهير. هذه أوضح العلامات لمعرفة طبيعة نهضة الشعوب العربية، سواء تلك التي حققت انتصارات كبيرة، أو التي ستحقق ذلك بإذن الله تعالى.
كل ادعاء آخر بشأن طبيعة هذه الثورات التي انطلقت بشعار «الله اكبر» إنما هو تجاهلٌ للواقع من أجل أهداف مبطَّنة وبالتالي لدفع هذه الثورات نحو الانحراف.
هذه الأصول ستكون معياراً لمستقبل هذه الثورات وميزانًا لمدى أصالتها أو انحرافها، فإن الأشياء تُعرف بأضدادها، وتعرف الثورات بضدّيتها للأنظمة التي تزلزلت بفعلها. الثوريون يجب أن يواصلوا حذرهم من افتعال الأهداف الموهومة ومن محاولات تغيير الشعارات.
دور الغرب في إنحراف ثورات الشعوب
إنّ الغرب يسعى دون شك إلى أن يبدّل الثورات إلى ثورات مضادّة، ويحاول في النهاية أن يرمّم النظم القديمة بأسلوب جديد، ليبُقي سيطرته على العالم العربي لعشرات أخرى من السنين، وذلك بتفريغ مشاعر الجماهير وبالتقديم والتأخير بين الأصول والفروع، وتغيير صنائعه وإجراء إصلاحات شكلية متصنّعة، والتظاهر بالديمقراطية.
إنّ الغرب خلال عقود اليقظة الإسلامية وخاصة في السنوات الأخيرة بعد أن مُني بهزائم متلاحقة من إيران وأفغانستان حتى العراق ولبنان وفلسطين والآن من مصر وتونس وغيرها، سعى بعد فشله في نهج محاربة الإسلام واللجوء إلى العنف العلني، إلى نهج آخر وهو اصطناع البديل الكاذب والنموذج المزيّف، كي يجعل الإرهاب المعادي للإنسانية بدل العمليات الاستشهادية، و يجعل التعصب والتحجّر والعنف بدل التوجه الإسلامي والجهاد، والتعصب القومي والقبلي بدل الشعور بالانتماء الإسلامي والانتماء إلى الأمة الإسلامية، و يجعل التغرّب والتبعية الاقتصادية والثقافية بدل التطور القائم على أساس الاستقلال، والعَلمانية بدل العِلميّة، والمداهنة بدل العقلانية، والفساد والفوضى بدل الحرية، والدكتاتورية باسم حفظ الأمن والنظام، والروح الاستهلاكية والالتصاق بالأهداف الدنيوية التافهة والبذخ باسم التنمية والرقي، والفقر والتخلف باسم الزهد والمعنوية.
.............إنّ هدفهم الأكبر اليوم بعد عجزهم عن قمع الشعوب والسيطرة عليها هو السعي للسيطرة على غرفة قيادة الثورات واختراق الأحزاب الفاعلة، وحفظ ما أمكن من هيكل الأنظمة الفاسدة الساقطة والاكتفاء بالإصلاحات السطحية والمسرحية، وإعادة بناء عملائهم في داخل البلدان الثائرة، ثم اللجوء إلى عمليات تطميع وتهديد. وقد يلجأون في المستقبل إلى الاغتيالات أو شراء ذمم بعض الأفراد والجماعات من أجل وقف عجلة الثورات أو دفعها إلى الخلف، وبثّ اليأس في قلوب الجماهير أو إشغالها بصراعات داخلية بإثارة مسائل فرعية، وإضرام نيران العصبيات القومية والقبلية أو الدينية أو الحزبية واختلاق الشعارات المنحرفة لتغيير الثورات، والتأثير المباشر أو غير المباشر على أذهان الثوريين وألسنتهم، ودفعهم إلى ألاعيب سياسية أو إثارة الفُرقة بينهم ثم توسيع نطاق هذه التفرقة لتشمل فئات الناس، والسعي للمساومة خلف الكواليس مع بعض الخواص بالوعود الكاذبة كالمساعدات المالية وغيرها وغيرها من عشرات الحيل الأخرى ....
