Super User
الرئيس السوداني يعلن تغيير الحكومة ويعين ولاة جدداً من العسكريين
أعلن الرئيس السوداني عمر حسن البشير حالة الطوارئ في البلاد، كمل قرر حل حكومة الوفاق الوطني، ووقف إجراءات تعديل الدستور لترشحه لولاية ثانية، إضافة إلى تعيين حكام جدد للولايات كلهم من السلك العسكري.
وفي كلمة له إلى الشعب السوداني مساء الجمعة أكد البشير أن المطالب الشعبية "مشروعة وقد أكد عليها الدستور"، مجدِداً الدعوة إلى الحوار الوطني لإنهاء الأزمة التي تمر بها البلاد.
ولفت البشير إلى أن الاستقرار السياسي هو المدخل لتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الأمني، مضيفاً أن "جلسات الحوار التي خضناها تشكل أساساً للرد على الأسئلة الوطنية بشأن كيفية حكم السودان".
كما شدد على أن "لا بديل عن الحوار الوطني ونحتاج جميعاً إلى الحوار لنتجاوز خلافاتنا".
كذلك قال "نسعى إلى حل للأزمة يضمن وحدة البلاد واستقرارها من دون إقصاء أحد أو عزله"، داعياً في كلمته البرلمان إلى تأجيل البحث في التعديلات الدستورية المطروحة واستكمال الحوار.
منسق المبادرة الوطنية للتغيير محمد حسب الرسول أكد في اتصال مع الميادين أن موقف المبادرة هو تنحي البشير وانتقال سلمي للسلطة.
كما أكد وجود مخاطر حقيقية تعصف بالسودان جراء السياسات الحكومية.
وكان مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني قد كشف أن البشير سيعلن في كلمته، حالة الطوارئ وسيحل الحكومة المركزية وحكومة الولايات.
وأضاف مدير جهاز الأمن والمخابرات إن البشير سيعلن تنحيه عن رئاسة الحزب الحاكم، كما سيوقف إجراءات تعديل الدستور التي تسمح له الترشح لفترة رئاسية جديدة.
إلى ذلك، ذكرت صحف سعودية في وقت سابق أن البشير استدعى جميع ولاة البلاد إلى اجتماع طارئ بمشاركة الآلية التنسيقية العليا للحوار.
يأتي ذلك في أعقاب تمدّد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتنحّيه وتفاقم الوضع الاقتصاديّ في البلاد.
في هذه الأثناء دعا تجمع المهنيين السودانيين إلى مواصلة الاحتجاجات السلمية المطالبة بتنحي البشير.
وأطلقت القوات الأمنية في السودان قنابل الغاز لتفريق مئات المحتجّين المناهضين للحكومة في أمّ درمان تنديداً بالأوضاع الاقتصادية، حيث ردّد المتظاهرون هتافات تدعو إلى تغيير النظام.
هذا وأكد ناشطون أن حصيلة القتلى خلال شهرين من التحرّكات بلغت 60، فيما شملت عمليات التوقيف قادةً في المعارضة وصحافيين.
"اسرائيل" ومحاولات منع إيران من التموضع عسكرياً في سوريا
وصل التوتر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و "الکیان الاسرائیلی" إلى ذروته لدرجة دفعت وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف للتحذير اليوم الأحد من أن "إسرائيل" تسعى للحرب، وقال: "إن تصرفاتها هي وأمريكا" تزيد فرص اندلاع حرب في المنطقة، وذلك ضمن خطاب ألقاه اليوم في مؤتمر ميونيخ.
وأضاف ظريف: "إن إيران موجودة في سوريا استجابة لدعوة من الحكومة السورية لغرض وحيد هو مكافحة الإرهاب، لا لأي سبب آخر".
واتهم ظريف "إسرائيل" بانتهاك القانون الدولي بعد حملات القصف التي شنّتها على سوريا، كما انتقد القوى الأوروبية لعدم انتقادها "إسرائيل" وأمريكا جرّاء تصرفاتهما في المنطقة.
وتابع: "الخطر هائل وربما يكون أكبر إذا واصلنا التغاضي عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي".
"إسرائيل" وشيطنة إيران
يسعى الكيان الصهيوني بكل ما يملك من مقدرات لمواجهة إيران في جميع المحافل الدولية وحشد كل ما يستطيع من دول العالم لشيطنة إيران، لاسيما دول الشرق الأوسط وعلى وجه الخصوص السعودية التي تشاطر "إسرائيل" سياستها في معاداة إيران، وهذا الأمر دفع كيان الاحتلال للولوج إلى العمق السعودي عبر هذا الهدف المشترك، ولذلك بدأت "إسرائيل" تحرّك قطار التطبيع الذي بدأته قبل عقود بشكل أسرع وبحماسة مفرطة نحو بقية الدول العربية التي لا تربطها بها علاقات دبلوماسية، ولاسيما الخليجية منها.
وعكست مضامين حلقات "أسرار الخليج" التي تبثّها القناة 13 الإسرائيلية وتتمحور حول كواليس العلاقات بين "إسرائيل" والدول الخليجية، تطلعات تل أبيب إلى تطبيع العلاقات على قاعدة التنسيق والتعاون الأمني والاقتصادي لتعزيز الحلف مع الدول الخليجية لمواجهة ما تسميه "التهديد الإيراني" للشرق الأوسط.
وتناغمت مضامين كواليس الاتصالات والعلاقات التي أوردتها الحلقات بالاتصالات ما بين البحرين والإمارات وتل أبيب وزيارة رئيس الموساد الأسبق "تامير باردو" للسعودية، مع طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يروّج لقطار التطبيع مع دول عربية وإسلامية كأهم إنجاز للدبلوماسية الإسرائيلية.
وتراهن إسرائيل - وفقاً لباحثين في الشأن والسياسات الإسرائيلية - على شيطنة إيران وتسويقها كتهديد مشترك عبر تعزيز العلاقة مع تحالف الدول "المعتدلة" للحدّ من نفوذها في الشرق الأوسط، وتمرير الإدارة الأمريكية "لصفقة القرن" بعد انتخابات الكنيست -التي ستجرى يوم 9 أبريل/ نيسان المقبل- بغطاء عربي وإسلامي بغية تصفية القضية الفلسطينية، في الوقت الذي تصرّح حتى الدول المهرولة للتطبيع مع تل أبيب بأنها ستوافق على أي خطة يوافق عليها الجانب الفلسطيني.
الاتجاه نحو روسيا
لا يكفي أن يتجه المسؤولون الإسرائيليون نحو الدول الخليجية وتطبيع العلاقات معها، إذ إن هناك حليف استراتيجي لسوريا ولإيران في المنطقة، نتحدث هنا عن "روسيا" التي من المقرر أن يزورها نتنياهو الخميس المقبل، بهدف إقناع الرئيس بوتين بطرد القوات الإيرانيّة من مناطق تعهدت روسيا بإخلائها، وفق ما ذكرت هيئة البث الرسميّة "كان"، مساء الجمعة الماضية.
ووفقاً للقناة، فإن نتنياهو سيسعى كذلك إلى التأكيد مجدداً لروسيا وسوريا بأن إسرائيل "لن تقبل بالتموضع الإيراني المتواصل في سوريا"، بالإضافة إلى الاستفسار عن التحضيرات لتفعيل منظومة صواريخ إس 300 الروسيّة شماليّ سوريا، التي سلّمتها موسكو لدمشق بعد إسقاط الطائرة الروسية قبالة الشواطئ السورية في أيلول/سبتمبر الماضي.
ويكتسي لقاء نتنياهو – بوتين أهميّة خاصّة في "إسرائيل"، كونه الأول منذ إسقاط الطائرة الروسية، التي تتهم موسكو طائرةً إسرائيليّة بالتستّر وراءها ما أدى إلى إسقاطها بالدفاعات الجويّة السورية، وإثر هذا الإسقاط، امتنع بوتين عن لقاء نتنياهو رسمياً، غير أن التنسيق العسكري بين البلدين فوق سوريا لم يتوقف طويلاً.
لكن الموقف الروسي فيما يخص الوجود الإيراني واضح وصريح، إذ صرّح السفير الروسي لدى إيران، ليفان دجاغاريان، قبل عدة أسابيع، أن مسألة انسحاب العسكريين الإيرانيين من سوريا يجب بحثها بين دمشق وطهران والوجود الإيراني في سوريا شرعي.
وقال السفير لوكالة "سبوتنيك": "هذه القضية هي من اختصاص قيادة الجمهورية العربية السورية، وإذا تمّت مناقشتها، فبين دمشق وطهران فقط، لأن الوجود العسكري الإيراني في سوريا شرعي والمستشارون الإيرانيون موجودون بدعوة من الحكومة السورية الشرعية".
فشل في أرض الميدان
من جانبه رأى المؤتمر الدوليّ السنويّ لمعهد دراسات الأمن القوميّ (INSS) أنّ العمليات العسكريّة الإسرائيليّة لن تمنع إيران من ترسيخ نفسها في سوريا، وبالتالي يجب اللجوء إلى الحلول السياسيّة، وروسيا هي العنوان الرئيسي لهذا، وبالتالي يجب على "إسرائيل" أنْ تُروِّج لحركاتٍ تكميليّةٍ تستند أساساً إلى روسيا والدولة السورية، من أجل إقناعهم بأنّ استمرار بناء "البؤر الإيرانية" في سوريا سيضُرّ بالدولة السورية والقدرة على استقرار الوضع فيها والبدء في عملية إعادة الإعمار، كما تستطيع "إسرائيل" تشكيل تحالفٍ مع الدول العربيّة السُنيّة البراغماتية، التي ستكون مستعدّةً لاستثمار الموارد في إعادة تأهيل سوريا في ظلّ ظروف إزالة إيران وتأثيرها هناك.
واختتم التلخيص قائلاً: إنّ طريقة تحسين الموقف الاستراتيجيّ لـ"إسرائيل" هي تعزيز مكانتها الإقليميّة، في ضوء المصالح المُتداخِلة مع الدول العربيّة السُنيّة الرئيسيّة، وذلك أساساً من أجل الحدّ من النفوذ الإيرانيّ المُتزايِد في المنطقة، والمفتاح لهذا هو اختراقٌ في العمليّة السياسيّة مع الفلسطينيين، مُشيراً إلى أنّ تطوراً إيجابياً في هذا الاتجاه لن يكون ذا صلةٍ بهذه الساحة فقط، بلْ سيُساعِد "إسرائيل" أيضاً على مواجهة التحدّيات الاستراتيجيّة الرئيسيّة التي تُواجهها، على حدّ قوله.
حدود الدم الخطر الداعشي القادِم من الحدود المصرية الليبية
الحدود مع ليبيا تمثّل خطراً مباشراً على الأمن القومي المصري، خاصة أن جزءاً كبيراً من العناصر الإرهابية الآتية من عدّة دول في العالم, وتُقاتل حالياً في ليبيا، يحاول الدخول إلى الأراضي المصرية عبر المناطق الحدودية الهشَّة، والمعروف أنه باستثناء السلوم وسيوة، لا توجد مدن أو أية تجمّعات سكانية مصرية على طول الحدود المصرية الليبية.
رغم الرحلات المكوكية للدكتور غسان سلامة إلى ليبيا مبعوثاً للأمم المتحدة لحل إشكاليات الصراع بداخلها حلاً سلمياً ، ورغم التفاؤل الذي يتمنّاه البعض- ونحن منهم - للعام 2019 ،أن يكون عام انتخابات وتشكيل حكومة قوية حاكِمة لكل البلاد ، وأن يكون عام اندحار لجماعات الإرهاب على اختلافها وفي مُقدّمها داعش ؛ إلا أن الحقائق على الأرض تقول بغير ذلك ، وبأننا سنشهد مزيداً من التفكّك للدولة الليبية التاريخية ومزيداً من الإرهاب الدموي والصراع المسلّح بين الفرقاء السياسيين الرئيسيين من جهة سواء أولئك الذين في في طرابلس أو في بنغازي، وبينهم وبين أنصار الشريعة والقاعدة وداعش وأجنحة الإخوان المسلمين المُسلّحة من جهة أخرى ، إن ليبيا تنتظرها للأسف أوقات عصيبة على نقيض الصورة التي تُصدَّر للإعلام ،لأن الجميع متورِّط في عدم حلّها حلاً سلمياً عادلاً . على أية حال إن ما نوّدّ لفت الإنتباه إليه أمام الرأي العام العربي وقوى المقاومة لجماعات الإرهاب المسلّح ، أن أحد أبرز الجبهات التي ستشهد قلاقل وتوتّرات حادّة تصل إلى حد الصراع الدامي هي جبهة الحدود المصرية الليبية ،التي رغم سكونها الحالي الناتج من قوّة القبضة الأمنية والعسكرية المشتركة (جيش حفتر-جيش مصر)؛الإ أن احتمالات تفجّرها وارِدة مع نموّ جماعات الإرهاب من العائدين من سوريا والعراق ؛ الخطر قادِم على مصر من هذه الحدود كما هو قائم ومُزعج في سيناء . فماذا عنه ؟ تُحدِّثنا الحقائق أن طول الحدود بين مصر وليبيا يبلغ نحو 1115 كيلومتراً، ويقع العبء الأكبر في تأمينها على الجانب المصري بسبب ضعف إمكانيات الجيش الليبي في الشرق، وانشغاله بمحاولة فرض الأمن والاستقرار وهزيمة الجماعات الإرهابية داخل عموم ليبيا.