إنّ بعض الأنظمة التابعة والمحافظة العربية أيضاً تقف إلى جانب أمريكا والناتو، ولو من أجل حفظ كراسيها، وتسعى بكل قواها لإيقاف عجلة الزمن ودفع ثورات المنطقة إلى الوراء أو سوقها نحو طريق مجهول، ورأسمالهم الوحيد في هذه المساعي دولارات النفط، وهدفهم الأساس هزيمة الشعوب في مصر وتونس واليمن والبحرين.. وحفظ ثبات الكيان الصهيوني وضمان بقائه وإنزال الضربة بجبهة المقاومة في المنطقة.........
الخصائص الأصلية للشعوب الإسلامية
النفرة من الصهيونية، والاهتمامُ بالقضية الفلسطينية والتمسكُ بالعزّة الإسلامية من الخصائص الأصلية للشعوب. خمسٌ وسبعونَ بالمائة من الشعب المصري أدلى بصوته لصالح الشعارات الإسلامية. وفي تونس أيضاً رفعت الأكثرية هذا اللواء، وفي ليبيا فإن النسبة إن لم تكن أكثر فليست بأقل. والشعوبُ تطلب من مندوبيها ومن الحكومات الجديدة تحقيقَ هذه الأهداف نفسِها أيضاً في المستقبل. الشعب يريد مصرَ عزيزةً كريمة ومحترمة وحرّة، لا يريد مصر كمب ديفيد. لا يريد مصرَ الفقيرةَ والتابعة، لا يريد مصرَ الخاضعةَ لأوامر أمريكا والحليفة لإسرائيل، لا يريد مصرَ متحجرةً ومتطرفةً ولا مصر متغرّبةً وعلمانيةً وتابعة. مصرُ الحرةُ العزيزة والإسلامية والمتطورةُ هي المطلبُ الأساس للشعب والشباب ولا يبغون اصطداماً. جيشُ مصر مع الشعب، وهناك في داخل مصر وخارجها من يريد الوقيعةَ بين الجيش والشعب في المستقبل، على الجميع أن يكونوا على حذر شديد. الجيش المصري سوف لا يتحمّل نفوذ أمريكا وحلفاء إسرائيل.
كذلك فإن الحديث حين يدور حول التوجه الإسلامي في مصر أو تونس أو ليبيا فإنه إسلام رسول الله (صلى الله عليه وآل وسلم) هذا الإسلام الذي شمل في المدينة أهلَ الذمة من المسيحيين واليهود بالرحمة والأمن، وليس الإسلام بمعنى إثارة الحروب الدينية بين عباد الله، ولا بمعنى الحرب المذهبية والطائفية بين المسلمين. مصر هي مصر دار التقريب بين المذاهب الإسلامية والشيخ شلتوت.
على أهلنا في مصر وتونس وليبيا أن يعلموا أن ما حققوه هو ثورة لم تكتمل، فهم وإن قطعوا خطوات رحبة، فإنهم في بداية طريق ذات الشوكة. العقبات التي أوجدوها أمامنا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ولا تزال مستمرة، وقد فشلت بفضل الله ورحمته الواحدة تلو الأخرى، هذه العقبات فاقت مئات المرات ما كان أمامنا قبل سقوط نظام الشاه. لابدّ من التحلّي باليقظة وبدفع عجلة الثورة خطوة فخطوة حتى آخر المراحل ضمن برنامجٍ متوسطِ الأمد وطويلِ الأمد.
.....إن مصر اليوم يجب أن تستعيد دورها في الخط المقدم للدفاع عن القضية الفلسطينية، وأن تسحق بأقدامها معاهدة كمب ديفيد الخيانية وتحرقها. مصر الثورة لم تعد تستطيع أن تدفق بالطاقة والغاز على الكيان المتدهور الإسرائيلي على حساب قوت الشعب المصري ومعاناته.