بهذا المعنى فإن الحدود مع ليبيا تمثّل خطراً مباشراً على الأمن القومي المصري، خاصة أن جزءاً كبيراً من العناصر الإرهابية الآتية من عدّة دول في العالم، وتُقاتل حالياً في ليبيا، يحاول الدخول إلى الأراضي المصرية عبر المناطق الحدودية الهشَّة، والمعروف أنه باستثناء السلوم وسيوة، لا توجد مدن أو أية تجمّعات سكانية مصرية على طول الحدود المصرية الليبية. وتُعدّ منطقة بحر الرمال - بمُحاذاة الحدود مع ليبيا - التي يبلغ طولها نحو 150 كيلومتراً وعرضها نحو 75 كيلومتراً، أصعب ممر للعبور إلى داخل مصر، وخلال السنوات الأخيرة الماضية أعلنت مصر عن إحباطها عدداً من عمليات تهريب أسلحة وسيارات دَفْع رُباعي عبر الحدود مع ليبيا . هذه الجغرافيا الواسعة تمثل اليوم مصدراً للتهديد ومُنطلقاً للعمليات الإرهابية من تنظيمات متواجدة بقوّة في المدن الليبية القريبة من الحدود المصرية ، ومن أشهر تلك التنظيمات وفق خريطة توزيعها تأتي داعش والقاعدة والأجيال الجديدة منهم ، وهي جماعات تتواجد في مراكز تدريب عالية الخبرة بالقرب من الحدود مع مصر
إن ليبيا تعاني أيضاً من انتشار أنواع كبيرة من تجارة السلاح التي يرغب أصحابها في استغلال التوتّر الموجود على الحدود، والدخول بقوّة مع سلاحهم إلى مصر وقد وجِدَت بالفعل أنواع نادرة ومهمّة من الأسلحة في أيدي إرهابيي سيناء بما فيها صواريخ مُضادّة للطائرات وصلت إليهم من ليبيا . الأمر الذي يزيد من المخاطر والتهديدات التي تؤثّر على مصر في الجانب السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري.
يهمّنا هنا أيضاً أن نُنبِّه إلى أن الحدود البرية مع ليبيا تُعدّ أطول الحدود المصرية، وهي تتمتّع بطبيعة طبوغرافية تصعب السيطرة المصرية الكاملة عليها ، والمعروف أن مصر تعرّضت لتهريب كميات كبيرة من الأسلحة منذ بداية ما يُسمَّى ب(الثورة) الليبية وعلى مدار السنوات الثماني الماضية . إن المستقبل إذن في هذا العام 2019 يحمل احتمالات تنامي العمليات الإرهابية على الحدود بين مصر وليبيا ، وإن لم تتحرّك مصر وجيش حفتر -تحديداً- لبناء خطّة استراتيجية جديدة تستفيد من أخطاء الماضي وتتفاعل أيضاً مع الحلول السياسية المطروحة وفقاً لمصالح الشعب الليبي وليس وفقاً لأجندات خارجية ؛ إن لم يحدث هذا فإن الإرهاب قادم من غرب مصر كما في شرقها (سيناء ) ومقاومته ستكون صعبة ومُكلِفة والله أعلم.
رفعت سيد أحمد
أهلاً بكم في العالم الجديد
في الوقت الذي فكّك فيه الاتحاد السوفياتي حلف وارسو، أبقت الولايات المتحدة حلف الناتو لتصبح القطب الوحيد المهيمن في العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وإعلامياً. ولكنّ مؤتمر وارسو لم يرقَ إلى طموحات الولايات المتحدة، وفي النهاية لم يصدر عن هذا اللقاء أيّ بيان مشترك، ولم يتمكنوا من تأسيس حلف ضد إيران أو تهديد إيران بأيّ طريقة. أمّا إيران فقد كانت حاضرة في سوتشي مع روسيا تسهم في هندسة واقع جديد في المنطقة والعالم، غير آبهة بالثرثرة التي اعتاد الإعلام الغربي إطلاقها، آملاً أن يربح الحرب قبل أن تبدأ. فقد كان الرئيس بوتين يترأس قمة سوتشي التي ضمّت روسيا وإيران وتركيا، وفي هذا اللقاء يمكن استقراء الفعل من القول ويمكن أن نتوقع سير المراحل المقبلة لأنّ الصدق واحترام سيادة الآخرين هما سيّدا الموقف هنا.
كان المشهد السياسي الإعلامي الأسبوع الماضي في العالم سريالياً صاخباً بمؤشراته الجيوسياسية واستشرافاته المستقبلية، وبدء وضوح فراقه للعالم القديم الذي كنّا نعيش فيه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. وقد أصبح جليّاً أنّنا لا نستطيع أن نفهم ما يجري حولنا إذا ما بقينا نتأبط الأدوات القديمة والمعايير التي ورثناها من القرن الماضي. فقبيل مؤتمر سوتشي وما سمّوه "تجمع وارسو"، اجتمع ممثّلو الفصائل الفلسطينية في موسكو لتضييق حدة الخلافات وإيجاد مسار مشترك يخفف ضرر الهجمة الصهيونية الأميركية عليهم وعلى مستقبل شعبهم وحقوقه المهدورة. وربما تكون مصادفة مرسومة أن يلتقي أعداء الأمس وأصحاب اليوم في وارسو، في الوقت الذي تُعقد فيه قمة سوتشي لضامني مسار أستانة، وقد تكون الولايات المتحدة اختارت وارسو لرمزيتها التاريخية، إذ كان حلف وارسو الذي يترأسه الاتحاد السوفياتي في حينه هو الذي يواجه سياسات حلف الناتو العدوانية في العالم، وكان الاتفاق بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية هو أن يتمّ تفكيك الحلفين العسكريين وارسو والناتو.
ولكن في الوقت الذي فكّك فيه الاتحاد السوفياتي حلف وارسو، أبقت الولايات المتحدة حلف الناتو لتصبح القطب الوحيد المهيمن في العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وإعلامياً. ولكنّ مؤتمر وارسو لم يرقَ إلى طموحات الولايات المتحدة، فقد غابت عنه أهم الدول الأوربية: ألمانيا وفرنسا، وكان وزير الخارجية البريطاني هو وزير الخارجية الأوروبي الوحيد الذي حضر هذا اللقاء، وفي النهاية لم يصدر عن هذا اللقاء أيّ بيان مشترك، ولم يتمكنوا من تأسيس حلف ضد إيران أو تهديد إيران بأيّ طريقة.
وتبيّن أن جزرة العداء لإيران كانت تهدف إلى جرّ دول الخليج إلى التطبيع الرخيص مع كيان العدو الصهيوني، حيث ظهر نتنياهو نجم المؤتمر معتقداً أنّ من يلتقون معه من الأعراب قادرون على إجهاض الحقّ الفلسطيني وتسليمه مفاتيح القدس وحقّ الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم. وبدا هذا الوهم في أوجه حين أدلى نتنياهو بتصريحه: "إنّنا هنا نصنع التاريخ"، ناسياً أو متناسياً أنّ التاريخ تصنعه الشعوب، وأنّه والحكام الذين يلتقيهم زائلون، وأنّ القول الفصل سيكون للشعوب وليس لحكامها، أيّ إنّ وارسو كان تظاهرة إعلامية ظاهرها العداء لإيران وباطنها جرّ دول الخليج إلى الحظيرة الصهيونية، وبالتالي إعلان عدائها للقضية الفلسطينية، والسير في ركب من يهدم منازل الفلسطينيين ويعتقل أطفالهم ويدمّر أراضيهم الزراعية ويتنكر لحقوقهم المشروعة. والنتيجة الحقيقية لهذا المؤتمر هي غياب الوحدة الأوروبية وبداية تفكّك أوروبا، إضافة إلى زيادة الشرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا.
أمّا إيران فقد كانت حاضرة في سوتشي مع روسيا تسهم في هندسة واقع جديد في المنطقة والعالم، غير آبهة بالثرثرة التي اعتاد الإعلام الغربي إطلاقها، آملاً أن يربح الحرب قبل أن تبدأ. فقد كان الرئيس بوتين يترأس قمة سوتشي التي ضمّت روسيا وإيران وتركيا، وفي هذا اللقاء يمكن استقراء الفعل من القول ويمكن أن نتوقع سير المراحل المقبلة لأنّ الصدق واحترام سيادة الآخرين هما سيّدا الموقف هنا. وقد أصرّ وكلاء الإمبريالية التي هي في حالة أفول مؤكد أن يرسلوا إشارة إلى الرئيس بوتين مفادها أنّ الناتو يتخذ إجراءات من أجل وجوده في البحر الأسود، وأنّ أعضاء الناتو يدعمون أوكرانيا، وخاصة من أجل زيادة وجودها في البحر الأسود.
في الوقت ذاته، يعقد وزير خارجية فنزويلا في الأمم المتحدة مؤتمراً صحافياً محاطاً بممثلي الدول الذين يدعمون الحكومة الشرعية المنتخبة في فنزويلا، حكومة مادورو، بينما يدعو عملاء واشنطن إلى عقد مؤتمر للمعارضة الفنزويلية في واشنطن. وفي الوقت ذاته يطرح مشروع قانون عقوبات أميركية جديدة في الكونغرس ضد شركات النفط الروسية، كما يطرح مشروع قانون سيزر في الكونغرس ضد سوريا، ما يعطي الانطباع بأنّ الكونغرس الأميركي يعتقد بأنّ الولايات المتحدة هي قوّة استعمارية ضاربة كما كانت بريطانيا وفرنسا في القرن التاسع عشر تحتل وتنهب وتعاقب دولاً وشعوباً من دون رادع.
هل أصبحت الصورة جليّة الآن: امبراطورية غربيّة تتهاوى فتمسك بمبدأ العقوبات ضد الدول والأشخاص والشركات وتختلق معارضات من داخل البلدان: من ليبيا إلى سوريا واليمن وفنزويلا، وتنزع الشرعية عمّن يحمون البلاد، وتضفي الشرعية على من اختارتهم من عملاء استخباراتها، وتحاول تنصيبهم بالقوّة الغاشمة في الحكم ليكونوا لها تبعاً وخدماً ضد مصالح شعوبهم وبلدانهم، وبما يكفل نهب الولايات المتحدة الامبريالية لهذه الثروات وإبقاء أهل البلاد في حالات فقر مدقع كما كانت تفعل بريطانيا وفرنسا بمستعمراتها. في كلّ هذه المظاهر الإعلامية والسياسية يغيب عن أذهان البعض أنّ الشعوب وحدها هي صانعة التاريخ، وأنّ هذه الامبراطوريات العدوانية آيلة إلى السقوط، وأنّها سوف تسقط مهما تمظهرت بمظهر القوي المرتاح، ومهما علا صراخها العدواني.
العالم الجديد هو العالم الذي يرفض أن يكون جزء من أبنائه رهينة في أيدي الآخرين، كما يرفضُ أن يملي هذا الجزء نتائج خيانته على بلاده وشعبه، والعالم الجديد هو العالم الذي انكشفت فيه كلّ ألاعيب المستعمرين والمحتلين والإرهابيين... والعالم الجديد هو العالم الذي انكشف فيه المستور في تصرفات بعض الحكّام وتفريطهم في حقوق أبناء جلدتهم وخيانتهم لأقدس مقدسات بلدانهم وشعوبهم... العالم الجديد هو العالم الباحث عن الكرامة الشخصية والوطنية... وهو العالم الذي لا يأبه لقيمة لحظة التقاط صورة الخونة مع القتلة المعتدين، لأنّه يعلم أنّ ما سبقها خواء وما سيليها خواء وأنّها لحظة مصطنعة كاذبة لا علاقة لها بمسار الأحداث ومصير الشعوب... العالم الجديد هو الذي نصنعه نحن الملتزمين بقضايانا والمتمسكين بقرارنا المستقل وبكرامتنا الوطنية وانتمائنا إلى تاريخنا وأرضنا وشعوبنا.
بثينة شعبان، مفكرة عربية
رسائل مؤتمر وارسو
شكّل مؤتمر وارسو الذي بدأ أعماله يوم الخميس "14/2/2019" مساحة جديدة ظهر من خلالها اصطفاف جديد للقوى على المستوى الدولي كما أبرز انقسامات جديدة بين الأفرقاء.