الأحزاب والنُخب السياسية في مصر وسائر البلدان الناهضة
...إن المفكرين والمناضلين الإسلاميين في شمال أفريقيا من مصر وتونس وحتى الجزائر والمغرب، وخاصة مصر،كانوا يحتلون مكانة الأبوّة الفكرية للصحوة الإسلامية، ولدعاة وحدة الأمة وعزّتها، ثم لتحرير القدس. أنتم اليوم ترثون دماء آلاف الشهداء وعشرات الآلاف ممن عانوا زنزانات السجون والنفي والتعذيب، وما بذله المجاهدون والمناضلون ممن قدموا التضحيات خلال عقود متوالية في انتظار بزوغ فجر مثل هذه الأيام وهذه الانتصارات.
أيها الإخوة والاخوات. حافظوا على هذه الأمانة الكبرى. الغرور والسذاجة آفتان كبيرتان لمرحلة ما بعد الانتصار الأول. أنتم تتحملون المسؤولية الأكبر في ساحة إقامة النظام وصيانة مكتسبات الشعب وحلّ مشاكل النهضة. القوى العالمية والإقليمية التي نزلت بها الضربة تخامر ذهنَها دون شك أفكار شيطانية من التفكير بالحذف والانتقام إلى مشروع ممارسة المكر والتزلزل والإخافة والتطميع بحقكم، وبالنهاية تفكر في الإطاحة بالثورات وخلق أوضاع أسوأ مما كانت عليه و العياذ بالله.
إنَّ قراراتكم ومواقفكم وإقداماتكم ستكون لها أبعاد تاريخية، وهذه المرحلة هي «ليلة القدر» في تاريخ بلدانكم.
لا تثقوا بأمريكا والناتو. هؤلاء لا يفكرون بمصالحكم ومصالح شعبكم. وكذلك لا ترهبوهم. فهؤلاء واهون ويزدادون ضعفًا بسرعة. حاكميتهم على العالم الإسلامي كانت فقط نتيجة خوفنا وجهلنا خلال مائة وخمسين عامًا. فلا تعقدوا عليهم الآمال، ولا تخافوهم . اعتمدوا فقط على الله سبحانه و ثقوا فقط بشعبكم . هؤلاء انهزموا في العراق وخرجوا بخفّي حنين. وفي أفغانستان لم يكسبوا شيئًا، وفي لبنان انهزموا أمام حزب الله، وفي غزّة أمام حماس. وها هم الآن ينزلون من صياصيهم في مصر وتونس بيد الشعب. لم يتحقق أي تقدم في برنامجهم. الصنم الغربي قد انهزم مثل الصنم الشيوعي وانهار جدار خوف الشعوب، فاحذروا أن يعيدوا إليكم الشعور بالخوف في المستقبل.
إحذروا ألاعيبهم، وكذلك احذروا ألاعيب الدولارات النفطية لعملاء الغرب وحلفائه من العرب، إذ سوف لا تخرجون بسلام في المستقبل من هذه الألاعيب. إسرائيل زائلة لا محالة ولا ينبغي أن تبقى وسوف لا تبقى بإذن الله تعالى. بدء الانحراف في الثورات الراهنة هو الرضوخ لبقاء الكيان الصهيوني، ومواصلة محادثات الاستسلام التي وضعت أساسها الأنظمة الساقطة.
المطلب الأساس لشعوبكم العودة إلى الإسلام، وهو لا يعني طبعاً العودة إلى الماضي. لو أنَّ الثورات حافظت بإذن الله على طابعها الحقيقي واستمرت ولم تتعرض للتآمر أو الاستحالة، فإنَّ المسألة الأساس لكم هي كيفية إقامة النظام وتدوين الدستور وإدارة شؤون البلاد والثورات. وهذه هي نفسها مسألة إعادة بناء الحضارة الإسلامية في العصر الحديث.