وكان العامل الأكثر أهمية الذي أثر على المؤتمر هو الشراكة المحدودة غير الفعالة والمترددة من قبل الأوروبيين، وكان ردّ الفعل الأولي لأوروبا سبباً في تغيير جدول أعمال القمة، إذ كان من المخطط التركيز على إيران، وأوضحت أوروبا أن قمة وارسو ستكون فرصة جديدة للكشف عن الخلافات بين أمريكا وأوروبا حول إيران.
إن تغيير بعض موضوعات المؤتمر لم يحلّ مشكلة أوروبا، لأنه كان من الواضح أن وجود بومبيو وبنس وكذلك كبار المسؤولين من "إسرائيل" والسعودية والإمارات، سوف يدفع باتجاه التركيز على إيران.
ردّة فعل أوروبا على المؤتمر جاءت باردة وباهتة حيث شاركت أوروبا في المؤتمر بمستوى دبلوماسي منخفض احتجاجاً على الأحادية غير المسبوقة لأمريكا بشكل عام، بما في ذلك سياسة أمريكا تجاه إيران والانسحاب من سوريا.
ويجب أن نذكر أن أمريكا لم تستشر أوروبا على أي حال قبل الإعلان عن قمة وارسو.
هذه المرة، أوضحت أوروبا أيضاً أنها لا تريد أن تبدو أنها انضمت إلى سياسة "الضغط إلى أبعد حدّ ممكن" لفريق ترامب ضد إيران، وبالتالي لا يبقى أي سبب لالتزام إيران ببنود الاتفاق النووي.
العامل الآخر الذي قوّض فعالية قمة وارسو كان الصراع داخل الاتحاد الأوروبي بين الليبراليين والشعبويين اليمينين المناهضين للاتحاد.
لقد قيّم الديمقراطيون الليبراليون الأوروبيون، الذين يدعمون الاتحاد الأوروبي، مؤتمر وارسو أنه يأتي في إطار مواصلة الجهود الأمريكية لدعم الحركات المناهضة للاتحاد ومحاولة تضعيفه، ولاسيما السيدة موغيريني التي صرّحت فور الإعلان عن موعد مؤتمر وارسو أنها لن تحضر.
موقف بولندا جاء محيّراً من هذه القمة، حيث قال الرئيس البولندي أندجي دودا: "إن الجانب البولندي سيكون مُحايداً في المؤتمر الذي ستشهده عاصمة بلاده"، ولكن هل من الممكن أن تعقد أعمال المؤتمر في وارسو، بدعوة من السلطات البولندية ويقول الرئيس إن بلاده مُحايدة، في الحقيقة هناك فصام في الموقف البولندي سببه رغبة الحكومة البولندية بالتعاون مع حكومة ترامب وكسب دعم واشنطن لمجابهة روسيا، وفي هذا الإطار كتب شيمون ماركيفيتش، الناشط البولندي في مجموعة فلسطين بالبولندية "لسوء الحظ فإن الحكومة البولندية تخضع "لإسرائيل" وأمريكا بشكل أعمى، وبهذه الطريقة تضرّ بمصلحة الأمّة البولندية.
ويضيف ماركيفيتش: مشاركة قادة المجر والجمهورية التشيكية وبولندا وسلوفاكيا باجتماع في شهر شباط – فبراير الحالي كوزراء لما يسمّى مجموعة "فيسيجراد" مع ما يسمّى "بإسرائيل" مع العلم أن نتنياهو يريد كسر وحدة الاتحاد الأوروبي في القضايا المتعلقة بالفلسطينيين وإيران.
هدف بولندا الرئيسي في محاولة تعزيز التعاون العسكري والأمني مع واشنطن هو في الواقع مواجهة روسيا في أوروبا الشرقية السابقة والتأثير في الأزمة الأوكرانية.
لدى بولندا في أوروبا الشرقية أكبر معارضة لروسيا، ويوجد في بولندا أحد القواعد الأمريكية المضادة للصواريخ، وأكبر عدد للجنود الأمريكيين يتمركز ضمن إطار "الناتو" في بولندا، وإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في بولندا، وهو ما تدعو إليه وارسو، يخلق ظروفاً جديدة في المنطقة.
كان تردد الحكومة الروسية في المشاركة في قمة وارسو سبباً آخر لفشل الاجتماع، على الرغم من أن الحكومة الروسية تكافح من أجل إضعاف وانهيار الاتحاد الأوروبي مع حكومة ترامب، إلا أنها تعارض بشدة التوافق والتعاون بين وارسو وواشنطن.
بطبيعة الحال، كانت بعض جوانب قضية الشرق الأوسط فعالة في التصدي لرفض روسيا لقمة وارسو، بالنظر إلى موقف روسيا، كان من الطبيعي أن تتخذ الصين نهجاً سلبياً تجاه قمة وارسو، عادة، تتحرك الشؤون العسكرية والأمنية الدولية للصين على بعد بضعة أقدام من روسيا.
ومع ذلك، يمكن اعتبار وارسو نقطة تحول في عدة اتجاهات:
1 - لسوء الحظ ، نجحت قمة وارسو، لأول مرة منذ قمة مدريد في عام 1993 في جلب ممثلين رفيعي المستوى لبعض البلدان العربية إلى جانب ممثلين من "إسرائيل" وأمريكا في إطار علني.
بشكل أساسي، من دون هذا التقارب بين "إسرائيل" وبعض العرب لن يكون من الممكن عقد قمة وارسو على هذا المستوى.
هذا التصريح العلني لوزير الخارجية البحريني، الذي يزعم أن التهديد الإيراني الآن أكثر أهمية من القضية الفلسطينية، قضية يمكن أن تكون لها آثار طويلة المدى على المنطقة فيما يتعلق بالعوامل الأخرى.
وتأمل أمريكا في بناء مثل هذا التحالف الإقليمي ضد إيران وزيادة تهميش القضية الفلسطينية.
وفي هذا الصدد، فإن عدم مشاركة السلطة الفلسطينية في الاجتماع، الذي يواصل مقاطعة العمل مع حكومة ترامب أمر هام.
- من ناحية أخرى، فإن تكثيف الخلافات بين أوروبا وأمريكا في أعقاب مؤتمر قمة وارسو، يعتبر أمراً مهماً للغاية برز خلال أعمال المؤتمر.
وخلال الاجتماع، أدّى الهجوم السريع من جانب وزير الخارجية الأمريكية بومبيو ومايك بنس معاون الرئيس الأمريكي على الدول الأوروبية الثلاث إلى الدخول في مرحلة جديدة وغير مسبوقة في تكثيف الخلاف بين أمريكا وأوروبا حول إيران، والذي بدأ بعد اينستكس.
وقد طالب كل من بنس وبومبيو بشكل صريح أوروبا للخروج من الاتفاق النووي الإيراني واتهام أوروبا بمحاولة انتهاك فرض العقوبات على إيران، من خلال إنشاء Instax ، لأول مرة أكدوا علانية على الانقسام بين جانبي الأطلسي حول إيران، و لقد أظهروا أنهم أكثر استعداداً للعمل مع الدول الاستبدادية في أوروبا لممارسة الضغط على الاتحاد الأوروبي.
إصابة 7 فلسطينيين برصاص إسرائيلي شرقي غزة
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، مساء الإثنين، إصابة 7 متظاهرين برصاص الجيش الإسرائيلي، شرقي مدينة غزة، خلال مشاركتهم في فعاليات مسيرة "العودة".
وقالت الوزارة، في بيان تلقت الأناضول نسخة منه، إن "7 مواطنين فلسطينيين أصيبوا برصاص جيش الاحتلال، خلال مشاركتهم في فعاليات مسيرة العودة وكسر الحصار شرقي غزة".
ومساء الأحد، أصيب 19 متظاهرا فلسطينيا، برصاص الجيش الإسرائيلي، شمالي القطاع، خلال مشاركتهم في فعاليات مسيرة "العودة".
ويشارك فلسطينيون، في المسيرات السلمية التي تُنظم قرب السياج الفاصل بين شرقي غزة وإسرائيل، منذ أواخر مارس / آذار العام الماضي، للمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم التي هُجروا منها عام 1948، ورفع الحصار عن القطاع.
ويقمع الجيش الإسرائيلي تلك المسيرات السلمية بعنف، مما أسفر عن استشهاد عشرات الفلسطينيين، وإصابة آلاف.
بوتفليقة يبدأ حملته الرئاسية بـ"إنجازات" 20 سنة من حكمه أمام البرلمان
يعرض رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحي، الإثنين المقبل، أمام البرلمان، حصيلة العمل السنوية للحكومة.
ومن المقرر أن تشمل "إنجازات" فترة 20 سنة من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي ترشح لولاية خامسة في انتخابات أبريل / نيسان المقبل.
ووفق تعديل دستوري جرى في الجزائر مطلع العام 2016 فإن الحكومة مطالبة بتقديم حصيلة عملها للبرلمان سنويًا وفتح نقاش حولها.
وتنص المادة 98 أنه يمكن أن تُختتَم مناقشة حصيلة عمل الحكومة في البرلمان "بلائحة" وهي عريضة للنواب قد تكون بدعم الطاقم الوزاري أو سحب الثقة منه.
ووفق وثيقة "بيان السياسة العامة للحكومة" (الحصيلة)، التي نشرتها رئاسة الوزراء، الإثنين، على موقعها الإلكتروني، فقد تم - على غير العادة - تخصيص محور مستقل لذكر "الإنجازات المحققة" منذ 1999 وهو تاريخ وصول بوتفليقة للحكم.
وكان من المقرر أن تعرض الحكومة حصيلة عملها في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لكن العملية تأجلت بسبب "التزامات داخلية وخارجية لرئيس الوزراء أحمد أويحي"، وفق بيان سابق للحكومة.
ويتزامن عرض الحصيلة هذه المرة مع انطلاق سباق انتخابات الرئاسة المقررة في 18 أبريل / نيسان المقبل.
وفي 10 فبراير/ شباط الجاري، أعلن بوتفليقة، ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة؛ تلبية "لمناشدات أنصاره"، متعهدًا في رسالة للجزائريين بعقد مؤتمر للتوافق على "إصلاحات عميقة" حال فوزه.
وتضمنت وثيقة حصيلة عمل الحكومة "جداول" تفصيلية حول "إنجازات" كل قطاع منذ وصول بوتفليقة للحكم العام 1999.
وورد أنه تم إنجاز أكثر من 4 ملايين سكن ويجري حاليا إنجاز قرابة مليون وحدة سكنية، وانتقل معدل شغل السكن الواحد من 7.5 أشخاص عام 1999 إلى 4.5 أشخاص حاليًا.
ووفق نفس الوثيقة شهدت الفترة نفسها إنجاز 336 كم إضافية من شبكة السكك الحديدية، وإنشاء 20 ميناء و10 مطارات، إلى جانب انتقال نسبة الربط بالغاز من 30 بالمئة إلى 58 بالمئة حاليا وتغطية شبكة المياه انتقلت من 78 بالمئة إلى 98 بالمئة حاليًا.
ومن المنتظر أن تتحول جلسة مناقشة حصيلة عمل الحكومة بالبرلمان إلى ساحة مواجهة "انتخابية" مبكرة بين الموالاة والمعارضة التي تنتقد فترة حكم بوتفليقة.
ورغم اعترافها بدوره في تحسن الوضع الأمني في البلاد، وكذا إرساء سياسة خارجية "متوازنة" تلتقي مواقف المعارضة في أن فترة حكم بوتفليقة شهدت انتشارًا كبيرًا للفساد بصرف أكثر من ألف مليار دولار من عائدات النفط دون تحقيق نهضة اقتصادية، وهو ما ترفضه الحكومة.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت الجزائر دعوات من الموالاة لبوتفليقة من أجل الاستمرار في الحكم، لكن معارضين دعوه إلى الانسحاب بدعوى عجزه عن آداء مهامه بسبب جلطة دماغية تعرض لها في 2013، وأفقدته القدرة على الحركة ومخاطبة شعبه.
وتحاول أقطاب المعارضة في البلاد التحالف لمواجهة بوتفليقة في هذه الانتخابات، التي يرى مراقبون أنها محسومة سلفا لصالحه، بحكم الدعم الذي يحظى به من الموالاة ورجال المال ومؤسسات أخرى.
قناة إسرائيلية تكشف عن موافقة نتنياهو على تقديم تنازلات في إطار "صفقة القرن"
كشفت قناة "كان" الإسرائيلية تسريبات من حديث بين مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاريد كوشنير، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر وارسو الخميس الماضي، بشأن صفقة القرن التي تخطط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسويقها في محاولة لإنهاء القضية الفلسطينية.
وأكدت القناة أن كلام كوشنير يظهر خطة مختلفة عن تلك التي تم الحديث عنها حتى الآن, مشيرةً إلى أنها ستتطلب الكثير من التنازلات من ناحية (إسرائيل)، وأن نتنياهو الذي أظهر تعاملاً إيجابياً مع هذه الخطة.
وبحسب المصدر نفسه، قال كوشنير في مؤتمر وارسو إن "علينا التفكير كيف نريد ان تبدو المنطقة بعد 10 سنوات"، مشدداً غلى التركيز بما هو ممكن وما هو ضروري من اجل خلق فرصة ليس فقط لإسرائيل والأردن ومصر والسعودية، بل لكل الدول".
وأضاف كوشنير أنه تحدث عن مبادرة السلام العربية، قائلاً "أعتقد أنها كانت مبادرة رائعة عام 2002 لكنها لم تجلب السلام", مؤكداً أنه سيجد حلولاً "إبداعية" يؤمن الطرفان من خلالها ربحهم.
ونقلت القناة عن نتنياهو قوله خلال اللقاء إنه يريد تهنئة كوشنير ومبعوث السلام الأميركي جيسون غرينبلات على تحمّلهما هذا الملف، لافتاً إلى أنه يتطلع للاطلاع على تفاصيل الخطة.
وقال نتنياهو إنه إذا اراد فرصة للسلام فهو يأمل أن يستطيع القيام بذلك من خلال الصلاحيات الموجودة لديه حالياً.
وقد طلب كوشنير من الجميع خلال الأشهر المقبلة أن تكون "عقولهم منفتحة".
وفي السياق نفسه, أعلنت صحيفة "إسرائيل اليوم" في خبر حصري عن سعي فلسطيني- أردني لعرقلة صفقة القرن.
وذكرت الصحيفة "أن الأردنيين والفلسطينيين أنشأوا مجلساً مشتركاً لإدارة الحرم القدسي والأماكن المقدسة في القدس كخطوة أساسية لعرقلة خطة السلام الإقليمية المعروفة بصفقة القرن، والتي ستنشرها إدارة ترامب قريباً. هذا ما أظهره تحقيق أجراه المستشرق يوني بن مناحيم، باحث في المركز اليروشالمي لشؤون المجتمع والدولة".
وبحسب بن مناحيم، فإن هذه الخطوة تمثل خرقاً لإتفاق أوسلو وتمس على نحو خطير بالسيادة الإسرائيلية في القدس.
وقال مصدر فلسطيني رفيع المستوى لـ"إسرائيل اليوم" إن "إقامة مجلس مشترك هو خطوة عملية تستند على سريان التفاهمات التي توصل اليها ملك الأردن عبد الله والرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) في آب - أغسطس 2017، بعد أزمة البوابات الإلكترونية في الحرم القدسي".
ولفت المصدر إلى أنه وفقاً لتوجيهات الملك عبد الله صادقت حكومة الأردن على زيادة عدد أعضاء المجلس الفلسطيني - الأردني المشترك من 11 الى 18 عضواً، وهي المرة الأولى التي يتم فيها دمج جهات سياسية رفيعة المستوى من السلطة الفلسطينية وحركة فتح في المجلس.
مسؤول فلسطيني رفيع المستوى قال للصحيفة الإسرائيلية إنه يجري الحديث عن خطوة يسمّونها في رام الله "تغييراً تاريخياً" في موقف الأردن الذي امتنع عن خطوة كهذه منذ توقيعه معاهدة وادي عربة للسلام مع إسرائيل عام 1994.
دبلوماسي عربي أكد للصحيفة أن هذه الخطوة تمت بموافقة الأردن والسعودية وأُعدت تحديداً لتليين المعارضة الفلسطينية لخطة السلام الأميركية، المشهورة بتسمية "صفقة القرن".
بيان الإمام الخامنئي الموجّه إلى الشباب: الخطوة الثانية للثورة الإسلاميّة

ثورة الشعب الإيراني: أربعون عاما من الأمجاد من دون خيانة لمبادئها.
مسؤولية الشباب: البلوغ بالثورة هدفها النهائي بقيام حضارة إسلامية حديثة
محاور رئيسية
• الثورة الإسلامية بداية عصر جديد
• "ثورية" و"نظام" من غير تضاد
• معاصرة من غير تفريط بالأصالة
• إقتدار مع تسامح وشجاعة مع حكمة
• تقدم على جميع المستويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلی يوم الدين.
من بين کلّ الشعوب الخاضعة للجور قلّما يعقد شعب عزیمته وهمته للقیام بثورة، ومن بین الشعوب التي ثارت ونهضت قلّما شوهد شعبٌ استطاع أن يصل بالأمور إلى خواتيمها ویُحافظ علی مبادئ الثورة بعد تغییره أنظمة الحکم. بید أنّ ثورة الشعب الإیراني العظیمة وهي أکبر الثورات في العصر الحدیث وأکثرها شعبیّة، هي الثّورة الوحیدة التي أمضت أربعین عاماً زاخرة بالمفاخر والأمجاد من دون خیانة لمبادئها، وصانت کرامتها وأصالة شعاراتها في مقابل کلّ المغريات الّتي بدت وکأنّها عصیّة علی المقاومة، ودخلت الآن في المرحلة الثانیة من البناء الذّاتي وبناء المجتمع وصناعة الحضارة. فتحیّة من أعماق القلب لهذا الشعب، وللجیل الذي بدأ هذا المشوار وواصله، وللجیل الذي دخل الآن مرحلة عالمیّة کُبری تتمثّل بالأربعین عاماً الثانیة من عمر الثورة.
الثورة الإسلامية بداية عصر جديد
یوم کان العالم مُقسّماً بین المعسكر الشّرقي والمعسكر الغربي المادیّین، ولم یکن أحد یتصوّر وقوع نهضة دینیّة کبری، نزلت الثورة الإسلامیة الإیرانیّة إلی الساحة باقتدار وعظمة وحطّمت الأطر التقلیدیة وأثبتت للعالم اهتراء الطروحات والصيغ الفكريّة النمطيّة؛ وطرحت الدین والدّنیا إلی جانب بعضهما البعض، وأعلنت عن بدایة عصر جدید. وکان من الطبیعي أن یُبدي زعماء الضّلال والجور ردّات فعل، غیر أنّ ردّات الفعل هذه کُتب لها الإخفاق. وعلى الرغم من کلّ ما قام به الیسار والیمین الحداثويّان من التظاهر بعدم سماع هذا الصوت الجدید والمختلف، إلی السعي الواسع والمتنوّع لإخماده، إلّا أنّهما اقتربا من أجلهما المحتوم. والآن بعد مرور أربعین احتفاليّة سنويّة للثورة وأربعین من "عشرة الفجر"، زال أحد قطبي العداء المذکورین، وراح الآخر یتخبّط في مشاكل تنمّ عن قرب احتضاره! أما الثّورة الإسلامیّة فلا تزال تواصل تقدمها إلی الأمام محافظةً علی شعاراتها والالتزام بها.
أ ــ شعاراتها الدينية خالدة على مدى العصور
یُمکن افتراض مدّة زمنيّة معيّنة وتاريخ انتهاء صلاحيّة لکلّ شيء، إلا أنّ الشعارات العالمیة لهذه الثورة الدینیة مستثناة من هذه القاعدة، فهي لن تكون عدیمة التأثير والفائدة أبداً، لأّنّها متجذرّة في فطرة الإنسان في جمیع العصور. فالحریّة والأخلاق والمعنویة والعدالة والاستقلال والعزّة والعقلانیّة والإخوّة لا يختص أيّ منها بجیل أو مجتمع دون غیره، حتّی يتألق ويزدهر في حقبة ويأفل في أخری. لا یمکن أبداً تصوّر شعب یعرض عن هذه الآفاق المبارکة. ومتی ما حصلت حالة إعراض أو تبرّم کان السبب إعراض المسؤولین عن هذه القیم الدینیّة ولیس الالتزام بها والسعي لتحقیقها وتطبیقها.
ب ــ "الثورية" و"النظام " يتكاملان في ظل قيمها الإسلامية
والثورة الإسلامیّة بوصفها ظاهرة حیّة وذات إرادة، هي دوماً مرنة ومستعدّة لتصحیح أخطائها لکنّها لا تتقبل الاستئناف وليست منفعلة. إنّها تُبدي الحساسیّة الإیجابیّة حیال النّقد وتعدّه نعمة من الله وتحذیراً لأصحاب القول من دون عمل، لکنها لا تبتعد أبداً وتحت أيّ ذریعة عن قیمها الممتزجة ـ والحمد لله ـ بالإیمان الدینيّ للناس. والثورة الاسلاميّة بعد تشكيلها للنظام لم ولن تُصاب بالرکود والخمول والانطفاء، ولن تشهد تضاداً أو عدم انسجام بین الغلیان الثوري والنظام السیاسي والاجتماعي، بل ستبقی تدافع إلی الأبد عن نظریة النظام الثوري.
ج ــ معاصرة من غير تفريط بالأصالة
لیست الجمهوریة الإسلامیة متحجّرة وعدیمة الإحساس والإدراك مقابل الظواهر والظروف المتجدّدة، لکنّها ملتزمة أشدّ الالتزام بأصولها ومبادئها، وتتحسّس بشدّة لحدودها الفاصلة بینها وبین منافسیها وأعدائها. وهي لا تهمل أبداً طروحاتها الأساسيّة، ومن المهمّ بالنسبة لها أن تبقی وکیف تبقی. ولا شكّ في أن الفجوة بین ما ینبغي وما هو واقع، قد عذّبت ولا تزال تعذّب الضمائر المنادية بـ [تحقيق] المبادىء، بید أنّ هذه الفجوة يمكن طيّها وتجاوزها، وقد تمّ طيّها في بعض الحالات طوال الأعوام الأربعین الماضیة، ولا شكّ أنها ستُطوی بقوّة أکبر، بفضل حضور الجیل المؤمن المتدیّن العالِم المتحفّز.
د ــ إقتدار مع تسامح وشجاعة من دون إنفعال أو تردد
لقد كانت ثورة الشعب الإيراني الإسلامیة ثورة قويّة، لکنّها عطوفة ومتسامحة بل مظلومة أيضاً. ولم ترتکب أعمالاً متطرّفة وانحرافيّة سبّبت العار لکثیر من النهضات والحرکات. ولم تُطلق الرّصاصة الأولی في أيّ معرکة حتّی مع أمریکا وصدّام، وعملت في کلّ الحالات علی الدفاع عن نفسها بعد هجوم العدو علیها، وبالطبع فقد سدّدت الضربات في ردودها بقوة. ولم تکن هذه الثورة منذ بدایاتها وإلی يومنا هذا عدیمة الرحمة ولا سفّاکة للدماء، وفي الوقت عينه لم تكن منفعلة ولا متردّدة. [بل] وقفت علانيّة وبشجاعة مقابل العتاة والمستكبرين ودافعت عن المظلومین والمستضعفین. هذه المروءة والشهامة الثوریّة، وهذا الصدق والصراحة والاقتدار، وهذا النطاق [الواسع] من العمل العالمي والإقلیمي إلی جوار مظلومي العالم، هو مصدر عزّة وفخر لإیران والإیرانیین، وسیبقی کذلك إلی الأبد.
خطاب إلى الشباب
والآن ونحن على أعتاب فصل جدید من حیاة الجمهوریة الإسلامیة، أرغب أن أتحدّث إلى شبابنا الأعزاء، الجیل الذي نزل ميدان العمل من أجل أن یبدأ جانباً آخر من الجهاد الکبیر لبناء إیران الإسلامیة الکبری. کلامي الأول حول الماضي.
مسؤوليتكم؛ البلوغ بالثورة هدفها النهائي بقيام حضارة إسلامية حديثة
أعزّائي، لا یمکن معرفة المجهول إلا عن طریق التجربة أو الإصغاء لتجارب الآخرین. الکثیر مما شهدناه وجرّبناه لم یُجرّبه جیلکم بعد ولم یشهده. لقد شهدنا [بدورنا] وسوف تشهدون. إنّ السنوات والعقود المقبلة هي عقودکم، وأنتم من یجب أن تحموا ثورتکم بخبراتکم واندفاعكم وتُقرّبوها مهما أمکن من هدفها الکبیر ألا وهو إیجاد الحضارة الإسلامیّة الحدیثة والاستعداد لبزوغ شمس الوليّ الأعظم (أرواحنا فداه).
أ ــ ضرورة معرفة الماضي من أجل التقدم بثبات نحو المستقبل
ولكي نخطو خطوات راسخة في المستقبل، علينا معرفة الماضي بشکل صحیح واستلهام الدروس والعبر من التجارب. وإذا ما غفلنا عن هذه الاستراتیجیّة فستحلّ الأکاذیب محل الحقیقة، وسیتعرّض المستقبل لتهدیدات مجهولة. إنّ أعداء الثورة يعملون، وبدوافع قویّة، علی تحریف الماضي وحتّی الحاضر ونشر الأکاذیب، ویسخّرون في سبيل ذلك الأموال ويستفيدون من کل الأدوات والوسائل. وقُطّاع طرق الفکر والعقیدة والوعي کُثر، ولا یمکن سماع الحقیقة من العدوّ وجنوده.