في هذا الجهاد الكبير، مهمتكم الأصلية ستكون جبران ما عاناه بلدكم في حقب التخلف، والاستبداد، والابتعاد عن الدين، والفقر، والتبعية، في أقصر مدّة بإذن الله، وستكون كيفية بناء مجتمعكم بتوجّه إسلامي وبأسلوب حاكمية الشعب مع مراعاة العقلانية والعلم، وتتجاوزوا التهديدات الخارجية واحدة بعد أخرى، وكيف تؤسسون «الحرية والحقوق الاجتماعية» بدون الليبرالية، و«المساواة» بدون «الماركسية»، و«النَّظم والانضباط» بدون «الفاشية الغربية». حافظوا على التزامكم بالشريعة الإسلامية التقدمية دون أن تقعوا في جمود وتحجّر، واعرفوا كيف تكونون مستقلين دون أن تنزووا، وكيف تتطورون دون أن تكونوا تابعين، وكيف تمارسون الإدارة العلمية دون أن تكونوا علمانيين ومحافظين.
الإسلام الأمريكي والبريطاني
تجب إعادة قراءة التعاريف وإصلاحها. الغرب يقترح عليكم نموذجين: «الإسلام التكفيري» و«الإسلام العلماني»، وسوف يواصل التلويح بذلك كي لا يستقوي الإسلام الأصولي المعتدل والعقلاني بين ثورات المنطقة. استعيدوا تعريف الكلمات مرة أخرى وبدقّة.
إذا كانت «الديمقراطية» بمعنى الشعبية والانتخابات الحرة في إطار أصول الثورات فلتكونوا جميعاً ديمقراطيين. وإذا كانت بمعنى السقوط في شراك الليبرالية الديمقراطية التقليدية ومن الدرجة الثانية فلا يكن أحد ديمقراطياً.
و«السلفية» إذا كانت تعني العودة إلى أصول القرآن والسنة والتمسك بالقيم الأصيلة ومكافحة الخرافات والانحرافات وإحياء الشريعة ورفض التغرّب فلتكونوا جميعًا سلفيين، وإذا كانت بمعنى التعصّب والتحجّر والعنف في العلاقة بين الأديان أو المذاهب الإسلامية فإنها لا تنسجم مع روح التجديد والسماحة والعقلانية التي هي من أركان الفكر والحضارة الإسلامية، بل ستكون داعية لرواج العلمانية والتخلّي عن الدين.
كونوا متشائمين من الإسلام الذي تطلبه واشنطن ولندن وباريس، سواء من النوع العَلماني المتغرّب، أو من نوعه المتحجّر والعنيف. لا تثقوا بإسلام يتحمّل الكيان الصهيوني لكنه يواجه المذاهب الإسلامية الأخرى دونما رحمة، ويمدّ يد الصلح تجاه أمريكا والناتو لكنه يعمد في الداخل إلى إشعال الحروب القبلية والمذهبية. وراء هذا الإسلام من هم أشداء على المؤمنين رحماء بالكافرين.
كونوا متشائمين من الإسلام الأمريكي والبريطاني إذ إنه يدفعكم إلى شَرَك الرأسمالية الغربية والروح الاستهلاكية والانحطاط الأخلاقي.
في العقود الماضية كانت النخب وكذلك الحكام يفخرون بمقدار قوة تبعيتهم لفرنسا وبريطانيا وامريكا أو الاتحاد السوفيتي السابق، وكانوا يفرون من النموذج الإسلامي، والأمر اليوم على عكس ذلك.
اعلموا أن الغرب سيكون في صدد الانتقام.. الانتقام الاقتصادي والعسكري والسياسي والإعلامي. ولو أنَّ شعوب مصر وتونس وليبيا وغيرها من الشعوب واصلت طريقها نحو الله بإذن الله فمن الممكن أن تتعرض لهذه التهديدات.