1 ــ الثورة ونظامها إنطلقا من نقطة الصفر
لقد انطلقت الثورة الإسلامیة والنّظام المنبثق عنها من نقطة الصفر.
أولاً، کان کلّ شيءٍ ضدّنا، سواء نظام الطاغوت الفاسد الذي کان بالإضافة إلی تبعیّته وفساده واستبداده وكونه نظاماً إنقلابيّاً، أوّل نظام ملکيّ یتولّی الحکم في إیران علی ید الأجانب ـ ولیس بقوّته ـ أو الحکومة الأمریکیّة وبعض الحکومات الغربیّة الأخری، أم الوضع الداخلي المتأزّم بشدّة، والتأخّر المخجل على صعيد العلم والتقنیّة والسیاسة والمعنویة وکلّ الفضائل الأخری.
2 ــ بدأنا مشروعنا من دون نماذج وتجارب سابقة
ثانیاً: لم یکن أمامنا أيّ تجربة سابقة ونموذج يُحتذى، ومن البدیهيّ أنّ الثورات المارکسیّة وأمثالها لا یمکن عدّها نموذجاً لثورة انبثقت من صلب الإیمان والمعرفة الإسلامیّة. لقد بدأ الثّوار الإسلامیّون مشروعهم من دون نماذج وتجارب، ولم تتأتّ الترکیبة بین الجمهوریة والإسلاميّة، وأدوات تشکّلها وتطوّرها إلا بالهدایة الإلهیّة وبفضل القلب النیّر والفكر العظيم للإمام الخمینيّ. وكانت هذه أوّل تألّقات الثورة.
3 ــ هلع المستكبرين منها جمعهم في جبهة واحدة ضدها
عندها، بدّلت ثورة الشعب الإیراني العالم ثنائيّ القطب يومذاك إلی عالمٍ ثُلاثيّ الأقطاب، ثم بسقوط الاتحاد السوفیاتيّ والدول التابعة له، وظهور أقطاب قوّة جدیدة، أضحی التقابل الثنائيّ الجدید بین الإسلام والاستکبار الظاهرة البارزة في العالم المعاصر ومحطّ اهتمام شعوب العالم. فمن ناحیة، تسمّرت علیها الأنظار الآملة للشعوب الرازحة تحت نیر الظلم، والتیارات المطالبة بالتحرّر في العالم وبعض الحکومات التائقة للاستقلال، ومن ناحیة أخری تركّزت عليها الأنظار الحاقدة والمغرضة للأنظمة التعسفیة والعتاة المبتزین في العالم. وهکذا تغیّر مسار العالم وقضّ زلزال الثورة على الفراعنة مضاجعهم، فابتدأت العداوات الشديدة، ولولا قوة الإیمان العظیمة ودوافع هذا الشعب والقيادة الربّانيّة والمؤیّدة للإمام الخمینيّ العظیم لما أمکن المقاومة حیال کلّ هذه العداوة والظلم والمؤامرات والشرّ.
4 ــ بالرغم من مشاكل الإستنزاف تقدمت بخطوات راسخة
وعلی الرغم من کلّ هذه المشاكل الاستنزافیة قطعت الجمهوریة الإسلامیة یوماً بعد یوم خطوات أوسع وأكثر ثباتاً نحو الأمام. وقد شهدت هذه الأعوام الأربعون أنواع الجهاد الأكبر والمفاخر المتألقة والتقدم المذهل في إیران الإسلامیة. ویمکن استبيان عظمة التقدّم الذي حققه الشعب الإیراني في هذه الأعوام الأربعین بصورة جيّدة، عند مقارنة هذه الحقبة بالأحقاب المشابهة لها في ثورات کبری من قبیل الثورة الفرنسیة وثورة أکتوبر السوفیتیة وثورة الهند. لقد أوصلت الإدارة الجهادیة المستلهمة من الإیمان الإسلامي والإیمان بمبدأ «نحن قادرون»، الذي علّمه الإمام الخمیني الجلیل لنا جمیعاً، إیران إلی العزّة والتقدّم علی جمیع الأصعدة.
5 ــ بدّلت النظام الاستبدادي بآخرشعبيّ يستند إلى إرادة الناس
لقد أنهت الثورة مرحلة من الإنحطاط المزمن، وبدأت البلاد، التي تعرّضت خلال العهدین البهلوي والقاجاري لأّشد درجات الهوان والتخلّف، تسیر في طریق التقدّم السریع. ففي الخطوة الأولی بدّلت الثورة النظام الملکي الاستبدادي المخزيّ إلی حکمٍ شعبيّ وسیادة شعبیة، وأدخلت عنصر الإرادة الوطنیة الذي یمثل روح التقدّم الشامل والحقیقيّ، في صلب إدارة البلاد، ثم جعلت الشباب اللاعبین الأصلیین في الأحداث وأدخلتهم في ميدان الإدارة، ونقلت روحيّة «نحن قادرون» إلی الجمیع، وبفضل الحظر الذي فرضه الأعداء علّمت الجمیع الاعتماد علی القدرات الذاتيّة، فکان هذا مصدر خیرات وبرکات کثیرة:
أولاً: ضمنت استقرار البلاد وأمنها ووحدة أراضیها وصیانة حدودها التي تعرّضت لتهدیدات جادّة من قبل الأعداء، واجترحت معجزة الانتصار في حرب الأعوام الثمانیة وهزیمة النظام البعثي وحماته الأمریکان والأوروبیّین والشرقیّین.
ثانیاً: أضحت الداینمو المحرّك للبلاد في میادین العلم والتقانة، وإيجاد البنی التحتیة الحیویة والاقتصادیة والعمرانیة، التي لا تزال إلى الآن ثمارها الیانعة تزداد وتتضاعف یوماً بعد آخر. فآلاف الشرکات علمیّة المحور، وآلاف المشاریع الخاصة بالبنی التحتیة والضروریة للبلاد في مجالات العمران والنقل والمواصلات والصناعة والطاقة والمعادن والصحة والزراعة والمیاه وغیر ذلك، وملایین الخرّيجين الجامعیین أو الطلاب الحالیین، وآلاف الوحدات الجامعیة في شتّی أرجاء البلاد، وعشرات المشاریع الکبرى من قبیل دورة الوقود النووي، والخلایا الجذعیة، وتقنیّات النانو، وتقنیات الأحیاء، وغیرها، وبرتب أولی علی مستوی العالم کلّه، وازدیاد الصادرات غیر النفطیة إلی ستین ضعفاً، وزیادة الوحدات الصناعیة إلی ما یقارب العشرة أضعاف، وتحسّن جودة الصناعات عشرات الأضعاف، وتبدیل الصناعات التجمیعیة إلی تقنیات محلیة، والتمیّز الملحوظ في الحقول الهندسیة المتنوعة بما في ذلك الصناعات الدفاعیة، والتألّق في الفروع الطبیّة المهمّة والحسّاسة واکتساب موقع مرجعيّ فیها، وعشرات النماذج الأخری من التقدم، کانت کلّها حصیلة تلك الروح وتلك المشارکة وذلك الشّعور العامّ الذي حقّقته الثورة للبلاد. لقد کانت إیران قبل الثورة في درجة الصفر من حیث إنتاج العلم والتّقانة، ولم یکن لها في الصناعة من میزة سوی التجمیع والمونتاج وفي العلوم سوی الترجمة.
ثالثاً: أوصلت المشارکة الشعبیّة في القضایا السیاسیّة، من قبیل الانتخابات ومواجهة الفتن الداخلیّة والمشاركة في المواقف والمراحل الوطنیّة ومقارعة الاستکبار إلی الذّروة، وزادت بنحوٍ ملحوظٍ، الأنشطة الاجتماعیة من قبیل المساعدات والنشاطات الخیریة التي کانت قد انطلقت منذ ما قبل الثورة. وبعد الثورة صار الناس یشارکون بشوق فیما یشبه السباق لتقدیم الخدمات في الحوادث الطبیعیة والنواقص الاجتماعیة.
رابعاً: ارتقت الثورة بمستوی التفكير السیاسي لأبناء الشعب ونظرتهم للقضایا الدولیّة بنحو مذهل. وأخرجت عملیات التحلیل السیاسي وفهم القضایا الدولیة في موضوعات من قبیل، جرائم الغرب وخصوصاً أمریکا، وقضیة فلسطین والظلم التاریخي الذي حلّ بشعبها، وقضیة إشعال القوی المستكبرة للحروب وممارساتها الخبيثة وتدخّلاتها فی شؤون الشعوب وما إلی ذلك، أخرجتها من كونها محصورة بشریحة محدودة ومعزولة تُعرف بالمستنیرين، فانتشرت مثل هذه الاستنارة بین عموم الشعب وفي کلّ البلاد وعلی مستویات الحیاة كافّة، وأضحت مثل هذه القضایا واضحة ممکنة الفهم حتّی للأحداث والیافعین.
خامساً: رجّحت کفّة العدالة في توزیع خیرات البلاد العامة. وعدم رضايَ عن فاعلیة العدالة في البلاد، لكون هذه القیمة السامیة (العدالة) یجب أن تتألق کجوهرة فريدة علی جبين نظام الجمهوریة الإسلامیة، وهو ما لم یحصل بعد، ینبغي أن لا یُفهم منه عدم حصول شيءٍ من أجل تکریس العدالة. والواقع أن حصيلة الکفاح ضد اللاعدالة خلال هذه العقود الأربعة لا یمکن مقارنتها بأيّ حقبة أخری في الماضي. ففي نظام الطاغوت کانت أکثر الخدمات ومداخيل البلاد تختص بفئة صغیرة من سکان العاصمة أو أمثالهم في مناطق أخری من البلاد. وکان أهالي معظم المدن وخصوصاً المناطق النّائیة والقری والأریاف في نهایة القائمة وغالباً ما کانوا محرومین من احتیاجاتهم الأولیة والأساسیة والخدميّة. وتُعدّ الجمهوریة الإسلامیة من أنجح الحکومات والدّول في العالم في نقل الخدمات والثروة من المرکز إلی کلّ أنحاء البلاد، ومن مناطق المرفهین في المدن إلی مناطق المحرومین. وإنّ الإحصائیات والأرقام الکبری لمدّ الطرق وبناء البیوت وتشیید المراکز الصناعیة وإصلاح الشؤون الزراعیة وإیصال الکهرباء والماء وإنشاء المراکز العلاجیة والوحدات الجامعیة وبناء السدود ومحطات الطاقة الكهربائيّة وما إلی ذلك، في أقصی مناطق البلاد لهي أرقام تبعث علی الفخر والاعتزاز حقاً؛ ولا شكّ أن کلّ هذا لم ینعکس في الإعلام الناقص للمسؤولین، ولم تعترف به ألسنة الخصوم الخارجیین والداخلیین، إلا أنه واقع قائم وموجود وهو حسنة للمدراء الجهادیین المخلصین عند الله وعند الناس. وبالطبع، فإنّ العدالة المتوقعة في الجمهوریة الإسلامیة التي ترغب في أن تعرف باتّباعها للحکومة العلویة، هي أکثر من هذا بکثیر، وأعین الأمل في تحقیقها مسمّرة علیکم أیها الشباب، وهو ما سوف أتطرّق له في تتمّة حديثي.
سادساً: رفعت من مستوی المعنویة والأخلاق في أجواء المجتمع العامة بشکل ملحوظ. وسلوك الإمام الخمیني وسيرته طوال فترة الکفاح وبعد انتصار الثورة کان له السهم الأوفر في إشاعة هذه الظاهرة المبارکة. لقد تولی ذلك الإنسان المعنوي العارف الورع المنزه عن زخارف الحياة والمظاهر الماديّة رئاسة بلاد، أرصدة إیمان شعبها ذات جذور عمیقة للغایة. ومع أن ید التطاول للإعلام المروّج للفساد والتحلّل طوال العهد البهلوي قد وجّهت لهذه الأرصدة ضربات شدیدة، وجلبت مستنقعاً من الأدران الأخلاقيّة الغربیة إلی داخل حیاة الطبقة المتوسطة وخصوصاً الشباب، إلا أن التوجّه الدیني والأخلاقي في الجمهوریة الإسلامیة اجتذب القلوب الموهوبة والنورانیة، ولا سیما الشباب، فتغیرت الأجواء لصالح الدین والأخلاق. وقد ترافق جهاد الشباب في المیادین الصعبة بما في ذلك ساحة الدفاع المقدّس مع ذکر الله والدعاء وروح الإخوّة والإیثار، وأحيى أحداث صدر الإسلام ووضعها نصب أعین الجمیع. وقد ضحّی الآباء والأمهات والزوجات بفعل شعورهم بالواجب الدیني بأحبّائهم الذین سارعوا إلى جبهات الجهاد المتنوعة، وبعد ذلك عندما واجهوا جثامینهم الدامیة أو أجسادهم الجريحة أرفقوا المصیبة بالشکر. وعمرت المساجد وسادت الأجواء الدینیة بشكل غیر مسبوق. وامتلأت طوابیر الاعتکاف بآلاف الشباب والأساتذة والطلبة الجامعیین والنساء والرجال، کما امتلأت طوابیر المخیمات الجهادیة وجهاد البناء وتعبئة البناء بآلاف الشباب المتطوّعین المضحّین. وازدادت الأعمال العباديّة من الصلاة والحج والصیام والمشي للزیارة والمراسم الدینیة المختلفة والإنفاقات والصدقات الواجبة والمستحبة في کلّ مکان وخصوصاً بین الشباب، وهي إلی الیوم فی ازدیاد وازدهار مطّرد من حیث العدد والنوعیة. وقد حدث هذا کلّه في زمن تسبّب فیه الانحطاط الأخلاقي المتزاید للغرب وأتباعه، ودعایاتهم الهائلة لجرّ الرجال والنساء إلی مستنقعات الفساد، بانعزال الأخلاق والمعنویة في مناطق کثیرة من العالم، فکانت هذه معجزة أخری للثورة ونظامها الإسلامي الفعّال والرّیادي.
سابعاً: برز أكثر ـ ويوماً بعد يوم ـ رمز الصمود العظیم والمجید والمهیب بوجه العتاة والمستبدّين والمستکبرین في العالم وعلی رأسهم أمریکا الناهبة المجرمة. فطوال هذه الأعوام الأربعین کان عدم الاستسلام وحراسة الثورة وعظمتها وهیبتها الإلهیة ورأسها الشامخ المرفوع مقابل الحکومات المتکبرة والمستکبرة، کان دوماً سمة معروفة لإیران والإیرانیین وخصوصاً شباب هذا البلد. وقد اعترفت القوی الاحتکاریة في العالم، والتي وجدت حیاتها دوماً في التطاول علی استقلال باقي البلدان وسحق مصالحها الحیویة لأجل أهدافها المشؤومة، اعترفت هذه القوی بعجزها مقابل إیران الإسلامیة الثوریة. واستطاع شعب إیران في أجواء الثورة المحيية (المفعمة بالحياة ــ الباعثة على الحياة)، أولاً طرد عمیل أمریکا والعنصر الخائن للشعب من البلاد، وبعد ذلک وإلی الیوم حال بکل قوّة واقتدار دون عودة هیمنة القوى العالمیّة على البلاد.
ب ــ ها هي حصيلة جهود أربعين عاما أمامكم
أیّها الشباب الأعزاء: هذا جزء بسیط من العناوین الأساسیة لماضي الثورة الإسلامیة الممتد علی مدی أربعین عاماً، الثورة العظیمة الراسخة المتألقة التي ینبغي علیکم بتوفیق الله أن تخطوا الخطوة الواسعة الثانیة للتقدم بها.
وها هي حصیلة جهود أربعین عاماً أمام أنظارکم الآن، بلد وشعب مستقل، حرّ، مقتدر، عزيز، متدین، متقدم في العلوم، صاحب تجارب مهمّة، واثق ومتفائل، له تأثیره الأساسي في المنطقة وصاحب منطق متین في القضایا العالمیة وصاحب الرقم القیاسي في سرعة التقدّم العلمي، صاحب رقم قیاسي في الوصول إلی المراتب العلیا؛ في العلوم والتقنیات المهمة من قبیل الطاقة النوویة والخلایا الجذعیة والنانو والفضاء والطیران وغیر ذلک، ممیّز في نشر الخدمات الاجتماعیة، ممتاز في الدوافع الجهادیة بین شبابه، بارز في نسبة شبابه المؤهلین الکفوئین، والکثیر من الخصوصیات الأخری الباعثة علی الفخر، وهذه کلّها من ثمار الثورة ونتیجة التوجهات الثوریة والجهادیة.
واعلموا أنّه لو لم تحصل هذه اللا مبالاة تجاه الشعارات الثوریة والغفلة عن السیاق الثوري في بعض المراحل من تاریخ الأربعین عاماً هذه ـ وهو ما حصل للأسف وتسبب في بعض الخسائر ـ لکانت مکتسبات الثورة أکثر من هذا بکثیر. ولکان البلد متقدّماً بأشواط في طریق الوصول إلی المبادئ الکبری، ولما كانت الکثیر من المشکلات موجودة الیوم.
ج ــ وها هي طبيععة التحديات القائمة بوجه بلدكم
تواجه إیران المقتدرة الیوم أیضاً کما في بدایة الثورة تحدّیات یخلقها لها المستکبرون، لکن بفارق ذی مغزی کبیر. إذا کان تحدّي أمریکا يومذاك يتمثّل بكفّ أیدی عملاء الأجانب أو إغلاق سفارة الکیان الصهیوني في طهران أو فضح وکر التجسّس، فالتحدّي الیوم سببه وجود إیران المقتدرة علی حدود الکیان الصهیوني، وإنهاء النفوذ غیر الشرعي لأمریکا في منطقة غرب آسیا، ودعم الجمهوریة الإسلامیة لکفاح المجاهدین الفلسطینیین داخل الأراضي المحتلة والدفاع عن الرایة الخفاقة لحزب الله والمقاومة في کلّ هذه المنطقة. وإذا کانت مشکلة الغرب في تلك المرحلة، الحیلولة دون شراء إيران أسلحة بدائیة، فإنّ مشکلته الیوم الحؤول دون نقل الأسلحة الإیرانیة المتطورة لقوات المقاومة. وإذا کانت أمریکا حينها تظنّ أنها بعدد من الإیرانیین البائعین لذممهم وبعدّة طائرات ومروحیات تستطيع التغلب علی النظام الإسلامي والشعب الإیراني، فإنّها الیوم تجد نفسها في مواجهة الجمهوریة الإسلامیة سیاسیاً وأمنیاً، بحاجة إلی تحالف کبیر من عشرات الحکومات المعاندة أو المرعوبة؛ وبالطبع، سوف تنهزم في المواجهة مع ذلک.
د ــ مسار بلدكم المجيد يتوقف إستكماله على جهادكم وثوريتكم
إن إیران بفضل الثورة، تقف الآن في مکانة شامخة ولائقة بالشعب الإیراني في أنظار العالم، وقد تجاوزت الکثیر من المنعطفات الصعبة في قضایاها الأساسيّة. بید أن الطریق الذي طوي وتمّ قطعه سابقاً لیس إلا جزءاً من المسار المجید نحو المبادئ السامیة لنظام الجمهوریة الإسلامیة. أمّا تتمّة هذا المسار والذي لن یکون علی أغلب الظن بصعوبة الماضي، فیجب أن یسار ویطوى بهممکم ویقظتکم وسرعة مبادرتکم أیها الشباب. وعلى المدراء الشباب، والمسؤولون الشباب، والمفکّرون الشباب، والناشطون الشباب في کلّ الساحات السیاسیة والاقتصادیة والثقافیة والدولیة، وکذلک فی مجالات الدین والأخلاق والمعنویة والعدالة، أن یتحملوا المسؤولیّة ویستفيدوا من تجارب الماضي وعبره ودروسه، ویعتمدوا النظرة الثوریة والروح الثوریة والعمل الجهادي، ویجعلوا من إیران العزیزة نموذجاً تاماً للنظام الإسلامي المتقدم.
1 ــ بلدكم يختزن طاقات هائلة إستثمارها يحقق تقدما نوعيا
النقطة المهمة التي ینبغي علی صناع المستقبل أن یأخذوها بعين النظر هي أنهم یعیشون في بلد نادر، من حیث الإمکانیات والطاقات الطبیعیة والبشریة،.والکثیر من هذه الإمکانیات بقیت غیر مستفاد منها أو قلما استفید منها بسبب غفلة القيّمين والمسؤولين. وستستطیع الهمم العالیة ودوافع الشباب الثوریة أن تفعل هذه الإمکانیات، وتحقّق قفزة [نوعيّة] ـ بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ من حيث التقدم المادي والمعنوي للبلاد.
2ــ ثروة بشرية لا تقاس بأية ثروة مادية
إنّ الطاقة الأهم والباعثة علی الأمل في البلاد، هي الطاقات الإنسانیة الموهوبة والکفوءة التي تتحلی ببنیة تحتیة إیمانیة ودینیة عمیقة وأصیلة. فنسبة الشباب دون سنّ الأربعین بین سکان إیران، والتي كان الجزء الأكبر منها نتیجة المدّ السکانيّ الذي عمّ البلاد في الستینیات [الثمانینیات من القرن العشرین للمیلاد]، تعدّ فرصة قیمة للبلاد. 36 ملیون نسمة تتراوح أعمارهم بین 15 و 40 عاماً، وقرابة 14 ملیون نسمة یحملون شهادات دراسات علیا، والمرتبة الثانیة عالمیاً في خریجی العلوم والهندسة، وحشود الشباب الذین نشأوا علی الروح الثوریة وهم مستعدون لبذل المساعي الجهادیة في سبیل البلاد، والعدد الملحوظ من الشباب الباحثین المحقّقین والمفکرین العاملین في مجال الإبداع العلمي والثقافي والصناعي وغیره، هذه کلّها ثروات عظیمة للبلاد لا یمکن مقايستها بأيّ ثروة ماديّة.
3 ــ طاقات مادية منوعة ووفيره
وما عدا ذلك، تشكّل الفرص والطاقات المادية في البلاد قائمة طويلة، يمكن للمدراء الكفوئين المتحفزين العقلاء من خلال تفعيلها واستثمارها زيادة المداخيل الوطنية بشكل ملحوظ، وجعل البلد ثريّاً غير محتاج، ومعتمداً على نفسه بالمعنى الحقيقي للكلمة، ومعالجة المشكلات الراهنة. وإيران بتوفرها على واحد بالمائة من سكان العالم تمتلك سبعة بالمائة من احتياطي المعادن في العالم: فالمصادر الجوفية الهائلة، والموقع الجغرافي الاستثنائي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، الأسواق الوطنية الكبيرة، والأسواق الإقليمية الكبيرة، مضافاً إلى مجاورة 15 بلداً تحوي 600 مليون نسمة، والسواحل البحرية الطويلة، والأراضي الخصبة الصالحة للزراعة بمحاصيل زراعية متنوّعة، والاقتصاد الكبير والمتنوع، هي جزء من إمكانيات البلاد، والكثير من هذه الإمكانيات لا تزال غير مستثمرة. ويقال إن إيران هي الأولى عالمياً من حيث الإمكانيات الطبيعية والبشرية غير المستثمرة. ولا شك أنّكم أيها الشباب المتديّن الدؤوب ستستطيعون معالجة هذا النقص الكبير. والعقد الثاني من الخطّة العشرينيّة ينبغي أن يكون، زمن التركيز على الاستفادة من الإنجازات السابقة، وتفعيل الإمكانيات والطاقات غير المستثمرة. كما ينبغي للبلاد أن تتقدّم في مجالات منها قطاع الإنتاج والاقتصاد الوطني.
هـ ــ توصيات بخصوص جملة من العناوين الأساسية
والآن أقدم لكم يا أبنائي الأعزاء بعض التوصيات بخصوص جملة من العناوين الأساسية. وهذه العناوين هي: العلوم والبحث العلمي، المعنوية والأخلاق، الاقتصاد، العدالة ومكافحة الفساد، الاستقلال والحرية، العزة الوطنية، العلاقات الخارجية تحديد الأطر والحدود مع العدو، ونمط الحياة.