الجمهورية الإسلامية في خدمة المسلمين
إنَّ الثورة الإسلامية الإيرانية هي التجربة الإسلامية الأكثر نجاحًا في العصر الحديث على صعيد إعادة الثقة بالنفس إلى الجماهير، وإعادة الثقة إلى النخب بالجماهير، وعلى صعيد رفض أسطورة القوة التي لا تقهر للأنظمة الطاغوتية وأربابها، وفي ساحة كسر غرور الشيوعية والرأسمالية، وتقديم نماذج فاعلة للتطورات الكبرى في البلاد، مع حفظ سيادة الشعب والدفاع عن القيم الأساسية.
أيها الإخوة و الأخوات، لسنوات يوجهون إليكم أكاذيب بشأن إخوتکم الإيرانيين، والحقيقة بشأن إيران الإسلام هي هذه التي أبينها لكم:..... في الإعلام الرأسمالي وأبواق الصهيونية العالمية «إيران» متهمة بالإرهاب ،وما ذلك إلا لأنها رفضت أن تترك الإخوة العرب في فلسطين ولبنان والعراق لوحدهم وأن تعترف بالمحتلين، والحال أننا أكبر ضحية للإرهاب في العالم، وهذا الإرهاب لا يزال مستمرًا بحقنا.
لو أنَّ الثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية قد تركت الإخوة المظلومين في أفغانستان والبوسنة ولبنان والعراق وفلسطين لشأنهم كما فعلت سائر الحكومات المتظاهرة بالإسلام، ولو كنا مثل أكثر الأنظمة العربية التي خانت القضية الفلسطينية، قد آثرنا السكوت وطعنّا من الخلف، لما وصمونا بمساندة الإرهاب والتدخل. نحن نفكر بتحرير القدس الشريف وكل الأرض الفلسطينية،هذه هي الجريمة الكبرى التي يرتكبها الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية!!
إنَّهم يتحدثون عن التمدد الإيراني والشيعي، بينما لم نعتبر الثورة الإسلامية إطلاقًا شيعية صرفة أو قومية وإيرانية، ولن نعتبرها كذلك أبداً. خلال العقود الثلاثة ما دفعنا ثمنه وتعرضنا من أجله للتهديد إنَّما هو توجهنا الإسلامي وانتماؤنا إلى الأمة الإسلامية وشعار الوحدة والتقريب المذهبي والحرية والعزّة للمسلمين جميعاَ من شرق آسيا حتَّى عمق أفريقيا وأوربا.
إيران الإسلام قطعت خطوات رحبة فريدة في ساحة العلم والتقانة والحقوق الاجتماعية والعدالة الاجتماعية والتنمية والصحة وتأمين كرامة المرأة وحقوق الأقليات الدينية وغيرها من الساحات. ونحن نعرف أيضاً مواضع ضعفنا وبعون الله وقوته نعمل على علاجها إن شاء الله.
معادلة المقاومة في المنطقة قد تغيرت بمساعدة الجمهورية الإسلامية، وارتقاء الحجر في يد الفلسطينيين إلى «صاروخ في جواب الصاروخ» في غزة وسائر فصائل المقاومة الإسلامية أمام المحتلين.
إيران لا تستهدف نشر التوجّه الإيراني أو الشيعي بين المسلمين. إيران تنهج طريق الدفاع عن القرآن والسنة وإحياء الأمة الإسلامية. الثورة الإسلامية تعتقد أنَّ مساعدة المجاهدين من أهل السنّة في منظمات حماس والجهاد، والمجاهدين الشيعة في حزب الله و أمل واجباً شرعياً وتكليفاً إلهياً دونما تمييز بين هذا وذاك. وحكومة إيران تعلن بصوت مرتفع قاطع أنها تؤمن بنهضة الشعوب (لا بالإرهاب)، وبوحدة المسلمين (لا بالغلبة والتناحر المذهبي)، وبالأخوة الإسلامية (لا بالتعالي القومي والعنصري)، وبالجهاد الإسلامي (لا بالعنف تجاه الآخر)، وهي ملتزمة بذلك إن شاء الله.....