• الأمل والنظرة المتفائلة للمستقبل مفتاح كل الأقفال
لكن قبل كلّ شيء، توصيتي الأولى هي الأمل والنظرة المتفائلة للمستقبل، إذ لا يمكن خطو أي خطوة من دون هذا المفتاح الأساسي الفاتح لكل الأقفال. وما أتكلّم عنه هو الأمل الصادق المعتمد على الوقائع الخارجيّة. فلطالما ابتعدت عن الأمل الكاذب الخادع، ولكنّي حذرت وأحذر نفسي والجميع في الوقت عينه من اليأس في غير محله ومن الخوف الكاذب. لقد كانت السياسة الإعلامية للعدو طوال هذه الأعوام الأربعين ـ والآن أيضاً كما هي دوماً ـ وأبرز برامجها وأنشطتها منصبة على تيئيس شعبنا؛ وحتّى مسؤولينا ومدرائنا، من المستقبل. ولقد كانت الخطط الدائمة لآلآف الوسائل الإعلامية المسموعة والمرئية والإنترنتية المعادية للشعب الإيراني تعتمد الأخبار الكاذبة، والتحليلات المغرضة، وقلب الوقائع والحقائق، وإخفاء المظاهر الباعثة على الأمل، وتضخيم العيوب الصغيرة وتصغير أو إنكار الإيجابيات الكبيرة. وبالطبع، يمكن مشاهدة أذنابهم وأتباعهم في داخل البلاد ممن يعملون على خدمة العدو مستغلين الحريات المتاحة. عليكم أنتم الشباب أن تكونوا رواداً في كسر هذا الحصار الإعلامي. نمّوا في نفوسكم وفي نفوس الآخرين غرسات الأمل بالمستقبل، وانبذوا من نفوسكم ونفوس الآخرين الخوف واليأس. هذا جهادكم الأوّل والأهمّ. ومؤشرات الأمل ـ التي تمّت الإشارة إلى بعضها ـ نصب أعينكم. وحالات النماء في الثورة أكثر بكثير من حالات السقوط، والأيدي والقلوب الأمينة الخدومة أكثر بكثير من المفسدين والخونة والناهبين. والعالم ينظر بعين الإجلال والاحترام للشباب الإيراني والصمود الإيراني والإبداعات الإيرانية في كثير من المجالات. فاعرفوا قدر أنفسكم وجدّوا السير نحو المستقبل، بقوّة الله، واصنعوا الملاحم. أما التوصيات:
1 ــ ضرورة الدفع بمسيرة تقدمنا العلمي إلى الأمام
العلم والبحث العلمي: العلم هو الوسيلة الأبرز لعزة بلد ما وقّوته. فالوجه الآخر للعلم هو القدرة. وقد استطاع العالم الغربي بفضل علومه تحقيق الثروة والنفوذ والقوة لنفسه طوال مائتي عام. ورغم فقره من حيث الأسس الأخلاقية والعقائديّة، استطاع بفرضه أسلوب الحياة الغربي على المجتمعات المتأخرة عن قافلة العلم، الإمساك بزمام سياساتها واقتصادها. إننا لا نوصي باستغلال العلم كما فعل الغرب. إلا أننا نؤكّد، وبنحو قاطع، على حاجة البلاد لتدفّق ينابيع العلم بين ظهرانيها. والحمد لله أنّ المواهب العلمية والبحثية لدى شعبنا أعلى من المتوسط العالمي. فقد بدأت النهضة العلميّة في بلدنا منذ ما يقارب العقدين من الزمن، وتقدمت بسرعة كانت مفاجئة للمراقبين العالميّين. وهي سرعة تزيد بأحد عشر ضعفاً على متوسط النموّ العلمي في العالم. إن مكتسباتنا العلمية والتقنية خلال هذه المدة ــ والتي رفعتنا إلى المرتبة السادسة عشرة بين أكثر من مائتي بلد في العالم، وأذهلت المراقبين العالميين وارتقت بنا في بعض الحقول الحساسة والجديدة إلى المراتب الأولى ــ كلّها حصلت عندما كان البلد يتعرّض لحظر مالي وعلمي. ولقد سجلنا أرقاماً قياسية كبيرة على الرغم من سباحتنا عكس التيار الذي صنعه العدوّ، وهذه نعمة كبيرة يجب أن نشكر الله عليها ليل نهار.
إلّا أنّ ما أريد قوله، هو أن: هذا الطريق الذي طوي ما هو ــ على أهمّيته ــ سوى بداية ليس أكثر. إننا لا نزال متأخرين جداً عن قمم العلم في العالم، ويجب أن نصل إلى القمم. يجب أن نتخطى الحدود الراهنة للعلم في أهم الحقول والفروع. إنّنا لا نزال متأخرين عن هذه المرحلة كثيراً. لقد بدأنا من الصفر. وإنّ التأخر العلمي المخجل في العهدين البهلوي والقاجاري عندما كان السباق العلمي في العالم قد انطلق لتوه، وجه لنا ضربة قوية وأبقانا متأخرين فراسخ عن هذه القافلة المسرعة. لقد بدأنا الحركة والمسيرة الآن، ونحن نتقدم فيها بسرعة، غير أن هذه السرعة يجب أن تستمر على شدتها لسنين طويلة للتعويض عن ذلك التأخر. ولطالما نبهت وحذرت ودعوت بحرارة وحسم وجدّ، الجامعات والجامعيّين ومراكز البحث العلمي والباحثين في هذا الخصوص، إلا أن مطالبتي العامة منكم أيها الشباب الآن هي تسيروا في هذا الدرب بمزيد من الشعور بالمسؤولية و[تعدّونه] كعمل جهادي. لقد تم وضع الحجر الأساس لثورة علمية في البلاد وقدّمت هذه الثورة شهداء من قبيل شهداء الطاقة النووية. فانهضوا وأفرضوا الفشل والإخفاق على العدوّ الحاقد الذي يضمر لكم السوء ويخاف من جهادكم العلمي أشد الخوف.
2 ــ تنمية الشعور المعنوي والضمير الأخلاقي
المعنوية والأخلاق: المعنوية بمعنى تكريس القيم المعنوية من قبيل: الإخلاص والإيثار والتوكل والإيمان بالذات وبالمجتمع. والأخلاق بمعني مراعاة فضائل من قبيل حب الخير والتسامح ومساعدة المحتاجين والصدق والشجاعة والتواضع والثقة بالنفس وسائر الأخلاق الحسنة. فالمعنوية والأخلاق هي الموجّهة لكل الحركات والنشاطات الفردية والاجتماعية وهي حاجة أساسية للمجتمع، ووجودها يجعل من أجواء الحياة جنة حتى مع وجود النواقص المادية، وعدم وجودها يجعل الحياة جحيماً حتى مع التمتّع بالإمكانيات المادية.
كلّما نما الشعور المعنوي والضمير الأخلاقي في المجتمع أكثر، أثمر خيرات وبركات أكثر. ولا شك أنّ هذا بحاجة إلى جهاد وسعي. وهذا الجهاد والسعي لن يكتب له النجاح بشكل ملموس من دون مواكبة الحكومات له. والأخلاق والمعنوية حتماً؛ لا تتحقّقان عن طريق الأوامر والنواهي. وعليه، لا يمكن للحكومات تحقيقها عن طريق القوة القهرية، لكن عليها هي أولاً أن تتحلّى بالسِّيَر والسلوكيات الأخلاقية والمعنوية، وثانياً عليها أن تهيّىء الأرضية لإشاعتها وترويجها في المجتمع، وأن تتيح الفرص للمؤسسات الاجتماعية للعمل على هذا الموضوع، وتمد لها يد العون. كما عليها محاربة المؤسّسات المعادية للمعنوية والأخلاق بأسلوب معقول. وباختصار، أن لا تسمح للجهنميين أن يجعلوا الناس جهنميين بالقوة والخداع.
لقد وفّرت الوسائل الإعلامية المتطورة والشاملة إمكانيات خطيرة جداً للمراكز المعادية للمعنوية والأخلاق. وها نحن نرى الآن بأعيننا، الهجمات المتصاعدة للأعداء على القلوب الطاهرة للشباب والأحداث وحتّى الأطفال بالاستفادة من هذه الوسائل. تتحمّل الأجهزة الحكومية المسؤولة في هذا الخصوص واجبات جسيمة يجب أن تنهض بها بشكل ذكي ومسؤول تماماً. وهذا بالطبع لا يعني إسقاط المسؤولية عن الأشخاص والمؤسسات غير الحكومية. ويجب في المرحلة القادمة إعداد خطط وبرامج شاملة قصيرة ومتوسطة الأمد في هذا الخصوص والعمل على تطبيقها، إن شاء الله.
3 ــ تعزيز الإقتصاد المقاوم
الاقتصاد: الاقتصاد قضية مفتاحية مصيرية. والاقتصاد القوي نقطة قوة وعامل مهم في عدم الخضوع للهيمنة، وفي مناعة البلاد حيال النفوذ والتغلغل. والاقتصاد الضعيف نقطة ضعف ومقدمة لنفوذ الأعداء وهيمنتهم وتدخّلهم. الفقر والغنى يؤثّران في الشؤون الماديّة والمعنويّة للبشر. والاقتصاد بالطبع، ليس هدف المجتمع الإسلامي، لكنّه وسيلة لا يمكن تحقيق الأهداف من دونها. وما تأكيدي على تعزيز الاقتصاد المستقل للبلاد والقائم على الإنتاج الوفير ذي الجودة، والتوزيع العادل، والاستهلاك على قدر الحاجة ومن دون إسراف، والعلاقات الإدارية العقلانية، ما تأكيدي على كلّ ذلك في الأعوام الأخيرة وتكراري له سوى لذلك التأثير المذهل الذي يمكن للاقتصاد أن يتركه في حياة المجتمع حاضراً ومستقبلاً.
لقد بيّنت الثورة الإسلاميّة لنا طريق الخلاص من الاقتصاد الضعيف والتابع والفاسد في عهد الطاغوت. إلّا أنّ الأداءات الضعيفة عرّضت اقتصاد البلاد لتحدّيات خارجية وداخلية. التحدي الخارجي هو الحظر وإلقاءات العدوّ ومغرياته والتي ستكون قليلة التأثير أو حتّى عديمته في حال إصلاح المشكلة الداخلية. أمّا التحدّي الداخلي فعبارة عن العيوب البنيوية والضعف الإداري.
وأهمّ العيوب هي تبعية الاقتصاد للنفط، وتبعيّة بعض القطاعات الاقتصادية للحكومة والتي ليست من اختصاصها، والتركيز على الخارج وليس على القدرات والطاقات الداخلية، والاستثمار القليل للطاقات البشرية الداخلية، وإعداد الموازنات بشكل مختل وغير متوازن، وبالتالي عدم استقرار السياسات التنفيذية للاقتصاد وعدم مراعاة الأولويات، ووجود مصاريف إضافية بل وحتّى إسرافيّة في بعض أقسام الأجهزة الحكومية. ونتيجة لهذا، تحدث مشكلات في حياة الناس من قبيل بطالة الشباب وتدنّي مداخيل الطبقة الفقيرة وما شاكل.
وسبيل الحل لهذه المشكلات هو سياسات الاقتصاد المقاوم، الذي ينبغي إعداد خطط تنفيذية لكلّ جانب من جوانبه، ومتابعته وتطبيقه باقتدار ونشاط وشعور بالمسؤولية من قبل الحكومات. ومن الجوانب المهمة في هذه الحلول، التدفّق الداخلي في اقتصاد البلاد، وصيرورته اقتصاداً إنتاجيّاً وعلميّ المحور، والطابع الشعبي العام للاقتصاد وعدم تصدّي الحكومة له، والتوجّه نحو الخارج [وإقامة علاقات إقتصاديّة معه] من خلال استثمار الإمكانيات والطاقات التي سبق وتمّت الإشارة إليها. ولا شكّ في أنّ مجموعة شابة عالمة متدينة مؤمنة متمكنة في العلوم الاقتصادية داخل الحكومة ستستطيع تحقيق هذه المقاصد. وينبغي للمرحلة القادمة أن تكون ساحة لنشاط مثل هذه المجموعة.
ليعلم الشباب الأعزاء في سائر أنحاء البلاد أنّ كلّ الحلول هي في داخل البلاد. وأن يتصوّر شخص أن «المشكلات الاقتصادية ناجمة فقط عن الحظر، وسبب الحظر هو المقاومة ضد الاستكبار وعدم الاستسلام أمام العدو؛ فالحلّ إذاً، هو الركوع أمام العدوّ وتقبيل يد الذئب»؛ فهذا خطأ لا يغتفر. هذا التحليل الخاطىء بكلّيّته، يصدر بين الحين والآخر على ألسنة بعض الغافلين الداخليين وأقلامهم، لكنّ مصدره مراكز الفكر والتآمر الخارجية التي تبثه وتوحي به بمائة لغة إلى صناع القرار وأصحاب القرار والرأي العام الداخلي.
4 ــ تعميم العدالة الإجتماعية ومكافحة الفساد
العدالة ومكافحة الفساد: هذان الأمران متلازمان. الفساد الاقتصادي والأخلاقي والسياسي كتلة مرَضيّة في البلدان والأنظمة، إذا ما أصابت هيكل الحكومات عرّضتها لزلزال مدمر ووجهت ضربة شديدة لشرعيتها. وهذه قضية جدّية وأساسيّة للغاية بالنسبة لنظام كنظام الجمهورية الإسلامية الذي يحتاج إلى شرعية أعلى من الشرعيات الدارجة وأشدّ رسوخاً من المقبوليّة الاجتماعيّة مقارنة بسائر الأنظمة. ومغريات المال والمنصب والرئاسة قد تتسببت بزلل أقدام البعض حتّى في أكثر حكومات التاريخ نزاهة أي حكومة الإمام علي أمير المؤمنين (علىه السلام) نفسها. وعليه، فمخاطر ظهور هذا التهديد في الجمهورية الإسلامية أيضاً ـ التي كان مدراؤها ومسؤولوها يوماً، يتسابقون في الزهد الثوري والبساطة في الحياة ـ غير مستبعد على الإطلاق. وهذا ما يتطلّب الحضور الدائم للأجهزة الكفوءة، ذات النظرة الثاقبة والتعاطي الحاسم، في السلطات الثلاث، فتحارب الفساد بالمعنى الحقيقي للكلمة، وخصوصاً داخل الأجهزة الحكومية.