مسک الختام
وفي مسک الختام نسأل الله تعالى علوِّ الدَّرجات لإمامنا الراحل ، کما نسأله أن يحفظ خليفته بالحق ، الإمام الخامنئي، رجل الجهاد والاجتهاد، لكي يشهد العالم في عهد زعامته حاكمية الإسلام ويستأنف دورة جديدة من الحضارة والرقي على نهج المعصومين من أئمة أهل البيت إنَّه علی کلِّ شئ قدير.
وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ،وصحبه الأخيار المنتجبين.
قم المقدَّسة- أيوب الحائري
* * *
[1]- صحيفة الإمام.
[2] مقتطفات من خطبة الإمام الخامنئي التي القاها يوم الجمعة في العاشرمن شهرربيع الأول عام 1433هـ ،ذکری اقتراب المولد النبوي، وإسبوع الوحدة الإسلامية ،والتي تصادف شهرفبراير عام 2012م ، الذكرى الأولى لربيع الصحوة الإسلامية، ونهضة بعض الشعوب العربية في العالم الإسلامي .
متظاهرون بطهران یطالبون الاوساط الدولیة بوضع قوانین تجرم الاساءة لمقدسات الادیان الالهیة
طالب المتظاهرون امام السفارة الفرنسیة فی طهران الیوم الاوساط الدولیة بوضع قوانین تجرم الاساءة لمقدسات جمیع الادیان الالهیة وتحدید الیات تكفل تطبیقها.
واصدر المتظاهرون المتمثلون بالشرائح المختلفة من ابناء الشعب وطلبة الجامعات والحوزات العلمیة فی ارجاء البلاد بیانا
قالوا فیه ان ثالوث الفساد والخبث العالمی ای امیركا والصهیونیة وبریطانیا یعمل علي تدبیر المؤامرات القذرة وغیر الانسانیة لاطفاء شعلة الاسلام الوضاءة والخروج من عزلتهم المتزایدة ظنا منهم بان الاساءة لمقام الرسول الكریم (ص) ستحقق لهم ما یریدون متجاهلین انه 'یریدون لیطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون'. صدق الله العلی العظیم.
وتساءل المتظاهرون المحتجون فی بیانهم : كیف ان تقدیم الاستدلال والبحث العلمی حول واقعة یكتنفها الغموض مثل الهولوكوست ونشر صور افراد الاسرة الملكیة البریطانیة وبث الافلام المناهضة للصهیونیة والاحتجاج علي ارهاب الدولة الذی یمارسه الكیان الصهیونی والاحتجاج علي النظام الملكی فی البحرین والاحتجاج علي المشاكل الاقتصادیة والاجتماعیة فی اوروبا تعد كلها مخالفة لحریة التعبیر لكن الاساءة والاهانة الي مقدسات ملیار ونصف ملیار مسلم هی حریة التعبیر بعینها؟
وشدد المتظاهرون علي ضرورة ان تقدم المحافل والاوساط الدولیة علي التصدیق علي قوانین تحد من الاساءة لمقدسات جمیع الدیانات الالهیة ووضع الیات التنفیذ اللازمة لوضع ذلك موضع التطبیق.
كما دعوا الي الحد من بث الفیلم المسئ وتقدیم الذین یقفون وراءه الي العدالة ومعاقبتهم كما طالبوا الحكومة الفرنسیة بالتصدی قضائیا لمسؤولی الصحیفة الفرنسیة التی قامت بنشر الصور المسیئة.
وكان المتظاهرون الذین تجمعوا بعد ظهر الیوم الخمیس امام السفارة الفرنسیة بطهران للاحتجاج علي انتاج الفیلم المسئ للرسول الاكرم (ص)، قد اضرموا النار فی علمی امیركا والكیان الصهیونی.





