وبالطبع، فإنّ نسبة الفساد بين المسؤولين في حكومة الجمهورية الإسلامية قليلة جداً، بالمقارنة مع كثير من البلدان الأخرى؛ خاصّة نظام الطاغوت الذي كان مملوءاً بالفساد من رأسه إلى أخمص قدميه، ومروجاً له. والحمد لله أنّ رجال هذا النظام قد حافظوا في الأعمّ الأغلب على نزاهتهم. لكن حتّى هذا المقدار الموجود غير مقبول. على الجميع أن يعلموا أن النزاهة الاقتصادية شرط لشرعيّة كلّ المسؤولين في دولة الجمهورية الإسلامية. على الجميع أن يحذروا من شيطان الطمع ويفروا من اللقمة الحرام وأن يستعينوا بالله في هذا الخصوص. وعلى الأجهزة الرقابيّة والحكومية أن تكافح ـ بحسم وبحساسية ـ انعقاد نطف الفساد ونموّها. وهذا الكفاح يتطلب أناساً مؤمنين ومجاهدين، ذوي نفوس عزيزة، وأيد نظيفة وقلوب نيرة. هذا الكفاح هو جزء مؤثر من المساعي الشاملة التي ينبغي لنظام الجمهورية الإسلامية بذلها في سبيل تكريس العدالة.
تقع العدالة في قائمة الأهداف الأولى لبعثة سائر الأنبياء. ولها في الجمهورية الإسلامية أيضاً المنزلة والمكانة ذاتها. إنّها كلمة مقدّسة في كلّ الأزمنة والبلدان ولن تتحقّق بشكلها الكامل إلا في دولة الإمام صاحب العصر والزمان (أرواحنا فداه). لكنها ممكنة بنسبة ما، في كلّ مكان وزمان. وهي فريضة على عاتق الجميع؛ خاصّة الحكام والمقتدرين. وقد قطعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطوات واسعة في هذا السبيل؛ سبقت الإشارة إليها على نحو الإيجاز وطبعاً ينبغي القيام بأعمال أكثر في إيضاح تلك الخطوات وشرحها لإحباط مؤامرة قلب الحقائق ـ أو لا أقل ـ الصمت والتعتيم التي تمثل في الوقت الحاضر بالمخطط الجاد لأعداء الثورة.
ومع كلّ هذا أقول بصراحة للشباب الأعزاء الذين يتطلع لهم مستقبل البلاد: يوجد بون شاسع بين ما تمّ إنجازه إلى الآن وما كان ينبغي أن يُنجز. ينبغي لقلوب المسؤولين في الجمهورية الإسلامية أن تخفق دوماً من أجل رفع الحرمان، وتخاف أشدّ الخوف من الفوارق الطبقية العميقة. إنّ اكتساب الثروة في الجمهورية الإسلامية ليس جريمة، بل هو موضع تشجيع وترغيب. لكنّ التمييز في توزيع المصادر والثروات العامة، وإتاحة الفرصة للانتهازيين والمحتكرين، ومداراة المخادعين الاقتصاديين، والتي تؤدّي كلّها إلى انعدام العدالة، هي ممارسات ممنوعة أشد المنع. كما أنّ الغفلة عن الشرائح المحتاجة إلى الدعم، غير مقبولة على الإطلاق. لقد ورد هذا الكلام مراراً على شكل سياسات وقوانين، لكنّ عيون الأمل مسمّرة عليكم أيها الشباب لتنفيذه تنفيذاً لائقاً، وإذا ما أُحيلت إدارة قطاعات البلاد المختلفة إلى الشباب المؤمن الثوري العالِم الكفوء ـ وهم ليسوا قلة بحمد الله ـ فسوف يتحقّق هذا الأمل إن شاء الله.
5 ــ حماية الإستقلال والحرية
الاستقلال والحرية: الاستقلال الوطني بمعنى انعتاق الشعب والدولة ممّا تفرضه القوى المهيمنة على العالم ومن عسفها وهيمنتها. والحرية الاجتماعية بمعنى حق اتخاذ القرار والعمل والتفكير لكلّ أفراد المجتمع. وهذان كلاهما من القيم الإسلامية، وكلاهما عطايا إلهية للبشر، وليس أيّ منهما تفضُّل تجود به الحكومات على الشعوب. ومن واجب الحكومات تأمين هذين الأمرين. إنّ أكثر من يعرف أهمّيّة الحرية والاستقلال هم من حاربوا من أجلهما. ومن هؤلاء الشعب الإيراني بجهاده على مدى أربعين عاماً. والاستقلال والحرية الحاليان الموجودان في إيران الإسلامية هما إنجاز، بل ثمرة دماء مئات الآلاف من الأشخاص المتسامين الشجعان والمضحّين. وهم غالباً من الشباب، لكنّهم في المراتب الإنسانية الرفيعة. لا يمكن المخاطرة بثمرة شجرة الثورة الطيبة هذه، بالتأويلات والتبريرات الساذجة، والمغرضة أحياناً. من واجب الجميع ـ وخصوصاً حكومة الجمهورية الإسلامية ـ حماية هذا الإنجاز بكلّ كيانهم. ومن البديهي أن الاستقلال يجب أن لا يؤخذ بمعنى حصر سياسة البلاد واقتصادها داخل حدودها، كما لا ينبغي تفسير الحرية بشكل متعارض مع الأخلاق والقانون والقيم الإلهيّة والحقوق العامّة.
6 ــ صيانة العزة الوطنية والحفاظ على الحدود الفاصلة مع العدو
العزة الوطنية والعلاقات الخارجية وتحديد الأطر والحدود مع العدوّ: هذه العناوين الثلاثة تفريعات لمبدأ «العزة، الحكمة، والمصلحة» في العلاقات الدولية. تشهد الساحة العالمية اليوم ظواهر تحققّت أو هي على وشك التحقّق والظهور: الحركة الجديدة لنهضة الصحوة الإسلامية على أساس نموذج المقاومة بوجه هيمنة أمريكا والصهيونية، وفشل سياسات أمريكا في منطقة غرب آسيا وعجز حلفائها الخونة في المنطقة، واتساع [رقعة] الحضور القوي لسياسة الجمهورية الإسلامية في غرب آسيا، وانعكاساته الواسعة في كلّ العالم المهيمن.
هذه بعض مظاهر عزّة الجمهورية الإسلامية التي لا تتأتّى إلا بشجاعة المسؤولين الجهاديين وحكمتهم. إنّ زعماء نظام الهيمنة قلقون، واقتراحاتهم عموماً تنطوي على الخداع والحيل والأكاذيب. إنّ الشعب الإيراني اليوم يعِدّ ـ فضلاً عن أمريكا المجرمة ـ بعض الحكومات الأوروبية أيضاً، مخادعة ولا يمكن الثقة بها. وعلى حكومة الجمهورية الإسلامية أن تحافظ على الحدود الفاصلة بينها وبينهم بدقة، ولا تتراجع عن قيمها الثورية والوطنية خطوة واحدة، وأن لا تخاف تهديداتهم الجوفاء، وأن تأخذ في جميع الأحوال، عزّة بلادها وشعبها بعين النظر، وتعالج مشكلاتها الممكنة الحلّ معهم بطريقة حكيمة، ووفق المصالح، وبالطبع من الموقع والمنطلق الثوري. أمّا فيما يخصّ أمريكا، فإنّ حلّ أيّ مشكلة غير متصوّر معها، والتفاوض معها لن يعود سوى بالخسائر والأضرار المادية والمعنوية.
7 ــ مواجهة ترويح أسلوب الحياة الغربي في البلاد
نمط الحياة: ما يلزم قوله في هذا المضمار كثير، فأتركه لمناسبة أخرى وأكتفي بنقطة واحدة هي، أنّ: جهود الغرب لترويج أسلوب الحياة الغربي في إيران وإشاعته، قد عرّض بلادنا وشعبنا لأضرار أخلاقية واقتصادية ودينية وسياسية لا تعوض، ومواجهتها تتطلب جهاداً شاملاً وواعياً تتسمّر فيه عيون الأمل أيضاً عليكم أيها الشباب.
في الختام، أتقدّم بالشكر من الشعب العزيز على المشاركة المهيبة والباعثة على الفخر والمحطّمة [لآمال] الأعداء في الثاني والعشرين من بهمن والذكرى الأربعين لانتصار الثورة الإسلامية العظيمة، وأمرّغ جبهتي على أعتاب الساحة الربوبية شكراً. السلام على الإمام بقية الله (أرواحنا فداه)، والسلام على الأرواح الطيّبة للشهداء الأجلّاء، والروح الطاهرة للإمام الخميني الكبير، وسلامي لكلّ أبناء الشعب الإيراني العزيز، وسلامٌ خاصّ للشباب.
الداعي لكم
السيد علي الخامنئي
22 بهمن 1397هـ.ش
11 شباط 2019م
الرحمة واطلاقاتها على الذات الإلهية المقدسة
الرحمٰن والرحيم: صفتان من الصفات العليا لله سبحانه وهما مشتقّتان من مادّة (الرحمة). ورحمان صيغة مبالغة تدلّ علىٰ الكثرة، ورحيم صفة مشبّهة تدلّ علىٰ (الثبات والبقاء).
وقد ذكرت معاجم اللغة معاني كثيرة لكلمة «الرحمة» مثل: الرِقّة، الرأفة، اللطف، الرفق، العطف، الحبّ، الشفقة، حرقة القلب، ويرد عليه أوّلاً: انّ هذه كلّها مقدّمات ومراحل سابقة للرحمة وليست هي الرحمة نفسها، لانّ الانسان عندما يرىٰ المشاهد المثيرة للمشاعر تنبعث ابتداءً في قلبه الرقّة واللطف والعطف وحرقة القلب والمحبّة والشفقة والرأفة ومن ثمّ تحصل الرحمة.
ثانياً: انّ الّذي ذكر هو صفة مصداق من مصاديق الرحمة الّتي تحصل لدىٰ الإنسان، امّا الرحمة الّتي تنسب الىٰ الذات المقدّسة الإلٰهيّة فهي منزّهة من أيّ لون من ألوان الانفعال والتأثّر، وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): انّ الله سبحانه «رحيم لايوصف بالرقّة».[1] وعليه فإنّ المعنىٰ الجامع للرحمة هو العطاء والإفاضة لسدّ حاجة المحتاجين وبهذا المعنىٰ تنسب الىٰ الله سبحانه وكما جاء في مفردات الراغب: (الرحمة من الله انعام وافضال).[2]
ومفردتا الرحمٰن والرحيم اللتان هما من مادّة مشتركة لهما معنيان مختلفان بسبب الاختلاف في الهيئة والتركيبة اللفظيّة، فالرحمٰن علىٰ وزن فعلان وتفيد المبالغة، فوزن فعلان يدلّ علىٰ الكثرة والوفرة مثل: غضبان ومعناهُ الممتلئ بالغضب. إذاً فالرحمٰن يعني المبدأ الممتلئ والفيّاض بالرحمة، والرحمة الرحمانيّة للذات المقدّسة الإلٰهيّة هي تلك الرحمة الواسعة المطلقة الّتي وسعت جميع الممكنات وتفاض علىٰ المؤمن والكافر.
هذه الرحمة الواسعة هي الفيض المنبسط ونور الوجود الشامل الّذي أضاء كلَّ شيء: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمٰنُ مَدّا}.[3] وامّا الرحيم فعلىٰ وزن فعيل وهي صفة مُشبِهَة تدلّ علىٰ الثبات والبقاء ومقتضىٰ هيئتها الخاصّة انّها تعني المبدأ الّذي له رحمة ثابتة وراسخة الّتي هي أقلّ سعة من الرحمة الرحمانيّة، وهي تلك الرحمة الخاصّة الّتي تُفاض فقط علىٰ المؤمنين والمحسنين {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيما}.[4]
وكلمة (رحمٰن) مثل كلمة (إلٰه) يمكن اطلاقها علىٰ غير الله إذا كانت بغير الألف واللام، ولكن إذا دخلت عليها الألف واللام فلا تطلق الاّ علىٰ الذات المقدّسة الإلٰهيّة.[5]
آية الله الشيخ جوادي آملي
[1] . نهج البلاغة، الخطبة 179، المقطع 4.
[2] . مفردات الراغب، «ر ح م».
[3] . سورة مريم، الآية 75.
[4] . سورة الأحزاب، الآية 43.
[5] . التحقيق، ج4، ص91؛ مفردات الراغب، «ر ح م»؛ الميزان، ج1، ص18.




























